صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سيرة ابن هشام
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]

غزوة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح ، قال سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم . قال فقال عبد الله سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده أبو بكر وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو سعيد الخدري ، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتى من الأنصار ، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس فقال يا رسول الله صلى الله عليك ، أي المؤمنين أفضل ؟ فقال أحسنهم خلقا ؛ قال فأي المؤمنين أكيس ؟ قال أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به أولئك الأكياس . ثم سكت الفتى ، وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ؛ ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم ما مطروا ؛ وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم

(2/631)


[ تأمير ابن عوف واعتمامه ]
[ ص 632 ] أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها ، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ثم نقضها ، ثم عممه بها ، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك ثم قال هكذا يا ابن عوف فاعتم ، فإنه أحسن وأعرف ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء . فدفعه إليه فحمد الله تعالى ، وصلى على نفسه ثم قال خذه يا بن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم . فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء . قال ابن هشام : فخرج إلى دومة الجندل .

(2/631)


غزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
[ نفاد الطعام وخبر دابة البحر ]
قال ابن إسحاق : وحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت ، قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر ، عليهم أبو عبيدة بن الجراح ، وزودهم جرابا من تمر فجعل يقوتهم إياه حتى صار إلى أن يعده عليهم عددا . قال ثم نفد التمر حتى كان يعطى كل رجل منهم كل يوم تمرة . قال فقسمها يوما بيننا . قال فنقصت تمرة عن رجل فوجدنا فقدها ذلك اليوم . قال فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها وودكها ، وأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وابتللنا ، وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها ، فوضعها على طريقه ثم أمر بأجسم بعير معنا ، فحمل عليه أجسم رجل منا . قال فجلس عليه قال فخرج من تحتها وما مست رأسه . قال فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبرها ، وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياه فقال رزق رزقكموه الله [ ص 633 ]

(2/632)


بعث عمرو بن أمية الضمري لقتال أبي سفيان بن حرب وما صنع في طريقه
قال ابن هشام : ومما لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه بعث عمرو بن أمية الضمري ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حدثني من أثق به من أهل العلم بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه إلى مكة ، وأمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب وبعث معه جبار بن صخر الأنصاري فخرجا حتى قدما مكة ، وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ، ثم دخلا مكة ليلا ؛ فقال جبار لعمرو : لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين ؟ فقال عمرو : إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فقال كلا ، إن شاء الله فقال عمرو : فطفنا بالبيت وصلينا ، ثم خرجنا نريد أبا سفيان فوالله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إلي رجل من أهل مكة فعرفني ، فقال عمرو بن أمية والله إن قدمها إلا لشر فقلت لصاحبي : النجاء فخرجنا نشتد ، حتى أصعدنا في جبل وخرجوا في طلبنا ، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا ، فرجعنا ، فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا فيه وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا ؛ فلما أصبحنا غدا رجل من [ ص 634 ] قريش يقود فرسا له ويخلي عليها ، فغشينا ونحن في الغار فقلت : إن رآنا صاح بنا ، فأخذنا فقتلنا . قال ومعي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه ضربة وصاح صيحة أسمع أهل مكة ، وأرجع فأدخل مكاني ، وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا : من ضربك ؟ فقال عمرو بن أمية وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا ، فاحتملوه . فقلت لصاحبي ، لما أمسينا : النجاء فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة ، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي ؛ فقال أحدهم والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية ، لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية قال فلما حاذى الخشبة شد عليها ، فأخذها فاحتملها ، وخرجا شدا ، وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج ، فرمى بالخشبة في الجرف ، فغيبه الله عنهم فلم يقدروا عليه قال وقلت لصاحبي : النجاء النجاء حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه فإني سأشغل عنك القوم وكان الأنصاري لا رجلة له . قال ومضيت حتى أخرج على ضجنان ، ثم أويت إلى جبل فأدخل كهفا ، فبينا أنا فيه إذ دخل علي شيخ من بني الديل أعور في غنيمة له فقال من الرجل ؟ فقلت : من بني بكر فمن أنت ؟ قال من بني بكر فقلت : مرحبا ، فاضطجع ثم رفع عقيرته فقال
ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولا دان لدين المسلمينا
فقلت في نفسي : ستعلم فأمهلته ، حتى إذا نام أخذت قوسي ، فجعلت سيتها [ ص 635 ] العرج ، ثم سلكت ركوبة ، حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش من المشركين كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتحسسان فقلت استأسرا ، فأبيا ، فأرمي أحدهما بسهم فأقتله واستأسر الآخر فأوثقه رباطا ، وقدمت به المدينة .

(2/633)


سرية زيد بن حارثة إلى مدين
قال ابن هشام : وسرية زيد بن حارثة إلى مدين . ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن عن أمه فاطمة ابنة الحسين بن علي عليهم رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مدين ، ومعه ضميرة مولى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وأخ له . قالت فأصاب سبيا من أهل ميناء ، وهي السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ، ففرق بينهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقال ما لهم ؟ فقيل يا رسول الله فرق بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوهم إلا جميعا . قال ابن هشام : أراد الأمهات والأولاد .

(2/635)


سرية سالم بن عمير لقتل أبي عفك
[ سبب نفاق أبي عفك ]
قال ابن إسحاق : وغزوة سالم بن عمير لقتل أبي عفك أحد [ ص 636 ] بني عمرو بن عوف ثم من بني عبيدة وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بن صامت ، فقال
لقد عشت دهرا وما إن أرى ... من الناس دارا ولا مجمعا
أبر عهودا وأوفى لمن ... يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم ... يهد الجبال ولم يخضعا
فصدعهم راكب جاءهم ... حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم ... أو الملك تابعتم تبعا
[ قتل ابن عمير له وشعر المزيرية ]
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لي بهذا الخبيث ، فخرج سالم بن عمير ، أخو بني عمرو بن عوف وهو أحد البكائين فقتله ؟ فقالت أمامة المزيرية في ذلك
تكذب دين الله والمرء أحمدا ... لعمر الذي أمناك أن بئس ما يمني
حباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن

(2/635)


غزوة عمير بن عدي الخطمي لقتل عصماء بنت مروان
وغزوة عمير بن عدي الخطمي عصماء بنت مروان ، وهي من بني أمية بن زيد فلما قتل أبو عفك نافقت فذكر عبد الله بن الحارث بن الفضيل [ ص 637 ] أبيه قال وكانت تحت رجل من بني خطمة ويقال له يزيد بن زيد فقالت تعيب الإسلام وأهله
باست بني مالك والنبيت ... وعوف وباست بني الخزرج
أطعتم أتاوي من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرءوس ... كما يرتجى مرق المنضج
ألا أنف يبتغي غرة ... فيقطع من أمل المرتجي
[ شعر حسان في الرد عليها ]
قال فأجابها حسان بن ثابت ، فقال
بنو وائل وبنو واقف ... وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت سفها ويحها ... بعولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدا عرقه ... كريم المداخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما ... ء بعد الهدو فلم يحرج
[ خروج الخطمي لقتلها ]
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك ألا آخذ لي من ابنة مروان ؟ فسمع ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن عدي الخطمي ، وهو عنده فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها في بيتها فقتلها ، ثم أصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد قتلتها . فقال نصرت الله ورسوله يا عمير ، فقال هل علي شيء من شأنها يا رسول الله ؟ فقال لا ينتطح فيها عنزان

(2/636)


[ شأن بني خطمة ]
[ ص 638 ] خطمة يومئذ كثير موجهم في شأن بنت مروان ولها يومئذ بنون خمسة رجال فلما جاءهم عمير بن عدي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا بني خطمة أنا قتلت ابنة مروان فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . فذلك اليوم أول ما عز الإسلام في دار بني خطمة وكان يستخفي بإسلامهم فيهم من أسلم ، وكان أول من أسلم من بني خطمة عمير بن عدي وهو الذي يدعى القارئ وعبد الله بن أوس ، وخزيمة بن ثابت ، وأسلم ، يوم قتلت ابنة مروان رجال من بني خطمة لما رأوا من عز الإسلام .

(2/637)


أسر ثمامة بن أثال الحنفي وإسلامه
والسرية التي أسرت ثمامة بن أثال الحنفي
بلغني عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال خرجت خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت رجلا من بني حنيفة ، لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتدرون من أخذتم ؛ هذا ثمامة بن أثال الحنفي ، أحسنوا إساره ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه وأمر بلقحته أن يغدى عليه بها ويراح فجعل لا يقع من ثمامة موقعا ويأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أسلم يا ثمامة فيقول إيها يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل ما شئت ، فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يوما : أطلقوا ثمامة فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع ، فتطهر فأحسن طهوره ثم [ ص 639 ] أقبل فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فلما أمسى جاءوه بما كانوا يأتونه من الطعام فلم ينل منه إلا قليلا ، وباللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا فعجب المسلمون من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك مم تعجبون ؟ أمن رجل أكل أول النهار في معى كافر وأكل آخر النهار في معى مسلم إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل في معى واحد
[ خروجه إلى مكة وقصته مع قريش ]
قال ابن هشام : فبلغني أنه خرج معتمرا ، حتى إذا كان ببطن مكة لبى ، فكان أول من دخل مكة يلبي ، فأخذته قريش ، فقالوا : لقد اخترت علينا ، فلما قدموه ليضربوا عنقه قال قائل منهم دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة لطعامكم فخلوه فقال الحنفي في ذلك ومنا الذي لبى بمكة معلنا برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم وحدثت أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم ، لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلي ولقد أصبح وهو أحب الوجوه إلي . وقال في الدين والبلاد مثل ذلك . ثم خرج معتمرا ، فلما قدم مكة ، قالوا : أصبوت يا ثمام ؟ فقال لا ، ولكني اتبعت خير الدين دين محمد ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم خرج إلى اليمامة ، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا ، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا ، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل .

(2/638)


سرية علقمة بن مجزز
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز . [ ص 640 ] مجزز المدلجي يوم ذي قرد سأل علقمة بن مجزز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعثه في آثار القوم ليدرك ثأره فيهم .
[ دعابة ابن حذافة مع جيشه ]
فذكر عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان ، عن أبي سعيد الخدري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز - قال أبو سعيد الخدري : وأنا فيهم - حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله ابن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيه دعابة فلما كان ببعض الطريق أوقد نارا ، ثم قال للقوم أليس لي عليكم السمع والطاعة ؟ قالوا : بلى ؛ قال أفما أنا آمركم بشيء إلا فعلتموه ؟ قالوا : نعم قال فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار قال فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيها ، فقال لهم اجلسوا ، فإنما كنت أضحك معكم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمركم بمعصية منهم فلا تطيعوه . وذكر محمد بن طلحة أن علقمة بن مجزز رجع هو وأصحابه ولم يلق كيدا .

(2/639)


سرية كرز بن جابر لقتل البجليين الذين قتلوا يسارا
حدثني بعض أهل العلم عمن حدثه عن محمد بن طلحة ، عن عثمان بن عبد الرحمن ، قال أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة محارب وبني ثعلبة عبدا يقال له يسار فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في لقاح له كانت ترعى [ ص 641 ] ناحية الجماء ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من قيس كبة من بجيلة ، فاستوبئوا ، وطحلوا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو خرجتم إلى اللقاح فشربتم من ألبانها وأبوالها ، فخرجوا إليها .

(2/640)


[ قتل البجليين وتنكيل الرسول بهم ]
فلما صحوا وانطوت بطونهم عدوا على راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسار فذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستلقوا اللقاح . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم كرز بن جابر ، فلحقهم فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة ذي قرد فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم .

(2/641)


غزوة علي بن أبي طالب إلى اليمن
وغزوة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى اليمن ، غزاها مرتين . قال ابن هشام : قال أبو عمرو المدني : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب إلى اليمن ، وبعث خالد بن الوليد في جند آخر وقال إن التقيتما فالأمير علي بن أبي طالب وقد ذكر ابن إسحاق بعث خالد بن الوليد في حديثه ولم يذكره في عدة البعوث والسرايا ، فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعة وثلاثين .

(2/641)


بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين
وهو آخر البعوث
قال ابن إسحاق : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة [ ص 642 ] الشام ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم ، من أرض فلسطين ، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون . قال ابن هشام : وهو آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(2/641)


ابتداء شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكوه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد به من كرامته ورحمته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول فكان أول ما ابتدئ به من ذلك فيما ذكر لي ، أنه خرج إلى بقيع الغرقد ، من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك . قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن عمر ، عن عبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع ، فانطلق معي ، فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال السلام عليكم يأهل المقابر ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى ، ثم أقبل علي فقال يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة . قال فقلت : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ؟ قال لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة ثم أستغفر لأهل البقيع ، ثم أنصرف فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي قبضه الله فيه .

(2/642)


[ تمريضه في بيت عائشة ]
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن [ ص 643 ] عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع ، فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي ، وأنا أقول وارأساه ، فقال بل أنا والله يا عائشة وارأساه . قالت ثم قال وما ضرك لو مت قبلي ، فقمت عليك وكفنتك ، وصليت عليك ودفنتك ؟ قالت قلت : والله لكأني بك ، لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي ، فأعرست فيه ببعض نسائك ، قالت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به وهو في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرض في بيتي ، فأذن له

(2/642)


ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
قال ابن هشام : وكن تسعا : عائشة بنت أبي بكر ، وحفصة بنت عمر بن الخطاب ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ، وسودة بنت زمعة بن قيس ، وزينب بنت جحش بن رئاب وميمونة بنت الحارث بن حزن ، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، وصفية بنت حيي بن أخطب فيما حدثني غير واحد من أهل العلم .

(2/643)


[ زواجه بخديجة ]
وكان جميع من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة خديجة بنت خويلد ، وهي أول من تزوج زوجه إياها أبوها خويلد بن أسد ، ويقال أخوها عمرو بن خويلد ، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم وكانت قبله عند أبي هالة بن مالك أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار فولدت له هند بن أبي هالة وزينب بنت أبي هالة وكانت قبل أبي هالة عند [ ص 644 ] عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فولدت له عبد الله وجارية . قال ابن هشام : جارية من الجواري ، تزوجها صيفي بن أبي رفاعة .

(2/643)


[ زواجه بعائشة ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة ، وهي بنت سبع سنين وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع سنين أو عشر ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها ، زوجه إياها أبوها أبو بكر وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم .

(2/644)


[ زواجه بسودة ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، زوجه إياها سليط بن عمرو ، ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم قال ابن هشام : ابن إسحاق يخالف هذا الحديث يذكر أن سليطا وأبا حاطب كانا غائبين بأرض الحبشة في هذا الوقت . وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل .

(2/644)


[ زواجه بزينب بنت جحش ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية زوجه إياها أخوها أبو أحمد بن جحش ، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم وكانت قبله عند زيد بن حارثة ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيها أنزل الله تبارك وتعالى : { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها }

(2/644)


[ زواجه بأم سلمة ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية ، واسمها هند ؛ زوجه إياها سلمة بن أبي سلمة ابنها ، وأصدقها رسول الله [ ص 645 ] صلى الله عليه وسلم فراشا حشوه ليف وقدحا ، وصحفة ومجشة وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد واسمه عبد الله ، فولدت له سلمة وعمر وزينب ورقية .

(2/644)


[ زواجه بحفصة ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب ، زوجه إياها أبوها عمر بن الخطاب ، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمي .

(2/645)


[ زواجه بأم حبيبة ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ، واسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب ، زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص ، وهما بأرض الحبشة ، وأصدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة دينار ، وهو الذي كان خطبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش الأسدي .

(2/645)


[ زواجه بجويرية ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ، كانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس الأنصاري ، فكاتبها على نفسها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها . فقال لها : هل لك في خير من ذلك ؟ قالت وما هو ؟ قال أقضي عنك كتابتك وأتزوجك ؟ فقالت نعم فتزوجها . قال ابن هشام : حدثنا بهذا الحديث زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة . قال ابن هشام : ويقال : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ، ومعه جويرية بنت الحارث ، فكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة وأمره بالاحتفاظ بها ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته فلما كان بالعقيق [ ص 646 ] نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها ، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أصبتم ابنتي ، وهذا فداؤها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا ؟ فقال الحارث أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله صلى الله عليك ، فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله تعالى فأسلم الحارث ، وأسلم معه ابنان له وناس من قومه وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما ، فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودفعت إليه ابنته جويرية ، فأسلمت وحسن إسلامها ، وخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها ، فزوجه إياها ، وأصدقها أربع مئة درهم وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابن عم لها يقال له عبد الله . قال ابن هشام : ويقال اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابت بن قيس ، فأعتقها وتزوجها ، وأصدقها أربع مئة درهم .

(2/645)


[ زواجه بصفية ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب ، سباها من خيبر ، فاصطفاها لنفسه وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليمة ما فيها شحم ولا لحم كان سويقا وتمرا ، وكانت قبله عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق .

(2/646)


[ زواجه بميمونة ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة ، زوجه إياها العباس بن عبد المطلب ، وأصدقها العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم وكانت قبله عند أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ؛ ويقال إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم انتهت إليها وهي على بعيرها ، فقالت البعير وما عليه لله ولرسوله فأنزل الله تبارك وتعالى : { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي } ويقال إن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، [ ص 647 ] ويقال أم شريك غزية بنت جابر بن وهب من بني منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي ، ويقال بل هي امرأة من بني سامة بن لؤي ، فأرجأها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(2/646)


[ زواجه زينب بنت خزيمة ]
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة وكانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم زوجه إياها قبيصة بن عمرو الهلالي وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف ، وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث ، وهو ابن عمها .

(2/647)


فهؤلاء اللاتي بنى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة فمات قبله منهن ثنتان خديجة بنت خويلد ، وزينب بنت خزيمة . وتوفي عن تسع قد ذكرناهن في أول هذا الحديث وثنتان لم يدخل بهما : أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها فوجد بها بياضا ، فمتعها وردها إلى أهلها ، وعمرة بنت يزيد الكلابية وكانت حديثة عهد بكفر فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم منيع عائذ الله فردها إلى أهلها ، ويقال إن التي استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كندية بنت عم لأسماء بنت النعمان ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاها ، فقالت إنا قوم نؤتى ولا نأتي ؛ فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهلها

(2/647)


[ تسمية القرشيات منهن ]
[ ص 648 ] صلى الله عليه وسلم ست : خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ وعائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ؛ وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ؛ وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي .

(2/647)


[ تسمية العربيات وغيرهن ]
والعربيات وغيرهن سبع زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ؛ وميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ؛ وزينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية ؛ وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ، ثم المصطلقية ؛ وأسماء بنت النعمان الكندية وعمرة بنت يزيد الكلابية .
[غير العربيات ]
ومن غير العربيات صفية بنت حيي بن أخطب ، من بني النضير .

(2/648)


تمريض رسول الله في بيت عائشة
[ ص 649 ] قال ابن إسحاق : حدثني يعقوب بن عتبة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ، ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي . قال عبيد الله ، فحدثت هذا الحديث عبد الله بن العباس ، فقال هل تدري من الرجل الآخر ؟ قال قلت : لا ؟ قال علي بن أبي طالب .
[ شدة المرض وصب الماء عليه ]
ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه فقال هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى ، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم . قالت فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر ، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول حسبكم حسبكم

(2/648)


[ كلمة للنبي واختصاصه أبا بكر بالذكر ]
قال ابن إسحاق : وقال الزهري : حدثني أيوب بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد ، واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم ثم قال إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله . قال ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد فبكى وقال بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا ، فقال على رسلك يا أبا بكر ، ثم قال انظروا هذه الأبواب اللافظة في المسجد فسدوها إلا بيت أبي بكر فإني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه قال ابن هشام : ويروى : إلا باب أبي بكر . [ ص 650 ] قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله عن بعض آل أبي سعيد بن المعلى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ في كلامه هذا : فإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده

(2/649)


[ أمر الرسول بإنفاذ بعث أسامة ]
وقال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد ، وهو في وجعه فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة : أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار . فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال أيها الناس أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها قال ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكمش الناس في جهازهم استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فخرج أسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف ، من المدينة على فرسخ فضرب به عسكره وتتام إليه الناس وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(2/650)


[ وصية الرسول بالأنصار ]
وقال ابن إسحاق : قال الزهري : وحدثني عبد الله بن كعب بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم صلى واستغفر لأصحاب أحد ، وذكر من أمرهم ما ذكر مع مقالته يومئذ يا معشر المهاجرين ، استوصوا بالأنصار خيرا ، فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها ، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم [ ص 651 ] قال عبد الله ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته وتتام به وجعه حتى غمر .

(2/650)


[ شأن اللدود ]
قال عبد الله : فاجتمع إليه نساء من نسائه أم سلمة ، وميمونة ، ونساء من نساء المسلمين منهن أسماء بنت عميس ، وعنده العباس عمه فأجمعوا أن يلدوه وقال العباس : لألدنه . قال فلدوه فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صنع هذا بي ؟ قالوا : يا رسول الله عمك ، قال هذا دواء أتى به نساء جئن من نحو هذه الأرض وأشار نحو أرض الحبشة ؛ قال ولم فعلتم ذلك ؟ فقال عمه العباس : خشينا يا رسول الله أن يكون بك ذات الجنب فقال إن ذلك لداء ما كان الله عز وجل ليقذفني به لا يبق في البيت أحد إلا لد إلا عمي ، فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة لقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوبة لهم بما صنعوا به

(2/651)


[ دعاء الرسول لأسامة بالإشارة ]
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد بن أسامة عن أبيه أسامة بن زيد قال لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فأعرف أنه يدعو لي قال ابن إسحاق : وقال ابن شهاب الزهري : حدثني عبيد بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة ، قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما أسمعه يقول إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره . قالت فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخر كلمة سمعتها وهو يقول بل الرفيق الأعلى من الجنة ، قالت فقلت : [ ص 652 ] كان يقول لنا : إن نبيا لم يقبض حتى يخير

(2/651)


[ صلاة أبي بكر بالناس ]
قال الزهري : وحدثني حمزة بن عبد الله بن عمر ، أن عائشة قالت لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم قال مروا أبا بكر فليصل بالناس . قالت قلت : يا نبي الله إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن . قال مروه فليصل بالناس . قالت فعدت بمثل قولي ، فقال إنكن صواحب يوسف ، فمروه فليصل بالناس قالت فوالله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا ، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر قال ابن إسحاق : وقال ابن شهاب : حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ، قال لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين قال دعاه بلال إلى الصلاة فقال مروا من يصلي بالناس . قال فخرجت فإذا عمر في الناس . وكان أبو بكر غائبا ؛ فقلت : قم يا عمر فصل بالناس قال فقام فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وكان عمر رجلا مجهرا ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون . قال فبعث إلى أبي بكر ، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال قال عبد الله بن زمعة قال لي عمر : ويحك ، ماذا صنعت بي يا بن زمعة والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس . قال قلت والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ولكني حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس

(2/652)


[ اليوم الذي قبض الله فيه نبيه ]
قال ابن إسحاق وقال الزهري : حدثني أنس بن مالك : أنه لما كان يوم [ ص 653 ] صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح فرفع الستر وفتح الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على باب عائشة فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فرحا به وتفرجوا ، فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرورا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه تلك الساعة قال ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفرق من وجعه فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح . قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن القاسم بن محمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين سمع تكبير عمر في الصلاة أين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون . فلولا مقالة قالها عمر عند وفاته لم يشك المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف أبا بكر ، ولكنه قال عند وفاته إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ، وإن أتركهم فقد تركهم من هو خير مني . فعرف الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدا ، وكان عمر غير متهم على أبي بكر . قال ابن إسحاق : وحدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مليكة قال لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصبا رأسه إلى الصبح وأبو بكر يصلي بالناس فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرج الناس فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنكص عن مصلاه فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظهره وقال صل بالناس ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فصلى قاعدا عن يمين أبي بكر ، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول أيها الناس سعرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل [ ص 654 ] تمسكون علي بشيء إني لم أحل إلا ما أحل القرآن ولم أحرم إلا ما حرم القرآن قال فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه قال له أبو بكر يا نبي الله إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب ، واليوم يوم بنت خارجة أفآتيها ؟ قال نعم ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح

(2/652)


[ شأن العباس وعلي ]
قال ابن إسحاق : قال الزهري : وحدثني عبد الله بن كعب بن مالك ، عن عبد الله بن عباس ، قال خرج يومئذ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الناس يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال أصبح بحمد الله بارئا ، قال فأخذ العباس بيده ثم قال يا علي ، أنت والله عبد العصا بعد ثلاث أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب ، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه وإن كان في غيرنا ، أمرناه فأوصى بنا الناس . قال فقال له علي : إني والله لا أفعل والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحاء من ذلك اليوم

(2/654)


[ سواك الرسول قبيل الوفاة ]
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة ، عن الزهري ، عن عروة عن عائشة قال قالت رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد فاضطجع في حجري ، فدخل علي رجل من آل أبي بكر ، وفي يده سواك أخضر . قالت فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه في يده نظرا عرفت أنه يريده قالت فقلت : يا رسول الله أتحب أن أعطيك هذا السواك ؟ قال نعم قالت فأخذته فمضغته له حتى لينته ، ثم أعطيته إياه قالت فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط ، ثم وضعه ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص 655 ] بل الرفيق الأعلى من الجنة ، قالت فقلت : خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق قالت وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال سمعت عائشة تقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي دولتي ، لم أظلم فيه أحدا ، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي

(2/654)


[ مقالة عمر بعد وفاة الرسول ]
قال ابن إسحاق : قال الزهري ، وحدثني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب ، فقال إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات

(2/655)


قال وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ، وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ثم أقبل عليه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي ، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا . قال ثم رد البرد على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال على رسلك يا عمر أنصت فأبى إلا أن يتكلم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . قال ثم تلا هذه الآية { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } . قال فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ قال وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم قال فقال أبو هريرة : قال عمر والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات

(2/655)


أمر سقيفة بني ساعدة
[ ص 656 ] قال ابن إسحاق : ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر ، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل فأتى آت إلى أبي بكر وعمر ، فقال إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، قد انحازوا إليه فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله . قال عمر فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، حتى ننظر ما هم عليه

(2/655)


[ ابن عوف ومشورته على عمر بشأن بيعة أبي بكر ]
[ ص 657 ] قال ابن إسحاق : وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار ، أن عبد الله بن أبي بكر ، حدثني عن ابن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن عباس ، قال أخبرني عبد الرحمن بن عوف ، قال وكنت في منزله بمنى أنتظره وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر قال فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر فوجدني في منزله بمنى أنتظره وكنت أقرئه القرآن قال ابن عباس ، فقال لي عبد الرحمن بن عوف : لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا ، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت . قال فغضب عمر فقال إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم قال عبد الرحمن فقلت : يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم هم الذين يغلبون على قربك ، حين تقوم في الناس وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها ، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة وتخلص بأهل الثقة وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا ، فيعي أهل الفقه مقالتك ، ويضعوها على مواضعها ، قال فقال عمر أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة

(2/656)


[ خطبة عمر عند بيعة أبي بكر ]
قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زالت الشمس فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حذوه تمس ركبتي ركبته فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب ، فلما رأيته مقبلا ، قلت لسعيد بن زيد ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف قال فأنكر علي سعيد بن زيد ذلك وقال ما عسى [ ص 658 ] قال أما بعد فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها ، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي ، فمن عقلها ووعاها فيأخذ بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث محمدا ، وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وعلمناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء وإذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم ، وقولوا : عبد الله ورسوله " ، ثم إنه قد بلغني أن فلانا قال والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا ، فلا يغرن امرأ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها ، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ، إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا ، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة ، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم وقال أين [ ص 659 ] قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، قالا : فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم . قال قلت : والله لنأتيهم . فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت : من هذا ؟ فقالوا : سعد بن عبادة ، فقلت : ما له ؟ فقالوا : وجع . فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل ثم قال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا ، وقد دفت دافة من قومكم قال وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد فقال أبو بكر على رسلك يا عمر فكرهت أن أغضبه فتكلم وهو كان أعلم مني وأوقر فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل حتى سكت قال أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا ، ولم أكره شيئا مما قاله غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي ، لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر . قال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها [ ص 660 ] قريش . قال فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته ، ثم بايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة . قال فقلت : قتل الله سعد بن عبادة .

(2/657)


[ تعريف بالرجلين اللذين لقيا أبا بكر وعمر في طريقهما إلى السقيفة ]
قال ابن إسحاق : قال الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عويم بن ساعدة والآخر معن بن عدي أخو بني العجلان . فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين قال الله عز وجل لهم { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم المرء منهم عويم بن ساعدة ؛ وأما معن بن عدي فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله عز وجل وقالوا : والله لوددنا أنا متنا قبله إنا نخشى أن نفتتن بعده . قال معن بن عدي لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا ؛ فقتل معن يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب

(2/660)


[ خطبة عمر قبل أبي بكر عند البيعة العامة ]
قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري ، قال حدثني أنس بن مالك ، قال لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا ؛ يقول يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به [ ص 661 ] صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة

(2/660)


[ خطبة أبي بكر ]
فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني ؛ وإن أسأت فقوموني ؛ الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم . قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وهو عامد إلى حاجة له وفي يده الدرة وما معه غيري ، قال وهو يحدث نفسه ويضرب وحشي قدمه بدرته . قال إذ التفت إلي فقال يا بن عباس هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال قلت : لا أدري يا أمير المؤمنين أنت أعلم قال فإنه والله إن كان الذي حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ، فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها ، فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت

(2/661)


جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه
[ ص 662 ] قال ابن إسحاق : فلما بويع أبو بكر رضي الله عنه أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء فحدثني عبد الله بن أبي بكر وحسين بن عبد الله وغيرهما من أصحابنا : أن علي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس وقثم بن العباس ، وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين ولوا غسله وأن أوس بن خولي . أحد بني عوف بن الخزرج ، قال لعلي بن أبي طالب أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أوس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر قال ادخل فدخل فجلس وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسنده علي بن أبي طالب إلى صدره وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه معه وكان أسامة بن زيد وشقران مولاه هما اللذان يصبان الماء عليه وعلي يغسله قد أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من ورائه لا يفضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يقول بأبي أنت وأمي ، ما أطيبك حيا وميتا ولم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء مما يرى من الميت

(2/661)


[ كيف غسل الرسول ]
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد عن عائشة قالت لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه . فقالوا : والله ما ندري ، أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا ، أو نغسله وعليه ثيابه ؟ قالت فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه قالت فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم

(2/662)


[ تكفين الرسول ]
[ ص 663 ] قال ابن إسحاق : فلما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا كما حدثني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه عن جده علي بن الحسين والزهري ، عن علي بن الحسين . قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة ، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة ، فكان يلحد فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح وللآخر اذهب إلى أبي طلحة . اللهم خر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم

(2/662)


[ دفن الرسول والصلاة عليه ]
فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وضع في سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه . فقال قائل ندفنه في مسجده وقال قائل بل ندفنه مع أصحابه فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض ، فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه فحفر له تحته ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا ، دخل الرجال حتى إذا فرغوا أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان . ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد . [ ص 664 ] صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الأربعاء

(2/663)


قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن امرأته فاطمة بنت عمارة عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ، عن عائشة رضي الله عنها ، جوف الليل من ليلة الأربعاء .
[ من تولى دفن الرسول ]
وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، والفضل ابن عباس ، وقثم بن عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد قال أوس بن خولي لعلي بن أبي طالب يا علي ، أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له انزل فنزل مع القوم وقد كان مولاه شقران حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وبنى عليه قد أخذ قطيفة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ويفترشها ، فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا . قال فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2/664)


[ أحدث الناس عهدا بالرسول ]
وقد كان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أخذت خاتمي ، فألقيته في القبر ، وقلت : إن خاتمي سقط مني ، وإنما طرحته عمدا لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون أحدث الناس عهدا به صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق : فحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن مولاه عبد الله بن الحارث ، قال اعتمرت مع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في زمان عمر أو زمان عثمان ، فنزل على أخته [ ص 665 ] أم هانئ بنت أبي طالب ، فلما فرغ من عمرته رجع فسكب له غسل فاغتسل فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق ، فقالوا : يا أبا حسن جئنا نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه ؟ قال أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : أجل عن ذلك جئنا نسألك ؛ قال كذب قال أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس

(2/664)


[ خميصة الرسول ]
قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة حدثته قالت كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة سوداء حين اشتد به وجعه قالت فهو يضعها مرة على وجهه ومرة يكشفها عنه ويقول قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر من ذلك على أمته قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة ، قالت كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال لا يترك بجزيرة العرب دينان

(2/665)


[ افتتان المسلمين بعد موت الرسول ]
قال ابن إسحاق : ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين فكانت عائشة ، فيما بلغني ، تقول لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب ، واشرأبت اليهودية والنصرانية ، ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى جمعهم الله على أبي بكر قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما [ ص 666 ] صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد ، فتوارى ، فقام سهيل بن عمرو ، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة ، فمن رابنا ضربنا عنقه فتراجع الناس وكفوا عما هموا به وظهر عتاب بن أسيد . فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه .

(2/665)


[ شعر حسان بن ثابت في مرثيته الرسول ]
وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حدثنا ابن هشام ، عن أبي زيد الأنصاري [ ص 667 ]
بطيبة رسم للرسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهدآيها ... أتاها البلى فالآي منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبرا بها واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد
يذكرن آلاء الرسول وما أرى ... لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
مفجعة قد شفها فقد أحمد ... فظلت لآلاء الرسول تعدد
وما بلغت من كل أمر عشيره ... ولكن لنفسي بعد ما قد توجد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحد منك ضمن طيبا ... عليه بناء من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيد وأعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السموات يومه ... ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد ؟
تقطع فيه منزل الوحي عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدل على الرحمن من يقتدي به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
عفو عن الزلات يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم في نعمة الله بينهم ... دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه ... إلى كنف يحنو عليهم ويمهد
فبينا هم في ذلك النور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا ... يبكيه حق المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها ... فقيد يبكينه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد
فبكي رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
وما لك لا تبكين ذا النعمة التي ... على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع وأعولي ... لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة ... وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالد ... إذا ضن معطاء بما كان يتلد
وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدا أبطحيا يسود
وأمنع ذروات وأثبت في العلا ... دعائم عز شاهقات تشيد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتم تمامه ... على أكرم الخيرات رب ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه ... فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند
أقول ولا يلقى لقولي عائب ... من الناس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه ... لعلي به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره ... وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
[ ص 668 ] [ ص 669 ]

(2/666)


وقال حسان بن ثابت أيضا ، يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدي أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهي يقيك الترب لهفي ليتني ... غيبت قبلك في بقيع الغرقد
بأبي وأمي من شهدت وفاته ... في يوم الاثنين النبي المهتدي
فظللت بعد وفاته متبلدا ... متلددا يا ليتني لم أولد
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا ليتني صبحت سم الأسود
أو حل أمر الله فينا عاجلا ... في روحة من يومنا أو من غد
[ ص 670 ] ... محضا ضرائبه كريم المحتد
يا بكر آمنة المبارك بكرها ... ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورا أضاء على البرية كلها ... من يهد للنور المبارك يهتدي
يا رب فاجمعنا معا ونبينا ... في جنة تثنى عيون الحسد
في جنة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسودد
والله أسمع ما بقيت بهالك ... إلا بكيت على النبي محمد
يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم نجحد
والله أكرمنا به وهدى به ... أنصاره في كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد

(2/669)


قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص 671 ]
نب المساكين أن الخير فارقهم
مع النبي تولى عنهم سحرا
من ذا الذي عنده رحلي وراحلتي
ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه
إذا اللسان عتا في القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور نتبعه
بعد الإله وكان السمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بملحده
وغيبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك الله منا بعده أحدا
ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلت رقاب بني النجار كلهم
وكان أمرا من امر الله قد قدرا
واقتسم الفيء دون الناس كلهم
وبددوه جهارا بينهم هدرا
وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا :
آليت ما في جميع الناس مجتهدا
مني ألية بر غير إفناد
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت
مثل الرسول نبي الأمة الهادي
ولا برا الله خلقا من بريته
أوفى بذمة جار أو بميعاد
من الذي كان فينا يستضاء به
مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤك عطلن البيوت فما
يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المباذل قد
أيقن بالبؤس بعد النعمة البادي
يا أفضل الناس إني كنت في نهر
أصبحت منه كمثل المفرد الصادي
قال ابن هشام : عجز البيت الأول عن غير ابن إسحاق . انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب

(2/670)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية