صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الروض الأنف
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]

الوليد وأبو أزيهر
قال ابن إسحاق : فلما حضرت الوليد الوفاة دعا بنيه وكانوا ثلاثة هشام بن الوليد والوليد بن الوليد ، وخالد بن الوليد ، فقال لهم أي بني أوصيكم بثلاث فلا تضيعوا فيهن دمي في خزاعة ، فلا تطلنه والله إني لأعلم أنهم منه برآء ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم ورباي في ثقيف ، فلا تدعوه حتى تأخذوه وعقرى عند أبي أزيهر فلا يفوتنكم به . وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتا ، ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات . فلما هلك الوليد بن المغيرة ، وثبت بنو مخزوم على خزاعة يطلبون منهم عقل الوليد وقالوا : إنما قتله سهم صاحبكم - وكان لبني كعب حلف من بني عبد المطلب بن هاشم - فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارا ، وغلظ بينهم [ ص 217 ] وكان الذي أصاب الوليد سهمه رجلا من بني كعب بن عمرو من خزاعة - فقال عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم :
إني زعيم أن تسيروا ، فتهربوا ... وأن تتركوا الظهران تعوي ثعالبه
وأن تتركوا ماء بجزعة أطرقا ... وأن تسألوا : أي الأراك أطايبه ؟
فإنا أناس لا تطل دماؤنا ... ولا يتعالى صاعدا من نحاربه
وكانت الظهران والأراك منازل بني كعب من خزاعة . فأجابه الجون بن أبي الجون أخو بني كعب بن عمرو الخزاعي ، فقال
والله لا نؤتي الوليد ظلامة ... ولما قروا يوما تزول كواكبه
ويصرع منكم مسمن بعد مسمن ... وتفتح بعد الموت قسرا مشاربه
إذا ما أكلتم خبزكم وخزيركم ... فكلكم باكي الوليد ونادبه
ثم إن الناس ترادوا وعرفوا أنما يخشى القوم السبة فأعطتهم خزاعة بعض العقل وانصرفوا عن بعض . فلما اصطلح القوم قال الجون بن أبي الجون [ ص 218 ]
وقائلة لما اصطلحنا تعجبا ... لما قد حملنا للوليد وقائل
ألم تقسموا تؤتوا الوليد ظلامة ... ولما تروا يوما كثير البلابل
فنحن خلطنا الحرب بالسلم فاستوت ... فأم هواه آمنا كل راحل
ثم لم ينته الجون بن أبي الجون حتى افتخر بقتل الوليد وذكر أنهم أصابوه وكان ذلك باطلا . فلحق بالوليد وبولده وقومه من ذلك ما حذره . فقال الجون بن أبي الجون [ ص 219 ]
ألا زعم المغيرة أن كعبا ... بمكة منهم قدر كثير
فلا تفخر مغيرة أن تراها ... بها يمشي المعلهج والمهير
بها آباؤنا ، وبها ولدنا ... كما أرسى بمثبته ثبير
وما قال المغيرة ذلك إلا ... ليعلم شأننا أو يستثير
فإن دم الوليد يطل إنا ... نطل دماء أنت بها خبير
كساه الفاتك الميمون سمهما ... زعافا وهو ممتلئ بهير
فخر ببطن مكة مسلحبا ... كأنه عند وجبته بعير
سيكفيني مطال أبي هشام ... صغار جعدة الأوبار خور
[ ص 220 ] قال ابن هشام : تركنا منها بيتا واحدا أقذع فيه .
ثورة لمقتل أبي أزيهر
قال ابن إسحاق : ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز وكان عند أبي سفيان بن حرب بنت أزيهر وكان أبو أزيهر رجلا شريفا في قومه - فقتله بعقر الوليد الذي كان عنده لوصية أبيه إياه وذلك بعد أن هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ومضى بدر ، وأصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين فخرج يزيد بن أبي سفيان فجمع بني عبد مناف وأبو سفيان بذي المجاز فقال الناس أخفر أبو سفيان في صهره فهو ثائر به ، فلما سمع أبو سفيان بالذي صنع ابنه يزيد - وكان أبو سفيان رجلا حليما منكرا ، يحب قومه حبا شديدا - انحط سريعا إلى مكة ، وخشي أن يكون بين قريش حدث في أبي أزيهر فأتى ابنه وهو في الحديد في قومه من بني عبد مناف والمطيبين فأخذ الرمح من يده ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها ، ثم قال له قبحك الله أتريد أن تضرب قريشا بعضهم ببعض في رجل من دوس . سنؤتيهم العقل إن قبلوه وأطفأ ذلك الأمر . فانبعث حسان بن ثابت يحرض في دم أبي أزيهر ويعير أبا سفيان خفرته ويجبنه فقال
غدا أهل ضوجي ذي المجاز كليهما ... وجار ابن حرب بالمغمس ما يغدو
ولم يمنع العير الضروط ذماره ... وما منعت مخزاة والدها هند
كساك هشام بن الوليد ثيابه ... فأبل وأخلف مثلها جددا بعد
قضى وطرا منه فأصبح ماجدا ... وأصبحت رخوا ما تخب وما تعدو
فلو أن أشياخا ببدر تشاهدوا ... لبل نعال القوم معتبط ورد
[ ص 221 ] أبا سفيان قول حسان قال يريد حسان أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس بئس والله ما ظن
آية الربا من البقرة
ولما أسلم أهل الطائف كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربا الوليد الذي كان في ثقيف ، لما كان أبوه أوصاه به . قال ابن إسحاق : فذكر لي بعض أهل العلم أن هؤلاء الآيات من تحريم ما بقي من الربا بأيدي الناس نزلن في ذلك من طلب خالد الربا : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } [ البقرة 278 ] إلى آخر القصة فيها [ ص 222 ]
الهم بأخذ ثأر أبي أزيهر
ولم يكن في أبي أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الإسلام بين الناس إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس ، فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر فقامت دونهم أم غيلان ونسوة معهم حتى منعتهم فقال ضرار بن الخطاب في ذلك
جزى الله عنا أم غيلان صالحا ... ونسوتها إذ هن شعث عواطل
فهن دفعن الموت بعد اقترابه ... وقد برزت للثائرين المقاتل
دعت دعوة دوسا فسالت شعابها ... بعز وأدتها الشراج القوابل
وعمرا جزاه الله خيرا فما ونى ... وما بردت منه لدي المفاصل
فجردت سيفي ثم قمت بنصله ... وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل
عمل أم غيلان
قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة أن التي قامت دون ضرار أم جميل ويقال أم غيلان قال ويجوز أن تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونه . فلما قام عمر بن الخطاب أتته أم جميل وهي ترى أنه أخوه فلما انتسبت له عرف القصة فقال إني لست بأخيه إلا في الإسلام ، وهو غاز وقد عرفت منتك عليه فأعطاها على أنها ابنة سبيل . [ ص 223 ] قال الراوي : قال ابن هشام : وكان ضرار لحق عمر بن الخطاب يوم أحد ، فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول انج يا بن الخطاب لا أقتلك ، فكان عمر يعرفها له بعد إسلامه [ ص 216 ]Sحديث الوليد بن المغيرة
فصل وذكر وفاة الوليد بن المغيرة ، وقوله لبنيه وعقرى عند أبي أزيهر الدوسي لا تدعوه . العقر دية الفرج المغصوب وأصله في البكر من أجل التدمية ومنه عقر السرج الفرس : إذا أدماه وبيضة العقر منه لأنهم كانوا يقيسون البكر بالبيضة ليعرفوا بكورتها ، وقيل عقر بضم العين لأنه بمعنى بضع .
عن مقتل أبي أزيهر وموقف دوس
وذكر قتل هشام بن الوليد لأبي أزيهر وخبر أم غيلان مع ضرار حين أجارته ومن تمام الخبر : أن دوسا لما بلغها مقتل أبي أزيهر الدوسي وثبت على رجال من قريش كانوا عندهم فقتلوا منهم بجير بن العوام أخا الزبير وأرادوا قتل ضرار بن الخطاب ، فأجارته أم غيلان وابنها عوف قال ضرار : لقد أدخلتني بين درعها وبدنها ، حتى إني لأجد تسبيد ركبها ، والتسبيد موضع الحلق من الشعر وكان الذي قتل بجيرا صبيح بن سعد أو مليح بن سعد جد أبي هريرة لأمه لأن أمه أميمة بنت مليح أو صبيح . فصل وذكر [ ص 217 ] عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وفيه وأن تتركوا ماء بجزعة أطرقا
والجزعة والجزع بمعنى واحد وهو معظم الوادي ، وقال ابن الأعرابي : هو ما انثنى منه وأطرقا اسم علم لموضع سمي بفعل الأمر للاثنين فهو محكي لا يعرب وقيل إن أصل تسميته بذلك أن ثلاثة نفر مروا بها خائفين فسمع أحدهم صوتا ، فقال لصاحبيه أطرقا ، أي أنصتا ، حتى نرى ما هذا الصوت فسمي المكان بأطرقا ، والله أعلم . وذكر شعر الجون بن أبي الجون وفيه [ ص 218 ] ألم تقسموا تؤتوا الوليد ظلامة
أراد أن تؤتوا ، ومعناه أن لا تؤتوا كما جاء في التنزيل { يبين الله لكم أن تضلوا } [ النساء : 176 ] في قول طائفة ومعناه عندي : كره لكم أن تضلوا ، وقد قدمنا في الجزء قبل هذا كلاما على أن ومقتضاها وشيئا من أسرارها فيه غنية وإذا كان الكلام محمولا على معناه فالنصب جائز والرفع جائز أيضا ، كما أنشدوا : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
بنصب أحضر ورفعه وأنشد سيبويه : ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله
يريد أن أفعله وإذا رفعت في هذا الموضع لم يذهب الرفع معنى أن فقد حكى سيبويه : مره يحفرها ، وقدره تقديرين أحدهما : أن يريد الحال أي مره حافرا لها ، والثاني : أن يريد مره أن يحفرها ، وارتفع الفعل لما ذهبت أن من اللفظ وبين ابن جني الفرق بين التقديرين وقال إذا نويت أن فالفعل مستقبل وإذا لم تنوها فالفعل حاضر وهاهنا مسألة من العرب ذكرها الطبري ، قال العرب تقول لمن توجه في أمر تصنع ماذا وتفعل ماذا ؟ على تقدير تريد أن تصنع ماذا ، فإذا قالوا : تريد ماذا لم يكن إلا رفعا ، لأن المعنى الذي يجلب معنى أن الناصبة ليس في قوله تريد إذ لا يستقيم أن تقول تريد أن تريد ماذا ، يعني : أن الإرادة لا تراد .
شعر الجون
وذكر [ ص 219 ] بها يمشي المعلهج والمهير
المهير ابن المهورة الحرة والمعلهج المتردد في الإماء كأنه منحوت من أصلين من العلج لأن الأمة علجة ومن اللهج كأن واطئ الأمة قد لهج بها ، فنحت لفظ المعلهج من هذين اللفظين . وفيه كما أرسى بمثبته ثبير
كذا صحت الرواية في أرسى بالتخفيف وهو زحاف داخل على زحاف لأن تسكين اللام من مفاعلتن في الوافر زحاف ولكنه حسن كثير فلما كثر شبهه هذا الشاعر بمفاعيل لأنه على وزنه ومفاعيلن يحسن حذف الياء منها في الطويل فيصير فعولن مفاعلن فلذلك أدخل هذا الشاعر الزحاف على مفاعلتن لأنه بعد السكون في وزن مفاعيلن التي تحذف ياؤها حذفا مستحسنا ، فتدبره فإنه مليح في علم العروض [ ص 220 ]
من أسواق العرب
فصل وأنشد لحسان بن ثابت غدا أهل ضوجي ذي المجاز بسحرة
ضوج الوادي : جانبه وذو المجاز : سوق عند عرفة كانت العرب إذا حجت أقامت بسوق عكاظ شهر شوال ثم تنتقل إلى سوق مجنة فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة ثم تنتقل إلى سوق ذي المجاز فتقيم فيه إلى أيام الحج وكانوا يتفاخرون في سوق عكاظ [ ص 221 ] ويقال عكظ الرجل صاحبه إذا فاخره وغلبه بالمفاخرة فسميت عكاظ لذلك . وذكر لبل نعال القوم معتبط ورد
يعني : الدم العبيط .
ما أنزل الله في الربا
فصل وذكر ما أنزل الله في الربا الآيات من سورة البقرة وقد قدمنا في حديث بنيان الكعبة من قولهم لا تنفقوا فيها ربا ولا مهر بغي وأن في ذلك دليلا على قدم تحريمه عليهم في شرح إبراهيم عليه السلام أو في غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وذلك أنه من أقبح الأعمال لما فيه من هدم جانب المروءة وإيثار الحرص مع بعد الأمل ونسيان بغتة الأجل وترك التوسعة وحسن المعاملة ومن تأمل أبواب الربا لاح له شر التحريم من جهة الجشع المانع من حسن المعاشرة والذريعة إلى ترك القرض وما فيه وفي التوسعة من مكارم الأخلاق ولذلك قال سبحانه { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [ البقرة 279 ] [ ص 222 ] قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم أبلغي زيدا تعني زيد بن أرقم أن قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ذكرت لها عنه مسألة من البيوع تشبه الربا ، فقالت أبطل جهاده ولم تقل صلاته ولا صيامه لأن السيئات لا تحبط الحسنات ولكن خصت الجهاد بالإبطال لأنه حرب لأعداء الله وآكل الربا قد أذن بحرب من الله فهو ضده ولا يجتمع الضدان وهذا معنى ذكره أبو الحسن بن بطال في شرح الجامع وتلك المسألة مذكورة في المدونة لكن إسنادها إلى عائشة ضعيف [ ص 223 ]

(2/215)


ما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب وخديجة
قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها ، وبهلك عمه أبي طالب وكان له عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين . فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا . قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه [ ص 224 ] عروة بن الزبير ، قال لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك التراب دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها : لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك قال ويقول بين ذلك ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب
ما حدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي طالب والمشركين
قال ابن إسحاق : ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا ، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا . قال ابن إسحاق : فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس ، قال مشوا إلى أبي طالب فكلموه وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم فقالوا : يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت ، وقد حضرك ما ترى ، وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه فخذ له منا ، وخذ لنا منه ليكف عنا ، ونكف عنه وليدعنا وديننا ، وندعه ودينه فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال يا ابن أخي : هؤلاء أشراف قومك ، قد اجتمعوا لك ، ليعطوك ، وليأخذوا منك . قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم . قال فقال أبو جهل نعم وأبيك ، وعشر كلمات قال تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه . قال فصفقوا بأيديهم ثم قالوا : أتريد يا محمد أن تجعل الإلهة إلها واحدا . إن أمرك لعجب ثم قال بعضهم لبعض إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا ، وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه . قال ثم تفرقوا .
الرسول يرجو أن يسلم أبو طالب
فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله يا ابن أخي ، ما رأيتك سألتهم شططا ؛ فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إسلامه فجعل يقول له أي عم فأنت فقلها ، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة . قال فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ ص 225 ] أخي ، والله لولا مخافة السبة عليك ، وعلى بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني قلتها جزعا من الموت لقلتها ، لا أقولها إلا لأسرك بها . قال فلما تقارب من أبي طالب الموت قال نظر العباس إليه يحرك شفتيه قال فأصغى إليه بأذنه قال فقال يا ابن أخي ، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمع [ ص 226 ]Sوفاة أبي طالب ووصيته
[ ص 224 ] ذكر ابن إسحاق وفاة أبي طالب إلى آخر القصة وفيها [ ص 225 ] قال العباس والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أسمع قال المؤلف شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعدما أسلم ، لكانت مقبولة ولم يرد بقوله لم أسمع لأن الشاهد العدل إذا قال سمعت ، وقال من هو أعدل منه لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع لأن عدم السماع يحتمل أسبابا منعت الشاهد من السمع ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم مع أن الصحيح من الأثر قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك وأثبت نزول هذه الآية فيه { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } [ التوبة 113 ] وثبت في الصحيح أيضا أن العباس قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ، ويغضب لك ، فهل ينفعه ذلك ؟ قال نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح وفي الصحيح أيضا من طريق أبي سعيد أنه - عليه السلام - قال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه وفي رواية أخرى : كما يغلي المرجل بالقمقم وهي مشكلة وقال بعض أهل العلم القمقم هو البسر الأخضر يطبخ في المرجل استعجالا لنضجه يفعل ذلك أهل الحاجة وفي رواية يونس عن ابن إسحاق زيادة وهي أنه قال يغلي منها دماغه حتى يسيل على قدميه ومن باب النظر في حكمة الله ومشاكلة الجزاء للعمل أن أبا طالب كان مع رسول الله بجملته متحزيا له إلا أنه مثبت لقدميه على ملة عبد المطلب ، حتى قال عند الموت أنا على ملة عبد المطلب ، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه ثبتنا الله على الصراط المستقيم . وذكر قول الله تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } [ التوبة 113 ] وقد استغفر عليه السلام يوم أحد فقال اللهم اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمون [ ص 226 ] عمه . وكثيرا من أصحابه ولا يصح أن تكون الآية نزلت في عمه ناسخة لاستغفاره يوم أحد ، لأن وفاة عمه كانت قبل ذلك بمكة ولا ينسخ المتقدم المتأخر وقد أجيب عن هذا السؤال بأجوبة أن قيل استغفاره لقومه مشروط بتوبتهم من الشرك كأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة حتى يغفر لهم ويقوي هذا القول رواية من روى : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وقد ذكرها ابن إسحاق ، رواها عنه بعض رواة الكتاب بهذا اللفظ وقيل مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا في المسخ والخسف ونحو ذلك ووجه ثالث وهو أن تكون الآية تأخر نزولها ، فنزلت بالمدينة ناسخة للاستغفار للمشركين فيكون سبب نزولها متقدما ، ونزولها متأخرا لا سيما ، وهي في سورة براءة وبراءة من آخر ما نزل فتكون على هذا ناسخة للاستغفارين جميعا ، وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ، فقال يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال له أبو جهل وابن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب ، فقال أنا على ملة عبد المطلب وظاهر الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافا في عبد المطلب ، وأنه قد قال فيه مات مسلما لما رأى من الدلائل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد فالله أعلم غير أن في مسند البزار ، وفي كتاب النسوي من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة وقد عزت قوما من الأنصار عن ميتهم لعلك بلغت معهم الكدى ، ويروى الكرى بالراء يعني : القبور فقالت لا ، فقال لو كنت معهم الكدى أو كما قال ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك وقد أخرجه أبو داود ، ولم يذكر فيه حتى يدخلها جد أبيك ، وكذلك لم يذكر فيه ما دخلت الجنة وفي قوله جد أبيك ، ولم يقل جدك يعني : أباه توطئة للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره أن الله أحيا أمه وأباه وآمنا به فالله أعلم ويحتمل أن يكون أراد تخويفها بقوله حتى يدخلها جد أبيك فتتوهم أنه الجد الكافر ومن جدوده عليه السلام إسماعيل وإبراهيم لأن قوله عليه السلام حق ، وبلوغها معهم الكدى لا يوجب خلودا في النار فهذا من لطيف الكناية فافهمه وحكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش ، فأوصاهم فقال يا معشر قريش ، أنتم صفوة الله من [ ص 227 ] العرب ، فيكم السيد المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ولا شرفا إلا أدركتموه فلكم بذلكم على الناس الفضيلة ولهم به إليكم الوسيلة والناس لكم حزب وعلى حربكم ألب وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة صلوا أرحامكم ولا تقطعوها ، فإن في صلة الرحم منسأة في الأجل وسعة في العدد واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكة القرون قبلكم أجيبوا الداعي وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات عليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام وإني أوصيكم بمحمد خيرا ، فإنه الأمين في قريش ، والصديق في العرب ، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب ، وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا ، وضعفاؤها أربابا ، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده قد محضته العرب ودادها ، وأصفت له فؤادها ، وأعطته قيادها ، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهي ثم هلك .

(2/223)


ما نزل فيمن طلبوا العهد على الرسول عند أبي طالب
[ ص 227 ] قال وأنزل الله تعالى في الرهط الذين كانوا اجتمعوا إليه وقال لهم ما قال وردوا عليه ما ردوا : { ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق } [ ص : 1 ، 2 ] . . إلى قوله تعالى : [ ص 228 ] { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة } يعنون النصارى ، لقولهم { إن الله ثالث ثلاثة } - { إن هذا إلا اختلاق } [ ص : 7 ] ثم هلك أبو طالب -Sتفسير المشي في سورة ص
فصل وذكر ما أنزل الله تعالى في قولهم { أن امشوا واصبروا على آلهتكم } وذكر بعض أهل التفسير أن قولهم امشوا من المشاء لا من المشي والمشاء نماء المال وزيادته [ ص 228 ] يقال مشى الرجل وأمشى : إذا نما ماله قال الشاعر
وكل فتى وإن أمشى وأثرى
ستخلجه عن الدنيا منون
وقال الراجز
والشاة لا تمشي على الهملع
أي لا تكثر والهملع الذئب وقاله الخطابي في معنى الآية كأنهم أرادوا أن المشاء والبركة في صبرهم على آلهتهم وحملها على المشي أظهر في اللغة والله أعلم .
تتابع المصائب بموت خديجة
وذكر تتابع المصائب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموت خديجة ثم بموت عمه وذكر الزبير في حديث أسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة وهي في الموت فقال تكرهين ما أرى منك يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيرا شعرت أن الله قد أعلمني أنه سيزوجني معك في الجنة مريم ابنة عمران وكلثوم أخت موسى ، وآسية امرأة فرعون ، فقالت الله أعلمك بهذا يا رسول الله ؟ فقال نعم فقالت بالرفاء والبنين وذكر أيضا في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطعم خديجة من عنب الجنة

(2/227)


الرسول يسعى إلى الطائف
[ ص 229 ] قال ابن إسحاق : ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، يلتمس النصرة من ثقيف ، والمنعة بهم من قومه ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل فخرج إليهم وحده .
موقف ثقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، عمد إلى نفر من ثقيف ، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة عبد ياليل بن عمرو بن عمير ، ومسعود بن عمرو بن عمير ، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف ، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه [ ص 230 ] فقال له أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ؛ وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا . لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه قال ابن هشام : قال عبيد بن الأبرص :
ولقد أتاني عن تميم أنهم
ذئروا لقتلى عامر وتعصبوا
فلم يفعلوا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه . وابنا ربيعة ينظران [ ص 231 ] ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح فقال لها : ماذا لقينا من أحمائك ؟Sخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف
[ ص 229 ] بالطائف وأن الدمون رجل من الصدف من حضرموت نزلها ، فقال لأهلها : ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدتكم فبناه فسميت الطائف ، وقيل غير ذلك مما سنذكره . [ ص 230 ] ابن هشام ، وأنشد
ذئروا لقتلى عامر وتعصبوا
وفي الحديث لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب النساء قال ذئر النساء على أزواجهن وفسره أبو عبيد بالنشوز على الأزواج وأنشد البيت الذي أنشده ابن هشام ، ومعنى كلامهما واحد . وذكر ما لقي من أشراف ثقيف ، وذكر موسى بن عقبة زيادة في الحديث حين أغروا به سفهاءهم قال وكان يمشي بين سماطين منهم فكلما نقلوا قدما ، رجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء وذكر التيمي كما ذكر ابن عقبة وزاد قال كان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه فإذا مشى رجموه وهم يضحكون حتى انتهى إلى الموضع الذي ذكره ابن إسحاق من حائط عتبة وشيبة . قال ابن إسحاق : فجلس إلى ظل حبلة والحبلة الكرمة اشتق اسمها من الحبل لأنها تحمل بالعنب ولذلك فتح حمل الشجرة والنخلة فقيل حمل بفتح الحاء تشبيها بحمل المرأة وقد يقال فيه حمل بالكسر تشبيها بالحمل الذي على الظهر ومن قال في الكرمة حبلة بسكون الباء فليس بالمعروف وقد قال أبو الحسن بن كيسان في " نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة إنه بيع العنب قبل أن يطيب كما جاء في الحديث [ ص 231 ] أحد في تأويل الحديث وقد قال عمر بن الخطاب في الأرضين التي افتتحت في زمانه - وقد قيل له قسمها على الذين افتتحوها - فقال والله لأدعنها حتى يجاهد بها حبل الحبلة يريد أولادها في البطون . ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال والقول الذي ذكره أبو الحسن في حبل الحبلة وقع في كتاب الألفاظ ليعقوب وإنما أشكل عليه وعلى غيره دخول الهاء في الحبلة حتى قالوا فيه أقوالا كلها هباء فمنهم من قال إنما قال الحبلة لأنها بهيمة أو جنينة ومنهم من قال دخلت للجماعة ومنهم من قال للمبالغة وهذا كله ينعكس عليهم بقوله حبل الحبلة فإنه لم تدخل التاء إلا في أحد اللفظين دون الثاني ، وتبطل أيضا على من قال أراد معنى البهيمة بحديث عمر المتقدم وإنما النكتة في ذلك أن الحبل ما دام حبلا لا يدرى : أذكر هو أم أنثى ، لم يسم حبلا ، فإذا كانت أنثى ، وبلغت حد الحمل فحبلت فذاك الحبل هو الذي نهى عن بيعه والأول قد علمت أنوثته بعد الولادة فعبر عنه بالحبلة وصار معنى الكلام أنه نهى عن بيع حبل الجنينة التي كانت حبلا لا يعرف ما هي ثم عرف بعد الوضع وكذلك في الآدميين فإذا لا يقال لها : حبلة إلا بعد المعرفة بأنها أنثى ، وعند ذكر الحبل الثاني لأن هذه الأنثى قبل أن تحبل وهي صغيرة رخلى ، وتسمى أيضا حائلا وأشباه ذلك وقد زال عنها اسم الحبل فإذا حبلت وذكر حبلها وازدوج ذكره مع الحالة الأولى التي كانت فيها حبلا فرق بين اللفظين بتاء التأنيث وخص اللفظ الذي هو عبارة عن الأنثى بالتاء دون اللفظ الذي لا يدرى ما هو أذكر أم أنثى ، وقد كان المعنى قريبا والمأخذ سهلا لا يحتاج إلى هذه الإطالة لولا ما قدمناه من تخليطهم في تأويل هذا الكلام الفصيح البليغ الذي لا يقدر قدره في البلاغة إلا عالم بجوهر الكلام .

(2/228)


[ ص 232 ] صلى الله عليه وسلم قال فيما ذكر لي : [ ص 233 ] اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك . [ ص 234 ] قال فلما رآه ابنا ربيعة ، عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا ، يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه . ففعل عداس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال له كل فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال باسم الله ثم أكل فنظر عداس في وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس ، وما دينك ؟ قال نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبي ، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه [ ص 235 ] قال يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك . فلما جاءهما عداس ، قالا له ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا ، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي ، قالا له ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه .Sنور الله ووجهه
[ ص 232 ] وذكر دعاءه - عليه السلام - عند الشدة وقوله اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي إلى آخر الدعاء وفيه أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ويسأل عن النور هنا ، ومعنى الوجه وإشراق الظلمات أما الوجه إذا جاء ذكره في الكتاب والسنة فهو ينقسم في الذكر إلى موطنين موطن تقرب واسترضاء بعمل كقوله تعالى : { يريدون وجهه } وكقوله { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } فالمطلوب في هذا الموطن رضاه وقبوله للعمل وإقباله على العبد العامل وأصله أن من رضي عنك ، أقبل عليك ، ومن غضب عليك أعرض عنك ، ولم يرك وجهه فأفاد قوله بوجهك هاهنا معنى الرضى والقبول والإقبال وليس بصلة في الكلام كما قال أبو عبيدة لأن قوله ذلك هراء من القول ومعنى الصلة عنده أنها كلمة لا تفيد إلا تأكيدا للكلام وهذا قول من غلظ طبعه وبعد بالعجمة عن فهم البلاغة قلبه وكذلك قال هو ومن قلده في قوله تعالى : { ويبقى وجه ربك } [ الرحمن 27 ] أي يبقى ربك ، وكل شيء هالك إلا وجهه أي إلا إياه فعلى هذا قد خلا ذكر الوجه من حكمة وكيف تخلو كلمة منه من الحكمة وهو الكتاب الحكيم ولكن هذا هو الموطن الثاني من مواطن ذكر الوجه والمعنى به ما ظهر إلى القلوب والبصائر من أوصاف جلاله ومجده والوجه لغة ما ظهر من [ ص 233 ] كان أو محسوسا ، تقول هذا وجه المسألة ووجه الحديث أي الظاهر إلى رأيك منه وكذلك الثوب ما ظهر إلى بصرك منه والبصائر لا تحيط بأوصاف جلاله وما يظهر لها من ذلك أقل مما يغيب عنها ، وهو الظاهر والباطن - تعالى وجل - وكذلك في الجنة نظر أهلها إلى وجهه سبحانه إنما هو نظر إلى ما يرون من ظاهر جلاله إليهم عند تجليه ورفع الحجاب دونهم وما لا يدركون من ذلك الجلال أكثر مما أدركوا . وقوله سبحانه { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } [ الرحمن 26 ، 27 ] لما كانت السموات والأرض قد أظهرت من قدرته وسلطانه ما أظهرت أخبر تعالى أن فناءها لا يغير ما علم من سلطانه وظهر إلى البصائر من جلاله فقد كان ذلك الجلال قبل أن يخلقها ، وهو باق بعد فنائها كما كان في القدم فهو ذو الجلال والإكرام قال الحسن معناه تجلل بالبهاء وأكرم من شاء بالنظر إلى وجهه أما الأشعري فذهب في معنى الوجه إلى ما ذهب فيه من معنى العين واليد وأنها صفات لله تعالى لم تعلم من جهة العقول ولا من جهة الشرع المنقول وهذه عجمة أيضا فإنه نزل بلسان عربي مبين فقد فهمته العرب لما نزل بلسانها ، وليس في لغتها أن الوجه صفة ولا إشكال على المؤمن منهم ولا على الكافر في معنى هذه الآي التي احتيج آخر الزمان إلى الكلام فيه مع العجمان لأن المؤمن لم يخش على عقيدته شكا ولا تشبيها ، فلم يستفسر أحد منهم رسول الله عليه السلام ولا سأله عن هذه الآية التي هي اليوم مشكلة عند عوام الناس ولا الكافر في ذلك الزمان لم يتعلق بها في معرض المناقضة والمجادلة كما فعلوا في قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } [ الأنبياء 98 ] ولا قال أحد منهم يزعم محمد أن الله ما يشبهه شيء من خلقه ثم يثبت له وجها ويدين إلى غير ذلك فدل على أنهم لم يروا في الآية إشكالا ، وتلقوا معانيها على غير التشبيه وعرفوا من سمانة الكلام وملاحة الاستعارة أنه معجز فلم يتعاطوا له معارضة ولا توهموا فيه مناقضة وقد أملينا في معنى اليدين والعين مسألة بديعة جدا ، فلتنظر هنالك . وأما النور فعبارة عن الظهور وانكشاف الحقائق الإلهية وبه أشرقت الظلمات أي أشرقت محالها وهي القلوب التي كانت فيها ظلمات الجهالة والشكوك فاستنارت القلوب [ ص 234 ] قال المفسرون في قوله تعالى : { مثل نوره } أي مثل نوره في قلب في المؤمن كمشكاة فهو إذا نور الإيمان والمعرفة المجلي لكل ظلمة وشك قال كعب المشكاة مثل لفهمه والمصباح مثل للسانه والزجاجة مثل لصدره أو لقلبه أي قلب محمد صلى الله عليه وسلم وقال أعوذ بنور وجهك ولو قال بنورك لحسن ولكن توسل إليه بما أودع قلبه من نوره فتوسل إلى نعمته بنعمته وإلى فضله ورحمته بفضله ورحمته وقد تكون الظلمات هاهنا أيضا الظلمات المحسوسة وإشراقها جلالتها على خالقها ، وكذلك الأنوار المحسوسة الكل دال عليه فهو نور النور أي مظهره منور الظلمات أي جاعلها نورا في حكم الدلالة عليه سبحانه وتعالى .
خبر عداس
فصل وذكر خبر عداس غلام عتبة وشيبة ابني ربيعة حين جاء بالقطف من عندهما إلى آخر القصة وفيه قبول هدية المشرك وأن لا يتورع عن طعامه وسيأتي استقصاء ذلك إن شاء الله تعالى ، وزاد التيمي فيها أن عداسا حين سمعه يذكر يونس بن متى قال والله لقد خرجت منها يعني : نينوى ، وما فيها عشرة يعرفون ما متى ، فمن أين عرفت أنت متى ، وأنت أمي ، وفي أمة أمية ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أخي ، كان نبيا ، وأنا نبي وذكروا أيضا أن عداسا لما أراد سيداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما فقال لهما : أقتال ذلك الرجل الذي رأيته بحائطكما تريدان والله ما تقوم له الجبال فقالا له ويحك يا عداس : قد [ ص 235 ] سحرك بلسانه وعندما لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل الطائف ، ما لقي ودعا بالدعاء المتقدم نزل عليه جبريل ومعه ملك الجبال كما روى البخاري عن عبد الله بن يوسف ، عن يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي عليه السلام هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من أحد ؟ فقال لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت على وجهي ، وأنا مهموم فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي فقال يا محمد ذلك لك ، إن شئت أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا . هكذا قال في الحديث ابن عبد كلال وهو خلاف ما نسبه ابن إسحاق .

(2/231)


أمر جن نصيبين
قال ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ، حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الجن الذين [ ص 236 ] ذكرهم الله تبارك وتعالى ، وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا . فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } إلى قوله تعالى : { ويجركم من عذاب أليم } وقال تبارك وتعالى : { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة .Sجن نصيبين
فصل وذكر حديث وفد جن نصيبين وما أنزل الله فيهم وقد أملينا أول المبعثين من هذا الكتاب طرفا من أخبارهم وبينا هنالك أسماءهم ونصيبين مدينة بالشام أثنى عليها رسول [ ص 236 ] صلى الله عليه وسلم . روي أنه قال رفعت إلي نصيبين حتى رأيتها فدعوت الله أن يعذب نهرها ، وينضر شجرها ، ويطيب ثمرها أو قال ويكثر ثمرها وتقدم في أسمائهم ما ذكره ابن دريد . قال هم منشي وماشي وشاصر وماصر والأحقب ، ولم يزد على تسمية هؤلاء وقد ذكرنا تمام أسمائهم فيما تقدم وفي الصحيح أن الذي أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجن ليلة الجن شجرة وأنهم سألوه الزاد فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدهم . أوفر ما يكون لحما ، وكل بعر علف لدوابهم . زاد ابن سلام في تفسيره أن البعر يعود خضرا لدوابهم ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بالعظم والروث وقال إنه زاد إخوانكم من الجن ولفظ الحديث في كتاب مسلم كما قدمناه كل عظم ذكر اسم الله عليه ولفظه في كتاب أبي داود كل عظم لم يذكر اسم الله عليه وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبي داود وقال بعض العلماء رواية مسلم في الجن المؤمنين والرواية الأخرى في حق الشياطين منهم وهذا قول صحيح تعضده الأحاديث إلا أنا نكره الإطالة وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا يأكل ولا يشرب وتأولوا قوله - عليه السلام إن الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله على غير ظاهره وهم ثلاثة أصناف كما جاء في حديث آخر صنف على صور الحيات وصنف على صور الكلاب سود وصنف ريح طيارة أو قال هفافة ذوو أجنحة وزاد بعض الرواة في الحديث وصنف يخلون ويظعنون وهم السعالي ، ولعل هذا الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صح القول المتقدم والله أعلم . وروينا في حديث سمعته يقرأ على الشيخ الحافظ أبي بكر بن العربي بسنده إلى جابر بن عبد الله ، قال بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نمشي إذ جاءت حية فقامت إلى جنبه وأدنت فاها من أذنه وكانت تناجيه أو نحو هذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم فانصرفت قال جابر فسألته ، فأخبرني أنه رجل من الجن ، وأنه قال له مر أمتك لا يستنجوا بالروث ولا بالرمة فإن الله جعل لنا في ذلك رزقا

(2/235)


عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
قال ابن إسحاق : [ ص 237 ] ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به . قال ابن إسحاق : فحدثني من أصحابنا ، من لا أتهم عن زيد بن أسلم عن ربيعة بن عباد الديلي أو من حدثه أبو الزناد عنه - قال ابن هشام : ربيعة بن عباد . قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، قال سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي ، قال إني لغلام شاب مع أبي بمنى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب ، فيقول يا بني فلان إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن [ ص 238 ] قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه . قال فقلت لأبي : يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب ، أبو لهب . قال ابن هشام : قال النابغة
كأنك من جمال بني أقيش
يقعقع خلف رجليه بشن
قال ابن إسحاق : حدثنا ابن شهاب الزهري : أنه أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه .S[ ص 237 ] فصل وذكر عرضه نفسه - صلى الله عليه وسلم - على القبائل ليؤمنوا به ولينصروه قبيلة قبيلة فذكر بني حنيفة واسم حنيفة أثال بن لجيم ولجيم تصغير اللجم وهي دويبة قال قطرب وأنشد
لها ذنب مثل ذيل العرو
س إلى سبة مثل جحر اللجم
ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وسمي حنيفة لحنف كان في رجليه وقيل بل حنيفة أمهم وهي بنت كاهل بن أسد عرفوا بها ، وهم أهل اليمامة ، وأصحاب مسيلمة الكذاب ، وقد أملينا في أول الكتاب سبب نزولهم اليمامة وأول من نزلها منهم . وذكر بيحرة بن فراس العامري وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفنهدف نحورنا ، للعرب دونك . نهدف أي نجعلها هدفا لسهامهم والهدف الغرض . وذكر قول الشيخ هل لها من تلاف أي تدارك وهو تفاعل من تلافيتهم وهل لذناباها من مطلب مثل ضرب لما فاته منها ، وأصله من ذنابي الطائر إذا أفلت من الحبالة فطلبت الأخذ بذناباه وقال ما تقولها إسماعيلي قط أي ما ادعى النبوة كاذبا أحد من بني إسماعيل .

(2/236)


العرض على بني كلب
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم يا بني عبد الله إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم [ ص 239 ]
العرض على بني حنيفة
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم .
العرض على بني عامر
قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم - يقال له بيحرة بن فراس . قال ابن هشام : فراس بن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش ، لأكلت به العرب ، ثم قال أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه [ ص 240 ] فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن ، حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا : جاءنا فتى من قريش ، ثم أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي ، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا . قال فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط ، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم [ ص 241 ]
عرض على العرب في المواسم
قال ابن إسحاق : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده .Sعرض نفسه على كندة
[ ص 238 ] وذكر عرضه نفسه على كندة ، وهم بنو ثور بن مرة بن أدد بن زيد بن ميسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ على أحد الأقوال بين النسابين في كندة ، وسمي كندة لأنه كند أباه أي عقه وسمى ابنه مرتعا لأنه كان يجعل لمن أتاه من قومه مرتعا ، فهم بنو مرتع بن ثور وقد قيل إن ثورا هو مرتع وكندة أبوه .
في هذا الكتاب تتمة لفائدته
فصل وذكر غير ابن إسحاق ما لم يذكر ابن إسحاق مما رأيت إملاء بعضه في هذا الكتاب تتمة لفائدته . ذكر قاسم بن ثابت والخطابي عرضه نفسه على بني ذهل بن ثعلبة ثم [ ص 239 ] بني شيبان بن ثعلبة فذكر الخطابي وقاسم جميعا ما كان من كلام أبي بكر مع دغفل بن حنظلة الذهلي زاد قاسم تكملة الحديث فرأينا أن نذكر زيادة قاسم فإنها مما تليق بهذا الكتاب قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار فتقدم أبو بكر فسلم قال علي : وكان أبو بكر مقدما في كل خير فقال ممن القوم فقالوا : من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بأبي أنت وأمي ، هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة ، ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا وكانت له غديرتان تسقطان على تريبتيه وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر فقال أبو بكر كيف العدد فيكم ؟ قال له مفروق إنا لنزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة فقال أبو بكر كيف المنعة فيكم ؟ فقال مفروق علينا الجهد ولكل قوم جد ، فقال أبو بكر كيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق إنا لأشد ما نكون غضبا لحين نلقى ، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا ، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر أوقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا ، فقال مفروق قد بلغنا أنه [ ص 240 ] أخا قريش ؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وإلى أن تؤووني ، وتنصروني ، فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد فقال مفروق وإلى م تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } [ الأنعام 151 ] فقال مفروق وإلى م تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم - { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } [ النحل 90 ] فقال مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والله لقد أفك قوم كذبوك ، وظاهروا عليك ، وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة ، فقال وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا ، وصاحب ديننا ، فقال هانئ قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى ، فقال وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا ، فقال المثنى : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ، واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإنا إنما نزلنا بين صريان اليمامة والسماوة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هذان الصريان ؟ فقال أنهار كسرى ، ومياه العرب ، فأما ما كان من أنهار كسرى ، فذنب صاحبيه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب ، فذنبه مغفور وعذره مقبول وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا ، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب ، فعلنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق [ ص 241 ] دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان بن شريك اللهم لك ذا ، فتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } [ الأحزاب : 46 ] ثم نهض النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي فقال يا أبا بكر يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم قال ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج ، فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا صدقاء صبراء وروى في حديث مسند إلى طارق قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين رأيته بسوق ذي المجاز يعرض نفسه على القبائل يقول يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا وخلفه رجل له غديرتان يرجمه بالحجارة حتى أدمى كعبيه يقول يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب فسألت عنه فقيل هو غلام عبد المطلب ، قلت : ومن الرجل يرجمه ؟ فقيل لي : هو عمه عبد العزى أبو لهب وذكر الحديث بطوله . خرجه الدارقطني ، ووقع أيضا في السيرة من رواية يونس .

(2/237)


حديث سويد بن صامت
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، ثم الظفري عن أشياخ من قومه قالوا : قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا ، [ ص 242 ] وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه وهو الذي يقول
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى
مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشهد ما كان شاهدا
وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه
نميمة غش تبتري عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتم
من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد بريتني
وخير الموالي من يريش ولا يبري
وهو الذي يقول ونافر رجلا من بني سليم ثم أحد بني زعب بن مالك مائة ناقة إلى كاهنة من كهان العرب ، فقضت له . فانصرف عنها هو والسلمي ليس معهما غيرهما ، فلما فرقت بينهما الطريق قال ما لي ، يا أخا بني سليم قال أبعث إليك به قال فمن لي بذلك إذا فتني به ؟ قال أنا ، قال كلا ، والذي نفس سويد بيده لا تفارقني حتى أوتى [ ص 243 ] بمال فاتخذا فضرب به الأرض ثم أوثقه رباطا ثم انطلق به إلى دار بني عمرو بن عوف فلم يزل عنده حتى بعثت إليه سليم بالذي له فقال في ذلك
ل ا تحسبني يا بن زعب بن مالك
كمن كنت تردي بالغيوب وتختل
تحولت قرنا إذ صرعت بعزة
كذلك إن الحازم المتحول
ضربت به إبط الشمال فلم يزل
على كل حال خده هو أسفل
في أشعار كثيرة كان يقولها : فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به فدعاه إلى الله وإلى الإسلام فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم وما الذي معك " ؟ قال مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرضها علي فعرضها عليه فقال له إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا ، قرآن أنزله الله تعالى علي هو هدى ونور . فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال إن هذا لقول حسن . ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتلته الخزرج ، فإن كان رجال من قومه ليقولون إنا لنراه قد قتل وهو مسلم . وكان قتله قبل يوم بعاث حديث سويد بن صامتSفصل ذكر حديث سويد بن صامت وشعره .
[ ص 242 ] وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يعني السيف ومأثور من الأثر وهو فرند السيف ويقال فيه أثر وإثر . قال الشاعر
جلاها الصيعلون فأخلصوها
خفاقا كلها يتقي بأثر
أراد يتقي ، وسويد : هو الكامل وهو ابن الصلت بن حوط بن حبيب بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس وأمه ليلى بنت عمرو النجارية أخت سلمى بنت عمرو [ بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار [ تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ] أم عبد المطلب بن هاشم ، فسويد هذا ابن خالة عبد المطلب ، وبنت سويد هي أم عاتكة أخت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب ، فهو جدها لأمها واسم أمها : زينب وقيل جليسة بنت سويد ، هكذا ذكره الزبير بن أبي بكر .
ذكر مجلة لقمان
[ ص 243 ] وذكر مجلة لقمان وهي الصحيفة وكأنها مفعلة من الجلال والجلالة أما الجلالة فمن صفة المخلوق والجلال من صفة الله تعالى ، وقد أجاز بعضهم أن يقال في المخلوق جلال وجلالة وأنشد
فلا ذا جلال هبنه لجلالة
ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر
ولقمان كان نوبيا من أهل أيلة وهو لقمان بن عنقاء بن سرور فيما ذكروا وابنه الذي ذكر في القرآن هو ثأران فيما ذكر الزجاج وغيره وقد قيل في اسمه غير ذلك وليس بلقمان بن عاد الحميري .

(2/241)


إسلام إياس بن معاذ وقصة أبي الحيسر
قال ابن إسحاق : [ ص 244 ] وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد ، قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع ، مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم " هل لكم في خير مما جئتم له " ؟ فقالوا له وما ذاك ؟ قال أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل علي الكتاب . قال ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن . قال فقال إياس بن معاذ ، وكان غلاما حدثا : أي قوم هذا والله خير مما جئتم له . قال فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع ، حفنة من تراب البطحاء ، فضرب بها وجه إياس بن معاذ ، وقال دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا . قال فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج . قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك . قال محمود بن لبيد : فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما ، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع .Sذكر قدوم أبي الحيسر
[ ص 244 ] وذكر قدوم أبي الحيسر أنس بن رافع يطلب الحلف وذلك بسبب الحرب التي كانت بين الأوس والخزرج ، وهي حرب بعاث المذكورة ولهم فيها أيام مشهورة هلك فيها كثير من صناديدهم وأشرافهم وبعاث اسم أرض بها عرفت .

(2/243)


الرسول مع نفر من الخزرج عند العقبة
[ ص 245 ] قال ابن إسحاق : فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار ، فعرض نفسه على قبائل العرب ، كما كان صنع في كل موسم . فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا [ ص 246 ] قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أشياخ من قومه قالوا : لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم قال أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى . فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن . وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد عزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه . فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فروي أن يجمعهم الله بك ، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك [ ص 247 ]
أسماء الخزرجيين الذين التقوا بالرسول عند العقبة
قال ابن إسحاق : وهم - فيما ذكر لي : ستة نفر من الخزرج ، منهم من بني النجار - وهو تيم الله - ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن عمرو بن عامر : أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء . قال ابن هشام : وعفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار . قال ابن إسحاق : ومن بني زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج : رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق . قال ابن هشام : ويقال عامر بن الأزرق . قال ابن إسحاق : ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ، ثم من بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد . قال ابن هشام : عمرو بن سواد ، وليس لسواد ابن يقال له غنم . قال ابن إسحاق : ومن بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام . ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد . فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم -Sبدء إسلام الأنصار
[ ص 245 ] الأنصار اسما لهم في الجاهلية حتى سماهم الله به في الإسلام وهم بنو الأوس والخزرج ، والخزرج : الريح الباردة وقال بعضهم وهي الجنوب خاصة ودخول الألف واللام في الأوس على حد دخولها في التيم جمع : تيمي وهو من باب رومي وروم لأن الأوس هي العطية أو العوض ومثل هذا إذا كان علما لا يدخله الألف واللام ألا ترى أن كل أوس في العرب غير هذا ، فإنه بغير ألف ولام كأوس بن حارثة الطائي وغيره وكذلك أوس وأويس الذئب قال الراجز
يا ليت شعري عنه والأمر عمم
ما فعل اليوم أويس بالغنم
وأبوهم حارثة بن ثعلبة [ بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزدي ] ، وهو أيضا : والد خزاعة على أحد القولين وأمهم قيلة بنت كاهل بن عذرة قضاعية ويقال هي بنت جفنة واسمه علبة بن عمرو بن عامر ، وقيل بنت سيع بن الهون بن خزيمة بن مدركة قاله الزبير بن أبي بكر في كتاب أخبار المدينة . [ ص 246 ] والأنصار : جمع ناصر على غير قياس في جمع فاعل ولكن على تقدير حذف الألف من ناصر لأنها زائدة فالاسم على تقدير حذفها : ثلاثي والثلاثي يجمع على أفعال وقد قالوا في نحوه صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد . وذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للنفر من الأنصار : أمن موالي يهود أنتم " ؟ أي من حلفائهم والمولى يجمع الحليف وابن العم والمعتق والمعتق لأنه مفعل من الولاية وجاء على وزن مفعل لأنه مفزع وملجأ لوليه فجاء على وزن ما هو في معناه . وذكر النفر القادمين في العام الثاني الذين بايعوه بيعة النساء وقد ذكر الله تعالى بيعة النساء في القرآن فقال { يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا } [ الممتحنة 12 ] الآية فأراد ببيعة النساء أنهم لم يبايعوه على القتال وكانت مبايعته للنساء أن يأخذ عليهن العهد والميثاق فإذا أقررن بألسنتهن قال قد بايعتكن وما مست يده يد امرأة في مبايعة كذلك قالت عائشة وقد روي أنهن كن يأخذن بيده في البيعة من فوق ثوب وهو قول عامر الشعبي ، ذكره عنه ابن سلام في تفسيره والأول أصح وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن المقري النقاش في صفة بيعة النساء وجها ثالثا أورد فيه آثارا ، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغمس يده في إناء وتغمس المرأة يدها فيه عند المبايعة فيكون ذلك عقدا للبيعة وليس هذا [ ص 247 ] ابن إسحاق أيضا قد ذكره في رواية عن يونس عن أبان بن أبي صالح وذكر أنساب الذين بايعوه وسنعيده في بيعة العقبة وغزاة بدر وهناك يقع التنبيه على ما يحتاج إليه بعون الله .

(2/244)


بيعة العقبة الأولى
[ ص 248 ] كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا ، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب . منهم من بني النجار ثم بني مالك بن النجار أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهما ابنا عفراء [ ص 249 ] بني زريق بن عامر رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق . قال ابن هشام : ذكوان ، مهاجري أنصاري . ومن بني عوف بن الخزرج ، ثم من بني غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج ، وهم القواقل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم ؛ وأبو عبد الرحمن وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة ، من بني غصينة من بلي ، حليف لهم . [ ص 250 ] قال ابن هشام : وإنما قيل لهم القواقل لأنهم كانوا إذا استجار بهم الرجل دفعوا له سهما ، وقالوا له قوقل به بيثرب حيث شئت . قال ابن هشام : القوقلة ضرب من المشي . وقال ابن إسحاق : ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن الخزرج ، ثم من بني العجلان بن زيد بن غنم بن سالم العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان . ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ، ثم من بني حرام بن كعب بن غنم بن سلمة عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام . ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد .
رجال العقبة من الأوس
وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بني عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس : أبو الهيثم بن التيهان ، واسمه مالك [ ص 251 ] قال ابن هشام : التيهان يخفف ويثقل كقوله ميث وميت .
رجال العقبة الأولى من بني عمرو
ومن بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس : عويم بن ساعدة .S[ ص 248 ] وذكر في أنساب المبايعين له في العقبة الأولى في بني سلمة منهم سادرة بن تزيد بن جشم وتزيد بتاء منقوطة باثنتين من فوق ولا يعرف في العرب تزيد إلا هذا ، وتزيد بن الحاف بن قضاعة ، وهم الذين تنسب إليهم الثياب التزيدية وأما سلمة بكسر اللام فهم من الأنصار سمي بالسلمة واحدة السلام وهي الحجارة قال الشاعر
ذاك خليلي وذو يعاتبني ... يرمي ورائي بالسهم والسلمة
وفي جعفي سلمة بن عمرو بن دهل بن مروان بن جعفي وفي جهينة سلمة بن نصر بن غطفان قاله ابن حبيب النسابة في الصحابة عمرو بن سلمة أبو بريدة الجرمي الذي أم قومه وهو ابن ست سنين أو سبع وفي الرواة عبد الله بن سلمة وينسب إلى بني سلمة هؤلاء سلمي بالفتح كما ينسب إلى بني سلمة وهم بطنان من بني عامر يقال لهم السلمات يقال لأحدهم سلمة الخير وللآخر سلمة الشر ابنا قصير بن كعب بن ربيعة بن عامر وأما بنو سليمة بياء ففي دوس ، وهم بنو سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس ، وسليمة هذا هو أخو جذيمة الأبرش وهو الذي قتل أخاه مالكا بسهم قتل خطأ ويقال في النسب إليه سلمي أيضا وهو القياس وقد قيل سليمي كما قيل في عميرة عميري . وذكر بني جدارة من بني النجار وجدارة وخدارة أخوان وغيره يقول في جدارة خدارة بالخاء المضمومة وهكذا قيده أبو عمرو ، كذلك ذكره ابن دريد في الاشتقاق وهو أشبه بالصواب لأنه أخو خدرة وكثيرا ما يجعلون أسماء الإخوة مشتقة بعضها من بعض . [ ص 249 ] وذكر القواقل وهم بنو عمرو بن غنم بن مالك وذكر تسميتهم القواقل وأن ذلك لقولهم إذا أجاروا أحدا : قوقل حيث شئت ، وفي الأنصار : القواقل والجعادر وهما بطنان من الأوس ، وسبب تسميتهما : واحد في المعنى ، أما الجعادر فكانوا إذا أجاروا أحدا أعطوه سهما ، وقالوا له جعدر حيث شئت ، كما كانت القواقل تفعل وهم بنو زيد بن عمرو بن مالك بن ضبيعة [ بن زيد ] يقال لهم كسر الذهب وهما جميعا من الأوس . قال الشاعر
فإن لنا بين الجواري وليدة ... مقابلة بين الجعادر والكسر
متى تدع في الزيدين زيد بن مالك ... وزيد بن عمرو تأتها عزة الخفر
وذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم ينسبه ولا نسبه في أهل العقبة الثانية ولا في غزوة بدر وهو مالك بن التيهان واسم التيهان أيضا مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعون بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري حليف بني عبد الأشهل كان أحد النقباء ليلة العقبة ، ثم شهد بدرا ، واختلف في وقت وفاته فأصح ما قيل فيه إنه شهد مع علي صفين وقتل فيها رحمه الله وأحسب ابن إسحاق وابن هشام تركا نسبه على جلالته في الأنصار وشهوده هذه المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاختلاف فيه فقد وجدت في شعر عبد الله بن رواحة حين أضاف أبو الهيثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منزله ومعه أبو بكر وعمر فذبح لهم عناقا وأتاهم بقنو من رطب الحديث بطوله فقال ابن رواحة في ذلك
فلم أر كالإسلام عزا لأهله ... ولا مثل أضياف لأراشي معشرا
[ ص 250 ] فجعل إرشيا كما ترى ، والإراشي منسوب إلى إراشة في خزاعة ، أو إلى إراش بن لحيان بن الغوث فالله أعلم أهو أنصاري بالحلف أم بالنسب المذكور قبل هذا ، ونقلته من قول أبي عمر في الاستيعاب وقد قيل إنه بلوي من بني إراشة بن فاران بن عمرو بن بلي ، والهيثم في اللغة فرخ [ النسر أو ] ، العقاب والهيثم أيضا ضرب من العشب فيما ذكر أبو حنيفة وبه سمي الرجل هيثما أو بالمعنى الأول وأنشد
رعت بقران الحزن روضا منورا ... عميما من الظلاع والهيثم الجعد

(2/247)


بيعة العقبة
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن ( أبي ) مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت ، قال كنت فيمن حضر العقبة الأولى ، وكنا اثني عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف . فإن وفيتم فلكم الجنة . وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر قال ابن إسحاق وذكر ابن شهاب الزهري ، عن عائذ الله بن عبد الله الخولاني أبي إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا ، فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفرSذكر بيعتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء ألا يسرقوا ، ولا يزنوا إلى آخر الآية وقيل في قوله عز وجل خبرا عن بيعة النساء { ولا يأتين ببهتان } أنه الولد تنسبه إلى بعلها ، وليس منه وقيل هو الاستمتاع بالمرأة فيما دون الوطء كالقبلة والجسة ونحوها ، والأول يشبه أن يبايع عليه الرجال وكذلك قيل في قوله تعالى : { ولا يعصينك في معروف } أنه [ ص 251 ] شأن الرجال فدل على ضعف قول من خصه بالنوح وخص البهتان بإلحاق الولد بالرجل وليس منه وقيل يفترينه بين أيديهن يعني : الكذب وعيب الناس بما ليس فيهم وأرجلهن يعني : المشي في معصية ولا يعصينك في معروف أي في خير تأمرهن به والمعروف اسم جامع لمكارم الأخلاق وما عرف حسنه ولم تنكره القلوب وهذا معنى يعم الرجال والنساء وذكر ابن إسحاق في رواية يونس فيما أخذه عليه السلام عليهن أن قال ولا تغششن أزواجكن قالت إحداهن وما غش أزواجنا فقال أن تأخذي من ماله فتحابي به غيره

(2/250)


مصعب بن عمير ووفد العقبة
[ ص 252 ] قال ابن إسحاق : فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معه مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين فكان يسمى المقرئ بالمدينة مصعبا وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة . قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أنه كان يصلي بهم وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض .Sهجرة مصعب بن عمير
[ ص 252 ] وذكر هجرة مصعب بن عمير وهو المقرئ وهو أول من سمي بهذا ، أعني المقرئ يكنى أبا عبد الله كان قبل إسلامه من أنعم قريش عيشا وأعطرهم وكانت أمه شديدة الكلف به وكان يبيت وقعب الحيس عند رأسه يستيقظ فيأكل فلما أسلم أصابه من الشدة ما غير لونه وأذهب لحمه ونهكت جسمه حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه وعليه فروة قد رفعها ، فيبكي لما كان يعرف من نعمته وحلفت أمه حين أسلم وهاجر ألا تأكل ولا تشرب ولا تستظل بظل حتى يرجع إليها ، فكانت تقف للشمس حتى تسقط مغشيا عليها ، وكان بنوها يحشون فاها بشجار وهو عود فيصبون فيه الحساء لئلا تموت وسنذكر اسمها ونسبها عند ذكره في البدريين إن شاء الله تعالى ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكره فيقول ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير ذكره الواقدي . وذكر أيضا بإسناد له قال كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالا وسنا وكان أبواه يحبانه وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال . وذكر أن منزله كان على أسعد بن زرارة منزل بفتح الزاي وكذلك كل ما وقع في هذا الباب من منزل فلان على فلان فهو بالفتح لأنه أراد المصدر ولم يرد المكان وكذا قيده الشيخ أبو بحر بفتح الزاي وأما أم قيس بنت محصن المذكورة في هجرة بني أسد ، [ ص 253 ] فاسمها آمنة وهي أخت عكاشة وهي التي ذكرت في الموطأ وأنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(2/251)


أول جمعة أقيمت بالمدينة
[ ص 253 ] قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه أبي أمامة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال كنت قائد أبي ، كعب بن مالك ، حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة . قال فمكث حينا على ذلك لا يسمع الأذان للجمعة إلا صلى عليه واستغفر له . قال فقلت في نفسي : والله إن هذا بي لعجز ألا أسأله ما له إذا سمع الأذان للجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة ؟ قال فخرجت به في يوم جمعة كما كنت أخرج فلما سمع الأذان للجمعة صلى عليه واستغفر له . قال فقلت له يا أبت [ ص 254 ] صليت على أبي أمامة ؟ قال أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت ، من حرة بني بياضة ، يقال له نقيع الخضمات ، قال قلت : وكم أنتم يومئذ ؟ قال أربعون رجلا [ ص 255 ] [ ص 256 ] [ ص 257 ]Sأول جمعة
فصل وذكر أول من جمع بالمدينة وهو أبو أمامة وذكر غيره أن أول من جمع بهم مصعب بن عمير ، لأنه أول من قدم المدينة من المهاجرين ثم قدم بعده ابن أم مكتوم ، وقد ذكرنا في أول الكتاب من جمع في الجاهلية بمكة فخطب وذكر وبشر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتباعه وهو كعب بن لؤي ويقال أنه أول من سمى العروبة الجمعة ومعنى العروبة الرحمة فيما بلغني عن بعض أهل العلم وكانت قريش تجتمع إليه فيها فيما حكى الزبير بن بكار ، فيخطبهم فيقول أما بعد فاعلموا وتعلموا إنما الأرض لله مهاد والجبال أوتاد والسماء بناء والنجوم سمل ثم يأمرهم بصلة الرحم ويبشرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقول حرمكم يا قوم عظموه فسيكون له نبأ عظيم ويخرج منه نبي كريم ثم يقول في شعر ذكره
على غفلة يأتي النبي محمد ... فيخبر أخبارا صدوق خبيرها
صروف رأيناها تقلب أهلها ... لها عقد ما يستحيل مريرها
ثم يقول
يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... إذا قريش تبغي الحق خذلانا
ظوأما أول من جمع في الإسلام فهو من ذكرنا .
نقيع الخضمات
[ ص 254 ] وذكر ابن إسحاق أنه جمع بهم أبو أمامة عند هزم النبيت في بقيع يقال له بقيع الخضمات . بقيع بالباء وجدته في نسخة الشيخ أبي بحر وكذلك وجدته في رواية يونس عن ابن إسحاق ، وذكره البكري في كتاب معجم ما استعجم من أسماء البقع أنه نقيع بالنون ذكره في باب النون والقاف وقال هزم النبيت : جبل على بريد من المدينة ، وفي غريب الحديث أنه عليه السلام حمى غرز النقيع قال الخطابي : النقيع : القاع والغرز شبه الثمام وسيأتي تفسيره فيما بعد إن شاء الله تعالى ، ومعنى الخضمات من الخضم وهو الأكل بالفم كله والقضم بأطراف الأسنان ويقال هو أكل اليابس والخضم أكل الرطب فكأنه جمع خضمة وهي الماشية التي تخضم فكأنه سمي بذاك لخضب كان فيه وأما البقيع بالباء فهو أقرب إلى المدينة منه بكثير وأما بقيع الخبجبة بخاء وجيم وباءين فجاء ذكره في سنن أبي داود : والخبجبة شجرة عرف بها .
الجمعة
فصل وتجميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة وتسميتهم إياها بهذا الاسم وكانت تسمى العروبة - كان عن هداية من الله تعالى لهم قبل أن يؤمروا بها ، ثم نزلت سورة الجمعة بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فاستقر فرضها واستمر حكمها ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في يوم الجمعة أضلته اليهود والنصارى ، وهداكم الله إليه . ذكر الكشي ، وهو عبد بن حميد قال نا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموا الجمعة قال الأنصار : لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه ونذكر الله ونصلي ونشكر أو كما قالوا ، فقالوا : يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوا يوم العروبة كانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين فذكرهم [ ص 255 ] فتغدوا وتعشوا من شاة وذلك لقلتهم فأنزل الله - عز وجل - في ذلك { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [ الجمعة 9 ] . قال المؤلف ومع توفيق الله لهم إليه فيبعد أن يكون فعلهم ذلك عن غير إذن من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم فقد روى الدارقطني عن عثمان بن أحمد بن السماك قال نا أحمد بن محمد بن غالب الباهلي ، قال نا محمد بن عبد الله أبو زيد المدني ، قال نا المغيرة بن عبد الرحمن ، قال حدثني مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ، قال أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بمكة ولا يبدي لهم فكتب إلى مصعب بن عمير : أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم فاجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين قال فأول من جمع : مصعب بن عمير ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فجمع عند الزوال من الظهر وأظهر ذلك ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أضلته اليهود والنصارى ، وهداكم الله إليه فيما ذكر أهل العلم أن اليهود أمروا بيوم من الأسبوع يعظمون الله فيه ويتفرغون لعبادته فاختاروا من قبل أنفسهم السبت فألزموه في شرعهم كذلك النصارى أمروا على لسان عيسى بيوم من الأسبوع فاختاروا من قبل أنفسهم الأحد فألزموه شرعا لهم . قال المؤلف وكان اليهود إنما اختاروا السبت لأنهم اعتقدوه اليوم السابع ثم زادوا لكفرهم أن الله استراح فيه تعالى الله عن قولهم لأن بدء الخلق عندهم الأحد وآخر الستة الأيام التي خلق الله فيها الخلق الجمعة وهو أيضا مذهب النصارى ، فاختاروا الأحد لأنه أول الأيام في زعمهم وقد شهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - للفريقين بإضلال اليوم وقال في صحيح مسلم : إن الله خلق التربة يوم السبت فبين أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلق السبت وآخر الأيام الستة إذا الخميس وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري ، وفي الأثر أن يوم الجمعة سمي الجمعة لأنه جمع فيه خلق آدم روي ذلك عن سلمان وغيره وقد قدمنا في حديث الكشي أن الأنصار سموه جمعة لاجتماعهم فيه فهداهم الله إلى [ ص 256 ] وموافقة الحكمة أن الله تعالى لما بدأ فيه خلق أبينا آدم وجعل فيه بدء هذا الجنس وهو البشر وجعل فيه أيضا فناءهم وانقضاءهم إذ فيه تقوم الساعة وجب أن يكون يوم ذكر وعبادة لأنه تذكرة بالمبدأ وتذكرة بالمعاد وانظر إلى قوله تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } [ الجمعة 9 ] وخص البيع لأنه يوم يذكر باليوم الذي لا بيع فيه ولا خلة مع أنه وتر للأيام التي قبله في الأصح من القول والله يحب الوتر لأنه من أسمائه فكان من هدى الله لهذه الأمة أن ألهموا إليه ثم أقروا عليه لما وافقوا الحكمة فيه فهم الآخرون السابقون يوم القيامة كما قال عليه السلام كما أن اليوم الذي اختاروه سابق لما اختارته اليهود والنصارى ، ومتقدم عليه ولذلك كان يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة السجدة في صبح يوم الجمعة رواه سعيد بن إبراهيم عن الأعرج عن أبي هريرة ورواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس كلاهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه عن سعيد بن جبير أيضا عروة بن عبد الرحمن ذكره البزار ، ورواه الترمذي في كتاب العلل له عن الأحوص ورواه أيضا عن أبي الأحوص وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من ذكر الستة الأيام واتباعها بذكر خلق آدم من طين وذلك في يوم الجمعة تنبيها منه عليه السلام على الحكمة وتذكرة للقلوب بهذه الموعظة . وأما قراءته { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } في الركعة الثانية فلما فيها من ذكر السعي وشكر الله لهم عليه يقول { وكان سعيكم مشكورا } مع ما في أولها من ذكر بدء خلق الإنسان وأنه لم يكن قبل شيئا مذكورا ، وقد قال في يوم الجمعة { فاسعوا إلى ذكر الله } فنبه بقراءته إياها على التأهب للسعي المشكور عليه والله أعلم ألا ترى أنه كان كثيرا ما يقرأ في صلاة الجمعة أيضا بهل أتاك حديث الغاشية وذلك أن فيها : { لسعيها راضية } كما في سورة الجمعة { فاسعوا إلى ذكر الله } فاستحب عليه السلام أن يقرأ في الثانية ما فيه رضاهم بسعيهم المأمور به في السورة الأولى .
لفظ الجمعة
ولفظ الجمعة مأخوذ من الاجتماع كما قدمنا وكان على وزن فعلة وفعلة لأنه في معنى قربة وقربة والعرب تأتي بلفظ الكلمة على وزن ما هو في معناها ، وقالوا : عمرة فاشتقوا اسمها من عمارة المسجد الحرام ، وبنوه على فعلة لأنها وصلة وقربة إلى الله ولهذا الأصل فروع في كلام العرب ، ونظائر لهذين الاسمين يفيتنا تتبعه عما نحن بسبيله وفيما قدمناه ما هو أكثر من لمحة دالة وقالوا في الجمعة جمع بتشديد الميم كما قالوا عيد إذا شهد العيد [ ص 257 ] يقال في غير الجمعة إلا جمع بالتخفيف وفي البخاري : أول من عرف بالبصرة ابن عباس ، والتعريف إنما هو بعرفات فكيف بالبصرة ولكن معناه أنه رضي الله عنه إذا صلى العصر يوم عرفة أخذ في الدعاء والذكر والضراعة إلى الله تعالى إلى غروب الشمس كما يفعل أهل عرفة .
أيام الأسبوع
وليس في تسميته هذه الأيام والاثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال إن أول الأسبوع الأحد وسابعها السبت كما قال أهل الكتاب لأنها تسمية طارئة وإنما كانت أسماؤها في اللغة القديمة شيار وأول وأهون وجبار ودبار ومؤنس والعروبة وأسماؤها بالسريانية قبل هذا أبو جاد هوز حطي إلى آخرها ، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد لقلنا : هي تسمية صادقة على المسمى بها ، ولكنه لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت وليسا من المشتقة من العدد ولم يسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم - بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيا للغة قومه لا مبتدئا لتسميتها ، ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعا لهم وإلا فقد قدمنا ما ورد في الصحيح من قوله عليه السلام إن الله خلق التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد الحديث والعجب من الطبري على تبحره في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث وأعنف في الرد على ابن إسحاق وغيره ومال إلى قول اليهود في أن الأحد هو الأول ويوم الجمعة سادس لا وتر وإنما الوتر في قولهم يوم السبت مع ما ثبت من قوله عليه السلام أضلته اليهود والنصارى ، وهداكم الله إليه وما احتج به الطبري من حديث آخر فليس في الصحة كالذي قدمناه وقد يمكن فيه التأويل أيضا ، فقف بقلبك على حكمة الله تعالى في تعبد الخلق به لما فيه من التذكرة بإنشاء هذا الجنس ومبدئه كما قدمنا ، ولما فيه أيضا من التذكرة بأحدية الله سبحانه وانفراده قبل الخلق بنفسه فإنك إذا كنت في الجمعة وتفكرت في كل جمعة قبله حتى يترقى وهمك إلى الجمعة التي خلق فيها أبوك آدم ثم فكرت في الأيام الستة التي قبل يوم الجمعة وجدت في كل يوم منها جنسا من المخلوقات موجودا إلى السبت ثم انقطع وهمك فلم تجد في الجمعة التي تلي ذلك السبت وجودا إلا للواحد الصمد الوتر فقد ذكرت الجمعة من تفكر بوحدانية الله وأوليته فوجب أن يؤكد في هذا اليوم توحيد القلب للرب بالذكر له كما قال تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } الجمعة . وأن يتأكد ذلك الذكر بالعمل وذلك بأن يكون العمل مشاكلا لمعنى التوحيد فيكون الاجتماع في مسجد واحد من المساجد وإلى إمام واحد من الأئمة [ ص 258 ] وبلقائه فيشاكل الفعل القول والقول المعتقد فتأمل هذه الأغراض بقلبك ، فإنها تذكرة بالحق وقد زدنا على ما شرطنا في أول الكتاب معاني لم تكن هنالك وعدنا بها ، ولكن الكلام يفتح بعضه باب بعض ويحدو المتكلم قصد البيان إلى الإطالة ولا بأس بالزيادة من الخير والله المستعان .

(2/253)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية