صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : السيرة النبوية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فأجبناه، وإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا اخترط سيفى وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا (1) فقال: من يمنعك منى ؟ قلت: الله.
فشام السيف وجلس.
ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل ذلك.
وقد رواه مسلم أيضا، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن عفان، عن أبان، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل من المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة، فأخذ سيف رسول الله فاخترطه وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تخافني ؟ قال: لا.
قال: فمن يمنعك منى ؟ قال: الله يمنعنى منك.
قال: فهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغمد السيف وعلقه.
قال: ونودى بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الاخرى
ركعتين.
قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان.
وقد علقه البخاري بصيغة الجزم عن أبان به.
قال البخاري: وقال: مسدد عن أبى عوانة عن أبى بشر، إن اسم الرجل غورث بين الحارث.
وأسند البيهقى من طريق أبى عوانة، عن أبى بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب وغطفان بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وقال: من يمنعك منى ؟ قال: الله.
فسقط السيف من يده.
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال: من يمنعك منى ؟ فقال: كن خير
__________
(1) صلتا: مجردا من غمده، بمعنى مصلت.
(*)

(3/163)


آخذ.
قال: تشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك.
فخلى سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس.
ثم ذكر صلاة الخوف، وأنه صلى أربع ركعات، بكل طائفة ركعتين.
وقد أورد البيهقى هنا طرق صلاة الخوف بذات الرقاع، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبى حثمة، وحديث الزهري، عن سالم عن أبيه، في صلاة الخوف بنجد.
وموضع ذلك كتاب الاحكام.
والله أعلم.
قصة الذى أصيبت امرأته في هذه الغزوة قال محمد بن إسحاق: حدثنى عمى صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر بن عبدالله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا، أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهى حتى يهريق في أصحاب
محمد دما.
فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الانصار.
فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب من الوادي.
وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر، فلما خرجا إلى فم الشعب قال الانصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره ؟ قال: بل اكفني أوله.
فاضطجع المهاجرى فنام وقام الانصاري يصلى.
قال: وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرمى بسهم

(3/164)


فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه وثبت قائما.
قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما.
قال: ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت.
قال: فوثب الرجل فلما رآهما عرف أنه قد نذرا به، فهرب.
قال: ولما رأى المهاجرى ما بالانصارى من الدماء قال: سبحان الله أفلا أهببتنى أول ما رماك ؟ ! قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع على الرمى ركعت فأذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها ! هكذا ذكره ابن إسحاق في المغازى.
وقد رواه أبو داود عن أبى توبة، عن عبدالله ابن المبارك، عن ابن إسحاق به.
وقد ذكر الواقدي عن عبدالله العمرى، عن أخيه عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه، حديث صلاة الخوف بطوله.
قال: وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد أصاب في محالهم نسوة، وكان في السبى جارية وضيئة، وكان زوجها يحبها، فحلف ليطلبن محمدا ولا يرجع حتى يصيب دما أو يخلص صاحبته، ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد بن إسحاق.
قال الواقدي: وكان جابر بن عبدالله يقول: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فأقبل إليه أبواه أو أحدهما حتى طرح نفسه في يدى الذى أخذ فرخه، فرأيت أن الناس عجبوا من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا الطائر أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه ؟ فوالله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه ! !

(3/165)


قصة جمل جابر في هذه الغزوة قال محمد بن إسحاق: حدثنى وهب بن كيسان، عن جابر بن عبدالله، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضى وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا جابر ؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بى جملى هذا.
قال: أنخه.
قال: فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك أو اقطع عصا من شجرة.
ففعلت فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ثم قال: اركب.
فركبت، فخرج والذى بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة (1).
قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال: قلت: بل أهبه لك.
قال: لا ولكن بعنيه، قال: قلت: فسمنيه، قال: قد أخذته بدرهم، قال: قلت: لا إذا تغبننى يا رسول الله ! قال: فبدرهمين، قال: قلت: لا.
قال: فلم يزل يرفع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الاوقية، قال: فقلت: أفقد
رضيت ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخذته.
ثم قال: يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: أثيبا أم بكرا ؟ قال: قلت: بل ثيبا.
قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ! قال: قلت يا رسول الله إن أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن فتقوم عليهن.
قال: أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صرارا (2) أمرنا بجزور فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها.
قال: فقلت: والله يا رسول الله مالنا نمارق.
قال: إنها ستكون فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا.
__________
(1) المواهقة.
المباراة.
(2) صرار: موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
(*)

(3/166)


قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا.
قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك فسمع وطاعة.
فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال: ما هذا ؟ قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر، فدعيت له، قال: فقال: يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك.
قال: ودعا بلالا فقال: اذهب بجابر فأعطه أوقية.
قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا.
قال: فوالله ما زال ينمى عندي ويرى مكانه من بيننا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا.
يعنى يوم الحرة.
وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث عبيد الله بن عمر العمرى، عن وهب بن
كيسان، عن جابر بنحوه.
قال السهيلي: في هذا الحديث إشارة إلى ما كان أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبدالله أن الله أحيا والده وكلمه فقال له: تمن على.
وذلك أنه شهيد وقد قال الله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " وزادهم على ذلك في قوله: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " ثم جمع لهم بين العوض والمعوض فرد عليهم أرواحهم التى اشتراها منهم فقال: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " والروح للانسان بمنزلة المطية كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز قال:

(3/167)


فلذلك اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر جمله، وهو مطيته، فأعطاه ثمنه ثم رده عليه وزاده مع ذلك.
قال: ففيه تحقيق لما كان أخبره به عن أبيه.
وهذا الذى سلكه السهيلي هاهنا إشارة غريبة وتخيل بديع.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ترجم الحافظ البيهقى في كتابه " دلائل النبوة " على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال: باب ما كان ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبدالله رضى الله عنه.
وهذا الحديث له طرق عن جابر وألفاظ كثيرة، وفيه اختلاف كثير في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع.
وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من الاحكام والله أعلم.
وقد جاء تقييده بهذه الغزوة، وجاء تقييده بغيرها، كما سيأتي.
ومستبعد تعداد ذلك والله أعلم.

(3/168)


غزوة بدر الآخرة
وهى بدر الموعد التى تواعدوا إليها من أحد كما تقدم.
قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجبا، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبدالله بن عبدا لله بن أبى بن سلول.
قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأقام عليه ثمانيا ينتظر أبا سفيان.
وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران.
وبعض الناس يقول: قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، فإن عامكم هذا عام جدب وإنى راجع فارجعوا.
فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
قال: وأتى مخشى بن عمرو الضمرى وقد كان وادع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ودان على بنى ضمرة فقال: يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال: نعم يا أخا بنى ضمرة، وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
قال: لا والله يا محمد مالنا بذلك من حاجة.
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا.
قال ابن إسحاق: وقد قال عبدالله بن رواحة يعنى في انتظارهم أبا سفيان ورجوعه بقريش عامه ذلك.
قال ابن هشام: وقد أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك:

(3/169)


وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد * لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو لاقيتنا فلقيتنا * لابت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أف لدينكم * وأمركم السئ الذى كان غاويا فإنى وإن عنفتموني لقائل * فدى لرسول الله أهلى وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في ذلك: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك (1) بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك أقمنا على الرس النزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك (2) بكل كميت جوزه نصف خلقه * وقب طوال مشرفات الحوارك (3) ترى العرفج العامي تذرى أصوله * مناسم أخفاف المطى الرواتك (4) فإن تلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك فأبلغ أبا سفيان عنى رسالة * فإنك من غر الرجال الصعالك قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، وقد أسلم فيما بعد ذلك: أحسان إنا يا ابن آكلة الفغا * وجدك نغتال الخروق كذلك (5)
__________
(1) الفلجات: جمع فلج، وهو النهر الصغير.
والاوارك: الابل التى رعت الاراك.
(2) الرس: البئر.
والنزوع: القريبة القعر.
والارعن: الجيش ذو الفضول.
(3) الكميت: الفرس.
والجوز: الوسط.
والقب: جمع أقب، وهو الفرس الضامر البطن والحوارك: جمع حارك وهو أعلى الكاهل.
(4) العرفج: شجر سهلى.
والعامي: الذى أتى عليه العام.
والرواتك: المسرعة.
(5) الفغا: شئ كالتبن.
والخروق: القفار.
ونفتال: نقطع.
(*)

(3/170)


خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشد مدارك (1) إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مدمن أهل الموسم المتعارك (2) أقمت على الرس النزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك على الزرع تمشى خيلنا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالدكادك (3) أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطى الرواتك (4) حسبتم جلاد القوم عند فنائكم (5) * كمأخذكم بالعين أرطال آنك (6) فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك فإنك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات دينها أنت ناسك (7) قال ابن هشام: تركنا منها أبياتا لاختلاف قوافيها.
وقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري وابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر الناس لموعد أبى سفيان، وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم، فسلم الله أولياءه، وخرج المسلمون صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وأخذوا معهم بضائع وقالوا: إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر.
__________
(1) اليعافير: جمع يعفور وهو ولد الظبية.
ووألت: احتمت.
والشد: الجرى.
(2) المدمن: الموضع به آثار الناس والدواب.
(3) الدكادك: جمع دكدك، ما تكبس واستوى من الرمل، أو أرض فيها غلظ.
(4) الرواتك: التى تقارب في خطوها.
(5) ابن هشام: عند قبابهم.
ورواها ابن سلام في طبقات الشعراء: حول بيوتكم.
(6) العين: المال، والذهب، والدينار.
والآنك: الرصاص الابيض.
وقد ذكر السهيلي عن ابن
سلام أن أبا سفيان بن حرب قال لابي سفيان بن الحارث: يابن أخى لم جعلتها آنك، إن كانت الفضة بيضاء جيدة ! (7) وتروى: ولا حرمات الدين أنت بناسك.
(*)

(3/171)


ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبى سفيان إلى مجنة، ورجوعه، وفى مقاولة الضمرى، وعرض النبي صلى الله عليه وسلم والمنابذة فأبى ذلك.
قال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها في ألف وخمسمائة من أصحابه، واستخلف على المدينة عبدالله بن رواحة.
وكان خروجه إليها في مستهل ذى القعدة، يعنى سنة أربع.
والصحيح قول ابن إسحاق، أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة، ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان، لكن قال: في سنة ثلاث وهذا وهم، فإن هذه توعدوا إليها من أحد وكانت أحد في شوال سنة ثلاث كما تقدم.
والله أعلم.
قال الواقدي: فأقاموا ببدر مدة الموسم الذى كان يعقد فيها ثمانية أيام، فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين.
وقال غيره: فانقلبوا كما قال الله عزوجل: " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (1) ".
فصل في جملة من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة قال ابن جرير: وفى جمادى الاولى من هذه السنة مات عبدالله بن عثمان بن عفان رضى الله عنه، يعنى من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ست سنين، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان رضى الله عنه.
قلت: وفيه توفى أبو سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن
مخزوم القرشى المخزومى، وأمه برة بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتضعا من ثويبة مولاة أبى لهب.
__________
(1) سورة آل عمران 174.
(*)

(3/172)


وكان إسلام أبى سلمة وأبى عبيدة وعثمان بن عفان والارقم بن أبى الارقم قديما في يوم واحد.
وقد هاجر هو وزوجته أم سلمة إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة وقد ولد لهما بالحبشة أولاد، ثم هاجر من مكة إلى المدينة، وتبعته أم سلمة إلى المدينة كما تقدم.
وشهد بدرا وأحدا، ومات من آثار جرح جرحه بأحد.
رضى الله عنه وأرضاه.
له حديث واحد في الاسترجاع عند المصيبة، سيأتي في سياق تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة قريبا.
* * * قال ابن جرير: وفى ليال خلون من شعبان منها ولد الحسين بن على من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم.
قال: وفى شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبدالله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية.
وقد حكى أبو عمر بن عبد البر، عن على بن عبد العزيز الجرجاني أنه قال: كانت أخت ميمونة بنت الحارث.
ثم استغربه وقال: لم أره لغيره.
وهى التى يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم وإحسانها إليهم.
وأصدقها ثنتى عشرة أوقية ونشا (1) ودخل بها في رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها.
قال أبو عمر بن عبد البر، عن على بن عبد العزيز الجرجاني: ثم خلف عليها أخوه
عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف.
قال ابن الاثير في الغابة: وقيل كانت تحت عبدالله بن جحش فقتل عنها يوم أحد.
__________
(1) النش: نصف أوقية، وهو عشرون درهما.
(*)

(3/173)


قال أبو عمر: ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت رضى الله عنها.
وقال الواقدي: في شوال من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبى أمية.
* * * قلت: وكانت قبله عند زوجها أبى أولادها أبى سلمة بن عبد الاسد، وقد كان شهد أحدا كما تقدم، وجرح يوم أحد فداوى جرحه شهرا حتى برئ، ثم خرج في سرية فغنم منها نعما ومغنما جيدا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يوما ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى من هذه السنة.
فلما حلت في شوال خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها بنفسه الكريمة وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مرارا، فتذكر أنها امرأة غيرى، أي شديدة الغيرة وأنها مصبية، أي لها صبيان يشغلونها عنه ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله.
أي نفقتهم ليس إليك، وأما الغيرة فأدعو الله فيذهبها.
فأذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوج النبي صلى الله عليه وسلم.
تعنى قد رضيت وأذنت.
فتوهم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبى سلمة، وقد كان إذ ذاك صغيرا لا يلى مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه الصواب في ذلك.
ولله الحمد والمنة.
وأن الذى ولى عقدها عليه ابنها سلمة بن أبى سلمة، وهو أكبر ولدها.
وساغ هذا لان أباه ابن عمها، فللا بن ولاية أمه إذا كان سببا لها من غير جهة البنوة بالاجماع، وكذا إذا كان معتقا أو حاكما.

(3/174)


فأما محض البنوة فلا يلى بها عقد النكاح عند الشافعي وحده، وخالفه الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله.
ولبسط هذا موضع آخر يذكر فيه، وهو كتاب النكاح من الاحكام الكبير.
إن شاء الله.
* * * قال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، يعنى ابن سعد، عن يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبى عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة قالت: أتانى أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به، قال: " لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم آجرنى في مصيبتي واخلف لى خيرا منها إلا فعل به ".
قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه.
فلما توفى أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم آجرنى في مصيبتي واخلف لى خيرا منها ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لى خير من أبى سلمة ؟ فلما انقضت عدتي استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهابا لى، فغسلت يدى من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بى أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة بى غيرة شديدة، فأخاف أن ترى منى شيئا يعذبنى الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال.
فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد
أصابني مثل الذى أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي.
فقالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبى سلمة خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(3/175)


وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عمر بن أبى سلمة، عن أمه أم سلمة عن أبى سلمة به.
وقال الترمذي حسن غريب.
وفى رواية للنسائي عن ثابت عن ابن عمر بن أبى سلمة عن أبيه.
ورواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون، عن عبدالملك بن قدامة الجمحى عن أبيه، عن عمر بن أبى سلمة به.
* * * وقال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى من بدر الموعد - راجعا إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وولى تلك الحجة المشركون وهى سنة أربع.
وقال الواقدي: وفى هذه السنة يعنى سنة أربع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود.
قلت: فثبت عنه في الصحيح أنه قال: تعلمته في خمسة عشر يوما.
والله أعلم.

(3/176)


سنة خمس من الهجرة النبوية غزوة دومة الجندل في ربيع الاول منها قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل (1).
قال ابن هشام: في ربيع الاول - يعنى من سنة خمس - واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري.
قال ابن إسحاق: ثم رجع إلى المدينة قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدا، فأقام
بالمدينة بقية سنته.
هكذا قال ابن إسحاق.
وقد قال محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه عن جماعة من السلف قالوا: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له: إن ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعا كبيرا وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان لها سوق عظيم، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة.
فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بنى عذرة يقال له مذكور، هاد خريت (2).
فلما دنا من دومة الجندل أخبره دليله بسوائم بنى تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا،
__________
(1) دومة: بضم الدال عند أهل اللغة، وأصحاب الحديث يفتحونها.
كذا في الصحاح.
قال البكري: سميت بدومى بن إسماعيل، وكان نزلها.
(شرح المواهب 2 / 95).
(2) الخريت: الماهر بالهداية.
(12 - السيرة 3) (*)

(3/177)


فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا، ثم رجعوا وأخذ محمد بن سلمة رجلا منهم فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس.
فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فأسلم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
قال الواقدي: وكان خروجه عليه السلام إلى دومة الجندل في ربيع الآخر (1) سنة خمس.
قال: وفيه توفيت أم سعد بن عبادة، وابنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة.
وقد قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن أم سعد ماتت والنبى صلى الله عليه وسلم غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر.
وهذا مرسل جيد، وهو يقتضى أنه عليه السلام غاب في هذه الغزوة شهرا فما فوقه على ما ذكره الواقدي رحمه الله.
غزوة الخندق وهى غزوة الاحزاب وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة الاحزاب.
فقال تعالى: " يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا، وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا
__________
(1) عند ابن جرير عن الواقدي: في ربيع الاول.
وكذلك في شرح المواهب: " وكان في شهر ربيع الاول على رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة " وكان رجوعه إلى المدينة في العشرين من ربيع الآخر.
(*)

(3/178)


شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة.
وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد
بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير، أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها وكان الله على كل شئ قديرا ".
وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في التفسير ولله الحمد والمنة.

(3/179)


ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
* * * وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا.
وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الاحزاب في شوال سنة أربع.
وكذلك قال الامام مالك بن أنس، فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه.
قال البيهقى: ولا اختلاف بينهم في الحقيقة، لان مرادهم أن ذلك بعد مضى أربع سنين وقبل استكمال خمس.
ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس.
والله أعلم.
وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين.
ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث، إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الاول إلى آخرها، كما حكاه البيهقى.
وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوى، وقد صرح بأن بدرا في الاولى، وأحدا في سنة ثنتين، وبدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع.
وهذا مخالف لقول الجمهور، فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول

(3/180)


التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعن مالك من ربيع الاول سنة الهجرة، فصارت الاقوال ثلاثة والله أعلم.
والصحيح قول الجمهور: أن أحدا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم.
فأما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيدالله عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازنى.
فقد أجاب عنها
جماعة من العلماء منهم البيهقى بأنه عرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الاحزاب في أواخر الخامسة عشرة.
قلت: ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه في يوم الاحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التى يجاز لمثلها الغلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها.
ولهذا لما بلغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير.
ثم كتب به إلى الآفاق واعتمد على ذلك جمهور العلماء.
والله أعلم.
* * * وهذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق وغيره.
قال ابن إسحاق: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس.
فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة ومن لا أتهم، عن عبيد (1) الله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظى والزهرى، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر وغيرهم من علمائنا.
وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض.
قالوا: إنه كان من حديث الخندق: أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبى الحقيق النضرى، وحيى بن أخطب النضرى، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وهوذة بن قيس
__________
(1) ابن هشام: عبدالله بن كعب.
(*)

(3/181)


الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.
فهم الذين أنزل الله فيهم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا.
أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (1) " الآيات.
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم يكونون (2) معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بنى فزارة والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى في بنى مرة، ومسعر ابن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الامر ضرب الخندق على المدينة.
__________
(1) سورة النساء.
(2) ابن هشام: سيكونون.
(*)

(3/182)


قال ابن هشام: يقال إن الذى أشار به سلمان.
قال الطبري والسهيلى: أول من حفر الخنادق: منوشهر بن أيرج بن أفريدون.
وكان في زمن موسى عليه السلام.
قال ابن إسحاق: فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر، وعمل معه المسلمون، وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف (1)، ومنهم من ينسل خفية بغير إذنه ولا علمه عليه الصلاة والسلام.
وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم * لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيهم عذاب أليم، ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه، ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم (2) ".
قال ابن إسحاق: فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، فقالوا فيما يقولون: سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا (3) وكانوا إذا قالوا: عمرا.
قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرا.
وإذا قالوا: ظهرا قال لهم: ظهرا.
* * *
__________
(1) ابن هشام: وجعلوا يورون بالضعيف من العمل.
(2) سورة النور.
(3) ظهر: قوة ومعونة.
(*)

(3/183)


وقد قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن حميد، سمعت أنسا قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والانصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: " اللهم إن العيش عيش الآخره، فاغفر للانصار والمهاجره " فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا
وفى الصحيحين من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة عن أنس.
نحوه.
وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس، بنحوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: جعل المهاجرون والانصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا * على الاسلام ما بقينا أبدا قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا لهم: " اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره، فبارك في الانصار والمهاجره ".
قال: يؤتون بملء كفى من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة (1) توضع بين يدى القوم والقوم جياع، وهى بشعة في الحلق ولها ريح منتن ! وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن (2) أبى حازم، عن سهل بن سعد، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) الاهالة: الودكة.
والسنخة: المتغيرة الريح الفاسدة الطعم.
(2) البخاري: عن أبى حازم.
وهو أبو عبد العزيز.
(3) الاكتاد: جمع كتد، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر.
(*)

(3/184)


" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والانصار ".
ورواه مسلم عن القعنبى، عن عبد العزيز به.
وقال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن البراء ابن عازب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه، أو اغبر بطنه يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الالى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا ورفع بها صوته: أبينا، أبينا.
ورواه مسلم من حديث شعبة به.
ثم قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنى إبراهيم ابن يوسف، حدثنى أبى، عن أبى إسحاق، عن البراء يحدث قال: لما كان يوم الاحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنى التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبدالله بن رواحة وهو ينقل من التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الالى قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا ثم يمد صوته بآخرها.
وقال البيهقى في الدلائل: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن الفضل البجلى، حدثنا إبراهيم بن يوسف البلخى، حدثنا

(3/185)


المسيب بن شريك، عن زياد بن أبى زياد، عن أبى عثمان، عن سلمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق وقال: باسم الله وبه هدينا * ولو عبدنا غيره شقينا يا حبذا ربا وحب دينا وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم يحفرون الخندق: " اللهم لا خير إلا خير الآخره، فأصلح الانصار والمهاجره ".
وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر، عن شعبة.
* * * قال ابن إسحاق: وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني، من الله فيها عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون.
فمن ذلك: أن جابر بن عبد الله كان يحدث أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية (1)، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة.
هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه.
وقد قال البخاري رحمه الله: حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، قال: أتيت جابرا فقال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل.
__________
(1) الكدية: القطعة الصلبة من الارض لا يعمل فيها المعول.
(*)

(3/186)


ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا (1)، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم (2).
فقلت: يا رسول الله ائذن لى إلى البيت.
فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شئ ؟ قالت: عندي شعير وعناق (3)، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة (4)، ثم جئت النبي صلى الله
عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الاثافي (5) قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لى (6) فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.
قال: كم هو ؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتى.
فقال: قوموا.
فقام المهاجرون والانصار.
فلما دخل على امرأته قال: ويحك ! جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والانصار ومن معهم.
قالت: هل سألك ؟ قلت: نعم.
فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر (7) البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع.
فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقى بقية.
قال: كلى هذا وأهدى، فإن الناس أصابتهم مجاعة.
تفرد به البخاري.
* * * وقد رواه الامام أحمد، عن وكيع، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه
__________
(1) ذواقا: شيئا من مأكول أو مشروب.
(2) الاهيل أو الاهيم: السائل.
(3) العناق: الانثى من ولد الماعز.
(4) البرمة: القدر.
(5) الاثافي: حجارة ثلاثة توضع عليها القدر.
(6) طعيم: تصغير طعام: لتقليله.
(7) يخمر: يغطى.
(*)

(3/187)


أيمن الحبشى مولى بنى مخزوم، عن جابر بقصة الكدية وربط الحجر على بطنه الكريم.
ورواه البيهقى في الدلائل، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر، بقصة الكدية والطعام.
وطوله أتم من رواية البخاري قال فيه: لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار
الطعام قال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر.
فقاموا، قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت: جاءنا بخلق على صاع من شعير وعناق.
دخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت: نعم.
فقالت: الله ورسوله أعلم.
قال: فكشفت عنى غما شديدا، قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خدمي ودعيني من اللحم.
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملا ما كانا ! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلى وأهدى.
فلم تزل تأكل وتهدى يومها.
وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبى شيبة، عن عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر به وأبسط أيضا، وقال في آخره: وأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال: ثلاثمائة.
وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن أبى الزبير، عن جابر.
فذكر القصة بطولها في الطعام فقط وقال: وكانوا ثلاثمائة.
* * * ثم قال البخاري: حدثنا عمرو بن على، حدثنا أبو عاصم، حدثنا حنظلة بن أبى

(3/188)


سفيان، عن أبى الزبير، حدثنا ابن ميناء، سمعت جابر بن عبدالله قال: لما حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصا (1)، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شئ، فإنى رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا ؟ فأخرجت لى جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن (2)، فذبحتها، فطحنت، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني
برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك.
فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سؤرا (3) فحيهلا بكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ.
فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك.
فقلت: قد فعلت الذى قلت.
فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبسق وبارك، ثم قال: ادع خبازة فلتخبز معك، واقدحى (4) من برمتك ولا تنزلوها.
وهم ألف، فأقسم بالله لاكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط (5) كما هي وإن عجيننا كما هو.
ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر، عن أبى عاصم به نحوه.
* * *
__________
(1) الخمص: ضمور البطن من الجوع.
(2) البهيمة: بضم الباء تصغير بهمة وهى الصغير ومن أولاد الغنم.
والداجن: ما يربى في البيوت من الغنم ولا تخرج إلى المرعى.
(3) سؤرا: يروى بالهمزة، وفى اليونينية بتركها: وهو الطعام الذى يدعى إليه، وهى لفظة فارسية، وهذا دليل على تكلم الرسول بالفارسية.
والسؤر بالهمز: البقية.
(4) اقدحى: اغرفي.
(5) تغط: تفور بحيث يسمع لها غطيط.
(*)

(3/189)


وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث وفى سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال: حدثنى سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبدالله، قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق، وكانت عندي شويهة غير جد سمينة، قال: فقلت: والله لو صنعناها
لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق، قال: وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فقلت: يا رسول الله إنى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير، فأنا أحب أن تنصرف معى إلى منزلي.
قال: وإنما أريد أن ينصرف معى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده.
قال: فلما أن قلت ذلك قال: نعم.
ثم أمر صارخا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبدالله.
قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون !.
قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها إليه، قال: فبرك وسمى الله تعالى، ثم أكل، وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها.
والعجب أن الامام أحمد إنما رواه من طريق سعيد بن ميناء، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق عنه، عن جابر مثله سواء.
قال محمد بن إسحاق: وحدثني سعيد بن ميناء، أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبدالله بن رواحة بغدائهما.
قالت: فأخذتها وانطلقت بها.

(3/190)


فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبى وخالى، فقال: تعالى يا بنية ما هذا معك ؟ قالت: قلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبى بشير بن سعد وخالى عبدالله بن رواحة يتغديانه.
فقال: هاتيه.
قالت: فصببته في كفى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فما ملاتهما.
ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لانسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء.
فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقى من طريقه ولم يزد.
* * * قال ابن إسحاق: وحدثت عن سلمان الفارسى أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت على صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب منى، فلما رأني أضرب ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، قال: ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قال: قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله ! ما هذا الذى رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال: أوقد رأيت ذلك يا سلمان ؟ قال: قلت: نعم.
قال: أما الاولى فإن الله فتح على باب اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح على باب الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح على بها المشرق.
قال البيهقى: وهذا الذى ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه، وذكره أبو الأسود عن عروة.

(3/191)


ثم روى البيهقى من طريق محمد بن يونس الكديمى وفى حديثه نظر.
لكن رواه ابن جرير في تاريخه عن محمد بن بشار وبندار، كلاهما عن محمد بن خالد بن عثمة، عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده، فذكر حديثا فيه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعا قال: واحتق المهاجرون والانصار في سلمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت.
قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الانصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة بيضاء مروة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية، فأخبره عنها، فجاء فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها - يعنى المدينة - حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك.
وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور، فقال: لقد أضاء لى من الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها، ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها.
ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها فأبشروا، واستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صادق.
قال: ولما طلعت الاحزاب قال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما.
وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق لا نستطيعون أن تبرزوا !

(3/192)


فنزل فيهم " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ".
وهذا حديث غريب.
* * * وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هارون بن ملول، حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا عبدالرحمن بن زياد، عن عبدالله بن يزيد، عن عبدالله بن عمرو، قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق فخندق على المدينة قالوا: يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه، فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: فتحت فارس.
ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: فتحت الروم.
ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا.
وهذا أيضا غريب من هذا الوجه.
وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقى فيه ضعف فالله أعلم.
وقال الطبراني أيضا: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثنى سعيد بن محمد الجرمى حدثنا أبو نميلة، حدثنا نعيم بن سعيد الغرى، أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة ؟ قال رجل: نعم.
قال: أما لا فتقدم فدلنا عليه.
فانطلقوا إلى [ بيت ] الرجل، فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا.
فجاء الرجل يسعى وقال: بأبى وأمى.
وله معزة (13 - السيرة 3)

(3/193)


ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الجدى من ورائها فذبح الجدى، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعه فيها
وقال: بسم الله اللهم بارك فيها اطعموا.
فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقى ثلثاها.
فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم.
فذهبوا فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت (1) عليها وعلى أهل بيتها، ثم مشوا إلى الخندق فقال: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوني فأكون أول من ضربها.
فقال: بسم الله.
فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة.
فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم.
ثم قال الحافظ البيهقى: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا محمد بن غالب بن حرب، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن ميمون بن أستاذ الزهري، حدثنى البراء بن عازب الانصاري، قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إنى لابصر قصورها الحمر إن شاء الله، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إنى لابصر قصر المدائن الابيض، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن.
والله إنى لابصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة.
__________
(1) سمت: ذكر الله.
(*)

(3/194)


وهذا حديث غريب أيضا تفرد به ميمون بن أستاذ هذا، وهو بصرى روى عن
البراء و عبدالله بن عمرو، وعنه حميد الطويل والجريري وعوف الاعرابي.
قال أبو حاتم عن إسحاق بن منصور عن ابن معين: كان ثقة.
وقال على بن المدينى: كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه.
وقال النسائي: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ضمرة، عن أبى زرعة السيبانى، عن أبى سكينة رجل من البحرين، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " فندر ثلث الحجر، وسلمان الفارسى قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة، ثم ضرب الثانية وقال: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ".
فندر الثلث الآخر وبرقت برقة فرآها سلمان، ثم ضرب الثالثة وقال: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ".
فندر الثلث الباقي.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس.
فقال سلمان: يا رسول الله رأيتك حين ضربت لا تضرب ضربة إلا كانت معها برقة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان رأيت ذلك ؟ قال: إى والذى بعثك بالحق يا رسول الله.
قال: فإنى حين ضربت الضربة الاولى رفعت لى مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة، حتى رأيتها بعينى.
فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله ادع [ الله ] أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم.
فدعا بذلك.
قال: ثم ضربت الضربة الثانية، فرفعت لى مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها

(3/195)


بعينى.
قالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا
بلادهم.
فدعا.
ثم قال: ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لى مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعينى.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم ".
هكذا رواه النسائي مطولا، وإنما روى منه أبو داود: " دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم " عن عيسى بن محمد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة، عن أبى زرعة يحيى بن أبى عمرو السيبانى (1) به.
ثم قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبى هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الامصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك.
وهذا من هذا الوجه منقطع أيضا، وقد وصل من غير وجه ولله الحمد.
فقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنى عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدى ".
وقد رواه البخاري منفردا به، عن يحيى بن بكير، وسعد بن عفير، كلاهما عن الليث به.
وعنده قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى
__________
(1) نسبة إلى سيبان، بطن من حمير، توفى أبو زرعة سنة 148، وكان ثقة.
اللباب 1 / 585.
(*)

(3/196)


هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع
الكلم وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فتلت في يدى ".
وهذا إسناد جيد قوى على شرط مسلم ولم يخرجوه.
وفى الصحيحين: " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذى نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ".
وفى الحديث الصحيح: " إن الله زوى لى الارض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها ".
فصل قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي (1) إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (2) في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا فوق الآطام (3).
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قلت: وهذا معنى قوله تعالى (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا.
(4) ".
__________
(1) موضع من أعراض المدينة.
(2) سلع: جبل بالمدينة.
(3) الآطام: الحصون.
(4) سورة الاحزاب 10.
(*)

(3/197)


قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا عبيد، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة: " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار ".
قالت: ذلك يوم الخندق.
* * * قال موسى بن عقبة: ولما نزل الاحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم.
قال ابن إسحاق: وخرج حيى بن أخطب النضرى حتى أتى كعب بن أسد القرظى صاحب عقدهم وعهدهم.
فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيى، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه: ويحك يا كعب افتح لى.
قال: ويحك يا حيى، إنك امرؤ مشئوم، وإنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا.
قال: ويحك افتح لى أكلمك.
قال: ما أنا بفاعل.
قال: والله إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك (1) أن آكل معك منها فأحفظ الرجل ففتح له، فقال: ويحك يا كعب ! جئتك بعز الدهر وبحر طام.
قال: وما ذاك ؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدونى على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام (2) قد هراق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شئ، ويحك يا حيى فدعني وما أنا عليه، فإنى لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا.
__________
(1) ابن هشام: إلا عن جشيشتك.
والجشيشة: طعام يصنع من البر الذى طحن غليظا.
(2) الجهام: السحاب الذى لا ماء فيه.
(*)

(3/198)


وقد تكلم عمرو بن سعد القرظى، فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة، ذكرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره، وقال: إذا لم
تنصروه فاتركوه وعدوه.
قال ابن إسحاق: فلم يزل حيى بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له، يعنى في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى محاربته مع الاحزاب، على أن أعطاه حيى عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك.
فنقض كعب بن أسد العهد وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال موسى بن عقبة: وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيى بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا، قالوا: وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم.
فنازلهم حيى على ذلك.
فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التى كان فيها العقد إلا بنى سعنة، أسد وأسيد وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * * قال ابن إسحاق: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين بعث سعد بن معاذ، وهو يومئذ سيد الاوس، وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة وخوات بن جبير قال: انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم، فإن كان حقا فالحنوا لى لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس.
قال: فخرجوا حتى أتوهم.

(3/199)


قال موسى بن عقبة، فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم، يريدون بنى النضير.
ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: إنا
والله ما جئنا لهذا، ولما بيننا أكبر من المشاتمة.
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذى بيننا وبينكم يا بنى قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بنى النضير أو أمر منه.
فقالوا: أكلت أير أبيك.
فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن.
وقال ابن إسحاق: نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد.
فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد ابن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة.
ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا: عضل والقارة.
أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين.
قال موسى بن عقبة: ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بنى قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع، وعرفوا أنه لم يأته عن بنى قريظة خير.
ثم إنه رفع رأسه وقال: أبشروا بفتح الله ونصره.
فلما أن أصبحوا دنا القوم بعضهم من بعض وكان بينهم رمى بالنبل والحجارة.
قال سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد.
* * *

(3/200)


قال ابن إسحاق وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق، حتى قال معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر،
وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظى: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملا من رجال قومه، فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة.
قلت: هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى: " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ".
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطا، وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، ومن لا أتهم، عن الزهري، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرى، وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة.
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه.
فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا ؟

(3/201)


فقال: بل شئ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لانى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما.
فقال له سعد بن معاذ: يارسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الاوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا ؟ مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك.
فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.
* * * قال: فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود بن أبى قيس، أحد بنى عامر بن لؤى، وعكرمة بن أبى جهل، وهبيرة بن أبى وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب ابن مرداس أحد بنى محارب بن فهر، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا: تهيأوا يا بنى كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم.
ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التى أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم.
وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد،

(3/202)


فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما خرج هو وخيله قال: من يبارز ؟ فبرز له على بن أبى طالب رضى الله عنه، فقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه.
قال: أجل.
قال له على:
فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام.
قال: لا حاجة لى بذلك.
قال: فإنى أدعوك إلى النزال.
قال له: لم يا بن أخى، فوالله ما أحب أن أقتلك ! قال له على: لكنى والله أحب أن أقتلك.
فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا فقتله على رضى الله عنه.
وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
قال ابن إسحاق وقال على بن أبى طالب في ذلك: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب فصدرت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك (1) وروابي وعففت عن أثوابه ولو اننى * كنت المقطر بزنى أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلى.
قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال في ذلك حسان بن ثابت: فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظلي * م ما إن يحور عن المعدل ولم تلو ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل قال ابن هشام: الفراعل: صغار الضباع.
__________
(1) الدكادك: جمع دكداك، وهو الرمل اللين.
(*)

(3/203)


وذكر الحافظ البيهقى في دلائل النبوة عن ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة قال: خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى: من يبارز ؟ فقام على بن أبى طالب فقال: أنا لها يا نبى الله.
فقال: إنه عمرو، اجلس.
ثم نادى عمرو: ألا رجل
يبرز ؟ فجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التى تزعمون أنه من قتل منكم دخلها ؟ أفلا تبرزون إلى رجلا ؟ فقام على فقال: أنا يا رسول الله ؟ فقال: اجلس.
ثم نادى الثالثة فقال: ولقد بححت من الندا * ء لجمعهم: هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع موقف القرن المناجز ولذاك إنى لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز (1) إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز قال: فقام على رضى الله عنه فقال: يا رسول الله أنا.
فقال: إنه عمرو، فقال: وإن كان عمرا ! فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه حتى أتى وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا * ك مجيب صوتك غير عاجز في نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز إنى لارجو أن أقي * م عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز فقال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا على، قال: ابن عبد مناف ؟ قال: أنا على بن أبى طالب.
فقال: يابن أخى من أعمامك من هو أسن منك فإنى أكره أن أهريق دمك ؟ فقال له على: لكنى والله لا أكره أن أهريق دمك ! فغضب فنزل وسل سيفه كأنه
__________
(1) الهزاهز: الدواهي والشدائد.
(*)

(3/204)


شعلة نار، ثم أقبل نحو على مغضبا واستقبله على بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط، وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرفنا أن عليا قد قتله، فثم يقول على:
أعلى تقتحم الفوارس هكذا * عنى وعنهم أخروا أصحابي اليوم يمنعنى الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابى إلى أن قال: عبد الحجارة من سفاهة رأيه * وعبدت رب محمد بصواب إلى آخرها.
قال: ثم أقبل على نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها ؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت ابن عمى أن أسلبه.
قال: وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق.
* * * وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عن البيهقى، أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى وقال الامام أحمد: حدثنا نصر بن باب، حدثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية " فلم يقبل منهم شيئا.

(3/205)


وقد رواه البيهقى من حديث حماد بن سلمة، عن حجاج، وهو ابن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رجلا من المشركين قتل يوم الاحزاب فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثنى عشر ألفا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا خير في جسده ولا في ثمنه ".
وقد رواه الترمذي من حديث سفيان الثوري، عن ابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وقال: غريب.
وقد ذكر موسى بن عقبة أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبدالله المخزومى حين قتل وعرضوا عليه الدية فقال: " إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته.
فلا أرب لنا في ديته، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه ".
وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وخرج نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومى فسأل المبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام فضربه فشقه باثنتين، حتى فل في سيفه فلا وانصرف وهو يقول: إنى امرؤ أحمى وأحتمى * عن النبي المصطفى الامي وقد ذكر ابن جرير أن نوفلا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب.
فنزل إليه علي فقتله، وطلب المشركون رمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئا ومكنهم من أخذه إليهم.
وهذا غريب من وجهين.
وقد روى البيهقى من طريق حماد بن يزيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، قال: جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الاطم ومعى عمر بن أبى سلمة، فجعل يطأطئ لى فأصعد على ظهره فأنظر قال: فنظرت إلى أبى وهو يحمل

(3/206)


مرة هاهنا ومرة هاهنا، فما يرتفع له شئ إلا أتاه، فلما أمسى جاءنا إلى الاطم، قلت: يا أبت رأيتك اليوم وما تصنع.
قال: ورأيتني يا بنى ؟ قلت: نعم.
قال: فدى لك أبى وأمى ! * * *
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى، عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل الانصاري أخو بنى حارثة، أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة.
قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن.
قالت عائشة.
وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب.
قالت: فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها، وفى يده حربته يرفل بها ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل (1) * لا بأس بالموت إذا حان الاجل ! فقالت له أمه: الحق بنى فقد والله أخرت.
قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي.
قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه.
فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل.
قال ابن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، قال: رماه حبان بن قيس بن العرقة أحد بنى عامر بن لؤى، فلما أصابه قال: خذها منى وأنا ابن العرقة.
فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه.
اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة.
__________
(1) الاصل: جمل وهو تحريف.
وقد مر هذا الشطر في صفحة 82 من هذا الجزء.
وانظر فيها تخريجه.
قال في تاج العروس 7 / 290: وقد تمثل به سعد بن معاذ يوم الخندق.
(*)

(3/207)


قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن عبدالله بن كعب بن مالك، أنه كان يقول: ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم، وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا قاله لعكرمة بن أبى جهل: أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى * فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذى ألزمت سعدا مريشة * لها بين أثناء المرافق عاند (1) قضى نحبه منها سعيد فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد وأنت الذى دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعا منهم إذ يكابد على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوب عن القصد قاصد قال ابن إسحاق: والله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن هشام: ويقال إن الذى رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان.
قلت: وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بنى قريظة، أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره، وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك.
كما سيأتي بيانه.
فحكم بقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة (2).
* * * قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبدالمطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت.
قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان، فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا
__________
(1) عند العرق: سال فلم يرقأ.
(2) الا رقعة: السماوات، جمع رقيع.
ورواية الصحيح: سبع سماوات.
(*)

(3/208)


وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا، إذ أتانا آت فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإنى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله.
قال: يغفر الله لك يا بنت
عبدالمطلب ! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.
قالت: فلما قال لى ذلك ولم أر عنده شيئا، احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل.
قال: مالى بسلبه حاجة يابنة عبد المطلب (1) ! * * * قال موسى بن عقبة: وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية، حتى لا يدرى أتم (2) أم لا.
قال: ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " شغلونا عن صلاة العصر ملا الله بطونهم وقلوبهم، وفى رواية: وقبورهم، نارا ".
__________
(1) ذكر السهيلي أن بعض العلماء دفع هذا وأنكره وذلك أنه حديث منقطع الاسناد.
وقال: لو صح هذا لهجن به حسان، فإنه كان يهاجن الشعراء وكانوا يناقضونه ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن ولا وسمه به.
فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق.
الروض 2 / 194.
(2) كذا بالاصل.
(14 - السيرة 3) (*)

(3/209)


فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم
ويقول: " والذى نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإنى لارجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله إلى مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ! ".
وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة (1)، عن على، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق: " ملا الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ".
وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن عبيدة، عن على به.
ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن أبى حسان الاعرج، عن عبيدة، عن على به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ثم قال البخاري: حدثنا المكى بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبى سلمة، عن جابر بن عبدالله، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلى حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والله ما صليتها " فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان (2) فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة به.
__________
(1) عبيدة بفتح العين وكسر الموحدة، ابن عمرو السلمانى الكوفى، كما ضبطه القسطلانى.
إرشاد السارى 6 / 326 (2) بطحان: واد بالمدينة.
(*)

(3/210)


وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال: " اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملا بيوتهم نارا، واملا قبورهم نارا ".
ونحو ذلك تفرد به أحمد، وهو من رواية هلال بن خباب العبدى الكوفى، وهو ثقة يصحح له الترمذي وغيره.
* * * وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الاحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما هو منصوص عليه في هذه الاحاديث، وألزم القاضى الماوردى مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث.
وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (1) ".
وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال، كما هو مذهب مكحول والاوزاعي.
وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم أمرهم بالذهاب إلى بنى قريظة - كما سيأتي -: " لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة " وكان من الناس من صلى العصر في الطريق، ومنهم من لم يصل إلا في بنى قريظة بعد الغروب، ولم يعنف واحدا من الفريقين، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر، حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.
__________
(1) سورة البقرة آية 238.
(*)

(3/211)


وقال آخرون من العلماء وهم الجمهور، منهم الشافعي: هذا الصنيع يوم الخندق
منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك، فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك فلهذا أخروها يومئذ.
وهو مشكل.
قال ابن إسحاق: وجماعة ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بعسفان، وقد ذكرها ابن إسحاق وهو إمام في المغازى قبل الخندق، وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق.
فالله أعلم.
وأما الذين قالوا: إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا، كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس، فهو مشكل، إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم على محافظة الصلاة، كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء، من رواية أبى هريرة وأبى سعيد.
قال الامام [ أحمد ]: حدثنا يزيد وحجاج، قالا: حدثنا ابن أبى ذئب، عن المقبرى، عن عبدالرحمن بن أبى سعيد الخدرى، عن أبيه.
قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوى من الليل حتى كفينا.
وذلك قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل.
قال حجاج: في صلاة الخوف " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ".
وقد رواه النسائي عن الفلاس، عن يحيى القطان، عن ابن أبى ذئب به.
قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس.
فذكره.
وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبى عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم

(3/212)


الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله.
قال: فأمر بلالا فأذن ثم أقام
فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا مؤمل يعنى ابن إسماعيل، حدثنا حماد، يعنى ابن سلمة، عن عبد الكريم، يعنى ابن أبى المخارق، عن مجاهد، عن جابر بن عبدالله، أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء.
ثم قال: " ما على وجه الارض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم ".
تفرد به البزار، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم عن مجاهد عن أبى عبيدة عن عبدالله.
فصل في دعائه عليه السلام على الاحزاب وكيف صرفهم الله بحوله وقوته، استحبابا لرسوله صلى الله عليه وسلم وصيانة لحوزته الشريفة، فزلزل قلوبهم، ثم أرسل عليهم الريح الشديدة فزلزل أبدانهم.
قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا الزبير - يعنى ابن عبدالله - حدثنا ربيح بن أبى سعيد الخدرى، عن أبيه، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شئ نقوله ؟ فقد بلغت القلوب الحناجر ! قال: " نعم: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ".
قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح.
وقد رواه ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه، عن أبى عامر - وهو العقدى (1) - عن
__________
(1) هو أبو عامر عبدالملك بن عمرو العقدى.
يروى عن شعبة.
اللباب 2 / 144.
(*)

(3/213)


الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان، عن ربيح بن عبدالرحمن بن أبى سعيد، عن أبيه، عن أبى سعيد، فذكره وهذا هو الصواب.
وقال الامام أحمد: حدثنا حسين، عن ابن أبى ذئب، عن رجل من بنى سلمة، عن جابر بن عبدالله، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الاحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ولم يصل.
قال: ثم جاء ودعا عليهم وصلى.
وثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن عبدالله بن أبى أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاحزاب فقال: " اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الاحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم " وفى رواية: اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم.
وروى البخاري عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبرى عن أبيه، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا إله إلا الله وحده، أعز جنده ونصر عبده وغلب الاحزاب وحده، فلا شئ بعده ".
* * * وقال ابن إسحاق: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
قال: ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة ابن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنى قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم.
قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم.

(3/214)


فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب
محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه.
قالوا: لقد أشرت بالرأى.
ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودى لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت على حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى.
قالوا: نفعل.
قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى منهم حتى تستأصلهم.
فأرسل إليهم: أن نعم.
فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلى وعشيرتي وأحب الناس إلى ولا أراكم تتهموني.
قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم.
قال: فاكتموا عنى.
قالوا: نفعل ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنيع الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش وغطفان، فقال لهم: إنا لسنا بدار مقام، هلك الخف والحافر،

(3/215)


فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه.
فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهم يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابهم ما لم
يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه.
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق.
فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم.
فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا.
فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله الريح في ليلة (1) شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم.
* * * وهذا الذى ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة.
وقد أورده عنه البيهقى في الدلائل، فإنه ذكر ما حاصله: أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم
__________
(1) ابن هشام: ليال.
(*)

(3/216)


عشاء، فأشار إليه أن تعال.
فجاء فقال: ما وراءك ؟ فقال: إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بنى قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فيناجزوك، فقالت قريظة: نعم فأرسلوا
إلينا بالرهن.
وقد ذكر فيما تقدم: أنهم إنما نقضوا العهد على يدى حيى بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة.
قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى مسر إليك شيئا فلا تذكره.
قال: إنهم قد أرسلوا إلى يدعونني إلى الصلح وأرد بنى النضير إلى دورهم وأموالهم.
فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحرب خدعة وعسى أن يصنع الله لنا ".
فأتى نعيم غطفان وقريشا فأعلمهم، فبادر القوم وأرسلوا إلى بنى قريظة عكرمة وجماعة معه، واتفق ذلك ليلة السبت، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلت اليهود بالسبت، ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة فأوقع الله بينهم واختلفوا.
قلت: وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون منه الصلح على أن يرد بنى النضير إلى المدينة.
والله أعلم.
* * * قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جمعهم، دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال ابن اسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبدالله أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال: نعم يابن أخى.
قال: فكيف كنتم تصنعون ؟ قال: والله لقد كد نجتهد.
قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الارض ولحملناه على أعناقنا !

(3/217)


قال: فقال حذيفة: يابن أخى والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال:
من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ؟ فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة.
فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لى بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا.
قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه.
قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى فقلت: من أنت ؟ قال فلان بن فلان، ثم قال: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل.
ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم.
ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى: لا تحدث شيئا حتى تأتيني.
لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رأني أدخلني إلى رجليه وطرح على طرف المرط، ثم ركع وسجد وإنى لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر.
وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
وهذا منقطع من هذا الوجه.
وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه، من حديث الاعمش عن إبراهيم

(3/218)


ابن يزيد التيمى عن أبيه، قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت.
فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد
رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معى يوم القيامة ؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله.
ثم قال: يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمى أن أقوم، فقال: ائتنى بخبر القوم ولا تذعرهم على.
قال: فمضيت كأنما أمشى في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلى ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد قوسى وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم على.
ولو رميته لاصبته، فرجعت كأنما أمشى في حمام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابني البرد حين رجعت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسنى من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها، فلم أبرح نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا نومان ! * * * وقد روى الحاكم والحافظ البيهقى في الدلائل هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبدالله الدؤلى، عن عبد العزيز بن أخى حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا.
فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الاحزاب ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهى ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه.
فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي

(3/219)


بعورة.
فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى أتى على وما على جنة
من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال: فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا ؟ فقلت: حذيفة.
فقال: حذيفة ! فتقاصرت للارض فقلت: بلى يا رسول الله.
كراهية أن أقوم.
فقمت فقال: إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم.
قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا.
قال: فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته " قال: فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفى إلا خرج من جوفى فما أجد فيه شيئا ! قال: فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني.
قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل.
ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسى لارميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني.
فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إنى شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس منى بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم.
وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله إنى لاسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضرب بها، ثم إنى خرجت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت بى الطريق أو نحو من ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله قد كفاه.
قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلى، فوالله

(3/220)


ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف، فأومأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلى، فدنوت منه فأسبل على شملته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا حزبه أمر صلى.
فأخبرته خبر القوم، أخبرته أنى تركتهم يرحلون.
قال: وأنزل الله تعالى: " يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " يعنى الآيات كلها إلى قوله: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " أي صرف الله عنهم عدوهم بالريح التى أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التى بعثها الله إليهم " وكفى الله المؤمنين القتال " أي لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم بل صرفهم القوى العزيز بحوله وقوته.
لهذا ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصره عبده، وأعز جنده، وهزم الاحزاب وحده، فلا شئ بعده ".
* * * وفى قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال " إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبينهم.
وهكذا وقع، ولم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين، كما قال محمد بن إسحاق رحمه الله: فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا: " لن تغزوكم قريش بعد عامكم ولكنكم تغزونهم ".
قال: فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله عليه مكة.
وهذا بلاغ من ابن إسحاق.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا يحيى عن سفيان، حدثنى أبو إسحاق، سمعت سليمان ابن صرد رضى الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن نغزوهم ولا يغزوننا.

(3/221)


وهكذا رواه البخاري من حديث إسرائيل وسفيان الثوري كلاهما عن أبى إسحاق
السبيعى، عن سليمان بن صرد به.
قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بنى عبد الاشهل، وهم سعد بن معاذ - وستأتى وفاته مبسوطة - وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشميان السلميان، وكعب بن زيد النجارى، أصابه سهم غرب فقتله.
قال: وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبدالله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير.
كما تقدم.
وعمرو بن عبد ود العامري، قتله على بن أبى طالب.
قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال: قتل على يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو.
قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ود.
ويقال عمرو بن عبد.

(3/222)


فصل في غزوة بنى قريظة وما أحل الله تعالى بهم من البأس الشديد مع ما أعد الله لهم في الآخرة من العذاب الاليم.
وذلك لكفرهم ونقضهم العهود التى كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وممالاتهم الاحزاب عليه، فما أجدى ذلك عنهم شيئا، وباءوا بغضب من الله ورسوله والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة.
وقد قال الله تعالى: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من
صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا.
وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها، وكان الله على كل شئ قديرا (1) ".
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا عبدالله، حدثنا موسى بن عقبة، عن سالم ونافع، عن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من الغزو والحج والعمرة يبدأ فيكبر ثم يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ".
* * * قال محمد بن إسحاق رحمه الله: ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح.
__________
(1) سورة الاحزاب 25 - 27 (*)

(3/223)


فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنى الزهري، معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال: نعم.
فقال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
وقال البخاري: حدثنى عبدالله بن أبى شيبة، حدثنا ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح
واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح ! والله ما وضعناه ! فاخرج إليهم، قال: فإلى أين ؟ قال: ها هنا.
وأشار إلى بنى قريظة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أحمد: وحدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الاحزاب دخل المغتسل ليغتسل، وجاء جبريل فرأيته من خلل البيت قد عصب رأسه الغبار، فقال: يا محمد أوضعتم أسلحتكم ؟ فقال: وضعنا أسلحتنا، فقال: إنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهد إلى بنى قريظة.
ثم قال البخاري: حدثنا موسى، حدثنا جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك قال: كأنى أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بنى غنم موكب جبريل، حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى قريظة.
ثم قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية بن أسماء، عن

(3/224)


نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب: " لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلى العصر حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلى لم يرد منا ذلك.
فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم.
وهكذا رواه مسلم عن عبدالله بن محمد بن أسماء به.
وقال الحافظ البيهقى: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضى قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن خالد بن على، حدثنا بشر بن حرب، عن أبيه، حدثنا الزهري، أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك، أن عمه عبيدالله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الاحزاب وضع عنه اللامة واغتسل واستحم، فتبدى له جبريل عليه السلام فقال: عذيرك من محارب !
ألا أراك قد وضعت اللامة وما وضعناها بعد ! قال: فوثب النبي صلى الله عليه وسلم فزعا فعزم على الناس ألا يصلوا صلاة العصر إلا في بنى قريظة.
قال: فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بنى قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم الناس عند غروب الشمس، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم علينا ألا نصلى حتى نأتى بنى قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس علينا إثم.
وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس فصلوها حين جاءوا بنى قريظة احتسابا.
فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين.
ثم روى البيهقى من طريق عبدالله العمرى، عن أخيه عبيدالله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في (15 - السيرة 3)

(3/225)


لبيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقمت في أثره فإذا بدحية الكلبى، قال: هذا جبريل أمرنى أن أذهب إلى بنى قريظة وقال: قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الاسد.
وذلك حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقال لاصحابه: عزمت عليكم ألا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بنى قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، قالت طائفة من المسلمين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا.
وقالت طائفة: والله إنا لفى عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علينا من إثم.
فصلت ؟ طائفة إيمانا واحتسابا وتركت طائفة إيمانا واحتسابا، ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بمجالس بينه وبين بنى قريظة فقال: هل مر بكم أحد ؟ فقالوا: مر علينا دحية الكلبى على بغلة
شهباء تحته قطيفة ديباج.
فقال: ذلك جبريل أرسل إلى بنى قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب.
فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف (1) حتى يسمع كلامهم، فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير.
فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشا.
فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى دراريهم ونساؤهم.
ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها.
* * * وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو ؟ بل الاجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف.
__________
(1) الحجف: جمع حجفة.
وهى الترس من جلد بلا خشب ولا عقب.
(*)

(3/226)


فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بنى قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص، فيقدم على عموم الامر بها في وقتها المقدر لها شرعا.
قال أبو محمد بن حزم الظاهرى في كتاب السيرة: وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بنى قريظة ولو بعد أيام ! وهذا القول منه ماش على قاعدته الاصلية في الاخذ بالظاهر.
وقالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم هم المصيبون، لانهم فهموا أن المراد إنما هو تعجيل السير إلى بنى قريظة لا تأخير الصلاة، فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها، مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التى حولت إليه يومئذ
كما يدعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخروا فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه.
وأما على قول من يجوز تأخير الصلاة لعذر القتال، كما فهمه البخاري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا، فلا إشكال على من أخر ولا على من قدم أيضا.
والله أعلم.
* * * ثم قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب ومعه رايته وابتدرها الناس.
وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغتسله كما يزعمون قد رجل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لامته حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل:

(3/227)


غفر الله لك أو قد وضعت السلاح ؟ ! قال: نعم فقال جبريل: لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله - ويقولون: إن على وجه جبريل لاثر الغبار - فقال له جبريل: إن الله قد أمرك بقتال بنى قريظة فأنا عامد إليهم بمن معى من الملائكة نزلزل بهم الحصون، فاخرج بالناس.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر جبريل فمر على مجلس بنى غنم وهم ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم فقال: مر عليكم فارس آنفا ؟ قالوا: مر علينا دحية الكلبى على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة ديباج عليه اللامة.
فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذاك جبريل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه دحية الكلبى بجبريل، فقال: الحقوني ببنى قريظة فصلوا فيهم العصر.
فقاموا وما شاء الله من المسلمين فانطلقوا إلى بنى قريظة، فحانت صلاة العصر وهم بالطريق،
فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمركم أن تصلوا العصر في بنى قريظة.
وقال آخرون: هي الصلاة.
فصلى منهم قوم وأخرت طائفة الصلاة حتى صلوها في بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عجل منهم الصلاة ومن أخرها، فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف واحدا من الفريقين.
قال: فلما رأى على بن أبى طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا تلقاه وقال: ارجع يا رسول الله فإن الله كافيك اليهود.
وكان على قد سمع منهم قولا سيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضى الله عنهن، فكره أن يسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تأمرني بالرجوع ؟ فكتمه ما سمع منهم فقال: أظنك سمعت في منهم أذى، فامض فإن أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت.
فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصنهم، وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى

(3/228)


صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أجيبوا يا معشر يهود يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزى الله عزوجل.
فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، ورد الله حيى بن أخطب حتى دخل حصن بنى قريظة، وقذف الله في قلوبهم الرعب، واشتد عليهم الحصار، فصرخوا بأبى لبابة بن عبد المنذر - وكانوا حلفاء الانصار - فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أذنت لك.
فأتاهم أبو لبابة فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة ماذا ترى وماذا تأمرنا ؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال.
فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه وأمر عليه أصابعه، يريهم أنما يراد بهم القتل.
فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي.
فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد.
وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غاب عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه ؟ فذكر له ما فعل، فقال: لقد أصابته بعدى فتنة ولو جاءني لاستغفرت له، وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضى الله فيه ما يشاء.
وهكذا رواه ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة.
وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري، ومثل رواية أبى الاسود عن عروة.
* * *

(3/229)


قال ابن إسحاق: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بئر من آبار بنى قريظة من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنى، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب.
وقد كان حيى بن أخطب دخل معهم حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا.
ثلاثا فخذوا بما شئتم منها.
قالوا: وما هن ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبى مرسل وأنه للذى تجدونه في كتابكم، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم.
قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره.
قال: فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف (1)، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والابناء.
قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم ؟ ! قال: فإن أبيتم على هذه، فالليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة.
قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عنك من المسخ.
فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما.
__________
(1) ابن هشام: مصلتين السيوف.
(*)

(3/230)


ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الاوس، نستشيره في أمرنا.
فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال: نعم.
وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح.
قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على مما صنعت.
وأعاهد الله ألا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله
فيه أبدا.
قال ابن هشام: وأنزل الله، فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن عبدالله بن أبى قتادة: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (1) ".
قال ابن هشام: أقام مرتبطا ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله حتى يتوضأ ويصلى، ثم يرتبط، حتى نزلت توبته في قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (1) ".
وقول موسى بن عقبة أنه مكث عشرين ليلة مرتبطا به.
والله أعلم.
وذكر ابن إسحاق أن الله أنزل توبته على رسوله من آخر الليل وهو في بيت أم
__________
(1) سورة الانفال.
(*)

(3/231)


سلمة، فجعل يبتسم فسألته أم سلمة فأخبرها بتوبة الله على أبى لبابة، فاستأذنته أن تبشره فأذن لها، فخرجت فبشرته، فثار الناس إليه يبشرونه، وأرادوا أن يحلوه من رباطه فقال: والله لا يحلنى منه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر حله من رباطه رضى الله عنه وأرضاه.
* * * قال ابن إسحاق: ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم، أسلموا في تلك الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا ؟ قال: أنا عمرو بن
سعدى.
وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا أغدر بمحمد أبدا.
فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام.
ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب لم يدر أين توجه من الارض إلى يومه هذا فذكر شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه.
قال: وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة، فأصبحت رمته ملقاة ولم يدر أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة.
والله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن إسحاق: فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتواثبت الاوس فقالوا: يا رسول الله إنهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالى إخواننا بالامس ما قد علمت، يعنون عفوه عن بنى قينقاع حين سأله فيهم عبدالله ابن أبى.
كما تقدم.

(3/232)


قال ابن إسحاق: فلما كلمته الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الاوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا: بلى.
قال: فذلك إلى سعد بن معاذ.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده وكانت تداوى الجرحى، فلما حكمه في بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم.
فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ! فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الاشهل فنعى لهم رجال بنى
قريظة قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التى سمع منه.
فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم.
فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد الانصار، وأما الانصار فيقولون: قد عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين.
فقاموا إليه.
فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم.
فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا: نعم.
قال: وعلى من هاهنا.
في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذرارى والنساء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن عمر بن سعد ابن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.

(3/233)


وقال ابن هشام: حدثنى من أثق به من أهل العلم أن على بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة: يا كتيبة الايمان.
وتقدم هو والزبير بن العوام وقال: والله لاذوقن ما ذاق حمزة أو أقتحم حصنهم.
فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ.
* * * وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت أبا أمامة بن سهل، سمعت أبا سعيد الخدرى، قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ.
قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتاه على حمار، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا لسيدكم أو خيركم ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك.
قال: نقتل مقاتلتهم ونسبي ذريتهم.
قال: فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله.
وربما قال: قضيت بحكم الملك.
وفى رواية الملك.
أخرجاه في الصحيحين من طرق عن شعبة.
وقال الامام أحمد: حدثنا حجين ويونس، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله أنه قال: رمى يوم الاحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار فانتفخت يده فنزفه، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عينى من بنى قريظة.
فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم يستعين بهم المسلمون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبت حكم الله فيهم.
وكانوا أربعمائة.
فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات.
وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن الليث به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.

(3/234)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية