صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع العلوم والحكم بشرح خمسين حديثا من جوامع الكلم
المؤلف : ابن رجب الحنبلي
المحقق : ماهر ياسين فحل ، وقد جعل تحقيقه للكتاب مجانا فجزاه الله خيرا
مصدر الكتاب : موقع صيد الفوائد
http://www.saaid.net

) .
وقد أخذ الإمام ((1)) أحمد بهذا الحديث ، وعمل به في المنصوص عنه ، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه ، فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن يكون محاباة ، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر ، فالمحاباة منتفية ، وهو من((2)) أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر((3)) ، ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرا ، وكان غنيا في نفس الأمر ، أجزأته على الصحيح ؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه ، والفقر أمر خفي ، لا يكاد يطلع على حقيقته ((4)) .
وأما الطهارة ، فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور ، وهو يرجع إلى أن
الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة ، أم هي شرط من شروط الصلاة ، كإزالة
النجاسة ، وستر العورة ؟ فمن لم يشترط لها النية ، جعلها كسائر شروط الصلاة ،
ومن اشترط لها النية ، جعلها عبادة مستقلة ، فإذا كانت عبادة في نفسها ، لم تصح
بدون نية ، وهذا قول جمهور العلماء((5)
__________
(1) لم ترد في ( ص ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) انظر : مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله ( 551 ) ، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/246 ، ونيل المأرب 2/408 .
(4) انظر : رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل 1/312 .
(5) الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين :
المذهب الأول : النية سنة في الوضوء ، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه .
المذهب الثاني : النية فرض ، وبذلك قال جمهور العلماء ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والظاهرية والزيدية والإمامية ، وهو الصواب .

انظر : الحاوي الكبير 1/87 ، واللباب في شرح الكتاب 1/10 ، والمغني 1/122-123 ، والمجموع 1/170 ، وإعلام الموقعين 2/216 ، ومنتهى الإرادات 1/18 ، والسيل الجرار 1/75 و80 ، ومفتاح الكرامة 1/203 ، ومسائل من الفقه المقارن 1/66 .

(3/44)


) ، ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : بأن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا ، وأن((1)) من توضأ كما أمر ، كان كفارة لذنوبه((2)) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) من ذلك ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار ، فغسلهما ، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ، ثم قال : قال رسول الله : (( من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من
ذنبه )) .
أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 65 ) برواية يحيى الليثي ، وعبد الرزاق ( 141 ) ، والحميدي ( 35 ) ، وأحمد 1/57 و59 و60 و61 و64 و67 و68 و71 ، والدارمي ( 699 ) ، والبخاري 1/51 ( 159 ) و1/52 ( 164 ) و3/40 ( 1934 ) ، و8/114 ( 6433 ) ، ومسلم 1/141 ( 226 ) ( 3 ) و1/142 ( 228 ) ( 7 ) و1/143 ( 231 ) ( 10 ) و1/149 ( 245 ) ( 33 ) ، وأبو داود ( 106 ) ( 107 ) و( 109 ) ، وابن ماجه
( 285 ) و( 459 ) ، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " 1/74 ، والنسائي 1/64 و65 و80 و91 و111 وفي " الكبرى " ، له ( 91 ) و(103) و( 171 ) و( 172 ) و( 840 ) ، وابن خزيمة ( 2 ) و( 3 ) و( 158 ) ، وابن حبان (1041) ، والبيهقي 1/225 ، والبغوي
( 152 ) و( 153 ) من حديث عثمان بن عفان ، به .

(3/45)


وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة((1)) بنفسها ، حيث رتب عليه تكفير الذنوب ، والوضوء الخالي عن النية لا يكفر شيئا من الذنوب
بالاتفاق((2)) ، فلا يكون مأمورا به ، ولا تصح به الصلاة ، ولهذا لم يرد في شيء من
بقية شرائط الصلاة ، كإزالة النجاسة ، وستر العورة ما ورد في الوضوء من الثواب((3)) ، ولو شرك بين نية الوضوء ، وبين قصد التبرد ، أو إزالة النجاسة ، أو الوسخ ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي((4)) ، وهذا((5)) قول أكثر أصحاب أحمد((6)) ؛ لأن هذا القصد((7)) ليس بمحرم ، ولا مكروه ، ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء ، لم يضره ذلك . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصد أحيانا((8)) بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج ، كما قال : (( خذوا عني مناسككم((9)) )) .
ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم : مسائل الأيمان .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) انظر : الأم 2/62-63 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 1/39 .
(3) انظر : الواضح في شرح مختصر الخرقي 1/39 ، ونيل المآرب 1/50 .
(4) انظر : الحاوي الكبير 1/96 ، والوسيط 1/78 ، والمجموع 1/177 .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) انظر : المغني 1/123 .
(7) في ( ص ) : (( الفعل )) .
(8) سقطت من ( ص ) .
(9) أخرجه : أحمد 3/301 و318 و332 و337 و367 و378 ، والدارمي ( 1899 ) ، ومسلم 4/79 ( 1297 ) ( 310 ) ، وأبو داود ( 1970 ) ، والنسائي 5/270 وفي
" الكبرى " ، له ( 4068 ) ، وابن خزيمة ( 2877 ) ، والبيهقي 5/116 و130 ، والبغوي ( 1946 ) من حديث جابر بن عبد الله ، به .

(3/46)


فلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ماجرى على اللسان من غير قصد بالقلب إليه، كقوله : لا والله ، وبلى والله في أثناء الكلام((1)) ، قال تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ((2)) .
وكذلك يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وما قصد بيمينه، فإن حلف بطلاق ، أو عتاق ، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه ، فإنه يدين فيما بينه وبين الله - عز وجل - ((3)) .
__________
(1) انظر : الأم 8/54-55 ، واللباب في شرح الكتاب 4/4 ، وبداية المجتهد 1/500-501 .
وقد وردت أحاديث في اللغو في اليمين ، روي عن إبراهيم الصائغ قال : سألت عطاء عن اللغو في اليمين ، فقال : قالت عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( هو كلام الرجل في بيته ، كلا والله وبلى والله )) .
أخرجه : عبد الرزاق ( 15951 ) ، وأبو داود ( 3254 ) ، والطبري في " تفسيره "
( 3501 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 2155 ) ، وابن حبان ( 4333 ) ، والبيهقي 10/49 .
وروى موقوفا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسان : لا والله وبلى والله .
أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 1366 ) برواية الليثي ، والشافعي في " مسنده " ( 1723 ) و( 1724 ) بتحقيقي ، وعبد الرزاق ( 15952 ) وفي " التفسير " ، له ( 268 ) ، والبخاري 8/168 ( 6663 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 11149 ) ، وابن الجارود
( 925 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 3500 ) و( 3507 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره "
( 2152 ) و( 6701 ) و( 6702 ) ، والبيهقي 10/48 و49 .
(2) البقرة : 225 .
(3) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/143-147 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 5/150 ، والهداية 2/130 بتحقيقي .

(3/47)


وهل يقبل منه في ظاهر الحكم ؟ فيه قولان للعلماء ((1)) مشهوران ، وهما روايتان عن أحمد((2))، وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته : شبهني ، قال : كأنك ظبية ، كأنك حمامة ، فقالت ((3)): لا أرضى حتى تقول : أنت خلية ((4)) طالق ، فقال ذلك ، فقال عمر : خذ بيدها فهي امرأتك . خرجه أبو عبيد((5)
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) قال القاضي أبو يعلى : (( إذا أتى بصريح الطلاق ونوى به شيئا يخالف الظاهر هل يصدق في الحكم أم لا ؟ على روايتين :
إحداهما : يصدق لأنه لا خلاف أنه لو قال لمدخول بها : أنت طالق طالق ، وقال أردت بالثانية إفهامها إن قد وقع بها طلقة قبل منه ذلك ، كذلك هاهنا ؛ ولأنها يمين يصدق فيها في الباطن فصدق فيها في الظاهر .
والرواية الثانية : لا يصدق في الحكم لأن ما قاله خلاف الظاهر فلم يصدق في حقها كما لو أقر بألف درهم ، ثم رجع وقال : كذبت في إقراري وليس له قبلي شيء فإنه يحتمل ما قال ، ولكن لا يصدق في الحكم لأنه خلاف الظاهر ، كذلك هاهنا ، وقد نص على هذه الرواية في مواضع )) . انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/147-148 .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : (( له )) .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : (( أنت )) .
(5) في غريب الحديث 3/379-380 .

وأخرجه : سعيد بن منصور في " سننه " ( 1192 ) و( 1193 ) .

(3/48)


) ، وقال : أراد الناقة تكون معقولة ، ثم تطلق من عقالها ويخلى عنها ، فهي خلية من العقال ، وهي طالق ؛ لأنها قد طلقت منه ، فأراد الرجل ذلك ، فأسقط عنه عمر الطلاق لنيته. قال: وهذا أصل لكل((1)) من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق((2)) والعتاق،
وهو ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله ، في الحكم على تأويل مذهب((3)) عمر - رضي الله عنه - .
ويروى عن سميط السدوسي ، قال : خطبت امرأة ، فقالوا : لا نزوجك حتى تطلق امرأتك ، فقلت : إني قد طلقتها ثلاثا ، فزوجوني ، ثم نظروا ، فإذا امرأتي عندي ، فقالوا : أليس قد طلقتها ثلاثا ؟ فقلت : كان عندي فلانة فطلقتها ، وفلانة فطلقتها ، وفلانة فطلقتها ((4)) ، فأما هذه ، فلم أطلقها ، فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدا ، فقلت له : سل أمير المؤمنين عن هذه ، فخرج فسأله ، فقال : نيته . خرجه أبو عبيد في " كتاب الطلاق " ، وحكى إجماع العلماء على مثل((5)) ذلك .
وقال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد : حديث السميط تعرفه ((6))؟ قال : نعم، السدوسي، إنما جعل نيته بذلك ، فذكر ذلك شقيق لعثمان ، فجعلها نيته((7)).
فإن كان الحالف ظالما ، ونوى خلاف ما حلفه عليه غريمه ، لم تنفعه
نيته ، وفي " صحيح مسلم "((8)
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في ( ص ) : (( من تكلم بشبهة الطلاق )) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) عبارة : (( وفلانة فطلقها )) سقطت من ( ج ) .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) عبارة : ((فذكر ذلك شقيق لعثمان ، فجعلها نيته )) سقطت من ( ص ) .
(8) 5/87 ( 1653 ) ( 20 ) .

وأخرجه : أحمد 2/228 و331 ، والدارمي ( 2354 ) ، وأبو داود ( 3255 ) ، وابن ماجه
( 2121 ) ، والترمذي ( 1354 ) ، والعقيلي في " الضعفاء " 2/251 ، والدارقطني 4/157 و158 ، والحاكم 4/303، وأبو نعيم في " الحلية " 9/225 و10/127، والبيهقي 10/65، والبغوي ( 2514 ) .

(3/49)


) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك )) . وفي رواية له((1)) : (( اليمين على نية
المستحلف((2)) )) ، وهذا محمول على الظالم ، فأما المظلوم ، فينفعه ذلك . وقد خرج الإمام أحمد ، وابن ماجه من حديث سويد بن حنظلة، قال: خرجنا نريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعنا وائل بن حجر ، فأخذه عدو له ، فتحرج الناس أن يحلفوا ،
فحلفت أنا إنه أخي ، فخلى سبيله ، فأتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرته أن القوم
تحرجوا أن يحلفوا ، وحلفت أنا ((3)) إنه أخي ، فقال : (( صدقت ، المسلم أخو
المسلم((4)) )) .
وكذلك تدخل النية في الطلاق والعتاق ، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق أو العتاق ، فلا بد له من النية((5)) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) 5/87 ( 1653 ) ( 21 ) .
وأخرجه : ابن ماجه ( 2120 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 259 ) والبيهقي 10/65 ، والبغوي ( 2515 ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) أخرجه : أحمد 4/79 ، وأبو داود ( 3256 ) ، وابن ماجه ( 2119 ) ، والطحاوي في
" شرح المشكل " ( 1874 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 6464 ) و( 6465 ) ، والحاكم 4/299 ، والبيهقي 10/65 وإسناده ضعيف لجهالة جد إبراهيم بن عبد الأعلى .
(5) قال ابن قدامة في " المغني " 8/285 : (( فأما غير الصريح فلا يقع الطلاق به إلا بنية أو دلالة
حال )) .
ونقل الأثرم إذا قال : (( الحقي بأهلك وقال : لم أنو به طلاقا ليس بشيء ظاهر هذا اعتبار
النية )) المسائل الفقهية 2/143 .
وانظر : رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل 2/804، والمجموع 18/172، ومنتهى الإرادات 2/260 ، ونيل المآرب 4/439 .

(3/50)


وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو سؤال الطلاق ونحوه أم لا ؟
فيه خلاف مشهور بين العلماء((1)
__________
(1) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/804 : (( إذا انضم إلى الكنايات دلالة حال لم يحتج إلى نية ، وقال الشافعي : يحتاج إلى نية وإلا لم يقع ، وعن أحمد نحوه دليلنا : أن دلالة الحال تؤثر في الكلام والأفعال ، أما الكلام فإن اللفظة الواحدة تستعمل في المدح والذم ، وليس ذلك إلا لدلالة الحال )) .
وقال أيضا في 2/805 : (( ولا فرق بين أن يكون دلالة الحال سؤالا أو غضبا ، وقال أبو حنيفة كمذهبنا في السؤال وفي الغضب يحتاج إلى نية إلا في ثلاث ألفاظ : اختاري ، واعتدي ، وأمرك بيدك ، دليلنا : أن هذه كناية فوقع بها الطلاق في حال الغضب بغير نية كالألفاظ الثلاث )) .

انظر : المسائل الفقهية 2/143-144 ، والمغني 8/269-270 ، ومنتهى الإرادات 2/260 ، ونيل المآرب 4/439 .

(3/51)


) ، وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن كما لو نواه ، أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط ؟ فيه خلاف مشهور أيضا((1)) ، ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة، كالبتة ونحوها ، فهل يقع به الثلاث أو واحدة ؟ فيه قولان مشهوران، وظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دون الثلاث، وقع به ما نواه ، وحكي عنه رواية أنه يلزمه الثلاث أيضا((2)) .
__________
(1) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/806 : (( إذا نوى بالكنايات الخفية عددا من الطلاق ثبت قل أو كثر ، وبه قال أكثرهم ، وقال أبو حنيفة : لاثبت بها إلا واحدة بائن ، أو ثلاث ، فأما طلقتان فلا ، دليلنا : إن من ملك إيقاع طلقة بكناية ملك إيقاع طلقتين بكناية كالعبد )) .
(2) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/804 -805
: (( الكنايات الظاهرة لا يقع بها الطلاق إذا لم ينضم إليها دلالة حال أو نية، وبه قال أكثرهم، وقال مالك : يقع الطلاق ، ومن أصحابه من يسمي ذلك صريحا . دليلنا : أنه لفظ لم يرد به القرآن للفرقة بين الزوجين ، فلم يكن صريحا كالكنايات الخفية . =
= والكنايات الظاهرة إذا نوى بها الطلاق كانت ثلاثا ، فأما الخفية فيرجع في العدد إلى ما نواه ، وقال أبو حنيفة : جميع الكنايات يقع بها واحدة بائن إلا قوله : اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة فإنها رجعية ، وقال مالك : الكنايات الظاهرة يقع بها ثلاثا في حق المدخول بها ، وواحدة في حق غير المدخول بها ، وقال الشافعي : جميع ذلك يقع به واحدة رجعية إلا أن ينوي الثلاث فيكون ثلاثا )) .
وانظر : المغني 8/272-273 ، ونيل المآرب 4/439 .

(3/52)


ولو رأى امرأة ، فظنها امرأته ، فطلقها ، ثم بانت((1)) أجنبية ، طلقت امرأته ؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته . نص على ذلك أحمد((2)) ، وحكي عنه رواية أخرى : أنها لا تطلق((3)) ، وهو قول الشافعي((4)) ، ولو كان العكس ، بأن رأى امرأة ظنها أجنبية ، فطلقها ، فبانت امرأته ، فهل تطلق ؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد((5)) ، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره أنها تطلق((6)) .
ولو كان له امرأتان ، فنهى إحداهما عن الخروج ، ثم رأى امرأة قد
خرجت ، فظنها المنهية((7)) ، فقال لها : فلانة خرجت ((8))، أنت طالق ، فقد اختلف العلماء فيها ، فقال الحسن : تطلق المنهية ؛ لأنها هي التي نواها((9)) .
وقال إبراهيم : تطلقان((10)) ، وقال عطاء : لا تطلق واحدة منهما ، ومذهب أحمد : أنه تطلق المنهية رواية((11)) واحدة ؛ لأنه نوى طلاقها . وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه ، واختلف الأصحاب على القول بأنها((12)) تطلق : هل تطلق في الحكم فقط ، أم في الباطن أيضا ؟ على طريقتين لهم .
__________
(1) في ( ص ) : (( فبانت )) .
(2) انظر : المغني 8/284 .
(3) انظر : المغني 8/284-285 .
(4) انظر : الحاوي الكبير 10/295 .
(5) انظر المغني 8/284-285 .
(6) ينظر في هذه المسألة : الحاوي الكبير 10/295 .
(7) عبارة : (( فظنها المنهية )) سقطت من ( ص ) .
(8) عبارة : (( فلانة خرجت )) سقطت من ( ص ) .
(9) أخرجه : عبد الرزاق ( 11303 ) ، وسعيد بن منصور في " سننه " ( 1176 ) .
(10) أخرجه : عبد الرزاق ( 11303 ) ، وسعيد بن منصور في " سننه " ( 1177 ) .
(11) سقطت من ( ص )
(12) زاد بعدها في ( ص ) : (( لا )) .

(3/53)


وقد استدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( الأعمال بالنيات ، وإنما لامرىء ما نوى )) على
أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى ما هو محرم غير صحيحة ،
كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها ، كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما ، فإن هذا العقد إنما نوي به الربا ، لا البيع((1)) ، (( وإنما لامرىء ما
نوى )) .
ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدا ، وفيما ذكرناه كفاية .
وقد تقدم عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث : إنه يدخل في سبعين بابا من
الفقه ، والله أعلم((2)) .
والنية : هي قصد القلب((3)) ، ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات ، وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة ، وغلطه المحققون منهم ، واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة
وغيرها ، فمنهم من استحبه ، ومنهم من كرهه((4)
__________
(1) انظر : الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2/527 .
(2) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 6/534 ، والمجموع 1/169 ، وفتح الباري 1/14 .
(3) انظر : كتاب العين : 996 ، والصحاح 6/2516 ، ولسان العرب 14/343 .
(4) قال أبو الحسن الماوردي الشافعي : (( محل النية وهو القلب ، ولذلك سميت به لانها تفعل بأنأى عضو في الجسد ، وهو القلب ، وإذا كان ذلك كذلك فله ثلاثة أحوال :
أحدها : أن ينوي بقلبه ، ويلفظ بلسانه فهذا يجزئه ، وهو أكمل أحواله .
والحال الثانية : أن يلفظ بلسانه ولا ينوي بقلبه فهذا لا يجزئه .

والحال الثالثة : أن ينوي بقلبه ولا يتلفظ بلسانه فمذهب الشافعي يجزئه ، وقال أبو عبد الله الزبيدي - من أصحابنا - لا يجزئه حتى يتلفظ بلسانه تعلقا بأن الشافعي قال في كتاب
" المناسك " ولا يلزمه إذا أحرم بقلبه أن يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق فتأول ذلك على وجوب النطق في النية ، وهذا فاسد ، وإنما إراد وجوب النطق بالتكبير ثم مما يوضح فساد هذا القول حجاجا : أن النية من أعمال القلب فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح كما أن القراءة لما كانت من أعمال اللسان لم تفتقر إلى غيره من الجوارح )) .
الحاوي الكبير 2/91 - 92 .

(3/54)


) .
ولا يعلم في هذه المسائل نقل خاص عن السلف ، ولا عن الأئمة إلا في
الحج وحده ، فإن مجاهدا قال : إذا أراد الحج ، يسمي ما يهل به ، وروي عنه أنه
قال : يسميه في التلبية ، وهذا ليس مما نحن فيه ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر
نسكه في تلبيته ، فيقول : (( لبيك عمرة وحجا ))((1)) ، وإنما كلامنا أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام : اللهم إني أريد الحج أو العمرة ، كما استحب ذلك كثير من الفقهاء((2)
__________
(1) أخرجه : الحميدي ( 1215 ) ، وأحمد 3/111 و182 و282 ، والدارمي ( 193 ) ، ومسلم 4/52 ( 1232 ) ( 185 ) و( 186 ) و4/59 ( 1251 ) ( 214 ) و( 215 ) ، وأبو داود ( 1795 ) ، وابن ماجه ( 2969 ) ، والنسائي 5/150 وفي " الكبرى " ، له
( 3709 ) و( 3711 ) ، وأبو يعلى ( 4154 ) و( 4155 ) ، وابن الجارود ( 430 ) ، وابن خزيمة ( 2618 ) و( 2619 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 2/152 و153 وفي
" شرح المشكل " ، له ( 2441 ) و( 2442 ) ، والدارقطني 2/288 ، والحاكم 1/472 ، والبيهقي 5/9 و40 ، والبغوي ( 1881 ) و( 1882 ) من حديث أنس بن مالك .
(2) انظر : الأم 3/312 ، واللباب في شرح الكتاب 1/181 ، وبداية المجتهد 1/412 ، وإرشاد الساري : 113 ، والمغني 3/246 ، ومنتهى الإرادات 1/243 ، والهداية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل 1/217 بتحقيقنا .
واختلف الفقهاء : هل تجزيء النية فيه من غير التلبية ؟ فقال مالك والشافعي : تجزيء النية من غير التلبية ، وقال أبو حنيفة : التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة .

انظر : بداية المجتهد 1/412 - 413 .

(3/55)


) ، وكلام مجاهد ليس صريحا في ذلك . وقال أكثر السلف ، منهم عطاء وطاووس والقاسم بن محمد والنخعي : تجزئه النية عند الإهلال ، وصح عن ابن عمر أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول : اللهم إني أريد الحج أو العمرة ، فقال له : أتعلم الناس ؟ أو ليس الله يعلم ما في نفسك ؟((1))
ونص مالك على مثل هذا، وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به . حكاه
صاحب كتاب " تهذيب المدونة " من أصحابه((2)) ، وقال أبو داود : قلت لأحمد : أتقول قبل التكبير –يعني : في الصلاة- شيئا ؟ قال : لا ، وهذا قد يدخل فيه أنه لا يتلفظ بالنية ، والله أعلم((3)) .
__________
(1) أخرجه : البيهقي 5/40 .
(2) التهذيب في اختصار المدونة 1/493 لأبي سعيد البراذعي خلف بن أبي القاسم القيرواني ، وقال القرافي المالكي في " الذخيرة " 3/148 : (( قال ابن القاسم : قال لي مالك : النية تكفي في الإحرام ولا يسمي . قال سند : الإحرام ينعقد بتجرد النية ، وكره مالك التسمية ، واستحبها ابن حنبل )) .
انظر : المدونة الكبرى 2/467 ، والإشراف على نكت مسائل الخلاف 1/471 .
(3) في " مسائل الإمام أحمد لأبي داود " : 30 .
وانظر : المغني 1/544 - 445 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 1/211 - 213 ، ورؤوس المسائل في الخلاف 1/121 ، ونيل المآرب 1/140 .

(3/56)


الحديث الثاني
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال : بينما نحن جلوس((1)) عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد ، أخبرني عن الإسلام .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( الإسلام : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا )) . قال : صدقت ((2))، قال : فعجبنا له يسأله ويصدقه .
قال: فأخبرني عن الإيمان . قال : (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره )) . قال : صدقت .
قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) .
قال : فأخبرني عن الساعة ؟
قال : (( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل )) .
قال : فأخبرني عن أمارتها ؟
قال : (( أن تلد الأمة ربتها((3)
__________
(1) سقطت من ( ج ) .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : (( يا رسول الله )) .
(3) اختلف العلماء في معنى ذلك على أربعة أقوال : =

= القول الأول : قال الخطابي : معناه : اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم ، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها ، لأنه ولد سيدها ، قال النووي وغيره : إنه قول الأكثرين ، واعترض الحافظ ابن حجر على ذلك فقال : لكن في كونه المراد نظر ؛ لأن استيلاء الإماء كان موجودا حين المقالة ، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام ، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع مالم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة .
القول الثاني : إن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ، ولا يشعر بذلك .
القول الثالث : قال النووي : لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد ، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها بوطء شبهة ، أو رقيقا بنكاح ، أو زنا ، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا ، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها .
القول الرابع : أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة
بالسب والضرب والاستخدام ، فأطلق عليه ربها مجازا لذلك ، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة .
والراجح - والله أعلم - القول الرابع ، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " 1/162-163 عقب الحديث ( 50 ) ، وقال بعد أن ذكر الترجيح : (( ولأن المقام يدل على المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة ، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور . بحيث يصير المربى مربيا ، والسافل عاليا ، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى : (( أن تصير الحفاة ملوك الأرض )) )) .

(4/1)


) ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان )) .
ثم انطلق ، فلبثت مليا ، ثم قال لي : (( يا عمر ، أتدري من السائل ؟ ))
قلت : الله ورسوله أعلم .
قال : (( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم((1)) دينكم )) . رواه مسلم((2))
__________
(1) زاد بعدها في ( ص ) : (( أمر )) .
(2) في " صحيحه " 1/28 ( 8 ) ( 1 ) و1/29 ( 8 ) ( 2 ) و( 3 ) و1/30 ( 8 ) ( 4 ).=
= وأخرجه أيضا : الطيالسي ( 2 ) ، وأحمد 1/27 و28 و51 و52 ، والبخاري في " خلق أفعال العباد " ( 26 ) ، وأبو داود ( 4695 ) و( 4696 ) و( 4697 ) ، وابن ماجه
( 63 ) ، والترمذي ( 2610 ) ، وعبد الله بن أحمد في " السنة " ( 901 ) و( 908 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 363 ) و( 367 ) ، والنسائي 8/97 وفي " الكبرى " ، له ( 11721 ) ، وابن خزيمة ( 1 ) و( 2504 ) و( 3065 ) ، وابن حبان ( 168 )
و( 173 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 1 ) و( 2 ) و( 3 ) و( 4 ) و( 5 ) و( 6 ) و( 8 ) و( 9 ) و( 10 ) و( 11 ) و( 12 ) و( 13 ) و( 185 ) و( 186 ) ، والبيهقي في " دلائل النبوة " 7/69 - 70 وفي "شعب الإيمان" ، له ( 3973 ) ، والبغوي ( 2 ) من حديث
عمر بن الخطاب ، به .
الروايات مطولة ومختصرة .

(4/2)


هذا الحديث تفرد مسلم عن البخاري بإخراجه ، فخرجه من طريق كهمس ، عن عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، قال : كان((1)) أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمان الحميري حاجين أو معتمرين ، فقلنا : لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر ، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد ، فاكتنفته أنا وصاحبي ، أحدنا عن يمينه ، والآخر عن شماله ، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي ، فقلت : أبا عبد الرحمان ، إنه ((2)) قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ، ويتقفرون((3)) العلم ، وذكر من شأنهم ، وأنهم يزعمون أن لا قدر ، وأن الأمر أنف((4)) ، فقال : إذا لقيت أولئك ، فأخبرهم أني بريء منهم ، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ، ثم قال : حدثني أبي عمر بن الخطاب ، قال : بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر الحديث بطوله .
__________
(1) سقطت في ( ص ) .
(2) سقطت في ( ص ) .
(3) يتقفرون العلم : يطلبونه ويتتبعونه ، هذا هو المشهور ، وقيل معناه : يجمعونه .
انظر : النهاية 4/90 ، ولسان العرب 11/254 ( قفر ) .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : (( أي : مستأنف )) . وأنف : بضم الهمزة والنون : أي : مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى ، وإنما يعلمه بعد وقوعه .
انظر : النهاية 1/75 ، وشرح النووي لصحيح مسلم 1/145 .

(4/3)


ثم خرجه من طرق أخرى ، بعضها يرجع إلى عبد الله بن بريدة((1)) ، وبعضها يرجع إلى يحيى بن يعمر((2)) ، وذكر أن في بعض ألفاظها زيادة ونقصا .
وقد خرجه ابن حبان في " صحيحه " ((3)) من طريق سليمان التيمي ، عن يحيى ابن يعمر ، وقد خرجه مسلم من هذه الطريق ، إلا أنه لم يذكر لفظه ، وفيه زيادات منها : في الإسلام، قال : (( وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة ، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان )) قال : فإذا أنا فعلت ذلك ، فأنا مسلم ؟ قال : (( نعم )) .
وقال في الإيمان : (( وتؤمن بالجنة والنار والميزان )) ، وقال فيه : فإذا فعلت ذلك ، فأنا مؤمن ؟ قال : (( نعم )) .
وقال في آخره : (( هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم ، خذوا عنه ، والذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه ، وما عرفته حتى ولى )) .
وخرجاه في " الصحيحين " ((4)
__________
(1) تصحف في ( ص ) إلى : (( يزيد )) .
(2) في ( ص ) : (( وبعضها إلى رواية ابن يعمر )) .
(3) ابن حبان ( 173 ) ، وقال عقب الحديث : (( تفرد سليمان التيمي بقوله : (( خذوا عنه )) وبقوله : (( تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء )) )) .
(4) صحيح البخاري 1/19 ( 50 ) و6/144 ( 4777 ) ، وصحيح مسلم 1/30 ( 9 ) ( 5 ) و( 6 ) .
وأخرجه : أحمد 2/426 ، وأبو داود ( 4698 ) ، وابن ماجه ( 64 ) و( 4044 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 379 ) ، وابن خزيمة ( 2244 ) ، وابن حبان
( 159 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 15 ) و( 16 ) و( 158 ) و( 159 ) ، والبيهقي في
" شعب الإيمان " ( 385 ) .

وأخرجه : النسائي 8/101 ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 378 ) ، وابن منده في
" الإيمان " ( 160 ) من حديث أبي هريرة وأبي ذر ، به .

(4/4)


) من حديث أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما بارزا للناس ، فأتاه رجل ، فقال : ما الإيمان((1)) ؟ قال : (( الإيمان : أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ، وبلقائه ، ورسله ، وتؤمن بالبعث الآخر )) .
قال : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال : (( الإسلام ((2)): أن تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ((3)) )) .
قال : يا رسول الله ، ما الإحسان ؟ قال : (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإنك إن لا تراه((4)) ، فإنه يراك )) .
قال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ قال : (( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، ولكن سأحدثك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها ، فذاك من
أشراطها ، وإذا رأيت العراة الحفاة رؤوس الناس ، فذاك من أشراطها ، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان ، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله )) ، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } ((5)) .
__________
(1) زاد بعدها في ( ص ) : (( بالله )) .
(2) سقطت في ( ص ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : (( وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا )) .
(4) في ( ص ) : (( فإن لم تكن تراه )) .
(5) لقمان : 34 .

(4/5)


قال : ثم أدبر الرجل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( علي بالرجل((1)) )) ، فأخذوا ليردوه ، فلم يروا شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( هذا جبريل جاءكم ليعلمكم أمر دينكم ((2)) )).
وخرجه مسلم بسياق أتم من هذا ، وفيه في خصال الإيمان : (( وتؤمن بالقدر
كله )) ، وقال في الإحسان : (( أن تخشى الله كأنك تراه ))((3)) .
وخرجه الإمام أحمد في " مسنده " ((4)) من حديث شهر بن حوشب ، عن ابن عباس . ومن حديث شهر بن حوشب أيضا ، عن ابن عامر ، أو أبي عامر ، أو أبي مالك ((5)) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي حديثه قال : ونسمع رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا نرى الذي يكلمه ، ولا نسمع كلامه((6)) ، وهذا يرده حديث عمر الذي خرجه مسلم ،
وهو أصح((7)) .
__________
(1) في ( ص ) : (( أتروون علي الرجل )) .
(2) في ( ج ) : (( جاء ليعلم الناس دينهم )) .
(3) في " صحيحه " 1/30 ( 10 ) ( 7 ) من حديث أبي هريرة ، به .
(4) 1/319 ، وليس فيه: (( ونسمع رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا نرى الذي يكلمه ولا نسمع كلامه )) .
وأخرجه أيضا : البزار كما في " كشف الأستار " ( 24 ) من حديث ابن عباس ، به ، من غير طريق شهر وليس فيه اللفظ الذي ذكره المصنف .
(5) في ( ص ) : (( عن ابن عامر أيضا ، أو ابن عامر وأبي مالك )) .
(6) أخرجه : أحمد 4/129 و164 ، وهذه اللفظة منكرة ، وشهر بن حوشب ضعيف ، وكما أنه أخطأ في المتن فكذا أخطأ في السند ، وتفصيل بيان أخطائه في كتابنا " الجامع في العلل " يسر الله اتمامه .
(7) سبق تخريجه .

(4/6)


وقد روي الحديث((1)) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس بن مالك((2)) ، وجرير بن عبد الله البجلي ، وغيرهما((3)) .
وهو حديث عظيم جدا ، يشتمل على شرح الدين كله((4)) ، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخره : (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم((5)) دينكم )) بعد أن شرح درجة الإسلام ، ودرجة الإيمان ، ودرجة الإحسان ، فجعل ذلك كله دينا .
واختلفت الرواية في تقديم الإسلام على الإيمان وعكسه ، ففي حديث عمر الذي خرجه مسلم أنه((6)) بدأ بالسؤال عن الإسلام ، وفي الترمذي وغيره : أنه بدأ بالسؤال عن الإيمان ، كما في حديث أبي هريرة ، وجاء في بعض روايات حديث((7)) عمر أنه سأل عن الإحسان بين الإسلام والإيمان .
__________
(1) في ( ص ) : (( حديث عمر )) .
(2) أخرجه : البخاري في " خلق أفعال العباد " ( 191 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار "
( 22 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 381 ) و( 382 ) .
(3) أخرجه : الآجري في " الشريعة ": 189 – 190 .
(4) قال القاضي عياض : اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومن أعمال الجوارح ، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال ، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه .
وقال القرطبي : هذا الحديث يصلح أن يقال له أم السنة ؛ لما تضمنه من جمل علم السنة .
انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/146 - 147 ، وفتح الباري 1/166 .
(5) زاد بعدها في ( ص ) : (( أمر )) .
(6) سقطت في ( ص ) .
(7) لم ترد في ( ص ) .

(4/7)


فأما الإسلام، فقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، وأول ذلك : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وهو عمل اللسان ، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا .
وهي منقسمة إلى عمل بدني : كالصلاة والصوم ، وإلى عمل مالي : وهو إيتاء الزكاة ، وإلى ما هو مركب منهما : كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة .
وفي رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك الاعتمار ، والغسل من الجنابة ،
وإتمام الوضوء ، وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام .
وإنما ذكرنا هاهنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابن عمر : (( بني الإسلام على خمس )) في موضعه إن شاء الله تعالى .
وقوله في بعض الروايات : فإذا فعلت ذلك ، فأنا مسلم ؟ قال : (( نعم ))
يدل على أن من كمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس ، صار مسلما حقا ، مع أن
من أقر بالشهادتين ، صار مسلما حكما ، فإذا دخل في الإسلام ((1)) بذلك ،
ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام ، ومن ترك الشهادتين ، خرج من الإسلام ،
وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء ، وكذلك في
ترك بقية مباني الإسلام الخمس، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى((2)) .
__________
(1) عبارة : (( فإذا دخل في الإسلام )) لم ترد في ( ص ) .
(2) سيأتي عند الحديث الثالث .

(4/8)


ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي
- صلى الله عليه وسلم - : (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))((1)) .
وفي " الصحيحين "((2)
__________
(1) أخرجه : الحميدي ( 595 ) ، وأحمد 2/192 و205 و212 ، والبخاري 1/9 ( 10 ) و8/127 ( 6484 ) وفي " الأدب المفرد "، له ( 1144 ) ، ومسلم 1/47 ( 40 ) ( 64 )، وأبو داود ( 2481 ) ، والنسائي 8/105 ، وابن حبان ( 196 ) و( 230 ) و( 399 )
و( 400 )، وابن منده في " الإيمان " ( 309 ) و( 310 ) و( 311 ) و( 312 ) و( 313 )، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 181 ) ، والبيهقي 10/187 ، والبغوي ( 12 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، به .
وأخرجه : أحمد 2/379 ، والترمذي ( 2627 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة "
( 637 ) ، والنسائي 8/104 وفي " الكبرى " ، له ( 11726 ) ، وابن حبان ( 180 ) ، والحاكم 1/10 من حديث أبي هريرة ، به .
وأخرجه : أحمد 3/372 ، ومسلم 1/48 ( 41 ) ( 65 ) ، وابن حبان ( 197 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 314 ) ، والحاكم 1/10 ، والبيهقي 10/187 من حديث جابر بن
عبد الله ، به .
وأخرجه : أحمد 6/21-22، وابن حبان ( 4862 ) ، والطبراني في " الكبير " 18/( 796 )، وابن منده في " الإيمان " ( 315 ) ، والحاكم 1/10-11 ، والبغوي ( 14 ) من حديث فضالة بن عبيد ، به .
وأخرجه : البخاري 1/10 ( 11 ) ، ومسلم 1/48 ( 42 ) ( 66 ) ، والبغوي ( 13 ) من حديث أبي موسى ، به .
وأخرجه : الحاكم 1/11 من حديث أنس بن مالك ، به .
(2) صحيح البخاري 1/10 ( 12 ) و1/14 ( 28 ) و8/65 ( 6236 ) ، وصحيح مسلم 1/47 ( 39 ) ( 63 ) . =

= وأخرجه : أحمد 2/169 ، والبخاري في " الأدب " ( 1013 ) و( 1050 ) ، وأبو داود
( 5194 ) ، وابن ماجه ( 3253 ) ، والنسائي 8/107 وفي " الكبرى " ، له ( 11731 ) ، وابن حبان ( 505 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 317 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان "
( 8751 ) ، والبغوي ( 3302 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، به .

(4/9)


) عن عبد الله بن عمرو : أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الإسلام خير ؟ قال : (( أن تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )) .
وفي " صحيح الحاكم " ((1)) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ((2)) قال : (( إن للإسلام صوى((3)) ومنارا كمنار الطريق ، من ذلك : أن تعبد الله((4)) ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم ، فمن انتقص منهن شيئا ، فهو سهم من الإسلام تركه ، ومن يتركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره )) .
__________
(1) أي : " المستدرك " 1/21 . وفيه لفظ (( صنوأ )) بدل (( صوى )) . أما إطلاق المصنف تسمية صحيح الحاكم على " المستدرك " فهذا تساهل كبير منه - رحمه الله - .
وأخرجه أيضا : أبو عبيد في " الإيمان " ( 3 )، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 405 ) ، والطبراني في " مسند الشاميين " ( 429 ) ، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " ( 161 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 5/217 - 218 من طرق عن أبي هريرة ، به ، وهو حديث صحيح .
(2) عبارة : (( عن النبي - صلى الله عليه وسلم - )) لم ترد في ( ص ) .
(3) الصوى : الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة يستدل بها على الطريق ، واحدتها صوة كقوة : أراد أن للإسلام طرائق وأعلاما يهتدى بها . النهاية 3/62 .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : (( كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) .

(4/10)


وخرج ابن مردويه من حديث((1)) أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال
: (( للإسلام ضياء وعلامات كمنار الطريق ، فرأسها وجماعها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتمام الوضوء،
والحكم بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وطاعة ولاة الأمر، وتسليمكم على أنفسكم، وتسليمكم على أهليكم((2)) إذا دخلتم بيوتكم ، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتموهم((3)) )) وفي إسناده ضعف ، ولعله موقوف ((4)).
وصح من حديث أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والجهاد سهم ، وحج البيت سهم((5)) ، وصوم رمضان سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وخاب من لا سهم له. وخرجه البزار مرفوعا((6))، والموقوف أصح((7)) .
ورواه بعضهم عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، خرجه أبو يعلى الموصلي((8)
__________
(1) في ( ص ) : (( طريق )) .
(2) عبارة : (( على أهليكم )) لم ترد في ( ص ) .
(3) أخرجه: الطبراني في "مسند الشاميين" ( 1954 ) من حديث بكر بن سهل ، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، به. وعبد الله بن صالح فيه مقال.
(4) حديث أبي الدرداء قواه العلامة الألباني في " السلسة الصحيحة " ( 333 ) .
(5) عبارة : (( وحج البيت سهم )) لم ترد في ( ص ) .
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) كما في " كشف الأستار " ( 336 ) مرفوعا .
وأخرجه موقوفا : الطيالسي ( 413 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 337 ) .
قال البزار عقب الحديث ( 337 ) : (( ولم يسنده ولا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء )) .
(8) في " مسنده " ( 523 ) .

وأخرجه ابن عدي في " الكامل " 3/330 من حديث علي بن أبي طالب ، به .

(4/11)


)وغيره ((1))، والموقوف على حذيفة أصح . قاله الدارقطني ((2)) وغيره .
وقوله : (( الإسلام سهم )) يعني : الشهادتين ؛ لأنهما علم الإسلام ، وبهما يصير الإنسان مسلما .
وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضا ، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) ، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى((3)) .
ويدل على هذا أيضا ما خرجه الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي من حديث العرباض بن سارية((4)) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران ، فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط جميعا ، ولا تعوجوا ، وداع يدعو من جوف الصراط ، فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب ، قال : ويحك لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه . والصراط : الإسلام . والسوران : حدود الله . والأبواب المفتحة : محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله . والداعي من فوق : واعظ الله في قلب كل مسلم )) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في " علله " 3/171 .
(3) عند الحديث الثاني عشر .
(4) هذا من حديث النواس بن سمعان ، وليس العرباض بن سارية ، وهو وهم من المصنف - رحمه الله - .
أخرجه : أحمد 4/182 و183، والترمذي ( 2859 )، والنسائي في " الكبرى " ( 11233 ) وفي " تفسيره " ( 253 ) ، والطبري في " تفسيره " 1/75 ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 2041 ) و( 2143 ) ، والطبراني في " مسند الشاميين " ( 1147 ) و( 2024 ) ، والآجري في " الشريعة " : 12 - 13 ، والحاكم 1/73 من طرق عن النواس بن سمعان ، به ، وقال الترمذي : (( حسن غريب )) .

(4/12)


زاد الترمذي : { والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط
مستقيم } ((1)) .
ففي هذا المثل الذي ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى ((2)) بالاستقامة عليه ، ونهى عن تجاوز حدوده ، وأن من ارتكب شيئا من المحرمات ، فقد تعدى حدوده .
وأما الإيمان ، فقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة ، فقال : (( أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والبعث بعد الموت ، وتؤمن بالقدر خيره وشره )) .
وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة في مواضع ، كقوله تعالى : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } ((3)) . وقال تعالى : { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } ((4)) ، وقال تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } ((5)) .
__________
(1) يونس : 25 .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : (( رسوله )) .
(3) البقرة : 285 .
(4) البقرة : 277 .
(5) البقرة : 3 - 4 .

(4/13)


والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة ، والأنبياء ، والكتاب((1)) ، والبعث ، والقدر ، وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات الله
تعالى وصفات اليوم الآخر ، كالميزان والصراط ، والجنة ، والنار .
وقد أدخل في هذه الآيات الإيمان بالقدر خيره وشره ، ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر هذا الحديث محتجا به على من أنكر القدر ، وزعم أن الأمر
أنف : يعني أنه((2)) مستأنف لم يسبق به سابق قدر من الله عز وجل ، وقد غلظ
ابن عمر عليهم ، وتبرأ منهم ، وأخبر أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر((3)) .
والإيمان بالقدر على درجتين((4)) :
إحداهما : الإيمان بأن الله تعالى سبق((5)) في علمه ما يعمله العباد من خير
وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم ، وأنه
كتب ذلك عنده وأحصاه((6)) ، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه((7)) .
__________
(1) في ( ص ) : (( ما أخبروا به غير ذلك من الملائكة والكتب والأنبياء )) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) انظر : مجموعة الفتاوى لابن تيمية 13/23 .
(4) انظر : شرح العقيدة الواسطية : 442 .
(5) في ( ص ) : (( الإيمان بالله أنه سبق )) .
(6) زاد بعدها في (ص ) : (( وأعد لهم )) .
(7) انظر : شرح العقيدة الواسطية : 442 - 443 .

(4/14)


والدرجة الثانية : أن الله تعالى خلق أفعال عباده كلها((1)) من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم ، فهذه الدرجة((2)) يثبتها أهل السنة والجماعة ، وينكرها القدرية ، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ، ونفاها غلاتهم ، كمعبد الجهني ، الذي سئل ابن عمر عن مقالته ، وكعمرو بن عبيد وغيره((3)) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : (( الثانية )) .
(3) انقسم الناس في باب القدر إلى ثلاثة أقسام :
قسم آمنوا بقدر الله - عز وجل - وغلوا في إثباته ، حتى سلبوا الإنسان قدرته واختياره ، وقالوا : إن الله فاعل كل شيء ، وليس للعبد اختيار ولا قدرة ، وإنما يفعل الفعل مجبرا عليه ، بل إن بعضهم ادعى أن فعل العبد هو فعل الله ، ولهذا دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول ، وهؤلاء هم الجبرية .
والقسم الثاني قالوا : إن العبد مستقل بفعله، وليس لله فيه مشيئة ولا تقدير، حتى غلا بعضهم ، فقال : إن الله لا يعلم فعل العبد إلا إذا فعله ، أما قبل فلا يعلم عنه شيئا ، وهؤلاء هم القدرية ، مجوس هذه الأمة .
فالأولون غلوا في إثبات أفعال الله وقدره وقالوا : إن الله - عز وجل - يجبر الإنسان على فعله ، وليس للإنسان اختيار .
والآخرون غلوا في إثبات قدرة العبد ، وقالوا : إن القدرة الإلهية والمشيئة الإلهية لا علاقة لها في فعل العبد ، فهو الفاعل المطلق الاختيار .
القسم الثالث : أهل السنة والجماعة ، قالوا : نحن نأخذ بالحق الذي مع الجانبين ، فنقول : إن فعل العبد واقع بمشيئة الله وخلق الله ، ولا يمكن أن يكون في ملك الله مالا يشاؤه أبدا ، والإنسان له اختيار وإرادة ، ويفرق بين الفعل الذي يضطر إليه ، والفعل الذي يختاره ، فأفعال العباد باختيارهم وإرادتهم ، ومع ذلك فهي واقعة بمشيئة الله وخلقه . شرح العقيدة الواسطية : 364 .

(4/15)


وقد قال كثير من أئمة السلف : ناظروا القدرية بالعلم ، فإن أقروا به
خصموا ، وإن جحدوه ، فقد كفروا ، يريدون أن من((1)) أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد ، وأن الله قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد ، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ ، فقد كذب بالقرآن ، فيكفر بذلك ، وإن أقروا بذلك ، وأنكروا أن الله خلق أفعال عباده ، وشاءها ، وأرادها منهم إرادة كونية قدرية ، فقد خصموا ؛ لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه . وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء((2)) .
وأما من أنكر العلم القديم ، فنص الشافعي وأحمد على تكفيره ، وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام((3)) .
فإن قيل : فقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان ، وجعل الأعمال كلها من الإسلام ، لا من الإيمان ، والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان : قول وعمل ونية ، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان((4)) . وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم((5)) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) انظر : شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز : 271 – 272 .
(3) انظر : مجموعة الفتاوي لابن تيمية 7/241 .
(4) انظر : الإيمان لابن تيمية : 231 ، ومختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177 .
(5) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177 .

(4/16)


وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا ، وممن أنكر ذلك على قائله، وجعله قولا محدثا : سعيد بن جبير ، وميمون بن مهران ، وقتادة، وأيوب السختياني ، وإبراهيم النخعي((1)) ، والزهري ، ويحيى بن أبي كثير ، وغيرهم . وقال الثوري : هو رأي محدث ، أدركنا الناس على غيره . وقال الأوزاعي : كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان((2)) والعمل((3)) .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار : أما بعد ، فإن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا((4)) ، فمن استكملها ، استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها ، لم يستكمل الإيمان ، ذكره البخاري في " صحيحه "((5)) .
قيل : الأمر على ما ذكره ، وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم
ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا } ((6)) .
__________
(1) في ( ص ) : (( والنخعي )) فقط .
(2) في ( ص ) : (( لا يعرفون الإيمان )) .
(3) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد :
177-178 .
(4) عبارة : (( وحدودا وسننا )) لم ترد في ( ص ) .
(5) 1/8 قبيل ( 8 ) تعليقا ، وقد وصله ابن أبي شيبة في المصنف ( 30962 ) طبعة الرشد .
(6) الأنفال : 2-4 .

(4/17)


وفي " الصحيحين "((1)) عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لوفد عبد القيس :
(( آمركم بأربع : الإيمان بالله وحده ((2))، وهل تدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تعطوا من المغنم الخمس )) .
وفي " الصحيحين " ((3)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( الإيمان
بضع وسبعون ، أو بضع وستون شعبة ، فأفضلها : قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان )) ولفظه لمسلم .
__________
(1) صحيح البخاري 1/20 ( 53 ) و1/32 ( 87 ) و1/139 ( 523 ) و2/131 ( 1398 ) و4/98 ( 3095 ) و4/220 ( 3510 ) و5/213 ( 4368 ) و( 4369 ) و8/50
( 6176 ) و9/111 ( 7266 ) و9/197 ( 7556 ) ، وصحيح مسلم 1/35 ( 17 )
( 23 ) و( 24 ) و1/36 ( 17 ) ( 25 ) .
(2) وحده )) لم ترد في ( ص ) .
(3) صحيح البخاري 1/9 ( 9 ) ، وصحيح مسلم 1/46 ( 35 ) ( 57 ) و( 58 ) .
وأخرجه : معمر في"جامعه" ( 20105 ) ، والطيالسي ( 2402 ) ، وأبو عبيد في " الإيمان " ( 4 ) ، وأحمد 2/379 و414 و442 و445 ، والبخاري في "الأدب المفرد" ( 598 ) ، =
= وأبو داود ( 4676 ) ، وابن ماجه ( 57 ) ، والترمذي ( 2614 ) ، والنسائي 8/110 وفي " الكبرى " ، له ( 11735 ) و( 11736 ) و( 11737 ) من حديث أبي هريرة ، به .

(4/18)


وفي " الصحيحين " ((1)) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها ؛ لأن الاسم لا ينتفى إلا بانتفاء بعض أركان المسمى ، أو واجباته((2)) .
وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال((3)) جبريل - عليه السلام - عن الإسلام والإيمان ، وتفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون مسمى الإيمان ، فإنه يتضح بتقرير أصل ، وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه ، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات ، والاسم المقرون به دال على باقيها ، وهذا كاسم الفقير والمسكين ، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج ، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات((4)) ، والآخر على باقيها ، فهكذا اسم الإسلام والإيمان : إذا أفرد أحدهما ، دخل فيه الآخر ، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر((5)) بانفراده ، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ، ودل الآخر على الباقي((6)) .
__________
(1) صحيح البخاري 3/178 ( 2475 ) و7/135 ( 5578 ) و8/195 ( 6772 ) و8/204
( 6810 ) ، وصحيح مسلم 1/54 ( 57 ) ( 100 ) و( 101 ) و1/55 ( 57 ) ( 102 ) و( 103 ) و( 104 ) و( 105 ) .
(2) انظر : الإيمان لابن تيمية : 240 و249 .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) في ( ص ) : (( بعض ذي الحاجة )) .
(5) في ( ص ) : (( الاسم )) .
(6) انظر : الإيمان لابن تيمية : 261 .

(4/19)


وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة . قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل : قال كثير من أهل السنة والجماعة : إن الإيمان قول وعمل((1)) ، والإسلام فعل ما فرض على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموما إلى
الآخر ، فقيل : المؤمنون والمسلمون جميعا مفردين ، أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر ، وإذا ذكر أحد الاسمين ، شمل((2)) الكل وعمهم((3)) .
وقد ذكر هذا المعنى أيضا الخطابي في كتابه " معالم السنن "((4)) ، وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده .
ويدل على صحة ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الإيمان عند ذكره مفردا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل((5)) ، وفسر في حديث آخر الإسلام بما فسر به الإيمان ، كما في " مسند الإمام أحمد " ((6)
__________
(1) انظر : الإيمان لابن تيمية : 259 ، ومختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 173 .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : (( الآخر )) .
(3) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 176-177 .
(4) 4/292 . وانظر : مجموعة الفتاوى 7/225 .
(5) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177 .
(6) 4/114 .

وأخرجه : معمر في " جامعه " ( 20107 ) ، وعبد بن حميد ( 301 ) من حديث عمرو بن عبسة ، به ، وهو حديث صحيح .

(4/20)


) عن عمرو بن عبسة ، قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال((1)) : (( أن تسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك )) ، قال : فأي الإسلام أفضل ؟ قال: (( الإيمان )) . قال: وما الإيمان ؟ قال : (( أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والبعث بعد الموت )) . قال : فأي الإيمان أفضل ؟ قال : (( الهجرة )) . قال : فما الهجرة ؟ قال : (( أن تهجر السوء )) ، قال : فأي الهجرة أفضل ؟ قال : (( الجهاد )) . فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان أفضل الإسلام ، وأدخل فيه الأعمال .
وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإسلام والإيمان : هل هما واحد ، أو هما مختلفان ؟
فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك، وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة ، فمنهم من يدعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد((2)) : منهم محمد بن نصر المروزي((3)) ، وابن عبد البر ، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه ، وأيوب فيه ضعف .
__________
(1) زاد بعدها في ( ص ) : (( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )) .
(2) انظر : الإيمان لابن تيمية 261 - 262 .
(3) انظر : كلام المروزي في هذه المسألة في كتابه " تعظيم قدر الصلاة " عقب الحديث (568) . وانظر : الإيمان لابن تيمية : 282 و286 ، ومجموعة الفتاوى 7/225 .

(4/21)


ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما((1)) ، كأبي بكر بن السمعاني وغيره ، وقد نقل التفريق بينهما عن كثير من السلف ، منهم : قتادة ، وداود بن أبي هند ، وأبو جعفر الباقر ، والزهري ، وحماد بن زيد ، وابن مهدي ، وشريك ، وابن أبي ذئب ، وأحمد بن حنبل ، وأبو خيثمة ، ويحيى بن معين ، وغيرهم ،
على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما ، وكان الحسن وابن سيرين يقولان
: (( مسلم )) ويهابان (( مؤمن ))((2)) .
وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف ، فيقال : إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ ، وإن قرن بين الاسمين ، كان بينهما فرق((3)) .
__________
(1) انظر : الإيمان لابن تيمية : 282 ، ومجموعة الفتاوى 7/225 و233 ، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة 1/108 .
(2) أخرجه : عبد الله بن أحمد في " السنة " ( 658 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة "
( 567 ) .
(3) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 176 .

(4/22)


والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب ، وإقراره ، ومعرفته ، والإسلام : هو استسلام العبد لله ، وخضوعه ، وانقياده له ، وذلك يكون بالعمل ، وهو الدين ، كما سمى الله تعالى في كتابه الإسلام دينا((1)) ، وفي حديث جبريل سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام والإيمان والإحسان دينا ، وهذا أيضا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر ، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر ، فيكون حينئذ المراد بالإيمان : جنس تصديق القلب ، وبالإسلام جنس العمل((2)) .
وفي " مسند الإمام أحمد " ((3)
__________
(1) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 177 .
(2) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 176 .
(3) 3/134 .

وأخرجه : أبو عبيد في " الإيمان " : 6 ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 20 ) ، وأبو يعلى ( 2923 ) ، والعقيلي في " الضعفاء " 3/250 ، وابن حبان في " المجروحين " 2/108 ، وابن عدي في " الكامل " 6/353، والخطيب في " الموضح " 2/249 من حديث أنس بن مالك ، به ، وإسناده ضعيف تفرد به علي بن مسعدة ، وهو ضعيف عند التفرد .

(4/23)


) عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( الإسلام علانية ، والإيمان في القلب )) . وهذا لأن الأعمال تظهر علانية ، والتصديق في القلب لا يظهر . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه إذا صلى على الميت : (( اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان((1)) )) ؛ لأن الأعمال بالجوارح إنما يتمكن منه ((2)) في الحياة ، فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب((3)) .
__________
(1) أخرجه : أحمد 2/368 ، وأبو داود ( 3201 ) ، وابن ماجه ( 1498 ) ، والترمذي
( 1024 ) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " ( 1080 ) و( 1081 ) ، وأبو يعلى
( 6009 ) و( 6010 ) ، وابن حبان ( 3070 ) ، والحاكم 1/358 ، والبيهقي 4/41 من حديث أبي هريرة ، به ، وهذا الحديث معلول بالإرسال ، وقد رجح الرواية المرسلة أبو حاتم وأبو زرعة كما في " العلل " لابن أبي حاتم ( 1047 ) و(1058 ) على أن الترمذي قال عن الحديث : (( حسن صحيح )) .
وللحديث طرق أخرى .
(2) في ( ص ) : (( وقته )) .
(3) انظر : الإيمان لابن تيمية : 207 .

(4/24)


ومن هنا قال المحققون من العلماء : كل مؤمن مسلم ، فإن من حقق
الإيمان ، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام((1)) ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : (( ألا وإن في
الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ((2)) )) ، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في
أعمال الإسلام ، وليس كل مسلم مؤمنا ، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفا ، فلا يتحقق القلب به تحققا تاما مع عمل جوارحه بأعمال الإسلام ، فيكون مسلما ، وليس بمؤمن الإيمان التام ، كما قال تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ((3)) ، ولم يكونوا منافقين
بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره((4))، بل كان إيمانهم ضعيفا ، ويدل عليه قوله تعالى : { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم
شيئا } ((5)) ، يعني : لا ينقصكم من أجورها ، فدل على أن معهم من الإيمان ما تقبل به أعمالهم((6)) .
__________
(1) انظر : مجموعة الفتاوى 7/229 .
(2) سيأتي عند الحديث السادس .
(3) الحجرات : 14 .
(4) قول ابن عباس أخرجه الطبري في " تفسيره " ( 24611 ) . وانظر : زاد المسير 7/476 - 477 ، وتفسير ابن كثير : 1753 ، ط دار ابن حزم .
(5) الحجرات : 14 .
(6) انظر : تفسير الطبري ( 24615 ) ، وتفسير البغوي 4/269 ، وزاد المسير 7/477 .

(4/25)


وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص لما قال له : لم((1)) تعط فلانا وهو
مؤمن ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أو مسلم((2)
__________
(1) زاد بعدها في ( ص ) : (( لا )) .
(2) أخرجه : الطيالسي ( 198 ) ، والحميدي ( 68 ) و( 69 ) ، وأحمد 1/176 و182 ،
وعبد بن حميد ( 140 ) ، والدورقي في " مسند سعد بن أبي وقاص " ( 11 ) ، والبخاري 1/13 ( 27 ) و2/153 ( 1478 ) ، ومسلم 1/91 (150 ) ( 236 ) و( 237 ) =

= و3/104 (150) ( 236 ) و( 237 ) و3/104 ( 150 ) ( 131 )، وأبو داود ( 4683 ) و( 4685 ) ، والبزار ( 1087 ) و( 1088 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة "
( 560 ) و( 561 ) و( 562 )، والنسائي 8/103 و104 وفي " الكبرى "، له ( 11517 ) و( 11723 ) و( 11724 ) وفي " تفسيره " ( 537 ) ،وأبو يعلى ( 733 ) و( 778 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 24608 ) ، والشاشي في " مسنده " ( 89 ) و( 91 ) ، وابن حبان ( 163 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 161 ) و( 162 ) ، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " ( 1494 ) و( 1495 )، وأبو نعيم في " الحلية " 6/191 ، والخطيب في " تاريخه " 3/119 من حديث سعد بن أبي وقاص ، قال : أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا ، فقال سعد : يا نبي الله ، أعطيت فلانا وفلانا ، ولم تعط فلانا شيئا ، وهو مؤمن ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أو مسلم )) حتى أعادها سعد ثلاثا ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( أو مسلم )) ، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إني لأعطي رجالا ، وأدع من هو أحب إلي منهم ، فلا أعطيه شيئا ، مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم )) . اللفظ لأحمد 1/176 .

(4/26)


) )) يشير إلى أنه لم يحقق مقام الإيمان ، وإنما هو في مقام الإسلام الظاهر ، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن ، لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضا ، لكن اسم الإيمان ينفى عمن ترك شيئا من واجباته ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - ((1)) : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن((2)) )) .
وقد اختلف أهل السنة : هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان ، أو يقال : ليس بمؤمن ، لكنه مسلم ، على قولين ، وهما روايتان عن أحمد((3)) .
وأما اسم الإسلام، فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته ، أو انتهاك بعض محرماته ، وإنما ينفى بالإتيان بما ينافيه بالكلية ، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك شيئا من واجباته ، كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئا من واجباته ، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على((4)) فعل بعض المحرمات ، وإطلاق النفاق أيضا .
__________
(1) - صلى الله عليه وسلم - )) لم ترد في ( ج ) .
(2) تقدم تخريجه .
(3) في رواية حنبل بن إسحاق قال : قلت لأبي عبد الله : إذا أصاب الرجل ذنبا من زنا أو سرقة يزايله إيمانه ؟ قال : هو ناقص الإيمان فخلع منه كما يخلع الرجل من قميصه ، فإذا تاب وراجع عاد إليه إيمانه .
وفي رواية له أيضا قال : سمعت أبا عبد الله وسئل عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )) قال: هكذا يروى الحديث ويروى عن أبي جعفر ( أي: محمد بن علي بن =
= الحسين ) قال : (( لا يزني الزاني … )) قال يخرج : من الإيمان إلى الإسلام ، فالإيمان مقصور في الإسلام فإذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام . انظر : المسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل 1/110 .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : (( من )) .

(4/27)


واختلف العلماء : هل يسمى مرتكب الكبائر كافرا كفرا أصغر أو منافقا النفاق الأصغر ، ولا أعلم أن أحدا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه ، إلا أنه روي عن ابن مسعود أنه قال : ما تارك الزكاة بمسلم((1)) ، ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك ، خارجا من الإسلام .
وكذلك روي عن عمر فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين ، والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم ، ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية يقول : لم
يدخلوا في الإسلام بعد ، فهم مستمرون على كتابيتهم((2)) .
وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ، ويخرج عن الملة بالكلية ، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح ، دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره ، كما سبق في حديث عمرو بن عبسة((3)) .
وخرج النسائي((4)
__________
(1) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 9828 ) .
(2) قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " : 385 ط دار ابن حزم ، روى سعيد بن منصور في
" سننه " عن الحسن البصري ، قال : قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظروا إلى كل من له جدة ولم يحج ، فيضربوا عليهم الجزية ، ما هم بمسلمين . وعزاه السيوطي في " الدر المنثور " 2/100 لسعيد بن منصور .
وروى أبو بكر الإسماعيلي كما في " تفسير ابن كثير " : 385 ، ط دار ابن حزم ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة كما في " الدر المنثور " 2/101 عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، قال : من أطاق الحج ولم يحج ، فسواء عليه مات يهوديا ، أو نصرانيا .
(3) تقدم تخريجه .
(4) في " الكبرى " ( 8593 ) .

وأخرجه أيضا : أحمد 4/110 و5/288 ، وأبو يعلى ( 6829 ) ، وابن حبان ( 5972 ) ، والطبراني في " الكبير " 17/( 980 ) و( 981 ) ، والحاكم 1/19 ، والبيهقي 9/116 من حديث عقبة بن مالك ، به . وهو حديث صحيح .

(4/28)


) من حديث عقبة بن مالك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية ، فغارت على قوم ((1))، فقال رجل منهم : إني مسلم ، فقتله رجل من السرية ، فنمي((2)) الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال فيه قولا شديدا ، فقال الرجل : إنما قالها تعوذا من القتل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا )) ثلاث مرات .
فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة ، لم يصر من قال : أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول ، وقد أخبر الله عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة : { قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } ((3)) ، وأخبر عن يوسف - عليه السلام - أنه دعا بالموت على الإسلام . وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق .
وفي " سنن ابن ماجه " ((4)) عن عدي بن حاتم ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يا عدي، أسلم تسلم )) ، قلت : وما الإسلام ؟ قال : (( تشهد أن لا إله إلا الله، وتشهد أني رسول الله ، وتؤمن بالأقدار كلها ، خيرها وشرها ، حلوها ومرها )) فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام .
__________
(1) عبارة : (( على قوم )) لم ترد في ( ص ) .
(2) في ( ص ) : (( فانتهى )) .
(3) النمل : 44 .
(4) 87 ) . وأخرجه أيضا : الطبراني في " الكبير " 17/( 138) مطولا ، والحديث إسناده ضعيف جدا من أجل عبد الأعلى بن أبي المساور فهو متروك .

(4/29)


ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع ، وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما ، فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام ، قد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ((1)) بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف ، منهم محمد بن جعفر بن الزبير((2)) .
__________
(1) آل عمران : 19 .
(2) أخرج : الطبري في " تفسيره " ( 5319 ) عن محمد بن جعفر بن الزبير : { إن الدين عند الله الإسلام } ، أي : ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للرب والتصديق للرسل .

(4/30)


وأما إذا نفي الإيمان عن أحد ، وأثبت له الإسلام ، كالأعراب الذين أخبر الله عنهم ، فإنه ينتفي رسوخ الإيمان في القلب ، وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل ، إذ لولا هذا القدر من الإيمان((1)) لم يكونوا مسلمين ، وإنما نفي عنهم الإيمان ؛ لانتفاء ذوق حقائقه ، ونقص بعض واجباته ، وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب متفاضل ، وهذا هو الصحيح ، وهو أصح الروايتين عن أحمد((2)) ، فإن إيمان الصديقين الذين يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة ، بحيث لا يقبل التشكيك ولا الارتياب ، ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ، ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه ، وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين ، ومن هنا قال بعضهم : ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ، ولكن بشيء وقر في
صدره((3)) .
__________
(1) عبارة : (( من الإيمان )) لم ترد في ( ص ) .
(2) انظر : مجموعة الفتاوى 7/258 ، والإيمان لابن تيمية : 190 ، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل 1/111 .
(3) قال العراقي : (( لا أصل لهذا مرفوعا ، وإنما يعرف من قول بكر بن عبد الله المزني ، رواه الحكيم الترمذي في " نوادره " )) .
وورد أيضا بلفظ : (( ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة ، ولكن بشيء وقر في قلبه )) . انظر : تخريج أحاديث الإحياء ( 85 ) و( 141 ) ، والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة
( 801 ) و( 1307 ) .

(4/31)


وسئل ابن عمر : هل كانت الصحابة يضحكون ؟ فقال : نعم والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال((1)) . فأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة ؟! كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار ، فهؤلاء يصح أن يقال : لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم .
وهذه المسائل - أعني : مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق - مسائل عظيمة جدا، فإن الله علق بهذه الأسماء السعادة، والشقاوة ، واستحقاق الجنة والنار ، والاختلاف في مسمياتها أول((2)) اختلاف وقع في هذه الأمة ، وهو خلاف الخوارج
للصحابة ، حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية ، وأدخلوهم في دائرة الكفر ، وعاملوهم معاملة الكفار ، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم ، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلاف المرجئة ، وقولهم : إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان((3)) .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 1/311 .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) انظر : الإيمان لابن تيمية : 191 و202 ، ومجموعة الفتاوى 7/206 - 207 .

(4/32)


وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة ، وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف : الإمام أحمد ، وأبو عبيد القاسم بن سلام((1)) ، وأبو بكر بن أبي شيبة((2)) ، ومحمد بن أسلم الطوسي . وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف((3)) ، وقد ذكرنا هاهنا نكتا جامعة لأصول كثيرة من هذه المسائل والاختلاف فيها ، وفيه - إن شاء الله - كفاية .

فصل
قد تقدم أن الأعمال تدخل في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضا ، وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة ، ويدخل في مسماها أيضا أعمال الجوارح الباطنة .
فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين لله ، والنصح له ولعباده ، وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد ، وتوابع ذلك من أنواع الأذى .
__________
(1) وهو مطبوع بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني نشر المكتب الإسلامي 1983 م ، وهو مطبوع أيضا ضمن كنوز السنة بتحقيق الشيخ الألباني دار الأرقم الكويت .
(2) وهو مطبوع بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني سنة 1385 ه‍ الطبعة العمومية دمشق .
(3) من هذه التصانيف : الإيمان للعدني ، والإيمان لابن منده ، والإيمان لابن تيمية ، والإيمان لأبي يعلى بن الفراء ، مخطوط له نسخة مصورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن الظاهرية مجموع ( 987 ) .

(4/33)


ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله ، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه ، وزيادة الإيمان بذلك ، وتحقيق التوكل على الله ، وخوف الله سرا وعلانية ، والرضا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا ، واختيار تلف النفوس بأعظم أنواع الآلام على الكفر ، واستشعار قرب الله من العبد ، ودوام استحضاره ، وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ((1)) ما سواهما ، والمحبة((2)) في الله والبغض في الله ، والعطاء له ، والمنع له ، وأن يكون جميع الحركات والسكنات له ، وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية ، والاستبشار بعمل الحسنات ، والفرح بها ، والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها ، وإيثار المؤمنين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنفسهم وأموالهم ، وكثرة الحياء ، وحسن الخلق ، ومحبة ما يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين ، ومواساة المؤمنين ، خصوصا الجيران ، ومعاضدة المؤمنين ، ومناصرتهم ، والحزن بما يحزنهم .
ولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك((3)) :
فأما ما ورد في دخوله في اسم الإسلام ، ففي " مسند الإمام أحمد " ((4)) ،
و" النسائي "((5)
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في ( ص ) : (( والحب )) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) 5/3 و4 و5 .
(5) في " المجتبى " 5/4-5 و82 - 83 وفي " الكبرى " ، له ( 2216 ) و( 2347 )
و( 2349 ) .

وأخرجه أيضا : معمر في " جامعه " ( 20115 ) ، وابن المبارك في " الزهد " ( 987 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 403 ) ( 404 ) ، وابن حبان ( 160 ) ، والطبراني في " الكبير " 19/( 969 ) و( 970 ) و( 971 ) و( 972 ) و( 1033 ) و( 1036 )
و( 1037 ) من حديث معاوية بن حيدة ، به ، وهو حديث قوي .

(4/34)


) عن معاوية بن حيدة ، قال : قلت : يا رسول الله ، أسألك((1)) بالذي بعثك بالحق ، ما الذي بعثك به ؟ قال : (( الإسلام )) ، قلت : وما الإسلام ؟ قال : (( أن تسلم قلبك لله ، وأن توجه وجهك إلى الله ، وتصلي الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة )) ، وفي رواية له : قلت : وما آية الإسلام ؟ قال : (( أن تقول : أسلمت وجهي لله ، وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وكل مسلم على مسلم حرام )) .
وفي السنن((2)) عن جبير بن مطعم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبته
بالخيف((3)) من منى : (( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ))، فأخبر أن هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب المسلم .
وفي " الصحيحين " ((4)
__________
(1) سقطت من ( ج ) .
(2) أخرجه : أحمد 4/80 و82 ، والدارمي ( 233 ) و( 234 ) ، وابن ماجه ( 3056 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 1541 ) و( 1542 ) و( 1543 ) و( 1544 ) ، والحاكم 1/86-88 ، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " 1/41 من حديث جبير بن
مطعم ، به ، وهو حديث قوي بطرقه .
وأخرجه : الدارمي ( 236 ) من حديث أبي الدرداء ، به .
وأخرجه : الحميدي ( 88 ) ، والترمذي ( 2658 ) من حديث عبد الله بن مسعود ، به .
وأخرجه : ابن ماجه ( 230 ) من حديث زيد بن ثابت ، به . والحديث قوي بطرقه .
(3) الخيف : بفتح أوله وسكون ثانيه وآخره فاء ، والخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء ومنه سمي مسجد الخيف من منى .
انظر : معجم البلدان 3/265 ، ومراصد الاطلاع 1/495 .
(4) صحيح البخاري 1/10 ( 11 ) ، وصحيح مسلم 1/48 ( 42 ) ( 66 ) .

وأخرجه : الترمذي ( 2504 ) و( 2628 ) ، والنسائي 8/106-107 وفي " الكبرى " ، له ( 11730 ) من حديث أبي موسى ، به .

(4/35)


) عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل : أي المسلمين أفضل ؟ فقال : (( من سلم المسلمون من لسانه ويده )) .
وفي " صحيح مسلم " ((1)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( المسلم أخو المسلم ، فلا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ((2)). بحسب امرىء من الشر
أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه ، وماله ،
وعرضه )) .
وأما ما ورد في دخوله في اسم الإيمان ، فمثل قوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون
حقا } ((3)) ، وقوله : { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم } ((4)) . وقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ((5)) ، وقوله : { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ((6)) ، وقوله : { وخافون إن كنتم مؤمنين } ((7)) .
__________
(1) صحيح مسلم 8/10-11 ( 2564 ) ( 32 ) و( 33 ) .
وأخرجه : أحمد 2/277 و311 و360، وعبد بن حميد ( 1442 )، وأبو داود ( 4882 ) ، وابن ماجه ( 3933 ) و( 4213 ) ، والترمذي ( 1927 ) من حديث أبي هريرة به .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : (( ولا يحسده )) .
(3) الأنفال : 2-4 .
(4) الحديد : 16 .
(5) إبراهيم : 11 ، والمجادلة : 10 ، والتغابن : 13 .
(6) المائدة : 23 .
(7) آل عمران : 175 .

(4/36)


وفي " صحيح مسلم " ((1)) عن العباس بن عبد المطلب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :
(( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا )) .
والرضا بربوبية الله يتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له ، وبالرضا بتدبيره للعبد واختياره له .
والرضا بالإسلام دينا يقتضي اختياره على سائر الأديان .
والرضا بمحمد رسولا يقتضي الرضا بجميع ما جاء به من عند الله ، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح ، كما قال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ((2)) .
وفي " الصحيحين " ((3)
__________
(1) صحيح مسلم 1/46 ( 34 ) ( 56 ) .
وأخرجه : أحمد 1/208 ، والترمذي (2623) ، وأبو يعلى ( 6692 ) ، وابن حبان
( 1694 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 114 ) و(115 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 9/156، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 198 ) و( 199 ) ، والبغوي ( 24 ) عن العباس بن
عبد المطلب به .
(2) النساء : 65 .
(3) صحيح البخاري 1/10 ( 16 ) و1/12 ( 21 ) و8/17 ( 6041 ) و9/25 ( 6941 ) ، وصحيح مسلم 1/48 ( 43 ) ( 67 ) .

وأخرجه : معمر في " جامعه " ( 20320 ) ، وابن المبارك في " الزهد " ( 827 ) ، وأحمد 3/103 و174 و230 و248 و288 ، وابن ماجه ( 4033 ) ، والنسائي 8/96 ، وابن حبان ( 237 ) و( 238 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 1171 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 281 ) و( 282 ) و( 283 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/27 و2/288 ، والبيهقي في
" شعب الإيمان " ( 405 ) و ( 1376 ) والبغوي في " شرح السنة " ( 21 ) من حديث أنس بن مالك به .

(4/37)


) عن أنس((1)) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يرجع ((2)) إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى((3)) في النار )) . وفي رواية : (( وجد بهن طعم الإيمان((4)) )) ، وفي بعض الروايات : (( طعم الإيمان وحلاوته((5)) )) .
وفي " الصحيحين "((6)) عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا يؤمن أحدكم
حتى أكون أحب إليه من ولده ، ووالده ، والناس أجمعين )) ، وفي رواية : (( من
أهله ، وماله ، والناس أجمعين((7)) )) .
__________
(1) عبارة : (( عن أنس )) لم ترد في ( ص ) .
(2) في ( ص ) : (( يعود في )) .
(3) في ( ص ) : (( يقذف )) .
(4) أخرجه : أحمد 3/172 و275 ، ومسلم 1/48 ( 43 ) ( 68) ، وابن ماجه ( 4033 ) ، والترمذي ( 2624 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 724 ) وفي " الصغير " ، له ( 715 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 9512 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
(5) أخرجه : النسائي 8/94-95 من حديث أنس بن مالك ، به .
وورد أيضا بلفظ : (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإسلام )) أخرجه : النسائي 8/97 .
(6) صحيح البخاري 1/10 ( 15 ) ، وصحيح مسلم 1/49 ( 44 ) ( 70 ) . =
= وأخرجه : أحمد 3/177 و207 و275 و278 ، وابن ماجه ( 67 ) ، والنسائي 8/114-115 وفي " الكبرى " ، له ( 11744 ) ، وأبو عوانة 1/41 ، وابن حبان ( 179 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 284 ) و( 285 ) و( 286 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان "
( 1374 ) ، والبغوي ( 22 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
(7) أخرجه : مسلم 1/49 ( 44 ) ( 69 ) ، والنسائي 8/115 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 1375 ) من حديث أنس بن مالك ، به .

(4/38)


وفي " مسند الإمام أحمد "((1)) عن أبي رزين العقيلي قال : قلت : يا رسول الله، ما الإيمان ؟ قال : (( أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ، وأن تحترق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله شيئا ((2))، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله ، فإذا كنت كذلك ، فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن((3))
في اليوم القائظ )) . قلت : يا رسول الله ، كيف لي بأن أعلم
أني مؤمن ؟ قال : ما من أمتي – أو هذه الأمة – عبد يعمل حسنة ، فيعلم أنها
حسنة ، وأن الله - عز وجل - جازيه بها خيرا ((4))، ولا يعمل سيئة ، فيعلم أنها
سيئة ، ويستغفر الله منها ، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله ((5))، إلا وهو
مؤمن )) .
وفي " المسند " ((6)
__________
(1) المسند 4/11-12 .
(2) شيئا )) لم ترد في ( ج ) .
(3) في ( ص ) : (( في جوف الظمآن )) .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) في ( ج ) : (( لا يغفر إلا هو )) .
(6) في ( ص ) : (( الصحيح )) ، وهو خطأ إذ الحديث غير موجود في أحد الصحيحين . وهو في مسند الإمام أحمد 1/18 و26 .
وأخرجه : الحميدي ( 32 ) ، والترمذي ( 2165 ) وفي " العلل " ، له ( 353 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 9224 ) و( 9225 ) و( 9226 ) ، وابن حبان ( 4576 ) و( 5586 ) و( 6728 ) و( 7254 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 1086 ) و( 1087 ) ،
والحاكم 1/114 ، والبيهقي 7/91 من حديث عمر بن الخطاب ، به ، وهو جزء من حديث طويل ، وقال الترمذي : (( حسن صحيح غريب )) على أن أبا حاتم وأبا زرعة والبخاري والدارقطني قد خطئوا الرواية الموصولة ، ورجحنا أن الحديث منقطع .

انظر : التاريخ الكبير للبخاري 1/102 ، وعلل ابن أبي حاتم ( 1933 ) و(2629 ) ، وعلل الدارقطني 2/65 س ( 111 ) .

(4/39)


) وغيره عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ((1))، قال : (( من سرته حسنته ، وساءته سيئته فهو مؤمن )) .
وفي " مسند بقي بن مخلد "((2)) عن رجل سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( صريح الإيمان إذا أسأت ، أو ظلمت أحدا : عبدك ، أو أمتك ، أو أحدا من الناس ، صمت أو تصدقت ، وإذا أحسنت استبشرت )) .
وفي " مسند الإمام أحمد " ((3)) عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال
: (( المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء : الذين آمنوا بالله ورسوله ، ثم لم يرتابوا ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ((4))، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله - عز وجل - )) .
وفيه أيضا ((5)) عن عمرو بن عبسة ، قال : قلت : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال : (( طيب الكلام ، وإطعام الطعام )) . قلت : ما الإيمان ؟ قال : (( الصبر والسماحة )) . قلت : أي الإسلام أفضل ؟ قال : (( من سلم المسلمون من لسانه ويده )) . قلت : أي الإيمان أفضل ؟ قال : (( خلق حسن )) .
__________
(1) عبارة : (( عن النبي - صلى الله عليه وسلم - )) لم ترد في ( ص ) .
(2) إن هذا المسند على منزلته الكبرى بين كتب العلم قد فقد مع ما فقد من تراثنا
الإسلامي العظيم الذي تركه لنا علماؤنا رحمهم الله . وهذا الحديث لم أجده في كتب الحديث التي بين أيدينا اليوم .
(3) المسند 3/8 .
(4) زاد في ( ص ) : (( أولئك هم الصادقون )) ، والمثبت موافق لما في مسند الإمام أحمد .
(5) مسند الإمام أحمد 4/385 وإسناده ضعيف لضعف محمد بن ذكوان ولضعف شهر بن حوشب ، ثم إن الحديث منقطع فإن شهر بن حوشب لم يسمع من عمرو بن عبسة .

(4/40)


وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة ((1)) ، فقال : هو الصبر عن محارم الله - عز وجل -، والسماحة بأداء فرائض الله - عز وجل - ((2)) .
وفي " الترمذي "((3)) وغيره ((4))عن عائشة – رضي الله عنها - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا )) ، وخرجه أبو داود((5)) وغيره من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - .
وخرج البزار في " مسنده "((6)) من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ثلاث من فعلهن ، فقد طعم طعم الإيمان : من عبد الله وحده بأنه لا إله إلا الله ، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام )) وذكر الحديث ، وفي آخره : فقال رجل : وما تزكية المرء نفسه يا رسول الله ؟ قال : أن يعلم أن الله معه حيث كان )) . وخرج أبو داود((7)
__________
(1) في ( ص ) : (( السماحة والصبر بالصبر ... )) .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 2/156 .
(3) في " جامعه " ( 2612 ) .
وأخرجه : أحمد 6/47 و99 ، والنسائي في " الكبرى " ( 9154 ) ، والحاكم 1/53 من حديث عائشة ، به ، وإسناده منقطع ، وقال الترمذي : (( حسن )) ولعله لشواهده .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) في " سننه " ( 4682 ) .
وأخرجه : ابن أبي شيبة 8/515 و11/27، وأحمد 2/250 و472 ، والترمذي ( 1162 ) ، وأبو يعلى ( 5926 ) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ( 4431 ) ، وابن حبان
( 479 ) و( 4176 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 1291 ) ، والحاكم 1/3 ، =
= وأبو نعيم في " الحلية " 9/248 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 27 ) و( 7981 ) ، والبغوي ( 2341 ) و( 3495 ) من حديث أبي هريرة ، به ، وقال الترمذي : (( حسن صحيح )) .
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) في " سننه "( 1582 ) .
وأخرجه: ابن سعد في "الطبقات" 7/294، والبخاري في "التاريخ الكبير" 4/345 ، والطبراني في "الصغير" ( 546 ) من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري ، به ، وهو حديث صحيح .

(4/41)


) أول الحديث دون آخره .
وخرج الطبراني((1)) من حديث عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :
(( إن ((2)) أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت )) .
وفي " الصحيحين " ((3)) عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( الحياء من الإيمان )) .
وخرج الإمام أحمد((4)) ، وابن ماجه((5)
__________
(1) في " الأوسط " ( 8796 ) .
وأخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 6/124 من حديث عبادة بن الصامت ، به ، وإسناده ضعيف لضعف نعيم بن حماد ، وعثمان بن كثير قال عنه الهيثمي في المجمع 1/63 : (( لم أر من ذكره بثقة ولا جرح )) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) صحيح البخاري 1/12 ( 24 ) و8/35 ( 6118 ) ، وصحيح مسلم 1/46 ( 36 )
( 59 ) . =
= وأخرجه : معمر في "جامعه" ( 20146 )، ومالك في "الموطأ" ( 2635 ) برواية يحيى الليثي ، والحميدي ( 625 )، وابن أبي شيبة في "الإيمان" ( 68 )، وأحمد 2/9 و56 و147، وعبد بن حميد ( 725 ) ، والبخاري في "الأدب المفرد" ( 602 ) ، وأبو داود ( 4795 ) ، وابن ماجه ( 58 ) ، والترمذي ( 2615 ) ، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" ( 73 ) ، والنسائي 8/121 ، وأبو يعلى ( 5424 ) و( 5487 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل" ( 1526 ) و( 1527 ) و( 1528 ) و( 1529 ) ، وابن حبان ( 610 ) ، والطبراني في " الأوسط "
( 4932 ) وفي " الصغير " ، له ( 731 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 174 ) و( 175 )
و( 176 ) ، والقضاعي في "مسند الشهاب" ( 155 ) ، والبيهقي في " الآداب " ( 175 ) ، والبغوي في " شرح السنة " ( 3594 ) من حديث عبد الله بن عمر ، به .
(4) في " مسنده " 4/126 .
(5) في " سننه " ( 43 ) .
وأخرجه : ابن أبي عاصم في " السنة " ( 33 ) ، والطبراني في " الكبير " 18/( 619 ) وفي
" مسند الشاميين " ، له ( 2017 ) ، والحاكم 1/96 من حديث العرباض بن سارية ، به ، وهو جزء من حديث طويل .

(4/42)


) من حديث العرباض بن سارية ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إنما المؤمن كالجمل الأنف ، حيثما قيد انقاد )) .
وقال الله - عز وجل - : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } ((1)) .
وفي " الصحيحين " ((2)) عن النعمان بن بشير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم((3)) وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )) . وفي رواية لمسلم((4))
: (( المؤمنون كرجل واحد )) . وفي رواية له((5)) أيضا((6)) : (( المسلمون كرجل واحد((7)) إذا اشتكى عينه ، اشتكى كله ، وإن اشتكى رأسه ، اشتكى كله )) .
وفي " الصحيحين " ((8)
__________
(1) الحجرات : 10 .
(2) صحيح البخاري 8/11 ( 6011 ) ، وصحيح مسلم 8/20 ( 2586 ) ( 66 ) .
وأخرجه : أحمد 4/270 ، وابن حبان ( 233 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 322 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 1366 ) و( 1367 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ، والبغوي ( 3459 ) من حديث النعمان بن بشير ، به ، وهو حديث قوي .
(3) سقطت من ( ج ) .
(4) في " صحيحه " 8/20 ( 2586 ) ( 67 ) .
وأخرجه : أحمد 4/271 و276 ، وابن منده في " الإيمان " ( 318 ) و( 319 ) و( 320 ) و( 321 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 4/126 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 7607 ) وفي " الآداب " ، له ( 102 ) ، والبغوي ( 3460 ) من حديث النعمان بن بشير ، به .
(5) في " صحيحه " 8/20 ( 2586 ) ( 67 ) .
(6) سقطت من ( ص ) .
(7) سقطت من ( ص ) .
(8) صحيح البخاري 1/129 ( 481 ) و8/14 ( 6026 )، وصحيح مسلم 8/20 ( 2585 ) ( 65 ) .

وأخرجه : الحميدي ( 772 ) ، وأحمد 4/404 ، والنسائي 5/79 ، وأبو عوانة كما في
" إتحاف المهرة " 10/100 ، وابن حبان ( 232 ) ، والبغوي ( 3461 ) من حديث أبي موسى الأشعري ، به .

(4/43)


) عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) ، وشبك بين أصابعه .
وفي " مسند الإمام أحمد " ((1)) عن سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :
(( المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس )) .
وفي " سنن أبي داود " ((2)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( المؤمن مرآة المؤمن ، المؤمن أخو المؤمن ، يكف عنه ضيعته ، ويحوطه من ورائه )) .
وفي " الصحيحين "((3)
__________
(1) المسند 5/340 .
وأخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 693 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 5743 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 136 ) من حديث سهل بن سعد الساعدي ، به . وهو حديث قوي .
(2) برقم ( 4918 ) .
وأخرجه : البخاري في " الأدب المفرد " ( 239 )، والقضاعي في "مسند الشهاب" ( 125 ) من حديث أبي هريرة ، به . قال العراقي في " تخريج الإحياء " 3/1130 ( 1652 ) : (( رواه أبو داود من حديث أبي هريرة بإسناد حسن )) .
(3) صحيح البخاري 1/10 ( 13 ) ، وصحيح مسلم 1/49 ( 45 ) ( 71 ) و( 72 ) .

وأخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 677 ) ، والطيالسي ( 2004 ) ، وأحمد 3/176 ، و206 و251 و272 و278 و289 ، وعبد بن حميد ( 1175 ) ، والدارمي ( 2743 ) ، وابن ماجه ( 66 ) ، والترمذي ( 2515 ) ، والنسائي 8/115 و125 وفي " الكبرى " ، له ( 11747 ) و( 11770 ) ، وأبو عوانة 1/41 ، وابن حبان ( 234 ) ، والطبراني في
" الأوسط " ( 8292 ) وفي " مسند الشاميين " ، له ( 2592 ) ، وابن منده في " الإيمان "
( 296 ) و( 297 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 889 ) ، والبغوي ( 3474 ) من حديث أنس بن مالك ، به .

(4/44)


) عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) .
وفي " صحيح البخاري " ((1)) عن أبي شريح الكعبي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :
(( والله لا يؤمن((2))، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن )) قالوا : من ذاك يا رسول الله ؟! قال : (( من لا يأمن جاره بوائقه )) .
وخرج الحاكم ((3)) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ليس بمؤمن من((4)) يشبع وجاره جائع )) .
وخرج الإمام أحمد((5)) والترمذي((6)
__________
(1) الصحيح 8/12 ( 6016 ) .
وأخرجه : أحمد 4/31 و6/385 ، والطبراني في " الكبير " 22/487 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 3495 ) وفي " الآداب " ، له ( 77 ) من حديث أبي شريح الكعبي ، به .
(2) زاد في ( ص ) : (( أحدكم )) ، والمثبت موافق لما في الصحيح .
(3) في " المستدرك " 4/167 .
(4) في ( ج ) : (( المؤمن الذي )) .
(5) في " مسنده " 3/438 و440 .
(6) سقطت من ( ص ) ، والحديث في " جامعه " برقم ( 2521 ) .

وأخرجه : أبو يعلى ( 1485 ) ، والطبراني في " الكبير " 20/( 412 ) ، والحاكم 2/164 ، والبيهقي في "شعب الإيمان" ( 15 ) من حديث معاذ الجهني ، به . والحديث له شواهد تقويه .

(4/45)


) من حديث سهل بن معاذ الجهني ، عن
أبيه((1)) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من أعطى لله ، ومنع لله ، وأحب لله ، وأبغض
لله )) زاد الإمام أحمد : (( وأنكح لله ، فقد استكمل إيمانه )) . وفي رواية للإمام أحمد((2)) : أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الإيمان ، فقال: (( أن تحب لله ، وتبغض لله ، وتعمل لسانك في ذكر الله )) ، فقال : وماذا يا رسول الله ؟ قال : (( أن تحب للناس ما تحب لنفسك ، وتكره لهم ((3)) ما تكره لنفسك )) ، وفي رواية له : (( وأن تقول خيرا أو تصمت )) .
وفي هذا الحديث أن كثرة ذكر الله من ((4)) أفضل الإيمان .
وخرج أيضا((5)) من حديث عمرو بن الجموح - رضي الله عنه - : أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : (( لا يستحق العبد((6)) صريح الإيمان حتى يحب لله ، ويبغض لله، فإذا أحب لله،
وأبغض لله ، فقد استحق الولاية من الله تعالى )) .
وخرج أيضا((7)) من حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إن((8)) أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله ، وتبغض في الله )) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في " مسنده " 5/247 .
(3) في ( ص ) : (( وتكره للناس )) .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) في " مسنده " 3/430 .
(6) في ( ص ) : (( لا يحق لعبد )) .
(7) في " مسنده " 4/286 ، وإسناده ضعيف ، وقواه بعضهم بما له من شواهد .
(8) سقطت من ( ص ) .

(4/46)


وقال ابن عباس : أحب في الله، وأبغض في الله ، ووال في الله ، وعاد في الله ، فإنما تنال ولاية الله بذلك ، ولن يجد ((1)) عبد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته وصومه - حتى يكون كذلك ، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا ، وذلك لا يجدي على أهله شيئا . خرجه محمد ((2)) بن جرير الطبري((3)) ، ومحمد بن نصر المروزي((4)) .

فصل
وأما الإحسان ، فقد جاء ذكره((5)) في القرآن في مواضع : تارة مقرونا
بالإيمان ، وتارة مقرونا بالإسلام ، وتارة مقرونا بالتقوى ، أو بالعمل ((6)).
فالمقرون بالإيمان : كقوله تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } ((7)) ، وكقوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ((8)) .
__________
(1) في ( ص ) : (( يذق )) .
(2) لم ترد في ( ج ) .
(3) في " تفسيره " ( 23951 ) .
(4) في " تعظيم قدر الصلاة " ( 396 ) .
وأخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 11537 ) ، والبغوي ( 3468 ) من حديث عبد الله بن عباس ، مرفوعا .
وأخرجه : أحمد 5/146 ، وأبو داود ( 4599 ) من حديث أبي ذر ، مرفوعا .
(5) زاد بعدها في ( ص ) : (( مقرونا )) .
(6) في ( ص ) : (( وتارة بالإسلام وتارة بالتقوى )) .
(7) المائدة : 93 .
(8) الكهف : 30 .

(4/47)


والمقرون بالإسلام : كقوله تعالى : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه } ((1)) ، وكقوله تعالى : { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى } ((2)) .
والمقرون بالتقوى : كقوله تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ((3)) ، وقد يذكر مفردا كقوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى
وزيادة } ((4)) ، وقد ثبت في " صحيح مسلم " ((5)) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله - عز وجل - في الجنة ، وهذا مناسب لجعله جزاء ((6)) لأهل الإحسان ؛ لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا((7)) على وجه الحضور والمراقبة ، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته((8)) ، فكان جزاء ذلك النظر إلى((9)) الله عيانا في الآخرة((10)) .
وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الكفار في الآخرة : { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } ((11)) ، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا ، وهو تراكم الران على قلوبهم ، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا ، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة((12)) .
__________
(1) البقرة : 112 ، والآية لم ترد في ( ص ) .
(2) لقمان : 22 .
(3) النحل : 128 .
(4) يونس : 26 .
(5) الصحيح 1/112 ( 181 ) ( 297 ) و( 298 ) .
(6) في ( ص ) : (( جعله الله - عز وجل - )) .
(7) في الدنيا )) سقطت من ( ص ) .
(8) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/146 .
(9) زاد بعدها في ( ص ) : (( وجه )) .
(10) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/15 .
(11) المطففين : 15 .
(12) انظر : تفسير البغوي 5/225 ، وزاد المسير 9/57 .

(4/48)


فقوله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير الإحسان : (( أن تعبد الله كأنك تراه … )) إلخ يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة ، وهو استحضار قربه ، وأنه بين يديه كأنه يراه ، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم((1)) ، كما جاء في رواية أبي هريرة : (( أن تخشى الله كأنك تراه )) .
ويوجب أيضا النصح في العبادة ، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها .
وقد وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من أصحابه بهذه الوصية ، كما روى إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، قال : أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - أن أخشى الله كأني أراه ، فإن لم أكن أراه ، فإنه يراني .
وروي عن ابن عمر ، قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي ، فقال :
(( اعبد الله كأنك تراه )) ، خرجه النسائي((2)) ، ويروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعا وموقوفا : (( كن كأنك ترى الله ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك ))((3)) .
وخرج الطبراني((4)
__________
(1) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/146 .
(2) في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " 5/278 .
وأخرجه : أحمد 2/132 ، والآجري في " الغرباء " ( 21 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/115 من حديث عبد الله بن عمر ، به . وهو حديث صحيح .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/202 موقوفا ومرفوعا ، والمرفوع ضعيف لضعف محمد بن حنيفة أبي حنيفة الواسطي . انظر : لسان الميزان 7/109 .
(4) في " الأوسط " ( 4427 ) من حديث عبد الله بن عمر ، به .

وهنا قد وهم الحافظ ابن رجب رحمه الله فنسب الحديث إلى أنس ، وبعد تتبع طرق الحديث وجدناه من طريق عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وفي إسناد الحديث ضعف لجهالة بعض رواته ، قال الهيثمي في " المجمع " 10/232 : (( وفيه من لم أعرفهم )) .

(4/49)


) من حديث أنس : أن رجلا قال : يا رسول الله ، حدثني بحديث((1))، واجعله موجزا ، فقال : (( صل صلاة مودع ؛ فإنك إن كنت لا تراه ، فإنه يراك )) .
وفي حديث حارثة المشهور - وقد روي من وجوه مرسلة((2))، وروي متصلا ، والمرسل أصح - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : (( كيف أصبحت يا حارثة ؟ )) قال : أصبحت مؤمنا حقا ، قال : (( انظر ما تقول ، فإن لكل قول حقيقة )) ، قال :
يا رسول الله ، عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ((3)) ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون((4)) فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف ((5)) يتعاوون فيها . قال : (( أبصرت فالزم ، عبد نور الله الإيمان في قلبه ))((6)) .
ويروى من حديث أبي أمامة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصى رجلا ، فقال له : (( استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك )) ((7)). ويروى من وجه آخر مرسلا((8)) .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 314 ) مرسلا .
(3) في ( ص ) : (( وكأني بعرش الرحمان بارزا )) .
(4) في ( ص ) : (( وكأني بأهل الجنة يتزاورون )) .
(5) سقطت من ( ص ) .
(6) أخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 3367 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 10591 ) ، من حديث الحارث بن مالك ، به مرفوعا ، وهو ضعيف .
وأخرجه : البزار ( 32 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 10590 ) من حديث أنس بن مالك ، به مرفوعا . وهو ضعيف .
(7) أخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 7897 ) من حديث أبي أمامة به ، وهو جزء من حديث طويل ، وإسناده ضعيف ؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان .
(8) أخرجه : أحمد في " الزهد " (248 ) من طريق سعيد بن يزيد ، مرسلا .

(4/50)


ويروى عن معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاه لما بعثه إلى اليمن ، فقال : (( استحي من الله كما تستحي رجلا ذا هيبة من أهلك ))((1)) .
وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كشف العورة خاليا ، فقال : (( الله أحق أن يستحيا
منه ))((2)).
ووصى أبو الدرداء رجلا ، فقال له : اعبد الله كأنك تراه((3)) .
وخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف ، فلم يجبه ، ثم لقيه بعد ذلك ، فاعتذر إليه ، وقال : كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا . أخرجه أبو نعيم((4)) وغيره .
قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) .
__________
(1) أخرجه : البزار ( 2642 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 825 ) من حديث معاذ ابن جبل ، به ، وإسناده ضعيف ؛ لضعف ابن لهيعة ، ولعنعنة أبي الزبير . =
= وأخرجه : مالك في " الموطأ " ( 2626 ) برواية يحيى الليثي بلفظ : أن معاذ بن جبل قال آخر ما أوصاني به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين وضعت رجلي في الغرز أن قال : (( أحسن خلقك للناس معاذ بن جبل )) ، وهو منقطع .
(2) أخرجه : عبد الرزاق ( 1106 ) ، وأحمد 5/3 و4 ، وأبو داود ( 4017 ) ، وابن ماجه
( 1920 ) ، والترمذي ( 2769 ) و( 2794 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 8972 ) ، والحاكم 4/179-180 ، وأبو نعيم في " الحلية " 7/121-122 ، والبيهقي 1/199 و2/225 و7/94 وفي " شعب الإيمان " ، له ( 7753 ) وفي " الآداب " ، له ( 716 ) ، والخطيب في " تاريخه " 3/261-262 من حديث معاوية بن حيدة ، به ، وهو جزء من حديث طويل ، وهو حديث حسن .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 1/211-212 .
(4) في " الحلية " 1/309 .

(4/51)


قيل ((1)): إنه تعليل للأول ، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة ، واستحضار قربه من عبده ، حتى((2)) كأن العبد يراه ، فإنه قد يشق ذلك عليه ، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره ، ولا يخفى عليه شيء من أمره ، فإذا حقق هذا المقام ، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني ، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته ((3)) ، حتى كأنه يراه .
وقيل : بل هو إشارة ((4)) إلى أن من شق عليه أن يعبد الله كأنه يراه((5)) ، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه ، فليستحي من نظره إليه ، كما قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك .
وقال بعضهم : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحي من الله على قدر قربه منك .
قالت بعض العارفات من السلف : من عمل لله على المشاهدة ، فهو عارف ، ومن عمل على مشاهدة الله إياه ، فهو مخلص . فأشارت إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما :
أحدهما : مقام الإخلاص ، وهو أن يعمل العبد على استحضار((6)) مشاهدة الله إياه ، واطلاعه عليه ، وقربه منه ، فإذا استحضر العبد هذا في عمله ، وعمل عليه ، فهو مخلص لله ؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل .
والثاني : مقام المشاهدة ، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى
بقلبه ، وهو أن يتنور القلب بالإيمان ، وتنفذ البصيرة في العرفان ، حتى يصير الغيب كالعيان .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في ( ص ) : (( يعني )) .
(3) في ( ص ) : (( وهيبته )) .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) عبارة : (( أن يعبد الله كأنه يراه )) لم ترد في ( ص ) .
(6) زاد في ( ص ) : (( الله لأن الاستحضار ذلك )) .

(4/52)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية