صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الروض الأنف
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]

إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم
[ ص 368 ] قال ابن إسحاق : وحدثني [ ص 369 ] عاصم بن عمر بن قتادة ، عن رجال من قومه قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام ، مع رحمة الله تعالى وهداه لما كنا نسمع من رجال يهود كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى ، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } [ البقرة 79 ] . قال ابن هشام : يستفتحون يستنصرون ويستفتحون أيضا : يتحاكمون وفي كتاب الله تعالى : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } [ الأعراف 89 ] . قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش - وكان سلمة من [ ص 370 ] أصحاب بدر - قال كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل - قال سلمة وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا ، علي بردة لي ، مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان أوترى هذا كائنا ، أن الناس يبعثن بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال نعم والذي يحلف به ويود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطيعونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدا ، فقالوا له ويحك يا فلان فما آية ذلك ؟ قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد - وأشار بيده إلى مكة واليمن - فقالوا : ومتى تراه ؟ قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا ، فقال إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه . قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو حي بين أظهرنا ، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا . قال فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال بلى . ولكن ليس به . قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال قال لي : هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد نفر من بني هدل إخوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا ساداتهم في الإسلام . قال قلت : لا ، قال فإن رجلا من يهود من أهل الشام ، يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبيل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا ، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس [ ص 371 ] أفضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له اخرج يا بن الهيبان فاستسق لنا ، فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة فنقول له كم ؟ فيقول صاعا من تمر أو مدين من شعير . قال فنخرجها ، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا ، فيستسقي الله لنا . فوالله ما يبرح مجلسه حتى تمر السحابة ونسقى ، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث . قال ثم حضرته الوفاة عندنا . فلما عرف أنه ميت قال يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال قلنا : إنك أعلم قال فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه فلا يمنعكم ذلك منه . فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية وكانوا شبابا أحداثا : يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان قالوا : ليس به [ ص 372 ] قالوا : بلى والله إنه لهو بصفته فنزلوا وأسلموا ، وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم . قال ابن إسحاق : فبهذا ما بلغنا عن أخبار يهود .Sحديث سلمة فصل وذكر ابن إسحاق حديث سلمة بن سلامة بن وقش ، وما سمع من اليهودي حين ذكر الجنة والنار وقال آية ذلك نبي : مبعوث قد أظل زمانه إلى آخر الحديث وليس فيه إشكال وابن وقش يقال فيه وقش بتحريك القاف وتسكينها ، والوقش الحركة . [ ص 370 ]
حديث ابن الهيبان وبنو سعية
فصل وذكر حديث ابن الهيبان وما بشر به من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن ذلك كان سبب إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن سعية ، وهم من بني هدل والهيبان من المسمين بالصفات يقال قطن هيبان أي منتفش وأنشد أبو حنيفة
تطير اللغام الهيبان كأنه ... جنى عشر تنفيه أشداقها الهدل
والهيبان أيضا : الجبان وقد قدمنا الاختلاف في هدل وأما أسيد بن سعية ، فقال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني عن ابن إسحاق ، وهو أحد [ ص 371 ] أسيد بن سعية بضم الألف وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق ، وهو قول الواقدي وغيره أسيد بفتحها قال الدارقطني : وهذا هو الصواب ولا يصح ما قاله إبراهيم عن ابن إسحاق ، وبنو سعية هؤلاء فيهم أنزل الله عز وجل { من أهل الكتاب أمة قائمة } [ آل عمران : 113 ] الآية وسعية أبوهم يقال له ابن العريض ، وهو بالسين المهملة والياء المنقوطة باثنين .
سعنة الحبر وإسلامه
وأما سعنة بالنون فزيد بن سعنة حبر من أحبار يهود كان قد داين النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءه يتقاضاه قبل الأجل فقال ألا تقضيني يا محمد فإنكم يا بني عبد المطلب مطل وما أردت إلا أن أعلم علمكم فارتعد عمر ودار كأنه في فلك وجعل يلحظ يمينا وشمالا ، وقال تقول هذا لرسول الله يا عدو الله ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التبعة قم فاقضه عني ، فوالله ما حل الأجل وزده عشرين صاعا بما روعته وفي حديث آخر أنه قال دعه فإن لصاحب الحق مقالا ويذكر أنه أسلم لما رأى من موافقة وصف النبي عليه السلام لما كان عنده في التوراة ، وكان يجده موصوفا بالحلم فلما رأى من حلمه ما رأى أسلم ، وتوفي غازيا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، ويقال في اسمه سعية بالياء كما في الأول ولم يذكره الدارقطني إلا بالنون .

(1/369)


حديث إسلام سلمان رضي الله عنه
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبد الله بن عباس ، قال حدثني سلمان الفارسي من فيه قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها : جي ، وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها ، لا يتركها تخبو ساعة . قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما ، فقال لي : يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها ، فاطلعها - وأمرني فيها ببعض ما يريد - ثم قال لي : ولا تحتبس عني ؛ فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي ، وشغلتني عن كل شيء من أمري . قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها ، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت : هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها ، ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام . فرجعت إلى أبي ، وقد بعث في طلبي ، وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بني أين كنت ؟ أولم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قال قلت له يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ، ودين آبائك خير منه قال قلت له كلا والله إنه لخير من ديننا . قال فخافني ، فجعل في رجلي قيدا ، ثم حبسني في بيته . [ ص 373 ] قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم . قال فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى ، فأخبروني بهم فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم قال فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت : من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا : الأسقف في الكنيسة . قال فجئته ، فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين فأحببت أن أكون معك ، وأخدمك في كنيستك ، فأتعلم منك ، وأصلي معك ، قال ادخل فدخلت معه . قال وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق . قال فأبغضته بغضا شديدا ، لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ، ليدفنوه فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها ، فإذا جئتموه بها ، اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا . قال فقالوا لي : وما علمك بذلك ؟ قال قلت لهم أنا أدلكم على كنزه قالوا : فدلنا عليه قال فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا ، قال فلما رأوها قالوا : والله لا ندفنه أبدا . قال فصلبوه ورجموه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه . قال يقول سلمان فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه كان أفضل منه وأزهد في الدنيا ، ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه . قال فأحببته حبا لم أحبه قبله مثله . قال فأقمت معه زمانا ، ثم حضرته الوفاة فقلت له يا فلان إني قد كنت معك ، وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك ، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به . [ ص 374 ] الموصل ، فقلت له يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك ، وأخبرني أنك على أمره قال فقال لي : أقم عندي ، فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك ، وأمرني باللحوق بك ، وقد حضرك من أمر الله ما ترى ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به . فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري ، وما أمرني به صاحباي فقال أقم عندي ، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه . فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم ، فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا . فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ، فأخبرته خبري ، فقال أقم عندي ، فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم . قال واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة . قال ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك ، فإلى من توصي به ؟ وبم تأمرني ؟ قال أي بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل ، به علامات لا تخفى ، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل . قال ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب ، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي [ ص 375 ] قالوا : نعم . فأعطيتهموها ، وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني ، فباعوني من رجل يهودي عبدا ، فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ، ولم يحق في نفسي ، فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة ، فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها ، فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة ، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل له في بعض العمل وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي . قال ابن هشام : قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، أم الأوس والخزرج . قال النعمان بن بشير الأنصاري يمدح الأوس والخزرج :
بها ليل من أولاد قيلة لم يجد ... عليهم خليط في مخالطة عتبا
مساميح أبطال يراحون للندى ... يرون عليهم فعل آبائهم نحبا
وهذان البيتان في قصيدة له قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبد الله بن عباس ، قال قال سلمان فلما سمعتها أخذتني العرواء قال ابن هشام : العرواء الرعدة من البرد والانتفاض فإن كان مع ذلك عرق فهي الرحضاء وكلاهما ممدود - حتى ظننت أني سأسقط على سيدي ، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟ فغضب سيدي ، فلكمني لكمة شديدة ثم قال ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك ، قال قلت : لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال . قال وقد كان عندي شيء قد جمعته ، فلما أمسيت أخذته ، ثم ذهبت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح [ ص 376 ] كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه كلوا ، وأمسك يده فلم يأكل . قال فقلت في نفسي : هذه واحدة . قال ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا ، وتحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، ثم جئته به فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة فهذه هدية أكرمتك بها . قال فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها ، وأمر أصحابه فأكلوا معه . قال فقلت في نفسي : هاتان ثنتان قال ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه علي شملتان لي ، وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ، فلما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استدبرته ، عرف أني أستثبت في شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فأكببت عليه أقبله وأبكي . فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول فتحولت فجلست بين يديه فقصصت عليه حديثي ، كما حدثتك يا بن عباس فأعجب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يسمع ذلك أصحابه . ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدر وأحد . [ ص 377 ] قال سلمان ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشر يعين الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اذهب يا سلمان ففقر لها ، فإذا فرغت فأتني ، أكن أنا أضعها بيدي . قال ففقرت ، وأعانني أصحابي ، حتى إذا فرغت جئته ، فأخبرته ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معي إليها ، فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده حتى فرغنا . فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة . قال فأديت النخل وبقي علي المال . فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المكاتب ؟ قال فدعيت له فقال خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان . قال قلت : وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ؟ فقال خذها ، فإن الله سيؤدي بها عنك . قال فأخذتها ، فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم منها ، وعتق سلمان . فشهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الخندق حرا ، ثم لم يفتني معه مشهد . قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت : وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله ؟ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال خذها فأوفهم منها . فأخذتها ، فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقيةS[ ص 372 ]
حديث سلمان
فصل
وذكر حديث سلمان بطوله وقال كنت من أهل أصبهان هكذا قيده البكري في كتاب المعجم بالكسر في الهمزة وإصبه بالعربية فرس وقيل هو العسكر فمعنى الكلمة موضع العسكر أو الخيل أو نحو هذا . وليس في حديث سلمان على طوله إشكال ووقع في الأصل في هذا الحديث فلما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استدبرته ، ورأيت في حاشية الشيخ أستدير به وكذلك وقع فيه أحييها له بالفقير وفي حاشية الشيخ الوجه التفقير . [ ص 373 ]
أسماء النخلة
والفقير للنخلة . يقال لها في الكرمة حيية وجمعها : حيايا ، وهي الحفيرة وإذا خرجت النخلة من النواة فهي عريسة ثم يقال لها : ودية ثم فسيلة ثم أشاءة فإذا فاتت اليد فهي جبارة وهي العضيد والكتيلة ويقال للتي لم تخرج من النواة لكنها اجتثت من جنب أمها : قلعة وجثيثة وهي الجثائث والهراء ويقال للنخلة الطويلة عوانة بلغة عمان ، وعيدانة بلغة غيرهم وهي فيعالة من عدن بالمكان واختلف فيها قول صاحب كتاب العين فجعلها تارة فيعالة من عدن ، ثم جعلها في باب المعتل العين فعلانة . [ ص 374 ] أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها من مصنف حماد بن سلمة . والذين صحبوا سلمان من النصارى كانوا على الحق على دين عيسى ابن مريم ، وكانوا ثلاثين يداولونه سيدا بعد سيد . [ ص 375 ]
من فقه حديث سلمان
وذكر في آخر الحديث أنه جمع شيئا ، فجاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ليختبره أيأكل الصدقة أم لا ، فلم يسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحر أنت أم عبد ولا : من أين لك هذا ، ففي هذا من الفقه قبول الهدية وترك سؤال المهدي ، وكذلك الصدقة . [ ص 376 ]
حكم الصدقة للنبي ومصدر مال سلمان
وفي الحديث من قدم إليه طعام فليأكل ولا يسأل وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال حديث سلمان حجة على من قال إن العبد لا يملك وقال لو كان لا يملك ما قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقته ولا قال لأصحابه كلوا صدقته ذكر غير ابن إسحاق في حديث سلمان الوجه الذي جمع منه سلمان ما أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال قال سلمان كنت عبدا لامرأة فسألت سيدتي أن تهب لي يوما ، فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر وجئت به النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رأيته لا يأكل الصدقة سألت سيدتي أن تهب لي يوما آخر فعملت فيه على ذلك ثم جئت به هدية للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقبله وأكل منه فبين في هذه الرواية الوجه الذي جمع منه سلمان ما ذكر في حديث ابن إسحاق ، والصدقة التي قال النبي عليه السلام لا تحل لمحمد ولا لآل محمد هي المفروضة دون التطوع قاله الشافعي ، غير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن تحل له صدقة الفرض ولا التطوع وهو معنى قول مالك . وقال الثوري : لا تحل الصدقة لآل محمد فرضها ولا نفلها ولا لمواليهم لأن مولى القوم من أنفسهم بذلك جاء الحديث . وقال مالك تحل لمواليهم وقالت جماعة منهم أبو يوسف : لا تحل لآل محمد صدقة غيرهم وتحل لهم صدقة بعضهم على بعض وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب . [ ص 377 ]
أول من مات بعد الهجرة
وقول سلمان فأتيت رسول الله وهو في جنازة بعض أصحابه . صاحبه الذي مات في تلك الأيام كلثوم بن الهدم الذي نزل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الطبري : أول من مات من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة بأيام قليلة كلثوم بن الهدم ، ثم مات بعده أسعد بن زرارة . فصل وذكر ابن إسحاق في مكاتبة سلمان أنه فقر لثلاثمائة ودية أي حفر وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعها كلها بيده فلم تمت منها ودية واحدة وذكر البخاري حديث سلمان كما ذكره ابن إسحاق غير أنه ذكر أن سلمان غرس بيده ودية واحدة وغرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائرها ، فعاشت كلها إلا التي غرس سلمان . هذا معنى حديث البخاري .

(1/371)


قال ابن إسحاق : [ ص 378 ] عاصم بن عمر بن قتادة ، قال حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز بن مروان ، قال حدثت عن سلمان الفارسي : أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره خبره إن صاحب عمورية قال له ائت كذا وكذا من أرض الشام ، فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا ، يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي ، فهو يخبرك عنه قال سلمان فخرجت حتى أتيت حيث وصف لي ، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هنالك حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى ، فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفي وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل إلا منكبه . قال فتناولته : فقال من هذا ؟ والتفت إلي فقلت : يرحمك الله ، أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم . قال إنك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم ، فأته فهو يحملك عليه . قال ثم دخل . قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسلمان لئن كنت صدقتني يا سلمان ، لقد لقيت عيسى ابن مريم على نبينا وعليه السلامSأسطورة نزول عيسى قبل بعثة النبي
[ ص 378 ] داود بن الحصين قال حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز قال قال سلمان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر خبر الرجل الذي كان يخرج مستجيزا من غيضة إلى غيضة ويلقاه الناس بمرضاهم فلا يدعو لمريض إلا شفي وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن كنت صدقتني يا سلمان فقد رأيت عيسى ابن مريم . إسناد هذا الحديث مقطوع وفيه رجل مجهول ويقال إن ذلك الرجل هو الحسن بن عمارة ، وهو ضعيف بإجماع منهم فإن صح الحديث فلا نكارة في متنه فقد ذكر الطبري أن المسيح عليه السلام نزل بعدما رفع وأمه وامرأة أخرى عند الجذع الذي فيه الصليب يتكئان فكلمهما ، وأخبرهما أنه لم يقتل وأن الله رفعه وأرسل إلى الحواريين ووجههم إلى البلاد وإذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا ، ولكن لا يعلم أنه هو حتى ينزل النزول الظاهر فيكسر الصليب ويقتل الخنزير [ ص 379 ] أعلم ويروى أنه إذا نزل تزوج امرأة من جذام ، ويدفن إذا مات في الروضة التي فيها النبي عليه السلام .

(1/377)


ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن العزى
وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث
وزيد بن عمرو بن نفيل
قال ابن إسحاق : [ ص 379 ] عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما ، فخلص منهم أربعة نفر نجيا ، ثم قال بعضهم لبعض تصادقوا ، وليكتم بعضكم على بعض قالوا : أجل وهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ، وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب . وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ، فقال بعضهم لبعض تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ؟ يا قوم التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شيء فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم . [ ص 380 ] ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ، واتبع الكتب من أهلها ، حتى علم علما من أهل الكتاب وأما عبيد الله بن جحش ، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا . [ ص 381 ] قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ؛ قال كان عبيد الله بن جحش - حين تنصر - يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم هنالك من أرض الحبشة ، فيقول فقحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر صأصأ لينظر . وقوله فقح فتح عينيه . قال ابن إسحاق : وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب . قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن علي بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري . فخطبها عليه النجاشي ؛ فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار فقال محمد بن علي : ما نرى عبد الملك بن مروان وقف صداق النساء على أربعمائة دينار إلا عن ذلك . وكان الذي أملكها للنبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص . قال ابن إسحاق : وأما عثمان بن الحويرث ، فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده . قال ابن هشام : ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث منعني من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار .Sذكر حديث ورقة بن نوفل
فصل وذكر حديث ورقة بن نوفل ، وعبيد الله بن جحش ، وعثمان بن الحويرث ، وزيد بن عمرو بن نفيل وما تناجوا به وقال زيد بن عمرو بن نفيل إلى آخر النسب والمعروف في نسبه ونسب ابن عمه عمر بن الخطاب : نفيل بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بتقديم رياح على عبد الله ورزاح بكسر الراء قيده الشيخ أبو بحر وزعم الدارقطني أنه رزاح بالفتح وإنما رزاح بالكسر رزاح بن ربيعة أخو قصي لأمه الذي تقدم ذكره .
الزواج من امرأة الأب في الجاهلية
وأم زيد هي الحيداء بنت خالد الفهمية وهي امرأة جده نفيل ولدت له الخطاب فهو [ ص 380 ] أخو الخطاب لأمه وابن أخيه وكان ذلك مباحا في الجاهلية بشرع متقدم ولم تكن من الحرمات التي انتهكوها ، ولا من العظائم التي ابتدعوها ، لأنه أمر كان في عمود نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكنانة تزوج امرأة أبيه خزيمة ، وهي برة بنت مر فولدت له النضر بن كنانة ، وهاشم أيضا قد تزوج امرأة أبيه وافدة فولدت له ضعيفة ولكن هو خارج عن عمود نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنها لم تلد جدا له أعني : واقدة وقد قال عليه السلام أنا من نكاح لا من سفاح ولذلك قال سبحانه { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } [ النساء 22 ] . أي إلا ما سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام وفائدة هذا الاستثناء ألا يعاب نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليعلم أنه لم يكن في أجداده من كان لغية ولا من سفاح . ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن { إلا ما قد سلف } نحو قوله { ولا تقربوا الزنا } ولم يقل إلا ما قد سلف : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } [ الإسراء 30 ] ولم يقل إلا ما قد سلف ، ولا في شيء من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه وفي الجمع بين الأختين لأن الجمع بين الأختين قد كان مباحا أيضا في شرع من قبلنا ، وقد جمع يعقوب بين راحيل وأختها ليا فقوله { إلا ما قد سلف } التفاتة إلى هذا المعنى ، وتنبيه على هذا المغزى ، وهذه النكتة لقنتها من شيخنا الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن العربي - رحمه الله - وزيد هذا هو والد سعيد بن زيد أحد العشرة الذين شهد لهم بالجنة وأم سعيد فاطمة بنت نعجة بن خلف الخزاعي [ عند الزبير بعجة بن أمية بن خويلد بن خالد بن اليمعر بن خزاعة ] .
تفسير بعض قول ابن جحش
وذكر قول عبد الله بن جحش حين تنصر بالحبشة فقحنا وصأصأتم وشرح فقحنا بقوله فقح الجرو إذا فتح عينيه وهكذا ذكره أبو عبيد ، وزاد جصص أيضا ، وذكر [ ص 381 ] عبيد : بصص بالباء حكاها عن أبي زيد وقال القالي إنما رواه البصريون عن أبي زيد بياء منقوطة باثنتين لأن الياء تبدل من الجيم كثيرا كما تقول أيل وأجل ولرواية أبي عبيد وجه وهو أن يكون بصص من البصيص وهو البريق .
بعض الذين تنصروا
فصل وذكر عثمان بن الحويرث مع زيد وورقة وعبيد الله بن جحش ، ثم قال وأما عثمان بن الحويرث فإنه ذهب إلى الشام ، وله فيها مع قيصر خبر ولم يذكر ذلك الخبر ، وذكر البرقي عن ابن إسحاق أن عثمان بن الحويرث قدم على قيصر فقال له إني أجعل لك خرجا على قريش إن جاءوا الشام لتجارتهم وإلا منعتهم فأراد قيصر أن يفعل فخرج سعيد بن العاصي بن أمية وأبو ذئب وهو هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر إلى الشام ، فأخذا فحبسا ، فمات أبو ذئب في الحبس وأما سعيد بن العاصي ، فإنه خرج الوليد بن المغيرة ، وهو أمية فتخلصوه في حديث طويل رواه ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس وأبو ذئب الذي ذكر هو جد الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب يكنى : أبا الحارث من فقهاء المدينة ، وأمه بريهة بنت عبد الرحمن بن أبي ذئب وأما الزبير فذكر أن [ ص 382 ] كان قد توج عثمان وولاه أمر مكة ، فلما جاءهم بذلك أنفوا من أن يدينوا لملك وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى : ألا إن مكة حي لقاح لا تدين لملك فلم يتم له مراده قال وكان يقال له البطريق ولا عقب له ومات بالشام مسموما ، سمه عمرو بن جفنة الغساني الملك .

(1/379)


[ ص 382 ] قال ابن إسحاق : وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة وقال أعبد رب إبراهيم وبادى قومه بعيب ما هم عليه . [ ص 383 ] [ ص 384 ] قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قال لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة ، وهو يقول يا معشر قريش ، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته قال ابن إسحاق : وحدثت أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب ، وهو ابن عمه قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنستغفر لزيد بن عمرو ؟ قال نعم فإنه يبعث أمة وحدهSاعتزال زيد بن عمرو بن نفيل الأوثان
فصل وذكر اعتزال زيد الأوثان وتركه طواغيتهم وتركه أكل ما نحر [ على الأوثان ] والنصب . روى البخاري عن محمد بن أبي بكر ، قال أخبرنا فضيل بن سليمان قال أخبرنا موسى ، قال حدثني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي - عليه السلام - الوحي فقدمت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سفرة أو قدمها إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه وأن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم تذبحونها على غير اسم الله ؟ إنكارا لذلك ، وإعظاما له قال موسى بن سالم بن عبد الله : ولا أعلم إلا ما تحدث به عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم وقال له إني لعلي أن أدين بدينكم فأخبروني ، فقال لا تكون على ديننا ، حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله قال زيد ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا ، وأنى أستطيعه فهل تدلني على غيره ؟ قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا ، قال وما الحنيف ؟ قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، ولا يعبد إلا الله فخرج زيد فلقي عالما من النصارى ، فذكر مثله فقال لن تكون على ديننا ، حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله قال ما أفر إلا من لعنة الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا ، وأنى أستطيع فهل تدلني على غيره ؟ قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا ، قال وما الحنيف ؟ [ ص 383 ] قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، ولا يعبد إلا الله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه فقال اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم . وقال الليث كتب إلي هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قالت رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة ، يقول يا معشر قريش ، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري ، وكان يحيي الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها ، أكفيك مؤنتها ، فيأخذها ، فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤنتها إلى هاهنا انتهى حديث البخاري . وفيه سؤال يقال كيف وفق الله زيدا إلى ترك أكل ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم الله عليه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية لما ثبت الله ؟ فالجواب من وجهين أحدهما : أنه ليس في الحديث حين لقيه ببلدح فقدمت إليه السفرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل منها ، وإنما في الحديث أن زيدا قال حين قدمت السفرة لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه الجواب الثاني : أن زيدا إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع متقدم وإنما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذبح لغير الله وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام وبعض الأصوليين يقولون الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة فإن قلنا بهذا ، وقلنا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل مما ذبح على النصب فإنما فعل أمرا مباحا ، وإن كان لا يأكل منها فلا إشكال وإن قلنا أيضا : إنها ليست على الإباحة ولا على التحريم وهو الصحيح فالذبائح خاصة لها أصل في تحليل الشرع المتقدم كالشاة والبعير ونحو ذلك مما أحله الله تعالى في دين من كان قبلنا ، ولم يقدح في ذلك التحليل المتقدم ما ابتدعوه حتى جاء الإسلام وأنزل الله سبحانه { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [ الأنعام 121 ] . ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكتاب عندنا على أصل التحليل بالشرع المتقدم ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان فكذلك كان ما ذبحه أهل الأوثان محلا بالشرع المتقدم حتى خصه القرآن بالتحريم . [ ص 384 ]
زيد وصعصعة والموءودة
فصل وذكر خبر الموءودة وما كان زيد يفعل في ذلك وقد كان صعصعة بن معاوية جد الفرزدق رحمه الله يفعل مثل ذلك ولما أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي في ذلك من أجر ؟ فقال في أصح الروايتين لك أجره إذا من الله عليك بالإسلام وقال المبرد في الكامل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلاما لم يصح لفظه ولا معناه ولا يشهد له أصل . والأصول تشهد له بهذه الرواية التي ذكرناها ؛ لما ثبت أن الكافر إذا أسلم ، وحسن إسلامه كتب له كل حسنة كان زلفها ، وهذا الحديث أخرجه البخاري ، ولم يذكر فيه كل حسنة كان زلفها ، وذكرها الدارقطني وغيره ثم يكون القصاص بعد ذلك الحسنة بعشر أمثالها ، والموءودة مفعولة من وأده إذا أثقله قال الفرزدق :
ومنا الذي منع الوائدا ... ت وأحيا الوئيد فلم يوأد
يعني : جده صعصعة بن معاوية بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع . وقد قيل كانوا يفعلون ذلك غيرة على البنات وما قاله الله في القرآن هو الحق من قوله خشية إملاق وذكر النقاش في التفسير أنهم كانوا يئدون من البنات ما كان منهن زرقاء أو برشاء أو شيماء أو كشحاء تشاؤما منهم بهذه الصفات قال الله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } [ التكوير 8 - 9 ] .

(1/382)


[ ص 385 ] وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه وما كان لقي منهم في ذلك [ ص 386 ]
أربا واحدا ، أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى ، أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور
ولا هبلا أدين وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت . وفي الليالي معجبات ... وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالا ... كثيرا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم ... فيربل منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوما ... كما يتروح الغصن المطير
ولكن أعبد الرحمن ربي ... ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها ... متى ما تحفظوها . لا تبوروا
ترى الأبرار . دارهم جنان ... وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا ... يلاقوا ما تضيق به الصدورS[ ص 385 ]
العزى
فصل وذكر شعر زيد بن عمرو وفيه عزلت اللات والعزى جميعا . فأما اللات فقد تقدم ذكرها ، وأما العزى ، فكانت نخلات مجتمعة وكان عمرو بن لحي قد أخبرهم - فيما ذكر - أن الرب يشتي بالطائف عند اللات ، ويصيف بالعزى ، فعظموها وبنوا لها بيتا ، وكانوا يهدون إليه كما يهدون إلى الكعبة ، وهي التي بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد ليكسرها ، فقال له سادتها : يا خالد احذرها ؛ فإنها تجدع وتكنع فهدمها خالد وترك منها جذمها وأساسها ، فقال قيمها : والله لتعودن ولتنتقمن ممن فعل بها هذا ، فذكر - والله أعلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لخالد " هل رأيت فيها شيئا " ؟ فقال لا ، فأمره أن يرجع ويستأصل بقيتها بالهدم فرجع خالد فأخرج أساسها ، فوجد فيها امرأة سوداء منتفشة الشعر تخدش وجهها ، فقتلها ، وهرب القيم وهو يقول لا تعبد العزى بعد اليوم . هذا معنى ما ذكر أبو سعيد النيسابوري في المبعث . وذكره الأزرقي أيضا ورزين .
معنى يربل
وقوله فيربل منهم الطفل الصغير . ألفيت في حاشية الشيخ أبي بحر ربل الطفل يربل [ ص 386 ] شب وعظم . يربل بفتح الباء أي يكبر وينبت ومنه أخذ تربيل الأرض . وقوله كما يتروح الغصن أي ينبت ورقه بعد سقوطه . إعراب نعت النكرة المتقدم وقوله وللكفار حامية سعير . نصب حامية على الحال من سعير لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها نصب على الحال وأنشد سيبويه في مثله لمية موحشا طلل
وأنشد أيضا [ لذي الرمة ] :
وتحت العوالي والقنا مستكنة ... ظباء أعارتها العيون الجآذر
والعامل في هذا الحال الاستقرار الذي يعمل في الظرف ويتعلق به حرف الجر وهذا الحال على مذهب أبي الحسن الأخفش لا اعتراض فيها ؛ لأنه يجعل النكرة التي بعدها مرتفعة بالظرف ارتفاع الفاعل وأما على مذهب سيبويه ، فالمسألة عسيرة جدا ؛ لأنه يلزمه أن يجعلها حالا من المضمر في الاستقرار لأنه معرفة فذلك أولى من أن يكون حالا من نكرة فإن قدر الاستقرار آخر الكلام وبعد المرفوع كان ذلك فاسدا ؛ لتقدم الحال على العامل المعنوي وللاحتجاج له وعليه موضع غير هذا .

(1/384)


وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضا - قال ابن هشام : هي لأمية بن أبي الصلت في قصيدة له . إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتا . وعجز البيت الأول عن غير ابن إسحاق : [ ص 387 ]
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا ... وقولا رصينا لا يني الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه ... إله ولا رب يكون مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والردى ... فإنك لا تخفي من الله خافيا
وإياك لا تجعل مع الله غيره ... فإن سبيل الرشد أصبح باديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا
رضيت بك - اللهم - ربا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا
وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له يا اذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له آأنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له آأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق - إذا - بك بانيا
وقولا له آأنت سويت وسطها ... منيرا ، إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه ... وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا ... وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وإني لو سبحت باسمك ربنا ... لأكثر - إلا ما غفرت - خطائيا
فرب العباد ألق سيبا ورحمة ... علي وبارك في بني ومالياSمن معاني شعر زيد
[ ص 387 ] أهدي مدحتي وثنائيا . وفيه ألا أيها الإنسان إياك [ ص 388 ] قال فإنك لا تخفي من الله خافيا . وفيه
وإني وإن سبحت باسمك ربنا ... لأكثر إلا ما غفرت خطائيا
معنى البيت إني لأكثر من هذا الدعاء الذي هو باسمك ربنا إلا ما غفرت " وما " بعد إلا زائدة وإن سبحت : اعتراض بين اسم إن وخبرها ، كما تقول إني لأكثر من هذا الدعاء الذي هو باسمك ربنا إلا والله يغفر لي لأفعل كذا ، والتسبيح هنا بمعنى الصلاة أي لا أعتمد وإن صليت إلا على دعائك واستغفارك من خطاياي .
تفسير حنانيك
وقوله حنانيك بلفظ التثنية قال النحويون يريد حنانا بعد حنان كأنهم ذهبوا إلى التضعيف والتكرار لا إلى القصر على اثنين خاصة دون مزيد . قال المؤلف رحمه الله ويجوز أن يريد حنانا في الدنيا ، وحنانا في الآخرة وإذا قيل هذا لمخلوق نحو قول طرفة
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
فإنما يريد حنان دفع وحنان نفع لأن كل من أمل ملكا ، فإنما يؤمله ليدفع عنه ضيرا ، أو ليجلب إليه خيرا .
شريعة أدين
وقوله فلن أرى أدين إلها . أي أدين لإله وحذف اللام وعدى الفعل لأنه في معنى : أعبد إلها .
حول اسم الله
وقوله غيرك الله برفع الهاء أراد يا ألله وهذا لا يجوز فيما فيه الألف واللام إلا أن حكم الألف واللام في هذا اللفظ المعظم يخالف حكمها في سائر الأسماء ألا ترى أنك تقول يا أيها الرجل ولا ينادى اسم الله بيا أيها ، وتقطع همزته في النداء فتقول يا ألله ولا يكون ذلك في اسم غيره إلى أحكام كثيرة يخالف فيها هذا الاسم لغيره من الأسماء المعرفة [ ص 389 ] شاء الله - وقد استوفيناه في غير هذا الكتاب وفيه بيت حسن لم يذكره ابن إسحاق ، وذكره أبو الفرج في أخبار زيد وهو
أدين إلها يستجار ولا أرى ... أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا
حذف المنادى مع بقاء الياء
وفيه فقلت : ألا يا اذهب على حذف المنادى ، كأنه قال ألا يا هذا اذهب كما قرئ ألا يا اسجدوا ، يريد يا قوم اسجدوا ، وكما قال غيلان ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى
وفيه اذهب وهارون عطفا على الضمير في اذهب وهو قبيح إذا لم يؤكد ولو نصبه على المفعول معه لكان جيدا .
تصريف اطمأنت وأشياء
وقوله اطمأنت كما هيا ، وزنه افلعلت لأن الميم أصلها أن تكون بعد الألف لأنه من تطأمن أي تطأطأ وإنما قدموها لتباعد الهمزة التي هي عين الفعل من همزة الوصل فتكون أخف عليهم في اللفظ كما فعلوا في أشياء حين قلبوها في قول الخليل وسيبويه فرارا من تقارب الهمزتين . كما هيا . ما : زائدة لتكف الكاف عن العمل وتهيئها للدخول على الجمل وهي اسم مبتدأ والخبر محذوف التقدير كما هي عليه والكاف في موضع نصب على الحال من المصدر الذي دل عليه اطمأن كما تقول سرت مثل سير زيد فمثل حال من سيرك الذي سرته ، وفيه أرفق إذا بك بانيا . أرفق تعجب وبك في موضع رفع لأن المعنى : رفقت ، وبانيا تمييز لأنه يصلح أن يجر بمن كما تقول أحسن بزيد من رجل وحرف الجر متعلق بمعنى التعجب إذ قد علم أنك متعجب منه ولبسط هذا المعنى وكشفه موضع غير هذا - إن شاء الله - وبعد قوله وقد بات في أضعاف حوت لياليا
بيت لم يذكره ابن إسحاق ، ووقع في جامع ابن وهب وهو
وأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا ذاك أصبح ضاحيا

(1/386)


وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الحضرمي . قال ابن هشام : واسم الحضرمي عبد الله أحد الصدف ، واسم الصدف عمرو بن مالك أحد السكون بن أشرس بن كندي ويقال كندة بن ثور بن مرتع بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ، ويقال مرتع بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ . [ ص 388 ] [ ص 389 ] [ ص 390 ] قال ابن إسحاق : وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ، ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل ، وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لأمه وكان يعاتبه على فراق دين قومه وكان الخطاب قد وكل صفية به وقال إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به - فقال زيد
لا تحبسيني في الهوا ... ن صفي ما دابي ودابه
إني إذا خفت الهوا ... ن مشيع ذلل ركابه
دعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق نابه
قطاع أسباب تذل ... بغير أقران صعابه
وإنما أخذ الهوا ... ن العير إذ يوهى إهابه
ويقول إني لا أذل ... بصك جنبيه صلابه
وأخي ابن أمي ، ثم عم ... ي لا يواتيني خطابه
وإذا يعاتبني بسو ... ء قلت : أعياني جوابه
ولو أشاء لقلت : ما ... عندي مفاتحه وبابه
قال ابن إسحاق : وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل : أن زيدا إذا كان استقبل الكعبة داخل المسجد قال لبيك حقا حقا ، تعبدا ورقا . [ ص 391 ] قال
أنفي لك اللهم عان راغم ... مهما تجشمني فإني جاشم
البر أبغي لا الخال ... ليس مهجر كمن قال
قال ابن هشام : ويقال
البر أبقى لا الخال ... ليس مهجر كمن قال
قال وقوله " مستقبل الكعبة " عن بعض أهل العلم . قال ابن إسحاق : وقال زيد بن عمرو بن نفيل :
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما استوت ... على الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبت عليها سجالا
[ ص 392 ] وكان الخطاب قد آذى زيدا ، حتى أخرجه إلى أعلى مكة ، فنزل حراء مقابل مكة ، ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم فقال لهم لا تتركوه يدخل مكة ، فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقه . فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه
لاهم إني محرم لا حله ... وإن بيتي أوسط المحله
عند الصفا ليس بذي مضله
ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ، ثم أقبل فجال الشام كله حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء ، كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها ، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية فالحق بها ، فإنه مبعوث الآن هذا زمانه وقد كان شام اليهودية والنصرانية ، فلم يرض شيئا منهما ، فخرج سريعا ، حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة ، حتى إذا توسط بلاد لخم ، عدوا عليه فقتلوه - فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه
رشدت ، وأنعمت ابن عمرو ، وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وإدراكك الدين الذي قد طلبته ... ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها ... تعلل فيها بالكرامة لاهيا
تلاقي خليل الله فيها ، ولم تكن ... من الناس جبارا إلى النار هاويا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
قال ابن هشام : يروى لأمية بن أبي الصلت البيتان الأولان منها ، وآخرها بيتا في قصيدة له . وقوله " أوثان الطواغي " عن غير ابن إسحاق . [ ص 393 ]Sصفية بنت الحضرمي
وذكر صفية بنت الحضرمي واسم الحضرمي عبد الله بن عمار وسيأتي [ ص 390 ] أخيها بعد . الدعموص والخرم في الشعر وقوله دعموص أبواب الملوك . يريد ولاجا في أبواب الملوك وأصل الدعموص سمكة صغيرة كحية الماء فاستعاره هنا ، وكذلك جاء في حديث أبي هريرة يرفعه صغاركم دعاميص الجنة وكما استعارت عائشة العصفور حين نظرت إلى طفل صغير قد مات [ ص 391 ] فقالت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " وما يدريك ؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا أخرجه مسلم وفي هذه الأبيات خرم في موضعين أحدهما قوله :
ولو أشاء لقلت ما ... عندي مفاتحه وبابه
والآخر قوله
وإنما أخذ الهوان ال ... عير إذ يوهى إهابه
وقد تقدم مثل هذا في شعر ابن الزبعرى ، وتكلمنا عليه هنالك بما فيه كفاية . وقوله ويقول إني لا أذل أي يقول العير ذلك بصك جنبيه صلابه أي صلاب ما يوضع عليه وأضافها إلى العير لأنها عبؤه وحمله .
لغويات ونحويات
وذكر قوله البر أبغي لا الخال قال ابن هشام : البر أبغي : بالنصب والخال [ ص 392 ] قال أي ليس من هجر وتكيس كمن آثر القائلة والنوم فهو من قال يقيل وهو ثلاثي ، ولكن لا يتعجب منه . لا يقال ما [ ص 393 ] قال أهل النحو استغنوا عنه بما أنومه ولذكر السر في امتناع التعجب من هذا الفعل موضع غير هذا . وقول زيد إني محرم لا حله . محرم أي ساكن بالحرم والحلة : أهل الحل . يقال للواحد والجميع حلة . ذكر لقاء زيد الراهب بميفعة هكذا تقيد في الأصل بكسر الميم من ميفعة والقياس فيها : الفتح لأنه اسم لموضع أخد من اليفاع وهو المرتفع من الأرض . وقوله شام اليهودية والنصرانية ، هو فاعل من الشم كما قال يزيد بن شيبان حين سأل النسابة من قضاعة ، ثم انصرف فقال له النسابة شاممتنا مشامة الذئب الغنم ثم تنصرف . في حديث ذكره أبو علي في النوادر ومعناه استخبر فاستعاره من الشم فنصب اليهودية والنصرانية نصب المفعول ومن خفض جعل شام اسم فاعل من شممت ، والفعل أولى بهذا الموضع كما تقدم وقول ورقة رشدت وأنعمت ابن عمرو ، أي رشدت وبالغت في الرشد كما يقال أمعنت النظر وأنعمته ، وقوله ولو كان تحت الأرض سبعين واديا بالنصب . نصب سبعين على الحال لأنه قد يكون صفة للنكرة كما قال فلو كنت في جب ثمانين قامة وما [ يكون ] صفة للنكرة يكون حالا من المعرفة وهو هنا حال من البعد كأنه قال ولو بعد تحت الأرض سبعين . كما تقول بعد طويلا ، أي بعدا طويلا ، وإذا حذفت المصدر وأقمت الصفة مقامه لم تكن إلا حالا ، وقد تقدم قول سيبويه في ذلك في مسألة ساروا رويدا ونحو هذا : داري خلف دارك فرسخا ، أي تقرب منها فرسخا إن أردت القرب وكذلك إن أردت البعد فالبعد والقرب مقدران بالفرسخ فلو قلت : داري تقرب منك قربا مقدرا بفرسخ لكان بمنزلة من يقول قربا كثيرا أو قليلا ، فالفرسخ موضوع موضع كثير أو قليل فإعرابه كإعرابه وكذلك قول الشاعر
لا تعجبوا فلو ان طول قناته ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا
أي نظمهم نظما مستطيلا ، ووضع ميلا موضع مستطيلا ، فإعرابه كإعرابه فهو وصف للمصدر وإذا أقيم الوصف مقام الموصوف في هذا الباب لم يكن حالا من الفاعل لكن من المصدر الذي يدل الفعل عليه بلفظه نحو ساروا طويلا ، وسقيتها أحسن من سقي إبلك ، ونحو ذلك .

(1/389)


صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنجيل
[ ص 394 ] قال ابن إسحاق : وقد كان - فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل - من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى ابن مريم عليه السلام في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم أنه قال من أبغضني فقد أبغض الرب ، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ، ما كانت لهم خطيئة ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني ، وأيضا للرب ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانا ، أي باطلا . فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القدس هذا الذي من عند الرب خرج فهو شهيد علي وأنتم أيضا ؛ لأنكم قديما كنتم معي في هذا ، قلت لكم لكيما لا تشكوا [ ص 395 ]Sيحنس الحواري
[ ص 394 ] العوجاء ، فيفتح به عيونا عميا وآذانا صما ، وقلوبا غلفا ؛ بأن يقولوا : لا إله إلا الله .
من صفات النبي عند الأحبار
ومما وجد من صفته - صلى الله عليه وسلم - عند الأحبار ما ذكره الواقدي من حديث النعمان [ ص 395 ] التيمي . قال وكان من أحبار يهود باليمن فلما سمع بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم عليه فسأله عن أشياء ثم قال إن أبي كان يختم على سفر ويقول [ لا تقرأه ] على يهود حتى تسمع بنبي قد خرج بيثرب فإذا سمعت به فافتحه . قال نعمان فلما سمعت بك فتحت السفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة وإذا فيه ما تحل وما تحرم وإذا فيه إنك خير الأنبياء وأمتك خير الأمم واسمك : أحمد وأمتك الحامدون . قربانهم دماؤهم وأناجيلهم صدورهم وهم لا يحضرون قتالا إلا وجبريل معهم يتحنن الله عليهم كتحنن النسر على فراخه ثم قال لي : إذا سمعت به فاخرج إليه وآمن به وصدق به فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يسمع أصحابه حديثه فأتاه يوما ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - يا نعمان حدثنا " ، فابتدأ النعمان الحديث من أوله فرئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ يتبسم ثم قال " أشهد أني رسول الله وهو الذي قتله الأسود العنسي ، وقطعه عضوا عضوا ، وهو يقول إن محمدا رسول الله وإنك كذاب مفتر على الله ثم حرقه بالنار " .

(1/393)


مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسليما
[ ص 396 ] قال حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال فلما بلغ محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ، وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به والتصديق له والنصر له على من خالفه وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه . يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ ص 397 ] { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري } أي ثقل ما حملتكم من عهدي : { قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } [ آل عمران 81 ] فأخذ الله ميثاق النبيين جميعا بالتصديق له والنصر له ممن خالفه وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين .Sكتاب المبعث
[ ص 396 ] ذكر ابن إسحاق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث على رأس أربعين من مولده عليه السلام وهذا مروي عن ابن عباس ، وجبير بن مطعم وقباث بن أشيم وعطاء وسعيد بن المسيب ، وأنس بن مالك وهو صحيح عند أهل السير والعلم بالأثر وقد روي أنه نبئ لأربعين وشهرين من مولده وقيل لقباث بن أشيم من أكبر أنت أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال رسول الله أكبر مني ، وأنا أسن منه وولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل ويروى : خزق الطير فرأيته أخضر محيلا ، أي قد أتى عليه حول وفي غير رواية البكائي من هذا الكتاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال لا يفتك صيام يوم الاثنين فإني قد ولدت فيه وبعثت فيه وأموت فيه
إعراب لما آتيتكم
[ ص 397 ] وذكر ابن إسحاق قول الله سبحانه { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة } الآية . وما في هذه الآية اسم مبتدأ بمعنى : الذي ، والتقدير للذي آتيناكم من كتاب وحكمة ولا يصح أن تكون في موضع نصب على إضمار فعل كما ينتصب ما يشتغل عنه الفعل بضميره لأن ما بعد اللام الثانية لا يجوز أن يعمل فيما قبلها ، وما لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله فلا يجوز أن يكون تفسيرا لما يعمل فيه وقد قيل إن ما هذه شرط . والتقدير لمهما آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به وهو ظاهر قول سيبويه لأنه جعلها بمنزلة إن وقول الخليل إنها بمنزلة الذي ، أي إنها اسم لا حرف ويمكن الجمع بين قوليهما على هذا ، فتكون اسما ، وتكون شرطا ، ويحتمل أيضا أن تكون على قول الخليل خبرية في موضع رفع بالابتداء ويكون الخبر لتؤمنن به ولتنصرنه وإن كان الضميران عائدين على الرسول لا على الذي ، ولكن لما قال رسول مصدق لما معكم ارتبط الكلام بعضه ببعض واستغنى بالضمير العائد على الرسول عن ضمير يعود على المبتدأ وله نظير في التنزيل منه قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم } [ البقرة 234 ] خبره يتربصن بأنفسهن ولم يعد على المبتدإ شيء لتشبث الكلام بعضه ببعض وقد لاح لي بعد نظري الكتاب أن الذي قاله الخليل وقول سيبويه قول واحد غير أنه قال ودخول اللام على ما ، كدخولها على إن يعني : في الجزاء ولم يرد أن يعمل ما جزاء وإنما تكلم على اللام خاصة والله أعلم .
النبوءة وأولو العزم
[ ص 398 ] وذكر قول ابن إسحاق والنبوءة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستطيعها إلا أهل القوة والعزم من الرسل ووقع في رواية يونس عن ابن إسحاق في هذا الموضع عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سمعت وهب بن منبه وهو في مسجد منى - وذكر له يونس النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال كان عبدا صالحا ، وكان في خلقه ضيق فلما حملت عليه أثقال النبوءة ولها أثقال تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل فألقاها عنه وخرج هاربا ، وفي رواية عن ابن إسحاق إن أولي العزم من الرسل منهم نوح وهود وإبراهيم أما نوح فلقوله { يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } [ يونس 71 ] وأما هود فلقوله { إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون } [ هود 54 ] وأما إبراهيم فلقوله هو والذين معه { إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله } وأمر الله نبينا أن يصبر كما صبر هؤلاء .

(1/395)


قال ابن إسحاق : فذكر الزهري عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح قالت وحبب الله تعالى إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده . [ ص 398 ] ابن إسحاق : وحدثني عبد الملك بن عبيد الله بن أبي سفيان بن العلاء ابن جارية الثقفي ، وكان واعية عن بعض أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أراده الله بكرامته وابتدأه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها ، فلا يمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله قال فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة . فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان . [ ص 399 ] قال ابن إسحاق : وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير . قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد ، كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل عليه السلام ؟ قال فقال عبيد - وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ، ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا ، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية . والتحنث التبرز . قال ابن إسحاق : وقال أبو طالب
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل
قال ابن هشام : تقول العرب : التحنث والتحنف يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء كما قالوا : جدف وجدث يريدون القبر . قال رؤبة بن العجاج : لو كان أحجاري مع الأجداف
يريد الأجداث وهذا البيت في أرجوزة له . وبيت أبي طالب في قصيدة له سأذكرها إن شاء الله في موضعها . [ ص 400 ] قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم يبدلون الفاء من الثاء .Sأول ما بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من النبوءة
فصل وذكر ابن إسحاق : ما بدئ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من النبوءة إذ كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله وفي مصنف الترمذي ومسلم أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن ينزل علي وفي بعض المسندات زيادة أن هذا الحجر الذي كان يسلم عليه هو الحجر الأسود ، وهذا التسليم [ ص 399 ] يكون حقيقة وأن يكون الله أنطقه إنطاقا كما خلق الحنين في الجذع ولكن ليس من شرط الكلام الذي هو صوت وحرف الحياة والعلم والإرادة لأنه صوت كسائر الأصوات والصوت عرض في قول الأكثرين ولم يخالف فيه إلا النظام فإنه زعم أنه جسم وجعله الأشعري اصطكاكا في الجواهر بعضها لبعض وقال أبو بكر بن الطيب ليس الصوت نفس الاصطكاك ولكنه معنى زائد عليه وللاحتجاج على القولين ولهما موضع غير هذا ، ولو قدرت الكلام صفة قائمة بنفس الحجر والشجر والصوت عبارة عنه لم يكن بد من اشتراط الحياة والعلم مع الكلام والله أعلم أي ذلك كان أكان كلاما مقرونا بحياة وعلم فيكون الحجر به مؤمنا ، أو كان صوتا مجردا غير مقترن بحياة ؟ وفي كلا الوجهين هو علم من أعلام النبوءة وأما حنين الجذع فقد سمي حنينا ، وحقيقة الحنين يقتضي شرط الحياة وقد يحتمل تسليم الحجارة أن يكون مضافا في الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك الأماكن يعمرونها ، فيكون مجازا من قوله تعالى : { واسأل القرية } والأول أظهر وإن كانت كل صورة من هذه الصور التي ذكرناها فيها علم على نبوته - عليه السلام - غير أنه لا يسمى معجزة في اصطلاح المتكلمين إلا ما تحدى به الخلق فعجزوا عن معارضته .
مدلول تفعل
[ ص 400 ] وذكر حديث عبيد بن عمير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجاور بغار حراء ويتحنث فيه قال والتحنث التبرز . تفعل من البر وتفعل يقتضي الدخول في الفعل وهو الأكثر فيها مثل تفقه وتعبد وتنسك وقد جاءت في ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء واطراحه كالتأثم والتحرج . والتحنث بالثاء المثلثة لأنه من الحنث وهو الحمل الثقيل وكذلك التقذر إنما هو تباعد عن القذر وأما التحنف بالفاء فهو من باب التبرر لأنه من الحنيفية دين إبراهيم وإن كان الفاء مبدلة من الثاء فهو من باب التقذر والتأثم وهو قول ابن هشام ، واحتج بجدف وجدث وأنشد قول رؤبة لو كان أحجاري مع الأجداف وفي بيت رؤبة هذا شاهد ورد على ابن جني حيث زعم في سر الصناعة أن جدف بالفاء لا يجمع على أجداف واحتج بهذا لمذهبه في أن الثاء هي الأصل وقول رؤبة رد عليه والذي نذهب إليه أن الفاء هي الأصل في هذا الحرف لأنه من الجدف وهو القطع ومنه مجداف السفينة وفي حديث عمر في وصف الجن : شرابهم الجدف وهي الرغوة لأنها تجدف عن الماء وقيل هي نبات يقطع ويؤكل . وقيل كل إناء كشف عنه غطاؤه جدف والجدف القبر من هذا ، فله مادة وأصل في الاشتقاق فأجدر بأن تكون الفاء هي الأصل والثاء داخلة عليها .
حول مجاورته في حراء
وقوله يجاور في حراء إلى آخر الكلام . الجوار بالكسر في معنى المجاورة وهي الاعتكاف ولا فرق بين الجوار والاعتكاف إلا من وجه واحد وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا داخل المسجد والجوار قد يكون خارج المسجد كذلك قال ابن عبد البر ، ولذلك لم يسم جواره بحراء اعتكافا ، لأن حراء ليس من المسجد ولكنه من جبال الحرم ، وهو الجبل الذي نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال له ثبير وهو على ظهره اهبط عني ؛ فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب فناداه حراء : إلي إلي يا رسول الله .

(1/398)


قال ابن إسحاق : حدثني وهب بن كيسان قال قال عبيد [ بن عمير ] : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذات الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة ، [ ص 401 ] شاء الله من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله تعالى فيها ، وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء ، كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها ، جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فجاءني جبريل وأنا نائم [ ص 402 ] [ ص 403 ] فقال اقرأ قال قلت : ما أقرأ ؟ قال فغتني به حتى ظننت [ ص 404 ] أرسلني ، فقال اقرأ قال قلت : ما أقرأ ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني ، فقال اقرأ قال قلت : ماذا أقرأ ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني ، فقال اقرأ قال فقلت : ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي ، فقال { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } قال فقرأتها ، ثم انتهى ، فانصرف عني ، وهببت من نومي ، فكأنما كتبت في قلبي كتابا . قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا [ ص 405 ] [ ص 406 ] مكة ، ورجعوا إليها ، وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني . وانصرفت راجعا إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها ، فقالت يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك ، حتى بلغوا مكة ورجعوا لي ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت أبشر يا بن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة [ ص 407 ] قامت فجمعت عليها ثيابها ، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وهو ابن عمها ، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل ، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع فقال ورقة بن نوفل : قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى . وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت . فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة ، فطاف بها ، فلقيه ورقة بن نوفل ، وهو يطوف بالكعبة ، فقال يا بن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت ، [ ص 408 ] فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتله ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله . قال ابن إسحاق : وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير : أنه حدث عن خديجة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال " نعم " . قالت فإذا جاءك فأخبرني به . فجاءه جبريل عليه السلام ، كما كان يصنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة " يا خديجة هذا جبريل قد جاءني " ، قالت قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى ، قال فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس عليها ، قالت هل تراه ؟ قال " نعم " ، قالت فتحول فاجلس على فخذي اليمنى ، قالت فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى ، فقالت هل تراه ؟ قال " نعم " ، قالت فتحول فاجلس في حجري ، قالت فتحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس في حجرها ، قالت هل تراه ؟ قال " نعم " ، قال فتحسرت وألقت خمارها - ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها - ثم قالت له هل تراه ؟ قال " لا " ، قالت يا ابن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان قال ابن إسحاق : وقد حدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها ، فذهب عند ذلك جبريل فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا لملك وما هو بشيطان [ ص 409 ] [ ص 410 ] [ ص 411 ]Sكيفية الوحي
[ ص 401 ] وذكر نزول جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث فأتاني وأنا نائم وقال في آخره فهببت من نومي ، فكأنما كتبت في قلبي كتابا ، وليس ذكر النوم في حديث عائشة ولا غيرها ، بل في حديث عروة عن عائشة ما يدل ظاهره على أن نزول جبريل حين نزل بسورة اقرأ كان في اليقظة لأنها قالت في أول الحديث أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب الله إليه الخلاء - إلى قولها - حتى جاءه الحق ، وهو بغار حراء ، فجاءه جبريل . فذكرت في هذا الحديث أن الرؤيا كانت قبل نزول جبريل على النبي - عليه السلام - بالقرآن وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة توطئة وتيسيرا عليه ورفقا به لأن أمر النبوءة عظيم وعبؤها ثقيل والبشر ضعيف وسيأتي في حديث الإسراء من مقالة العلماء ما يؤكد هذا ويصححه وقد ثبت بالطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثم وكل به جبريل فجاءه بالقرآن والوحي فعلى هذا كان نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - في أحوال مختلفة فمنها : النوم كما في حديث ابن إسحاق ، وكما قالت عائشة أيضا : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة وقد قال إبراهيم عليه السلام { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } فقال له ابنه { افعل ما تؤمر } [ الصافات 102 ] ، فدل على أن الوحي كان يأتيهم في المنام كما يأتيهم في اليقظة . ومنها : أن ينفث في روعه الكلام نفثا ، كما قال عليه السلام إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب [ ص 402 ] مجاهد ، وأكثر المفسرين في قوله سبحانه { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } [ الشورى : 51 ] . قال هو أن ينفث في روعه بالوحي . ومنها : أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه وقيل إن ذلك ليستجمع قلبه عند تلك الصلصلة ، فيكون أوعى لما يسمع وألقن لما يلقى . ومنها : أن يتمثل له الملك رجلا ، فقد كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة ويروى أن دحية إذا قدم المدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه لفرط جماله . وقال ابن سلام في قوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا } [ الجمعة 11 ] . قال كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله . ومنها : أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلقه الله فيها ، له ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت . ومنها : أن يكلمه الله من وراء حجاب إما في اليقظة كما كلمه في ليلة الإسراء وإما في النوم كما قال في حديث معاذ الذي رواه الترمذي ، قال أتاني ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى ، فقلت : لا أدري . فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثندوتي وتجلى لي علم كل شيء وقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ، فقلت : في الكفارات فقال وما هن ؟ فقلت : الوضوء عند الكريهات ونقل الأقدام إلى الحسنات وانتظار الصلوات بعد الصلوات فمن فعل ذلك عاش حميدا ، ومات حميدا ، وكان من ذنبه كمن ولدته أمه وذكر الحديث . فهذه ستة أحوال وحالة سابعة قد قدمنا ذكرها ، وهي نزول إسرافيل عليه بكلمات من الوحي قيل جبريل فهذه سبع صور في كيفية نزول الوحي على محمد - صلى الله عليه وسلم - لم أر أحدا جمعها كهذا الجمع وقد استشهدنا على صحتها بما فيه غنية ، وقد أملينا أيضا في حقيقة رؤيته عليه السلام ربه في المنام على أحسن صورة ويروى : على صورة شاب مسألة بديعة كاشفة لقناع اللبس فلتنظر هنالك .
من تفسير حديث الوحي
[ ص 403 ] وذكر في الحديث أن جبريل أتاه بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قال بعض المفسرين في قوله وقال ابن سلام في قوله تعالى : { الم ذلك الكتاب لا ريب فيه } إنها إشارة إلى الكتاب الذي جاءه به جبريل حين قال اقرأ وفي الآية أقوال غير هذه منها : أنها إشارة إلى ما تضمنه قوله سبحانه الم ؛ لأن هذه الحروف المقطعة تضمنت معاني الكتاب كله فهي كالترجمة له .
معنى { اقرأ باسم ربك }
وقوله ما أنا بقارئ أي إني أمي ، فلا أقرأ الكتب قالها ثلاثا فقيل له { اقرأ باسم ربك } أي إنك لا تقرؤه بحولك ، ولا بصفة نفسك ، ولا بمعرفتك ، ولكن اقرأ مفتتحا باسم ربك مستعينا به فهو يعلمك كما خلقك وكما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان بعدما خلقه فيك ، كما خلقه في كل إنسان . والآيتان المتقدمتان لمحمد والآخرتان لأمته وهما قوله تعالى : الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم لأنها كانت أمة أمية لا تكتب فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم فتعلموا القرآن بالقلم وتعلمه نبيهم تلقينا من جبريل نزله على قلبه بإذن الله ليكون من المرسلين .
حول بسم الله
فصل وفي قوله { اقرأ باسم ربك } من الفقه وجوب استفتاح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم غير أنه أمر مبهم لم يبين له بأي اسم من أسماء ربه يفتتح حتى جاء البيان بعد في قوله { بسم الله مجراها } [ هود : 41 ] ثم قوله تعالى : { وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } [ النمل 30 ] . ثم كان بعد ذلك ينزل جبريل عليه ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة على ذلك وما ذكره البخاري من مصحف الحسن البصري ، فشذوذ فهي على هذا من القرآن إذ لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن ولا يلتزم قول الشافعي أنها آية من كل سورة ولا أنها آية من الفاتحة بل نقول إنها آية من كتاب الله تعالى ، مقترنة مع السورة وهو قول داود وأبي حنيفة ، وهو [ ص 404 ] فقالت قريش : سحر محمد الجبال ذكره النقاش وإن صح ما ذكره فلمعنى ما سبحت عند نزولها خاصة وذلك أنها آية أنزلت على آل داود ، وقد كانت الجبال تسبح مع داود ، كما قال الله تعالى : { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق } [ ص : 18 ] وقال { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } [ النمل 30 ] . وفي الحديث ذكر نمط الديباج من الكتاب وفيه دليل وإشارة إلى أن هذا الكتاب يفتح على أمته ملك الأعاجم ، ويسلبونهم الديباج والحرير الذي كان زيهم وزينتهم وبه أيضا ينال ملك الآخرة ولباس الجنة وهو الحرير والديباج وفي سير موسى بن عقبة ، وسير سليمان بن المعتمر زيادة وهو أن جبريل أتاه بدرنوك من ديباج منسوج بالدر والياقوت فأجلسه عليه غير أن موسى بن عقبة قال ببساط ولم يقل درنوك ، وقال في سير بن المعتمر إن الله تعالى أنزل عليه { ألم نشرح لك صدرك } الآيات كأنه يشير به فمسح جبريل صدره وقال اللهم اشرح صدره وارفع ذكره وضع عنه وزره ويصحح ما رواه ابن المعتمر أن الله تعالى أنزل عليه { ألم نشرح لك صدرك } الآيات كأنه يشير إلى ذلك الدعاء الذي كان من جبريل والله أعلم .
الغط
وقوله في الحديث فغطني ، ويروى : فسأبني ، ويروى : سأتني ، وأحسبه أيضا يروى : فذعتني وكلها بمعنى واحد وهو الخنق والغم ، ومن الذعت حديثه الآخر أن الشيطان عرض له وهو يصلي قال فذعته حتى وجدت برد لسانه على يدي ثم ذكرت قول أخي [ ص 405 ] وقال ابن سلام في قوله تعالى : رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي الحديث وكان في ذلك إظهار للشدة والجد في الأمر وأن يأخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة فإنه أمر ليس بالهوينى ، وقد انتزع بعض التابعين وهو شريح القاضي من هذا : ألا يضرب الصبي على القرآن إلا ثلاثا كما غط جبريل عليه السلام محمدا - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا ، وعلى رواية ابن إسحاق أن ذلك في نومه كان يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولا ، ثم يأتي الفرج والروح وكذلك كان لقي هو وأصحابه شدة من الجوع في شعب الخيف ، حين تعاقدت قريش ألا يبيعوا منهم ولا يتركوا ميرة تصل إليهم وشدة أخرى من الخوف والإيعاد بالقتل وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليه ثم كانت العاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين .
ما أنا بقارئ
وقوله في حديث ابن إسحاق : اقرأ قال ما أقرأ يحتمل أن تكون ما استفهاما ، يريد أي شيء أقرأ ؟ ويحتمل أن تكون نفيا ، ورواية البخاري ومسلم تدل على أنه أراد النفي أي ما أحسن أن أقرأ كما تقدم من قوله ما أنا بقارئ .
رؤية جبريل ومعنى اسمه
[ ص 406 ] وذكر رؤيته لجبريل وهو صاف قدميه وفي حديث جابر أنه رآه على رفرف بين السماء والأرض ويروى : على عرش بين السماء والأرض وفي حديث البخاري الذي ذكره في آخر الجامع أنه حين فتر عنه الوحي كان يأتي شواهق الجبال يهم بأن يلقي نفسه منها ، فكان جبريل يتراءى له بين السماء والأرض يقول له أنت رسول الله وأنا جبريل . واسم جبريل سرياني ، ومعناه عبد الرحمن أو عبد العزيز . هكذا جاء عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا أيضا ، والوقف أصله . وأكثر الناس على أن آخر الاسم منه هو اسم الله وهو إيل وكان شيخنا رحمه الله يذهب مذهب طائفة من أهل العلم في أن هذه الأسماء إضافتها مقلوبة وكذلك الإضافة في كلام العجم ، يقولون في غلام زيد زيد غلام فعلى هذا يكون إيل عبارة عن العبد ويكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء الله تعالى ، ألا ترى كيف قال في حديث ابن عباس : جبريل وميكائيل كما تقول عبد الله وعبد الرحمن ألا ترى أن لفظ عبد يتكرر بلفظ واحد والأسماء ألفاظها مختلفة . حول معنى إل وخرافة الرهبان وأما إل بالتشديد من قوله تعالى : { إلا ولا ذمة } [ التوبة 10 ] فحذار حذار من أن تقول فيه هو اسم الله فتسمي الله باسم لم يسم به نفسه ألا ترى أن جميع أسماء الله تعالى [ ص 407 ] نكرة وحاشا لله أن يكون اسمه نكرة وإنما الأل كل ما له حرمة وحق ، فمما له حق ويجب تعظيمه القرابة والرحم والجوار والعهد وهو من أللت : إذا اجتهدت في الشيء وحافظت عليه ولم تضيعه ومنه الأل في السير وهو الجد ، ومنه قول الكميت [ يصف رجلا ] :
وأنت ما أنت في غبراء مجدبة ... إذا دعت ألليها الكاعب الفضل
يريد اجتهدت في الدعاء وإذا كان الأل بالفتح المصدر فالإل بالكسر الاسم كالذبح في الذبح فهو إذا الشيء المحافظ عليه وقول الصديق [ عن كلام مسيلمة ] : هذا كلام لم يخرج من إل ولا بر أي لم يصدر عن ربوبية لأن الربوبية حقها واجب معظم وكذلك فسره أبو عبيد ، واتفق في اسم جبريل عليه السلام أنه موافق من جهة العربية لمعناه وإن كان أعجميا ، فإن الجبر هو إصلاح ما وهى ، وجبريل موكل بالوحي وفي الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهى من الدين ولم يكن معروفا بمكة ولا بأرض العرب فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة به انطلقت تسأل من عنده علم من الكتاب كعداس ونسطور الراهب فقال لها : قدوس قدوس أنى لهذا الاسم أن يذكر في هذه البلاد وقد قدمنا هذا الخبر عنها ، وهو في سير التيمي لما ذكرناه قبل وفي كتاب المعيطي عن أشهب قال سئل مالك عن التسمي بجبريل أو من يسمي به ولده فكره ذلك ولم يعجبه .
معنى الناموس
[ ص 408 ] كان يأتي موسى . الناموس صاحب سر الملك قال بعضهم هو صاحب سر الخير والجاسوس هو صاحب سر الشر وقد فسره أبو عبيد وأنشد
فأبلغ يزيد إن عرضت ومنذرا ... عمهما والمستشز المنامسا
لم ذكر موسى ولم يذكر عيسى
[ ص 409 ] ذكر ورقة موسى ولم يذكر عيسى ، وهو أقرب لأن ورقة كان قد تنصر والنصارى لا يقولون في عيسى : إنه نبي يأتيه جبريل إنما يقولون فيه إن أقنوما من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح واتحد به على اختلاف بينهم في ذلك الحلول وهو أقنوم الكلمة والكلمة عندهم عبارة عن العلم فلذلك كان المسيح عندهم يعلم الغيب ويخبر بما في غد فلما كان هذا من مذهب النصارى الكذبة على الله المدعين المحال عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه أو لاعتقاده أن جبريل كان ينزل على موسى ، لكن ورقة قد ثبت إيمانه بمحمد عليه السلام وقد قدمنا حديث الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رآه في المنام وعليه ثياب بيض إلى آخر الحديث .
حول هاء السكت والفعل تدرك
وقول ورقة لتكذبنه ولتؤذينه ولا ينطق بهذه الهاء إلا ساكنة لأنها هاء السكت وليست بهاء إضمار . وقوله إن أدرك ذلك اليوم أنصرك نصرا مؤزرا ، وقال في الحديث إن يدركني يومك وهو القياس لأن ورقة سابق بالوجود والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء في الحديث أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي ، ورواية ابن إسحاق أيضا لها وجه لأن المعنى : أترى ذلك اليوم فسمى رؤيته إدراكا ، وفي التنزيل لا تدركه الأبصار أي لا تراه على أحد القولين . وقوله مؤزرا من الأزر وهو القوة والعون .
شرح أومخرجي ؟
فصل وفي حديث البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لورقة أومخرجي هم لا بد من تشديد الياء في مخرجي لأنه جمع ، والأصل مخرجوي فأدغمت الواو في الياء وهو خبر ابتداء مقدم ولو كان المبتدأ اسما ظاهرا لجاز تخفيف الياء ويكون الاسم الظاهر فاعلا لا مبتدأ كما تقول أضارب قومك ، أخارج إخوتك فتفرد لأنك رفعت به فاعلا ، وهو حسن في مذهب سيبويه والأخفش ولولا الاستفهام ما جاز الإفراد إلا على مذهب الأخفش فإنه يقول قائم الزيدون دون استفهام فإن كان الاسم المبتدأ من المضمرات نحو أخارج أنت [ ص 401 ] وأقائم هو ؟ لم يصح فيه إلا الابتداء لأن الفاعل إذا كان مضمرا لم يكن منفصلا لا تقول قام أنا ، ولا ذهب أنت وكذلك لا تقول أذاهب أنت على حد الفاعل ولكن على المبتدإ وإذا كان على حد المبتدإ فلا بد من جمع الخبر ، فعلى هذا تقول أمخرجي هم تريد مخرجون ثم أضيف إلى الياء وحذفت النون وأدغمت الواو كما يقتضي القياس .
حول اليافوخ والذهاب إلى ورقة
فصل وذكر أن ورقة بن نوفل لقي النبي عليه السلام فقبل يافوخه قد تقدم ذكر اليافوخ وأنه يفعول مهموز وأنه لا يقال في رأس الطفل يافوخ حتى يشتد وإنما يقال له الغاذية وذكرنا قول العجاج ضرب إذا أصاب اليآفيخ حفر . ولو كان يافوخ فاعولا ، كما ظن بعضهم لم يجز همزه في الواحد . ولا في الجمع وفي رواية يونس عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر " . قالت معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك . فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم . وتصدق الحديث فلما دخل أبو بكر ، وليس [ عندها ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكرت خديجة له ذلك فقالت يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ أبو بكر بيده . فقال انطلق بنا إلى ورقة بن نوفل . فقال " ومن أخبرك " ؟ قال خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي : يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض فقال له لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك . ثم ائتني ، فأخبرني ، فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . حتى بلغ ولا الضالين . قل لا إله إلا الله . فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم ، وأنك على مثل ناموس موسى ، وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا . ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك . فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيت القس في الجنة وعليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني : ورقة وفي رواية [ ص 411 ] قال لرجل سب ورقة أما علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين وهذا الحديث الأخير قد أسنده البزار .
لقد خشيت على نفسي
فصل وفي الصحيح أنه قال لخديجة لقد خشيت على نفسي وتكلم العلماء في معنى هذه الخشية بأقوال كثيرة فذهب أبو بكر الإسماعيلي إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم بأن الذي جاءه ملك من عند الله وكان أشق شيء عليه أن يقال عنه مجنون ولم ير الإسماعيلي أن هذا محال في مبدإ الأمر لأن العلم الضروري قد لا يحصل دفعة واحدة وضرب مثلا بالبيت من الشعر تسمع أوله فلا تدري أنظم هو أم نثر فإذا استمر الإنشاد علمت قطعا أنه قصد به قصد الشعر كذلك لما استمر الوحي واقترنت به القرائن المقتضية للعلم القطعي حصل العلم القطعي ، وقد أثنى الله تعالى عليه بهذا العلم فقال { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } إلى قوله { وملائكته وكتبه ورسله } فإيمانه بالله وبملائكته إيمان كسبي موعود عليه بالثواب الجزيل كما وعد على سائر أفعاله المكتسبة كانت من أفعال القلب أو أفعال الجوارح وقد قيل في قوله لقد خشيت على نفسي أي خشيت ألا أنهض بأعباء النبوة وأن أضعف عنها ، ثم أزال الله خشيته ورزقه الأيد والقوة والثبات والعصمة وقد قيل إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه ولا غرو فإنه بشر يخشى من القتل والإذاية الشديدة ما يخشاه البشر ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة وقد قيل في معنى الخشية أقوال غير هذه رغبت عن التطويل بذكرها .

(1/400)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية