صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مغازي الواقدي
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]

وكان ابن أبي ذئب يحدث عن رجل من بني سلمة عن جابر بن عبد الله ، قال قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجبل الذي عليه المسجد فدعا في إزار ورفع يديه مدا ، ثم جاءه مرة أخرى فصلى ودعا .
وكان عبد الله بن عمر يقول صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخريق القابل الصاب على أرض بني النضير وهو اليوم موضع المسجد الذي بأسفل الجبل . ويقال إنه صلى في تلك المساجد كلها التي حول المسجد الذي فوق الجبل .
قال ابن واقد وهذا أثبت الأحاديث . وقالوا : لما كان ليلة السبت بعث الله الريح فقلعت وتركت وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى أن ذهب ثلث الليل وكذلك فعل ليلة قتل ابن الأشرف ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه الأمر أكثر الصلاة .
قالوا : وكان حصار الخندق في قر شديد وجوع فكان حذيفة بن اليمان يقول لقد رأيتنا في الخندق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة شديدة البرد قد اجتمع علينا البرد والجوع والخوف [ ص 489 ] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رجل ينظر لنا ما فعل القوم جعله الله رفيقي في الجنة فقال حذيفة يشرط له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجنة والرجوع فما قام منا رجل ثم عاد يقول ذلك ثلاث مرات وما قام رجل واحد من شدة الجوع والقر والخوف . فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لا يقوم أحد ، دعاني فقال يا حذيفة قال فلم أجد بدا من القيام حين فوه باسمي ، فجئته ولقلبي وجبان في صدري ، فقال تسمع كلامي منذ الليلة ولا تقوم ؟ فقلت : لا ، والذي بعثك بالحق إن قدرت على ما بي من الجوع والبرد . فقال اذهب فانظر ما فعل القوم ولا ترمين بسهم ولا بحجر ولا تطعن برمح ولا تضربن بسيف حتى ترجع إلي .
فقلت : يا رسول الله ما بي يقتلوني ولكني أخاف أن يمثلوا بي . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس عليك بأس فعرفت أنه لا بأس علي مع كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأول . ثم قال اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يقولون .
فلما ولى حذيفة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته فدخل عسكرهم فإذا هم يصطلون على نيرانهم وإن الريح تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قرارا ولا بناء . فأقبلت فجلست على نار مع قوم فقام أبو سفيان فقال احذروا الجواسيس والعيون ، ولينظر كل رجل جليسه . قال فالتفت إلى عمرو بن العاص فقلت : من أنت ؟ وهو عن يميني . فقال عمرو بن العاص . والتفت إلى معاوية بن أبي سفيان فقلت : من أنت ؟ فقال معاوية بن أبي سفيان .
ثم قال أبو سفيان [ ص 490 ] إنكم والله لستم بدار مقام لقد هلك الخف والكراع وأجدب الجناب ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره وقد لقينا من الريح ما ترون والله ما يثبت لنا بناء ولا تطمئن لنا قدر فارتحلوا فإني مرتحل .
وقام أبو سفيان وجلس على بعيره وهو معقول ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم فما أطلق عقاله إلا بعد ما قام . ولولا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي « لا تحدث شيئا حتى تأتي » ثم شئت ، لقتلته . فناداه عكرمة بن أبي جهل إنك رأس القوم وقائدهم تقشع وتترك الناس ؟ فاستحيى أبو سفيان فأناخ جمله ونزل عنه وأخذ بزمامه وهو يقوده وقال ارحلوا قال فجعل الناس يرتحلون وهو قائم حتى خف العسكر ثم قال لعمرو بن العاص يا أبا عبد الله لا بد لي ولك أن نقيم في جريدة من خيل بإزاء محمد وأصحابه فإنا لا نأمن أن نطلب حتى ينفذ العسكر .
فقال عمرو : أنا أقيم . وقال لخالد بن الوليد ما ترى يا أبا سليمان ؟ فقال أنا أيضا أقيم . فأقام عمرو وخالد في مائتي فارس ، وسار العسكر إلا هذه الجريدة على متون الخيل . قالوا : وذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم قد ارتحلوا ، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره . وأقامت الخيل حتى كان السحر ثم مضوا فلحقوا الأثقال والعسكر مع ارتفاع النهار بملل فغدوا إلى السيالة .
وكانت غطفان لما ارتحلت وقف مسعود بن رخيلة في خيل من أصحابه ووقف الحارث بن عوف في خيل من أصحابه ووقف فرسان من بني سليم في أصحابهم ثم تحملوا جميعا في طريق واحدة وكرهوا أن يتفرقوا حتى [ ص 491 ] أتوا على المراض ثم تفرقت كل قبيلة إلى محالها .
حدثني عبد الله بن جعفر ، عن عثمان - يعني ابن محمد الأخنسي - قال لما انصرف عمرو بن العاص قال قد علم كل ذي عقل أن محمدا لم يكذب . فقال عكرمة بن أبي جهل أنت أحق الناس ألا يقول هذا . قال عمرو : لم ؟ قال لأنه نزل على شرف أبيك وقتل سيد قومك .
ويقال الذي تكلم به خالد بن الوليد ، ولا ندري ، لعلهما قد تكلما بذلك جميعا . قال خالد بن الوليد قد علم كل حليم أن محمدا لم يكذب قط . قال أبو سفيان بن حرب إن أحق الناس ألا يقول هذا أنت . قال ولم ؟ قال نزل على شرف أبيك ، وقتل سيد قومك أبا جهل .
حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال كان محاصرة المشركين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخندق بضعة عشر يوما .
وحدثني الضحاك بن عثمان ، عن عبيد الله بن مقسم ، عن جابر بن عبد الله ، قال عشرين يوما . ويقال خمسة عشر يوما ، وهذا أثبت ذلك عندنا . فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخندق أصبح وليس بحضرته أحد من العساكر قد هربوا وذهبوا . وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثبت أنهم انقشعوا إلى بلادهم ولما أصبحوا أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك .
وكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تعلم بنو قريظة رجعتهم إلى منازلهم فأمر بردهم وبعث من ينادي في أثرهم فما [ ص 492 ] رجع رجل واحد . فكان ممن يردهم عبد الله بن عمر ، أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عبد الله فجعلت أصيح في أثرهم في كل ناحية إن رسول الله أمركم أن ترجعوا ، فما رجع رجل واحد منهم من القر والجوع . فكان يقول كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى سرعتهم وكره أن يكون لقريش عيون .
قال جابر بن عبد الله أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أردهم فجعلت أصيح بهم فما يرجع أحد ، فانطلقت في أثر بني حارثة فوالله ما أدركتهم حتى دخلوا بيوتهم ولقد صحت فما يخرج إلي أحد من جهد الجوع والقر فرجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فألقاه في بني حرام منصرفا ، فأخبرته فضحك - صلى الله عليه وسلم -
حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبي وجزة قال لما ملت قريش المقام وأجدب الجناب ، وضاقوا بالخندق وكان أبو سفيان على طمع أن يغير على بيضة المدينة ، كتب كتابا فيه باسمك اللهم فإني أحلف باللاتي والعزى ، لقد سرت إليك في جمعنا ، وإنا نريد ألا نعود إليك أبدا حتى نستأصلك ، فرأيتك قد كرهت لقاءنا ، وجعلت مضايق وخنادق فليت شعري من علمك هذا ؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد ، تبقر فيه النساء . وبعث بالكتاب مع أبي أسامة الجشمي فلما أتى بالكتاب دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي بن كعب ، فدخل معه قبته فقرأ عليه كتاب أبي سفيان .
وكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب . .. أما بعد فقديما غرك بالله الغرور أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم وأنك لا تريد [ ص 493 ] أن تعود حتى تستأصلنا ، فذلك أمر الله يحول بينك وبينه ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللاتي والعزى .
وأما قولك : « من علمك الذي صنعنا من الخندق » فإن الله تعالى ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به وغيظ أصحابك ، وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللاتي ، والعزى ، وإساف ونائلة وهبل حتى أذكرك ذلك .
قال أبو عبد الله فذكرت ذلك لإبراهيم بن جعفر فقال أخبرني أبي أن في الكتاب « ولقد علمت أني لقيت أصحابك بأحياء وأنا في عير لقريش فما حصر أصحابك منا شعرة ورضوا بمدافعتنا بالراح .
ثم أقبلت في عير قريش حتى لقيت قومي ، فلم تلقنا ، فأوقعت بقومي ولم أشهدها من وقعة . ثم غزوتكم في عقر داركم فقتلت وحرقت - يعني غزوة السويق - ثم غزوتك في جمعنا يوم أحد ، فكانت وقعتنا فيكم مثل وقعتكم بنا ببدر ثم سرنا إليكم في جمعنا ومن تألب إلينا يوم الخندق ، فلزمتم الصياصي وخندقتم الخنادق » .

(1/489)


باب ما أنزل الله من القرآن في الخندق حدثني [ ص 494 ] موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن عباس ، قال وأنزل الله عز وجل في شأن الخندق يذكر نعمته وكفايته عدوهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من تكلم بالنفاق فقال يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها
قال وكانت الجنود التي أتت المؤمنين قريشا وغطفان وأسدا وسليما ، وكانت الجنود التي بعث الله تعالى عليهم الريح . وذكر إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون
وكان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة ، والذين جاءوا من أسفل منهم قريش وأسد وغطفان وسليم . هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا قول معتب بن قشير ومن كان معه على مثل رأيه . وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا
يقول أوس بن قيظي ومن كان معه من قومه على مثل رأيه .
ولو دخلت عليهم من أقطارها من نواحيها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا يعني المنافقين . ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار إلى قوله تعالى [ ص 495 ] وإذا لا تمتعون إلا قليلا
كان ثعلبة عاهد الله يوم أحد لا يولي دبرا أبدا بعد أحد . ثم ذكر أهل الإيمان حين أتاهم الأحزاب فحصروهم وظاهرتهم بنو قريظة في الخندق فاشتد عليهم البلاء فقالوا لما رأوا ذلك هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وذلك قوله في البقرة أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وفي قوله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه يقول قتل أو أبلي ومنهم من ينتظر أن يقتل أو يبلى ، وما بدلوا تبديلا ما تغيرت نياتهم . ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما .
حدثني إسحاق بن يحيى ، عن مجاهد ، قال نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طلحة بن عبيد الله فقال هذا ممن قضى نحبه

(1/494)


ذكر من قتل من المسلمين يوم الخندق من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ ، رماه حبان بن العرقة فمات ويقال رماه أبو أسامة الجشمي .
وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن زعوراء بن جشم بن عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد ، رماه بسهم . وعبد الله بن سهل الأشهلي ، رماه رجل من بني عويف فقتله .
[ ص 496 ] ومن بني سلمة الطفيل بن النعمان قتله وحشي ، وكان وحشي يقول أكرم الله بحربتي حمزة والطفيل وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي ، قتله هبيرة بن أبي وهب المخزومي .
ومن بني دينار كعب بن زيد وكان قد ارتث يوم بئر معونة فصح حتى قتل في الخندق ، قتله ضرار بن الخطاب . فجميع من استشهد من المسلمين ستة نفر .

(1/496)


ذكر من قتل من المشركين وقتل من المشركين عمرو بن عبد بن أبي قيس بن عبد ود قتله علي بن أبي طالب - عليه السلام - ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ، قتله الزبير بن العوام ، ويقال علي بن أبي طالب - عليه السلام -
ومن بني عبد الدار عثمان بن منبه بن عبيد بن السباق مات بمكة من رمية رميها يوم الخندق ، وهم ثلاثة نفر . ذكر ما قيل من الشعر في الخندق قال ضرار بن الخطاب : هكذا كان . ..

(1/496)


باب غزوة بني قريظة سار إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة فحاصرهم خمسة عشر يوما ، ثم انصرف يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس . واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم .
قالوا : لما انصرف المشركون عن الخندق ، وخافت بنو قريظة خوفا شديدا ، وقالوا : محمد يزحف إلينا وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم [ ص 497 ] يؤمر بقتالهم حتى جاء جبريل - عليه السلام - . وكانت امرأة نباش بن قيس قد رأت والمسلمون في حصار الخندق ، قالت أرى الخندق ليس به أحد ، وأرى الناس تحولوا إلينا ونحن في حصوننا قد ذبحنا [ ذبح ] الغنم . فذكرت ذلك لزوجها ، فخرج زوجها فذكرها للزبير بن باطا ، فقال الزبير ما لها لا نامت عينها ، تولي قريش ويحصرنا محمد والتوراة ، ولما بعد الحصار أشد منه
قالوا : فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخندق دخل بيت عائشة - رضي الله عنها - فغسل رأسه واغتسل ودعا بالمجمرة ليجمر وقد صلى الظهر وأتاه جبريل على بغلة عليها رحالة وعليها قطيفة على ثناياه النقع فوقف عند موضع الجنائز فنادى : عذيرك من محارب قال فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزعا فقال ألا أراك وضعت اللأمة ولم تضعها الملائكة بعد ؟ لقد طردناهم إلى حمراء الأسد ، إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم .
ويقال جاءه على فرس أبلق . فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا - عليه السلام - فدفع إليه لواء وكان اللواء على حاله لم يحل من مرجعه من الخندق ، وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأذن في الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمركم ألا تصلوا العصر إلا ببني قريظة
ولبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلاح والمغفر والدرع والبيضة وأخذ قناة بيده وتقلد الترس وركب فرسه وحف به أصحابه وتلبسوا السلاح وركبوا الخيل وكانت ستة وثلاثين فرسا ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم [ ص 498 ] قد قاد فرسين وركب واحدا . يقال له اللحيف فكانت ثلاثة أفراس معه . وعلي - عليه السلام - فارس ، ومرثد بن أبي مرثد .
وفي بني عبد مناف : عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فارس ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وعكاشة بن محصن فارس ، وسالم مولى أبي حذيفة ، والزبير بن العوام .
ومن بني زهرة : عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص .
ومن بني تيم : أبو بكر الصديق ، وطلحة بن عبيد الله .
ومن بني عدي : عمر بن الخطاب .
ومن بني عامر بن لؤي : عبد الله بن مخرمة .
ومن بني فهر : أبو عبيدة بن الجراح .
ومن الأوس سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة وأبو نائلة وسعد بن زيد .
ومن بني ظفر : قتادة بن النعمان .
ومن بني عمرو بن عوف : عويم بن ساعدة ومعن بن عدي وثابت بن أقرم ، وعبد الله بن سلمة .
ومن بني سلمة : الحباب بن المنذر بن الجموح ، ومعاذ بن جبل ، وقطبة بن عامر بن حديدة .
ومن بني مالك بن النجار : عبد الله بن عبد الله بن أبي . وفي بني زريق رقاد بن لبيد وفروة بن عمرو ، وأبو عياش ومعاذ بن رفاعة .
ومن بني ساعدة : سعد بن عبادة .
فحدثني ابن أبي سبرة عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه والخيل والرجالة حوله فمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفر من بني النجار بالصورين فيهم حارثة بن النعمان ، قد صفوا عليهم السلاح فقال هل مر بكم أحد ؟ قالوا : نعم دحية الكلبي مر على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من - 499 - إستبرق فأمرنا بلبس السلاح فأخذنا سلاحنا وصففنا ، وقال لنا : هذا رسول الله يطلع عليكم الآن .
قال حارثة بن النعمان : فكنا صفين ، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك جبريل فكان حارثة بن النعمان يقول رأيت جبريل من الدهر مرتين - يوم الصورين ويوم موضع الجنائز حين رجعنا من حنين . وانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني قريظة فنزل على بئر لنا أسفل حرة بني قريظة ، وكان علي - عليه السلام - قد سبق في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة .

(1/497)


فحدثني ابن أبي سبرة عن أسيد بن أبي أسيد عن أبي قتادة ، قال انتهينا إليهم فلما رأونا أيقنوا بالشر وغرز علي - عليه السلام - الراية عند أصل الحصن فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه .
قال أبو قتادة : وسكتنا وقلنا : السيف بيننا وبينكم وطلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه علي - عليه السلام - رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرني أن ألزم اللواء فلزمته ، وكره أن يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذاهم وشتمهم . فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم وتقدمه أسيد بن حضير فقال يا أعداء الله لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا . إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر . قالوا : يا ابن الحضير نحن مواليكم دون الخزرج وخاروا ، وقال لا عهد بيني وبينكم ولا إل .
ودنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم وترسنا عنه فقال [ ص 500 ] يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت أتشتمونني ؟ قال فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى : ما فعلنا ويقولون يا أبا القاسم ما كنت جهولا ثم قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرماة من أصحابه .
فحدثني فروة بن زبيد ، عن عائشة بنت سعد ، عن أبيها ، قال قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا سعد تقدم فارمهم فتقدمت حيث تبلغهم نبلي ، ومعي نيف على الخمسين فرميناهم ساعة وكأن نبلنا مثل جراد فانجحروا فلم يطلع منهم أحد . وأشفقنا على نبلنا أن يذهب فجعلنا نرمي بعضها ونمسك البعض .
فكان كعب بن عمرو المازني - وكان راميا - يقول رميت يومئذ بما في كنانتي ، حتى أمسكنا عنهم بعد أن ذهبت ساعة من الليل . قال وقد رمونا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على فرسه عليه السلاح وأصحاب الخيل حوله ثم أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانصرفنا إلى منزلنا وعسكرنا فبتنا ، وكان طعامنا تمرا بعث به سعد بن عبادة ، أحمال تمر فبتنا نأكل منها ، ولقد رئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يأكلون من ذلك التمر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول نعم الطعام التمر واجتمع المسلمون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشاء فمنهم من لم يصل حتى جاء بني قريظة ومنهم من قد صلى ، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما عاب على أحد صلى ، ولا على أحد لم يصل حتى بلغ بني قريظة . ثم غدونا

(1/500)


عليهم [ ص 501 ] بسحرة فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرماة وعبأ أصحابه فأحاطوا بحصونهم من كل ناحية فجعل المسلمون يرامونهم بالنبل والحجارة وجعل المسلمون يعتقبون فيعقب بعضهم بعضا ، فما برح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يراميهم حتى أيقنوا بالهلكة .
فحدثني الضحاك بن عثمان ، عن نافع عن ابن عمر قال كانوا يراموننا من حصونهم بالنبل والحجارة أشد الرمي وكنا نقوم حيث تبلغهم نبلنا .
فحدثني الضحاك بن عثمان ، عن جعفر بن محمود قال قال محمد بن مسلمة حصرناهم أشد الحصار فلقد رأيتنا يوم غدونا عليهم قبل الفجر فجعلنا ندنو من الحصن ونرميهم من كثب ولزمنا حصونهم فلم نفارقها حتى أمسينا ، وحضنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجهاد والصبر . ثم بتنا على حصونهم ما رجعنا إلى معسكرنا حتى تركوا قتالنا وأمسكوا عنه وقالوا : نكلمك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم . فأنزلوا نباش بن قيس ، فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة وقال يا محمد ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير ، لك الأموال والحلقة وتحقن دماءنا ، ونخرج من بلادكم بالنساء والذراري ولنا ما حملت الإبل إلا الحلقة . فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : فتحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ، إلا أن تنزلوا على حكمي .
فرجع نباش إلى أصحابه بمقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال كعب بن أسد : يا معشر بني قريظة والله إنكم لتعلمون أن محمدا نبي الله وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب حيث لم يكن نبيا من بني [ ص 502 ] إسرائيل فهو حيث جعله الله . ولقد كنت كارها لنقض العهد والعقد ولكن البلاء وشؤم هذا الجالس علينا وعلى قومه وقومه كانوا أسوأ منا .

(1/501)


لا يستبقي محمد رجلا واحدا إلا من تبعه . أتذكرون ما قال لكم ابن خراش حين قدم عليكم فقال تركت الخمر والخمير والتأمير وجئت إلى السقاء والتمر والشعير ؟ قالوا : وما ذلك ؟ قال يخرج من هذه القرية نبي ، فإن خرج وأنا حي اتبعته ونصرته ، وإن خرج بعدي فإياكم أن تخدعوا عنه فاتبعوه وكونوا أنصاره وأولياءه وقد آمنتم بالكتابين كليهما الأول والآخر . قال كعب فتعالوا فلنتابعه ولنصدقه ولنؤمن به فنأمن على دمائنا وأبنائنا ونسائنا وأموالنا ، فنكون بمنزلة من معه . قالوا : لا نكون تبعا لغيرنا ، نحن أهل الكتاب والنبوة ونكون تبعا لغيرنا ؟ فجعل كعب يرد عليهم الكلام بالنصيحة لهم قالوا : لا نفارق التوراة ولا ندع ما كنا عليه من أمر موسى .
قال فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج في أيدينا السيوف إلى محمد وأصحابه . فإن قتلنا قتلنا وما وراءنا أمر نهتم به وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء والأبناء . فتضاحك حيي بن أخطب ثم قال ما ذنب هؤلاء المساكين ؟ وقالت رؤساء اليهود ، الزبير بن باطا وذووه ما في العيش خير بعد هؤلاء .
قال فواحدة قد بقيت من الرأي لم يبق غيرها ، فإن لم تقبلوها فأنتم بنو إستها . قالوا : ما هي ؟ قال الليلة السبت وبالحري أن يكون محمد وأصحابه آمنين لنا فيها أن نقاتله فنخرج [ ص 503 ] فلعلنا أن نصيب منه غرة . قالوا : نفسد سبتنا ، وقد عرفت ما أصابنا فيه ؟ قال حيي : قد دعوتك إلى هذا وقريش وغطفان حضور فأبيت أن نكسر السبت فإن أطاعتني اليهود فعلوا . فصاحت اليهود : لا نكسر السبت .
قال نباش بن قيس : وكيف نصيب منهم غرة وأنت ترى أن أمرهم كل يوم يشتد . كانوا أول ما يحاصروننا إنما يقاتلون بالنهار ويرجعون الليل فكان هذا لك قولا « لو بيتناهم » . فهم الآن يبيتون الليل ويظلون النهار فأي غرة نصيب منهم ؟ هي ملحمة وبلاء كتب علينا . فاختلفوا وسقط في أيديهم وندموا على ما صنعوا ، ورقوا على النساء والصبيان وذلك أن النساء [ والصبيان ] لما رأوا ضعف أنفسهم هلكوا ، فبكى النساء والصبيان فرقوا عليهم .

(1/503)


فحدثني صالح بن جعفر عن محمد بن عقبة عن ثعلبة بن أبي مالك قال قال ثعلبة وأسيد ابنا سعية ، وأسد بن عبيد عمهم يا معشر بني قريظة والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأن صفته عندنا ، حدثنا بها علماؤنا وعلماء بني النضير . هذا أولهم - يعني حيي بن أخطب - مع جبير بن الهيبان أصدق الناس عندنا ، هو خبرنا بصفته عند موته . قالوا : لا نفارق التوراة فلما رأى هؤلاء النفر إباءهم نزلوا في الليلة التي في صبحها نزلت قريظة فأسلموا فأمنوا على أنفسهم وأهلهم وأموالهم .
فحدثني الضحاك بن عثمان ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، قال عمرو بن سعدى ، وهو رجل منهم يا معشر اليهود ، إنكم قد حالفتم محمدا على ما حالفتموه عليه ألا تنصروا عليه أحدا من عدوه وأن تنصروه [ ص 504 ] ممن دهمه فنقضتم ذلك العهد الذي كان بينكم وبينه فلم أدخل فيه ولم أشركم في غدركم فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا [ على ] اليهودية وأعطوا الجزية فوالله ما أدري يقبلها أم لا . قالوا : نحن لا نقر للعرب بخرج في رقابنا يأخذوننا به القتل خير من ذلك قال فإني بريء منكم .
وخرج في تلك الليلة مع بني سعية فمر بحرس النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليهم محمد بن مسلمة فقال محمد بن مسلمة من هذا ؟ فقال عمرو بن سعدى . فقال محمد مر اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام . فخلى سبيله وخرج حتى أتى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبات به حتى أصبح فلما أصبح غدا فلم يدر أين هو حتى الساعة فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه فقال ذلك رجل نجاه الله بوفائه .
ويقال إنه لم يطلع أحد منهم ولم يبادر للقتال في روايتنا . حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال مر عمرو بن سعدى على الحرس فناداه محمد بن مسلمة من هذا ؟ قال عمرو بن سعدى . قال محمد قد عرفناك . ثم قال محمد اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام .

(1/504)


حدثني الثوري ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة ، قال لما كان يوم بني قريظة قال رجل من اليهود : من يبارز ؟ فقام إليه الزبير فبارزه .
فقالت صفية واجدي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيهما علا صاحبه قتله . فعلاه الزبير فقتله فنفله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلبه .
[ ص 505 ] قال ابن واقد : ولم يسمع بهذا الحديث في قتالهم وأراه وهل - هذا في خيبر .
حدثني معمر بن راشد عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال كان أول شيء عتب فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي لبابة بن عبد المنذر أنه خاصم يتيما له في عذق . فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعذق لأبي لبابة فصيح اليتيم واشتكى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي لبابة هب لي العذق يا أبا لبابة - لكي يرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليتيم . فأبى أبو لبابة أن يهبه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا أبا لبابة أعطه اليتيم ولك مثله في الجنة . فأبى أبو لبابة أن يعطيه .

(1/505)


قال الزهري : فحدثني رجل من الأنصار قال لما أبى أن يعطيه قال ابن الدحداحة - وهو رجل من الأنصار : أرأيت يا رسول الله إن ابتعت هذا العذق فأعطيته هذا اليتيم ألي مثله في الجنة ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم . فانطلق ابن الدحداحة حتى لقي أبا لبابة فقال أبتاع منك عذقك بحديقتي - وكانت له حديقة نخل . قال أبو لبابة نعم . فابتاع ابن الدحداحة العذق بحديقة من نخل ، فأعطاه اليتيم .
فلم يلبث ابن الدحداحة أن جاء كفار قريش إلى أحد ، فخرج ابن الدحداحة فقتل شهيدا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة
قالوا : فلما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر [ ص 506 ] فحدثني ربيعة بن الحارث ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن السائب بن أبي لبابة بن عبد المنذر عن أبيه قال لما أرسلت بنو قريظة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه أن يرسلني إليهم دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال اذهب إلى حلفائك ، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس .
قال فدخلت عليهم وقد اشتد عليهم الحصار فبهشوا إلي وقالوا : يا أبا لبابة نحن مواليك دون الناس كلهم . فقام كعب بن أسد فقال أبا بشير قد علمت ما صنعنا في أمرك وأمر قومك يوم الحدائق وبعاث ، وكل حرب كنتم فيها . وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا ، ومحمد يأبى يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه . فلو زال عنا لحقنا بأرض الشام أو خيبر ، ولم نطأ له حرا أبدا ، ولم نكثر عليه جمعا أبدا .
قال أبو لبابة أما ما كان هذا معكم فلا يدع هلاككم - وأشرت إلى حيي بن أخطب . قال كعب هو والله أوردني ثم لم يصدرني . فقال حيي : فما أصنع ؟ كنت أطمع في أمره فلما أخطأني آسيتك بنفسي ، يصيبني ما أصابك .
قال كعب وما حاجتي إلى أن أقتل أنا وأنت وتسبى ذرارينا ؟ قال حيي : ملحمة وبلاء كتب علينا . ثم قال كعب ما ترى ، فإنا قد اخترناك على غيرك ؟ إن محمدا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه أفننزل ؟ قال نعم فانزلوا - وأومأ إلى حلقه هو الذبح . قال فندمت فاسترجعت ، فقال لي كعب ما لك يا أبا لبابة ؟ فقلت : خنت الله ورسوله . فنزلت وإن لحيتي لمبتلة من الدموع [ ص 507 ] والناس ينتظرون رجوعي إليهم حتى أخذت من وراء الحصن طريقا آخر حتى جئت إلى المسجد فارتبطت ، فكان ارتباطي إلى الأسطوانة المخلقة التي تقال أسطوانة التوبة - ويقال ليس تلك إنما ارتبط إلى أسطوانة كانت وجاه المنبر عند باب أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا أثبت القولين -
وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم ذهابي وما صنعت فقال دعوه حتى يحدث الله فيه ما يشاء . لو كان جاءني استغفرت له فأما إذ لم يأتني وذهب فدعوه قال أبو لبابة فكنت في أمر عظيم خمس عشرة ليلة وأذكر رؤيا رأيتها .

(1/506)


فحدثني موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد : قال قال أبو لبابة رأيت في النوم ونحن محاصرو بني قريظة كأني في حمأة آسنة فلم أخرج منها حتى كدت أموت من ريحها . ثم أرى نهرا جاريا ، فأراني اغتسلت منه حتى استنقيت وأراني أجد ريحا طيبة . فاستعبرها أبا بكر فقال لتدخلن في أمر تغتم له ثم يفرج عنك . فكنت أذكر قول أبي بكر - رضي الله عنه - وأنا مرتبط فأرجو أن تنزل توبتي .
فحدثني معمر عن الزهري ، قال وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استعمل أبا لبابة على قتالهم فلما أحدث ما أحدث عزله واستعمل أسيد بن حضير . وارتبط أبو لبابة سبعا بين يوم وليلة عند الأسطوانة التي عند باب أم سلمة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب وقال لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله علي .
قال فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه بكرة [ ص 508 ] وعشية ثم تاب الله تعالى عليه فنودي إن الله قد تاب عليك وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه ليطلق عنه رباطه فأبى أن يطلقه عنه أحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه فأطلقه .
قال الزهري : فحدثتني هند بنت الحارث عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحل عنه رباطه وإن رسول الله ليرفع صوته يكلمه ويخبره بتوبته وما يدري كثيرا مما يقول من الجهد والضعف .
ويقال مكث خمس عشرة مربوطا ، وكانت ابنته تأتيه بتمرات لفطره فيلوك منهن ويترك ويقول والله ما أقدر على أن أسيغها فرقا ألا تنزل توبتي . وتطلقه عند وقت كل صلاة فإن كانت له حاجة توضأ وإلا أعادت الرباط . ولقد كان الرباط حز في ذراعيه وكان من شعر وكان يداويه بعد ذلك دهرا ، وكان ذلك يبين في ذراعيه بعد ما برئ . وقد سمعنا في توبته وجها آخر .

(1/508)


حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت إن توبة أبي لبابة نزلت في بيتي . قالت أم سلمة فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك في السحر فقلت : مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك ؟ قال تيب على أبي لبابة . قالت قلت : أوذنه بذلك يا رسول الله ؟ قال ما شئت . قالت فقمت على باب الحجرة وذلك قبل أن يضرب الحجاب فقلت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك [ ص 509 ] فثار الناس إليه ليطلقوه .
فقال أبو لبابة لا ، حتى يأتي رسول الله فيكون هو الذي يطلق عني . فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبح أطلقه
ونزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم الآية . ويقال نزلت يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول
وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري ، قال نزلت فيه يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم
الآية . وأثبت ذلك عندنا قوله - عز وجل - وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا

(1/509)


وحدثني معمر عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، قال جاء أبو لبابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أنا أهجر دار قومي التي أصبت فيها هذا الذنب فأخرج من مالي صدقة إلى الله ورسوله . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يجزئ عنك الثلث . فأخرج الثلث وهجر أبو لبابة دار قومه . ثم تاب الله عليه فلم يبن في الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا
قالوا : ولما جهدهم الحصار ونزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر رسول الله بأسراهم فكتفوا رباطا ، وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة ونحوا ناحية وأخرجوا النساء والذرية من الحصون فكانوا ناحية .
واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن سلام ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم [ ص 510 ] بجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب .
فحدثني ابن أبي سبرة عن المسور بن رفاعة قال وجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحجفة . وأخرجوا أثاثا كثيرا . وآنية كثيرة ووجدوا خمرا وجرار سكر فهريق ذلك كله ولم يخمس . ووجدوا من الجمال النواضح عدة ومن الماشية فجمع هذا كله .
حدثني عمر بن محمد عن أبي سعيد عن جابر بن عبد الله قال أنا كنت ممن كسر جرار السكر يومئذ .

(1/510)


حدثني خارجة بن عبد الله عن داود بن الحصين عن أبي سفيان عن محمد بن مسلمة قال وتنحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس ودنت الأوس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله حلفاؤنا دون الخزرج ، وقد رأيت ما صنعت ببني قينقاع بالأمس حلفاء ابن أبي ، وهبت له ثلاثمائة حاسر وأربعمائة دارع . وقد ندم حلفاؤنا على ما كان من نقضهم العهد فهبهم لنا . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساكت لا يتكلم حتى أكثروا عليه وألحوا ونطقت الأوس كلها .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم ؟ قالوا : بلى . قال فذلك إلى سعد بن معاذ . وسعد يومئذ في المسجد في خيمة كعيبة بنت سعد بن عتبة وكانت تداوي الجرحى ، وتلم الشعث وتقوم على الضائع والذي لا أحد له . وكان لها خيمة في المسجد وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل سعدا فيها .
فلما جعل رسول الله [ ص 511 ] - صلى الله عليه وسلم - الحكم إلى سعد بن معاذ خرجت الأوس حتى جاءوه فحملوه على حمار بشنذة من ليف وعلى الحمار قطيفة فوق الشنذة وخطامه حبل من ليف .
فخرجوا حوله يقولون يا أبا عمرو ، إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم فأحسن فقد رأيت ابن أبي وما صنع في حلفائه . والضحاك بن خليفة يقول يا أبا عمرو ، مواليك ، مواليك قد منعوك في المواطن كلها ، واختاروك على من سواك ورجوا عياذك ، ولهم جمال وعدد . وقال سلمة بن سلامة بن وقش يا أبا عمرو ، أحسن في مواليك وحلفائك ; إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب البقية نصروك يوم البعاث والحدائق والمواطن ولا تكن شرا من ابن أبي .

(1/511)


قال إبراهيم بن جعفر عن أبيه وجعل قائلهم يقول يا أبا عمرو . وإنا والله قاتلنا بهم فقتلنا ، وعاززنا بهم فعززنا قالوا : وسعد لا يتكلم حتى إذا أكثروا عليه قال سعد قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم .
فقال الضحاك بن خليفة واقوماه ثم رجع الضحاك إلى الأوس فنعى لهم بني قريظة . وقال معتب بن قشير : واسوء صباحاه وقال حاطب بن أمية الظفري : ذهب قومي آخر الدهر .
وأقبل سعد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوس فلما طلع سعد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوموا إلى سيدكم . فكان رجال من بني عبد الأشهل يقولون فقمنا له على أرجلنا صفين ، يحييه كل رجل منا ، حتى انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وقائل يقول إنما عنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله قوموا إلى سيدكم يعني به الأنصار دون [ ص 512 ] قريش . قالت الأوس الذين بقوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد يا أبا عمرو إن رسول الله قد ولاك الحكم فأحسن فيهم واذكر بلاءهم عندك .
فقال سعد بن معاذ : أترضون بحكمي لبني قريظة ؟ قالوا : نعم قد رضينا بحكمك وأنت غائب عنا ، اختيارا منا لك ورجاء أن تمن علينا كما فعله غيرك في حلفائه من قينقاع وأثرنا عندك أثرنا ، وأحوج ما كنا اليوم إلى مجازاتك . فقال سعد لا آلوكم جهدا . فقالوا : ما يعني بقوله هذا ؟ ثم قال عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم ما حكمت ؟ قالوا : نعم . فقال سعد للناحية الأخرى التي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معرض عنها إجلالا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى من هاهنا مثل ذلك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه نعم . قال سعد فإني أحكم فيهم أن يقتل من جرت عليه الموسى ، وتسبى النساء والذرية وتقسم الأموال . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد حكمت بحكم الله عز وجل من فوق سبعة أرقعة .
وكان سعد بن معاذ في الليلة التي في صبحها نزلت قريظة على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعا فقال اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أقاتل من قوم كذبوا رسول الله وآذوه وأخرجوه وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها عنا وعنهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فأقر الله عينه منهم .
فأمر بالسبي فسيقوا إلى دار أسامة بن زيد والنساء والذرية إلى دار ابنة الحارث وأمر رسول [ ص 513 ] الله - صلى الله عليه وسلم - بأحمال التمر فنثرت عليهم فباتوا يكدمونها كدم الحمر وجعلوا ليلتهم يدرسون التوراة ، وأمر بعضهم بعضا بالثبات على دينه ولزوم التوراة .

(1/512)


وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسلاح والأثاث والمتاع والثياب فحمل إلى دار بنت الحارث وأمر بالإبل والغنم فتركت هناك ترعى في الشجر . قالوا : ثم غدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السوق فأمر بخدود فخدت في السوق ما بين موضع دار أبي جهم العدوي إلى أحجار الزيت بالسوق فكان أصحابه يحفرون هناك وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه علية أصحابه ودعا برجال بني قريظة فكانوا يخرجون رسلا رسلا ، تضرب أعناقهم .
فقالوا لكعب بن أسد : ما ترى محمدا ما يصنع بنا ؟ قال ما يسوءكم وما ينوءكم ويلكم على كل حال لا تعقلون ألا ترون أن الداعي لا ينزع وأنه من ذهب منكم لا يرجع ؟ هو والله السيف قد دعوتكم إلى غير هذا فأبيتم قالوا : ليس هذا بحين عتاب لولا أنا كرهنا أن نزري برأيك ما دخلنا في نقض العهد الذي كان بيننا وبين محمد .
قال حيي : اتركوا ما ترون من التلاوم فإنه لا يرد عنكم شيئا ، واصبروا للسيف . فلم يزالوا يقتلون بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الذين يلون قتلهم علي والزبير . ثم أتي بحيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه عليه حلة شقحية قد لبسها للقتل ثم عمد إليها فشقها أنملة لئلا يسلبه إياها أحد ، وقد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين طلع ألم يمكن الله منك يا عدو الله ؟ قال [ ص 514 ] بلى والله ما لمت نفسي في عداوتك ، ولقد التمست العز في مكانه وأبى الله إلا أن يمكنك مني ، ولقد قلقلت كل مقلقل ولكنه من يخذل الله يخذل .
ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس لا بأس بأمر الله قدر وكتاب ملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم أمر به فضرب عنقه ثم أتي بغزال بن سموأل فقال ألم يمكن الله منك ؟ قال بلى يا أبا القاسم . فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فضربت عنقه .

(1/514)


ثم أتي بنباش بن قيس ، وقد جابذ الذي جاء به حتى قاتله فدق الذي جاء به أنفه فأرعفه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي جاء به لم صنعت به هذا ؟ أما كان في السيف كفاية ؟ فقال يا رسول الله جابذني لأن يهرب . فقال كذب والتوراة يا أبا القاسم ولو خلاني ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي حتى أكون كأحدهم .
قال ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسنوا إسارهم وقيلوهم وأسقوهم حتى يبردوا فتقتلوا من بقي لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح - وكان يوما صائفا . فقيلوهم وأسقوهم وأطعموهم فلما أبردوا راح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقتل من بقي .
ونظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سلمى بنت قيس ، وكانت إحدى خالاته وكانت قد صلت القبلتين وبايعته وكان رفاعة بن سموأل له انقطاع إليها وإلى أخيها سليط بن قيس وأهل الدار وكان حين حبس أرسل إليها أن كلمي محمدا في تركي ، فإن لي بكم حرمة وأنت إحدى أمهاته فتكون لكم عندي يدا إلى يوم القيامة . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم [ ص 515 ] ما لك يا أم المنذر ؟ قالت يا رسول الله رفاعة بن سموأل كان يغشانا وله بنا حرمة فهبه لي . وقد رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوذ بها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم هو لك . ثم قالت يا رسول الله إنه سيصلي ويأكل لحم الجمل . فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال إن يصل فهو خير له وإن يثبت على دينه فهو شر له .
قالت فأسلم فكان يقال له مولى أم المنذر فشق ذلك عليه واجتنب الدار حتى بلغ أم المنذر ذلك فأرسلت إليه إني والله ما أنا لك بمولاة ولكني كلمت رسول الله فوهبك لي ، فحقنت دمك وأنت على نسبك . فكان بعد يغشاها ، وعاد إلى الدار .

(1/515)


وجاء سعد بن عبادة ، والحباب بن المنذر فقالا : يا رسول الله إن الأوس كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم . فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله ما كرهه من الأوس من فيه خير فمن كرهه من الأوس لا أرضاه الله فقام أسيد بن حضير فقال يا رسول الله لا تبقين دارا من دور الأوس إلا فرقتهم فيها ، فمن سخط ذلك فلا يرغم الله إلا أنفه فابعث إلى داري أول دورهم .
فبعث إلى بني عبد الأشهل باثنين فضرب أسيد بن حضير رقبة أحدهما ، وضرب أبو نائلة الآخر . وبعث إلى بني حارثة باثنين فضرب أبو بردة بن النيار رقبة أحدهما ، وذفف عليه محيصة وضرب الآخر أبو عبس بن جبر ذفف عليه ظهير بن رافع .
وبعث إلى بني ظفر بأسيرين . فحدثني يعقوب بن محمد عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال [ ص 516 ] قتل أحدهما قتادة بن النعمان ، وقتل الآخر نضر بن الحارث .
قال عاصم وحدثني أيوب بن بشير المعاوي قال أرسل إلينا - بني معاوية - بأسيرين فقتل أحدهما جبر بن عتيك وقتل الآخر نعمان بن عصر ; حليف لهم من بلي .
قال وأرسل إلى بني عمرو بن عوف بأسيرين عقبة بن زيد وأخيه وهب بن زيد ، فقتل أحدهما عويم بن ساعدة والآخر سالم بن عمير .
وأرسل إلى بني أمية بن زيد . وأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكعب بن أسد مجموعة يداه إلى عنقه وكان حسن الوجه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كعب بن أسد ؟ قال كعب نعم يا أبا القاسم . قال وما انتفعتم بنصح ابن خراش وكان مصدقا بي ، أما أمركم باتباعي وإن رأيتموني تقرئوني منه السلام ؟ قال بلى والتوراة يا أبا القاسم ولولا أن تعيرني اليهود بالجزع من السيف لاتبعتك ، ولكني على دين اليهود .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدمه فاضرب عنقه . فقدمه فضرب عنقه .

(1/516)


فحدثني عتبة بن جبيرة عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، قال لما قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيي بن أخطب ، ونباش بن قيس ، وغزال بن سموأل ، وكعب بن أسد وقام قال لسعد بن معاذ عليك بمن بقي . فكان سعد يخرجهم رسلا رسلا يقتلهم .
قالوا : وكانت امرأة من بني النضير يقال لها نباتة وكانت تحت رجل من بني قريظة فكان يحبها وتحبه فلما اشتد عليهم الحصار بكت إليه وقالت إنك لمفارقي . فقال هو والتوراة ما ترين وأنت امرأة فدلي عليهم هذه الرحى ، فإنا لم نقتل منهم أحدا بعد وأنت امرأة وإن [ ص 517 ] يظهر محمد علينا لا يقتل النساء . وإنما كان يكره أن تسبى ، فأحب أن تقتل بجرمها . وكانت في حصن الزبير بن باطا ، فدلت رحى فوق الحصن وكان المسلمون ربما جلسوا تحت الحصن يستظلون في فينه فأطلعت الرحى ، فلما رآها القوم انفضوا ، وتدرك خلاد بن سويد فتشدخ رأسه فحذر المسلمون أهل الحصن .
فلما كان اليوم الذي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتلوا ، دخلت على عائشة فجعلت تضحك ظهرا لبطن وهي تقول سراة بني قريظة يقتلون إذ سمعت صوت قائل يقول يا نباتة . قالت أنا والله التي أدعى . قالت عائشة ولم ؟ قالت قتلني زوجي - وكانت جارية حلوة الكلام . فقالت عائشة وكيف قتلك زوجك ؟ قالت كنت في حصن الزبير بن باطا ، فأمرني فدليت رحى على أصحاب محمد فشدخت رأس رجل منهم فمات وأنا أقتل به .
فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها فقتلت بخلاد بن سويد . قالت عائشة لا أنسى طيب نفس نباتة وكثرة ضحكها ، وقد عرفت أنها تقتل . فكانت عائشة تقول قتلت بنو قريظة يومهم حتى قتلوا بالليل على شعل السعف .
حدثني إبراهيم بن ثمامة عن المسور بن رفاعة عن محمد بن كعب القرظي ، قال قتلوا إلى أن غاب الشفق ثم رد عليهم التراب في الخندق . وكان من شك فيه منهم أن يكون بلغ نظر إلى مؤتزره إن كان أنبت قتل وإن كان لم ينبت طرح في السبي .

(1/517)


فحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال كانوا ستمائة إلا عمرو بن السعدى وجدت رمته ونجا . قال ابن واقد : خروجه من الحصن أثبت .
[ ص 518 ] وحدثني موسى بن عبيدة عن محمد بن المنكدر ، قال كانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة . وكان ابن عباس - رحمه الله - يقول كانوا سبعمائة وخمسين . قالوا : وكان نساء بني قريظة حين تحولوا في دار رملة بنت الحارث وفي دار أسامة يقلن عسى محمد أن يمن على رجالنا أو يقبل منهم فدية . فلما أصبحن وعلمن بقتل رجالهن صحن وشققن الجيوب ونشرن الشعور وضربن الخدود على رجالهن فملأن المدينة .
قال يقول الزبير بن باطا : اسكتن فأنتن أول من سبي من نساء بني إسرائيل منذ كانت الدنيا ؟ ولا يرفع السبي عنهم حتى نلتقي نحن وأنتن وإن كان في رجالكن خير فدوكن فالزمن دين اليهود فعليه نموت وعليه نحيى .

(1/518)


فحدثني عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان وحدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين وكل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة قالا : كان الزبير بن باطا من على ثابت بن قيس يوم بعاث ، فأتى ثابت الزبير فقال يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني ؟ قال وهل يجهل مثلي مثلك ؟ قال ثابت إن لك عندي يدا ، وقد أردت أن أجزيك بها . قال الزبير إن الكريم يجزي الكريم وأحوج ما كنت إليه اليوم . فأتى ثابت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول [ ص 519 ] الله إنه كان للزبير عندي يد جز ناصيتي يوم بعاث فقال اذكر هذه النعمة عندك . وقد أحببت أن أجزيه بها فهبه لي . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو لك . فأتاه فقال إن رسول الله قد وهبك لي .
قال الزبير شيخ كبير لا أهل ولا ولد ولا مال بيثرب ما يصنع بالحياة ؟ فأتى ثابت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله أعطني ولده . فأعطاه ولده فقال يا رسول الله أعطني ماله وأهله . فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماله وولده وأهله فرجع إلى الزبير فقال إن رسول الله قد أعطاني ولدك وأهلك ومالك .
فقال الزبير يا ثابت أما أنت فقد كافأتني وقضيت بالذي عليك . يا ثابت ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية تتراءى عذارى الحي في وجهه - كعب بن أسد ؟ قال قتل . قال فما فعل سيد الحاضر والبادي ; سيد الحيين كليهما ، يحملهم في الحرب ويطعمهم في المحل - حيي بن أخطب ؟ قال قتل .
قال فما فعل أول غادية اليهود إذا حملوا ، وحاميتهم إذا ولوا - غزال بن سموأل ؟ قال قتل .
قال فما فعل الحول القلب الذي لا يؤم جماعة إلا فضها ولا عقدة إلا حلها - نباش بن قيس ؟ قال قتل . [ قال ] فما فعل لواء اليهود في الزحف - وهب بن زيد ؟ قال قتل . قال فما فعل والي رفادة اليهود وأبو الأيتام والأرامل من اليهود - عقبة بن زيد ؟ قال قتل . قال فما فعل العمران اللذان كانا يلتقيان بدراسة التوراة ؟ قال قتلا .
قال يا ثابت فما خير في العيش بعد هؤلاء أأرجع إلى دار كانوا فيها حلولا فأخلد فيها بعدهم ؟ لا حاجة لي في ذلك فإني أسألك بيدي عندك إلا قدمتني إلى هذا القتال الذي يقتل سراة بني قريظة ثم يقدمني إلى مصارع قومي ، وخذ سيفي فإنه صارم فاضربني به ضربة وأجهز وارفع يدك [ ص 520 ] عن الطعام وألصق بالرأس واخفض عن الدماغ فإنه أحسن للجسد أن يبقى فيه العنق . يا ثابت لا أصبر إفراغ دلو من نضح حتى ألقى الأحبة .
قال أبو بكر ، وهو يسمع قوله ويحك يا ابن باطا ، إنه ليس إفراغ دلو ولكنه عذاب أبدي . قال يا ثابت قدمني فاقتلني قال ثابت ما كنت لأقتلنك . قال الزبير ما كنت أبالي من قتلني ولكن يا ثابت انظر إلى امرأتي وولدي فإنهم جزعوا من الموت فاطلب إلى صاحبك أن يطلقهم وأن يرد إليهم أموالهم .
وأدناه إلى الزبير بن العوام ، فقدمه فضرب عنقه . وطلب ثابت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أهله وماله وولده فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ما كان من ذلك على ولده وترك امرأته من السبا ، ورد عليهم الأموال من النخل والإبل والرثة إلا الحلقة فإنه لم يردها عليهم . فكانوا مع آل ثابت بن قيس بن شماس .
قالوا : وكانت ريحانة بنت زيد من بني النضير متزوجة في بني قريظة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخذها لنفسه صفيا ، وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسلم فأبت إلا اليهودية . فعزلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجد في نفسه فأرسل إلى ابن سعية فذكر له ذلك فقال ابن سعية : فداك أبي وأمي ، هي تسلم فخرج حتى جاءها ، فجعل يقول لها : لا تتبعي قومك ، فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب ، فأسلمي يصطفيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه .
فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة . فجاءه فقال يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسر بذلك .

(1/519)


فحدثني عبد الملك بن سليمان عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي [ ص 521 ] صعصعة عن أيوب بن بشير المعاوي قال أرسل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر وكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها ، فجاءت أم المنذر فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منزل أم المنذر فقال لها رسول الله إن أحببت أعتقك وأتزوجك فعلت وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلت . فقالت يا رسول الله إنه أخف عليك وعلي أن أكون في ملكك . فكانت في ملك النبي - صلى الله عليه وسلم - يطؤها حتى ماتت عنده .
فحدثني ابن أبي ذئب قال سألت الزهري عن ريحانة فقال كانت أمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتقها وتزوجها ، وكانت تحتجب في أهلها وتقول لا يراني أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا أثبت الحديثين عندنا . وكان زوج ريحانة قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم .

(1/521)


ذكر قسم المغنم وبيعه قالوا لما اجتمعت المغانم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمتاع فبيع فيمن يريد وبيع السبي فيمن يريد وقسمت النخل . فكان بنو عبد الأشهل ، وظفر وحارثة وبنو معاوية وهؤلاء النبيت لهم سهم . وكان بنو عمرو بن عوف ومن بقي من الأوس سهما .
وكانت بنو النجار ، ومازن ومالك وذبيان وعدي سهما . وكانت سلمة وزريق وبلحارث بن الخزرج ، سهما . وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسا ; فكانت أول ما أعلمت سهمان الخيل يوم المريسيع ، ثم في بني [ ص 522 ] قريظة أيضا عمل فيها ما عمل في المريسيع . أسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم .
وأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخلاد بن سويد ، قتل تحت الحصن وأسهم لأبي سنان بن محصن مات ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - محاصرهم وكان يقاتل مع المسلمين . وكان المسلمون ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثين فرسا ، فكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما ، للفرس سهمان ولصاحبه سهم .

(1/522)


وحدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال كانت الخيل في بني قريظة ستا وثلاثين فرسا ، وقاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أفراس فلم يضرب إلا سهما واحدا ، وكانت السهمان ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما ، وأسهم يومئذ على الأموال فجزئت خمسة أجزاء . وكتب في سهم منها « لله » ، وكانت السهمان يومئذ بواء فخرجت السهمان وكذلك الرثة والإبل والغنم والسبي . ثم فض أربعة أسهم على الناس وأحذى النساء يومئذ اللاتي حضرن القتال وضرب لرجلين - واحد قتل وآخر مات .
وأحذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساء شهدن بني قريظة ولم يسهم لهن - صفية بنت عبد المطلب ، وأم عمارة وأم سليط وأم العلاء والسميراء بنت قيس ، وأم سعد بن معاذ .
فحدثني محمد بن عبد الله بن مالك بن محمد بن إبراهيم بن أسلم بن نجرة الساعدي ، عن جده قال حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيع سبي بني قريظة فاشترى أبو الشحم اليهودي امرأتين مع كل [ ص 523 ] واحدة منهما ثلاثة أطفال غلمان وجوار بخمسين ومائة دينار ، وجعل يقول ألستم على دين اليهود ؟ فتقول المرأتان لا نفارق دين قومنا حتى نموت عليه وهن يبكين .

(1/523)


فحدثني ابن أبي سبرة عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن أبيه قال لما سبي بنو قريظة - النساء والذرية - باع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف طائفة وبعث طائفة إلى نجد ، وبعث طائفة إلى الشام مع سعد بن عبادة ، يبيعهم ويشتري بهم سلاحا وخيلا ، ويقال باعهم بيعا من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، فاقتسما فسهمه عثمان بمال كثير ، وجعل عثمان على كل من جاء من سبيهم شيئا موفيا ، فكان يوجد عند العجائز المال ولا يوجد عند الشواب فربح عثمان مالا كثيرا - وسهم عبد الرحمن - وذلك أن عثمان صار في سهمه العجائز .
ويقال لما قسم جعل الشواب على حدة والعجائز على حدة ثم خير عبد الرحمن عثمان فأخذ عثمان العجائز .
حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال كان السبي ألفا من النساء والصبيان فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسه قبل بيع المغنم جزأ السبي خمسة أجزاء فأخذ خمسا ، فكان يعتق منه ويهب منه ويخدم منه من أراد . وكذلك صنع بما أصاب من رثتهم قسمت قبل أن تباع وكذلك النخل عزل خمسه . وكل ذلك يسهم عليه - صلى الله عليه وسلم - خمسة أجزاء ويكتب في سهم منها « لله » ثم يخرج السهم فحيث صار سهمه أخذه ولم يتخير . وصار الخمس إلى محمية [ ص 524 ] ابن جزء الزبيدي وهو الذي قسم المغنم بين المسلمين .
حدثني عبد الله بن نافع ، عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسهم ولا يتخير .

(1/524)


حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفرق بين سبي بني قريظة في القسم والبيع والنساء والذرية .
وحدثني ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومئذ لا يفرق بين الأم وولدها حتى يبلغوا . فقيل يا رسول الله وما بلوغهم ؟ قال تحيض الجارية ويحتلم الغلام
وحدثني ابن أبي سبرة عن يعقوب بن زيد ، عن أبيه قال كان يومئذ يفرق بين الأختين إذا بلغتا ، وبين الأم وابنتها إذا بلغت وكانت الأم تباع وولدها الصغار من المشركين من العرب ، ومن يهود المدينة وتيماء وخيبر يخرجون بهم فإذا كان الوليد صغيرا ليس معه أم لم يبع من المشركين ولا من اليهود ، إلا من المسلمين .
فحدثني عتبة بن جبيرة عن جعفر بن محمود قال قال محمد بن مسلمة ابتعت يومئذ من السبي ثلاثة امرأة معها ابناها ، بخمسة وأربعين دينارا ، وكان ذلك حقي وحق فرسي من السبي والأرض والرثة وغيري كهيئتي . وكان أسهم للفارس ثلاثة أسهم ، له سهم ولفرسه سهمان .
وحدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي - وكان يلقب قصيا - عن جعفر بن خارجة قال قال الزبير بن العوام : شهدت بني قريظة فارسا ، فضرب لي سهم ولفرسي سهم .
[ ص 525 ] وحدثني عبد الملك بن يحيى ، عن عيسى بن معمر قال كان مع الزبير يومئذ فرسان فأسهم له النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة أسهم .

(1/525)


ذكر سعد بن معاذ قال لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة رجع إلى خيمة كعيبة بنت سعد الأسلمية وكان رماه حبان بن العرقة - ويقال أبو أسامة الجشمي - فقطع أكحله فكواه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنار وانتفخت يده فتركه فسال الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال اللهم رب السموات السبع والأرضين السبع فإنه لم يكن في الناس قوم أحب إلي أن أقاتل من قوم كذبوا رسولك ، وأخرجوه من قريش وإني أظن أن قد وضعت الحرب بيننا وبينهم وإن كان بقي بيننا وبينهم فأبقني أقاتلهم فيك وإن كنت قد وضعت الحرب فافجر هذا الكلم واجعل موتي فيه فقد أقررت عيني من بني قريظة لعداوتهم لك ولنبيك ولأوليائك ففجره الله وإنه لراقد بين ظهري الليل وما يدرى به .
ودخل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده فأتاه وهو يسوق في نفر من أصحابه فوجدوه قد سجي بملاءة بيضاء وكان سعد رجلا أبيض طويلا ، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند رأسه وجعل رأسه في حجره ثم قال اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك ، وصدق رسولك ، وقضى الذي عليه فاقبض روحه بخير ما تقبض فيه أرواح الخلق . ففتح سعد عينيه حين سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال السلام عليك يا رسول الله أشهد أنك قد بلغت رسالته ووضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم [ ص 526 ] رأس سعد من حجره ثم قام وانصرف ولم يمت بعد ورجع إلى منزله فمكث ساعة من نهار أو أكثر من ساعة ومات خلافه .
ونزل جبريل - عليه السلام - حين مات سعد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتجرا بعمامة من إستبرق فقال يا محمد من هذا الرجل الصالح الذي مات فيكم ؟ فتحت له أبواب السماء واهتز له عرش الرحمن . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - عهدي بسعد بن معاذ وهو يموت
ثم خرج فزعا إلى خيمة كعيبة يجر ثوبه مسرعا ، فوجد سعدا قد مات . وأقبلت رجال بني عبد الأشهل فاحتملوه إلى منزله . قال فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أثره فينقطع نعل أحدهم فلم يعرج عليها ، ويسقط رداؤه فلم يلو عليه وما يعرج أحد على أحد حتى دخلوا على سعد قال أبو عبد الله وقد سمعنا أن النبي حضره حين توفي .

(1/526)


وأخبرني معاذ بن محمد عن عطاء بن أبي مسلم عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال لما انفجرت يد سعد بالدم قام إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتنقه والدم ينفح في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولحيته لا يريد أحد أن يقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدم إلا ازداد منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قربا ، حتى قضى .
وحدثني سليمان بن داود عن الحصين عن أبيه عن أبي سفيان عن سلمة بن خريش قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن على الباب نريد أن ندخل على أثره فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما في البيت أحد إلا سعد مسجى . قال فرأيته يتخطى ، فلما رأيته يتخطى وقفت ، وأومأ إلي قف فوقفت ، ورددت من ورائي ، وجلس ساعة ثم خرج فقلت : يا رسول الله ما رأيت أحدا وقد رأيتك تتخطى [ ص 527 ] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه فجلست . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هنيئا لك أبا عمرو هنيئا لك أبا عمرو

(1/527)


حدثني محمد بن صالح عن سعد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد : عن أبيه قال فانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأم سعد تبكي وتقول
ويل أم سعد سعدا

جلادة وحدا
فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مهلا يا أم سعد لا تذكري سعدا . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - دعها يا عمر فكل باكية مكثرة إلا أم سعد ما قالت من خير فلم تكذب وأم سعد كبشة بنت عبيد بن معاوية بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج ، وأختها ; الفارعة بنت عبيد بن معاوية بن عبيد ، وهي أم سعد بن زرارة .
قالوا : ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغسل فغسله الحارث بن أوس بن معاذ وأسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش يصب الماء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاضر . فغسل بالماء الأولى ، والثانية بالماء والسدر والثالثة بالماء والكافور ثم كفن في ثلاثة أثواب صحارية وأدرج فيها إدراجا ، وأتي بسرير كان عند آل سبط يحمل عليه الموتى ، فوضع على السرير ، فرئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحمله بين عمودي سريره حين رفع من داره إلى أن خرج .

(1/527)


وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن [ ص 528 ] حزم عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن عمرة عن عائشة قالت رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي أمام جنازة سعد بن معاذ .
وحدثني سعيد بن أبي زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده قال كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بلغه موت سعد بن معاذ ، فخرج بالناس فلما برز إلى البقيع قال خذوا في جهاز صاحبكم
قال أبو سعيد وكنت أنا ممن حفر له قبره وكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا قبره من تراب حتى انتهينا إلى اللحد . قال ربيح ولقد أخبرني محمد بن المنكدر ، عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال أخذ إنسان قبضة من قبر سعد بن معاذ فذهب بها ، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك .
قالوا : ثم احتمل فقيل يا رسول الله إن كنت لتقطعنا في ذهابك إلى سعد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشينا أن تسبقنا الملائكة إليه كما سبقتنا إلى غسل حنظلة
وقالوا : يا رسول الله كان سعد رجلا جسيما فلم نر أخف منه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيت الملائكة تحمله قالوا : يا رسول الله إن المنافقين يقولون إنما خف لأنه حكم في بني قريظة . قال كذبوا ، ولكنه خف لحمل الملائكة .
فكان أبو سعيد الخدري يقول طلع علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد فرغنا من حفرته ووضعنا اللبن والماء عند القبر وحفرنا له عند دار عقيل اليوم وطلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا ، فوضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند قبره ثم صلى عليه فلقد رأيت من الناس ما ملأ البقيع .
[ ص 529 ] قال الواقدي : حدثني إبراهيم بن الحصين عن داود بن الحصين عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه قال لما انتهوا إلى قبره نزل في قبره أربعة نفر الحارث بن أوس بن معاذ ، وأسيد بن حضير وأبو نائلة وسلمة بن سلامة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على قدميه على قبره فلما وضع في لحده تغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسبح ثلاثا ، فسبح المسلمون ثلاثا حتى ارتج البقيع . ثم كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا ، وكبر أصحابه ثلاثا حتى ارتج البقيع بتكبيره .
فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقيل يا رسول الله رأينا لوجهك تغيرا وسبحت ثلاثا قال تضايق على صاحبكم قبره وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد ثم فرج الله عنه

(1/528)


حدثني إبراهيم بن الحصين عن المسور بن رفاعة قال جاءت أم سعد - وهي كبشة بنت عبيد - تنظر إلى سعد في اللحد ، فردها الناس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوها فأقبلت حتى نظرت إليه وهو في اللحد قبل أن يبنى عليه اللبن والتراب فقالت أحتسبك عند الله وعزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبره وجلس ناحية وجعل المسلمون يردون تراب القبر ويسوونه وتنحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس حتى سوي على قبره ورش على قبره الماء ثم أقبل فوقف عليه فدعا له ثم انصرف .

(1/528)


ذكر من قتل من المسلمين في حصار بني قريظة خلاد بن سويد من بلحارث بن الخزرج ، دلت عليه نباتة رحى فشدخت رأسه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - له أجر شهيدين وقتلها به . ومات أبو سنان بن محصن ، فدفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هناك [ ص 530 ] فهو في مقبرة بني قريظة اليوم .
حدثنا الواقدي قال حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال لما قتلت بنو قريظة ، قدم حسيل بن نويرة الأشجعي خيبر ، قد سار يومين ويهود بني النضير - سلام بن مشكم ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، ويهود خيبرجلوس في ناديهم يتحسبون خبر قريظة قد بلغهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حصرهم وهم يتوقعون ما هو كائن فقالوا : ما وراءك ؟ قال الشر قتلت مقاتلة قريظة صبرا بالسيف قال كنانة : ما فعل حيي ؟ قال حسيل حيي قد طاح ضربت عنقه صبرا . وجعل يخبرهم عن سراتهم - كعب بن أسد ، وغزال بن سموأل ، ونباش بن قيس - أنه حضرهم قتلوا بين يدي محمد .
قال سلام بن مشكم : هذا كله عمل حيي بن أخطب ، شأمنا أولا وخالفنا في الرأي فأخرجنا من أموالنا وشرفنا وقتل إخواننا . وأشد من القتل سباء الذرية لا قامت يهودية بالحجاز أبدا ، ليس لليهود عزم ولا رأي .
قالوا : وبلغ النساء فصيحن وشققن الجيوب وجززن الشعور وأقمن المآتم وضوى إليهن نساء العرب .
وفزعت اليهود إلى سلام بن مشكم فقالوا : فما الرأي أبا عمرو ؟ ويقال أبا الحكم . قال وما تصنعون برأي لا تأخذون منه حرفا ؟ قال كنانة : ليس هذا بحين عتاب قد صار الأمر إلى ما ترى . قال محمد قد فرغ من يهود يثرب ، وهو سائر إليكم فنازل بساحتكم وصانع بكم ما صنع ببني قريظة .
قالوا : فما الرأي ؟ قال نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد ونستجلب يهود تيماء ، وفدك ، ووادي القرى ; ولا نستعين بأحد من العرب ، فقد رأيتم في غزوة الخندق ما صنعت بكم العرب بعد أن شرطتم لهم تمر خيبر نقضوا ذلك وخذلوكم وطلبوا من محمد بعض تمر الأوس والخزرج ، وينصرفون عنه مع أن نعيم بن مسعود [ ص 531 ] هو الذي كادهم بمحمد ومعروفهم إليه معروفهم ثم نسير إليه في عقر داره فنقاتل على وتر حديث وقديم .
فقالت اليهود : هذا الرأي . فقال كنانة إني قد خبرت العرب فرأيتهم أشداء عليه وحصوننا هذه ليست مثل ما هناك ومحمد لا يسير إلينا أبدا لما يعرف . قال سلام بن مشكم : هذا رجل لا يقاتل حتى يؤخذ برقبته . فكان ذلك [ والله ] محمودا وقال حسان بن ثابت يرثي سعد بن معاذ . ..

(1/530)


باب شأن سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح قال عبد الله بن أنيس : خرجت من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا ، فغبت اثنتي عشرة ليلة وقدمت يوم السبت لسبع بقين من المحرم .
قال الواقدي : حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن جبير ، عن موسى بن جبير قال بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثم اللحياني وكان نزل عرنة وما حولها في ناس من قومه وغيرهم فجمع الجموع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس .
فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أنيس ، فبعثه سرية وحده إليه ليقتله وقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم [ ص 532 ] انتسب إلى خزاعة . فقال عبد الله بن أنيس : يا رسول الله ما أعرفه فصفه لي . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنك إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان . وكنت لا أهاب الرجال فقلت : يا رسول الله ما فرقت من شيء قط . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلى ، آية بينك وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته .
واستأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أقول فقال قل ما بدا لك . قال فأخذت سيفي لم أزد عليه وخرجت أعتزي إلى خزاعة ، فأخذت على الطريق حتى انتهيت إلى قديد ، فأجد بها خزاعة كثيرا ، فعرضوا علي الحملان والصحابة فلم أرد ذلك وخرجت حتى أتيت بطن سرف ، ثم عدلت حتى خرجت على عرنة ، وجعلت أخبر من لقيت أني أريد سفيان بن خالد لأكون معه حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ، ووراءه الأحابيش ومن استجلب وضوى إليه .
فلما رأيته هبته ، وعرفته بالنعت الذي نعت لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأيتني أقطر فقلت : صدق الله ورسوله وقد دخلت في وقت العصر حين رأيته ، فصليت وأنا أمشي أومئ إيماء برأسي ، فلما دنوت منه قال من الرجل ؟ فقلت : رجل من خزاعة ، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك . قال أجل إني لفي الجمع له .
فمشيت معه وحدثته فاستحلى حديثي ، وأنشدته شعرا ، وقلت : عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث فارق الآباء وسفه أحلامهم قال لم يلق محمد أحدا يشبهني قال وهو يتوكأ على عصا يهد الأرض [ ص 533 ] حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه وهم مطيفون به فقال هلم يا أخا خزاعة فدنوت منه فقال لجاريته احلبي فحلبت ثم ناولتني ، فمصصت ثم دفعته إليه فعب كما يعب الجمل حتى غاب أنفه في الرغوة ثم قال اجلس . فجلست معه حتى إذا هدأ الناس وناموا وهدأ اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم أقبلت وتركت نساءه يبكين عليه وكان النجاء مني حتى صعدت في جبل فدخلت غارا .
وأقبل الطلب من الخيل والرجال توزع في كل وجه وأنا مختف في غار الجبل وضربت العنكبوت على الغار وأقبل رجل ومعه إداوة ضخمة ونعلاه في يده وكنت حافيا ، وكان أهم أمري عندي العطش كنت أذكر تهامة وحرها ، فوضع إداوته ونعله وجلس يبول على باب الغار ثم قال لأصحابه ليس في الغار أحد .
فانصرفوا راجعين وخرجت إلى الإداوة فشربت منها وأخذت النعلين فلبستهما . فكنت أسير الليل وأتوارى النهار حتى جئت المدينة فوجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فلما رآني قال أفلح الوجه قلت : أفلح وجهك يا رسول الله فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري ، فدفع إلي عصا فقال تخصر بهذه في الجنة . فإن المتخصرين في الجنة قليل
فكانت عند عبد الله بن أنيس حتى إذا حضره الموت أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه . وكان قتله في المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا .

(1/532)


غزوة القرطاء حدثني [ ص 534 ] خالد بن إلياس عن جعفر بن محمود قال قال محمد بن مسلمة خرجت في عشر ليال خلون من المحرم فغبت تسع عشرة وقدمت لليلة بقيت من المحرم على رأس خمسة وخمسين شهرا .
حدثني عبد العزيز بن محمد بن أنس الظفري ، عن أبيه وحدثنا عبد العزيز بن سعد عن جعفر بن محمود زاد أحدهما على صاحبه في الحديث قالا : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمد بن مسلمة في ثلاثين رجلا ، فيهم عباد بن بشر وسلمة بن سلامة بن وقش والحارث بن خزمة إلى بني بكر بن كلاب وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار وأن يشن عليهم الغارة .
فكان محمد يسير الليل ويكمن النهار حتى إذا كان بالشربة لقي ظعنا ، فأرسل رجلا من أصحابه يسأل من هم . فذهب الرسول ثم رجع إليه فقال قوم من محارب . فنزلوا قريبا منه وحلوا وروحوا ماشيتهم . فأمهلهم حتى إذا ظعنوا أغار عليهم فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم فلم يطلب من هرب واستاق نعما وشاء ولم يعرض للظعن .
ثم انطلق حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر بعث عباد بن بشر إليهم فأوفى على الحاضر فأقام فلما روحوا ماشيتهم وحلبوا وعطنوا جاء إلى محمد بن مسلمة فأخبره فخرج محمد بن مسلمة فشن عليهم الغارة فقتل منهم عشرة واستاقوا النعم والشاء ثم انحدروا [ ص 535 ] إلى المدينة ، فما أصبح حين أصبح إلا بضرية مسيرة ليلة أو ليلتين .
ثم حدرنا النعم وخفنا الطلب وطردنا الشاء أشد الطرد فكانت تجري معنا كأنها الخيل حتى بلغنا العداسة فأبطأ علينا الشاء بالربذة فخلفناه مع نفر من أصحابي يقصدون به وطرد النعم فقدم به المدينة على النبي - صلى الله عليه وسلم -
وكان محمد يقول خرجت من ضرية ، فما ركبت خطوة حتى وردت بطن نخل ، فقدم بالنعم خمسين ومائة بعير والشاء وهي ثلاثة آلاف شاة فلما قدمنا خمسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم فض على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم فأصاب كل رجل منهم .

(1/534)


غزوة بني لحيان حدثني عبد الملك بن وهب أبو الحسن الأسلمي ، عن عطاء بن أبي مروان قال خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهلال ربيع الأول سنة ست فبلغ غران وعسفان ، وغاب أربع عشرة ليلة .
حدثني معمر عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، وحدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما قد حدثني .
وقد زاد أحدهما على صاحبه قالوا : وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم [ ص 536 ] على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا ، فخرج [ في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا ] في أصحابه فنزل بمضرب القبة من ناحية الجرف ، فعسكر في أول نهاره وهو يظهر أنه يريد الشام ، ثم راح مبردا فمر على غرابات ، ثم على بين حتى خرج على صخيرات الثمام فلقي الطريق هناك .
ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران حيث كان مصابهم فترحم عليهم وقال هنيئا لكم الشهادة فسمعت به لحيان فهربوا في رءوس الجبال فلم نقدر منهم على أحد ، فأقام يوما أو يومين وبعث السرايا في كل ناحية فلم يقدروا على أحد .
ثم خرج حتى أتى عسفان ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر : إن قريشا قد بلغهم مسيري وأني قد وردت عسفان ، وهم يهابون أن آتيهم فاخرج في عشرة فوارس .
فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا الغميم ، ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلق أحدا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا يبلغ قريشا فيذعرهم ويخافون أن نكون نريدهم - وخبيب بن عدي يومئذ في أيديهم . فبلغ قريشا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ الغميم ، فقالت قريش : ما أتى محمد الغميم إلا يريد أن يخلص [ ص 537 ] خبيبا .

(1/536)


وكان خبيب وصاحباه في حديد موثقين فجعلوا في رقابهم الجوامع وقالوا : قد بلغ محمد ضجنان وهو داخل علينا فدخلت ماوية على خبيب فأخبرته الخبر وقالت هذا صاحبك قد بلغ ضجنان يريدكم . فقال خبيب وهل ؟ قالت نعم .
قال خبيب يفعل الله ما يشاء قالت والله ما ينتظرون بك إلا أن يخرج الشهر الحرام ويخرجوك فيقتلوك ويقولون أترى محمدا غزانا في الشهر الحرام ونحن لا نستحل أن نقتل صاحبه في الشهر الحرام ؟ وكان مأسورا عندهم وخافوا أن يدخلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم .
فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وهو يقول آيبون تائبون ، عابدون لربنا حامدون اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال اللهم بلغنا بلاغا صالحا يبلغ إلى خير مغفرة منك ورضوانا
وغاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المدينة أربع عشرة ليلة وكان استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وكانت سنة ست في المحرم وهذا أول ما قال هذا الدعاء ذكره أصحابنا كلهم .

(1/536)


غزوة الغابة حدثني عبد العزيز بن عقبة بن سلمة بن الأكوع ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه قال أغار عيينة ليلة الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ست وغزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبه يوم الأربعاء فغبنا خمس ليال ورجعنا ليلة الاثنين .
واستخلف رسول الله [ ص 538 ] - صلى الله عليه وسلم - على المدينة ابن أم مكتوم . حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه وحدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة ، وعلي بن يزيد وغيرهم فكل قد حدثني بطائفة قالوا : كانت لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرين لقحة وكانت من شتى ، منها ما أصاب في ذات الرقاع ، ومنها ما قدم به محمد بن مسلمة من نجد . وكانت ترعى البيضاء ودون البيضاء ، فأجدب ما هناك فقربوها إلى الغابة ، تصيب من أثلها وطرفائها وتغدو في الشجر - .
قال أبو عبد الله الغادية تغدو في العضاه أم غيلان وغيرها ، والواضعة الإبل ترعى الحمض ; والأوارك التي ترعى الأراك - فكان الراعي يئوب بلبنها كل ليلة عند المغرب .
وكان أبو ذر قد استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى لقاحه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير عليك ، ونحن لا نأمن من عيينة بن حصن وذويه هي في طرف من أطرافهم . فألح عليه أبو ذر فقال يا رسول الله ائذن لي . فلما ألح عليه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكأني بك ، قد قتل ابنك ، وأخذت امرأتك ، وجئت تتوكأ على عصاك .

(1/538)


فكان أبو ذر يقول عجبا لي إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول « لكأني بك » وأنا ألح عليه . فكان والله على ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وكان المقداد بن عمرو يقول لما كانت ليلة السرح جعلت فرسي سبحة لا تقر ضربا بأيديها وصهيلا . فيقول أبو معبد والله إن لها شأنا فننظر آريها فإذا هو مملوء علفا ، فيقول عطشى فيعرض الماء عليها فلا تريده فلما طلع الفجر أسرجها ولبس سلاحه .
وخرج حتى صلى الصبح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ير شيئا ، ودخل النبي [ ص 539 ] - صلى الله عليه وسلم - بيته ورجع المقداد إلى بيته وفرسه لا تقر ، فوضع سرجها وسلاحه واضطجع وجعل إحدى رجليه على الأخرى ، فأتاه آت فقال إن الخيل قد صيح بها . فكان أبو ذر يقول والله إنا لفي منزلنا ، ولقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد روحت وعطنت وحلبت عتمتها ونمنا ، فلما كان في الليل أحدق بنا عيينة في أربعين فارسا ، فصاحوا بنا وهم قيام على رءوسنا ، فأشرف لهم ابني فقتلوه وكانت معه امرأته وثلاثة نفر فنجوا ، وتنحيت عنهم وشغلهم عني إطلاق عقل اللقاح ثم صاحوا في أدبارها ، فكان آخر العهد بها .
وجئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته وهو يتبسم . فكان سلمة بن الأكوع يقول غدوت أريد الغابة للقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن أبلغه لبنها ، حتى ألقى غلاما لعبد الرحمن بن عوف كان في إبل لعبد الرحمن بن عوف فأخطئوا مكانها واهتدوا إلى لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرني أن لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أغار عليها عيينة بن حصن في أربعين فارسا ، فأخبرني أنهم قد رأوا مددا بعد ذلك أمد به عيينة .
قال سلمة فأحضرت فرسي راجعا إلى المدينة حتى وافيت على ثنية الوداع فصرخت بأعلى صوتي : يا صباحاه ثلاثا ، أسمع من بين لابتيها .

(1/539)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية