صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الخصائص الكبرى
المؤلف / أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي
دار النشر / دار الكتب العلمية - بيروت - 1405هـ - 1985م.
عدد الأجزاء / 1

أخرج ابن اسحاق والبيهقي وابو نعيم من طريقه قال حدثني العباس بن عبد الله ابن معبد عن بعض أهله قال كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان لا يجلس عليه احد من بنيه إجلالا له وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأتي حتى يجلس عليه فيذهب أعمامه يؤخرونه فيقول جده دعوا ابني فيمسح على ظهره ويقول إن لابني هذا لشأنا فتوفى عبد المطلب والنبي {صلى الله عليه وسلم} ابن ثمان سنين وأوصى به أبا طالب
وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس مثله وزاد دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشيء وأرجو انه يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن الزهري ومجاهد ونافع بن جبير قالوا كان النبي {صلى الله عليه وسلم} يجلس على فراش جده فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب دعوا ابني انه ليؤنس ملكا وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه وقال عبد المطلب لأم أيمن يا بركة لا تغفلي عنه فإن أهل الكتاب يزعمون ان ابني نبي هذه الأمة
وأخرج أبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه قالوا بينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران وكان صديقا له وهو يحادثه ويقول إنا نجد صفة نبي بقي
من ولد إسماعيل هذا البلد مولده من صفته كذا وكذا وأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنظر إليه الأسقف وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال هو هذا اما هذا منك قال ابني قال الاسقف لا ما نجد أباه حيا قال هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت قال عبد المطلب لبنيه تحفظوا
بابن اخيكم ألا تسمعون ما يقال فيه

(1/137)


وأخرج البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبيه قال لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة وذلك بعد مولد النبي {صلى الله عليه وسلم} بسنتين أتاه وفود العرب لتهنيه وأتاه وفد قريش منهم عبد المطلب فقال له سيف يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه فليكن عندك مخبيا حتى يأذن الله فيه إني اجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي أدخرناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خيرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة فقال عبد المطلب ما هو قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة ثم قال هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد إسمه محمد يموت ابوه وامه ويكفله جده وعمه وقد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه ويذل بهم اعداءه ويصرف بهم الناس عن عرض ويستفتح بهم كرائم أهل الأرض يعبد الرحمن ويدحر الشيطان ويخمد النيران ويكسر الأوثان قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهي عن المنكر ويبطله والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب انك جده يا عبد المطلب غير كذب فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك قال نعم أيها الملك إنه كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب فجاءت بغلام فسميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه فقال له سيف إن الذي قلت لك كما قلت فاحفظه واحذر عليه اليهود
فإنهم له اعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا ولولا أني أعلم ان الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير يثرب دار ملكي فإني اجد في الكتاب الناطق والعلم السابق ان بيثرب استحكام امره وأهل نصره وموضع قبره
وأخرج ابو نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس مثله سواء

(1/138)


وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن عبد الله بن كعب بن مالك قال حدثني شيوخ من قومي أنهم خرجوا عمارا وعبد الملك يومئذ حي بمكة ومعهم رجل من يهود تيماء صحبهم للتجارة يريد مكة او اليمن فنظر إلى عبد المطلب فقال إنا نجد في كتابنا الذي لم يبدل انه يخرج من ضئضئي هذا نبي يقتلنا وقومه قتل عاد
واخرج ابن سعد عن ابي حازم قال قدم كاهن بمكة ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} ابن خمس سنين فنظر إليه الكاهن مع عبد المطلب فقال يا معشر قريش اقتلوا هذا الصبي فانه يقتلكم ويفرقكم فلم تزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذرهم
باب ما ظهر من الآيات وهو في كفالة عمه أبي طالب
اخرج ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال كان بنو أبي طالب يصبحون غمصا رمصا ويصبح محمد {صلى الله عليه وسلم} صقيلا دهينا قال وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان بصفحتهم فيجلسون وينتبهون ويكف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يده لا ينتهب معهم فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة
واخرج ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس ومن طريق مجاهد وغيره قالوا كان إذا اكل عيال أبي طالب جميعا او فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شبعوا فكان إذا أراد ان يغديهم أو يعشيهم قال كما انتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم وإن لم يكن معهم لم يشبعوا وإن كان لبنا شرب أولهم ثم يتناول القعب العيال فيشربون منه
فيروون عن آخرهم من القعب الواحد وإن كان احدهم ليشرب قعبا وحده فيقول إنك لمبارك وكان الصبيان يصيحون رمصا شعثا ويصيح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دهينا كحيلا
وأخرج ابو نعيم من طريق الواقدي حدثني محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أهله عن أم أيمن قالت ما رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شكا جوعا قط ولا عطشا وكان يغدو وإذا اصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول لا أريد أنا شبعان وأخرجه ابن سعد من وجه آخر عنها وفيه لا صغيرا ولا كبيرا

(1/139)


وأخرج ابن سعد عن ابن القبطية قال كان أبو طالب توضع له وسادة بالبطحاء مثنية يتكئ عليها فجاء النبي {صلى الله عليه وسلم} فبسطها ثم استلقى عليها فجاء ابو طالب فأخبر فقال وحل البطحاء ان ابن أخي هذا ليحس بنعيم
وأخرج مثله عن عمرو بن سعيد
وأخرج الطبراني عن عمار قال كان أبو طالب يصنع الطعام لأهل مكة وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا دخل لم يجلس حتى يأخذ شيئا فيضعه تحته فقال ابو طالب إن ابن اخي ليحس بكرامة
باب سفر النبي {صلى الله عليه وسلم} مع عمه أبي طالب إلى الشام وما ظهر فيه من الآيات واخبار بحيرا عنه
اخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم والخرائطي في الهواتف عن أبي موسى الأشعري قال خرج ابو طالب الى الشام فخرج معه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في أشياخ قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت لهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش ما علمك فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يمر بشجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا

(1/140)


يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل قال ارسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فقال انظروا إليه عليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ان لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بتسعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا أخبرنا خبره فبعثنا إلى طريقك هذا قال أفرأيتم أمرا اراد الله ان يقضيه هل يستطيع احد من الناس رده قالوا لا قال فبايعوه وأقاموا معه فاتاهم فقال أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت قال البيهقي هذه القصة مشهور عند أهل المغازي
قلت ولها شواهد عدة سأوردها تقضي بصحتها إلا ان الذهبي ضعف الحديث لقوله في آخره وبعث معه ابو بكر بلالا فإن أبا بكر لم يكن إذ ذاك متأهلا ولا اشترى بلالا وقد قال ابن حجر في الإصابة الحديث رجله ثقات وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة فتحمل على أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته
وأخرج البيهقي عن ابن اسحاق قال كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد جده فخرج في ركب من الناس إلى الشام وخرج به معه فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان أعلم اهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا مما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته فصنع لهم

(1/141)


طعاما كثيرا وذلك في ما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين اقبلوا وغمامة بيضاء تظله من بين القوم ثم اقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأنا احب ان تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم و حركم وعبدكم فقال له رجل منهم يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم فقال له بحيرا صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من بين القوم لحداثة سنة في رحال القوم تحت الشجرة فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا قالوا له يا بحيرا ما تخلف عنك احد ينبغي له ان يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم قال فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم فقال رجل من قريش مع القوم واللات والعزى إن هذا للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا قال ثم قام إليه فاحتضنه ثم اقبل به حتى أجلسه مع القوم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له يا غلام اسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عم أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما ابغضت بغضهما شيئا قط فقال له بحيرا فبالله إلا ما أخبرتني عم أسألك عنه فقال سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن اشياء من حاله من نومه وهيئته واموره فجعل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم

(1/142)


نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي
عنده قال فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال له ما هذا الغلام منك فقال ابني فقال له بحيرا ما هو
بابن ك وما ينبغي لهذا الغلام ان يكون أبوه حيا قال فانه ابن اخي قال فما فعل ابوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت إرجع
بابن اخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فانه كائن لابن اخيك هذا شأن فأسرع به إلى بلاده فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى اقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام فزعموا فيما يتحدث الناس أن زبيرا وتماما ودريسا وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء فأرادوه فردهم عنه بحيرا وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن أجمعوا لما ارادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا وقال ابو طالب في ذلك ابياتا منها
فما رجعوا حتى رأوا من محمد
أحاديث تجلو غم كل فؤاد
وحتى رأوا أحبار كل مدينة
سجودا له من عصبة وفراد
زبيرا وتماما وقد كان شاهدا
دريسا وهمو كلهم بفساد
فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا
له بعد تكذيب وطول بعاد
كما قال للرهط الذين تهودوا
وجاهدهم في الله كل جهاد
فقال ولم يترك له النصح رده
فإن له أرصاد كل مصاد
فإني أخاف الحاسدين وأنه
لفي الكتب مكتوب بكل مداد

(1/143)


وأخرج ابو نعيم عن الواقدي عن شيوخه مثله وفيه وجعل ينظر الى الحمرة في عينيه ثم قال لقومه أخبروني عن هذه الحمرة تأتي وتذهب أو لا تفارقه قالوا ما رأيناها فارقته قط وسأله عن نومه فقال تنام عيناي ولا ينام قلبي وفيه بعد قوله كائن لابن أخيك هذا شأن نجده في كتبنا وما ورثنا من آبائنا وقد اخذ علينا مواثيق قال ابو طالب من اخذ عليكم المواثيق قال الله أخذ علينا نزل به عيسى ابن مريم وأخرج ابن سعد مثله بطوله عن داود بن الحصين وفيه ان النبي {صلى الله عليه وسلم} كان ابن اثنتي عشرة سنة
وأخرج ابو نعيم عن علي قال خرج ابو طالب في تجارة إلى الشام في نفر من قريش وأخذ معه النبي {صلى الله عليه وسلم} فلما أشرفوا على بحيرا الراهب في وقت قيظ وحر رفع الراهب بصره فإذا غمامة تظل النبي {صلى الله عليه وسلم} من بين من معه من الشمس فصنع بحيرا طعاما ودعاهم إلى صومعته فلما دخل النبي {صلى الله عليه وسلم} الصومعة أشرقت الصومعة نورا فقال بحيرا هذا نبي الله الذي يرسله من العرب إلى الناس كافة
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال سار أبو طالب إلى الشام والنبي {صلى الله عليه وسلم} معه فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو
بابن ك ولا ينبغي ان يكون له أب حي قال ولم قال لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي قال وما النبي قال الذي يوحى إليه من السماء فينبيء به أهل الأرض قال الله أجل مما تقول قال فاتق عليه اليهود قال ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير فقال ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو
بابن ك وما ينبغي ان يكون له اب حي قال ولم ذاك قال لأن وجهه وجه نبي وعينيه عين نبي قال سبحان الله ألله أجل مما تقول قال يا ابن أخي ألا تسمع ما يقولون قال أي عم لا تنكر لله قدرة

(1/144)


وأخرج ابن سعد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي قال قال الراهب لأبي طالب لا تخرجن
بابن أخيك إلى ما ها هنا فإن يهود أهل عداوة وهذا نبي هذه الأمة وهو من العرب ويهود تحسده تريد ان يكون من بني إسرائيل فاحذر على إبن أخيك
واخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي مجلز ان ابا طالب سافر إلى الشام وأخذ معه النبي {صلى الله عليه وسلم} فنزل منزلا فأتاه فيه راهب فقال إن فيكم رجلا صالحا ثم قال أين ولي هذا الغلام قال ابو طالب ها أنا ذا قال احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به الى الشام إن اليهود حسد وإني أخشاهم عليه فرده
وأخرج ابن مندة بسند ضعيف عن ابن عباس أن أبا بكر الصديق صحب النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة قعد في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له
بحيرا يسأله عن شيء فقال له من الرجل الذي في ظل الشجرة قال محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قال هذا والله نبي ما استظل تحتها بعد عيسى بن مريم إلا محمد ووقع في قلب أبي بكر الصديق فلما بعث النبي {صلى الله عليه وسلم} أتبعه قال ابن حجر في الاصابة إن صحت هذه القصة فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب
باب استسقاء ابي طالب به {صلى الله عليه وسلم}
اخرج ابن عساكر في تاريخه عن جلهمة بن عرفطة قال قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش يا ابا طالب اقحط الوادي وأجدب العيال فهلم واستسق فخرج ابو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه ابو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا واغدق وأغدودق وانفجر له الوادي وأخصب البادي والنادي ففي ذلك يقول أبو طالب
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفواضل

باب

(1/145)


أخرج ابو نعيم من طريق ابن عون عن عمرو بن سعيد قال جاء يهود إلى أبي طالب يشترون منه متاعا فدخل عليهم النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو غلام فلما بصروا به تركوا ما كانوا فيه وخرجوا هاربين فقال أبو طالب لرجل عنده اذهب فعارضهم من موضع كذا وكذا فإذا لقوك فاضرب بإحدى يديك على الأخرى وقل رأيت العجب كل العجب وانظر ماذا يردون عليك فذهب ففعل فقال اليهود وأي عجب رأيت قد رأينا نحن أعجب مما رأيت قال وأي شيء رأيتم قالوا رأينا الساعة محمدا يمشي على وجه الأرض

باب
وأخرج ابن عساكر عن ابي الزناد قال اصطرع أبو طالب وأبو لهب فصرع أبو لهب أبا طالب وجلس على صدره فمد النبي {صلى الله عليه وسلم} بذؤابة أبي لهب والنبي {صلى الله عليه وسلم} يومئذ غلام فقال له أبو لهب أنا عمك وهو عمك فلم أعنته علي قال لأنه أحب إلي منك فمن يومئذ عادى أبو لهب النبي {صلى الله عليه وسلم} واختبأ له هذا الكلام في نفسه
باب
أخرج ابن سعد عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم امره فاتبعوه وأعينوه ترشدوا
وأخرج مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فانه قد كان يحوطك ويغضب لك قال نعم هو في ضحضاح من النار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار
وقال ابن سعد أنبأنا عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال قال العباس يا رسول الله أترجو لأبي طالب قال كل الخير أرجو من ربي أخرجه ابن عساكر
وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن ابن عمرو قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية قال تمام في إسناده الوليد بن سلمة منكر الحديث

(1/146)


واخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس سمعت النبي {صلى الله عليه وسلم} يقول شفعت في هؤلاء النفر في أبي وعمي أبي طالب وأخي من الرضاعة يعني ابن سعدية ليكونوا بعد البعث هباء قال الخطيب في إسناده خطاب بن عبد الدائم الأرسوقي وهو ضعيف يعرف برواية المناكير عن يحيى بن المبارك الصنعاني وهو مجهول عن منصور بن المعتمر عن ليث بن ابي سليم ومنصور لا يروي عن ليث وليث فيه ضعف

باب
اخرج ابن عساكر من طريق الحسن بن عمارة عن رجال سماهم أن النبي {صلى الله عليه وسلم} وعلي بن أبي طالب ذهبا إلى قبر أبي طالب ليستغفرا له فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية فاشتد على النبي {صلى الله عليه وسلم} موت أبي طالب على الكفر فانزل الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت يعني به أبا طالب ولكن الله يهدي من يشاء يعني به العباس بن عبد المطلب هذا مكان أبي طالب عوضا للنبي {صلى الله عليه وسلم} من أبي طالب وكان العباس أحب عمومة النبي {صلى الله عليه وسلم} بعد أبي طالب إليه
باب
اخرج ابن عساكر عن عبد الله بن جعفر قال لما مات ابو طالب عرض لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه ترابا فأتته امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي فجعل يقول أي بنية لا تبكين فان الله مانع أباك
باب اختصاصه {صلى الله عليه وسلم} بحفظ الله اياه في شبابه عما كان عليه أهل الجاهلية
اخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله ان النبي {صلى الله عليه وسلم} كان ينقل الحجارة للكعبة وعليه إزار فقال له العباس عمه يا ابن اخي لو حللت ازارك فجعلته على منكبيك يقيك الحجارة فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا
وأخرج الشيخان عن جابر قال لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعباس ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي {صلى الله عليه وسلم} اجعل ازارك على عاتقك يقيك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال إزاري فشد عليه إزاره

(1/147)


وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن العباس قال انا وابن اخي نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة فاذا غشينا الناس اتزرنا فبينا أنا أمشي ومحمد {صلى الله عليه وسلم} امامي فخر فجئت ابتغي وهو ينظر إلى السماء فقلت ما شأنك فقام واخذ ازاره وقال نهيت ان امشي عريانا فكنت اكتمها الناس مخافة ان يقولوا مجنون
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم عن أبي الطفيل قال لما بنت قريش الكعبة نقلوا الحجارة من أجياد الضواحي فبينما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ينقلها إذ انكشفت عورته فنودي يا محمد عورتك فذلك اول ما نودي فما رؤيت له عورة بعد ولا قبل
وأخرج ابن سعد وابن عدي والحاكم وصححه وأبو نعيم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال كان ابو طالب يعالج زمزم وكان النبي {صلى الله عليه وسلم} ينقل الحجارة وهو غلام فأخذ إزاره واتقى به الحجارة فغشي عليه فلما أفاق سأله أبو طالب فقال اتاني آت عليه ثياب بيض فقال لي استتر فكان اول شيء رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من النبوة ان قيل له استتر وهو غلام قال فما رؤيت عورته من يومئذ
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت ما رأيت ذاك من رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وأخرج ابن راهويه في مسنده وابن اسحاق والبزار والبيهقي وأبو نعيم وابن عساكر عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله منهما قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا فقلت لصاحبي أبصر لي غنمي حتى ادخل مكة فاسمر بها كما يسمر الفتيان فقال بلى فدخلت حتى اذا جئت اول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير قلت ما هذا فقيل تزوج فلان فلانة فجلست انظر وضرب الله على اذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي

(1/148)


فقال ما فعلت قلت ما فعلت شيئا ثم اخبرته بالذي رأيت ثم قلت له ليلة أخرى أبصر لي غنمي حتى اسمر بمكة ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت قلت لا شيء ثم اخبرته الخبر فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى اكرمني الله بنبوته قال ابن حجر إسناده حسن متصل ورجاله ثقات
وأخرج الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن عمار بن ياسر انهم قالوا يا رسول الله هل أتيت في الجاهلية من النساء شيئا قال لا وقد كنت منه على ميعادين اما احدهما فغلبتني عيناني وأما الآخر فحال بيني وبينهم سامرقوم
وأخرج الشيخان عن ابن عباس قال لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين نادى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في قريش بطنا بطنا فقال أرأيتم لو قلت لكم ان خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك كذبا قط قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله تبت يدا أبي لهب وتب
واخرج أبو نعيم عن عائشة قالت قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب أكل ما ذبح لغير الله فما ذقت شيئا ذبح على النصب حتى اكرمني الله برسالته
وأخرج ابو نعيم وابن عساكر عن علي قال قيل للنبي {صلى الله عليه وسلم} هل عبدت وثنا قط قال لا قالوا فهل شربت خمرا قط قال لا ومازلت أعرف ان الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الايمان

(1/149)


وأخرج ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس قال حدثتني أم أيمن قالت كان بوانة صنما يحضره قريش يوما في السنة وكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ان يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب الهتنا وجعلن يقلن يا محمد ما تريد ان تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله
ثم رجع إلينا مرعوبا فزعا فقلن عماته ما دهاك قال إني أخشى ان يكون بي لمم فقلن ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت قال إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراء ك يا محمد لا تمسه قالت فما عاد الى عيد لهم حتى تنبئ
وأخرج ابو نعيم عن عائشة قالت قال النبي {صلى الله عليه وسلم} مر علي جبرئيل وميكائيل وأنا بين النائم واليقظان بين الركن وزمزم فقال أحدهما للآخر هو هو قال نعم ونعم المرء هو لولا أنه يمسح الأوثان قال النبي {صلى الله عليه وسلم} فما مسحتهن حتى اكرمني الله بالنبوة
وأخرج ابو نعيم وابن عساكر من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ان النبي {صلى الله عليه وسلم} قام مع بني عمه عند اساف فرفع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بصره إلى ظهر الكعبة ساعة ثم انصرف فقال له بنو عمه مالك يا محمد قال نهيت ان اقوم عند هذا الصنم
وأخرج الحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي عن زيد بن حارثة قال كان صنم من نحاس يقال له اساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وطفت معه فلما مررت مسحت به فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تمسه قال زيد
فطفنا به ثم قلت في نفسي لأمسنه حتى انظر ما يكون فمسحته فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ألم تنه قال زيد فوالذي اكرمه وانزل عليه الكتاب ما استلمت صنما حتى اكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه

(1/150)


واخرج احمد عن عروة بن الزبير قال حدثتني جار لخديجة بنت خويلد قال سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول لخديجة أي خديجة والله لا اعبد اللات أبدا والله لا اعبد العزى أبدا
وأخرج ابو يعلى وابن عدي والبيهقي وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كان النبي {صلى الله عليه وسلم} يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع ملكين خلفه واحدهما يقول لصاحبه اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال كيف نقوم خلفه وانما عهده باستلام الاصنام قبيل فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم
قال الطبراني والبيهقي قوله وانما عهده باستلام الاصنام يعني أنه شهد مع من استلم الاصنام لا أنه استلمها والمراد بالمشاهد التي شهدها مشاهد الحلف ونحوه لا مشاهد استلام الأصنام
وقال ابن حجر في المطالب العالية هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة فبالغوا والمنكر منه قوله عن الملك عهده باستلام الاصنام فان ظاهره انه باشر الاستلام وليس ذلك مرادا بل المراد انه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم
واخرج ابن اسحاق والبيهقي وابو نعيم عن جبير بن مطعم قال لقد رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الجاهلية وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقا من الله له
وأخرج الشيخان عن عائشة قالت كانت قريش ومن دان دينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن أهل الحرم
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبغوي في معجمه والباوردي في الصحابة عن ربيعة الجرشي قال رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واقفا في الجاهلية بعرفات فعرفت ان الله وفقه لذلك
باب خصوصيته {صلى الله عليه وسلم} بتعظيم قومه له في شبابه وتحكيمهم اياه والتماسهم دعاءه وتسميته بالأمين

(1/151)


أخرج يعقوب بن سفيان والبيهقي عن ابن شهاب أن قريشا لما بنوا الكعبة فبلغوا موضع الركن اختصمت في الركن أي القبائل يلي رفعه فقالوا تعالوا نحكم أول من يطلع علينا فطلع عليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو غلام فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم اخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه هو ثم طفق لا يزداد على السن إلا رضي حتى دعوه الأمين قبل ان ينزل عليه الوحي فطفقوا لا ينحرون جزور إلا التمسوه فيدعو لهم فيها
وأخرج ابو نعيم وابن سعد عن ابن عباس ومحمد بن جبير بن مطعم قالا لما وضع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الركن ذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي {صلى الله عليه وسلم} حجرا يشد به الركن فقال العباس لا وناول العباس النبي {صلى الله عليه وسلم} حجرا فشد به الركن فغضب النجدي وقال واعجبا لقوم أهل شرف وعقول وسن وأموال عمدوا إلى أصغرهم سنا وأقلهم مالا فرأسوه عليهم في تكرمتهم وحرزهم كأنهم خدم له أما والله ليفوتنهم سبقا وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا فيقال إنه إبليس لعنه الله
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن داود بن الحصين قال قالوا شب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أفضل قومه مروة وأحسنهم خلقا وأكرمهم مخالطة وأحسنهم جوارا وأعظمهم حلما وأمانة وأصدقهم حديثا وأبعدهم من الفحش والأذى ما رؤي مماريا ولا ملاحيا احدا حتى سماه قومه الأمين
وأخرج ابو نعيم عن مجاهد قال حدثني مولاي عبد الله بن السائب قال كنت شريك النبي {صلى الله عليه وسلم} في الجاهلية فلما قدمت المدينة قال تعرفني قلت نعم كنت شريكي فنعم الشريك لا تداري ولا تماري
وأخرج ابو داود وأبو يعلى وابن منذة في المعرفة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن عبد الله بن أبي الحمساء قال بايعت النبي {صلى الله عليه وسلم} قبل ان يبعث ببيع فبقي له علي شيء فوعدته أن آتيه في مكانه فذهبت فنسيت ذلك اليوم والغد فأتيته في اليوم الثالث فوجدته في مكانه ذلك فقال لي لقد شققت علي انا ها هنا منذ ثلاث انتظرك

(1/152)


وأخرج ابن سعد عن الربيع بن خثيم قال كان يتحاكم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الجاهلية قبل الاسلام
باب ما ظهر من الآيات في سفره {صلى الله عليه وسلم} لخديجة مع ميسرة
قال إبن اسحاق عرضت عليه خديجة ان يخرج في مالها تاجرا إلى الشام فخرج ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام فنزل في ظل شجرة قريبة من صومعة راهب فاطلع الراهب الى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة قال هذا رجل من قريش من اهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي وكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف وحدثها ميسرة من قول الراهب وما رأى من إظلال الملكين فرغبت في زواجه أخرجه البيهقي عنه
واخرج ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن نفيسة بنت منية اخت يعلى بن منية قالت لما بلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خمسا وعشرين سنة وليس له إسم بمكة إلا الأمين خرج في تجارة لخديجة إلى الشام ومعه غلامها ميسرة فقدما بصرى فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم قال لميسرة أفي عينيه حمرة قال نعم لا تفارقه قال هو نبي وهو آخر الأنبياء ثم باع سلعته فوقع بينه وبين رجل تلاح فقال له احلف باللات والعزى فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما حلفت بهما قط وإني لأمر فأعرض عنهما فقال الرجل القول قولك ثم قال لميسرة
هذا والله نبي تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس فوعى ذلك كله ثم رجعوا فدخلوا مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها فرأت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو على بعيره وملكان يظلان عليه فارته نساءها فعجبن لذلك وأخبرت به ميسرة فقال قد رأيت هذا منذ خروجنا وأخبرها بما قال الراهب وبما قال الآخر الذي حالفه في البيع
باب الآية في نكاحه {صلى الله عليه وسلم} خديجة رضي الله عنها

(1/153)


اخرج ابن سعد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ان نساء أهل مكة اختلفن في عيد كان لهن في رجب فبيناهن عكوف عند وثن مثل لهن كرجل حتى صار منهن قريبا ثم نادى بأعلى صوته يا نساء تيماء إنه سيكون في بلدكن نبي يقال له أحمد يبعث برسالة الله فأيما امرأة استطاعت ان تكون زوجا له فلتفعل فحصبته النساء وقبحنه واغلظن له وأغضت خديجة على قوله ولم تعرض له فيما عرض له النساء
باب ما وقع عند المبعث من المعجزات والخصوصيات
اخرج الشيخان عن عائشة قالت اول ما بدى ء به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان ياتي حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فأتاه الملك فقال اقرأ قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت ما انا بقارئ فاخذني فغطني الثاني حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت ما انا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني

(1/154)


الجهد ثم ارسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ ما لم يعلم فرجع بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة واخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وكان أمرءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الانجيل بالعربية ما شاء الله ان يكتب فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن اخيك فقال ورقة ما ترى فأخبره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما رآه فقال له ورقة هذا الناموس الذي انزل على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني اكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} او مخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك انصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة ان توفي
وأخرج احمد والبيهقي من طريق الزهري عن عروة عن عائشة نحوه وزاد في آخره وفتر الوحي فترة فحزن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا لكي يتردى من رؤوس شواهق الجبال كلما اوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبرئيل عليه الصلاة والسلام فقال يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه ويرجع فاذا طالت عليه فترة الوحي غدا مثل ذلك فتبدى له جبرئيل فقال مثل ذلك
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ذكر بعضهم ان هذا الغط الذي وقع للنبي {صلى الله عليه وسلم} في ابتداء الوحي من خصائصه إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك والحكمة فيه شغله عن الالتفات لشيء آخر واظهار الشدة والجد في الامر تنبيها على ثقل القول الذي سيلقى اليه وقيل ابعاد ظن التخيل والوسوسة لأنهما ليسا من صفات الجسم فلما وقع ذلك بجسمه علم انه من أمر الله

(1/155)


وأخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه فبينا انا امشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والارض فرعبت منه فرجعت فقلت زملوني زملوني فزملوني فانزل الله يا أيها المدثر قم فأنذر إلى قوله والرجز فاهجر فحمي الوحي وتتابع
وأخرج احمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان في تاريخيهما وابن سعد و البيهقي عن الشعبي قال نزلت عليه النبوة وهو ابن اربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء لا ينزل القرآن فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبرئيل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة
وأخرج ابو نعيم عن علي بن الحسين قال إن اول ما أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الرؤيا الصالحة فكان لا يرى شيئا في المنام إلا كان كما رأى
وأخرج ابو نعيم عن علقمة بن قيس قال إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد
واخرج البيهقي وأبو نعيم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال بلغنا ان اول ما رأى النبي {صلى الله عليه وسلم} ان الله أراه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه فذكرها لخديجة فقالت ابشر فان الله لن يصنع بك إلا خيرا ثم انه خرج من عندها ثم رجع اليها فأخبرها انه رأى بطنه شق ثم طهر وغسل ثم أعيد كما كان قالت هذا والله خير فابشر ثم استعلن له جبرئيل وهو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي {صلى الله عليه وسلم} يقول أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره

(1/156)


برسالة الله حتى اطمأن النبي {صلى الله عليه وسلم} ثم قال له اقرأ فقال كيف اقرأ فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله ما لم يعلم فقبل الرسول رسالة ربه وانصرف فجعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه فرجع مسرورا إلى أهله موقنا قد رأى أمرا عظيما فلما دخل على خديجة قال أرأيتك الذي كنت اخبرتك اني رأيته في المنام فانه جبرئيل استعلن لي أرسله إلي ربي فأخبرها بالذي جاءه من الله وما سمع منه فقالت ابشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا فأقبل الذي جاءك من الله فانه حق وأبشر فإنك رسول الله حقا ثم انطلقت حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس فقالت له يا عداس اذكرك بالله الا ما اخبرتني هل عندكم علم من جبرئيل فقال عداس قدوس قدوس ما شأن جبرئيل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان فقالت اخبرني بعلمك فيه قال فانه امين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فأخبرته فقال لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل الكتاب الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل ثم اقسم بالله لئن ظهر دعاؤه وانا حي لأبلين الله في طاعة رسوله وحسن مؤازرته فمات ورقة
ثم أخرج البيهقي وأبو نعيم من وجه آخر عن عروة بن الزبير نحو هذه القصة وفي اولها بعد فشق عليه ورأى انه بينما هو في مكة أتى إلى سقف بيته فنزع شبحة شبحة حتى إذا نزع أدخل فيه سلم من فضة نزل اليه رجلان قال رسول الله فأردت ان استغيث فمنعت الكلام فقعد احدهما إلى رأسي والآخر الى جنبي فأدخل احدهما يده في جنبي فنزع ضلعين منه فأدخل يده في جوفي وأنا أجد بردها فأخرج قلبي فوضعه على كفه فقال لصاحبه نعم القلب قلب رجل صالح ثم أدخل القلب مكانه ورد الضلعين ثم ارتفعا ورفعا سلمهما فاستيقظت فإذا السقف مكانه كما هو فذكرها لخديجة فقالت ان الله لن يفعل بك إلا خيرا ثم انه خرج من عندها ورجع

(1/157)


فأخبرها ان بطنه شق ثم طهر وغسل ثم أعيد إلى آخر ما تقدم وزاد فيه ففتح جبرئيل عينا من ماء فتوضأ ومحمد {صلى الله عليه وسلم} ينظر إليه فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم نضح فرجه وسجد سجدتين مواجهة البيت ففعل محمد كما رأى جبرئيل يفعل
وأخرجه ابو نعيم من وجه ثالث عن الزهري عن عروة عن عائشة موصولا بالزيادة الأخيرة قال البيهقي وما ذكر فيه من شق بطنه يحتمل ان يكون حكاية منه لما صنع به في صباه ويحتمل ان يكون شق مرة اخرى ثم مرة ثالثة حين عرج به إلى السماء
وأخرج البيهقي من طريق إبن اسحاق قال حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي عن بعض أهل العلم ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه فيلتفت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة وهي تحييه بتحية النبوة السلام عليك يا رسول الله وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه حتى إذا كان الشهر الذي اراد الله به ما اراد من السنة التي بعث فيها وذلك الشهر رمضان خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما كان يخرج حتى إذا كانت الليلة التي اكرمه الله تعالى فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبرئيل بأمر الله تعالى قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجاءني وأنا نائم فقال إقرأ قلت ما اقرأ فغطني حتى ظننت انه الموت ثم كشفه عني فقال اقرأ قلت وما أقرأ فعاد لي بمثل ذلك ثم قال اقرأ قلت وما اقرأ فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق الى قوله ما لم يعلم ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما صور في قلبي كتاب ولم يكن في خلق الله أبغض إلي من شاعر او مجنون فكنت لا اطيق أنظر اليهما فقلت إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون ثم قلت لا يتحدث عني قريش بهذا أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن فخرجت ما

(1/158)


أريد غير ذلك فبينما انا عامد لذلك إذ سمعت مناديا من السماء يقول يا محمد انت رسول الله وأنا جبرئيل فرفعت رأسي إلى السماء انظر فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد انت رسول الله وانا جبرئيل وشغلني ذلك عما أريد فوقفت وما اقدر على ان اتقدم ولا اتأخر وما أصرف وجهي في ناحية من السماء إلا رأيته فيها فما زلت واقفا حتى كاد النهار يتحول ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي فجلست اليها فقالت أين كنت قلت إن الابعد لشاعر او مجنون قالت اعيذك بالله من ذلك ما كان الله ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك فأخبرتها الخبر فقالت أبشر يا ابن عم واثبت له فإني لأرجو ان تكون نبي هذه الأمة ثم انطلقت إلى ورقة فأخبرته فقال إن كنت صدقتني انه لنبي هذه الامة وإنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى
وأخرج البيهقي من طريق ابن اسحاق حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير انه حدث عن خديجة انها قالت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما تثبته يا ابن عم تستطيع ان تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك اذا جاءك قال نعم قالت إذا جاءك فأخبرني فبينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عندها إذ جاءه جبرئيل فقال يا خديجة هذا جبرئيل قالت أتراه الآن قال نعم قالت فاجلس إلى شقي الأيمن فتحول فجلس قالت هل تراه الآن قال نعم قالت فاجلس في حجري فتحول فجلس قالت هل تراه الآن قال نعم فحسرت عن رأسها فألقت خمارها ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالس في حجرها قالت هل تراه الان قال لا قالت ما هذا شيطان إن هذا لملك يا ابن عم فاثبت وابشر ثم آمنت به وشهدت ان الذي جاء به لحق
قال ابن اسحاق فحدثت عبد الله بن الحسن بهذا الحديث فقال قد سمعت فاطمة بنت الحسين تحدث به عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبرئيل وأخرجه الطبراني في الاوسط وابو نعيم من

(1/159)


وجه آخر عن إسماعيل بن ابي حكيم عن عمر بن عبد العزيز عن ابي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة عن خديجة به
واخرج البيهقي وابو نعيم عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت ان يكون هذا أمرا فقالت معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله انك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل ابو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت له اذهب مع محمد إلى ورقة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض فقال لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فاخبرني فلما خلا ناداه قال يا محمد اشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم قال قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين ثم قال قل لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة ابشر ثم أبشر فأنا أشهد انك الذي بشر به ابن مريم وانك على مثل ناموس موسى وانك نبي وانك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا وإن يدركني ذلك لاجاهدن معك فلما توفي ورقة قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقد رأيت القس عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني ورقة
وأخرج البيهقي وابو نعيم من وجه آخر عن ابي ميسرة ان النبي {صلى الله عليه وسلم} كان إذا برز سمع من يناديه يا محمد فاذا سمع الصوت انطلق هاربا فاسر ذلك إلى ابي بكر وكان نديما له في الجاهلية وأخرج ابو نعيم بسند موصول عن بريدة مثله
وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن شداد قال قال ورقة لخديجة هل رأى زوجك صاحبه في حضر قالت نعم قال فإن زوجك نبي وسيصيبه من أمته بلاء
وأخرج ابو نعيم من طريق عروة عن عائشة قالت قال ورقة لما ذكرت له خديحة انه ذكر لها جبرئيل سبوح سبوح وما لجبرئيل يذكر في هذه الأرض التي تعبد فيها

(1/160)


الأوثان جبرئيل امين الله تعالى بينه وبين رسله اذهبي به إلى المكان الذي رأى فيه ما رأى فاذا رآه فتحسري فإن يكن من عند الله لا يراه ففعلت قالت فلما تحسرت تغيب جبرئيل فلم يره فرجعت فأخبرت ورقة فقال إنه ليأتيه الناموس الأكبر ثم اقام ورقة ينتظر إظهار الدعوة فقال في ذلك شعر
لججت وكنت في الذكرى لجوجا
لهم طال ما بلغ النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف
فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي
حديثك ان أرى منه خروجا
بما أخبرتنا من قول قس
من الرهبان اكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود قوما
ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور
تقام به البرية أن تعوجا
فيلقى من يحاربه خسارا
ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتي إذا ما كان ذاكم
شهدت وكنت اولهم ولوجا
ولوجا في الذي كرهت قريش
ولو عجت بمكثها عجيجا
أرجى بالذي كرهوا جميعا
إلى ذي العرش إن سلفوا عروجا
وهل أمر السفاهة غير كفر
بمن يختار من سمك البروجا
فإن يبقوا وابق تكن أمور
يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن أهلك فكل فتى سيلقى
من الأقدار متلفة خروجا
وقوله ( ببطن المكتين قال العيني في شواهده الكبرى سمي كلا من جانبي مكة أو كلا من اعلاها وأسفلها مكة فلذلك ثناها
وأخرج الطيالسي والحارث بن أبي اسامة وأبو نعيم من طريق يزيد بن
بابن وس عن عائشة ان النبي {صلى الله عليه وسلم} نذر ان يعتكف شهرا هو وخديجة بحراء فوافق ذلك شهر رمضان فخرج ذات ليلة فسمع السلام عليك فقال فظننتها فجأة الجن فجئت مسرعا حتى دخلت على خديجة فقالت ما شأنك فأخبرتها فقالت أبشر فإن السلام خير ثم خرجت مرة أخرى فاذا انا بجبرئيل على الشمس جناج له بالمشرق وجناج له

(1/161)


بالمغرب فهلت منه فجئت مسرعا فإذا هو بيني وبين ال
باب فكلمني حتى آنست به ثم وعدني موعدا فجئت له فابطأ علي فأردت ان ارجع فإذا أنا به وبميكائيل قد سد الأفق فهبط جبرئيل وبقى ميكائيل بين السماء والارض فأخذني جبرئيل فالقاني لحلاوة القفا ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم استخرج منه ما شاء الله ان يستخرج ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم اعاده مكانه ثم لأمه ثم اكفأني كما يكفأ الإناء ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي ثم اخذ بحلقي حتى أجهشت بالبكاء ثم قال اقرأ ولم أك قرأت كتابا قط فلم أقدر ثم قال اقرأ قلت ما اقرأ قال اقرأ باسم ربك حتى انتهى الى خمس آيات ثم وزنني برجل فوزنته ثم وزنني بآخر فوزنته حتى وزنت بمائة رجل فقال ميكائيل تبعته أمته ورب الكعبة فجعل لا يلقاني حجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله
وأخرج أحمد وابن سعد وأبو نعيم عن ابن عباس ان النبي {صلى الله عليه وسلم} قال لخديجة اني اسمع صوتا وأرى ضوءا فذكرت ذلك لورقة قال هذا ناموس موسى فان بيعث وانا حي فسأعزره وانصره وأعينه
وأخرج ابو نعيم من طريق المعتمر بن سليمان عن ابيه ان جبرئيل اخذ النبي {صلى الله عليه وسلم} فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فيه اللؤلؤ والياقوت فقال له جبرئيل اقرأ باسم ربك الذي خلق الى قوله ما لم يعلم ثم قال لا تخف يا محمد فانك رسول الله فاقبل راجعا فجعل لا يمر بشجر ولا حجر إلا وهو ساجد يقول السلام عليك يا رسول الله فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه
وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس قال قال ورقة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} كيف يأتيك جبرئيل فقال يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر
وأخرج ابن رستة في كتاب المصاحف عن الزهري ان النبي {صلى الله عليه وسلم} كان بحراء إذا اتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب اقرأ باسم ربك الذي خلق الى قوله ما لم يعلم
واخرج عن عبيد بن عمير قال جاء جبرئيل إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} بنمط فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ قال اقرأ باسم ربك

(1/162)


واخرج ابن سعد عن ابن عباس قال فبينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على ذلك وهو بأجياد إذ رأى ملكا واضعا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح يا محمد أنا جبرئيل فذعر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من ذلك وجعل يراه كلما رفع رأسه إلى السماء فرجع سريعا إلى خديجة فأخبرها خبره وقال والله يا خديجة ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط ولا الكهان وإني لأخشى ان اكون كاهنا قالت كلا لا تقل ذلك فإن الله لا يفعل ذلك بك أبدا انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وإن خلقك لكريم ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو اول مرة أتته فأخبرته ما أخبرها به فقال والله إنه لصادق وان هذا لبدؤ نبوة وإنه ليأتيه الناموس الاكبر فمر به ان لا يجعل في نفسه إلا خيرا
واخرج ابن سعد عن ابن عباس ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما نزل عليه الوحي بحراء مكث اياما لا يرى جبرئيل فحزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء مرة اخرى يريد ان يلقي نفسه منه فبينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتا من السماء فرفع رأسه فإذا جبرئيل على كرسي بين السماء والأرض متربعا عليه يقول يا محمد أنت رسول الله حقا وأنا جبرئيل فانصرف وقد أقر الله عينه وربط جأشه ثم تتابع الوحي بعد وهي
وأخرج الحاكم من طريق ابن اسحاق حدثني عبد الملك بن عبد الله بن ابي سفيان الثقفي وكان واعية قال قال ورقة بن نوفل فيما كانت خديجة ذكرت له من أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
يا للرجال وصرف الدهر والقدر
وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها
وما لها بخفي الغيب من خبر
جاءت لتسألني عنه لأخبرها
أمرا أراه سيأتي الناس من أخر
وخبرتني بأمر قد سمعت به
فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه ويخبره
جبرئيل انك مبعوث إلى البشر
فقلت عل الذي ترجين ينجزه
لك الإله فرجي الخير وانتظري
وأرسلته إلينا كي نسائله
عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا
يقف منه أعالي الجلد والشعر

(1/163)


إني رأيت أمين الله واجهني
في صورة اكملت من أهيب الصور
ثم استمر فكان الخوف يذعرني
مما يسلم ما حولي من الشجر
فقلت ظني وما ادري ايصدقني
إن سوف تبعث تتلو منزل السور
وسوف آتيك إن أعلنت دعوتهم
من الجهاد بلا من ولا كدر
وأخرج الطيالسي والترمذي والبيهقي عن جابر بن سمرة ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت أني لأعرفه إذا مررت عليه وأخرجه مسلم بلفظ إني لأعرف بمكة حجرا كان يسلم علي قبل ان أبعث أني لأعرفه الآن
وأخرج الدارمي والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن علي رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا مدر ولا جبل إلا قال له السلام عليك يا رسول الله وأنا أسمعه وأخرجه البيهقي من وجه آخر بلفظ لقد رأيتني أدخل معه الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله وأنا اسمعه
وأخرج البزار وأبو نعيم عن عائشة قالت قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما أوحى الله تعالى إلي جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم عن برة بنت أبي تجراة قالت إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين اراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان اذا خرج لحاجته ابعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب وبطون الآودية فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر بمثله وزاد في آخره وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرد عليهم وعليك السلام وكان جبرئيل علمه التحية

(1/164)


وأخرج ابن سعد والبيهقي من طريق ابراهيم بن محمد بن طلحة قال قال طلحة بن عبيد الله حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول سلوا أهل هذا الموسم هل فيهم احد من اهل الحرم قال طلحة قلت نعم انا قال هل ظهر احمد بعد قلت ومن أحمد قال ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ فإياك ان تسبق اليه قال طلحة فوقع في قلبي ما قال فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حدث قالوا نعم محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فأخبرته بما قال الراهب فخرج ابو بكر حتى دخل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره فسر بذلك وأسلم طلحة فأخذ نوفل بن العدوية أبا بكر وطلحة فشدهما في حبل واحد فلذلك سميا القرينين
وأخرج ابو نعيم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال قال العباس خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب فيهم ابو سفيان بن حرب فورد كتاب من حنظله بن أبي سفيان فيه أن محمد اقام بالأبطح فقال انا رسول الله ادعوكم إلى الله ففشا ذلك في مجالس اليمن فجاءنا حبر من اليهود فقال بلغني ان فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال العباس فقلت نعم قال أنشدك هل كانت لأبن اخيك صبوة وسفهة قلت لا واله عبد المطلب ولا كذب ولا خان وإن كان اسمه عند قريش الأمين قال
فهل كتب بيده قال العباس فظننت انه خير له ان يكتب بيده فأردت ان اقول نعم فخشيت من أبي سفيان ان يكذبني ويرد علي قلت لا يكتب فوثب الحبر وترك رداءه وقال ذبحت يهود وقتلت يهود قال العباس فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن اخيك قلت قد رأيت ما رأيت فهل لك يا ابا سفيان فيه ان تؤمن به فإن كان حقا كنت قد سبقت وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك قال لا أؤمن به حتى أرى الخيل قد طلعت في كداء

(1/165)


قلت ما تقول قال كلمة جاءت على فمي إلا اني أعلم ان الله لا يترك خيلا تطلع على كداء قال العباس فلما فتح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة ونظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء قلت يا ابا سفيان تذكر الكلمة قال أي والله إني لذاكرها
واخرج ابو نعيم من طريق محمد بن هشام بن مسلم المخزومي عن معاوية بن ابي سفيان عن أبيه قال خرجت انا وأمية بن أبي الصلت تجارا إلى الشام فقال لي هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب نسأله قلت لا إرب لي فيه فذهب ثم رجع فقال لي إني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء ثم قلت أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر قال هو رجل من العرب قلت من أي العرب قال من اهل بيت تحجه العرب من إخوانكم من قريش قلت فصفه لي قال رجل شاب حين دخل في الكهولية بدأ امره يجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم ويأمر بصلتها وهو سجوح كريم الطرفين متوسط في العشيرة اكثر جنده الملائكة فقلت وما آية ذلك قال قد رجفت الشام منذ هلك عيسى ثلاثين رجفة كلها مصيبة وبقيت رجفة عامة فيها مصائب قال ابو سفيان فقلت هذا والله الباطل قال امية والذي حلفت به ان هذا لهكذا ثم خرجنا فإذا راكب من خلفنا يقول أصاب اهل الشام بعدكم رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عامة قال ابو سفيان فأقبل علي أمية فقال كيف ترى قول النصراني قلت أرى والله انه حق وقدمت مكة فقضيت ما كان معي ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فمكثت بها خمسة أشهر ثم قدمت مكة فجاء الناس يسلمون علي ويسألون عن بضائعهم ثم جاءني محمد {صلى الله عليه وسلم} فسلم علي ورحب بي وسألني عن سفري ومقامي ولم يسألني عن بضاعته ثم قال فقلت لهند والله إن هذا
ليعجبني ما من احد من قريش له معي بضاعة إلا وقد سألني عنها وما سألني هذا عن بضاعته قالت وما علمت شأنه انه يزعم انه رسول الله فوقظتني وذكرت قول النصراني قلت لهو أعقل من ان يقول هذا قالت بلى والله إنه ليقول ذلك

(1/166)


وأخرج الطبراني وأبو نعيم من طريق عروة بن الزبير عن معاوية بن أبي سفيان عن ابيه قال كنا بغزة او بإيلياء فقال لي امية بن ابي الصلت يا ابا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة قلت ايه عن عتبة بن ربيعة قال كريم الطرفين ويجتنب المظالم والمحارم قلت نعم وشريف مسن قال السن إزرى به قلت كذبت بل ما ازداد سنا إلا ازداد شرفا قال لا تعجل علي حتى اخبرك اني أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه فكنت أظن أني هو فلماذا ارست اهل العلم اذا هو من بني عبد مناف فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد احدا يصلح لهذا الامر غير عتبة بن ربيعة فلما اخبرتني بسنه عرفت انه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه قال ابو سفيان فرجعت وقد اوحي الى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فخرجت في ركب في تجارة فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به قد خرج النبي الذي كنت تنعته قال اما انه حق فاتبعه وكأني بك يا أبا سفيان إن خالفته ربطت كما يربط الجدي حتى يؤتى بك اليه فيحكم فيك بما يريد
وأخرج الحارث بن أبي اسامة في مسنده عن عكرمة بن خالد ان ناسا من قريش ركبوا البحر عند مبعث النبي {صلى الله عليه وسلم} فألقتهم الريح الى جزيرة من جزائر البحر فإذا فيها رجل فقال من انتم قالوا نحن ناس من قريش قال وما قريش قالوا اهل الحرم واهل كذا فلما عرف قال نحن أهلها لا انتم فإذا هو رجل من جرهم قال أتدرون لأي شيء سمي أجياد كانت خيولنا جيادا عطفت عليه فقالوا له إنه قد خرج فينا رجل يزعم انه نبي وذكروا له أمره فقال اتبعوه فلولا حالي التي انا عليها لحقت معكم به

(1/167)


وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال سافرت إلى اليمن قبل مبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسنة فنزلت على عسكلان بن عواكن الحميري وكان شيخا كبيرا وكنت لا ازال إذا قدمت إلى اليمن نزلت عليه فيسألني عن مكة والكعبة وزمزم ويقول هل ظهر فيكم رجل له نبأ له ذكر هل خالف أحد منكم عليكم في دينكم فأقول لا حتى قدمت القدمة التي بعث فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فوافيته وقد ضعف وثقل سمعه فنزلت عليه فاجتمع عليه ولده وولد ولده فأخبروه بمكاني فشدت عصابة على عينيه وأسند فقعد وقال لي انتسب يا اخا قريش فقلت أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن عبد الحارث ابن زهرة قال حسبك يا أخا زهرة ألا أبشرك ببشارة وهي خير لك من التجارة قلت بلى قال انبئك بالمعجبة وأبشرك بالمرغبة إن الله قد بعث في الشهر الأول من قومك نبيا ارتضاه صفيا وأنزل عليه كتابا وجعل له ثوابا ينهى عن الأصنام ويدعو إلى الاسلام يأمر بالحق ويفعله وينهي عن الباطل ويبطله فقلت ممن هو قال لا من الأزد ولا ثماله ولا من السرو ولا تباله هو من بني هاشم وأنتم اخواله يا عبد الرحمن أخف الوقعة وعجل الرجعة ثم أمض ووازره وصدقه واحمل إليه هذه الابيات شعر
أشهد بالله ذي المعالي
وفالق الليل والصباح
انك في السر ومن قريش
يا ابن المفدى من الذباح
أرسلت تدعو إلى يقين
ترشد للحق والفلاح
أشهد بالله رب موسى
إنك أرسلت بالبطاح
فكن شفيعي إلى مليك
يدعو البرايا إلى الفلاح
قال عبد الرحمن فحفظت الأبيات وأسرعت في تقضي حوائجي وانصرفت فقدمت مكة فلقيت ابا بكر فأخبرته الخبر فقال هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله رسولا إلى خلقه فآته فأتيته وهو في بيت خديجة فلما رآني ضحك وقال أرى وجها خلقا أرجو له خيرا ما وراءك قلت وما ذاك يا محمد قال حملت إلي

(1/168)


وديعة أم ارسلك مرسل الي برسالة هاتها فأخبرته وأسلمت فقال أما أن أخا حمير من خواص المؤمنين ثم قال رب مؤمن بي ولم يرني ومصدق بي وما شهدني أولئك إخواني حقا
باب ما سمع من الكهان والآصواب بظهور النبي {صلى الله عليه وسلم} عند بعثته
اخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر به رجل جميل فسأله قال كنت كاهنهم في الجاهلية قال فما اعجب ما جاءتك به جنيتك قال بينا انا يوما في سوق جاءتني فيها اعرف الفزع قالت
ألم تر الجن وأبلاسها
ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها
قال عمر صدق بينا انا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ منه صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول يا جليح أمر نجيح رجل نصيح يقول لا إله إلا الله فوثب القوم قلت لا ابرح حتى اعلم ما وراء هذا ثم نادى كذلك الثانية والثالثة فقمت فما نشبنا ان قيل هذا نبي
وأخرج ابن سعد والبيهقي عن مجاهد قال ان بني غفار قربوا عجلا ليذبحوه على نصب من أنصابهم فبينما هو موقوف إذ صاح فقال يا لذريح أمر نجيح صائح يصيح بلسان فصيح يدعو بمكة ان لا إله إلا الله فكفوا عنه وذهبوا ينظرون فإذا النبي {صلى الله عليه وسلم} قد بعث
وأخرج احمد والبيهقي عن مجاهد قال حدثنا شيخ أدرك الجاهلية قال كنت أسوق لآل لنا بقرة فسمعت من جوفها يا لذريح قول فصيح رجل يصيح أن لا إله إلا الله فقدمنا مكة فوجدنا النبي {صلى الله عليه وسلم} قد خرج بمكة
وأخرج البيهقي عن البراء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لسواد بن قارب حدثنا ببدء اسلامك قال كان لي رئيي من الجن فبينا انا ذات ليلة نائم إذ
جاءني قال قم فافهم واعقل إن كنت تعقل قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ يقول
عجبت للجن وانجاسها
وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى
ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم
واسم بعينيك إلى راسها

(1/169)


ثم انبهني وأفزعني وقال يا سواد بن قارب إن الله تعالى بعث نبيا فانهض إليه تهتدي وترشد فلما كانت في الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول
عجبت للجن وتطلابها
وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى
ما صادقوا الجن ككذابها
فارحل الى الصفوة من هاشم
ليس قدامها كأذنابها
فما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال
عجبت للجن وتجسارها
وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى
ليس ذووا الشر كأخيارها
فانهض الى الصفوة من هاشم
ما مؤمنو الجن ككفارها
قال فلما سمعته يكرر علي ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الاسلام فانطلقت حتى أتيت النبي {صلى الله عليه وسلم} فلما رآني قال مرحبا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك قلت يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه مني فقلت شعر
أتاني رئيي بعد ليل وبجعة
ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة
أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت
بي الذعلب الوجناء عند السباسب
فاشهد ان الله لا رب غيره
وأنك مأمون على كل غائب
وأنك ادنى المرسلين شفاعة
إلى الله يا ابن الاكرمين الأطائب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى
وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة
سواك بمغن عن سواد بن قارب
هذا الحديث له عدة طرق فأخرجه ابن شاهين في الصحابة من طريق الفضل بن عيسى القرشي عن العلاء بن زيدل عن انس بن مالك قال دخل سواد بن قارب على النبي {صلى الله عليه وسلم} فذكر القصة بطولها
وأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من طريق الحسين بن عمارة عن عبد الله بن عبد الرحمن قال دخل سواد بن قارب على عمر فذكر الحديث بطوله
وأخرجه البخاري في تاريخه والبغوي والطبراني من طريق عباد بن عبد الصمد سمعت سعيد بن جبير أخبرني سواد بن قارب قال كنت نائما فذكره بطوله
وأخرجه الحسن بن سفيان وأبو يعلى والحاكم والبيهقي والطبراني من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي قال دخل سواد على عمر فذكره بطوله

(1/170)


وأخرجه ابن ابي خيثمة والروياني في مسنده والخرائطي من طريق أبي جعفر الباقر قال دخل سواد بن قارب على عمر فذكره
وأخرج البيهقي عن هشام بن محمد الكلبي قال حدثني شيوخ من شيوخ طي ان مازنا الطائي كان بأرض عمان وكان يسدن الاصنام لأهله وكان له صنم يقال له ناجز قال مازن فعترت ذات يوم عتيرة وهي الذبيحة فسمعت صوتا من الصنم يقول يا مازن أقبل إلي أقبل تسمع ما لا يجهل هذا نبي مرسل جاء بحق منزل فآمن به كي تعدل عن حر نار تشعل وقودها بالجندل قال مازن فقلت إن هذا والله لعجب ثم عترت بعد ايام عتيرة أخرى فسمعت صوتا أبين من الأول وهو يقول يا مازن اسمع تسر ظهر خير وبطن شر بعث نبي من مضر بدين الله الأكبر فدع نحيتا من حجر تسلم من حر سقر قال مازن فقلت والله إن هذا لعجب وأنه لخير يراد بي وقدم علينا رجل من الحجاز فقلنا ما الخبر وراءك قال خرج رجل بتهامة يقول لمن اتاه اجيبوا داعي الله يقال له أحمد فقلت هذا والله نبأ ما سمعت
فرحلت حتى أتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فشرح لي الاسلام فأسلمت فقلت يا رسول الله إن امرؤ مولع بالطرب و شرب الخمر والهلوك من النساء وألحت علينا السنون فاذهبن الأموال واهزلن الذراري والرجال وليس لي ولد فادع الله ان يذهب عني ما اجد ويأتيني بالحياء ويهب لي ولدا فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} أللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وآته بالحياء وهب له ولدا قال مازن فاذهب الله عني كلما كنت أجد وأخصبت عمان وتزوجت اربع حرائر ووهب الله لي حيان بن مازن وأخرجه الطبراني وأبو نعيم من طريق هشام بن الكلبي عن أبيه عن عبد الله العماني قال كان رجل منا يقال له مازن يسدن صنما قال مازن فعترت عتيرة فذكر نحوه

(1/171)


وأخرج ابن سعد واحمد والطبراني في الاوسط والبيهقي وأبو نعيم عن جابر ابن عبد الله قال اول خبر قدم المدينة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} ان امرأة من أهل المدينة كان لها تابع فجاء في سورة طائر حتى وقع على حائط ديارهم فقالت له المرأة انزل قال لا إنه بعث بمكة نبي منع منا القرار وحرم علينا الزنا واخرجه ابن سعد والبيهقي من وجه آخر عن علي بن حسين مرسلا
وأخرج أبو نعيم عن أرطأة بن المنذر قال سمعت ضمرة يقول كانت امرأة بالمدينة يغشاها جان فغاب فلبث ما لبث فلم يأتها ثم أطلع من كوة فقالت ما كانت لك عادة تطلع من كوة قال إنه خرج نبي بمكة وإني سمعت ما جاء به فإذا هو يحرم الزنا فعليك السلام
وأخرج ابو نعيم عن عثمان بن عفان قال خرجنا في عير إلى الشام قبل أن يبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما كنا بأفواه الشام وبها كاهنة فتعرضتنا وقالت أتاني صاحبي فوقف على
بابي فقلت ألا تدخل قال لا سبيل إلى ذلك خرج احمد جاء امر لا يطاق ثم انصرفت فرجعت إلى مكة فوجدت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد خرج بمكة يدعو إلى الله تعالى
وأخرج ابن شاهين في الصحابة وابن مندة في دلائل النبوة والمعافي في الجليس عن أبي خيثمة عن عبد الرحمن بن ابي سبرة قال حدثني ذ
باب بن الحارث الصحابي رضي الله عنه قال كان لابن وقشة رأي من الجن يخبره بما يكون فأتاه ذات يوم فأخبره بشيء فنظر اليه فقال يا ذ
باب يا ذ
باب اسمع العجب العجاب بعث محمد بالكتاب يدعو بمكة فلا يجاب فقلت له ما هذا قال لا أدري كذا قيل فلم يكن إلا قليل حتى سمعت بمخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلمت
واخرج عمر بن شيبة عن الجموح بن عثمان الغفاري قال كنا بمنازلنا في الجاهلية فاذا صائح يصيح من الليل فذكر رجزا ثم عاد الليلة الثانية ثم الثالثة فلم ننشب إذ جاءنا ظهور النبي {صلى الله عليه وسلم}

(1/172)


وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن يزيد بن رومان قال خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله فدخلا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلما وقال عثمان يا رسول الله قدمت حديثا من الشام فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا ايها النيام هبوا فإن أحمد قد خرج بمكة فقدمنا فسمعنا بك
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن سفيان الهذلي قال خرجنا في عير لنا إلى الشام فلما كنا بين الزرقاء ومعان قد عرسنا من الليل إذا بفارس يقول أيها النيام هبوا فليس هذا بحين رقاد قد خرج أحمد وطردت الجن كل مطرد ففزعنا ونحن رفقة حزاورة كلهم قد سمع هذا فرجعنا إلى أهلينا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش بنبي خرج فيهم من بني عبد المطلب إسمه أحمد
وأخرج أبو نعيم عن يعقوب بن يزيد بن طلحة التيمي ان رجلا مر على عمر فقال اكاهن أنت متى عهدك بصاحبتك قال قبيل الاسلام اتتني فصرخت يا
سلام يا سلام الحق المبين والخير الدائم غير حلم النائم الله اكبر فقال رجل من القوم يا امير المؤمنين اما احدثك مثل هذا والله انا لنسير دوية ملساء لا نسمع فيها إلا الصداء إذ نظرنا فإذا راكب مقبل فقال يا أحمد يا أحمد الله اعلى وأمجد اتاك ما وعدك من الخير يا أحمد ثم ذهب فقال رجل من الأنصار إنا احدثك مثل هذا انطلقت إلى الشام فلما كنا بقفزة من الأرض إذا هاتف من خلفنا يقول
قد لاح نجم فأضاء مشرقه
يخرج من ظلماء عسوف موبقه
ذاك رسول مفلح من صدقه
الله أعلى أمره وحققه
وأخرج ابو نعيم عن ابن عباس قال هتف هاتف من الجن على ابي قبيس بمكة فقال
قبح الله رأي كعب بن فهر
ما أرق العقول والأحلام
دينها أنها يعنف فيها
دين آبائها الحماة الكرام
حالف الجن حين يقضي عليكم
ورجال النخيل والآطام
يوشك الخيل ان تراها تهادى
تقتل القوم في البلاد العظام
هل كريم منكم له نفس حر
ما جد الوالدين والأعمام
ضارب ضربة تكون نكالا
ورواحا من كربة واغتمام

(1/173)


فأصبح هذا الحديث قد شاع بمكة وأصبح المشركون يتناشدونه بينهم وهموا بالمؤمنين فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر والله يخزيه فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف على الجبل يقول
نحن قتلنا مسعرا
لما طغى واستكبرا
وسفه الحق وسن المنكرا
قنعته سيفا جروفا مبترا
بشتمه نبينا المطهر
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلكم عفريت من الجن يقال له سمحج سميته عبد الله آمن بي فأخبرني انه في طلبه منذ أيام
وأخرج الفاكهي في أخبار مكة من حديث ابن عباس عن عامر بن ربيعة قال بينما نحن مع النبي {صلى الله عليه وسلم} بمكة في بدء الاسلام إذ هتف هاتف على بعض جبال مكة فحرض على المسلمين فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} هذا شيطان ولم يعلن شيطان بتحريض على نبي إلا قتله الله تعالى فلما كان بعد ذلك قال لنا النبي {صلى الله عليه وسلم} قد قتله الله تعالى بيد رجل من عفاريت الجن يدعى سمحجا وقد سميته عبد الله فلما أمسينا سمعت هاتفا بذلك المكان يقول
نحن قتلنا مسعرا
لما طغى واستكبرا
وصغر الحق وسن المنكرا
بشتمه نبينا المطهرا
وأخرج ابو نعيم والفاكهي في أخبار مكة عن عبد الرحمن بن عوف قال لما ظهر امر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قام رجل من الجن على أبي قبيس يقال له مسعر فقال قبح الله رأي كعب بن فهر الأبيات وأصبحت قريش تقول توانيتم حتى حرضتكم الجن فلما كانت القابلة قام في مقامه رجل من الجن يقال له سمحج فقال
نحن قتلنا مسعرا
لما طغى واستكبرا
بشتمه نبينا المطهرا
اوردته سيفا جروفا مبترا
إنا نذود من أراد البطرا
وأخرج ابو سعد في شرف المصطفى عن جندل بن نضلة انه اتى النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال كان لي صاحب من الجن فأتاني فدهمني وقال
هب فقد لاح سراج الدين
لصادق مهذب أمين
فارحل على ناجية أمون
تمشي على الصحصح والحزون
فانتبهت مذعورا فقلت ماذا قال وساطح الأرض وفارض الفرض لقد بعث محمد في الطول والعرض نشأ في الحرمات العظام وهاجر إلى طيبة الأمينة فسرت فإذا انا بهاتف يقول
يا أيها الراكب المزجى مطيته
نحو الرسول لقد وفقت للرشد

(1/174)


وأخرج ابن الكلبي عن عدي بن حاتم قال كان لي عسيف من كلب يقال له حابس بن دغنة فبينا انا ذات يوم بفنائي إذا انا به مروع الفؤاد فقال دونك إبلك قلت ما هاجك قال بينا انا بالوادي إذا بشيخ من شعب جبل تجاهي كان رأسه رخمة فانحدر عما تزلى عنه العقاب وهو مترسل غير منزعج حتى استقرت قدماه في الحضيض وانا اعظم ما أرى فقال
يا حابس بن دغنة يا حابس
لا تعرضن إليك الوساوس
هذا سنا النور بكف القابس
فاجنح إلى الحق ولا توالس
قال ثم غاب فروحت ابلي وسرحتها إلى غير ذلك الوادي ثم اضطجعت فإذا راكب قد ركضني فاستيقظت فاذا هو صاحبي وهو يقول
يا حابس اسمع ما أقول ترشد
ليس ضلول حائر كمهتدي
لا تتركن نهج الطريق الأقصد
قد نسخ الدين بدين أحمد
قال فأغمي علي ثم افقت بعد زمن وقد امتحن الله قلبي للإسلام
واخرج الطبراني وأبو نعيم عن عمرو بن مرة الجهني قال خرجت حاجا فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى اضاء لي جبل يثرب فسمعت صوتا في
النور وهو يقول انقشعت الظلماء وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن فسمعت صوتا في النور وهو يقول ظهر الاسلام وكسرت الاصنام ووصلت الأرحام فانتبهت فزعا فقلت لقومي والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا ان رجلا يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت ثم أسلمت وقلت يا رسول الله ابعث بي إلى قومي فبعثني إليهم فدعوتهم إلى الإسلام فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال يا عمرو بن مرة أمر الله عيشك أتأمرنا ان نرفض آلهتنا وتخالف دين آبائنا ثم قال
إن ابن مرة قد أتى بمقالة
ليست مقالة من يريد صلاحا
إني لأحسب قوله وفعاله
يوما وإن طال الزمان رياحا
أيسفه الاشياخ ممن قد مضى
من رام ذلك لا أصاب فلاحا

(1/175)


فقال عمرو بن مرة الكادب مني ومنك أمر الله عيشه وأبكم لسانه وأكمه بصره فوالله ما مات حتى سقط فوه فكان لا يجد طعم الطعام وعمي وخرس
واخرج ابو نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق ابن خربوذ المكي عن رجل من خثعم قال كانت العرب لا تحرم حلالا ولا تحل حراما كانوا يعبدون الأوثان ويتحاكمون اليها فبينا نحن ذات ليلة عند وثن لنا جلوس وقد تقاضينا إليه في شيء إذ هتف هاتف وهو يقول
يا ايها الناس ذوو الاجسام
ومسندوا الحكم إلى الاصنام
ما انتم وطائش الاحلام
هذا نبي سيد الأنام
أعدل ذي حكم من الحكام
يصدع بالنور وبالإسلام
ويردع الناس عن الآثام
مستعلن في البلد الحرام
قال ففزعنا وتفرقنا من عنده وصار ذلك الشعر حديثا حتى بلغنا ان النبي {صلى الله عليه وسلم} قد خرج بمكة ثم قدم المدينة فجئت فأسلمت
وأخرج ابن سعد والبزار وأبو نعيم عن جبير بن مطعم قال كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بشهر نحرنا جزورا فإذا صائح يصيح من جوف الصنم يقول الا اسمعوا إلى العجب ذهب استراق السمع للوحي ويرمى بالشهب لنبي بمكة إسمه أحمد مهاجره إلى يثرب قال جبير فأمسكنا وعجبنا وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وأخرج ابو نعيم عن تميم الداري قال كنت بالشام حين بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فخرجت إلى بعض حاجتي وأدركني الليل فقلت انا في جوار عظيم هذا الوادي فلما اخذت مضجعي إذا انا بمناد ينادي لا أراه عذبا لله فإن الجن لا تجير على الله أحدا فقلت أيم الله ما تقول قال قد خرج الرسول الأمين رسول الله وصلينا خلفه بالحجون فأسلمنا واتبعناه وذهب كيد الجن ورميت بالشهب فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم قال تميم فلما اصبحت ذهبت إلى راهب فأخبرته الخبر فقال قد صدقوك يخرج من الحرم ومهاجره الحرم وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه

(1/176)


واخرج ابو نعيم عن خويلد الضمري قال كنا عند صنم جلوسا إذ سمعنا من جوفه صائحا يصيح ذهب استراق السمع للوحي ورمي بالشهب لنبي بمكة اسمه احمد ومهاجره إلى يثرب يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للارحام فقمنا من عند الصنم فسالنا فقالوا خرج بمكة نبي إسمه أحمد
وأخرج ابو نعيم وابن جرير والمعافي بن زكريا وابن الطراح في كتاب الشواعر بأسانيدهم عن العباس بن مرداس قال كان اول إسلامي ان ابي لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم يقال له ضمار فجعلته في بيت وجعلت آتيه كل يوم فلما ظهر النبي {صلى الله عليه وسلم} سمعت صوتا من جوف الصنم بالليل وهو يقول
قل للقبائل من سليم كلها
هلك الأنيس وعاش أهل المسجد
أودى ضمار وكان يعبد مرة
قبل الكتاب إلى النبي محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى
بعد ابن مريم من قريش مهتدي
قال فكتمته الناس فلم احدث به احدا فلما رجع الناس من غزوة الاحزاب فبينا انا في إبلي بطرف العقيق من ذات عرق سمعت صوتا شديدا فرفعت رأسي فإذا برجل على جناحي نعامة وهو يقول النور الذي وقع يوم الاثنين وليلة الثلاثاء مع صاحب الناقة العضباء في ديار بني اخي العنقاء فأجابه هاتف عن شماله لا أبصره فقال
بشر الجن وأبلاسها
ان وضعت المطي أحلاسها
وبينت السماء احراسها
قال فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل
وأخرج الخرائطي والطبراني وابو نعيم من وجه آخر عن العباس بن مرداس انه كان يغبر في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء مثل القطن عليها راكب عليه ثياب بيض مثل القطن فقال يا عباس بن مرداس
ألم تر ان السماء قد حفت أحراسها
وأن الحرب جرعت أنفاسها
وأن الخيل وضعت احلاسها
وان الذي جاء بالبر ولد يوم الاثنين في ليلة الثلاثاء صاحب الناقة القصواء فخرجت مرعوبا حتى جئت وثنا يدعى ضمارا فإذا صائح من جوفه يصيح قل للقبائل الأبيات

(1/177)


وأخرج أبو نعيم من وجه ثالث عن العباس بن مرداس قال بينا أنا نصف النهار جالس في فيء شجرة إذ طلعت علي نعامة بيضاء عليها رجل أبيض عليه ثياب بياض فقال
عباس يا عباسها
يا ابن قيل مرداسها
ألم تر إلى الجن وأبلاسها
والحرب قد جرعت انفاسها
وان السماء منعت احراسها
فانصرفت فلم أزل اسأل حتى قدم علي ابن عم لي فأخبرني ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يدعو إلى الله مسخفيا
وأخرج ابن سعد وابو نعيم عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه قال ذبحت ذبيحة على الصنم فسمعت من جوفه صوتا العجب كل العجب خرج نبي من بني عبد المطلب يحرم الزنا ويحرم الذبح للأصنام وحرست السماء و رمينا بالشهب فتفرقنا فقدمنا مكة فلم نجد أحدا يخبرنا بخروج محمد {صلى الله عليه وسلم} حتى لقينا أبا بكر الصديق فقلنا يا أبا بكر خرج بمكة احد يدعو إلى الله تعالى يقال له أحمد قال وما ذاك فأخبرته الخبر قال نعم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو رسول الله
وأخرجا من وجه آخر عن عبد الله بن ساعدة الهذلي عن أبيه قال كنت عند صنم لنا فسمعت مناديا من جوفه ينادي قد ذهب كيد الجن ورمينا بالشهب لنبي اسمه احمد فانصرفت فلقيت رجلا فخبرني بظهور رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وأخرج ابن مندة عن بكر بن جبلة قال كان لنا صنم فعثرنا عنده فسمعت صوتا يقول يا بكر بن جبلة تعرفون محمدا
وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس ان رجلا قال يا رسول الله خرجت في الجاهلية اطلب بعيرا لي شرد فهتف بي هاتف في الصبح يقول
يا ايها الراقد في الليل الأجم
قد بعث الله نبيا في الحرم
من هاشم أهل الوفاء والكرم
يجلود جنات الدياجي والظلم
فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا فقلت
يا ايها الهاتف في داجي الظلم
أهلا وسهلا بك من طيف ألم
بين هداك الله في لحن الكلم
ماذا الذي تدعو إليه يغتنم
فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول ظهر النور وبطل الزور وبعث الله محمد بالخيور ثم انشأ يقول
الحمد لله الذي
لم يخلق الخلق عبث
أرسل فينا أحمدا
خير نبي قد بعث
صلى عليه الله ما
حج له ركب وحث

(1/178)


ثم لاح الصباح فوجدت البعير
واخرج ابو سعد في شرف المصطفى عن الجعد بن قيس المرادي قال خرجنا أربعة أنفس نريد الحج في الجاهلية فمررنا بواد من أودية اليمن فلما اقبل الليل استعذنا بعظيم الوادي وعقلنا رواحلنا فلما هدأ الليل ونام أصحابي إذا هاتف من بعض أرجاء الوادي يقول
ألا أيها الركب المعرس بلغوا
إذا ما وقفتم بالحطيم وزمزما
محمد المبعوث منا تحية
تشيعه من حيث سار ويمما
وقولوا له إنا لدينك شيعة
بذلك أوصانا المسيح بن مريما
وأخرج ابو سعد في شرف المصطفى بسند ضعيف ان جندع بن الصميل أتاه آت فقال له يا جندع بن صميل اسم تسلم وتغنم من حر نار تضرم فقال ما الاسلام قال البرأة من الأصنام والاخلاص للملك العلام قال كيف السبيل إليه قال إنه قد اقترب ظهور ناجم من العرب كريم النسب غير خامل النسب يطلع من الحرم تدين له العرب والعجم فأخبر بذلك ابن عمه رافع بن خداش فلما بلغه مهاجر النبي {صلى الله عليه وسلم} إلى المدينة جاء فأسلم
باب تنكس الاصنام عند بعثته {صلى الله عليه وسلم} وما جرى على كسرى

(1/179)


اخرج ابن اسحاق وأبو نعيم عن وهب بن منبه قال لما بعث الله تعالى محمدا {صلى الله عليه وسلم} أصبح كسرى وقد انقصم طاق ملكه وانخرقت عليه دجلة فلما رأى ذلك أحزنه وقال قد انقصمت طاق ملكي من غير ثقل وانخرقت علي دجلة انكسر الملك ثم دعا الكهنة والمنجمين والسحرة فقال انظروا في هذا الامر فنظروا فأخذ عليهم بأقطار السماء وأظلمت الأرض ولكعوا في علمهم فلا يمضي لساحر سحره ولا لكاهن كهانته ولا لمنجم نجومه وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الارض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه فإذا روضة خضراء فقال فيما يعتاف لئن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الأرض كأفضل ما اخصبت عن ملك كان قبله فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض قال بعضهم لبعض تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء وانه لنبي قد بعث يسلب هذا الملك ويكسره
وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن محمد بن كعب قال دخلت مدائن كسرى عام ثمانين فنظرت إلى بناء كسرى فعجبت وأخبرني شيخ لهم قال إن كسرى اول ما انكر من امره انه اصبح في الليلة التي اوحي إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودجلته قد انثلمت عليه وطاق ملكه قد انصدع فذكر نحوه
وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن ابي هريرة قال لما بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اصبح كل صنم منكسا فأتت الشياطين إبليس فأخبروه فقال هذا نبي قد بعث فالتمسوه فقالوا لم نجده فقال أنا صاحبه فخرج يلتمس فوجده بمكة فخرج إلى الشياطين فقال قد وجدته معه جبرئيل
وأخرج ابو نعيم في الحلية عن مجاهد قال رن إبليس اربع مرات حين لعن وحين أهبط وحين بعث النبي {صلى الله عليه وسلم} وحين انزلت الحمد لله رب العالمين
باب حراسة السماء من استراق السمع بالمبعث الشريف
قال تعالى فيما أخبر عن الجن وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

(1/180)


وأخرج احمد والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الكلمة من الوحي فيهبطون إلى الأرض فيزيدون عليها فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} فمنعوا تلك المقاعد فذكروا ذلك لإبليس فقال لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم فوجدوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقرأ القرآن قالوا هذا والله الحدث وانهم ليرمون فإذا توارى النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبدا ولكنه لا يقتله يحرق وجهه وجنبه ويده
واخرج ابن سعد والبيهقي وأبو نعيم من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس قال كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي فيخبرون به الكهنة فلما بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} دحروا فقالت العرب حين لم يخبرهم الجن هلك من في السماء فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا وصاحب البقر ينحر بقرة وصاحب الغنم ينحر شاة وقال إبليس لقد حدث في الأرض فآتوني من تربة كل أرض فأتوه بها فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال من ها هنا جاء الحدث فنصوا فإذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد بعث
وأخرج البيهقي من طريق العوفي عن ابن عباس قال لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع فلما بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} حرست السماء حرسا شديدا ورجمت الشياطين
وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن ابن عمر وقال لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منعت الشياطين السماء ورموا بالشهب فذكروا لإبليس فقال بعث نبي عليكم بالأرض المقدسة فذهبوا ثم رجعوا فقالوا ليس بها احد فخرج إبليس في طلبه بمكة فإذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بحراء منحدرا معه جبرئيل فرجع إلى اصحابه فقال قد بعث احمد ومعه جبرئيل

(1/181)


وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن أبي بن كعب قال لم يرم نجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رمي بها فرأت قريس أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقاءهم يظنون انه الفناء ثم فعلت ثقيف مثل ذلك فبلغ عبد ياليل فقال لا تعجلوا وانظروا فان تكن نجوما تعرف فهو عند فناء من الناس وإن كانت نجوما لا تعرف فهو عند أمر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال هذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب فقال ظهر محمد بن عبد الله يدعي انه نبي مرسل قال عبد ياليل فعند ذلك رمي بها
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن الشعبي قال كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} فرمي بها فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم فقال عبد يا ليل انظروا وذكر مثله
واخرج ابن سعد عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن أخنس قال إن اول العرب فزع لرمي النجوم ثقيف فأتوا عمرو بن أمية فقالوا الم تر إلى ما حدث قال بلى فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها ويعرف بها أنواء الصيف والشتاء انتثرت فهو طي الدنيا وذهاب هذا الخلق وإن كانت نجوما غيرها فأمر أراد الله ونبي يبعث في العرب فقد تحدث بذلك
وأخرج الخرائطي في الهواتف وابن عساكر عن مرداس بن قيس الدوسي قال حضرت النبي {صلى الله عليه وسلم} وقد ذكرت عنده الكهانة وما كان من تغييرها عند مخرجه فقلت يا رسول الله قد كان عندنا من ذلك شيء أخبرك ان جارية منا يقال لها خلصة لم

(1/182)


نعلم عليها إلا خيرا إذ جاءتنا فقالت يا معشر دوس هل علمتم علي إلا خيرا قلنا وما ذاك قالت اني لفي غنمي إذ عشيتني ظلمة ووجدت كحس الرجل مع المرأة فقد خشيت ان اكون قد حبلت حتى إذا ادنت ولادتها وضعت غلاما أغضف له أذنان كاذني الكلب فمكث فينا حتى انه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة وألقى إزاره وصاح بأعلى صوته يا ويله يا ويله الخيل والله وراء العقبة فيهن فتيان حسان نجبة فركبنا فوجدناهم فهزمناهم وغنمناهم وكان لا يقول لنا شيئا إلا كان كما يقول حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله صار يخبرنا بشيء فيكذب فقلنا له ويلك ماذا قال ما ادري كذبني الذي كان يصدقني أسجنوني في بيتي ثلاثا ثم ائتوني ففعلنا به ذلك ثم أتينا بعد ثلاثة ففتحنا عنه فاذا هو كأنه جمرة نار فقال يا معشر دوس حرست السماء وخرج خير الأنبياء قلنا أين قال بمكة وأنا ميت فادفنوني في راس جبل فإني سوف اضطرم نارا فإذا رأيتم اضطرامي فاقذفوني بثلاثة أحجار قولوا مع كل حجر باسمك اللهم فإني اهدأ واطفئ ففعلنا ذلك وأقمنا حتى قدم علينا الحاج فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم عن الزهري قال كان الوحي يستمع فلما كان الاسلام منعوا وكانت امرأة من بني اسد يقال لها سعيرة لها تابع من الجن فلما رأى الوحي لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها وجعل يصيح وضع العناق ورفع الرقاق وجاء امر لا يطاق احمد حرم الزنا
وأخرج البيهقي عن الزهري قال إن الله حجب الشياطين عن السمع بهذه النجوم فانقطعت الكهنة فلا كهنة
وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن نافع بن جبير قال كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى فلما بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رميت بالشهب

(1/183)


وأخرج الواقدي وأبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال كانت الشياطين يستمعون الوحي فلما بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} منعوا فشكوا ذلك إلى ابليس فقال لقد حدث امر فرقي فوق أبي قبيس فرأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يصلي خلف المقام فقال اذهب فاكسر عنقه فجاء وجبرئيل عنده فركضه جبرئيل ركضة طرحه في كذا وكذا وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن مجاهد مثله
وأخرج ابو نعيم من طريق الحجاج الصواف عن ثابت البناني عن أنس قال لما بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} اتاه ابليس يكيده فانقض عليه جبرئيل فدفعه بمنكبه فألقاه بوادي الأردن
وأخرج ابو الشيخ في العظمة والطبراني في الاوسط وابو نعيم من طريق عثمان ابن مطر عن ثابت عن انس أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان ساجدا بمكة فجاء ابليس فأراد ان يطأ عنقه فنفحه جبرئيل نفحة فما استقرت قدماه حتى بلغ الأردن
باب اعجاز القرآن واعتراف مشركي قريش باعجازه وانه لا يشبه شيئا من كلام البشر ومن اسلم لذلك
قال الله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وقال تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار وقال تعالى فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما من الانبياء نبي إلا اعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو ان أكون اكثرهم تابعا

(1/184)


قال العلماء معناه ان معجزات الأنبياء انقضرت بانقراض إعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما اخبر انه سيكون يدل على صحة دعواه وقيل المعنى ان المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر لأن الذين يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل منم جاء بعد الأول مستمرا
قال الحافظ ابن حجر ويمكن نظم القولين في كلام واحد فإن محصلهما لا ينافى بعضه بعضا
وأخرج الحاكم والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون ان يجمعوا لك مالا قال لم قال ليعطوكه فانك أتيت محمدا تتعرض لما قبله قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك إنك منكر له أو إنك كاره له قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا اعلم برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله ان لقوله الذي يقول حلاوة وان عليه لطلاوة وانه لمثمر أعلاه مغدق اسفله وأنه ليعلو وما يعلى وانه ليحطم ما تحته قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال فدعني حتى أفكر فيه فلما فكر قال هذا سحر يؤثر يؤثره من غيره فنزلت ذرني ومن خلقت وحيدا
واخرج ابن اسحاق والبيهقي من طريق عكرمة او سعيد عن ابن عباس أن الوليد ابن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال إن

(1/185)


وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قول بعضكم بعضا فقالوا فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقوم به فقال بل أنتم فقولوا لأسمع فقالوا نقول كاهن فقال ما هو بكاهن لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسحره فقالوا نقول مجنون فقال وما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قال فنقول شاعر قال فما هو بشاعر قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قال فنقول ساحر قال فما هو ساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده فقالوا ما تقول با ابا عبد شمس قال والله ان لقوله لحلاوة وان أصله لمعذق وأن فرعه لجنى فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وأن أقرب القول لأن تقولوا ساحر فتقولوا هذا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه وبين المرء وبين أخيه وبين المرء وبين زوجته وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عند ذلك فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره فأنزل الله عز وجل في الوليد بن المغيرة وذلك من قوله ذرني ومن خلقت وحيدا إلى قوله سأصليه سقر وانزل الله عز وجل في النفر الذين كانوا معه ويصفون له القول في رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما جاء به من عند الله الذين جعلوا القرآن عضين أي أصنافا فوربك لنسألنهم أجمعين أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لمن لقوا من الناس قال وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها
وأخرج أبو نعيم من طريق العوفي عن ابن عباس قال أقبل الوليد بن المغيرة على أبي بكر يسأله عن القرآن فلما أخبره خرج على قريش فقال يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة فوالله ما هو بشعر ولا سحر ولا بهذاء مثل الجنون وان قوله لمن كلام الله

(1/186)


وأخرج أبو نعيم من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ان الوليد قال لقومه ان الناس مجتمعون غدا في الموسم وقد فشا قول هذا
الرجل في الناس وهم سائلوكم عنه غدا فماذا تردون عليهم قالوا نقول مجنون مختنق قال يأتونه فيكلمونه فيجدونه فصيحا عاقلا فيكذبونكم قالوا نقول شاعر قال هم العرب وقد رووا الشعر وقوله ليس بنشيد الشعر فيكذبوكم قالوا نقول كاهن يخبرنا بما في غد قال انهم لقوا الكهان فاذا سمعوا قوله فلم يجدوه يشبه الكهانة فيكذبونكم
وأخرج ابن اسحاق والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس قال قام النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فقال يا معشر قريش إنه والله لقد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله لقد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى اذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر قد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم وقلتم كاهن لا والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وحالهم وسمعنا سجعهم وقلتم شاعر لا والله ما هو بشاعر لقد روينا الشعر وسمعنا اصنافه كلها هزجه ورجزه وقلتم مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بجنقه ولا وسوسته ولا تخليطه يا معشر قريش انظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم

(1/187)


وأخرج ابن ابي شيبة في مسنده والبيهقي وأبو نعيم عن جابر بن عبد الله قال قال ابو جهل والملأ من قريش لقد انتشر علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره فقال عتبة لقد سمعت قول السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك فأتاه فلما اتاه قال عتبة يا محمد أنت خير ام هاشم أنت خير ام عبد المطلب انت خير ام عبد الله فلم يجبه قال فبم تشتم آلهتنا وتضلل أباءنا فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت وان كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستعين بها أنت وعقبك من بعدك ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} ساكت ولا يتكلم فلما فرغ قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون فقرأ حتى بلغ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل
صاعقة عاد و ثمود ) فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم ان يكف عنه ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم فقال أبو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته انطلقوا بنا اليه فأتوه فقال ابو جهل والله يا عتبة ما حسبناك إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا قال ولقد علمتم اني من اكثر قريش مالا ولكني أتيته فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته حتى بلغ فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فامسكت بفيه وناشدته الرحم ليكف ولقد علمتم ان محمدا اذا قال شيئا لم يكذب فخفت ان ينزل بكم العذاب

(1/188)


وأخرج إبن اسحاق والبيهقي عن محمد بن كعب قال حدثت ان عتبة بن ربيعة قال ذات يوم ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسجد يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا لعله ان يقبل منها بعضها ويكف عنا قالوا بلى يا أبا الوليد فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أفرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاسمع مني قال فافعل فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا فمضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقرأها عليه فلما سمعها عتبة انصت لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه حتى انتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى السجدة فسجد فيها ثم قال سمعت يا أبا الوليد قال سمعت قال فأنت وذاك فقام عتبة إلى اصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا وما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي إني والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على
العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا ابا الوليد بلسانه فقال هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم
وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن ابن عمر قال لما قرأ النبي {صلى الله عليه وسلم} على عتبة بن ربيعة حم تنزيل من الرحمن الرحيم أتى أصحابه فقال لهم يا قوم أطيعوني في هذا اليوم واعصوني بعده فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي قط كلاما مثله وما دريت ما أرد عليه

(1/189)


وأخرج ابن اسحاق والبيهقي عن الزهري قال حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يصلي بالليل في بيته وأخد كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا قال بعضهم لبعض لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا حتى اذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى اذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى اتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد فقال يا أبا ثعلبة لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها فقال الأخنس وأنا والذي حلفت ثم خرج من عنده حتى أتى ابا جهل فدخل عليه بيته فقال يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد فقال ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه فقام الأخنس بن شريق
وأخرج البيهقي عن المغيرة بن شعبة قال إن اول يوم عرفنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أني امشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأبي جهل يا ابا الحكم هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله

(1/190)


قال أبو جهل يا محمد هل انت منته عن سب آلهتنا هل تريد إلا ان نشهد ان قد بلغت فنحن نشهد ان قد بلغت فوالله لو أني اعلم أن ما تقول حقا لاتبعتك فانصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأقبل علي فقال فوالله إني لأعلم ان ما يقول حق ولكن بني قصي قالوا فينا الحجابة فقلنا نعم فقالوا فينا الندوة فقلنا نعم فقالوا فينا اللواء فقلنا نعم قالوا فينا السقاية فقلنا نعم ثم اطعموا فأطعمنا حتى اذا تحاكت الركب قالوا منا نبي والله لا أفعل
وأخرج مسلم عن ابي ذر قال انطلق أخي انيس الى مكة ثم أتاني فقال لقيت رجلا بمكة يزعم ان الله أرسله قلت ما يقول الناس قال يقولون انه لشاعر وساحر وكاهن وكان انيس احد الشعراء فقال لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على اقراء الشعر فوالله ما يلتئم على لسان أحد بعدي انه شعر ووالله انه لصادق وأنهم لكاذبون قال أبو ذر فارتحلت حتى أتيت مكة فأقمت بها ثلاثين من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع
اخرج ابو نعيم عن الزهري ان أسعد بن زرارة قال يوم العقبة للعباس نحن قد قطعنا القريب والبعيد وذا الرحم ونشهد انه رسول الله أرسله من عنده ليس بكذاب وإن ما جاء به لا يشبه كلام البشر
وأخرج ابو نعيم من طريق ابن اسحاق حدثني اسحاق بن يسار عن رجل من بني سلمة قال لما اسلم فتيان بني سلمة قال عمرو بن الجموح لابنه اخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل فقرأ عليه الحمد لله رب العالمين إلى قوله الصراط المستقيم فقال ما احسن هذا وأجمله وكل كلامه مثل هذا قال يا أبتاه وأحسن من هذا
وأخرج ابن سعد عن يزيد بن رومان ومحمد بن كعب والشعبي والزهري وغيرهم قالوا قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجل من بني سليم يقال له قيس بن نسيبة

(1/191)


فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه فأسلم ورجع إلى قومه فقال قد سمعت ترجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب وكهانة الكاهن وكلام مقاول حمير فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه فقدموا عام الفتح فأسلموا وهم سبعمائة وقيل كانوا ألفا
فصل أجمع العقلاء على أن كتاب الله تعالى معجز لم يقدر أحد على معارضته مع تحديهم بذلك قال الله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله فلولا ان سماعه حجة عليه لم يقف امره على سماعه ولا يكون حجة الا وهو معجزة وقال تعالى وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين او لم يكفهم انا انزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم فأخبر ان الكتاب آية من آياته كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء و قد جاءهم به {صلى الله عليه وسلم} وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء وتحداهم على ان يأتوا بمثله وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا وكانوا احرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجة ولم ينقل عن احد منهم انه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء اخرى فتارة قالوا سحر وتارة قالوا شعر وتارة قالوا أساطير الأولين كل ذلك من التحير والانقطاع ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة اموالهم وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية فلو علموا ان الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه لأنه كان أهون عليهم
قال الحافظ بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى المعارضة ثم نصب لهم

(1/192)


الحرب فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستحالة لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وخطبائهم لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله وافسد لأمره وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الاوطان وانفاق الأموال وقد اختلف الناس في الوجه الذي وقع به إعجاز القرآن على أقوال بينتها مبسوطة في كتاب الإتقان والملخص انه وقع بعدة وجوه
منها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إعجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام وأر
بابه ذا الشأن
ومنها صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته وانتهت إليه فواصل كلماته ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له
ومنها ما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات وما لم يكن فوجد كما ورد
ومنها ما أنبأ به من أخبار القرون الماضية والشرائع السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك فيورده {صلى الله عليه وسلم} على وجهه ويأتي به على نصه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب
ومنها ما تضمنه من الأخبار عن الضمائر كقوله تعالى إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقوله تعالى ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول
ومنها آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله في اليهود ( ولن يتمنوه أبدا )
ومنها ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة
ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند سماع تلاوته كما وقع لجبير بن مطعم انه سمع النبي {صلى الله عليه وسلم} يقرأ في المغرب بالطور قال فلما بلغ هذه الآية ام خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون إلى قوله المصيطرون كاد قلبي يطير قال وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي

(1/193)


ومنها أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإك
باب على تلاوته يزيد حلاوة وترديده يوجب له محبة وغيره من الكلام يعادي إذا أعيد ويمل مع الترديد ولهدا وصف {صلى الله عليه وسلم} القرآن بأنه لايخلق على كثرة الرد
ومنها كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله بحفظه
ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة
ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا
ومنها جعله آخر الكتب غنيا من غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد تحتاج إلى بيان يرجع فيه اليه كما قال تعالى إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون
قال القاضي عياض والوجوه الأربعة الاول هي المعتمد عليها في الإعجاز والباقي تقدم في خصائصه وبقي من خصائصه كونه نزل على سبعة أحرف وكونه نزل مفرقا منجما وكونه ميسرا للحفظ وسائر الكتب بخلاف ذلك في الثلاثة وقد بسطت الكلام في الأولين في الإتقان وسألم بشيء من ذلك في
باب الخصائص التي امتاز بها عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
فصل قال القاضي عياض إذا عرفت ما ذكر من وجوه إعجاز القرآن عرفت انه لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا اكثر لأنه {صلى الله عليه وسلم} قد تحدى بسورة منه فعجزوا عنها قال أهل العلم واقصر السور إنا أعطيناك الكوثر فكل آية او آيات منه بعددها وقدرها معجزة ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق

(1/194)


قلت واذا عددت كلمات سورة الكوثر وجدتها بضع عشرة كلمة وقد عد قوم كلمات القرآن سبعا وسبعين الف كلمة وتسعمائة وأربعا وثلاثين فالقدر المعجز منه يكون في العدد نحو سبعة آلاف تقريبا تضرب في ثمانية أوجه الأولان والسابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر تبلغ ستة وخمسين الف معجزة ثم ينضم إلى ذلك في بعضه من الوجه الثالث والرابع والخامس والسادس جملة وافرة فتصل معجزات القرآن بذلك إلى ستين الف معجزة أو أكثر ومن اراد الوقوف على تفصيل إعجاز القرآن من حيث الوجهان الأولان فليمعن النظر في كتابنا الاتقان ثم في كتابنا أسرار التنزيل يجد فيهما ما يشفي غليله وقد وقع لي اني استخرجت من آية واحدة مائة وعشرين نوعا من انواع البلاغة وهي قوله تعالى الله ولي الذين أمنوا الآية وقد افردتها بتأليف فليراجع
فصل روى أحمد وغيره عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لو كان القرآن في اهاب ما اكلته النار ورواه الطبراني من حيدث سهل بن سعد بلفظ ما مسته النار ورواه من حديث عصمة بن مالك بلفظ لو جمع القرآن في إهاب ما احرقته النار
قال ابن الأثير في نهاية الغريب ذكر بعضهم أن هذا معجزة له في زمن النبي {صلى الله عليه وسلم} فقط
باب ما كان يظهر عند الوحي من الآيات
اخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن أبي جعفر قال كان أبو بكر يسمع مناجاة جبرئيل للنبي {صلى الله عليه وسلم} ولا يراه
واخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي وأبو نعيم بسند جيد عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا نزل عليه الوحي نسمع عنده دويا كدوي النحل وفي لفظ يسمع عند وجهه كدوي النحل
وأخرج الشيخان عن عائشة ان الحارث بن هشام سأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كيف يأتيك الوحي قال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول
وقالت عائشة لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقا

(1/195)


وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة انه بلغه ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان يقول كان الوحي يأتيني على نحوين يأتيني به جبرئيل فيلقيه علي كما يلقي الرجل على الرجل فذاك يتفلت مني ويأتيني في شيء مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا يتفلت مني
وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد له وجهه
وأخرج ابو نعيم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي وجد ثقلا قال الله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا
وأخرج أبو نعيم عن زيد بن ثابت قال كان إذا نزل الوحي على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثقل لذلك وتحدر جبينه عرقا كأنه الجمان وإن كان في البرد
وأخرج الطبراني عن زيد بن ثابت قال كنت اكتب الوحي لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان اذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة وعرق عرقا شديدا مثل الجمان ثم سرى عنه وكنت اكتب وهو يملي علي فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القرآن حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدا
وأخرج احمد عن ابن عباس قال كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا انزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده
وأخرج ابو نعيم عن ابن عباس قال كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك وجهه وجسده وأمسك عنه اصحابه ولم يكلمه أحد منهم
وأخرج احمد والطبراني وأبو نعيم عن ابن عمرو قال قلت يا رسول الله هل تحس بالوحي قال نعم اسمع صلاصل ثم اثبت عند ذلك وما من مرة يوحي إلي إلا ظننت بأن نفسي تقبض منه
وأخرج ابو نعيم عن الفلتان بن عاصم قال كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أنزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله تعالى
وأخرج الشيخان وأبو نعيم عن يعلى بن أمية قال نظرت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يوحى اليه وله غطيط كغطيط البكر محمرة عيناه وجبينه

(1/196)


واخرج ابن سعد عن ابي أروى الدوسي قال رأيت الوحي ينزل على النبي {صلى الله عليه وسلم} وأنه على راحلته فترغوا وتفتل يديها حتى أظن أن ذراعيها تنفصم فربما بركت وربما قامت مؤتدة يديها حتى يسري عنه من ثقل الوحي وانه لينحدر منه مثل الجمان
واخرج احمد والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قلت إن كان ليوحى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو على ناقته فتضرب بجرانها من ثقل ما يوحى إليه وإن كان جبينه لينطف بالعرق في اليوم الشاتي إذا أوحي إليه
واخرج ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اذا نزل عليه الوحي يغط في رأسه ويتربد في وجهه ويجد بردا في ثناياه ويعرق حتى ينحدر منه مثل الجمان
وأخرج الطبراني عن أسماء بنت عميس قالت كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا نزل عليه الوحي يكاد يغشى عليه
وأخرج احمد والطبراني والبيهقي في الشعب وأبو نعيم عن اسماء بنت يزيد قالت كنت آخذه بزمام ناقة النبي {صلى الله عليه وسلم} حين أنزلت عليه المائدة فكاد ان ينكسر عضدها من ثقل الشورة
وأخرج ابو نعيم عن أبي هريرة قال كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أنزل عليه الوحي صدع فيغلف رأسه بالحناء
وأخرج ابن سعد عن عكرمة قال كان إذا أوحى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقذ لذلك ساعة كهيئة السكران وقذه النعاس بذال معجمة غلبه
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أوحى اليه لم يستطع احد منا يرفع طرفه إليه حتى ينقضي الوحي
باب اختصاصه {صلى الله عليه وسلم} برؤية جبرئيل في صورته التي خلق عليها
اخرج أحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لم ير جبرئيل في صورته إلا مرتين أما واحدة فإنه سأله ان يريه نفسه فأراه نفسه فسد الأفق وأما الأخرى فليلة الإسراء عند السدرة
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جبرئيل في صورته وله ستمائة جناج كل جناح منها قد سد الافق يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم

(1/197)


وأخرج احمد والطبراني عن ابن عباس قال سأل النبي {صلى الله عليه وسلم} جبرئيل ان يراه في صورته فقال ادع ربك فدعا ربه فطلع عليه سواد من قبل المشرق فجعل يرتفع وينتشر
واخرج الشيخان عن عائشة ان النبي {صلى الله عليه وسلم} لم ير جبرئيل في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رآه منهبطا من السماء إلى الارض ساد اعظم خلقه ما بين السماء والأرض
وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال رأيت جبرئيل منهبطا قد ملأ ما بين السماء و الأرض عليه ثياب سندس معلقا به اللؤلؤ والياقوت
وأخرج ابو الشيخ في العظمة عن عائشة قالت قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لجبرئيل وددت اني رأيتك في صورتك فنشر جناحا من اجنحته فسد افق السماء حتى ما يرى من السماء شيء
واخرج ابو الشيخ عن ابن عباس عن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال رأيت جبرئيل له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها مثل ريش الطواويس
وأخرج عن ابن مسعود قال رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جبرئيل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض
وأخرج ابو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جبرئيل معلقا رجليه عليه الدر كأنه قطر المطر على البقل
وأخرج أبو الشيخ عن شريح بن عبيد أن النبي {صلى الله عليه وسلم} لما صعد إلى السماء رأى جبرئيل في خلقه منظوم اجنحته من الزبرجد واللؤلؤ والياقوت قال فخيل إلى ان ما بين عينيه قد سد الأفق وكنت أراه قبل ذلك على صور مختلفة وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي و كنت أحيانا أراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال
وأخرج ابن سعد والنسائي بسند صحيح عن ابن عمر قال كان جبرئيل يأتي النبي {صلى الله عليه وسلم} في صورة دحية الكلبي
وأخرج الطبراني عن انس ان النبي {صلى الله عليه وسلم} قال كان جبرئيل يأتيني على صورة دحية الكلبي وكان دحية رجلا جميلا
وأخرج العجلي في تاريخه عن عوانة بن الحكم قال اجمل الناس من كان جبرئيل ينزل على صورته
باب سعي الشجرة إليه {صلى الله عليه وسلم}

(1/198)


أخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والدارمي والبيهقي وأبو نعيم من طريق الأعمس عن أبي سفيان عن أنس قال جاء جبرئيل إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو خارج من مكة قد خضبه اهل مكة بالدماء قال مالك قال خضبني هؤلاء بالدماء فعلوا وفعلوا قال تريد أن أريك آية قال نعم أدع تلك الشجرة فدعاها فجاءت تخط الأرض حتى قامت بين يديه قال مرها فلترجع قال ارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها قال حسبي
وأخرج البيهقي عن الحسن قال خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء الله من تكذيب قومه إياه فقال رب أرني ما اطمئن إليه ويذهب عني هذا الغم فأوحى الله اليه ادع أي أعصان هذه الشجرة شئت فدعا عصنا فانتزع من مكانه ثم خد في الأرض حتى جاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له رسول الله
{صلى الله عليه وسلم} ارجع إلى مكانك فرجع الغصن فخد في الأرض حتى استوى كما كان فحمد الله رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وطابت نفسه ورجع
وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والبزار والبيهقي وأبو نعيم بسند حسن عن عمرو بن الخطاب رضي الله عنه ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان على الحجون كئيبا لما آذاه المشركون فقال اللهم أرني اليوم آية لا أبالي من كذبني بعدها فأمر فنادى شجرة من جانب الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه فسلمت عليه ثم أمرها فرجعت إلى موضعها فقال ما أبالي من كذبني بعدها من قومي
وأخرج أبو نعيم عن جابر قال آذى المشركون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأتاه جبرئيل فانطلق به الى شفير واد فيه شجر كثير فقال ادع اي شجرة شئت فدعا شجرة منها فأقبلت حتى قامت بين يديه فقال له جبرئيل انك على الحق
باب در الجذعة باللبن

(1/199)


أخرج الطيالسي وابن سعد وابن أبي شيبة والبيهقي وأبو نعيم عن ابن مسعود قال كنت غلاما يافعا ارعى عنما لعقبة بن ابي معيط بمكة فأتى علي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقالا يا غلام عندك لبن تسقينا قلت إني مؤتمن فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الضرع فمسحه ودعا فحفل الضرع فأتاه أبو بكر بصخرة مقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر وسقاني ثم قال للضرع اقلص فقلص فعاد كما كان
باب رؤيا خالد بن سعيد بن العاص
أخرج ابن سعد والبيهقي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما وكان أول أخوته أسلم وكان بدؤ إسلامه انه رأى في النوم انه وقف به على شفير النار فذكر من سعتها ما الله اعلم به ويرى في النوم كان أباه يدفعه فيها ويرى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آخذا بحقويه لا يقع ففزع من نومه وقال احلف بالله ان هذه لرؤيا حق فأتى أبا بكر فذكر ذلك له فقال اريد بك خيرا هذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاتبعه فأتاه فقال يا محمد إلى م تدعو قال ادعو إلى الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وتخلع ما انت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده فأسلم خالد وعلم ابوه فأرسل في طلبه فأنبه وضربه وقال والله لأمنعنك القوت قال إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به

(1/200)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية