صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سيرة ابن هشام
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]

قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا يبكي خبيبا : [ ص 178 ]
يا عين جودي بدمع منك منسكب ... وابكي خبيبا مع الفتيان لم يؤب
صقرا توسط في الأنصار منصبه ... سمح السجية محضا غير مؤتشب
قد هاج عيني على علات عبرتها ... إذ قيل نص إلى جذع من الخشب
يأيها الراكب الغادي لطيته ... أبلغ لديك وعيدا ليس بالكذب
بني كهيبة أن الحرب قد لقحت ... محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب
فيها أسود بني النجار تقدمهم ... شهب الأسنة في معصوصب لجب
قال ابن هشام : وهذه القصيدة مثل التي قبلها ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسان وقد تركنا أشياء قالها حسان في أمر خبيب لما ذكرت .

(2/177)


قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا :
لو كان في الدار قرم ماجد بطل ... ألوى من القوم صقر خاله أنس
إذن وجدت خبيبا مجلسا فسحا ... ولم يشد عليك السجن والحرس
ولم تسقك إلى التنعيم زعنفة ... من القبائل منهم من نفت عدس
دلوك غدرا وهم فيها أولو خلف ... وأنت ضيم لها في الدار محتبس
قال ابن هشام : أنس الأصم السلمي : خال مطعم بن عدي بن نوفل [ ص 179 ] مناف . وقوله من " نفث عدس " يعني حجير بن أبي إهاب ؛ ويقال الأعشى بن زرارة بن النباش الأسدي ، وكان حليفا لبني نوفل بن عبد مناف .

(2/178)


[ من اجتمعوا لقتل خبيب ]
قال ابن إسحاق : وكان الذين أجلبوا على خبيب في قتله حين قتل من قريش : عكرمة بن أبي جهل ، وسعيد بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود والأخنس بن شريق الثقفي ، حليف بني زهرة وعبيدة بن حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي ، حليف بني أمية بن عبد شمس ، وأمية بن أبي عتبة وبنو الحضرمي .

(2/179)


[ شعر حسان في هجاء هذيل لقتلهم خبيبا ]
وقال حسان أيضا يهجو هذيلا فيما صنعوا بخبيب بن عدي
أبلغ بني عمرو بأن أخاهم ... شراه امرو قد كان للغدر لازما
شراه زهير بن الأغر وجامع ... وكانا جميعا يركبان المحارما
أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم ... وكنتم بأكناف الرجيع لهاذما
فليت خبيبا لم تخنه أمانة ... وليت خبيبا كان بالقوم عالما
قال ابن هشام : زهير بن الأغر وجامع الهذليان اللذان باعا خبيبا .

(2/179)


قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا : [ ص 180 ]
إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له ... فأت الرجيع فسل عن دار لحيان
قوم تواصوا بأكل الجار بينهم ... فالكلب والقرد والإنسان مثلان
لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم ... وكان ذا شرف فيهم وذا شان
قال ابن هشام : وأنشدني أبو زيد الأنصاري قوله
لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم ... وكان ذا شرف فيهم وذا شان

(2/179)


قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا :
سالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما سالت ولم تصب
سالوا رسولهم ما ليس معطيهم ... حتى الممات وكانوا سبة العرب
ولن ترى لهذيل داعيا أبدا ... يدعو لمكرمة عن منزل الحرب
لقد أرادوا خلال الفحش ويحهم ... وأن يحلوا حراما كان في الكتب

(2/180)


وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا : [ ص 181 ]
لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك ... أحاديث كانت في خبيب وعاصم
أحاديث لحيان صلوا بقبيحها ... ولحيان جرامون شر الجرائم
أناس هم من قومهم في صميمهم ... بمنزلة الزمعان دبر القوادم
هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت ... أمانتهم ذا عفة ومكارم
رسول رسول الله غدرا ولم تكن ... هذيل توقى منكرات المحارم
فسوف يرون النصر يوما عليهم ... بقتل الذي تحميه دون الحرائم
أبابيل دبر شمس دون لحمه ... حمت لحم شهاد عظام الملاحم
لعل هذيلا أن يروا بمصابه ... مصارع قتلى أو مقاما لماتم
ونوقع فيهم وقعة ذات صولة ... يوافي بها الركبان أهل المواسم
بأمر رسول الله إن رسوله ... رأى رأي ذي حزم بلحيان عالم
قبيلة ليس الوفاء يهمهم ... وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم
إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم ... بمجرى مسيل الماء بين المخارم
محلهم دار البوار ورأيهم ... إذا نابهم أمر كرأي البهائم

(2/180)


وقال حسان بن ثابت يهجو هذيلا : [ ص 182 ]
لحى الله لحيانا فليست دماؤهم ... لنا من قتيلي غدرة بوفاء
همو قتلوا يوم الرجيع ابن حرة ... أخا ثقة في وده وصفاء
فلو قتلوا يوم الرجيع بأسرهم ... بذي الدبر ما كانوا له بكفاء
قتيل حمته الدبر بين بيوتهم ... لدى أهل كفر ظاهر وجفاء
فقد قتلت لحيان أكرم منهم ... وباعوا خبيبا ويلهم بلفاء
فأف للحيان على كل حالة ... على ذكرهم في الذكر كل عفاء
قبيلة باللؤم والغدر تغتري ... فلم تمس يخفى لؤمها بخفاء
فلو قتلوا لم توف منه دماؤهم ... بلى إن قتل القاتليه شفائي
فالا أمت أذعر هذيلا بغارة ... كغادي الجهام المغتدي بافاء
بأمر رسول الله والأمر أمره ... يبيت للحيان الخنا بفناء
يصبح قوما بالرجيع كأنهم ... جداء شتاء بتن غير دفاء

(2/181)


وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا : [ ص 183 ]
فلا والله ما تدري هذيل ... أصاف ماء زمزم أم مشوب
ولا لهم إذا اعتمروا وحجوا ... من الحجرين والمسعى نصيب
ولكن الرجيع لهم محل ... به اللؤم المبين والعيوب
كأنهم لدى الكنات أصلا ... تيوس بالحجاز لها نبيب
هم غروا بذمتهم خبيبا ... فبئس العهد عهدهم الكذوب
قال ابن هشام : آخرها بيتا عن أبي زيد الأنصاري .

(2/182)


[ شعر حسان في بكاء خبيب وأصحابه ]
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت يبكي خبيبا وأصحابه
صلى الإله على الذين تتابعوا ... يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا
رأس السرية مرثد وأميرهم ... وابن البكير إمامهم وخبيب
وابن لطارق وابن دثنة منهم ... وافاه ثم حمامه المكتوب
والعاصم المقتول عند رجيعهم ... كسب المعالي إنه لكسوب
منع المقادة أن ينالوا ظهره ... حتى يجالد إنه لنجيب
قال ابن هشام : ويروى : حتى يجدل إنه لنجيب . قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان .

(2/183)


حديث بئر معونة في صفر سنة أربع
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة - وولي تلك الحجة المشركون والمحرم - ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد . [ ص 184 ]
( سبب إرساله )
وكان من حديثهم كما حدثني أبي إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وغيره من أهل العلم قالوا : قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام وقال يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد ، فدعوهم إلى أمرك ، رجوت أن يستجيبوا لك ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل نجد ، قال أبو براء . أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك .
[ رجال البعث ]
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو ، أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق في رجال مسمين من خيار المسلمين . فساروا حتى نزلوا ببئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم ، كلا البلدين منها قريب وهي إلى حرة بني سليم أقرب .

(2/183)


[ غدر عامر بهم ]
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ؛ فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله [ ص 185 ] بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا : لن نخفر أبا براء ، وقد عقد لهم عقدا وجوارا ؛ فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم ( من ) عصية ورعل وذكوان ، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم يرحمهم الله إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا ، رحمه الله

(2/184)


[ ابن أمية والمنذر وموقفهما من القوم بعد علمهما بمقتل أصحابهما ]
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ، ورجل من الأنصار ، أحد بني عمرو بن عوف . قال ابن هشام : هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح . قال ابن إسحاق : فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقال والله إن لهذه الطير لشأنا ، فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة . فقال الأنصاري لعمرو بن أمية ما ترى ؟ قال أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر ، فقال الأنصاري : لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنت لتخبرني عنه الرجال ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا ؛ فلما أخبرهم أنه من مضر ، أطلقه عامر بن الطفيل ، وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه .

(2/185)


[ قتل العامريين ]
فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة ، أقبل رجلان من بني عامر [ ص 186 ] قال ابن هشام : ( ثم ) من بني كلاب وذكر أبو عمرو المدني أنهما من بني سليم . قال ابن إسحاق : حتى نزلا معه في ظل هو فيه . وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ، ممن أنتما ؟ فقالا : من بني عامر فأمهلهما ، حتى إذا ناما ، عدا عليهما فقتلهما ، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لأدينهما

(2/185)


[ حزن الرسول من عمل أبي براء ]
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل أبي براء ، قد كنت لهذا كارها متخوفا . فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة
[ أمر ابن فهيرة بعد مقتله ]
قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه ؟ قالوا : هو عامر بن فهيرة

(2/186)


[ سبب إسلام ابن سلمى ]
قال ابن إسحاق : [ ص 187 ] بني جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر ، قال - وكان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم - ( قال ) فكان يقول إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول فزت والله فقلت في نفسي : ما فاز ألست قد قتلت الرجل قال حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا : للشهادة فقلت : فاز لعمرو الله

(2/186)


[ شعر حسان في تحريض بني أبي براء على عامر ]
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي براء على عامر بن الطفيل : [ ص 188 ]
بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
[ نسب حكم وأم البنين ]
قال ابن هشام : حكم بن سعد من القين بن جسر ، وأم البنين بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهي أم أبي براء .
[ طعن ربيعة لعامر ]
قال ابن إسحاق : فحمل ربيعة ( بن عامر ) بن مالك على عامر بن الطفيل ، فطعنه بالرمح فوقع في فخذه فأشواه ووقع عن فرسه فقال هذا عمل أبي براء ، إن أمت فدمي لعمي ، فلا يتبعن به وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتي إلي

(2/187)


[ مقتل ابن ورقاء ورثاء ابن رواحة له ]
وقال أنس بن عباس السلمي ، وكان خال طعيمة بن عدي بن نوفل ، وقتل يومئذ نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي :
تركت ابن ورقاء الخزاعي ثاويا ... بمعترك تسفي عليه الأعاصر
ذكرت أبا الريان لما رأيته ... وأيقنت أني عند ذلك ثائر
وأبو الريان طعيمة بن عدي . وقال عبد الله بن رواحة يبكي نافع بن بديل بن ورقاء :
رحم الله نافع بن بديل ... رحمة المبتغي ثواب الجهاد
صابر صادق وفي إذا ما ... أكثر القوم قال قول السداد

(2/188)


[ شعر حسان في بكاء قتلى بئر معونة ]
وقال حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة [ ص 189 ] المنذر بن عمرو :
على قتلى معونة فاستهلي ... بدمع العين سحا غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا ... مناياهم ولاقتهم بقدر
أصابهم الفناء بعقد قوم ... تخون عقد حبلهم بغدر
فيا لهفي لمنذر إذ تولى ... وأعنق في منيته بصبر
وكائن قد أصيب غداة ذاكم ... من أبيض ماجد من سر عمرو
قال ابن هشام : أنشدني آخرها بيتا أبو زيد الأنصاري .

(2/188)


[ شعر كعب في يوم بئر معونة ]
وأنشدني لكعب بن مالك في يوم بئر معونة ، يعير بني جعفر بن كلاب
تركتم جاركم لبني سليم ... مخافة حربهم عجزا وهونا
فلو حبلا تناول من عقيل ... لمد بحبلها حبلا متينا
أو القرطاء ما إن أسلموه ... وقدما ما وفوا إذ لا تفونا
[ نسب القرطاء ]
قال ابن هشام : القرطاء قبيلة من هوازن ، ويروى " من نفيل " مكان " من عقيل " ، وهو الصحيح لأن القرطاء من نفيل قريب .

(2/189)


أمر إجلاء بني النضير في سنة أربع
[ خروج الرسول إلى بني النضير يستعينهم في دية قتلى بني عامر وهمهم بالغدر به ]
قال ابن إسحاق [ ص 190 ] خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري ، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما ، كما حدثني يزيد بن رومان ، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف . فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت ، مما استعنت بنا عليه ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب ، أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ، رضوان الله عليهم .

(2/189)


[ انكشاف نيتهم للرسول واستعداده لحربهم ]
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعا إلى المدينة . فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة ، فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة . فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه صلى الله عليه وسلم فأخبرهم الخبر ، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم . [ ص 191 ] قال ابن إسحاق : ثم سار بالناس حتى نزل بهم . قال ابن هشام : وذلك في شهر ربيع الأول فحاصرهم ست ليال ونزل تحريم الخمر

(2/190)


[ حصار الرسول لهم وتقطيع نخلهم ]
قال ابن إسحاق : فتحصنوا منه في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها ، فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخل وتحريقها ؟

(2/191)


[ تحريض الرهط لهم ثم محاولتهم الصلح ]
وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج ، منهم ( عدو الله ) عبد الله بن أبي ابن سلول ( و ) وديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير : أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل . فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به . فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام .

(2/191)


[ من هاجر منهم إلى خيبر ]
فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر : سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب . فلما نزلوها دان لهم أهلها . [ ص 192 ] قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم وإن فيهم لأم عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسي ، التي ابتاعوا منه وكانت إحدى نساء بني غفار ، بزهاء وفخر ما رئي مثله من حي من الناس في زمانهم .

(2/191)


[ تقسيم الرسول أموالهم بين المهاجرين ]
وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار . إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا ، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .
[ من أسلم من بني النضير ]
ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان يامين بن عمير ، أبو كعب بن عمرو بن جحاش ؛ وأبو سعد بن وهب ، أسلما على أموالهما فأحرزاها .
[ تحريض يامين على قتل ابن جحاش ]
قال ابن إسحاق - وقد حدثني بعض آل يامين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين ألم تر ما لقيت من ابن عمك ، وما هم به من شأني ؟ فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش ، فقتله فيما يزعمون .

(2/192)


[ ما نزل في بني النضير من القرآن ]
ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها ، يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته . وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم وما عمل به فيهم فقال [ ص 193 ] { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها . { فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } وكان لهم من الله نقمة { لعذبهم في الدنيا } أي بالسيف { ولهم في الآخرة عذاب النار } مع ذلك . { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها } واللينة ما خالف العجوة من النخل { فبإذن الله } أي فبأمر الله قطعت لم يكن فسادا ، ولكن كان نقمة من الله { وليخزي الفاسقين }
[ تفسير ابن هشام لبعض الغريب ]
قال ابن هشام : اللينة من الألوان وهي ما لم تكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثنا أبو عبيدة . قال ذو الرمة
كأن قتودي فوقها عش طائر ... على لينة سوقاء تهفو جنوبها
وهذا البيت في قصيدة له .

(2/192)


{ وما أفاء الله على رسوله منهم } - قال ابن إسحاق : يعني من بني النضير - { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير } أي له خاصة .
[ تفسير ابن هشام لبعض الغريب ]
قال ابن هشام : أوجفتم حركتم وأتعبتم في السير . قال تميم بن أبي بن مقبل أحد بني عامر بن صعصعة : [ ص 194 ]
مذاويد بالبيض الحديث صقالها ... عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا
وهذا البيت في قصيدة له وهو الوجيف . ( و ) قال أبو زبيد الطائي ، واسمه حرملة بن المنذر
مسنفات كأنهن قنا ... الهند لطول الوجيف جدب المرود
وهذا البيت في قصيدة له قال ابن هشام : السناف البطان . والوجيف ( أيضا ) : وجيف القلب والكبد وهو الضربان . قال قيس بن الخطيم الظفري :
إنا وإن قدموا التي علموا ... أكبادنا من ورائهم تجف
وهذا البيت في قصيدة له . { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } قال ابن إسحاق : ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وفتح بالحرب عنوة { فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه } يقول هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه . ثم قال تعالى : { ألم تر إلى الذين نافقوا } يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ومن كان على مثل أمرهم { يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني بني النضير [ ص 195 ] { كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم } يعني بني قينقاع . ثم القصة . . . إلى قوله { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين }

(2/193)


[ ما قيل في بني النضير من الشعر ]
وكان مما قيل في بني النضير من الشعر قول ابن لقيم العبسي ويقال قاله قيس بن بحر بن طريف . قال ابن هشام : قيس بن بحر الأشجعي - فقال [ ص 196 ]
أهلي فداء لامرئ غير هالك ... أحل اليهود بالحسي المزنم
يقيلون في جمر الغضاة وبدلوا ... أهيضب عودى بالودي المكمم
فإن يك ظني صادقا بمحمد ... تروا خيله بين الصلا ويرمرم
يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم ... عدو وما حي صديق كمجرم
عليهن أبطال مساعير في الوغى ... يهزون أطراف الوشيج المقوم
وكل رقيق الشفرتين مهند ... توورثن من أزمان عاد وجرهم
فمن مبلغ عني قريشا رسالة ... فهل بعدهم في المجد من متكرم
بأن أخاكم فاعلمن محمدا ... تليد الندى بين الحجون وزمزم
فدينوا له بالحق تجسم أموركم ... وتسموا من الدنيا إلى كل معظم
نبي تلاقته من الله رحمة ... ولا تسألوه أمر غيب مرجم
فقد كان في بدر لعمري عبرة ... إليكم يا قريشا والقليب الملمم
غداة أتى في الخزرجية عامدا ... إليكم مطيعا للعظيم المكرم
معانا بروح القدس ينكى عدوه ... رسولا من الرحمن حقا بمعلم
رسولا من الرحمن يتلو كتابه ... فلما أنار الحق لم يتلعثم
أرى أمره يزداد في كل موطن ... علوا لأمر حمه الله محكم
قال ابن هشام : عمرو بن بهثة ، من غطفان . وقوله " بالحسي المزنم " ، عن غير ابن إسحاق .

(2/195)


قال ابن إسحاق : وقال علي بن أبي طالب : يذكر إجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف . قال ابن هشام : قالها رجل من المسلمين غير علي بن أبي طالب ، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالشعر ولم أر أحدا منهم يعرفها لعلي [ ص 197 ]
عرفت ومن يعتدل يعرف ... وأيقنت حقا ولم أصدف
عن الكلم المحكم اللاء من ... لدى الله ذي الرأفة الأرأف
رسائل تدرس في المؤمنين ... بهن اصطفى أحمد المصطفى
فأصبح أحمد فينا عزيزا ... عزيز المقامة والموقف
فيأيها الموعدوه سفاها ... ولم يأت جورا ولم يعنف
ألستم تخافون أدنى العذاب ... وما آمن الله كالأخوف
وأن تصرعوا تحت أسيافه ... كمصرع كعب أبي الأشرف
غداة رأى الله طغيانه ... وأعرض كالجمل الأجنف
فأنزل جبريل في قتله ... بوحي إلى عبده ملطف
فدس الرسول رسولا له ... بأبيض ذي هبة مرهف
فباتت عيون له معولات ... متى ينع كعب لها تذرف
وقلن لأحمد ذرنا قليلا ... فإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوا ... دحورا على رغم الآنف
وأجلى النضير إلى غربة ... وكانوا بدار ذوي زخرف
إلى أذرعات ردافى وهم ... على كل ذي دبر أعجف
[ ص 198 ] سماك اليهودي ، فقال
إن تفخروا فهو فخر لكم ... بمقتل كعب أبي الأشرف
غداة غدوتم على حتفه ... ولم يأت غدرا ولم يخلف
فعل الليالي وصرف الدهور ... يديل من العادل المنصف
بقتل النضير وأحلافها ... وعقر النخيل ولم تقطف
فإن لا أمت نأتكم بالقنا ... وكل حسام معا مرهف
بكف كمى به يحتمي ... متى يلق قرنا له يتلف
مع القوم صخر وأشياعه ... إذا غاور القوم لم يضعف
كليث بترج حمى غيله ... أخي غابة هاصر أجوف

(2/196)


[ شعر كعب في إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف ]
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف [ ص 199 ]
لقد خزيت بغدرتها الحبور ... كذاك الدهر ذو صرف يدور
وذلك أنهم كفروا برب ... عزيز أمره أمر كبير
وقد أوتوا معا فهما وعلما ... وجاءهم من الله النذير
نذير صادق أدى كتابا ... وآيات مبينة تنير
فقالوا ما أتيت بأمر صدق ... وأنت بمنكر منا جدير
فقال بلى لقد أديت حقا ... يصدقني به الفهم الخبير
فمن يتبعه يهد لكل رشد ... ومن يكفر به يجز الكفور
فلما أشربوا غدرا وكفرا ... وحاد بهم عن الحق النفور
أرى الله النبي برأي صدق ... وكان الله يحكم لا يجور
فأيده وسلطه عليهم ... وكان نصيره نعم النصير
فغودر منهم كعب صريعا ... فذلت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم وقد علته ... بأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا ... إلى كعب أخا كعب يسير
فما كره فأنزله بمكر ... ومحمود أخو ثقة جسور
فتلك بنو النضير بدار سوء ... أبارهم بما اجترموا المبير
غداة أتاهم في الزحف رهوا ... رسول الله وهو بهم بصير
وغسان الحماة موازروه ... على الأعداء وهو لهم وزير
فقال السلم ويحكم فصدوا ... وحالف أمرهم كذب وزور
فذاقوا غب أمرهم وبالا ... لكل ثلاثة منهم بعير
وأجلوا عامدين لقينقاع ... وغودر منهم نخل ودور
[ ص 200 ]

(2/198)


[ شعر سماك في الرد على كعب ]
فأجابه سماك اليهودي ، فقال
أرقت وضافني هم كبير ... بليل غيره ليل قصير
أرى الأحبار تنكره جميعا ... وكلهم له علم خبير
وكانوا الدارسين لكل علم ... به التوراة تنطق والزبور
قتلتم سيد الأحبار كعبا ... وقدما كان يأمن من يجير
تدلى نحو محمود أخيه ... ومحمود سريرته الفجور
فغادره كأن دما نجيعا ... يسيل على مدارعه عبير
فقد وأبيكم وأبي جميعا ... أصيبت إذ أصيب به النضير
فإن نسلم لكم نترك رجالا ... بكعب حولهم طير تدور
كأنهم عتائر يوم عيد ... تذبح وهي ليس لها نكير
ببيض لا تليق لهن عظما ... صوافي الحد أكثرها ذكور
كما لاقيتم من بأس صخر ... بأحد حيث ليس لكم نصير

(2/200)


[ شعر ابن مرداس في امتداح رجال بني النضير ]
وقال عباس بن مرداس أخو بني سليم يمتدح رجال بني النضير : [ ص 201 ]
لو أن أهل الدار لم يتصدعوا ... رأيت خلال الدار ملهى وملعبا
فإنك عمري هل أريك ظعائنا ... سلكن على ركن الشطاة فتيأبا
عليهن عين من ظباء تبالة ... أوانس يصبين الحليم المجربا
إذا جاء باغي الخير قلن فجاءة ... له بوجوه كالدنانير مرحبا
وأهلا فلا ممنوع خير طلبته ... ولا أنت تخشى عندنا أن تؤنبا
فلا تحسبني كنت مولى ابن مشكم ... سلام ولا مولى حيي بن أخطبا

(2/200)


[ شعر خوات في الرد على ابن مرداس ]
فأجابه خوات بن جبير ، أخو بني عمرو بن عوف فقال
تبكي على قتلى يهود وقد ترى ... من الشجو لو تبكي أحب وأقربا
فهلا على قتلى ببطن أرينق ... بكيت ولم تعول من الشجو مسهبا
إذا السلم دارت في صديق رددتها ... وفي الدين صدادا وفي الحرب ثعلبا
عمدت إلى قدر لقومك تبتغي ... لهم شبها كيما تعز وتغلبا
فإنك لما أن كلفت تمدحا ... لمن كان عيبا مدحه وتكذبا
رحلت بأمر كنت أهلا لمثله ... ولم تلف فيهم قائلا لك مرحبا
فهلا إلى قوم ملوك مدحتهم ... تبنوا من العز المؤثل منصبا
إلى معشر صاروا ملوكا وكرموا ... ولم يلف فيهم طالب العرف مجدبا
أولئك أحرى من يهود بمدحة ... تراهم وفيهم عزة المجد ترتبا
[ ص 202 ]

(2/201)


[ شعر ابن مرداس في الرد على خوات ]
فأجابه عباس بن مرداس السلمي ، فقال
هجوت صريح الكاهنين وفيكم ... لهم نعم كانت من الدهر ترتبا
أولئك أحرى لو بكيت عليهم ... وقومك لو أدوا من الحق موجبا
من الشكر إن الشكر خير مغبة ... وأوفق فعلا للذي كان أصوبا
فكنت كمن أمسى يقطع رأسه ... ليبلغ عزا كان فيه مركبا
فبك بني هارون واذكر فعالهم ... وقتلهم للجوع إذ كنت مجدبا
أخوات أذر الدمع بالدمع وابكهم ... وأعرض عن المكروه منهم ونكبا
فإنك لو لاقيتهم في ديارهم ... لألفيت عما قد تقول منكبا
سراع إلى العليا كرام لدى الوغى ... يقال لباغي الخير أهلا ومرحبا

(2/202)


[ شعر لكعب أو ابن رواحة في الرد على ابن مرداس ]
فأجابه كعب بن مالك ، أو عبد الله بن رواحة ، فيما قال ابن هشام ، فقال [ ص 203 ]
لعمري لقد حكت رحى الحرب بعدما ... أطارت لؤيا قبل شرقا ومغربا
بقية آل الكاهنين وعزها ... فعاد ذليلا بعد ما كان أغلبا
فطاح سلام وابن سعية عنوة ... وقيد ذليلا للمنايا ابن أخطبا
وأجلب يبغي العز والذل يبتغي ... خلاف يديه ما جنى حين أجلبا
كتارك سهل الأرض والحزن همه ... وقد كان ذا في الناس أكدى وأصعبا
وشأس وعزال وقد صليا بها ... وما غيبا عن ذاك فيمن تغيبا
وعوف بن سلمى وابن عوف كلاهما ... وكعب رئيس القوم حان وخيبا
فبعدا وسحقا للنضير ومثلها ... إن أعقب فتح أو إن الله أعقبا
قال ابن هشام : قال أبو عمرو المدني : ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بني النضير بني المصطلق . وسأذكر حديثهم إن شاء الله في الموضع الذي ذكره ابن إسحاق فيه.

(2/202)


غزوة ذات الرقاع في سنة أربع
[ الأهبة لها ]
قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى ، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان ، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال عثمان بن عفان ، فيما قال ابن هشام :

(2/203)


[ سبب تسميتها بذات الرقاع ]
قال ابن إسحاق : [ ص 204 ] نزل نخلا ، وهي غزوة ذات الرقاع . قال ابن هشام : وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع ، لأنهم رقعوا فيها راياتهم ويقال ذات الرقاع : شجرة بذلك الموضع يقال لها : ذات الرقاع . قال ابن إسحاق : فلقي بها جمعا عظيما من غطفان ، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا ، - حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ، ثم انصرف بالناس .

(2/203)


[ صلاة الخوف ]
قال ابن هشام : حدثنا عبد الوارث بن سعيد التنوري - وكان يكنى : أبا عبيدة - قال حدثنا يونس بن عبيد ، عن الحسن بن أبي الحسن عن جابر بن عبد الله في صلاة الخوف قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم سلم وطائفة مقبلون على العدو . قال فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين ثم سلم . قال ابن هشام : وحدثنا عبد الوارث ، قال حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفين فركع بنا جميعا ، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد الصف الأول فلما رفعوا سجد الذين يلونهم بأنفسهم ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الآخر حتى قاموا مقامهم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون بأنفسهم فركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ، وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين [ ص 205 ] قال ابن هشام : حدثنا عبد الوارث بن سعيد التنوري ، قال حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال يقوم الإمام وتقوم معه طائفة ، وطائفة مما يلي عدوهم فيركع بهم الإمام ويسجد بهم ثم يتأخرون فيكونون مما يلي العدو يتقدم الآخرون فيركع بهم الإمام ركعة ويسجد بهم ثم تصلي كل طائفة بأنفسهم ركعة فكانت لهم مع الإمام ركعة ركعة وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة

(2/204)


[ غورث وما هم به من قتل الرسول ]
قال ابن إسحاق : وحدثني عمرو بن عبيد ، عن الحسن عن جابر بن عبد الله : أن رجلا من بني محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا : بلى ، وكيف تقتله ؟ قال أفتك به . قال فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال يا محمد أنظر إلى سيفك هذا ؟ قال نعم - وكان محلى بفضة فيما قال ابن هشام - قال فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم فيكبته الله ثم قال يا محمد أما تخافني ؟ قال لا ، وما أخاف منك ؟ قال أما تخافني وفي يدي السيف ؟ قال لا ، يمنعني ( الله ) منك . ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه قال فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [ ص 206 ] قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان : أنها إنما أنزلت في عمرو بن جحاش ، أخي بني النضير وما هم به فالله أعلم أي ذلك كان .

(2/205)


[ جابر وقصته هو وجمله مع الرسول ]
قال ابن إسحاق : وحدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله ، قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل ، على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جعلت الرفاق تمضي ، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لك يا جابر ؟ قال قلت : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ، قال أنخه قال فأنخته ، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أعطني هذه العصا من يدك ، أو اقطع لي عصا من شجرة قال ففعلت . قال فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ثم قال اركب فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة . قال وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال قلت : يا رسول الله بل أهبه لك ، قال لا ، ولكن بعنيه قال قلت : فسمنيه يا رسول الله قال قد أخذته بدرهم قال قلت : لا . إذن تغبنني يا رسول الله قال فبدرهمين قال قلت : لا . قال فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية . قال فقلت : أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال نعم قلت : فهو لك ؛ قال قد أخذته . قال ثم قال يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قال قلت : نعم يا رسول الله قال أثيبا أم بكرا ؟ قال قلت : لا ، بل ثيبا ؛ قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قال قلت : يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا ، فنكحت امرأة جامعة تجمع رءوسهن وتقوم عليهن قال أصبت إن شاء الله أما إنا لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذاك وسمعت بنا ، فنفضت نمارقها . قال قلت : والله يا رسول الله ما لنا من نمارق قال إنها ستكون فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا . [ ص 207 ] قال فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا ، قال فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فدونك ، فسمع وطاعة . قال فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم جلست في المسجد قريبا منه قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال ما هذا ؟ قالوا : يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر قال فأين جابر ؟ قال فدعيت له قال فقال يا ابن أخي خذ برأس جملك ، فهو لك ، ودعا بلالا ، فقال له اذهب بجابر فأعطه أوقية . قال فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا . قال فوالله ما زال ينمى عندي ، ويرى مكانه من بيتنا ، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا يعني يوم الحرة .

(2/206)


[ ابن ياسر وابن بشر وقيامهما على حراسة جيش الرسول وما أصيبا به ]
قال ابن إسحاق [ ص 208 ] عمي صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل ، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا ، أتى زوجها وكان غائبا ؛ فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دما ، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا ، فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا ( هذه ) ؟ قال فانتدب رجل من المهاجرين ، ورجل آخر من الأنصار ، فقالا : نحن يا رسول الله قال فكونا بفم الشعب . قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي ، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر فيما قال ابن هشام . قال ابن إسحاق : فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب ، قال الأنصاري للمهاجري أي الليل تحب أن أكفيكه : أوله أم آخره ؟ قال بل اكفني أوله قال فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي ؛ قال وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم . قال فرمى بسهم فوضعه فيه قال فنزعه ووضعه فثبت قائما ؛ قال ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه . قال فنزعه فوضعه وثبت قائما ؛ ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه قال فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال اجلس فقد أثبت ، قال فوثب [ ص 209 ] رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به فهرب . قال ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك ؟ قال كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها ، فلما تابع علي الرمي ركعت فأذنتك ، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها .

(2/207)


[ رجوع الرسول ]
قال ابن هشام : ويقال أنفذها . قال ابن إسحاق : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبا .

(2/209)


غزوة بدر الآخرة
في شعبان سنة أربع
[ خروج الرسول ]
قال ابن إسحاق : ثم خرج في شعبان إلى بدر ، لميعاد أبي سفيان حتى نزله .
[ استعماله ابن أبي على المدينة ]
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري .
[ رجوع أبي سفيان في رجاله ]
قال ابن إسحاق : فأقام عليه ثماني ليال ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة ، من ناحية الظهران ؛ وبعض الناس يقول قد بلغ عسفان ، ثم بدا له في الرجوع فقال يا معشر قريش ، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن وإن عامكم هذا عام جدب [ ص 210 ] فسماهم أهل مكة جيش السويق ، يقولون إنما خرجتم تشربون السويق .

(2/209)


[ الرسول ومخشي الضمري ]
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مخشي بن عمرو الضمري ، وهو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان ، فقال يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال نعم يا أخا بني ضمرة ، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك ، قال لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك من حاجة

(2/210)


[ معبد وشعره في ناقة للرسول هوت ]
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي ، فقال وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوى به
قد نفرت من رفقتي محمد ... وعجوة من يثرب كالعنجد
تهوى على دين أبيها الأتلد ... قد جعلت ماء قديد موعدي
وماء ضجنان لها ضحى الغد

(2/210)


[ شعر لابن رواحة أو كعب في بدر ]
وقال عبد الله بن رواحة في ذلك - قال ابن هشام : أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك [ ص 211 ]
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم السيء الذي كان غاويا
فإني وإن عنفتموني لقائل ... فدى لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا

(2/210)


[ شعر حسان في بدر ]
وقال حسان بن ثابت في ذلك [ ص 212 ]
دعوا فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك
أقمنا على الرس النزوع ثمانيا ... بأرعن جرار عريض المبارك
بكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العامي تذري أصوله ... مناسم أخفاف المطي الرواتك
فإن نلق في تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيان يكن رهن هالك
وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده ... يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عني رسالة ... فإنك من غر الرجال الصعالك

(2/211)


[ شعر أبي سفيان في الرد على حسان ]
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، فقال [ ص 213 ]
أحسان إنا يا ابن آكلة الفغا ... وجدك نغتال الخروق كذلك
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا ... ولو وألت منا بشد مدارك
إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته ... مدمن أهل الموسم المتعارك
أقمت على الرس النزوع تريدنا ... وتتركنا في النخل عند المدارك
على الزرع تمشي خيلنا وركابنا ... فما وطئت ألصقنه بالدكادك
أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع ... بجرد الجياد والمطي الرواتك
حسبتم جلاد القوم عند قبابهم ... كمأخذكم بالعين أرطال آنك
فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها ... على نحو قول المعصم المتماسك
سعدتم بها وغيركم كان أهلها ... فوارس من أبناء فهر بن مالك
فإنك لا في هجرة إن ذكرتها ... ولا حرمات الدين أنت بناسك
قال ابن هشام : بقيت منها أبيات تركناها ، لقبح اختلاف قوافيها . وأنشدني أبو زيد الأنصاري هذا البيت خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا
والبيت الذي بعده لحسان بن ثابت في قوله دعوا فلجات الشأم قد حال دونها
وأنشدني له فيها بيته " فأبلغ أبا سفيان " .

(2/212)


غزوة دومة الجندل
في شهر ربيع الأول سنة خمس ( موعدها ) : قال ابن إسحاق : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأقام من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أشهرا حتى مضى ذو الحجة وولي تلك الحجة المشركون وهي سنة أربع ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل

(2/213)


[ استعمال ابن عرفطة على المدينة ]
قال ابن هشام : في شهر ربيع الأول واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري . قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليها ، ولم يلق كيدا ، فأقام بالمدينة بقية سنته .

(2/213)


غزوة الخندق
في شوال سنة خمس ( تاريخها ) [ ص 214 ] قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي قال ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس .

(2/213)


[ تحريض اليهود لقريش وما نزل فيهم ]
فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير بن عروة بن الزبير ، ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك ، ومحمد بن كعب القرظي ، والزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ، وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق ، وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض قالوا : إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود ، منهم سلام بن أبي الحقيق النضري ، وحيي بن أخطب النضري ، وكنانة بن أبي الحقيق النضري ، وهوذة بن قيس الوائلي ، وأبو عمار الوائلي ، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله ، فقالت لهم قريش : يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق [ ص 215 ] فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } إلى قوله تعالى : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } أي النبوة { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا }

(2/214)


[ تحريض اليهود لغطفان ]
قال فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا لذلك واتعدوا له . ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان ، من قيس عيلان ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا معهم فيه .

(2/215)


[ خروج الأحزاب من المشركين ]
قال ابن إسحاق : فخرجت قريش ، وقائدها أبو سفيان بن حرب ؛ وخرجت غطفان ، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، في بني فزارة والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، في بني مرة ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان ، فيمن تابعه من قومه من أشجع .

(2/215)


[ حفر الخندق وتخاذل المنافقين وجد المؤمنين ]
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص 216 ] ضرب الخندق على المدينة ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون فيه فدأب فيه ودأبوا . وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن . وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها ، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له .

(2/215)


[ ما نزل في العاملين في الخندق مؤمنين ومنافقين ]
فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهمالله إن الله غفور رحيم } فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى ، يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }
[ تفسير ابن هشام لبعض الغريب ]
قال ابن هشام : اللواذ الاستتار بالشيء عند الهرب قال حسان بن ثابت : [ ص 217 ]
وقريش تفر منا لواذا
أن يقيموا وخف منها الحلوم
وهذا البيت في قصيدة له قد ذكرتها في أشعار يوم أحد . { ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه } . قال ابن إسحاق : من صدق أو كذب . { ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم }

(2/216)


[ ارتجاز المسلمين في حفر الخندق ]
قال ابن إسحاق : وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا ، فقالوا :
سماه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا " بعمرو " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا ، وإذا مروا " بظهر " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهرا .

(2/217)


[ ما ظهر من المعجزات ]
قال ابن إسحاق : وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني ، فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته عاين ذلك المسلمون .
[ معجزة الكدية ]
فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها : فوالذي بعثه بالحق نبيا ، لانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسا ولا مسحاة [ ص 218 ]

(2/217)


[ البركة في تمر ابنة بشير ]
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن مينا أنه حدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة ، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ، ثم قالت أي بنية . اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما ، قالت فأخذتها ، فانطلقت بها ، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي ، فقال تعالي يا بنية ما هذا معك ؟ قالت فقلت : يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه قال هاتيه قالت فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما ، ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق : أن هلم إلى الغداء . فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب .

(2/218)


[ البركة في طعام جابر ]
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن مينا ، عن جابر بن عبد الله ، قال عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ، فكانت عندي شويهة غير جد سمينة . قال فقلت : والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأمرت امرأتي ، فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا ، وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال فلما أمسينا وأراد رسول الله الانصراف عن الخندق - قال وكنا نعمل فيه نهارنا ، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا - قال قلت : يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا ، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير فأحب أن تنصرف [ ص 219 ] منزلي ، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده . قال فلما أن قلت له ذلك ؟ قال نعم ثم أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله ؛ قال قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون قال فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه قال فجلس وأخرجناها إليه . قال فبرك وسمى ( الله ) ، ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها .

(2/218)


[ ما أرى الله رسوله من الفتح ]
قال ابن إسحاق : وحدثت عن سلمان الفارسي ، أنه قال ضربت في ناحية من الخندق ، فغلظت علي صخرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني ؛ فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة قال ثم ضرب به ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى ؛ قال ثم ضرب به الثالثة فلمعت تحته برقة أخرى . قال قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال أوقد رأيت ذلك يا سلمان ؟ قال قلت : نعم قال أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن ؛ وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفسي أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك .

(2/219)


[ نزول قريش المدينة ]
قال ابن إسحاق : ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة ، بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف [ ص 220 ] بني كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا بذنب نقمى ، إلى جانب أحد . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ، في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم .

(2/219)


[ استعمال ابن أم مكتوم على المدينة ]
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم . قال ابن إسحاق : وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام .

(2/220)


[ حمل حيي كعبا على نقض عهده للرسول ]
( قال ) : وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري ، حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده على ذلك وعاهده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي : ويحك يا كعب افتح لي ؛ قال ويحك يا حيي : إنك امرؤ مشئوم وإني قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ؛ قال ويحك افتح لي أكلمك ؛ قال ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك [ ص 221 ] فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه . قال فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا ( من الله ) وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(2/220)


[ تحري الرسول عن نقض كعب للعهد ]
فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان ، وهو يومئذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة بن دليم ، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة ، أخو بني الحارث بن الخزرج ، وخوات بن جبير ، أخو بني عمرو بن عوف . فقال [ ص 222 ] انطلقوا حتى تنظروا ، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس قال فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ( فيما ) نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد . فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة . ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا : عضل والقارة ؛ أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع ، خبيب وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين

(2/221)


[ ما عم المسلمين من الخوف وظهور نفاق المنافقين ]
( قال ) : وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير ، أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط .
[ رأي ابن هشام في نفاق معتب ]
قال ابن هشام : وأخبرني من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين واحتج بأنه كان من أهل بدر . قال ابن إسحاق : وحتى قال أوس بن قيظي ، أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو وذلك عن ملأ من رجال قومه فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا ، فإنها خارج من المدينة فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص 223 ] الرميا بالنبل والحصار . قال ابن هشام : ويقال الرميا .

(2/222)


[ هم الرسول بعقد الصلح بينه وبين غطفان ثم عدل ]
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك . فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه فقالا له يا رسول الله أمرا نحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ( والله ) ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت وذاك . فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا

(2/223)


[ عبور نفر من المشركين الخندق ]
قال ابن إسحاق [ ص 224 ] صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش ، منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس ، أخو بني عامر بن لؤي . - قال ابن هشام : ويقال عمرو بن عبد بن أبي قيس - قال ابن إسحاق : وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب الشاعر بن مرداس أخو بني محارب بن فهر ، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة ، فقالوا : تهيئوا يا بني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم . ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها .

(2/223)


[ سلمان وإشارته بحفر الخندق ]
قال ابن هشام : يقال إن سلمان الفارسي أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحدثني بعض أهل العلم أن المهاجرين يوم الخندق قالوا : سلمان منا ؛ وقالت الأنصار : سلمان منا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت .

(2/224)


[ قتل علي لعمرو بن عبد ود وشعره في ذلك ]
قال ابن إسحاق : ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم [ ص 225 ] وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد ؛ فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليري مكانه فلما وقف هو وخيله قال من يبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب فقال له يا عمرو ، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه قال له أجل قال له علي : فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإني أدعوك إلى النزال فقال له لم يا ابن أخي ؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ، قال له علي : لكني والله أحب أن أقتلك ؛ فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا ، فقتله علي رضي الله عنه . وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة . قال ابن إسحاق : وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصوابي
فصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروافي
وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزنى أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب
قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي بن أبي طالب .

(2/224)


[ شعر حسان في فرار عكرمة ]
قال ابن إسحاق [ ص 226 ] وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو ؛ فقال حسان بن ثابت في ذلك :
فر وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل
ووليت تعدو كعدو الظليم ... ما إن تجور عن المعدل
ولم تلق ظهرك مستأنسا ... كأن قفاك قفا فرعل
قال ابن هشام : الفرعل صغير الضباع وهذه الأبيات في أبيات له .

(2/225)


[ شعار المسلمين يوم الخندق ]
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وبني قريظة حم ، لا ينصرون
[ شأن سعد بن معاذ ]
قال ابن إسحاق : وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري ، أخو بني حارثة : أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من أحرز حصون المدينة . قال وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن فقالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد وعليه درع له مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها ، وفي يده حربته يرقد بها ويقول لبث قليلا يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل
[ ص 227 ] قال ) فقالت له أمه الحق : أي بني ، فقد والله أخرت ؛ قالت عائشة فقلت لها : يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل رماه كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، حبان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه قال خذها مني وأنا ابن العرقة ؛ فقال له سعد عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة

(2/226)


[ شعر لأسامة يدل على أنه قاتل سعد ]
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي ، حليف بني مخزوم . وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا لعكرمة بن أبي جهل [ ص 228 ]
أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي ... فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدا مرشة ... لها بين أثناء المرافق عاند
قضى نحبه منها سعيد فأعولت ... عليه مع الشمط العذارى النواهد
وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا ... عبيدة جمعا منهم إذ يكابد
على حين ما هم جائر عن طريقه ... وآخر مرعوب عن القصد قاصد
( والله أعلم أي ذلك كان ) .
[ قاتل سعد في رأي ابن هشام ]
قال ابن هشام : ويقال إن الذي رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان .

(2/227)


[ صفية وحسان وما ذكرته عن جبنه ]
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع ، حصن حسان بن ثابت ؛ قالت وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصبيان . قالت صفية فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة ، وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت . قالت فقلت : يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله قال يغفر الله لك يا بنة عبد المطلب ، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا : قالت فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا ، احتجزت ثم أخذت عمودا ، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته . قالت فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت : يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال ما لي بسلبه من حاجة يا بنة عبد المطلب .

(2/228)


[ شأن نعيم في تخذيل المشركين عن المسلمين ]
قال ابن إسحاق [ ص 229 ] صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم . ( قال ) : ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفد بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد ، فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة ، وكان لهم نديما في الجاهلية فقال يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا : صدقت ، لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم [ ص 230 ] خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه فقالوا له لقد أشرت بالرأي . ثم خرج حتى أتى قريشا ، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا ، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني ؛ فقالوا : نفعل قال تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا ، ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا . ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال يا معشر غطفان ، إنكم أصلي وعشيرتي ، وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني ؛ قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عني ؛ قالوا : نفعل فما أمرك ؟ ، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم .

(2/228)


[ دبيب الفرقة بين المشركين ]
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل ، في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ، ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت وهو ( يوم ) لا نعمل فيه شيئا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا ، فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه . [ ص 231 ] قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق ، فأرسلوا بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ؛ فقالت بنو قريظة ، حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم . وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم فأرسلوا إلى قريش وغطفان : إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا ؛ فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم

(2/230)


[ أرسل الرسول حذيفة ليتعرف ما حل بالمشركين ]
( قال ) : فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان ، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا . قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال نعم يا ابن أخي ، قال فكيف كنتم تصنعون ؟ [ ص 232 ] قال والله لقد كنا نجهد قال فقال والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا . قال فقال حذيفة يا ابن أخي ، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ؟ فما قام رجل من القوم ، من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد ، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني ؛ فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم ، فانظر ماذا يصنعون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا . قال فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء . فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش : لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي ، فقلت : من أنت ؟ قال فلان بن فلان

(2/231)


[ مناداة أبى سفيان فيهم بالرحيل ]
ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي " أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني " ، ثم شئت ، لقتلته بسهم .

(2/232)


[ رجوع حذيفة إلى الرسول بتخاذل المشركين وانصرافهم ]
[ ص 233 ] قال حذيفة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مراجل . قال ابن هشام : المراجل ضرب من وشى اليمن . فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه فلما سلم أخبرته الخبر ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم .
[ انصراف الرسول عن الخندق ]
قال ابن إسحاق : ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح .

(2/232)


غزوة بني قريظة في سنة خمس
[ أمر الله لرسوله على لسان جبريل بحرب بني قريظة ]
فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني الزهري ، معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج فقال أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال نعم فقال جبريل فما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم .

(2/233)


[ دعوة الرسول المسلمين للقتال ]
[ ص 234 ] فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا ، فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا ، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة

(2/233)


[ استعمال ابن أم مكتوم على المدينة ]
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، فيما قال ابن هشام .
[ تقدم علي وتبليغه الرسول ما سمعه من سفهائهم ]
قال ابن إسحاق : وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة ، وابتدرها الناس . فسار علي بن أبي طالب ، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث قال لم ؟ أظنك سمعت منهم لي أذى ؟ قال نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا . فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم . قال يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ؟ قالوا : يا أبا القاسم ما كنت جهولا

(2/234)


[ سأل الرسول عمن مر بهم فقيل دحية فعرف أنه جبريل ]
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة ، فقال هل مر بكم أحد ؟ قالوا : يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي ، على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنا . [ ص 235 ] قال ابن هشام : بئر أنى .

(2/234)


[ تلاحق المسلمين بالرسول ]
قال ابن إسحاق : وتلاحق به الناس فأتى رجال منهم من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم وأبوا أن يصلوا ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تأتوا بني قريظة . فصلوا العصر بها ، بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني بهذا الحديث أبو إسحاق بن يسار ، عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري .

(2/235)


[ حصارهم ومقالة كعب بن أسد لهم ]
( قال ) : وحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب . وقد كان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه . فلما أيقنوا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم قالوا : وما هي ؟ قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا [ ص 236 ] مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا ، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء قالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم ؟ قال فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة قالوا : نفسد سبتنا علينا ، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت ، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما .

(2/235)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية