صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الروض الأنف
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]

الروض الأنف
مقدمة الروض الأنف
[ ص 15 ] المقدم على كل أمر ذي بال وذكره - سبحانه - حري ألا يفارق الخلد والبال كما بدأنا - جل وعلا - بجميل عوارفه قبل الضراعة إليه والابتهال فله الحمد - تعالى - حمدا لا يزال دائم الاقتبال . ضافي السربال جديدا على مر الجديدين غير بال . على أن حمده - سبحانه - وشكره على نعمه وجميل بلائه منة من مننه . وآلاء من آلائه . فسبحان من لا غاية لجوده ونعمائه ولا حد لجلاله ولا حصر لأسمائه والحمد لله الذي ألحقنا بعصابة الموحدين ووفقنا للاعتصام بعروة هذا الأمر المتين [ ص 16 ] وخلقنا في إبان الإمامة الموعود ببركتها على لسان الصادق الأمين إمامة سيدنا الخليفة أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين الساطعة أنوارها في جميع الآفاق . المطفئة بصوب سحائبها ، وجوب كتائبها جمرات الكفر والنفاق
في دولة لحظ الزمان شعاعا ... فارتد منتكصا بعيني أرمد
من كان مولده تقدم قبلها ... أو بعدها ، فكأنه لم يولد
فله الحمد - تعالى - على ذلك كله حمدا لا يزال يتجدد ويتوالى ، وهو المسئول - سبحانه - أن يخص بأشرف صلواته وأكثف بركاته المجتبى من خليقته والمهدي بطريقته المؤدي إلى اللقم الأفيح والهادي إلى معالم دين الله من أفلح نبيه محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم - كما قد أقام به الملة العوجاء ، وأوضح بهديه الطريقة البلجاء وفتح به آذانا صما وعيونا عميا ، وقلوبا غلفا . فصلى الله عليه وعلى آله صلاة تحله أعلى منازل الزلفى .
الغاية من تأليف الكتاب
( وبعد ) فإني قد انتحيت في هذا الإملاء بعد استخارة ذي الطول والاستعانة بمن له القدرة والحول . إلى إيضاح ما وقع في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي سبق إلى تأليفها أبو بكر محمد بن إسحاق المطلبي ، ولخصها عبد الملك بن هشام المعافري المصري النسابة النحوي مما بلغني علمه ويسر لي فهمه من لفظ غريب أو إعراب غامض أو كلام مستغلق أو نسب عويص أو موضع فقه ينبغي التنبيه عليه أو خبر ناقص يوجد السبيل إلى تتمته مع الاعتراف بكلول الحد عن مبلغ ذلك [ ص 17 ] يدع الجحش من بذه الأعيار ومن سافرت في العلم همته فلا يلق عصا التسيار وقد قال الأول
افعل الخير ما استطعت ، وإن كا ... ن قليلا فلن تحيط بكله
ومتى تبلغ الكثير من الفضل ... إذا كنت تاركا لأقله ؟
نسأل الله التوفيق لما يرضيه وشكرا يستجلب المزيد من فضله ويقتضيه .
لماذا أتقن التأليف
قال المؤلف أبو القاسم قلت هذا ؛ لأني كنت حين شرعت في إملاء هذا الكتاب خيل إلي أن المرام عسير فجعلت أخطو خطو الحسير . وأنهض نهض البرق الكسير وقلت : كيف أرد مشرعا لم يسبقني إليه فارط . وأسألك سبيلا لم توطأ قبلي بخف ولا حافر فبينا أنا أتردد تردد الحائر إذ سفع لي هنالك خاطر أن هذا الكتاب سيرد الحضرة العلية المقدسة الإمامية . وأن الإمامة ستلحظه بعين القبول وأنه سيكتتب للخزانة المباركة - عمرها الله - بحفظه وكلاءته وأمد أمير المؤمنين بتأييده ورعايته فينتظم الكتاب بسلك أعلاقها ، ويتسق مع تلك الأنوار في مطالع إشرافها ، فعند ذلك امتطيت صهوة الجد وهززت نبعة العزم . ومريت أخلاف الحفظ واجتهرت ينابيع الفكر وعصرت بلالة الطبع فألفيت - بحمد الله - الباب فتحا وسلكت سبل ربي ذللا ، فتبجست لي - بمن الله تعالى - من المعاني الغريبة عيونها ، وانثالت علي من الفوائد اللطيفة أبكارها وعونها ، وطفقت عقائل الكلم يزدلفن إلي بأيتهن أبدأ فأعرضت عن بعضها إيثارا للإيجاز ودفعت في صدور أكثرها خشية الإطالة والإملال لكن تحصل في هذا الكتاب من فوائد العلوم والآداب وأسماء الرجال [ ص 18 ] صدري ، ونفحه فكري . ونتجه نظري ، ولقنته عن مشيختي ، من نكت علمية لم أسبق إليها ، ولم أزحم عليها ، كل ذلك بيمن الله وبركة هذا الأمر المحيي لخواطر الطالبين والموقظ لهمم المسترشدين والمحرك للقلوب الغافلة إلى الاطلاع على معالم الدين مع أني قللت الفضول وشذبت أطراف الفصول ولم أتتبع شجون الأحاديث وللحديث شجون ولا جمحت بي خيل الكلام إلى غاية لم أردها ، وقد عنت لي منه فنون فجاء الكتاب من أصغر الدواوين حجما . ولكنه كنيف مليء علما ، ولو ألفه غيري لقلت فيه أكثر من قولي هذا . وكان بدء إملائي هذا الكتاب في شهر المحرم من سنة تسع وستين وخمسمائة وكان الفراغ منه في جمادى الأولى من ذلك العام . سنده فالكتاب الذي تصدينا له من السير هو ما حدثنا به الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي سماعا عليه قال ثنا أبو الحسن القرافي الشافعي ، قال ثنا أبو محمد بن النحاس قال ثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الورد عن أبي سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم بن أبي زرعة الزهري البرقي عن أبي محمد عبد الملك بن هشام وحدثنا به أيضا - سماعا عليه - أبو مروان عبد الملك بن سعيد بن بونه القرشي العبدري عن أبي بحر سفيان بن العاص الأسدي عن أبي الوليد هشام بن أحمد الكناني . وحدثني به أيضا أبو مروان عن أبي بكر بن بزال عن أبي عمر أحمد بن محمد المقري الطلمنكي عن أبي جعفر أحمد بن عون الله بن حدير عن أبي محمد بن الورد عن البرقي عن ابن هشام . وحدثني به أيضا - سماعا وإجازة - أبو بكر محمد بن طاهر الإشبيلي عن أبي علي الغساني عن أبي عمر النمري وغيره عن أشياخه عن الطلمنكي بالإسناد المتقدم .

(1/1)


ترجمة ابن إسحاق
[ ص 19 ] أبو بكرمحمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء لأن ولاءه لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ، وكان جده يسار من سبي عين التمر ، سباه خالد بن الوليد . ومحمد بن إسحاق هذا - رحمه الله - ثبت في الحديث عند أكثر العلماء وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته فيها . قال ابن شهاب الزهري : من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق . ذكره البخاري في التاريخ ، وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال ما أدركت أحدا يتهم ابن إسحاق في حديثه وذكر أيضا عن شعبة بن الحجاج أنه قال ابن إسحاق أمير المؤمنين يعني : في الحديث وذكر أبو يحيى الساجي - رحمه الله - بإسناد له عن الزهري أنه قال خرج إلى قريته باذام فخرج إليه طلاب الحديث فقال لهم أين أنتم من الغلام الأحول أو قد خلفت فيكم الغلام الأحول يعني : ابن إسحاق ، وذكر الساجي أيضا قال كان أصحاب الزهري يلجئون إلى محمد بن إسحاق فيما شكوا فيه من حديث الزهري ، ثقة منهم بحفظه هذا معنى كلام الساجي نقلته من حفظي ، لا من كتاب . وذكر عن يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن سعيد القطان أنهم [ ص 20 ] ابن إسحاق ، واحتجوا بحديثه وذكر علي بن عمر الدارقطني في السنن حديث القلتين من جميع طرقه وما فيه من الاضطراب ثم قال في حديث جرى : وهذا يدل على حفظ محمد بن إسحاق وشدة إتقانه . قال المؤلف وإنما لم يخرج البخاري عنه وقد وثقه وكذلك وثقه مسلم بن الحجاج ، ولم يخرج عنه أيضا إلا حديثا واحدا في الرجم عن سعيد المقبري عن أبيه من أجل طعن مالك فيه وإنما طعن فيه مالك - فيما ذكر أبو عمر رحمه الله عن عبد الله بن إدريس الأودي - لأنه بلغه أن ابن إسحاق قال هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله فقال مالك وما ابن إسحاق ؟ إنما هو دجال من الدجاجلة نحن أخرجناه من المدينة ، يشير - والله أعلم - إلى أن الدجال لا يدخل المدينة . قال ابن إدريس وما عرفت أن دجالا يجمع على دجاجلة حتى سمعتها عن مالك وذكر أن ابن إسحاق مات ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة وقد أدرك من لم يدركه مالك روى حديثا كثيرا عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، ومالك إنما يروى عن رجل عنه وذكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت في تاريخه - فيما ذكر لي عنه - أنه - يعني ابن إسحاق - رأى أنس بن مالك ، وعليه عمامة سوداء والصبيان خلفه يشتدون ويقولون هذا صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يموت حتى يلقى الدجال وذكر الخطيب أيضا أنه روي عن سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن . وذكر أن يحيى بن سعيد الأنصاري شيخ مالك روى عن ابن إسحاق قال وروى عنه سفيان الثوري ، والحمادان حماد بن سلمة بن دينار ، وحماد بن زيد بن درهم ، وشعبة . وذكر عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال من أراد أن يتبحر في المغازي ، فهو عيال على محمد بن إسحاق فهذا ما بلغنا عن محمد بن إسحاق - رحمه الله .

(1/18)


رواة الكتاب عن ابن إسحاق
[ ص 21 ] يونس بن بكير الشيباني ومحمد بن فليح والبكائي ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن إدريس وسلمة بن الفضل الأسدي وغيرهم . ونذكر البكائي لأنه شيخ ابن هشام ، وهو أبو محمد زياد بن عبد الله بن طفيل بن عامر القيسي العامري ، من بني عامر بن صعصعة ثم من بني البكاء واسم البكاء ربيعة ، وسمي البكاء لخبر يسمج ذكره كذلك ذكر بعض النسابين . والبكائي هذا ثقة خرج عنه البخاري في كتاب الجهاد وخرج عنه مسلم في مواضع من كتابه وحسبك بهذا تزكية . وقد روى زياد عن حميد الطويل وذكر البخاري في التاريخ عن وكيع قال زياد [ ص 22 ] فقال في كتابه عن البخاري : قال قال وكيع : زياد بن عبد الله - على شرفه - يكذب في الحديث وهذا وهم ولم يقل وكيع فيه إلا ما ذكره البخاري في تاريخه ولو رماه وكيع بالكذب ما خرج البخاري عنه حديثا ، ولا مسلم كما لم يخرجا عن الحارث الأعور لما رماه الشعبي بالكذب ولا عن أبان بن أبي عياش لما رماه شعبة بالكذب وهو كوفي توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة .

(1/20)


ترجمة ابن هشام
وأما عبد الملك بن هشام ، فمشهور بحمل العلم متقدم في علم النسب والنحو وهو حميري معافري من مصر ، وأصله من البصرة ، وتوفي بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين وله كتاب في أنساب حمير وملوكها ، وكتاب في شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب - فيما ذكر لي - والحمد لله كثيرا ، وصلواته على نبيه محمد وسلامه .

(1/22)


بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
[ ص 23 ] رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين .
ذكر سرد النسب الزكي
" من محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى آدم عليه السلام " قال أبو محمد عبد الملك بن هشام : هذا كتاب سيرة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، واسم عبد المطلب : شيبة بن هاشم واسم هاشم عمرو بن عبد مناف .Sتفسير نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ ص 23 ] أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام معاني بديعة وحكمة من الله بالغة في تخصيص نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بهذين الاسمين محمد وأحمد فلتنظر هناك ولعلنا أن نعود إليه في باب مولده من هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى .
عبد المطلب
وأما جده عبد المطلب ، فاسمه عامر في قول ابن قتيبة ، وشيبة في قول ابن إسحاق وغيره وهو الصحيح . وقيل سمي شيبة لأنه ولد وفي رأسه شيبة وأما غيره من العرب ممن اسمه شيبة فإنما قصد في تسميتهم بهذا الاسم التفاؤل لهم ببلوغ سن الحنكة [ ص 24 ] سموا بهرم وكبير وعاش عبد المطلب مائة وأربعين سنة وكان لدة عبيد بن الأبرص الشاعر غير أن عبيدا مات قبله بعشرين سنة قتله المنذر أبو النعمان بن المنذر ، ويقال إن عبد المطلب أول من خضب بالسواد من العرب ، والله أعلم . وقد ذكر ابن إسحاق سبب تلقيبه بعبد المطلب . والمطلب مفتعل من الطلب . وأما هاشم فعمر - كما ذكر - وهو اسم منقول من أحد أربعة أشياء من العمر الذي هو العمر أو العمر الذي هو من عمور الأسنان وقاله القتبي : أو العمر الذي هو طرف الكم يقال سجد على عمريه أي على كميه أو العمر الذي هو القرط كما قال التنوخي :
وعمرو هند كأن الله صوره ... عمرو بن هند يسوم الناس تعنيتا
وزاد أبو حنيفة وجها خامسا ، فقال في العمر الذي هو اسم لنخل السكر ويقال فيه عمر أيضا ، قال يجوز أن يكون أحد الوجوه التي بها سمي الرجل عمرا وقال كان ابن أبي ليلى يستاك بعسيب العمر .

(1/22)


[ ص 24 ] [ ص 25 ] واسم عبد مناف : المغيرة بن قصي ، بن كلاب بن مرة بن عبد منافSوعبد مناف اسمه المغيرة - كما ذكر - وهو منقول من الوصف والهاء فيه للمبالغة أي إنه مغير على الأعداء أو مغير من أغار الحبل إذا أحكمه ودخلته الهاء كما دخلت في علامة ونسابة لأنهم قصدوا قصد الغاية وأجروه مجرى الطامة والداهية وكانت الهاء أولى بهذا المعنى لأن مخرجها غاية الصوت ومنتهاه ومن ثم لم يكسر ما كانت فيه هذه الهاء فيقال في علامة علاليم وفي نسابة نساسيب كي لا يذهب اللفظ الدال على المبالغة كما لم يكسر الاسم المصغر كي لا تذهب بنية التصغير وعلامته . [ ص 25 ] تكون الهاء في مغيرة للتأنيث ويكون منقولا من وصف كتيبة أو خيل مغيرة ، كما سموا بعسكر . وعبد مناف هذا كان يلقب قمر البطحاء - فيما ذكر الطبري - وكانت أمه حبى قد أخدمته مناة وكان صنما عظيما لهم وكان سمي به عبد مناة ثم نظر قصي فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة فحوله عبد مناف . ذكره البرقي والزبير أيضا ، وفي المعيطي عن أبي نعيم قال قلت لمالك ما كان اسم عبد المطلب ؟ قال شيبة . قلت : فهاشم ؟ قال عمرو ، قلت : فعبد مناف ؟ قال لا أدري .
وقصي
اسمه زيد وهو تصغير قصي أي بعيد لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته أمه فاطمة مع رابه ربيعة بن حرام على ما سيأتي بيانه في الكتاب - إن شاء الله تعالى - وصغر على فعيل وهو تصغير فعيل لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث ياءات فحذفوا إحداهن وهي الياء الزائدة الثانية التي تكون في فعيل نحو قضيب فبقي على وزن فعيل ويجوز أن يكون المحذوف لام الفعل فيكون وزنه فعيا ، وتكون ياء التصغير هي الباقية مع الزائدة فقد جاء ما هو أبلغ في الحذف من هذا ، وهي قراءة قنبل يا بني ببقاء ياء التصغير وحدها ، وأما قراءة حفص يا بني فإنما هي ياء التصغير مع ياء المتكلم ولام الفعل محذوفة فكان وزنه فعي ومن كسر الياء قال يا بني فوزنه يا فعيل ، وياء المتكلم هي المحذوفة في هذه القراءة .
كلاب
وأما كلاب فهو منقول إما من المصدر الذي هو معنى المكالبة نحو كالبت العدو مكالبة وكلابا ، وإما من الكلاب جمع كلب ، لأنهم يريدون الكثرة كما سموا بسباع [ ص 26 ] وأنمار . وقيل لأبي الرقيش الكلابي الأعرابي لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح ؟ فقال إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا ، وعبيدنا لأنفسنا ، يريد أن الأبناء عدة الأعداء وسهام في نحورهم فاختاروا لهم هذه الأسماء . ومرة منقول من وصف الحنظلة والعلقمة وكثيرا ما يسمون بحنظلة وعلقمة ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة فيكون منقولا من وصف الرجل بالمرارة ويقوي هذا قولهم تميم بن مر ، وأحسبه من المسمين بالنبات لأن أبا حنيفة ذكر أن المرة بقلة تقلع فتؤكل بالخل والزيت يشبه ورقها ورق الهندباء .

(1/24)


كعب بن لؤي بن [ ص 26 ] [ ص 27 ]Sكعب
وأما كعب فمنقول إما من الكعب الذي هو قطعة من السمن أو من كعب القدم وهو عندي أشبه لقولهم ثبت ثبوت الكعب وجاء في خبر ابن الزبير أنه كان يصلي عند الكعبة يوم قتل وحجارة المنجنيق تمر بأذنيه وهو لا يلتفت كأنه كعب راتب . وكعب بن لؤي هذا أول من جمع يوم العروبة ولم تسم العروبة . الجمعة إلا منذ جاء الإسلام في قول بعضهم وقيل هو أول من سماها الجمعة فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم باتباعه والإيمان به وينشد في هذا أبياتا منها قوله
يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... إذا قريش تبغي الحق خذلانا
[ ص 27 ] ذكر الماوردي هذا الخبر عن كعب في كتاب الأحكام له
لؤي
وأما لؤي ، فقال ابن الأنباري هو تصغير اللأي وهو الثور الوحشي وأنشد
يعتاد أدحية بقين بقفرة ... ميثاء يسكنها اللأي والفرقد
قال أبو حنيفة اللأي هي البقرة قال وسمعت أعرابيا يقول بكم لاءك هذه وأنشد في وصف فلاة
كظهر اللأي لو يبتغي رية بها ... نهارا لأعيت في بطون الشواجن
الشواجن شعب الجبال والرية مقلوب من ورى الزند وأصله ورية وهو الحراق الذي يشعل به الشررة من الزند وهو عندي تصغير لأي واللأي البطء كأنهم يريدون معنى الأناة وترك العجلة وذلك أني ألفيته في أشعار بدر مكبرا على هذا اللفظ في شعر أبي أسامة حيث يقول
فدونكم بني لأي أخاكم ... ودونك مالكا يا أم عمرو
مع ما جاء في بيت الحطيئة في غيره
أتت آل شماس بن لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العد
وقوله أيضا :
فماتت أم جارة آل لأي ... ولكن يضمنون لها قراها
وفي الحديث من قول أبي هريرة . والراوية يومئذ يستقى عليها أحب إلي من شاء ولاء فاللاء ههنا جمع اللائي ، وهو الثور مثل الباقر والجامل وتوهم ابن قتيبة أن قوله لاء مثل ماء فخطأ الرواية وقال إنما [ ص 28 ] ألعاع جمع لأي وليس الصواب إلا ما تقدم وأنه لاء مثل جاء .

(1/26)


[ ص 28 ] فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسم مدركة عامر بن إلياس بن مضر بن [ ص 29 ] [ ص 30 ]Sفهروغيره
وأما فهر فقد قيل إنه لقب والفهر من الحجارة الطويل واسمه قريش وقيل بل اسمه فهر وقريش لقب له على ما سيأتي الاختلاف فيه - إن شاء الله تعالى - ومالك والنضر وكنانة لا إشكال فيها
خزيمة
وخزيمة والد كنانة تصغير خزمة وهي واحدة الخزم ويجوز أن يكون تصغير خزمة وكلاهما موجود في أسماء الأنصار وغيرهم وهي المرة الواحدة من الخزم وهو شد الشيء وإصلاحه وقال أبو حنيفة الخزم مثل الدوم تتخذ من سعفه الحبال ويصنع من أسافله خلايا للنحل وله ثمر لا يأكله الناس ولكن تألفه الغربان وتستطيبه .
مدركة وإلياس
وأما مدركة فمذكور في الكتاب وإلياس أبوه قال فيه ابن الأنباري إلياس بكسر الهمزة وجعله موافقا لاسم إلياس النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال في اشتقاقه أقوالا منها : أن يكون فعيالا من الألس وهي الخديعة وأنشد من فهة الجهل والألسة . ومنها أن الألس اختلاط العقل وأنشدوا : إني إذا لضعيف العقل مألوس [ ص 29 ] أليس وهو الشجاع الذي لا يفر . قال العجاج أليس عن حوبائه سخي وقال آخر أليس كالنشوان وهو صاح وفي غريب الحديث للقتبي أن فلانا : أليس أهيس ألد ملحس . إن سئل أزز وإن دعي انتهز . وقد فسره وزعم أن أهيس مقلوب الواو وأنه مرة من الهوس وجعلت واوه ياء لازدواج الكلام فالأليس الثابت الذي لا يبرح والذي قاله غير ابن الأنباري أصح ، وهو أنه الياس سمي بضد الرجاء واللام فيه للتعريف والهمزة همزة وصل وقاله قاسم بن ثابت في الدلائل وأنشد أبياتا شواهد منها قول قصي :
إني لدى الحرب رخي اللبب ... أمهتي خندف والياس أبي
ويقال إنما سمي السل داء ياس وداء إلياس لأن إلياس بن مضر مات منه . قال ابن هرمة
يقول العاذلون إذا رأوني ... أصبت بداء ياس فهو مودي
وقال ابن أبي عاصية
فلو كان داء إلياس بي ، وأعانني ... طبيب بأرواح العقيق شفانيا
وقال عروة بن حزام
بي إلياس أو داء الهيام أصابني ... فإياك عني لا يكن بك ما بيا
[ ص 30 ] صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا وذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحج . ينظر في كتاب المولد للواقدي . وإلياس أول من أهدى البدن للبيت . قاله الزبير . وأم إلياس الرباب بنت حميرة بن معد بن عدنان قاله الطبري ، وهو خلاف ما قاله ابن هشام في هذا الكتاب . وأما مضر ، فقد قال القتبي هو من المضيرة أو من اللبن الماضر والمضيرة شيء يصنع من اللبن فسمي مضر لبياضه والعرب تسمي الأبيض أحمر فلذلك قيل مضر الحمراء وقيل بل أوصى له أبوه بقبة حمراء ، وأوصى لأخيه ربيعة بفرس فقيل مضر الحمراء وربيعة الفرس . ومضر أول من سن للعرب حداء الإبل وكان أحسن الناس صونا فيما زعموا - وسنذكر سبب ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى - وفي الحديث المروي " لا تسبوا مضر ولا ربيعة ، فإنهما كانا مؤمنين " ذكره الزبير بن أبي بكر .

(1/28)


نزار بن معد بنSنزار ومعد
وأما نزار فمن النزر وهو القليل وكان أبوه حين ولد له ونظر إلى النور بين عينيه وهو نور النبوة الذي كان ينتقل في الأصلاب إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فرح فرحا شديدا به [ ص 31 ] وأطعم وقال إن هذا كله نزر لحق هذا المولود فسمي نزارا لذلك . وأما معد أبوه فقال ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال أحدها ، أن يكون مفعلا من العد والثاني أن يكون فعلا من معد في الأرض أي أفسد كما قال
وخاربين خربا فمعدا ... ما يحسبان الله إلا رقدا
وإن كان ليس في الأسماء ما هو على وزن فعل بفتح الفاء إلا مع التضعيف فإن التضعيف يدخل في الأوزان ما ليس فيها كما قالوا . شمر وقشعريرة ولولا التضعيف ما وجد مثل هذا ، ونحو ذلك الثالث أن يكون من المعدين وهما موضع عقبي الفارس من الفرس وأصله على القولين الأخيرين من المعد بسكون العين وهو القوة ومنه اشتقاق المعدة .

(1/30)


عدنان بن أد ويقال أدد بنSعدنان
وأما عدنان ففعلان من عدن إذا أقام ولعدنان أخوان نبت وعمرو فيما ذكر الطبري .
النسب قبل عدنان
وأدد مصروف . قال ابن السراج . هو من الود وانصرف لأنه مثل ثقب وليس معدولا كعمر وهو معنى قول سيبويه . [ ص 32 ] قيل في عدنان هو ابن ميدعة وقيل ابن يحثم قاله القتبي وما بعد عدنان من الأسماء مضطرب فيه فالذي صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه انتسب إلى عدنان لم يتجاوزه بل قد روي عن طريق ابن عباس أنه لما بلغ عدنان . قال " كذب النسابون مرتين أو ثلاثا " ، والأصح في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال إنما ننتسب إلى عدنان وما فوق ذلك لا ندري ما هو وأصح شيء روي فيما بعد عدنان ما ذكره الدولابي أبو بشر من طريق موسى بن يعقوب عن عبد الله بن وهب بن زمعة الزمعي عن عمته عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال معد بن عدنان بن أدد بن زند - بالنون - بن اليرى بن أعراق الثرى " قالت أم سلمة . فزند هو الهميسع واليرى هو نبت وأعراق الثرى هو إسماعيل لأنه ابن إبراهيم وإبراهيم لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى وقد قال الدارقطني : لا نعرف زندا إلا في هذا الحديث وزند بن الجون وهو أبو دلامة الشاعر . قال المؤلف وهذا الحديث عندي ليس بمعارض لما تقدم من قوله كذب النسابون ولا لقول عمر - رضي الله عنه - لأنه حديث متأول يحتمل أن يكون قوله " [ ص 33 ] ابن اليرى ، ابن أعراق الثرى " كما قال " كلكم بنو آدم وآدم من تراب " لا يريد أن الهميسع ومن دونه ابن لإسماعيل لصلبه ولا بد من هذا التأويل أو غيره لأن أصحاب الأخبار لا يختلفون في بعد المدة ما بين عدنان وإبراهيم ويستحيل في العادة أن يكون بينهما أربعة آباء أو سبعة كما ذكر ابن إسحاق ، أو عشرة أو عشرون فإن المدة أطول من ذلك كله وذلك . أن معد بن عدنان كان في مدة بختنصر ابن ثنتي عشرة سنة . قال الطبري : وذكر أن الله تعالى أوحى في ذلك الزمان إلى إرمياء بن حلقيا أن اذهب إلى بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب ، واحمل معدا على البراق كيلا تصيبه النقمة فيهم فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل فاحتمل معدا على البراق إلى أرض الشام ، فنشأ مع بني إسرائيل وتزوج هناك امرأة اسمها : معانة بنت جوشن من بني دب بن جرهم ، ويقال في اسمها : ناعمة . قاله الزبير ومن ثم وقع في كتاب الإسرائيليين نسب معد ثبته في كتبه رخيا ، وهو يورخ كاتب إرمياء . كذلك ذكر أبو عمر النمري حدثت بذلك عن الغساني عنه وبينه وبين إبراهيم في ذلك النسب نحو من أربعين جدا ، وقد ذكرهم كلهم أبو الحسن المسعودي على اضطراب في الأسماء ولذلك - والله أعلم - أعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رفع نسب عدنان إلى إسماعيل لما فيه من التخليط وتغيير في الألفاظ وعواصة تلك الأسماء مع قلة الفائدة في تحصيلها . وقد ذكر الطبري نسب عدنان إلى إسماعيل من وجوه ذكر في أكثرها نحوا من أربعين أبا ، ولكن باختلاف في الألفاظ لأنها نقلت من كتب عبرانية وذكر من وجه قوي في الرواية عن نساب العرب ، أن نسب عدنان يرجع إلى قيذر بن إسماعيل وأن قيذر كان الملك في زمانه وأن معنى قيذر الملك إذا فسر وذكر الطبري في عمود هذا النسب بورا بن شوحا ، وهو أول من عتر العتيرة وأن شوحا هو سعد رجب وأنه أول من سن رجبا للعرب . والعتيرة هي الرجبية . [ ص 34 ] وذكر في هذا النسب عبيد بن ذي يزن بن هماذا ، وهو الطعان وإليه تنسب الرماح اليزنية وذكر فيهم أيضا دوس العتق وكان من أحسن الناس وجها ، وكان يقال في المثل أعتق من دوس ، وهو الذي هزم جيش قطورا بن جرهم . وذكر فيهم إسماعيل ذا الأعوج وهو فرسه وإليه تنسب الخيل الأعوجية وهذا هو الذي يشبه فإن بختنصر كان بعد سليمان بمئتين من السنين لأنه كان عاملا على العراق " لكي لهراسب " ثم لابنه " كي بستاسب " إلى مدة بهمن قبل غلبة الإسكندر على دارا بن دارا بهمن ، وذلك قريب من مدة عيسى ابن مريم فأين هذه المدة من مدة إسماعيل ؟ وكيف يكون بين معد وبنيه مع هذا سبعة آباء فكيف أربعة والله أعلم ؟ . وكان رجوع معد إلى أرض الحجاز بعد ما رفع الله بأسه عن العرب ورجعت بقاياهم التي كانت في الشواهق إلى محالهم ومياههم بعد أن دوخ بلادهم بختنصر وخرب المعمور واستأصل أهل حضور وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله { وكم قصمنا من قرية } الأنبياء الآية وذلك لقتلهم شعيب بن ذي مهدم نبيا أرسله الله إليهم وقبره بصنين جبل باليمن وليس بشعيب الأول صاحب مدين . ذلك شعيب بن عيفي ، ويقال فيه ابن صيفون وكذلك أهل عدن ، قتلوا نبيا أرسل إليهم اسمه حنظلة بن صفوان فكانت سطوة الله بالعرب لذلك نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه .

(1/31)


مقوم بن ناحور بن تيرح بن [ ص 31 ] [ ص 32 ] [ ص 33 ] [ ص 34 ] نابت بن إسماعيل بن إبراهيم - خليل الرحمن - بن تارح وهو آزر بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بنSعود إلى النسب
ثم نعود إلى النسب . فأما مقوم بكسر الواو وأبو أدد فمفهوم المعنى ، وتيرح فيعل من الترحة إن كان عربيا . وكذلك ناحور من النحر ويشجب من الشجب وإن كان المعروف أن يقال شجب بكسر الجيم يشجب بفتحها ، ولكن قد يقال في المغالبة شاجبته [ ص 35 ] الماضي ؛ كما يقال من العلم عالمته فعلمته بفتح اللام أعلمه بضمها . وقد ذكرهم أبو العباس الناشئ في قصيدته المنظومة في نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى آدم كما ذكرهم ابن إسحاق . وإبراهيم معناه أب راحم وآزر قيل معناه يا أعوج وقيل هو اسم صنم وانتصب على إضمار الفعل في التلاوة وقيل هو اسم لأبيه كان يسمى تارح وآزر وهذا هو الصحيح لمجيئه في الحديث منسوبا إلى آزر وأمه نونا ، ويقال في اسمها . ليوثي ، أو نحو هذا وما بعد إبراهيم أسماء سريانية فسر أكثرها بالعربية ابن هشام في غير هذا الكتاب وذكر أن فالع معناها : القسام وشالخ معناها : الرسول أو الوكيل وذكر أن إسماعيل تفسيره مطيع الله وذكر الطبري أن بين فالع وعابر أبا اسمه قينن أسقط اسمه في التوراة ، لأنه كان ساحرا ، وأرفخشذ تفسيره مصباح مضيء وشاذ مخفف بالسريانية " الضياء ومنه حم شاذ " بالسريانية وهو رابع الملوك بعد " جيومرث " ، وهو الذي قتله الضحاك ، واسمه " بيوراسب بن إندراسب " والضحاك مغير من ازدهاق . قال حبيب
وكأنه الضحاك في فتكاته ... بالعالمين وأنت أفريدون
لأن أفريدون هو الذي قتل الضحاك ، بعد أن عاش ألف سنة في جور وعتو وطغيان عظيم وذلك مذكور على التفصيل في تاريخ الطبري وغيره .

(1/34)


نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس النبي - فيما يزعمون - والله أعلم وكان أول بني آدم أعطي النبوة وخط بالقلم - ابن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم . [ ص 35 ] [ ص 36 ] قال أبو محمد عبد الملك بن هشام حدثنا زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي بهذا الذي ذكرت من نسب محمد رسول الله صلى الله وآله وسلم إلى آدم عليه السلام وما فيه من حديث إدريس وغيره . قال ابن هشام : وحدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي ، عن شيبان بن زهير بن شقيق بن ثور عن قتادة بن دعامة أنه قال [ ص 37 ] تارح - وهو آزر - بن ناحور بن أسرغ بن أرغو بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قاين بن أنوش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم .
عمل ابن هشام في سيرة ابن إسحاق
قال ابن هشام : وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم ومن - 38 - ولد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من ولده وأولادهم لأصلابهم الأول فالأول من إسماعيل إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وما يعرض من حديثهم وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة للاختصار إلى حديث سيرة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيه ذكر ولا نزل فيه من القرآن شيء وليس سببا لشيء من هذا الكتاب ولا تفسيرا له ولا شاهدا عليه لما ذكرت من الاختصار وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها ، وأشياء بعضها يشنع الحديث به وبعض يسوء بعض الناس ذكره وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته ومستقص - إن شاء الله تعالى - ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به .Sنوح ومن قبله
وذكر نوحا - عليه السلام - واسمه عبد الغفار وسمي نوحا لنوحه على ذنبه وأخوه صابئ بن لامك ، إليه ينسب دين الصابئين فيما ذكروا والله أعلم . وذكر أن لامك والد نوح عليه السلام . ولامك أول من اتخذ العود للغناء بسبب يطول ذكره واتخذ مصانع الماء . وأبوه متوشلخ . وذكره الناشئ في قصيدته فقال متوشلخ ، وتفسيره مات الرسول لأن أباه كان رسولا وهو خنوخ ؟ وقال ابن إسحاق وغيره هو [ ص 36 ] ابن إسحاق في الكتاب الكبير عن شهر بن حوشب عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال أول من كتب بالقلم إدريس " وعنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال أول من كتب بالعربية إسماعيل وقال أبو عمر وهذه الرواية أصح من رواية من روى : أن أول من تكلم بالعربية إسماعيل والخلاف كثير في أول من تكلم بالعربية . وفي أول من أدخل الكتاب العربي أرض الحجاز . فقيل حرب بن أمية . قاله الشعبي . وقيل هو شعبان بن أمية . وقيل عبد بن قصي تعلمه بالحيرة أهل الحيرة من أهل الأنبار .
إدريس
قال المؤلف ثم نرجع الآن إلى ما كنا بصدده . فنقول إن إدريس - عليه السلام - قد قيل إنه إلياس وإنه ليس بجد لنوح . ولا هو في عمود هذا النسب . وكذلك سمعت شيخنا الحافظ أبا بكر - رحمه الله - يقول - ويستشهد بحديث الإسراء - فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما لقي نبيا من الأنبياء الذين لقيهم ليلة الإسراء قال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح . وقال له آدم مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح . كذلك قال له إبراهيم . وقال له إدريس والأخ الصالح . فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال له أبوه إبراهيم وأبوه آدم ولخاطبه بالبنوة ولم يخاطبه بالأخوة . وهذا القول عندي أنبل والنفس إليه أميل لما عضده من هذا الدليل . وقال إدريس بن يرد وتفسيره الضابط . ابن مهلائيل ، وتفسيره الممدح وفي زمنه كان بدء عبادة الأصنام . [ ص 37 ] ابن قينان " وتفسيره المستوى . " ابن أنوش " وتفسيره الصادق وهو بالعربية أنش وهو أول من غرس النخلة وبوب الكعبة وبذر الحبة فيما ذكروا ، " ابن شيث " وهو بالسريانية : شاث . وبالعبرانية : شيث . وتفسيره عطية الله " ابن آدم " .
آدم
وفيه ثلاثة أقوال قيل هو اسم سرياني وقيل هو أفعل من الأدمة . وقيل أخذ من لفظ الأديم . لأنه خلق من أديم الأرض . وروي ذلك عن ابن عباس . وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل عن محمد بن المستنير . وهو قطرب أنه قال لو كان من أديم الأرض لكان على وزن فاعل وكانت الهمزة أصلية فلم يكن يمنعه من الصرف مانع وإنما هو على وزن أفعل من الأدمة . ولذلك جاء غير مجرى . قال المؤلف وهذا القول ليس بشيء ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون من الأديم ويكون على وزن أفعل . تدخل الهمزة الزائدة على الهمزة الأصلية كما تدخل على همزة الأدمة . فأول الأدمة همزة أصلية . فكذلك أول الأديم همزة أصلية . فلا يمتنع أن يبنى منها أفعل . فيكون غير مجرى . كما يقال رجل أعين وأرأس من العين والرأس . وأسوق وأعنق من الساق والعنق . مع ما في هذا القول من المخالفة لقول السلف الذين هم أعلم منه لسانا ، وأذكى جنانا .
حكم التكلم في الأنساب
قال المؤلف وإنما تكلمنا في رفع هذا النسب على مذهب من رأى ذلك من العلماء . [ ص 38 ] والطبري والبخاري والزبيريين ، وغيرهم من العلماء . وأما مالك - رحمه الله - فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك . قيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك أيضا . وقال ومن يخبره به ؟ وكره أيضا أن يرفع في نسب الأنبياء مثل أن يقال إبراهيم بن فلان بن فلان . قال ومن يخبره به ؟ وقع هذا الكلام لمالك في الكتاب الكبير المنسوب إلى المعيطي وإنما أصله لعبد الله بن محمد بن حنين . وتممه المعيطي ، فنسب إليه . وقول مالك هذا نحو مما روي عن عروة بن الزبير أنه قال ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون .

(1/35)


سياقة النسب من ولد إسماعيل عليه السلام
أبناء إسماعيل عليه السلام
قال ابن هشام : [ ص 39 ] زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي قال ولد إسماعيل بن إبراهيم - عليهم السلام - اثني عشر رجلا : نابتا - وكان أكبرهم - وقيدر ، وأذبل ومنشا ، ومسمعا ، وماشى ، ودما ، وأذر ، وطيما ، ويطورا ، ونبش وقيذما . وأمهم بنت مضاض بن عمرو الجرهمي - قال ابن هشام : ويقال مضاض . وجرهم بن قحطان - وقحطان أبو اليمن كلها ، وإليه يجتمع نسبها - ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح . قال ابن إسحاق : جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ ، ويقطن هو قحطان بن عيبر بن شالخ . [ ص 40 ]
وفاة إسماعيل وموطن أمه
قال ابن إسحاق : وكان عمر إسماعيل - فيما يذكرون - مائة سنة وثلاثين سنة ثم مات - رحمة الله وبركاته عليه - ودفن في الحجر مع أمه هاجر ، رحمهم الله تعالى . قال ابن هشام : تقول العرب : هاجر وآجر فيبدلون الألف من الهاء كما قالوا : هراق الماء وأراق الماء وغيره وهاجر من أهل مصر .S[ ص 39 ]
ذكر إسماعيل صلى الله عليه وبنيه
وقد كان لإبراهيم - عليه السلام - بنون سوى إسحاق وإسماعيل منهم ستة من قطورا بنت يقطر وهم مديان وزمران وسرج بالجيم ونقشان - ومن ولد نقشان البربر في أحد الأقوال - وأمهم رغوة . ومنهم نشق وله بنون آخرون من حجون بنت أهين ، وهم كيسان وسورج وأميم ولوطان ونافس . هؤلاء بنو إبراهيم . [ ص 40 ] ذكر ابن إسحاق أسماء بني إسماعيل ولم يذكر بنته ، وهي نسمة بنت إسماعيل وهي امرأة عيصو بن إسحاق وولدت له الروم وفارس - فيما ذكر الطبري - وقال أشك في الأشبان هل هي أمهم أم لا ؟ وهم من ولد عيصو ، ويقال فيه أيضا : عيصا ، وذكر في ولد إسماعيل طيما ، وقيده الدارقطني : ظميا بظاء منقوطة بعدها ميم كأنها تأنيث أظمى ، والظمى مقصور سمرة في الشفتين . وذكر دما ، ورأيت للبكري أن دومة الجندل عرفت بدوما بن إسماعيل وكان نزلها ، فلعل دما مغير منه وذكر أن الطور سمي بيطور بن إسماعيل فلعله محذوف الياء أيضا - إن كان صح ما قاله - والله أعلم . وأما الذي قاله أهل التفسير في الطور ، فهو كل جبل ينبت الشجر فإن لم ينبت شيئا فليس بطور وأما قيدر فتفسيره عندهم صاحب الإبل وذلك أنه كان صاحب إبل إسماعيل . قال وأمه هاجر . ويقال فيها : آجر وكانت سرية لإبراهيم وهبتها له سارة بنت عمه وهي سارة بنت توبيل بن ناحور وقيل بنت هاران بن ناحور وقيل هاران بنت تارح . وهي بنت أخيه على هذا ، وأخت لوط . قاله القتبي في المعارف وقاله النقاش في التفسير وذلك أن نكاح بنت الأخ كان حلالا إذ ذاك فيما ذكر ثم نقض النقاش هذا القول في تفسير قوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } [ الشورى : 13 ] . إن هذا يدل على تحريم بنت الأخ على لسان نوح - عليه السلام - وهذا هو الحق ، وإنما توهموا [ ص 41 ] أخيه لأن هاران أخوه وهو هاران الأصغر وكانت هي بنت هاران الأكبر وهو عمه وبهاران سميت مدينة حران لأن الحاء هاء بلسانهم وهو سرياني وذكر الطبري أن إبراهيم إنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارا من النمروذ ، وكان النمروذ قد قال للطلب الذين أرسلهم في طلبه إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية ، فردوه فلما أدركوه استنطقوه فحول الله لسانه عبرانيا ، وذلك حين عبر النهر فسميت العبرانية بذلك وأما السريانية فيما ذكر ابن سلام - فسميت بذلك لأن الله - سبحانه - لما علم آدم الأسماء كلها ، علمه سرا من الملائكة وأنطقه بها حينئذ وكانت هاجر قبل ذلك لملك الأردن ، واسمه صادوق - فيما ذكر القتبي - دفعها إلى سارة حين أخذها من إبراهيم عجبا منه بجمالها ، فصرع مكانه فقال ادعي الله أن يطلقني . الحديث وهو مشهور في الصحاح ، فأرسلها ، وأخدمها هاجر ، وكانت هاجر قبل ذلك الملك بنت ملك من ملوك القبط بمصر ذكره الطبري من حديث سيف بن عمر أو غيره أن عمرو بن العاص حين حاصر مصر ، قال لأهلها : إن نبينا عليه السلام قد وعدنا بفتحها ، وقد أمرنا أن نستوصي بأهلها خيرا ، فإن لهم نسبا وصهرا ، فقالوا له هذا نسب لا يحفظ حقه إلا نبي ، لأنه نسب بعيد . وصدق كانت أمكم امرأة لملك من ملوكنا ، فحاربنا أهل عين شمس فكانت لهم علينا دولة فقتلوا الملك واحتملوها ، فمن هناك تصيرت إلى أبيكم إبراهيم - أو كما قالوا - وذكر الطبري أن الملك الذي أراد سارة هو سنان بن علوان وأنه أخو الضحاك الذي تقدم ذكره وفي كتاب التيجان لابن هشام أنه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ ، وكان على مصر والله أعلم . وهاجر أول امرأة ثقبت أذناها ، وأول من خفض من النساء وأول من جرت ذيلها ، وذلك أن سارة غضبت عليها ، فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها ، فأمرها إبراهيم [ ص 42 ] تبر قسمها بثقب أذنيها وخفاضها ، فصارت سنة في النساء وممن ذكر هذا الخبر ابن أبي زيد في نوادره . وإسماعيل عليه السلام نبي مرسل أرسله الله تعالى إلى أخواله من جرهم وإلى العماليق الذين كانوا بأرض الحجاز ، فآمن بعض وكفر بعض . وقوله وأمهم بنت مضاض ولم يذكر اسمها . واسمها : السيدة ذكره الدارقطني . وقد كان له امرأة سواها من جرهم ، وهي التي أمره أبوه بتطليقها حين قال لها إبراهيم قولي لزوجك : فليغير عتبته يقال اسمها : جداء بنت سعد ثم تزوج أخرى ، وهي التي قال لها إبراهيم في الزورة الثانية قولي لزوجك : فليثبت عتبة بيته الحديث وهو مشهور في الصحاح أيضا يقال اسم هذه الآخرة سامة بنت مهلهل ذكرهما ، وذكر التي قبلها الواقدي في كتاب " انتقال النور " وذكرها المسعودي أيضا وقد قيل في الثانية عاتكة .

(1/38)


حديث في الوصاة بأهل مصر
[ ص 41 ] قال ابن هشام : حدثنا عبد الله بن وهب عن عبد الله بن لهيعة ، عن عمر مولى غفرة أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال الله الله في أهل الذمة ، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد فإن لهم نسبا وصهرا [ ص 42 ] قال عمر مولى غفرة : نسبهم أن أم إسماعيل النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم . وصهرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - تسرر فيهم . قال ابن لهيعة أم إسماعيل هاجر ، من " أم العرب " قرية كانت أمام الفرما من مصر وأم إبراهيم : مارية سرية النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - التي أهداها له المقوقس من حفن ، من كورة أنصنا . قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري : أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ثم السلمي حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال إذا افتتحتم مصر ، فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما " فقلت لمحمد بن مسلم الزهري : ما الرحم التي ذكر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لهم ؟ فقال كانت هاجر أم إسماعيل منهم [ ص 43 ]Sهدايا المقوقس
وقوله في حديث عمر مولى غفرة ، وغفرة هذه هي أخت بلال بن رباح . وقول مولى غفرة هذا : إن صهرهم لكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسرر منهم يعني : مارية بنت شمعون التي أهداها إليه المقوقس ، واسمه جريج بن ميناء ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أرسل إليه حاطب بن أبي بلتعة وجبرا مولى أبي رهم الغفاري فقارب الإسلام وأهدى معهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلته التي يقال لها دلدل والدلدل القنفذ العظيم وأهدى إليه مارية بنت شمعون ، والمارية بتخفيف الياء البقرة الفتية بخط ابن سراج يذكره عن أبي عمرو المطرز . وأما المارية بالتشديد فيقال قطاة مارية أي ملساء قاله أبو عبيد في الغريب المصنف . وأهدى إليه أيضا قدحا من قوارير فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب فيه . رواه ابن عباس ، فيقال أن هرقل عزله لما رأى من ميله إلى الإسلام . ومعنى المقوقس : المطول للبناء والقوس الصومعة العالية ، يقال في مثل أنا في القوس وأنت في القرقوس متى نجتمع ؟ وقول ابن لهيعة بالفرما من مصر . الفرما : مدينة كانت تنسب إلى صاحبها الذي بناها ، وهو الفرما بن قيلقوس ، ويقال فيه ابن قليس ، ومعناه محب الغرس ويقال فيه ابن بليس . ذكره المسعودي . والأول قول الطبري ، وهو أخو الإسكندر بن قليس اليوناني وذكر الطبري أن الإسكندر حين بنى مدينة الإسكندرية قال أبني مدينة فقيرة إلى الله غنية [ ص 44 ] وقال الفرما : أبنى مدينة فقيرة إلى الناس غنية عن الله فسلط الله على مدينة الفرما الخراب سريعا ، فذهب رسمها ، وعفا أثرها ، وبقيت مدينة الإسكندر إلى الآن وذكر الطبري أن عمرو بن العاص حين افتتح مصر ، وقف على آثار مدينة الفرما ، فسأل عنها ، فحدث بهذا الحديث والله أعلم .
مصر وحفن
وأما مصر فسميت بمصر بن النبيط ويقال ابن قبط بن النبيط من ولد كوش بن كنعان . وأما حفن التي ذكر أنها قرية أم إبراهيم بن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرية بالصعيد معروفة وهي التي كلم الحسن بن علي - رضي الله عنهما - معاوية أن يضع الخراج عن أهلها ، ففعل معاوية ذلك حفظا لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ورعاية لحرمة الصهر ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال وذكر " أنصنا " وهي قرية بالصعيد يقال إنها كانت مدينة السحرة . قال أبو حنيفة ولا ينبت اللبخ إلا بأنصنا ، وهو عود تنشر منه ألواح للسفن وربما ، رعف ناشرها ، ويباع اللوح منها بخمسين دينارا ، أو نحوها ، وإذا شد لوح منها بلوح وطرح في الماء سنة التأما ، وصارا لوحا واحدا .

(1/42)


أصل العرب وأولاد عدنان ومعد وقضاعة
قال ابن هشام [ ص 43 ] أهل اليمن يقول قحطان من ولد إسماعيل ويقول إسماعيل أبو العرب كلها . قال ابن إسحاق : عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح وطسم وعملاق وأميم بنو لاوذ بن سام بن نوح . عرب كلهم فولد نابت بن إسماعيل : يشجب بن نابت فولد يشجب يعرب بن يشجب فولد يعرب تيرح بن يعرب فولد تيرح : ناحور بن تيرح ، فولد ناحور مقوم بن ناحور : فولد مقوم أدد بن مقوم فولد أدد عدنان بن أدد . قال ابن هشام : ويقال عدنان بن أد . [ ص 44 ] قال ابن إسحاق : فمن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - فولد عدنان رجلين معد بن عدنان ، وعك بن عدنان . [ ص 45 ] قال ابن هشام : فصارت عك في دار اليمن ، وذلك أن عكا تزوج في الأشعريين فأقام فيهم فصارت الدار واللغة واحدة والأشعريون : بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ويقال أشعر نبت بن أدد ويقال أشعر بن مالك ومالك مذحج بن أدد بن زيد بن هميسع . ويقال أشعر بن سبأ بن يشجب . [ ص 46 ] أبو محرز خلف الأحمر ، وأبو عبيدة لعباس بن مرداس أحد بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، يفخر بعك
وعك بن عدنان الذين تلقبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد
وهذا البيت في قصيدة له . وغسان : ماء بسد مأرب باليمن كان شربا لولد مازن بن الأسد بن الغوث ، فسموا به ويقال غسان : ماء بالمشلل قريب من الجحفة ، والذين شربوا منه تحزبوا ، فسموا به قبائل من ولد مازن بن الأشد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ، بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . [ ص 47 ]Sعك
فصل وذكر عك بن عدنان ، وأن بعض أهل اليمن يقول فيه عك بن عدنان بن عبد الله ، بن الأزد ، وذكر الدارقطني في هذا الموضع عن ابن الحباب أنه قال فيه عك بن عبد الله بن عدثان بالثاء المثلثة ولا خلاف في الأول أنه بنونين كما لم يختلف في دوس بن عدثان أنه بالثاء وهي قبيلة من الأزد أيضا ، واسم عك عامر . والديث الذي ذكره هو بالثاء وقاله الزبير الذيب بالذال والياء ولعدنان أيضا ابن اسمه الحارث وآخر يقال له المذهب ولذلك قيل في المثل أجمل من المذهب وقد ذكر أيضا في بنيه الضحاك وقيل في الضحاك إنه ابن معد لا ابن عدنان وقيل إن عدن الذي تعرف به مدينة [ ص 45 ] عدن ، وكذلك أبين هما : ابنا عدنان قاله الطبري . ولعدنان بن أدد أخوان نبت بن أدد وعمرو بن أدد . قاله الطبري أيضا .
ذكر قحطان والعرب العاربة
أما قحطان فاسمه مهزم - فيما ذكر ابن ماكولا - وكانوا أربعة إخوة فيما روي عن ابن منبه قحطان وقاحط ومقحط وفالغ . وقحطان أول من قيل له أبيت اللعن وأول من قيل له عم صباحا ، واختلف فيه فقيل هو ابن عابر بن شالخ ، وقيل هو ابن عبد الله أخو هود ، وقيل هو هود نفسه فهو على هذا القول من إرم بن سام ومن جعل العرب كلها من إسماعيل قالوا فيه هو ابن تيمن بن قيذر بن إسماعيل . ويقال هو ابن الهميسع بن يمن وبيمن سميت اليمن في قول وقيل بل سميت بذلك لأنها عن يمين الكعبة . وتفسير الهميسع الصراع . وقال ابن هشام : يمن هو . يعرب بن قحطان سمي بذلك لأن هودا عليه السلام قال له أنت أيمن ولدي نقيبة في خبر ذكره . قال وهو أول من قال القريض والرجز وهو الذي أجلى بني حام إلى بلاد المغرب بعد أن كانوا يأخذون الجزية من ولد قوطة بن يافث . قال وهي أول جزية وخراج أخذت في بني آدم . وقد احتجوا لهذا القول أعني : أن قحطان من ولد إسماعيل عليه السلام يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا قال هذا القول لقوم من أسلم بن أفصى ، وأسلم أخو خزاعة وهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، وهم من سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ولا حجة عندي في هذا الحديث لأهل هذا القول لأن اليمن لو كانت من إسماعيل - مع أن عدنان كلها من إسماعيل بلا شك - لم يكن لتخصيص هؤلاء القوم بالنسب إلى إسماعيل معنى ، لأن غيرهم من العرب أيضا أبوهم إسماعيل ولكن في الحديث دليل [ ص 46 ] أعلم - على أن خزاعة من بني قمعة أخي مدركة بن إلياس بن مضر ، كما سيأتي بيانه في هذا الكتاب عند حديث عمرو بن لحي - إن شاء الله - وكذلك قول أبي هريرة - رضي الله عنه - هي أمكم يا بني ماء السماء يعني : هاجر ، يحتمل أن يكون تأول في قحطان ما تأوله غيره ويحتمل أن يكون نسبهم إلى " ماء السماء على زعمهم " فإنهم ينتسبون إليه كما ينتسب كثير من قبائل العرب إلى حاضنتهم وإلى رابهم أي زوج أمهم - كما سيأتي بيانه في باب قضاعة إن شاء الله .
سبأ وأميم ووبار
وسبأ اسمه عبد شمس - كما ذكر - وكان أول من تتوج من ملوك العرب ، وأول من سبى فسمي سبأ ، ولست من هذا الاشتقاق على يقين لأن سبأ مهموز والسبي غير مهموز . وذكر أميما ، ويقال فيه أميم ووجدت بخط أشياخ مشاهير أميم وأميم بفتح الهمزة وتشديد الميم مكسورة ولا نظير له في الكلام والعرب تضطرب في هذه الأسماء القديمة قال المعري :
يراه بنو الدهر الأخير بحاله ... كما قد رأته جرهم وأميم
فجاء به على وزن فعيل وهو الأكثر وأميم - فيما ذكروا - أول من سقف البيوت بالخشب المنشور وكان ملكا ، وكان يسمى : آدم وهو عند الفرس : آدم الصغير وولده [ ص 47 ] هالت الرياح الرمل على فجاجهم ومناهلهم فهلكوا . قال الشاعر
وكر دهر على وبار ... فأهلكت عنوة وبار
والنسب إليه أباري على غير قياس ومن العماليق ملوك مصر الفراعنة منهم الوليد بن مصعب صاحب موسى وقابوس بن مصعب بن عمرو بن معاوية بن إراشة بن معاوية بن عمليق أخو الأول ومنهم الريان بن الوليد صاحب يوسف عليه السلام ويقال فيه ابن دومع فيما ذكر المسعودي . وأما طسم وجديس فأفنى بعضهم بعضا قتلت طسم جديسا لسوء ملكتهم إياهم وجورهم فيهم فأفلت معهم رجل اسمه رباح بن مرة فاستصرخ بتبع وهو حسان بن تبان أسعد وكانت أخته اليمامة ، واسمها عنز ناكحا في طسم وكان هواها معهم فأنذرتهم فلم يقبلوا ، فصبحتهم جنود تبع فأفنوهم قتلا ، وصلبوا اليمامة الزرقاء بباب جو وهي المدينة ، فسميت جو باليمامة من هنالك إلى اليوم وذلك في أيام ملوك الطوائف وبقيت بعد طسم يبابا لا يأكل ثمرها إلا عوافي الطير والسباع حتى وقع عليها عبيد بن ثعلبة الحنفي ، وكان رائدا لقومه في البلاد فلما أكل الثمر قال إن هذا لطعام وحجر بعصاه على موضع قصبة اليمامة ، فسميت حجرا ، وهي منازل حنيفة إلى اليوم وخبر طسم وجديس مشهور اقتصرنا معه على هذه النبذة لشهرته عند الإخباريين .

(1/44)


نسب الأنصار
قال حسان بن ثابت الأنصاري [ ص 48 ] والأنصار بنو الأوس والخزرج ، ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو ، بن عامر ، بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث :
إما سألت فإنا معشر نجب ... الأسد نسبتنا والماء غسان
وهذا البيت في أبيات له . [ ص 49 ]Sذكر نسب الأنصار
[ ص 48 ] الأوس والخزرج ، والأوس : الذئب والعطية أيضا ، والخزرج : الريح الباردة ولا أحسب الأوس في اللغة إلا العطية خاصة وهي مصدر أسته وأما أوس الذي هو الذئب فعلم كاسم الرجل وهو كقولك : أسامة في اسم الأسد . وليس أوس إذا أردت الذئب كقولك : ذئب وأسد ، ولو كان كذلك لجمع وعرف - قال - كما يفعل بأسماء الأجناس ولقيل في الأنثى : أوسة كما يقال ذئبة وفي الحديث ما يقوي هذا ، وهو قوله عليه السلام " هذا أويس يسألكم من أموالكم " فقالوا : " لا تطيب له أنفسنا بشيء " ولم يقل هذا الأوس فتأمله وليس أوس على هذا من المسمين بالسباع ولا منقولا من الأجناس إلا من العطية خاصة [ ص 49 ] مزيقياء لأنه - فيما ذكروا - كان يمزق كل يوم حلة . ابن عامر وهو ماء السماء . ابن حارثة الغطريف بن امرئ القيس وهو البهلول بن ثعلبة الصنم بن مازن السراج ابن الأسد ويقال لثعلبة أبيه الصنم وكان يقال لثعلبة ابن عمرو جد الأوس والخزرج : ثعلبة العنقاء وكأنهم ملوك متوجون ومات حارثة بن ثعلبة العنقاء والد الأوس والخزرج بالمدينة بعد ظهورهم على الروم بالشام ومصالحة غسان لملك الروم ، وكان موت حارثة وجذع بن سنان من صيحة كانت بين السماء والأرض سمع فيه صهيل الخيل وبعد موت حارثة كان ما كان من نكث يهود العهود حتى ظهرت الأوس والخزرج عليهم بمن استنصروا به من ملوك جفنة ويقال في الأسد الأزد بالسين والزاي واسمه الازدراء بن الغوث . قاله وثيمة بن موسى بن الفرات . وقال غيره سمي أسدا لكثرة ما أسدى إلى الناس من الأيادي . ورفع في النسب إلى كهلان بن سبأ ، وكهلان كان ملكا بعد حمير ، وعاش - فيما ذكروا - ثلاثمائة سنة ثم تحول الملك إلى أخيه حمير ، ثم في بنيهم وهم وائل ومالك وعمرو وعامر وسعد وعوف . وذكر لطمة ولد عمرو بن عامر لأبيه وأنه كان أصغر ولده . قال المسعودي : واسمه مالك وقال غيره ثعلبة . وقال ويقال إنه كان يتيما في حجره . وقول حسان
ما سألت فإنا معشر أنف ... الأسد نسبتنا ، والماء غسان
يا أخت آل فراس إنني رجل ... من معشر لهم في المجد بنيان
واشتقاق غسان اسم ذلك الماء من الغس وهو الضعيف كما قال غس الأمانة صنبور فصنبور
[ ص 50 ] ويقال للهر إذا زجر غس بتخفيف السين قاله صاحب العين . والغسيسة من الرطب التي يبدؤها الإرطاب من قبل مغلاقها ، ولا تكون إلا ضعيفة ساقطة . سبأ وسيل العرم :

(1/47)


فقالت اليمن [ ص 50 ] عدنان بن عبد الله بن الأسد بن الغوث ، ويقال عدثان بن الديث بن عبد الله بن الأسد بن الغوث . قال ابن إسحاق : فولد معد بن عدنان أربعة نفر نزار بن معد وقضاعة بن معد وكان قضاعة بكر معد الذي به يكنى - فيما يزعمون - وقنص بن معد وإياد بن معد . فأما قضاعة فتيامنت إلى حمير بن سبأ - وكان اسم سبأ : عبد شمس ، وإنما سمي سبأ ؟ لأنه أول من سبى في العرب - ابن يشجب بن يعرب بن قحطان . قال ابن هشام : فقالت اليمن وقضاعة : قضاعة بن مالك بن حمير . وقال عمرو بن مرة الجهني ، وجهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم ، بن الحاف بن قضاعة :
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير
النسب المعروف غير المنكر ... في الحجر المنقوش تحت المنبرSفصل وذكر تفرق سبأ . والعرب تقول تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ نصبا على الحال وإن كان معرفة في الظاهر لأن معناه مثل أيدي سبأ والياء ساكنة فيه في موضع النصب لأنه صار بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا مثل معدي كرب ولم يسكنوها في ثماني عشرة لأنها متحركة في ثمانية عشر . فصل وذكر سيل العرم ، وفي العرم أقوال قيل هو المسناة أي السد وهو قول قتادة ، وقيل هو اسم للوادي ، وهو قول عطاء وقيل هو الجرذ الذي خرب السد وقيل هو صفة للسيل من العرامة وهو معنى رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وقال البخاري : العرم : ماء أحمر حفر في الأرض حتى ارتفعت عنه الجنتان فلم يسقهما ، حتى يبست وليس الماء الأحمر من السد ولكنه كان عذابا أرسل عليهم . انتهى كلام البخاري . [ ص 51 ] والعرب تضيف الاسم إلى وصفه لأنهما اسمان فتعرف أحدهما بالآخر . وحقيقة إضافة المسمى إلى الاسم الثاني ، أي صاحب هذا الاسم كما تقول ذو زيد أي . المسمى بزيد ومنه سعد ناشرة وعمرو بطة . وقول الأعشى : ومأرب عفى عليها العرم
يقوى أنه السيل . ومأرب بسكون الهمزة اسم لقصر كان لهم وقيل هو اسم لكل ملك كان يلي سبأ ، كما أن تبعا اسم لكل من ولي اليمن ، وحضرموت والشجر . قاله المسعودي . وكان هذا السد من بناء سبأ بن يشجب بن يعرب وكان ساق إليه سبعين واديا ، ومات قبل أن يستتمه فأتمته ملوك حمير بعده . وقال المسعودي : بناه لقمان بن عاد ، وجعله فرسخا ، وجعل له ثلاثين مثقبا . وقول الأعشى : إذا جاء مواره لم يرم
من قوله تعالى : { يوم تمور السماء مورا } فهو مفتوح الميم وبعضهم يرويه مضموم الميم والفتح أصح . ومنه قولهم دم مائر أي سائل . وفي الحديث " أمر الدم بما شئت " أي أرسله ورواه أبو عبيد أمر بسكون الميم جعله من مريت الضرع . والنفس إلى الرواية الأولى أميل من طريق المعنى ، وكذلك رواه النقاش وفسره . وقوله لم يرم أي لم يمسكه السد حتى يأخذوا منه ما يحتاجون إليه . وقوله فأروي الزروع وأعنابها أي أعناب تلك البلاد لأن الزروع لا عنب لها . وأنشد لأمية بن أبي الصلت
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من سيله العرما
[ ص 52 ] العرم هو السد ، واسم أبي الصلت ربيعة بن وهب بن علاج الثقفي وأمه رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف .
ذكر معد وولده
قوله وولد معد أربعة نفر أما نزاز فمتفق على أنه ابن معد وسائر ولد معد فمختلف فيه فمنهم جشم بن معد وسلهم بن معد وجنادة بن معد وقناصة بن معد وقنص بن معد وسنام بن معد وعوف - وقد انقرض عقبه - وحيدان وهم الآن في قضاعة ، وأود وهم في مذحج ينسبون بني أود بن عمرو ، ومنهم عبيد الرماح وحيدة وحيادة وجنيد وقحم فأما قضاعة فأكثر النسابين يذهبون إلى أن قضاعة هو ابن معد وهو مذهب الزبيريين وابن هشام ، وقد روي من طريق هشام بن عروة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن قضاعة ، فقال هو ابن معد وكان بكره . قال أبو عمر وليس دون هشام بن عروة من يحتج به في هذا الحديث وقد عارضه حديث آخر عن عقبة بن عامر الجهني . وجهينة : [ ص 53 ] ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم - بضم اللام - ابن الحاف بن قضاعة أنه قال يا رسول الله لمن نحن ؟ فقال " أنتم بنو مالك بن حمير وقال عمرو بن مرة - وهو من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكنى أبا مريم :
يأيها الداعي ادعنا وأبشر ... وكن قضاعيا ولا تنزر
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير
قال ذو الحسبين قال الزبير الشعر لأفلح بن اليعبوب . وعمرو بن مرة هذا له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثان أحدهما : في أعلام النبوة والآخر من ولي أمر الناس فسد بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة سد الله بابه دون حاجته وخلته ومسكنته يوم القيامة . ومما احتج به أصحاب القول الأول أيضا قول زهير
قضاعية أو أختها مضرية ... يحرق في حافاتها الحطب الجزل
فجعل قضاعة ومضر أخوين وأشعار كثيرة للبيد وغيره وقد قال الكميت يعاتب قضاعة في انتسابهم إلى اليمن :
علام نزلتم من غير فقر ... ولا ضراء منزلة الحميل
والحميل المسبي لأنه يحمل من بلد إلى بلد . قال الأعمش : كان أبي حميلا فورثه مسروق . أراد أن مسروقا كان يرى التوارث بولادة الأعاجم . وقال ابن الماجشون كان أبي ومالك وابن دينار والمغيرة يقولون في الحميل - وهو المسبي - يقول ابن هرمز ثم رجع مالك قبل موته بيسير إلى قول ابن شهاب ، وأنهم يتوارثون بشهادة العدول ولما تعارض القولان في قضاعة ، وتكافأت الحجاج نظرنا فإذا بعض النسابين - وهو الزبير - قد ذكر ما يدل على صدق الفريقين وذكر عن ابن الكلبي أو غيره أن امرأة مالك بن حمير ، [ ص 54 ] اسمها : عكبرة آمت منه وهي ترضع قضاعة ، فتزوجها معد ، فهو رابه فتبناه وتكنى به ويقال بل ولدته على فراشه فنسب إليه وهو قول الزبير كما نسب بنو عبد مناة بن كنانة إلى علي بن مسعود بن مازن بن الذئب الأسدي لأنه كان حاضن أبيهم وزوج أمهم فيقال لهم بنو علي إلى الآن وكذلك عكل ، وهو حاضن بني عوف بن ود بن طابخة ولكن لا يعرفون إلا بعكل وكذلك سعد بن هذيم إنما هم بنو سعد بن زيد بن قضاعة ، وهذيم كان حاضن سعد فنسب إليه وهذا كثير في قبائل العرب ، وسيأتي منه في الكتاب زيادة - إن شاء الله - وتفسير قضاعة فيما ذكر صاحب العين كلب الماء فهو اسم منقول منه وهو لقب له واسمه عمرو ، ويكنى أبا حسن وكنيته أبا حكم فيما ذكروا . وقول ابن إسحاق : كان بكر معد فالبكر أول ولد الرجل وأبوه بكر والثني ولده الثاني ، وأبوه ثني والثلث ولده الثالث ولا يقال للأب ثلث ولا يقال فيما بعد الثالث شيء من هذا ، قاله الخطاب . ومما عوتبت به قضاعة في انتسابهم إلى اليمن قول أعشى بني تغلب ، وقيل هي لرجل من كلب ، وكلب من قضاعة :
أزنيتم عجوزكم وكانت ... قديما لا يشم لها خمار
عجوز لو دنا منها يمان ... للاقى مثل ما لاقى يسار
يريد يسار الكواعب الذي هم بهن فخصينه وقال بعض شعراء حمير في قضاعة :
مررنا على حيي قضاعة غدوة ... وقد أخذوا في الزفن والزفنان
فقلت لهم ما بال زفنكم كذا ... لعرس نرى ذا الزفن أو لختان
فقالوا : ألا إنا وجدنا لنا أبا ... فقلت : ليهنئكم بأي مكان ؟
فقالوا : وجدناه بجرعاء مالك ... فقلت : إذا ما أمكم بحصان
فما مس خصيا مالك فرج أمكم ... ولا بات منه الفرج بالمتداني
فقالوا : بلى والله حتى كأنما ... خصياه في باب استها جعلان
ذكره أبو عمر - رحمه الله - في كتاب الإنباه له وقال جميل بن معمر وهو من بني حن بن ربيعة من قضاعة يصف بثينة وهي من حن أيضا :
ربت في الروابي من معد وفضلت ... على المحصنات البيض وهي وليد
وقال جميل أيضا وهو يحدو بالوليد بن عبد الملك
أنا جميل في السنام من معد ... الضاربين الناس في الركن الأشد

(1/50)


قنص بن معد ونسب النعمان
[ ص 52 ] قال ابن إسحاق : وأما قنص بن معد فهلكت بقيتهم - فيما يزعم نساب معد - وكان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة . قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري : أن النعمان بن المنذر كان من ولد قنص بن معد . قال ابن هشام : ويقال قنص . قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن شيخ من الأنصار من بني زريق أنه حدثه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين أتى بسيف النعمان بن المنذر ، دعا جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي - وكان جبير من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة وكان يقول إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكان أبو بكر الصديق أنسب العرب - فسلحه إياه ثم قال ممن كان يا جبير النعمان بن المنذر ؟ فقال كان من أشلاء قنص بن معد . قال ابن إسحاق : فأما سائر العرب فيزعمون أنه كان رجلا من لخم ، من ولد ربيعة بن نصر ، فالله أعلم أي ذلك كان . [ ص 53 ] [ ص 54 ] [ ص 54 ] [ ص 56 ]
لخم بن عدي
قال ابن هشام : لخم بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ ، ويقال لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ ، ويقال ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر ، وكان تخلف باليمن بعد خروج عمرو بن عامر من اليمن .
أمر عمرو بن عامر في خروجه من اليمن وقصة سد مأرب
وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن - فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة من اليمن ، فكاد قومه فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال [ ص 57 ] لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي ، وعرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن : اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله . وانتقل في ولده وولد ولده . وقالت الأزد : لا نتخلف عن عمرو بن عامر ، فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان . فحاربتهم عك ، فكانت حربهم سجالا . ففي ذلك قال عباس بن مرداس البيت الذي كتبنا ، ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ، ونزلت الأوس والخزرج يثرب ، ونزلت خزاعة مرا ، ونزلت أزد السراة السراة . ونزلت أزد عمان عمان . ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه ففيه أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل } [ سبأ : 15 16 ] . والعرم : السد ، واحدته عرمة فيما حدثني أبو عبيدة . قال الأعشى : أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد قال ابن هشام : ويقال أفصى بن دعمي بن جديلة واسم الأعشى : ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة
وفي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء مواره لم يرم
فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قسم
فصاروا أيادي ما يقدرو ... ن منه على شرب طفل فطم
وهذه الأبيات في قصيدة له . وقال أمية بن أبي الصلت الثقفي - واسم ثقيف : قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
[ ص 58 ] قصيدة له . وتروى للنابغة الجعدي واسمه قيس بن عبد الله أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن . وهو حديث طويل منعني من استقصائه ما ذكرت من الاختصار .Sذكر قنص بن معد
وكان قنص بن معد قد انتشر ولده بالحجاز فوقعت بينهم وبين أبيهم حرب وتضايقوا في البلاد وأجدبت لهم الأرض فساروا نحو سواد العراق ، وذلك أيام ملوك الطوائف فقاتلهم الأردانيون وبعض ملوك الطوائف وأجلوهم عن السواد وقتلوهم إلا أشلاء لحقت بقبائل العرب ، ودخلوا فيهم وانتسبوا إليهم . فصل وذكر ابن إسحاق حديث جبير بن مطعم حين أتي عمر بسيف النعمان بن المنذر ، وكان جبير أنسب الناس - الحديث . وذكر الطبري أن سيف النعمان بن المنذر إنما [ ص 56 ] أتي به عمر حين افتتحت المدائن - وكانت بها خرائب كسرى وذخائره فلما غلب عليها فر إلى إصطخر فأخذت أمواله ونفائس عدده وأخذ له خمسة أسياف لم ير مثلها . أحدها : سيف كسرى أبرويز ، وسيف كسرى أنوشروان وسيف النعمان بن المنذر الذي كان استلبه منه حين قتله غضبا عليه وألقاه إلى الفيلة فخبطته بأيديها ، حتى مات . وقال الطبري : إنما مات في سجنه في الطاعون الذي كان في الفرس ، وسيف خاقان ملك الترك ، وسيف هرقل ، وكان تصير إلى كسرى أيام غلبته على الروم في المدة التي ذكرها الله تعالى في قوله { الم غلبت الروم في أدنى الأرض } الآية . فهذا كان سبب تصير سيف النعمان إلى كسرى أبرويز ، ثم إلى كسرى يزدجرد ثم إلى عمر - رضي الله عنه - وكان الذي قتل النعمان منهم أبرويز بن هرمز بن أنوشروان وكان لأبرويز فيما ذكر ألف فيل وخمسون ألف فرس وثلاثة آلاف امرأة - فيما ذكر الطبري - وتفسير أنوشروان بالعربية مجدد الملك - فيما ذكروا والله أعلم - وكذلك تفسير أبرويز : المظفر . قاله المسعودي والطبري أيضا ، وزاد الطبري في حديث جبير حين سأله عمر عن نسب النعمان قال كانت العرب تقول إنه من أشلاء قنص بن معد وهو ولد عجم بن قنص إلا أن الناس لم يدروا ما عجم فجعلوا مكانه لخما : فقالوا : هو من لخم ، ونسبوا إليه . وأبرويز هو الذي كتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فمزق كتابه فدعا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمزقوا كل ممزق . [ ص 57 ]

(1/54)


حديث ربيعة بن نصر ورؤياه
رؤيا ربيعة : قال ابن إسحاق : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة ، فرأى رؤيا هالته وفظع بها ، فلم يدع كاهنا ، ولا ساحرا ، ولا عائفا ، ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها ، فأخبروني بها وبتأويلها ، قالوا له اقصصها علينا نخبرك بتأويلها ، قال إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها ، فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها ، فقال له رجل منهم فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما ، فهما يخبرانه بما سأل عنه . واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان . [ ص 59 ] رهم بن أفرك بن قسر بن عبقر بن أنمار بن نزار ، وأنمار أبو بجيلة وخثعم .
نسب بجيلة
قال ابن هشام : وقالت اليمن : وبجيلة : بنو أنمار ، بن إراش بن لحيان ، بن عمرو ، بن الغوث ، بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ، ويقال إراش بن عمرو بن لحيان بن الغوث . ودار بجيلة وخثعم يمانية . قال ابن إسحاق : فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح قبل شق فقال له إني رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها ، فأخبرني بها ، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها . قال أفعل . رأيت حممه خرجت من ظلمه فوقعت بأرض تهمه فأكلت منها كل ذات جمجمه فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، ما عندك في تأويلها ، فقال احلف بما [ ص 60 ] أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش ، فقال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني هذا ، أم بعده ؟ قال لا ، بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال لا ، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ . [ ص 61 ] قال يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن . قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال لا ، بل ينقطع . قال ومن يقطعه ؟ قال نبي زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي قال وممن هذا النبي ؟ . قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . [ ص 62 ] قال وهل للدهر من آخر ؟ قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرني ؟ قال نعم . والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق . ثم قدم عليه شق ، فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان فقال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة . قال فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا ، وأن قولهما واحد إلا أن سطيحا قال " وقعت بأرض تهمه فأكلت منها كل ذات جمجمه " . [ ص 63 ] وقال شق : " وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة . فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا ، فما عندك في تأويلها ؟ . قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان ، فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران . [ ص 64 ] فقال له الملك وأبيك يا شق ، إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني ، أم بعده ؟ قال لا ، بل بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان . [ ص 65 ] قال ومن هذا العظيم الشأن ؟ قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن فلا يترك أحدا منهم باليمن . [ ص 66 ] قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل ؟ قال يوم تجزى فيه الولاة ويدعى فيه من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه بين الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات . [ ص 67 ] قال أحق ما تقول ؟ قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض . قال ابن هشام : أمض . يعني : شكا ، هذا بلغة حمير ، وقال أبو عمرو . أمض أي باطل .S[ ص 58 ]
حديث ربيعة بن نصر ورؤياه
وبعضهم يقول فيه نصر بن ربيعة ، وهو في قول نساب اليمن : ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم . وقال الزبير في هذا النسب نصر بن مالك بن شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ولخم أخو جذام ، وسمي لخما لأنه لخم أخاه أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها ، فسمي جذاما ، وقال قطرب اللخم سمكة في البحر بها سمي الرجل لخما وأكثر المؤرخين يقولون فيه نصر بن ربيعة وقد تقدم ما قاله سعيد بن جبير في نسب النعمان وهو من ولد ربيعة ، وأن لخما في نسبه تصحيف من عجم بن قنص . وذكر رؤياه وسطيحا الكاهن ونسبه وقد خالفه محمد بن حبيب النسابة في شيء [ ص 59 ] وكان سطيح جسدا ملقى لا جوارح له - فيما يذكرون - ولا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ فجلس وكان شق شق إنسان - فيما يذكرون - إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة ويذكر عن وهب بن منبه أنه قال قيل لسطيح أنى لك هذا العلم ؟ فقال لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى منه موسى - عليه السلام - فهو يؤدي إلي من ذلك ما يؤديه . وولد سطيح وشق في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة امرأة عمرو بن عامر ، وهي بنت الخير الحميرية ودعت بسطيح قبل أن تموت فأتيت به فتفلت في فيه وأخبرت أنه سيخلفها في علمها ، وكهانتها ، وكان وجهه في صدره لم يكن له رأس ولا عنق ودعت بشق ففعلت به مثل ما فعلت بسطيح ثم ماتت وقبرها " الجحفة " ، وذكر أبو الفرج أن خالد بن عبد الله القسري كان من ولد شق هذا ، فهو خالد بن عبد الله بن أسد بن يزيد بن كرز وذكر أن كرزا كان دعيا ، وأنه كان من اليهود ، فجنى جناية فهرب إلى بجيلة ، فانتسب فيهم ويقال كان عبدا لعبد القيس وهو ابن عامر ذي الرقعة ، وسمي بذي الرقعة ؛ لأنه كان أعور يغطي عينه برقعة . ابن عبد شمس بن جوين بن شق الكاهن بن صعب . [ ص 60 ] أكلت منها كل ذات جمجمه وكل ذات نسمه . نصب كل أصح في الرواية وفي المعنى ؛ لأن الحممة نار فهي تأكل ولا تؤكل على أن في رواية الشيخ برفع كل ولها وجه لكن في حاشية كتابه أن في نسخة البرقي التي قرأها على ابن هشام : كل ذات بنصب اللام . وقوله " خرجت من ظلمه " أي من ظلمة وذلك أن الحممة قطعة من نار وخروجها من ظلمة يشبه خروج عسكر الحبشة من أرض السودان ، والحممة الفحمة وقد تكون جمرة محرقة كما في هذا الحديث فيكون لفظها من الحميم ومن الحمى أيضا لحرارتها ، وقد تكون منطفئة فيكون لفظها من الحمة وهي السواد يقال حممت وجهه إذا سودته ، وكلا المعنيين حاصل في لفظ الحممة ههنا . وقوله بين روضة وأكمة لأنها وقعت بين صنعاء وأحوازها . وقوله في أرض تهمه أي منخفضة ومنه سميت تهامة . وقوله أكلت منها كل ذات جمجمه ولم يقل كل ذي جمجمة وهو من باب قوله تعالى سبحانه ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء [ فاطر 18 ] . لأن القصد إلى النفس والنسمة فهو أعم ، ويدخل فيه جميع ذوات الأرواح ولو جاء بالتذكير لكان إما خاصا بالإنسان أو عاما في كل شيء حي أو جماد ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " [ تنح عني ، فإن ] كل بائلة تفيخ " ، أي يكون منها إفاخة وهي الحدث وقال النحاس هو تأنيث الصفة والخلقة . وقوله ليهبطن أرضكم الحبش هم بنو حبش بن كوش بن حام بن نوح وبه سميت الحبشة . [ ص 61 ] أبين إلى جرش ذكره سيبويه بكسر الهمزة على مثل إصبع وجوز فيه الفتح وكذلك تقيد في هذا الكتاب وفال ابن ماكولا : هو أبين بن زهير بن أيمن بن الهميسع من حمير ، أو من ابن حمير سميت به البلدة وقد تقدم قول الطبري أن أبين وعدن ابنا عدن ، سميت بهما البلدتان . وقوله بغلام لا دني ولا مدن . الدني معروف والمدن الذي جمع الضعف مع الدناءة . قاله صاحب العين . وقوله لحق ما فيه أمض أي ما فيه شك ولا مستراب وقد عمر سطيح زمانا طويلا بعد هذا الحديث حتى أدرك مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز ما رأى من ارتجاس الإيوان وخمود النيران ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام وسقطت من قصره أربع عشرة شرفة وأخبره الموبذان ومعناه القاضي ، أو المفتي بلغتهم أنه رأى إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، فانتشرت في بلادهم وغارت بحيرة ساوة فأرسل كسرى عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني إلى سطيح وكان سطيح من أخوال عبد المسيح ولذلك أرسله كسرى فيما ذكر الطبري إلى سطيح يستخبره علم ذلك ويستعبره رؤيا الموبذان فقدم عليه وقد أشفى على الموت فسلم عليه فلم يحر إليه سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم فاد فازلم به شأو العنن
يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيخ الحي من آل سنن
وأمه من آل ذئب بن حجن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن
رسول قيل العجم يسري للوسن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن
تجوب بي الأرض علنداة شزن ... ترفعني وجنا وتهوي بي وجن
حتى أتى عاري الجآجي والقطن ... تلفه في الريح بوغاء الدمن
كأنما حثحث من حضني ثكن
ثكن اسم جبل فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه فقال عبد المسيح على جمل مشيح جاء إلى سطيح حين أوفى على الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان . رأى إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، قد قطعت دجلة ، وانتشرت في بلادها . يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة وخمدت نار فارس ، وغارت بحيرة ساوة وفاض وادي السماوة فليست الشام لسطيح شاما ، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه . وقوله فازلم به معناه قبض قاله ثعلب ، وقوله شأو العنن . يريد الموت وما عن منه قاله الخطابي . وفاد مات . يقال منه فاد يفود وأما يفيد فمعناه يتبختر .

(1/57)


فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا ، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة .
نسب النعمان بن المنذر
فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر ، فهو في نسب اليمن وعلمهم النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ، ذلك الملك . قال ابن هشام : النعمان بن المنذر بن المنذر فيما أخبرني خلف الأحمر .Sوقول ابن إسحاق في خبر ربيعة بن نصر ، فجهز أهله وبنيه إلى الحيرة ، وكتب لهم إلى ملك يقال له سابور بن خرزاذ . [ ص 63 ]
من تاريخ ملوك الفرس
قال المؤلف الشيخ الحافظ أبو القاسم - عفا الله عنه - ولا يعرف خرزاذ في ملوك بني ساسان من الفرس ، وهم من عهد أزدشير بن بابك إلى يزدجرد الذي قتل في أول خلافة عثمان - رضي الله عنه - معروفون مسمون بأسمائهم وبمقادير مددهم . مشهور ذلك عند الإخباريين والمؤرخين ولكنه يحتمل أن يكون ابن خرزاذ هذا ملكا دون الملك الأعظم منهم أو يكون أحد ملوك الطوائف وهو الظاهر في مدة ربيعة بن نصر لأنه جد عمرو بن عدي وابن أخت جذيمة الأبرش وكان ملك جذيمة أوله فيما أحسب في مدة ملوك الطوائف وآخره في مدة الساسانيين وأول من ملك الحيرة من الساسانية سابور بن أزدشير وهو الذي خرب الحضر وكانت ملوك الطوائف متعادين يغير بعضهم على بعض قد تحصن كل واحد منهم في حصن وتحوز إلى حيز منهم عرب . ومنهم أشغانيون على دين الفرس ، وأكثرهم ينتسبون إلى الفرس من ذرية دارا بن دارا ، وكان الذي فرقهم وشتت شملهم وأدخل بعضهم بين بعض لئلا يستوثق لهم ملك ولا يقوم لهم سلطان الإسكندر بن فيلبش اليوناني ، حين ظهر على دارا ، واستولى على بلاد مملكته وتزوج بنته روشنك . بوصية أبيها دارا له بذلك حين وجده مثخنا في المعركة ولم يكن الإسكندر أراد قتله لأنه كان أخاه لأمه فيما زعموا ، فوضع الإسكندر رأسه على فخذه - فيما ذكروا - وقال يا سيد الناس لم أرد قتلك ، ولا رضيته ، فهل لك من حاجة ؟ قال نعم . تزوج ابنتي روشنك ، وتقتل من قتلني ، ثم قضى دارا ، ففعل ذلك الإسكندر وفرق الفرس ، وأدخل بينهم العرب . فتحاجزوا ، وسموا : ملوك الطوائف لأن كل واحد منهم كان على طائفة من الأرض ثم دام أمرهم كذلك أربعمائة وثمانين سنة في قول الطبري ، وقد قيل أقل من ذلك وقال المسعودي : خمسمائة وعشرين سنة وفي أيامهم بعث عيسى ابن مريم - عليه السلام - وذلك بعد موت الإسكندر بثلاثمائة سنة . فابن خرزاذ هذا - والله أعلم - من أولئك . وبنو ساسان القائمون بعد ملوك الطوائف وبعد ملوك الأشغانيين : هم بنو [ ص 64 ] ساسان بن بهمن . وهو من الكينية وإنما قيل لهم الكينية لأن كل واحد منهم يضاف إلى كي وهو البهاء . ويقال معناه إدراك الثأر . وأول من تسمى بكي أفريذون بن أثفيان قاتل الضحاك بثأر جده جم ثم صار الملك في عقبه إلى منوشهر الذي بعث موسى - عليه السلام - في زمانه إلى كي قاووس . وكان في زمن سليمان - عليه السلام - وسيأتي طرف من ذكره في الكتاب إلى كي يستاسب الذي ولي بختنصر وملكه . وبختنصر هو الذي حير الحيرة حين جعل فيها سبايا العرب ، فتحيروا هناك فسميت الحيرة ، وأخذ اسمه من بوخت وهي النخلة لأنه ولد في أصل نخلة . ثم كان بعد كي يستاسب بهمن بن إسبندياذ بن يستاسب . وكان له ابنان دارا وساسان وكان ساسان هو الأكبر فكان قد طمع في الملك بعد أبيه فصرف بهمن الأمر عنه إلى دارا لخبر يطول ذكره حملته على ذلك " خمانا أم دارا " ، فخرج " ساسان " سائحا في الجبال ورفض الدنيا ، وهانت عليه وعهد إلى بنيه متى كان لهم الأمر أن يقتلوا كل أشغاني وهم نسل " داراء " فلما قام " أزدشير بن بابك " وقيده الدارقطني " أردشير " بالراء المهملة ودعا ملوك الطوائف إلى القيام معه على من خالفه حتى ينتظم له ملك فارس ، وأجابه إلى ذلك أكثرهم وكانوا يدا على الأقل حتى أزالوه وجعل " أزدشير " يقتل كل من ظهر عليه من أولئك الأشغانيين ، فقتل ملكا منهم يقال له الأردوان واستولى على قصره فألقى فيه امرأة جميلة رائعة الحسن فقال لها : ما أنت ؟ فقالت أمة من إماء الملك وكانت بنت الملك الأردوان لاذت بهذه الحيلة من القتل لأنه كان لا يبقي منهم ذكرا ولا أنثى ، فصدق قولها ، واستسرها فحملت منه فلما أثقلت استبشرت بالأمان منه فأقرت أنها بنت الأشغاني الذي قتل واسمه أردوان - فيما ذكروا - فدعا وزيرا له ناصحا - وقد سماه الطبري في التاريخ - فقال استودع هذه بطن الأرض فكره الوزير أن يقتلها ، وفي بطنها ابن للملك وكره أن يعصي أمره فاتخذ لها قصرا تحت الأرض ثم خصى نفسه وصبر مذاكيره وجعلها في حريرة ووضع الحريرة في حق وختم عليه ثم جاء به الملك فاستودعه إياه وجعل لا يدخل إلى المرأة في ذلك القصر سواه ولا تراها إلا عينه [ ص 65 ] أبيه فسماه شاهبور ، ومعناه ابن الملك فكان الصبي يدعى بهذا ، ولا يعرف لنفسه اسما غيره فلما قبل التعليم نظر في تعليمه وتقويم أوده . واجتهد في كل ما يصلحه إلى أن ترعرع الغلام . فدخل الوزير يوما على أزدشير وهو واجم فقال لا يسوءك الله أيها الملك فقد ساءني إطراقك ووجومك ، فقال كبرت سني ، وليس لي ولد أقلده الأمر بعدي ، وأخاف انتثار الأمر بعد انتظامه وافتراق الكلمة بعد اجتماعها ، فقال له إن لي عندك وديعة أيها الملك وقد احتجت إليها ، فأخرج إليه الحقة بخاتمها ، ففض الخاتم وأخرج المذاكير منها ، فقال له الملك ما هذا ؟ فقال كرهت أن أعصي الملك حين أمرني في الجارية بما أمر فاستودعتها بطن الأرض حية حتى أخرج الله منها سليل الملك حيا ، وأرضعته وحضنته وها هو ذا عندي ، فإن أمر الملك جئته به فأمره أزدشير بإحضاره في مائة غلام من أبناء فارس ، بأيديهم الصوالج يلعبون الكرة فلعبوا في القصر فكانت الكرة تقع في إيوان الملك فيتهيبون أخذها حتى طارت للغلام فوقعت في سرير الملك فتقدم حتى أخذها ، ولم يهب ذلك فقال الملك ابني والشمس متعجبا من عزة نفسه وصرامته ثم قال له ما اسمك يا غلام ؟ فقال له شاهبور ، فقال له صدقت أنت ابني . وقد سميتك بهذا الاسم وبور هو الابن وشاه هو الملك بلسانهم وإضافتهم مقلوبة يقدمون المضاف إليه على المضاف كما تقدم في " الكي " الكلمة التي كانت في أوائل أسماء الملوك الكينية فكانوا يضافون إلى الكي ثم إن أزدشير عهد إلى ابنه شاهبور ، وسيأتي في الكتاب في قول الأعشى :
أقام به شاهبور الجنود ... حولين يضرب فيه القدم
ثم غيرت العرب هذا الاسم فقالوا : سابور وتسمى به ملوك بني ساسان منهم سابور ذو الأكتاف الذي وطئ أرض العرب ، وكان يخلع أكتافهم حتى مر بأرض بني تميم ففروا منه وتركوا عمرو بن تميم . وهو ابن ثلاثمائة سنة لم يقدر على الفرار وكان في قفة معلقا من عمود الخيمة من الكبر فأخذ وجيء به الملك فاستنطقه سابور فوجد عنده رأيا ودهاء فقال له أيها الملك لم تفعل هذا بالعرب ؟ فقال يزعمون أن ملكنا يصل إليهم على يد نبي يبعث في آخر الزمان فقال عمرو : فأين حلم الملوك وعقلهم ؟ إن يكن هذا الأمر باطلا فلا يضرك ، وإن يكن حقا ألفاك ، وقد اتخذت عندهم يدا ، يكافئونك عليها ، [ ص 66 ] فيقال إن سابور انصرف عنهم واستبقى بقيتهم وأحسن إليهم بعد ذلك والله أعلم . وأما أبرويز بن هرمز - وتفسيره بالعربية مظفر - فهو الذي كتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيأتي طرف من ذكره وهو الذي عرض على الله تعالى في المنام فقيل له سلم ما في يديك إلى صاحب الهراوة فلم يزل مذعورا من ذلك حتى كتب إليه النعمان بظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - بتهامة فعلم أن الأمر سيصير إليه حتى كان من أمره ما كان وهو الذي سئل عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما حجة الله على كسرى ؟ فقال إن الله تعالى أرسل إليه ملكا ، فسلك يده في جدار مجلسه حتى أخرجها إليه وهي تتلألأ نورا ، فارتاع كسرى ، فقال له الملك لم ترع يا كسرى . إن الله قد بعث رسوله فأسلم تسلم [ دنياك وآخرتك ] ، فقال سأنظر ذكره الطبري ، في أعلام كثيرة من النبوة عرضت على أبرويز أضربنا عن الإطالة بها ، في هذا الموضع وتسمى أيضا سابور بعد هذا سابور بن أبرويز أخو شيرويه ، وقد ملك نحوا من شهرين في مدة النبي - صلى الله عليه وسلم - وملك أخوه شيرويه نحوا من ستة أشهر ثم ملكت بوران أختهما ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لا يفلح قوم ملكتهم امرأة فملكت سنة وهلكت وتشتت أمرهم كل الشتات . ثم اجتمعوا على يزدجرد بن شهريار والمسلمون قد غلبوا على أطراف أرضهم ثم كانت حروب القادسية معهم إلى أن قهرهم الإسلام وفتحت بلادهم على يدي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - واستؤصل أمرهم والحمد لله . وسابور تنسب إليه الثياب السابرية قاله الخطابي ، وزعم أنه من النسب الذي غير فإذا نسبوا إلى نيسابور المدينة ، قالوا : نيسابوري على القياس وزعم بعضهم أن ني هي القصب وكانت مقصبة فبناها سابور مدينة ، فنسبت إليه والله أعلم . [ ص 67 ]
رجوعه إلى حديث سطيح وذي يزن
فصل وقول سطيح في حديث ربيعة : إرم ذي يزن ، المعروف سيف بن ذي يزن ، ولكن جعله إرما ، إما لأن الإرم هو العلم فمدحه بذلك وإما شبهه بعاد إرم في عظم الخلق والقوة قال الله تبارك وتعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد } وربيعة بن نصر هذا هو أحد ملوك الحيرة ، وهم آل المنذر والمنذر هو ابن ماء السماء وهي أمه عرف بها ، وهي من النمر بن قاسط وابنه عمرو بن هند عرف بأمه أيضا ، وهي بنت الحارث آكل المرار جد امرئ القيس الشاعر ويعرف عمرو بمحرق لأنه حرق مدينة ، يقال لها : ملهم وهي عند اليمامة ، وقال المبرد والقتبي سمي محرقا ، لأنه حرق مائة من بني تميم وذكر خبرهم . وولد نصر بن ربيعة هو عدي ، وكان كاتبا لجذيمة الأبرش وابنه عمرو ، وهو ابن أخت جذيمة ويكنى جذيمة أبا مالك في قول المسعودي ، وهو منادم الفرقدين واسم أخت جذيمة رقاش بنت مالك بن فهم بن غنم بن دوس ، وهو الذي اختطفته الجن ، وفيه [ ص 68 ] شب عمرو عن الطوق . وهو قاتل الزباء بنت عمرو واسمها : نائلة في قول الطبري ويعقوب بن السكيت وميسون في قول دريد واستشهد الطبري بقول الشاعر
أتعرف منزلا بين المنقى
وبين مجر نائلة القديم
وقد أملينا في غير هذاالموضع ذكر نسبها وطرفا من أخبارها . وأخو عمرو بن هند : النعمان بن المنذر ، وهو ابن مامة وكان ملكه بعد عمرو ، وفي ملك عمرو ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي زمن كسرى أنوشروان بن قباذ . وأسقط ابن إسحاق من هذا النسب رجلين وهما : النعمان بن امرئ القيس وأبوه امرؤ القيس بن عمرو بن عدي . وقد قيل إن النعمان هذا هو أخو امرئ القيس وملك بعده وسيأتي ذكر النعمان بعد هذا عند ذكر صاحب الحضر إن شاء الله تعالى ، وأنه الذي بنى الخورنق والسدير .

(1/61)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية