صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الروض الأنف
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]

مقتل أمية بن خلف
قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه قال ابن إسحاق : وحدثنيه أيضا عبد الله بن أبي بكر وغيرهما ، عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة وكان اسمي عبد عمرو ، فتسميت ، حين أسلمت ، عبد الرحمن ونحن بمكة فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول يا عبد عمرو ، أرغبت عن اسم سماكه أبواك ؟ فأقول نعم فيقول فإني لا أعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال فكان إذا دعاني : يا عبد عمرو ، لم أجبه . قال فقلت له يا أبا علي اجعل ما شئت ، قال فأنت عبد الإله قال فقلت : نعم قال فكنت إذا مررت به قال يا عبد الإله فأجيبه فأتحدث معه . حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي بن أمية أخذ بيده ومعي أدراع قد استلبتها ، فأنا أحملها . فلما رآني قال لي : يا عبد عمرو ، فلم أجبه فقال يا عبد الإله ؟ فقلت : نعم قال هل لك في ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك ؟ قال قلت : نعم ها الله ذا ، قال فطرحت الأدراع من يدي ، وأخذت بيده ويد ابنه وهو يقول ما رأيت كاليوم قط ، أما لكم حاجة في اللبن ؟ ( قال ) : ثم خرجت أمشي بهما قال ابن هشام : يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن . قال ابن إسحاق : حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عبد الرحمن بن عوف ، قال قال لي أمية بن خلف ، وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما : يا عبد الإله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال قلت : ذاك حمزة بن عبد المطلب قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على ترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد فيقول [ ص 76 ] أحد أحد . قال فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا . قال قلت : أي بلال أبأسيري قال لا نجوت إن نجا . قال قلت : أتسمع يا ابن السوداء قال لا نجوت إن نجا . قال ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا . قال فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه . قال فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط قال فقلت : انج بنفسك ، ولا نجاء بك فوالله ما أغني عنك شيئا . قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما . قال فكان عبد الرحمن يقول يرحم الله بلالا ، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري .Sتفسير ها الله وهبروه
[ ص 76 ] عبد الرحمن بن عوف لأمية ها الله ذا . ها : تنبيه وذا إشارة إلى نفسه وقال بعضهم إلى القسم أي هذا قسمي ، وأراها إشارة إلى المقسم وخفض اسم الله بحرف القسم أضمره وقام التنبيه مقامه كما يقوم الاستفهام مقامه فكأنه قال ها أنا ذا مقسم ، وفصل بالاسم المقسم به بين ها وذا ، فعلم أنه هو المقسم فاستغني عن أنا ، وكذلك قول أبي بكر لاها الله ذا ، وقول زهيرة تعلمن ها لعمر الله ذا قسما
أكد بالمصدر قسمه الذي دل عليه التقدم . وقوله هبروه بأسيافهم من الهبرة وهي القطعة العظيمة من اللحم أي قطعوه .

(3/75)


شهود الملائكة وقعة بدر
[ ص 77 ] قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدثني رجل من بني غفار ، قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة . فننتهب مع من ينتهب . قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول اقدم حيزوم فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة ، وكان شهد بدرا ، قال بعد أن ذهب بصره لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن رجال من بني مازن بن النجار ، عن أبي داود المازني ، وكان شهد بدرا ، قال إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قد قتله غيري [ ص 78 ] قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مقسم ، مولى عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن عباس ، قال كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم أن علي بن أبي طالب قال العمائم تيجان العرب ، وكانت سيما الملائكة يوم بدر تمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربونS[ ص 77 ] وذكر قول الغفاري حين سمع حمحمة الخيل في السحابة وسمع قائلا يقول اقدم حيزوم . اقدم بضم الدال أي اقدم الخيل وهو اسم فرس جبريل وهو فيعول من الحزم والحيزوم أيضا أعلى الصدر فيجوز أن يكون أيضا سمي به لأنه صدر لخيل الملائكة ومتقدم عليها ، والحياة أيضا فرس أخرى لجبريل لا تمس شيئا إلا حيي وهي التي قبض من أثرها السامري ، فألقاها في العجل الذي صاغه من ذهب فكان له خوار ذكره الزجاج .
نسب أبي داود المازني
فصل
وذكر أبا داود المازني وقوله لقد أتبعت رجلا من المشركين فسقط رأسه قبل أن أصل إليه . اسم أبي داود هذا عمرو ، وقيل عمير بن عامر وهذا هو الذي قتل أبا البختري بن هشام وأخذ سيفه في قول طائفة عن أهل السير غير ابن إسحاق وقال ابن إسحاق قتله المجذر كما تقدم .

(3/76)


مقتل أبي جهل
قال ابن إسحاق : وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز وهو يقاتل ويقول
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
شعار المسلمين ببدر
قال ابن هشام : وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أحد أحد . [ ص 79 ]
عود إلى مقتل أبي جهل
قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى . وكان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا : قال معاذ بن عمرو بن الجموح ، أخو بني سلمة : سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة - قال ابن هشام : الحرجة الشجر الملتف . وفي الحديث عن عمر بن الخطاب : أنه سأل أعرابيا عن الحرجة فقال هي شجرة من الأشجار لا يوصل إليها - وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه . قال فلما سمعتها جعلته من شأني ، فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها . قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي ، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي ، وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي ، وإني لأسحبها خلفي ، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها . قال ابن إسحاق : ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان . ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ ابن عفراء ، فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق . وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى ، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني [ ص 80 ] انظروا ، إن خفي عليكم في القتلى ، إلى أثر جرح في ركبته فإني ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به . قال عبد الله بن مسعود : فوجدته بآخر رمق فعرفته ، فوضعت رجلي على عنقه - قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني ، ثم قلت له هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال وبماذا أخزاني ، اعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال قلت : لله ولرسوله قال ابن هشام : ضبث قبض عليه ولزمه . قال ضابئ بن الحارث البرجمي :
فأصبحت مما كان بيني وبينكم ... من الود مثل الضابث الماء باليد
قال ابن هشام : ويقال أعار على رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال ابن إسحاق : وزعم رجال من بني مخزوم ، أن ابن مسعود كان يقول قال لي : لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم قال ثم احترزت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله الذي لا إله غيره قال وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت : نعم والله الذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله . [ ص 81 ] قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي : أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ، ومر به إني أراك كأن في نفسك شيئا ، أراك تظن أني قتلت أباك ، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة ، فأما أبوك فإني مررت وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدت عنه وقصد له ابن عمه علي فقتله .Sلغويات
[ ص 78 ] معاذ بن عمرو في مقتل أبي جهل ما شبهت رجله حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت المرضخة . طاحت ذهبت ولا يكون إلا ذهاب هلاك والمرضخة . كالإرزبة يدق بها النوى للعلف والرضخ بالحاء مهملة كسر اليابس والرضخ كسر الرطب ووقع في أصل الشيخ المرضخة بالحاء والخاء معا ، ويدل على أنه كسر لما صلب وأنشد قول الطائي
أترضحني رضح النوى وهي مصمت ... ويأكلني أكل الدبا وهو جائع
[ ص 79 ]
الغلامان اللذان قتلا أبا جهل
وذكر الغلامين اللذين قتلا أبا جهل وأنهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ ابن عفراء ، وفي صحيح مسلم أنهما معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح ، وعفراء هي بنت عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار عرف بها بنو عفراء وأبوهم الحارث بن رفاعة بن سواد على اختلاف في ذلك ورواية ابن إدريس عن ابن إسحاق ، كما في كتاب مسلم ، قال أبو عمر وأصح من هذا كله حديث أنس حين قال النبي صلى الله عليه وسلم من يأتيني بخبر أبي جهل الحديث وفيه أن ابني عفراء قتلاه . [ ص 80 ] أبي جهل اعمد من رجل قتلتموه ويروى قتله قومه أي هل فوق رجل قتله قومه وهو معنى تفسير ابن هشام ، حيث قال أي ليس عليه عار والأول تفسير أبي عبيد في غريب الحديث وقد [ أنشد ] شاهدا عليه
[ تقدم قيس كل يوم كريهة ... ويثنى عليها في الرخاء ذنوبها ]
وأعمد من قوم كفاهم أخوهم ... صدام الأعادي حين فلت نيوبها
قال المؤلف رضي الله عنه وهو عندي من قولهم عمد البعير يعمد إذا انفسخ سنامه فهلك أي أهلك من رجل قتله قومه وما ذكره ابن إسحاق من قول أبي جهل هذا ، وما ذكروه أيضا من قوله لابن مسعود لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم . مرتقى صعبا يعارض ما وقع في سير ابن شهاب وفي مغازي ابن عقبة أن ابن مسعود وجده جالسا لا يتحرك ولا يتكلم فسلبه درعه فإذا في بدنه نكت سود فحل تسبغة البيضة وهو لا يتكلم واخترط سيفه يعني سيف أبي جهل فضرب به عنقه ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين احتمل رأسه إليه عن تلك النكت السود التي رآها في بدنه فأخبره عليه السلام أن الملائكة قتلته وأن تلك آثار ضربات الملائكة وروى يونس عن أبي العميس قال أراني القاسم بن عبد الرحمن سيف عبد الله بن مسعود ، قال هذا سيف أبي جهل حين قتله [ ص 81 ] فأخذه فإذا سيف قصير عريض فيه قبائع فضة وحلق فضة قال أبو عميس فضرب به القاسم عنق ثور فقطعه وثلم فيه ثلما ، فرأيت القاسم جزع من ثلمه جزعا شديدا .
إضمار حرف الجر
وقول النبي عليه السلام الله الذي لا إله إلا هو بالخفض عند سيبويه وغيره لأن الاستفهام عوض من الخافض عنده وإذا كنت مخيرا قلت : الله بالنصب لا يجيز المبرد غيره وأجاز سيبويه الخفض أيضا لأنه قسم وقد عرف أن المقسم به مخفوض بالباء أو بالواو ولا يجوز إضمار حروف الجر إلا في مثل هذا الموضع أو ما كثر استعماله جدا كما روي أن رؤبة كان يقول إذا قيل له كيف أصبحت ؟ خير عافاك الله . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في أبي جهل حين ذكر مزاحمته له في مأدبة عبد الله بن جدعان ، وقد تقدم في المولد التعريف بعبد الله بن جدعان وذكرنا خبر جفنته وسبب غناه بعد أن كان صعلوكا بأتم بيان .

(3/77)


خبر عكاشة بن محصن
قال ابن إسحاق : [ ص 82 ] وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي ، حليف بني عبد شمس بن عبد مناف ، يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جدلا من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة ، فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى : العون . ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة وهو عنده قتله طليحة بن خويلد الأسدي ، فقال طليحة في ذلك
فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم ... أليسوا وإن لم يسلموا برجال
فإن تك أذاود أصبن ونسوة ... فلن تذهبوا قرعا بقتل حبال
نصبت لهم صدر الحمالة إنها ... معاودة قيل الكماة نزال
فيوما تراها في الجلال مصونة ... ويوما تراها غير ذات جلال
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا ... وعكاشة الغنمي عند حجال
قال ابن هشام : حبال ابن طليحة بن خويلد . وابن أقرم ثابت بن أقرم الأنصاري . [ ص 83 ] قال ابن إسحاق وعكاشة بن محصن الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة سبعون ألفا من أمتي على صورة القمر ليلة البدر قال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال إنك منهم أو اللهم اجعله منهم " ، فقام رجل من الأنصار . فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال " سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا عن أهله منا خير فارس في العرب ؛ قالوا : ومن هو يا رسول الله ؟ قال عكاشة بن محصن فقال ضرار بن الأزور الأسدي : ذاك رجل منا يا رسول الله قال ليس منكم ولكنه منا للحلفSخبر عكاشة بن محصن
يقال فيه عكاشة بالتشديد والتخفيف وهو من عكش على القوم إذا حمل عليهم قاله صاحب العين وقال غيره لعكاشة [ والعكاش ] العنكبوت وأما سيفه الذي كان جزلا [ ص 82 ] قيل إنه لم يزل متوارثا عند آل عكاشة وقد روي مثل قول عكاشة في السيف عن عبد الله بن جحش ، وسيأتي ، ذكرها عند غزوة أحد ، وأما قوله فلن يذهبوا قرعا بقتل حبال
فالقرع أن يطل الدم ولا يطلب بثأره وحبال هو ابن أخي طليحة لا ابنه وهو حبال بن مسلمة بن خويلد ، ومسلمة أبوه هو الذي قتل عكاشة اعتنقه مسلمة وضربه طليحة على فرس يقال لها : اللزام وكان ثابت على فرس يقال لها : المخبر وقصته مشهورة في أخبار الردة . وذكر الواقدي في الردة بعد قوله
فيوما تراها في الجلال مصونة ... ويوما تراها في ظلال عوال
إلى آخر الشعر . وذكر في الخبر أن عكاشة وثابت بن أقرم البلوي حليفي الأنصار كانا في جيش خالد حين نهد إلى طليحة ، فاستقدما أمام جيش خالد للمسلمين فوقعا في خيل لطليحة وهو فيهم فاستشهدا معا ، وذلك في يوم بزاخة كذلك قال كل من ألف من السير إلا سليمان التيمي ، فإنه ذكر أن عكاشة قتل في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني أسد ، والأول هو المعروف . [ ص 83 ]
سبقك بها عكاشة
وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعكاشة حين قال ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم فدعا له ثم قام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة هكذا الحديث في الصحاح ، وزاد ابن إسحاق : وبردت الدعوة وذكر أبو عمر النمري عن بعض أهل العلم ولم يسمهم أن الرجل الذي قيل له سبقك بها عكاشة كان منافقا ، ولذلك لم يدع له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المؤلف وهذا لا يصح ؛ لأن في مسند البزار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة في هذا الحديث قال فقام رجل من خيار المهاجرين ، فقال ادع الله أن يجعلني معهم قال ابن بطال معنى قوله سبقك بها عكاشة أي سبقك بهذه الصفة التي هي صفة السبعين ألفا ، ترك التطير ونحوه ولم يقل لست منهم ولا على أخلاقهم بحسن أدبه عليه السلام وتلطفه في الكلام [ و ] لا سيما مع أصحابه الكرام . قال المؤلف رضي الله عنه - والذي عندي في هذا أنها كانت ساعة إجابة علمها عليه السلام فلما انقضت قال للرجل ما قال يبين هذا حديث أبي سعيد الخدري ، فإنه قال فيه بعد ذكر عكاشة ، فقام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال اللهم اجعله [ ص 84 ] فقال ادع الله أن يجعلني معهم فقال سبقك بها عكاشة وصاحبه ولو قلت لقلت ، ولو قلت لوجبت وهي في مسند ابن أبي شيبة ، وفي مسند البزار أيضا . ويقوي هذا المعنى رواية ابن إسحاق ، فإنه زاد فقال فيها : سبقك به عكاشة وبردت الدعوة فقف على ما ذكرته في تفسير حديث عكاشة فإنه من فوائد هذا الكتاب . وممن لم يشهد بدرا لعذر وهو من النقباء سعد بن عبادة سيد الخزرج ، لأنه نهشته حية فلم يستطع الخروج هذا قول القتبي ولذلك لم يذكره ابن إسحاق ، ولا ابن عقبة في البدريين وقد ذكره طائفة فيهم منهم ابن الكلبي وجماعة .

(3/81)


حديث بين أبي بكر وابنه عبد الرحمن يوم بدر
[ ص 84 ] قال ابن هشام : ونادى أبو بكر الصديق ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين فقال أين مالي يا خبيث ؟ فقال عبد الرحمن :
لم يبق غير شكة ويعبوب ... وصارم يقتل ضلال الشيب
فيما ذكر لي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي .Sتفسير قول ابن أبي بكر
فصل
وذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لابنه يوم بدر أين مالي يا خبيث فقال لم يبق إلا شكة ويعبوب
الشكة السلاح واليعبوب من الخيل الشديد الجري ، ويقال الطويل والأول أصح ، لأنه مأخوذ من عباب الماء وهو شدة جريه ويقال للجدول الكثير الماء يعبوب وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس اسمه السكب وهو من سكبت الماء فهذا يقوي معنى اليعبوب وذكر غير ابن إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال لأبيه بعدما أسلم : يا أبت لقد [ ص 90 ] فقال والله لو كنت أهدفت لي أنت ما صدفت عنك .

(3/84)


طرح المشركين في القليب
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان أمية بن خلف ، فإنه انتفخ في درعه فملأها ، فذهبوا ليحركوه فتزايل لحمه فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة . فلما ألقاهم في القليب ، وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص 85 ] فقال يا أهل القليب ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا ؟ قالت فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى ؟ فقال لهم لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا قال ابن إسحاق : وحدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل وهو يقول يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام ، فعدد من كان منهم في القليب : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ؟ فقال المسلمون يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا ؟ قال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني [ ص 86 ] قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم هذه المقالة يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني نصرني الناس ثم قال هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ للمقالة التي قال .Sنداء أصحاب القليب
مسألة نحوية وقوله عليه السلام يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة الحديث يجوز يا شيبة بن ربيعة ، بضم التاء ونصب النون وبنصبهما جميعا ، أما من يقول جاءني زيد ابن فلان بالتنوين فهو الذي يقول يا زيد ابن بضم الدال ويكتب ابن بالألف على هذا ، ومن يقول جاءني زيد ابن بلا تنوين فهو الذي يقول في النداء يا زيد ابن بنصب الدال [ ص 85 ] جعل الابن مع ما قبله اسما واحدا ، فعلى هذا تقول يا حارث ابن عمرو فتكتبه بألف لأنك أردت يا حارث بالضم لأنك لو أردت يا حارث ابن بالنصب لم ترخمه لأنه قد صار وسط الاسم وقد جعله سيبويه بمنزلة قولك : امرئ وكذلك قوله ويا أبا جهل بن هشام إن نونت اللام من أبي جهل كتبت الابن بألف وإن لم تنونه كتبته بغير ألف . وذكر إنكار عائشة أن يكون عليه السلام قال لقد سمعوا ما قلت ، قالت وإنما قال لقد علموا أن الذي كنت أقول حق قال المؤلف وعائشة لم تحضر وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه عليه السلام وقد قالوا له يا رسول الله أتخاطب قوما قد جيفوا أو أجيفوا ، فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين إما بآذان رءوسهم إذا قلنا : إن الروح يعاد إلى الجسد أو إلى بعض الجسد عند المساءلة وهو قول أكثرين من أهل السنة وإما بإذن القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع معه إلى الجسد أو إلى بعضه وقد روي أن عائشة احتجت بقول الله سبحانه { وما أنت بمسمع من في القبور } وهذه الآية كقوله تعالى : { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي } أي إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت وجعل الكفار أمواتا وصما على جهة التشبيه بالأموات [ ص 86 ] الحقيقة إذا شاء لا نبيه ولا أحد ، فإذا لا تعلق بالآية من وجهين أحدهما : أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان . الثاني : أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو ويفعل ما شاء وهو على كل شيء قدير .

(3/90)


شعر حسان فيمن ألقوا في القليب
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت : [ ص 87 ] [ ص 88 ] [ ص 89 ]
عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمي منهمر سكوب
فأمسى رسمها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة الصدر الكئيب
وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه ... على الأعداء في لفح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب خاطي الكعوب
بنو الأوس الغطارف وازرتها ... بنو النجار في الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالجبوب
وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا كلامي كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب ؟
فما نطقوا ، ولو نطقوا لقالوا : ... صدقت وكنت ذا رأي مصيب
قال ابن إسحاق : ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب ، أخذ عتبة بن ربيعة ، فسحب إلى القليب ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني في وجه أبي حذيفة بن عتبة ، فإذا هو كئيب قد تغير لونه فقال يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال لا ، والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيراSمن معاني شعر حسان
فصل
وذكر شعر حسان وقال فيه كخط الوحي في الورق القشيب
القشيب في اللغة الجديد ولا معنى له في هذا البيت لأنهم إذا وصفوا الرسوم وشبهوها بالكتب في الورق فإنما يصفون الخط حينئذ بالدروس والامحاء فإن ذلك أدل على عفاء الديار وطموس الآثار وكثرة ذلك في الشعر تغني عن الاستشهاد عليه ولكن منه قول النابغة
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأياما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
[ ص 87 ] زهير :
[ وقفت بها من بعد عشرين حجة ] ... فلأيا عرفت الدار بعد توهم
وقال آخر
وإلا رسوم الدار قفرا كأنها ... سطور محاها الباهلي بن أصمعا
ولكن أراد حسان بالقشيب هاهنا الذي خالطه ما يفسده إما من دنس وإما من قدم يقال طعام مقشب إذا كان فيه السم . وقال الشاعر [ خويلد بن مرة أبو خراش الهذلي :
به تدع الكمي على يديه ... نحر تخاله نسرا قشيبا
معناه مسموم لأن القشب هو السم قاله ابن قتيبة في تفسير حديث آخر من يخرج من النار وفيه قشبني ريحها ، وأحرقني ذكاها . وقال أبو حنيفة في القشب هو نبات رطب مسموم ينصب لسباع الطير في لحم فإذا أكلته ماتت قال والعرب يجنبونه ماشيتهم في المرعى ، كي لا تحطمه فيفوح من ريحه ما يقتلها ، فقوله في البيت الذي استشهد به القتبي : تخاله نسرا قشيبا ، أي نسرا أكل ذلك القشب في اللحم والله أعلم قال والألب أيضا ، ضرب من القشب إن وجدت ريحه سباع الطير عميت وصمت وإن أكلته ماتت قال والضجاج أيضا : كل نبات مسموم .
معنى ألقائهم في القليب
فصل
فإن قيل ما معنى إلقائهم في القليب ، وما فيه من الفقه قلنا : كان من سنته عليه السلام في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنا ، كان أو كافرا هكذا وقع في السنن للدارقطني ، فلقاؤهم في القليب من هذا الباب غير أنه كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم ووافق أن القليب حفره رجل من بني النار اسمه بدر فكان . فألا مقدما لهم وهذا على أحد القولين في بدر والله أعلم . [ ص 88 ]
عود إلى شعر حسان
وفي شعر حسان أيضا : بنو الأوس الغطارف وازرتها
ولو قال آزرتها بالهمز لجاز وكان من الأزر وفي التنزيل { فآزره } أي شد أزره وقواه ولكن أراد حسان معنى الوزير فإنه سمي وزيرا من الوزر وهو الثقل لأنه يحمل عن صاحبه ثقلا ويعينه وقيل هو من الوزر وهو الملجأ لأن الوزير يلجأ إلى رأيه وقد ألفيته في نسخة الشيخ أبي بحر آزرتها مصلحا بغير واو إلا أن وازرتها وزنه فاعلت ، وآزرت وزنه أفعلت . وقوله وعتبة قد تركنا بالجبوب
معنى الجبوب
الجبوب اسم للأرض لأنها تجب أي تحفر وتجب من دفن فيها ، أي تقطعه وهذا القول أولى ، لأنهم قالوا : جبوب مثل صبور وشكور في المؤنث ولم يقولوا : جبوبة فيكون من باب حلوبة وركوبة ، ويدخلون فيها الألف واللام تارة فيقولون الجبوب كما في هذا البيت وتارة يجعلونه اسما علما ، فيقولون جبوب مثل شعوب قال الشاعر
بنى على قلبي وعيني مكانه ... ثوى بين أحجار رهين جبوب
ومنه قيل جبان وجبانة للأرض التي يدفن فيها الموتى ، فهو فعلان من الجب والجبوب وهو قول الخليل في معنى الجبان وغيره يجعله فعالا من الجبن .
مرة أخرى شعر حسان
وقوله خاطي الكعوب أي مكتنز الكعوب قويها [ والكعوب عقد القناة ] ، وقول حسان : الغطارف أراد الغطاريف كما تقدم في شعر الجرهمي تطل بها أمنا وفيها العصافر
أراد العصافير وحذف الياء ضرورة . [ ص 89 ]

(3/86)


من نزل فيهم { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم }
وكان الفتية الذين قتلوا ببدر فنزل فيهم من القرآن فيما ذكر لنا : { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا } فتية مسمين . من بني أسد بن عبد العزى بن قصي : الحارث بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد . [ ص 90 ] بني مخزوم : أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . ومن بني جمح : علي بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح . ومن بني سهم : العاص بن منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم . وذلك أنهم كانوا أسلموا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا ، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا .

(3/89)


ذكر الفيء ببدر
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا ، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو والله ما أنتم بأحق به منا ، والله لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله تعالى أكتافه ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا . [ ص 91 ] قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى ، عن مكحول ، عن أبي أمامة الباهلي - واسمه صدقي بن عجلان فيما قال ابن هشام قال سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء يقول على السواء . قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال حدثني بعض بني ساعدة عن أبي أسيد الساعدي مالك بن ربيعة ، قال أصبت سيف بني عائذ المخزوميين الذي يسمى المرزبان يوم بدر فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت حتى ألقيته في النفل . قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئا سئله فعرفه الأرقم بن أبي الأرقم ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه .Sالعرش والعريش
فصل
وذكر تنازعهم في النفل وما احتجت به الطائفة الذين كانوا يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش والعريش كل ما أظلك وعلاك من فوقك ، فإن علوته أنت فهو عرش لك ، لا عريش والعريش أيضا فيما فكر أبو حنيفة أربع نخلات أو خمس في أصل واحد .
بنو عابد وبنو عائذ
وذكر قول أبي أسيد وجدت يوم بدر سيف بني عابد الذي يقال له المرزبان . بنو عابد في بني مخزوم ، وهم بنو عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وأما بنو عائذ بالياء والذال [ ص 91 ] بنو عائذ بن عمران بن مخزوم رهط آل المسيب ، والأولون رهط آل بني السائب .
حول القسم
وأما قوله فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بواء يقول على سواء فقد رواه أبو عبيد في الأموال ، فقال فيه فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فواق وفسره فقال جعل بعضهم فوق بعض أي فضل في القسم من رأى تفضيله وفي غريب الحديث قولا آخر وهو أن معنى عن فواق السرعة في القسم كفواق الناقة ورواه ابن إسحاق أشهر وأثبت عند أهل الحديث .
سبب نزول أول الأنفال
وفي الحديث الذي ذكره أبو عبيد أن سعد بن أبي وقاص ، قال قتلت يوم بدر العاصي بن سعيد بن العاصي ، وأخذت سيفه وكان يقال له ذو الكتيفة . فأتيت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلت : يا رسول الله نفلنيه فأمرني أن أجعله في القبض فأخذني ما لا يعلمه إلا الله فقلت : قتل أخي عمير وأخذ سلبي فأنزل الله { يسألونك عن الأنفال } الآية فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف قال أبو عبيد وأهل السير يقولون قتل العاصي بن سعيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه . [ ص 92 ]

(3/90)


بعث ابن رواحة وزيد بشيرين
قال ابن إسحاق [ ص 92 ] صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية ، بما فتح الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة . قال أسامة بن زيد : فأتانا الخبر - حين سوينا التراب على رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي كانت عند عثمان بن عفان . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفني عليها مع عثمان - أن زيد بن حارث قد قدم . قال فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس وهو يقول " قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وأبو البختري والعاص بن هشام وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج . قال قلت : يا أبت أحق هذا . قال نعم والله يا بني
قفول رسول الله من بدر
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ، ومعه الأسارى من المشركين وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث واحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النفل الذي أصيب من المشركين وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار ، فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام : يقال إنه عدي بن أبي الزغباء :
أقم لها صدورها يا بسبس ... أليس بذي الطلح لها معرس
ولا بصحراء غمير محبس ... إن مطايا القوم لا تخيس
فحملها على الطريق أكيس ... قد نصر الله وفر الأخنس
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية - يقال له سير - إلى سرحة به . فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن رومان : ما الذي [ ص 93 ] لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أي ابن أخي ، أولئك الملأ قال ابن هشام : الملأ الأشراف والرؤساء .

(3/92)


مقتل النضر وعقبة
قال ابن إسحاق : حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب ، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة . قال ابن إسحاق : ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط . قال ابن هشام : عرق الظبية من غير ابن إسحاق . قال ابن إسحاق : والذي أسر عقبة : عبد الله بن سلمة أحد بني العجلان . قال ابن إسحاق : فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فمن للصبية يا محمد ؟ قال النار فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري أخو بني عمرو بن عوف ، كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر . قال ابن هشام : ويقال قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم .Sعقبة بن أبي معيط
فصل
[ ص 93 ] وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل عقبة بن أبي معيط قال وكان الذي أسره عبد الله بن سلمة ، وسلمة هذا بكسر اللام وهو سلمة بن مالك أحد بني العجلان بلوي بالنسب أنصاري بالحلف قتل يوم أحد شهيدا وأما عقبة بن أبي معيط ، فاسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو ، واسمه ذكوان بن أمية يقال كان أمية قد ساعى أمة أو بغت أمة له فحملت بأبي عمرو ، فاستلحقه بحكم الجاهلية ولذلك قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لعقبة حين قال أأقتل من بين قريش صبرا ، فقال عمر حن قدح ليس معها يعرض بنسبه وذلك أن القداح في الميسر ربما جعل معها قدح [ ص 94 ] واليمن فيستعار لذلك ويسمى : المنيح فإذا حرك في الربابة مع القداح تميز صوته لمخالفة جوهره جوهر القداح فيقال حينئذ حن قدح ليس منها ، فتمثل عمر بهذا المثل يريد أن عقبة ليس من قريش ، وكذلك روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حينئذ إنما أنت يهودي من أهل صفورية لأن الأمة التي ولدت أباه كانت ليهودي من أهل صفورية ، واسمها : ترني ، قاله القتبي ، وكذلك قال دغفل بن حنظلة النسابة لمعاوية حين سأله هل أدركت عبد المطلب ؟ فقال نعم أدركته شيخا وسيما قسيما جسيما يحف به عشرة من بنيه كأنهم النجوم قال فهل رأيت أمية بن عبد شمس ؟ قال نعم رأيته أخيفش أزيرق دميما ، يقوده عبده ذكوان ، فقال ويحك ذاك ابنه أبو عمرو ، فقال دغفل أنتم تقولون ذلك .
الطعن في نسب بني أمية
قال المؤلف وهذا الطعن خاص بنسب عقبة من بني أمية ، وفي نسب أمية نفسه مقالة أخرى تعم جميع الفصيلة وهي ما روي عن سفينة مولى أم سلمة حين قيل له إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال كذبت استاه بني الزرقاء ، بل هم ملوك ومن شر الملوك فيقال أن الزرقاء هذه هي [ أم ] أمية بن عبد شمس ، واسمها أرنب قال الأصبهاني في كتاب الأمثال قال وكانت في الجاهلية من صواحب الرايات . قال المؤلف رضي الله عنه وقد عفا الله عن أمر الجاهلية ونهى عن الطعن في الأنساب ولو لم يجب الكف عن نسب بني أمية إلا لموضع عثمان بن عفان رضي الله عنه لكان حرى بذلك .

(3/93)


[ ص 94 ] قال ابن إسحاق : ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الموضع أبو هند ، مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيسا . [ ص 95 ] وقال ابن هشام : الحميت : الزق ، وكان قد تخلف عن بدر ، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو أبو هند امرئ من الأنصار فأنكحوه وأنكحوا إليه ففعلوا [ ص 95 ]Sأبو هند الحجام
فصل
وذكر أبا هند الحجام وأنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من بدر . أبو هند اسمه عبد الله وهو مولى فروة بن عمرو البياسي وأما طيبة الحجام فهو مولى بني حارثة واسمه نافع وقيل دنير وقيل ميسرة ولم يشهد بدرا .

(3/94)


قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم . قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء ، في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء ، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب . قال تقول سودة والله إني لعندهم إذ أتينا ، فقيل هؤلاء الأسارى ، قد أتي بهم قالت فرجعت إلى بيتي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل قالت فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت : أي أبا يزيد أعطيتم بأيديكم إلا متم كراما ، فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يا سودة أعلى الله ورسوله تحرضين ؟ قالت قلت : يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت

(3/95)


قال ابن إسحاق : وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه وقال استوصوا بالأسارى خيرا قال وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم ، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى . [ ص 96 ] قال فقال أبو عزيز مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني ، فقال شد يدك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ، قال وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر ، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها . قال فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها على ما يمسها .
بلوغ مصاب قريش إلى مكة
قال ابن هشام : وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث فلما قال أخوه مصعب بن عمير لأبي اليسر وهو الذي أسره ما قال قال له أبو عزيز يا أخي ، هذه وصاتك بي ، فقال له مصعب إنه أخي دونك . فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي ، فقيل لها : أربعة آلاف درهم فبعت بأربعة آلاف درهم ففدته بها . [ ص 96 ]Sأسارى بدر
ذكر فيهم أبا عزيز بن عمير حين مر به وهو أسير على أخيه مصعب فقال مصعب للذي أسره اشدد يديك به وذكر الحديث . قال المؤلف رحمه الله وقد تقدم في باب الهجرة خبر إسلام مصعب وما كانت أمه تصنع به وأرجأت التعريف به وبإخوته إلى هذا الموضع فأما أبو عزيز فاسمه زرارة وأمه التي أرسلت في فدائه أم الخناس بنت مالك العامرية وهي أم أخيه مصعب وأخته هند بن عمير وهند هي أم شيبة بن عثمان حاجب الكعبة ، جد بني شيبة أسلم أبو عزيز وروى الحديث وأسلم أخوه أبو الروم ، وأبو يزيد ولا خفاء بإسلام مصعب أخيه وغلط الزبير بن بكار ، فقال قتل أبو عزيز يوم أحد كافرا ، ولم يصح هذا عند أحد من أهل الأخبار وقد روي عنه نبيه بن وهب وغيره ولعل المقتول بأحد كافرا أخ لهم غيره .

(3/95)


قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأبو البختري بن هشام فلما جعل يعدد أشراف قريش . قال صفوان بن أمية ، وهو قاعد في الحجر : والله إن يعقل هذا فاسألوه عني ؛ فقالوا : ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال ها هو ذاك جالسا في الحجر ، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا [ ص 97 ] قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، قال قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا ، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش ، كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا . قال وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أعمل الأقداح . أنحتها في حجرة زمزم . فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي ، وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري ، فبينما هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - قال ابن هشام : واسم أبي سفيان المغيرة - قد قدم قال فقال أبو لهب هلم إلي فعندك لعمري الخبر ، قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال يا ابن أخي ، أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا ، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا ، على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئا ، ولا يقوم لها شيء . قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك والله الملائكة . قال فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة [ ص 98 ] شديدة . قال وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجة منكرة وقالت استضعفته أن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته . [ ص 97 ]Sخبر أبي رافع حين قدم فل قريش
اسم أبي رافع أسلم ، وقال ابن معين : اسمه إبراهيم وقيل اسمه هرمز وكان عبدا قبطيا للعباس فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فلما أسلم العباس وبشر أبو رافع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامه فأعتقه فكان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل كان عبدا لبني سعيد بن العاصي ، وهم عشرة فأعتقوه إلا خالد بن سعيد ، فإنه وهب حصته فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأعتقه النبي - صلى الله عليه وسلم - والأول أصح توفي في قول الواقدي قبل مقتل عثمان بيسير .
أم الفضل وضربها لأبي لهب
وذكر أبا لهب وضربه لأبي رافع حين ذكر الملائكة وانتصار أم الفضل له وضربها لأبي لهب وأم الفضل هي لبابة الكبرى بنت الحارث [ بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن [ ص 98 ] هلال بن عامر بن صعصعة ] الهلالية أخت ميمونة وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد ، ولدت أم الفضل من العباس سبعة نجباء قال الشاعر
ما ولدت نحيبة من فحل ... كسبعة من بطن أم الفضل
وهم عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن والفضل ومعبد وقثم ، ويقال في السابع كثير بن العباس والأصح في كثير أن أمه رومية ولم تلد أم الفضل من العباس إلا من سمينا وأختا لهم وهي أم حبيب وقد ذكرها ابن إسحاق في رواية يونس [ بن بكير ] ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - رآها وهي طفلة تدب بين يديه فقال إن بلغت هذه وأنا حي تزوجتها فقبض عليه السلام قبل أن تبلغ فتزوجها سفيان بن الأسود بن عبد الأسد [ بن هلال بن عبد الله بن عمرو ] المخزومي فولدت له رزقا ولبابة . وذكر ابن إسحاق أن أبا لهب حين ضربته أم الفضل بالعمود على رأسه قام منكسرا ، ولم يلبث إلا يسيرا ، حتى رماه الله بالعدسة فقتله . وذكر الطبري في كتابه أن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها ، ويرون أنها تعدي أشد العدوى ، فلما رمي بها أبو لهب تباعد عنه بنوه فبقي ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يدفن فلما خافوا السبة دفعوه بعود في حفرته ثم قذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه وقال ابن إسحاق في رواية يونس لم يحفروا له ولكن أسند إلى حائط وقذفت عليه الحجارة من خلف الحائط ووري وذكر أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها ، وفي صحيح البخاري أن بعض أهله رآه في المنام في شر رحيبة وهي الحالة فقال ما لقيت بعدكم يعني : راحة غير أني سقيت في مثل هذه بعتقي ثويبة ، هكذا في رواية الأصيلي عن أبي زيد وفي رواية غيره قال ما لقيت بعدكم راحة غير أني سقيت في مثل هذه وأشار إلى النقرة بين السبابة والإبهام بعتقي ثويبة ، وفي غير البخاري أن الذي رآه من أهله هو أخوه العباس قال مكثت حولا بعد موت أبي لهب لا [ ص 99 ] أراه في نوم ثم رأيته في شر حال فقال ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وكانت ثويبة قد بشرته بمولده فقالت له أشعرت أن آمنة ولدت غلاما لأخيك عبد الله ؟ فقل لها : اذهبي ، فأنت حرة فنفعه ذلك وفي النار كما نفع أخاه أبا طالب ذبه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أهون أهل النار عذابا ، وقد تقدم في باب أبي طالب أن هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب وإلا فعمل الكافر كله محبط بلا خلاف أي لا يجده في ميزانه ولا يدخل به جنة وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصل ثويبة من المدينة ويتحفها ؛ لأنها كانت أرضعته [ ص 100 ] عمه حمزة ولما افتتح مكة سأل عنها ، وعن ابن لها اسمه مسروح ، فأخبر أنهما قد ماتا .

(3/96)


نواح قريش على قتلاهم
[ ص 99 ] قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال ناحت قريش على قتلاهم ، ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء قال وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة بن الأسود ، وعقيل بن الأسود والحارث بن زمعة وكان يحب أن يبكي على بنيه فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره انظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة يعني زمعة فإن جوفي قد احترق قال فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته . قال فذاك حين يقول الأسود
أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود
على بدر سراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد
وبكي إن بكيت على عقيل ... وبكي حارثا أسد الأسود
وبكيهم ولا تسمي جميعا ... وما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا
[ ص 100 ] قال ابن هشام : هذا إقواء وهي مشهور من أشعارهم وهي عندنا إكفاء وقد أسقطنا من رواية ابن إسحاق ما هو أشهر من هذا .

(3/100)


قال ابن إسحاق : وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم " إن له بمكة كيسا تاجرا ذا مال وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسرائكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن أبي وداعة - وهو الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني صدقتم لا تعجلوا وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذه أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به .
أمر سهيل بن عمرو وفداؤه
( قال ) : ثم بعثت قريش في فداء الأسارى ، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو ، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم ، أخو بني سالم بن عوف فقال
أسرت سهيلا فلا أبتغي ... أسيرا به من جميع الأمم
وخندف تعلم أن الفتى ... فتاها سهيل إذا يظلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى ... وأكرهت نفسي على ذي العلم
وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى . قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لمالك بن الدخشم . [ ص 101 ] قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بني عامر بن لؤي : أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو ، ويدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا قال ابن إسحاق : وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه قال ابن هشام : وسأذكر حديث ذلك المقام في موضعه إن شاء الله تعالى . قال ابن إسحاق : فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا : هات الذي لنا ، قال اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا مكانه عندهم فقال مكرز [ ص 102 ]
فديت بأذواد ثمان سبأ فتى ... ينال الصميم غرمها لا المواليا
رهنت يدي والمال أيسر من يدي ... علي ولكني خشيت المخازيا
وقلت : سهيل خيرنا فاذهبوا به ... لأبنائنا حتى ندير الأمانيا
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا لمكرز .Sضبيرة
وذكر المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة وقد ذكر الخطابي عن العنبري أنه يقال فيه ضبيرة بالضاد المعجمة واسم أبي ضبيرة عوف .
ابن الدخشم
وذكر مالك بن الدخشم [ بن مرضخة ] ويقال فيه الدخيش ويقال فيه ابن الدخيش ويقال إنه الذي سار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار ، فلم يدر ما ساره به حتى جهر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتله وهو في حديث الموطأ ، والذي ساره هو عتبان بن [ ص 101 ] ، وقد برأ النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم من النفاق حيث قال أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ قالوا : بلى ، قال أليس يصلي ؟ قالوا : بلى فقال في حديث الموطأ : أولئك الذين نهاني الله عنهم ، وقال في حديث مسلم فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله حول شعر مكرز وذكر مكرز وقد تقدم في اسم مكرز أنه يقال بكسر الميم وفتحها ، ولكن لا يروى في السيرة إلا بالكسر . وقول مكرز فديت بأذواد ثمان سبا فتى
بكسر الثاء من ثمان لأنه جمع ثمين مثل سمين وسمان . [ ص 102 ]

(3/100)


أسر عمرو بن أبي سفيان وإطلاقه
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب ، وكان لبنت عقبة بن أبي معيط قال ابن هشام : أم عمرو بن أبي سفيان بنت أبي عمرو ، وأخت أبي معيط بن أبي عمرو - أسيرا في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسرى بدر . قال ابن هشام : أسره علي بن أبي طالب . قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال فقيل لأبي سفيان افد عمرا ابنك ، قال أيجمع علي دمي ومالي قتلوا حنظلة وأفدي عمرا دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم . قال فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال ، أخو بني عمرو بن عوف ثم أحد بني معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا مسلما ، في غنم له النقيع : فخرج من هنالك معتمرا ، ولا يخشى الذي صنع به لم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا : وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا ، أو معتمرا إلا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو ، ثم قال أبو سفيان
أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بني عمرو لئام أذلة ... لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا
فأجابه حسان بن ثابت فقال
لو كان سعد يوم مكة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره ؟ وسألوه أن يعطيهم [ ص 103 ] أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد .

(3/102)


أسر أبي العاص بن الربيع
قال ابن إسحاق : وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب . قال ابن هشام : أسره خراش بن الصمة ، أحد بني حرام .
سبب زواج أبي العاص من زينب
قال ابن إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا ، وأمانة وتجارة وكان لهالة بنت خويلد وكانت خديجة خالته . فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها ، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي فزوجه وكانت تعده بمنزلة ولدها . فلما أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بنبوته آمنت به خديجة وبناته فصدقنه وشهدن أن ما جاء به الحق ، ودن بدينه وثبت أبو العاص على شركه . [ ص 104 ]
سعي قريش في تطليق بنات الرسول من أزواجهن
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج عتبة بن أبي لهب رقية أو أم كلثوم . فلما بادى قريشا بأمر الله تعالى وبالعداوة قالوا : إنكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن . فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت ، قال لا والله إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره خيرا ، فيما بلغني ثم مشوا إلى عتبة بن أبي لهب ، فقالوا له طلق بنت محمد ونحن ننكحك أي امرأة من قريش شئت ، فقال إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص ، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها . فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها ، ولم يكن دخل بها ، فأخرجها الله من يده كرامة لها ، وهوانا له وخلف عليها عثمان بن عفان بعده .
أبو العاص عند الرسول وبعث زينب في فدائه
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر أن يفرق بينهما ، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صارت قريش إلى بدر صار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الأسارى يوم بدر فكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ ص 105 ] قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد عن عائشة قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها ، قالت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها مالها ، فافعلوا ، فقالوا : نعم يا رسول الله . فأطلقوه وردوا عليها الذي لهاSأبو العاص بن الربيع
[ ص 103 ] وذكر أبا العاص بن الربيع بن عبد العزى ، واسم أبي العاص لقيط وقيل فيه هاشم وقيل مهشم وقيل هشيم ، وهو الذي يقول في أهله زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان بالشام تاجرا حين قالها :
ذكرت زينب لما يممت إضما ... فقلت : سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة ... وكل بعل سيثني بالذي علما
ولدت له زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة وعليا ، مات علي وهو صغير وتزوج أمامة علي بن أبي طالب ، وتزوجها بعده المغيرة بن نوفل وهي التي جاء فيها الحديث رواه عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ، وهو حامل أمامة بنت زينب الحديث قال عمرو بن سليم كانت تلك الصلاة صلاة الصبح هكذا رواه [ ص 104 ] جريج عن ابن عتاب عن عمرو بن سليم ورواه ابن إسحاق في غير السيرة عن المقبري عن عمرو بن سليم فقال فيه في إحدى صلاتي الظهر أو العصر وكان الذي أسر أبا العاص من الأنصار عبد الله بن جبير ، ذكره غير ابن إسحاق ، وكانت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت عتبة بن أبي لهب ، وأم كلثوم تحت عتيبة ، فطلقاهما بعزم أبيهما عليهما وأمهما حين نزلت { تبت يدا أبي لهب } فأما عتيبة ، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه فافترسه الأسد من بين أصحابه وهم نيام حوله وأما عتبة ومعتب ابنا أبي لهب فأسلما ولهما عقب . وقوله في خبر هند : فلا تضطني مني . تضطني ، أي لا تنقبضي عني وشاهده [ قول الطرماح بن حكيم ] :
إذا ذكرت مسعاة والده اضطنى ... ولا يضطني من شتم أهل الفضائل
[ ص 105 ] حاشية الشيخ وقد روي هذا البيت في الحماسة يضني بالضاد المعجمة وكأنه يفتعل من الضنى وهو الضعف .

(3/103)


خروج زينب إلى المدينة
تأهبها وإرسال الرسول رجلين ليصحباها
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أو وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أن يخلي سبيل زينب إليه أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ما هو إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلي سبيله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه فقال كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها فخرجا مكانهما ، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها ، فخرجت تجهز .
هند تحاول تعرف أمر زينب
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال حدثت عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت يا بنت محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ قالت فقلت : ما أردت ذلك فقالت أي ابنة عمي ، لا تفعلي ، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك ، أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ، فإن عندي حاجتك ، فلا تضطني مني ، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال . قالت والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل قالت ولكني خفتها ، فأنكرت أن أكون أريد ذلك وتجهزت .
ما أصاب زينب من قريش عند خروجها ومشورة أبي سفيان
[ ص 106 ] فلما فرغت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا ، فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها ، وهي في هودج لها . وتحدث بذلك رجال من قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ، والفهري ، فروعها هبار بالرمح وهي في هودجها ، وكانت المرأة حاملا - فيما يزعمون - فلما ريعت طرحت ذا بطنها وبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما ، فتكركر الناس عنه . وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك ، فكف . فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة وما لنا في ذلك من ثورة ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسلها سرا ، وألحقها بأبيها ، قال ففعل . فأقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم
شعر لأبي خيثمة فيما حدث لزينب
[ ص 107 ] قال ابن إسحاق : فقال عبد الله بن رواحة ، أو أبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف في الذي كان من أمر زينب قال ابن هشام : هي لأبي خيثمة [ ص 108 ]
أتاني الذي لا يقدر الناس قدره ... لزينب فيهم من عقوق ومأثم
وإخراجها لم يخز فيها محمد ... على مأقط وبيننا عطر منشم
وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم ... ومن حربنا في رغم أنف ومندم
فرنا ابنه عمرا ومولى يمينه ... بذي حلق جلد الصلاصل محكم
فأقسمت لا تنفك منا كتائب ... سراة خميس في لهام مسوم
نزوع قريش الكفر حتى نعلها ... بخاطمة فوق الأنوف بميسم
ننزلهم أكناف نجد ونخلة ... وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم
يد الدهر حتى لا يعوج سربنا ... ونلحقهم آثار عاد وجرهم
ويندم قوم لم يطيعوا محمدا ... على أمرهم وأي حين تندم
فأبلغ أبا سفيان إما لقيته ... لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم
فأبشر بخزي في الحياة معجل ... وسربال قار خالدا في جهنم
قال ابن هشام : ويروى : وسربال نار .
الخلاف بين ابن إسحاق وابن هشام
في مولى يمين أبي سفيان
قال ابن إسحاق : ومولى يمين أبي سفيان الذي يعني : عامر بن الحضرمي ، كان في الأسارى ، وكان حلف الحضرمي إلى حرب بن أمية . قال ابن هشام : مولى يمين أبي سفيان الذي يعني : عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي ، فأما عامر بن الحضرمي فقتل يوم بدر .
شعر هند وكنانة في خروج زينب
ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة ، فقالت لهم
أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
[ ص 109 ] وقال كنانة بن الربيع في أمر زينب حين دفعها إلى الرجلين
عجبت لهبار وأوباش قومه
يريدون إخفاري ببنت محمد
ولست أبالي ما حييت عديدهم
وما استجمعت قبضا يدي بالمهند
الرسول يحل دم هبار
قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي إسحاق الدوسي عن أبي هريرة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها ، فقال لنا : إن ظفرتم بهبار بن الأسود أو الرجل ( الآخر ) الذي سبق معه إلى زينب - قال ابن هشام : وقد سمى ابن إسحاق الرجل في حديثه ( وقال هو نافع بن عبد قيس ) فحرقوهما بالنار قال فلما كان الغد بعث إلينا ، فقال إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما .Sاتباع قريش لزينب
فصل وذكر خروج زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة ، واتباع قريش لها ، قال [ ص 106 ] وسبق إليها هبار بن الأسود والفهري ، ولم يسم ابن إسحاق الفهري وقال ابن هشام : هو نافع بن عبد قيس ، وفي غير السيرة أنه خالد بن عبد قيس ، هكذا ذكره البزار فيما بلغني . وذكر أن زينب حين روعها هبار بن الأسود ألقت ذا بطنها ، وزاد غير ابن إسحاق أنه نخس بها الراحلة فسقطت على صخرة وهي حامل فهلك جنينها ، ولم تزل تهريق الدماء حتى ماتت بالمدينة بعد إسلام بعلها أبي العاص . وذكر الزبير أن هبار بن الأسود لما أسلم وصحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان المسلمون يسبونه بما فعل حتى شكا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال سب من سبك يا هبار فكف الناس عن سبه بعد . ولدت زينب [ أمامة ] ، وهي التي جاء فيها الحديث رواه عمرو بن السليم بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب الحديث قال عمرو بن سليم إلى آخر ما تقدم قريبا .
تفسير قصيدة أبي خيثمة
[ ص 107 ] ابن رواحة وقيل بل قالها أبو خيثمة وفيها : على مأقط وبيننا عطر منشم
المأقط معترك الحرب وعطر منشم كناية عن شدة الحرب وهو مثل وأصله - فيما زعموا - أن منشم كان امرأة من خزاعة تبيع العطر والطيب فيشترى منها للموتى ، حتى تشاءموا بها لذلك وقيل إن قوما تحالفوا على الموت فغمسوا أيديهم في طيب منشم المذكورة تأكيدا للحلف فضرب طيبها مثلا في شدة الحرب وقيل منشم امرأة من غدانة وهو بطن من تميم ثم من بني يربوع بن حنظلة وأن هذه المرأة هي صاحبة يسار الذي يقال له يسار الواعب وأنه كان عبدا لها ، وأنه راودها عن نفسها ، فقالت له امهل حتى أشمك طيب الحرائر فلما أمكنها من أنفه أنخت عليه بالموسى حتى أوعبته جدعا ، فقيل في المثل لاقى الذي لاقى يسار الكواعب فقيل عطر منشم . وفي الشعر بذي حلق جلد الصلاصل محكم
يعني : الغل والصلاصل جمع : صلصلة وهي صلصلة الحديد . [ ص 108 ] وذكر قول هند بنت عتبة لفل قريش حين رجعوا من بدر .
أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
يقال عركت المرأة ودرست وطمثت إذا حاضت وقد قيل أيضا : يقال ضحكت إذا حاضت وتأول عليه قوله تعالى : { وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق } وقد قيل أيضا : يقال أكبرت المرأة إذا حاضت وحمل بعضهم عليه قوله تعالى : { أكبرنه وقطعن أيديهن } والهاء على هذا القول من أكبرنه عائدة على المصدر وهو تأويل ضعيف ونصب أعيارا على الحال والعامل فيه فعل مختزل لأنه أقام الأعيار مقام اسم مشتق فكأنه قال أفي السلم بلداء جفاة مثل الأعيار ونصب جفاء وغلظة نصب المصدر الموضوع موضع الحال كما تقول زيد الأسد شدة أي يماثله مماثلة شديدة فالشدة صفة للمماثلة كما أن المشافهة صفة للمكالمة إذا قلت : كلمته مشافهة فهذه حال من المصدر في الحقيقة وتعلق حرف الجر من قولها : أفي السلم بما أدته الأعيار من معنى الفعل فكأنها قالت [ ص 109 ] عبد الله بن الحارث ] : وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني
انظره في الهجرة إلى الحبشة .

(3/105)


إسلام أبي العاص بن الربيع
استيلاء المسلمين على تجارة معه وإجارة زينب له
قال ابن إسحاق : [ ص 110 ] وأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين فرق بينهما الإسلام حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشأم وكان رجلا مأمونا ، بمال له وأموال لرجال من قريش ، أيضعوها معه فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا ، لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا ، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجار بها ، فأجارته وجاء في طلب ماله فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح - كما حدثني يزيد بن رومان - فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع . قال فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس هل سمعتم ما سمعت ؟ قالوا : نعم قال أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم إنه يجير على المسلمين أدناهم . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك ، فإنك لا تحلين له
المسلمون يردون عليه ماله ثم يسلم
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص فقال لهم إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، وقد أصبتم له مالا ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم فأنتم أحق به فقالوا : يا رسول الله بل نرده عليه فردوه عليه حتى إن الرجل ليأتي بالدلو ويأتي الرجل بالشنة وبالإداوة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا . ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ومن كان أبضع معه ثم قال يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا : لا فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما قال فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني أردت أن آكل أموالكم فلما أذاها الله إليكم وفرغت منها أسلمت . ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
زوجته ترد إليه
قال ابن إسحاق : وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئا ( بعد ست سنين )
مثل من أمانة أبي العاص
[ ص 111 ] قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة أن أبا العاص بن الربيع لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين قيل له هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال ، فإنها أموال المشركين ؟ فقال أبو العاص بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي . قال ابن هشام : وحدثني عبد الوارث بن سعيد التنوري ، عن داود بن أبي هند ، عن عامر الشعبي ، بنحو من حديث أبي عبيدة عن أبي العاص .Sرد زينب على زوجها
[ ص 110 ] وذكر عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبي العاص على النكاح الأول لم يحدث شيئا بعد ست سنين ويعارض هذا الحديث ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه بنكاح جديد وهذا الحديث هو الذي عليه العمل وإن كان حديث داود بن الحصين أصح إسنادا عند أهل الحديث ولكن لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت لأن الإسلام قد كان فرق بينهما ، قال الله تعالى : [ ص 111 ] { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ومن جمع بين الحديثين قال في حديث ابن عباس : معنى ردها عليه على النكاح الأول أي على مثل النكاح الأول في الصداق والحباء لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره .

(3/109)


الذين أطلقوا من غير فداء
قال ابن إسحاق : فكان ممن سمي لنا من الأسارى ممن من عليه بغير فداء من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفدائه . ومن بني مخزوم بن يقظة المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيدة بن عمر بن مخزوم ، كان لبعض بني الحارث بن الخزرج ، فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله . فلحق بقومه . قال ابن هشام : أسره خالد بن زيد ، أبو أيوب الأنصاري ، أخو بني النجار . [ ص 112 ] قال ابن إسحاق : وصيفي بن أبي رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، ترك في أيدي أصحابه فلما لم يأت أحد في فدائه أخذوا عليه ليبعثن إليهم بفدائه فخلوا سبيله فلم يف لهم بشيء فقال حسان بن ثابت في ذلك
وما كان صيفي ليوفي ذمة ... قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد
قال ابن هشام : وهذا البيت في أبيات له . قال ابن إسحاق : وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح كان محتاجا ذا بنات فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لقد عرفت ما لي من مال ، وإني لذو حاجة وذو عيال فامنن علي فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحدا فقال أبو عزة في ذلك يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر فضله في قومه
من مبلغ عني الرسول محمدا ... بأنك حق والمليك حميد
وأنت امرئ وتدعو إلى الحق والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد
وأنت امرئ بوئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود
فإنك من حاربته لمحارب ... شقي ومن سالمته لسعيد
ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله ... تأوب ما بي : حسرة وقعود
ثمن الفداء
قال ابن هشام : كان فداء المشركين يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل إلى ألف درهم إلا من لا شيء له فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه .

(3/111)


شعر بلال في مقتل أمية
وذكر قتل بلال لأمية بن خلف ولم يذكر شعره في ذلك وذكره ابن إسحاق في غير هذه الرواية وهو
فلما التقينا لم نكذب بحملة ... عليهم بأسياف لنا كالعقائق
ومطرورة حمر الظباة كأنها ... إذا رفعت أشطان ذات الأبارق
بني جمح قد حل قعص بشيخكم ... على ماء بدر رأس كل منافق
هجمنا عليه الموت واشتجرت به ... مصاليت للأنصار غير زواهق
هوى حين لاقانا وفرق جمعه ... على وجهه في النار من رأس حالق
[ ص 112 ] وذكر الزبير في هذا الخبر عن ابن سلام عن حماد بن سلمة أن أمية حين أحاطت به الأنصار ، قال يا أحد رأى ، أما لكم باللبن حاجة ؟ قال وكان أمية يذكر بفصاحته ومعنى هذا الكلام هل رأى أحد مثل هذا ، ثم قرن الزبير هذا الحديث بحديث أسنده عن مقاتل بن سليمان قال قال النضر بن الحارث حين نزلت { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } [ الزخرف 81 ] الآية وكان النضر قد قال الملائكة بنات الرحمن فلما سمع الآية قال ألا تراه قد صدقني ، فقال له أمية بن خلف - وكان أفصح منه - لا والله بل كذبك ، فقال ما كان للرحمن من ولد وروي عن ثعلب أنه قال في قول أمية يا أحد : يا استفتاح ومعناه يا هؤلاء . أجد راء . [ ص 114 ]

(3/112)


إسلام عمير بن وهب
صفوان يحرضه على قتل الرسول
[ ص 113 ] قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير قال جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش في الحجر بيسير وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر . قال ابن هشام : أسره رفاعة بن رافع أحد بني زريق . قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، قال فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان والله إن في العيش بعدهم خير قال له عمير صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي ، لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم قال فاغتنمها صفوان وقال علي دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ، لا يسعني شيء ويعجز عنهم فقال له عمير فاكتم شأني وشأنك ، قال أفعل .
رؤية عمر له وإخبار الرسول بأمره
قال ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة ؛ [ ص 114 ] فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب والله ما جاء إلا لشر وهو الذي حرش بيننا ، وحزرنا للقوم يوم بدر . ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه قال فأدخله علي قال فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها ، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار : ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسول يحدثه بما بينه هو وصفوان فيسلم فلما راه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال أرسله يا عمر ادن يا عمير فدنا ثم قال انعموا صباحا ، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة . فقال أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد قال فما جاء بك يا عمير ؟ قال جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه قال فما بال السيف في عنقك ؟ قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا ؟ قال اصدقني ، ما الذي جئت له ؟ قال ما جئت إلا لذلك قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك ، على أن تقتلني له والله حائل بينك وبين ذلك قال عمير أشهد أنك رسول الله وقد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثم شهد شهادة الحق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيرا ، ففعلوا
رجوعه إلى مكة يدعو للإسلام
ثم قال يا رسول الله إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله شديد للأذى لمن كان على دين الله عز وجل وأنا أحب أن تأذن لي ، فأقدم مكة ، فأدعوهم إلى الله تعالى ، [ ص 115 ] صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام لعل الله يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم ؟ قال فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة . وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب يقول أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه فحلف أن لا يكلمه أبدا ، ولا ينفعه بنفع أبدا . قال ابن إسحاق : فلما قدم عمير مكة ، أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدا ، فأسلم على يديه ناس كثير .Sإسلام عمير بن وهب
[ ص 113 ] وذكر إسلام عمير بن وهب إلى آخره وليس فيه ما يشكل .

(3/114)


هو أو ابن هشام الذي رأى إبليس وما نزل فيه
قال ابن إسحاق : وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام ، قد ذكر لي أحدهما ، الذي رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر فقال أين أي سراق ؟ ومثل عدو الله فذهب فأنزل الله تعالى فيه { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } فذكر استدراج إبليس إياهم وتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة في الحرب التي كانت بينهم . يقول الله تعالى : { فلما تراءت الفئتان } ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على عدوهم { نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون } وصدق عدو الله رأى ما لم يروا ، وقال { إني أخاف الله والله شديد العقاب } فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب
[ ص 116 ] قال ابن هشام : نكص رجع . قال أوس بن حجر أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم
نكصتم على أعقابكم يوم جئتم ... تزجون أنفال الخميس العرمرم
وهذا البيت في قصيدة له .Sهل تجسد إبليس في غزوة بدر ؟
[ ص 115 ] وذكر في آخر الحديث أن عمير بن وهب هو الذي رأى إبليس يوم بدر حين نكص على عقبيه وذكر غيره أن الحارث بن هشام تشبث به وهو يرى أنه سراقة بن مالك فقال إلى أين سراق أين تفر فلكمه لكمة طرحه على قفاه ثم قال إني أخاف الله رب العالمين وإنما كان تمثل في صورة سراقة المدلجي لأنهم خافوا من بني مدلج أن يعرضوا لهم فيشغلوهم من أجل الدماء التي كانت بينهم فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة المدلجي وقال إني جار لكم من الناس أي من بني مدلج ويروى أنهم رأوا سراقة [ ص 116 ] فقالوا له يا سراقة أخرمت الصف وأوقعت فينا الهزيمة ؟ فقال والله ما علمت بشيء من أمركم حتى كانت هزيمتكم وما شهدت ، وما علمت فما صدقوه حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل الله فعلموا أنه كان إبليس تمثل لهم . وقول اللعين إني أخاف الله رب العالمين لأهل التأويل فيه أقوال أحدها : أنه كذب في قوله إني أخاف الله لأن الكافر لا يخاف الله الثاني : أنه رأى جنود الله تنزل من السماء فخاف أن يكون اليوم الموعود الذي قال الله فيه { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين } وقيل أيضا : إنما خاف أن تدركه الملائكة لما رأى من فعلها بحزبه الكافرين وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أن قريشا حين توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون وهو ينشد بأنفذ صوت ولا يرى شخصه
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من لؤي وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
فقال قائلهم من الحنيفيون ؟ فقالوا : هم محمد وأصحابه يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين . [ ص 117 ] [ ص 118 ]

(3/113)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية