صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الإسراء والمعراج للسيوطي

بسم الله الرحمن الرحيم
إهداء
الى القوم الذين يجتمعون على كتاب " الاسراء والمعراج" الذين ينسبونه لابن عباس ـ رضي الله عنه.
الى القوم الذين تركوا صحيح السنة الى ضعيف الآثار. ومخض الصواب من الاتباع الى محض الباطل من الرأي والظن والهوى.
أهدي هذا الكتاب _ عسى أن تهتدي به نفس الى اتباع الهدي النبوي الصحيح وترك احتطاب الليل، واتباع الهوى
أبوعبد الله
الإسراء والمعراج
للسيوطي
وهو
( الآية الكبرى في شرح قصة الإسراء)
خرج أحاديثه
أبو عبدالله القاضي
دار الحديث القاهرة
جمادى الآخرة 1409
وبدأنا بكتابته على الورد
6 شوال 1423
9 كانون الأول 2002
بيروت لبنان
www.islammi.jeeran.com
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله على نعمه التي لا تحصى والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أسري به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى هذا جزء جمعته في شرح قصة الإسراء بالغت في إتقانه، ورتبته على أربعة فصول:
الأول: في سرد الأحاديث الواردة فيه، ليعرف اختلاف الأخبار بألفاظها.
الثاني: في حقيقته، وهل هو يقظة أو منام، وهل وقع مرة أو مرتين أو أكثر وهل المعراج والإسراء سيان أو غيران.
الثالث: في تاريخه الزماني والمكاني.
الرابع: في نكته الفائقة.
وسميته "الآية الكبرى " في شرح قصة الإسراء، والله أسأل قبوله والإثابة عليه، وأن يحظينا بالزلفى لديه، بمنه ويمنه.
أحاديث الاسراء والمعراج
الفصل الأول
في سرد الأحاديث الواردة فيه
(الحديث الأول)
ولبندأ بأجودها وأتقنها، وهو حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فإنه جوده وأتقنه فسلم مما في غيره من التعارض.
قال مسلم:
حدثنا شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني عن أنس رضي اله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله قال:

(1/1)


" أتيت بالبراق ـ وهو دابة أبيض طويل فوق الحمال دون الغل، يضع حافره عند منتهى طرفه ـ قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ( عليه السلام) بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا الى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل؛ فقيل من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: بعث إليه: ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا الى السماء الثانية فاستفتح جبريل، فقيل من أنت؟ فقال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: قد بعث إليه؟ قال: بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بابنى الخالة عيس بن مريم ويحيى بن زكريا، فرحبا بي ودعوا لي بخير.
ثم عرج بنا الى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل: قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث اليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا انا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا الى السماء الرابعة: فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعص إليه؟ قال: قد بعث الله إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بأدريس، فرحب بي ودعا لي بخير.
قال الله تعالى:{ ورفعناه مكانا عليا} مريم /57.
ثم عرج بنا الى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا الى السماء السادسة، فاستفتح جبيرل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قالك محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا انا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير.

(1/2)


ثم عرج بنا الى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره الى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون اليه، ثم ذهب بي الى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيل، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، قال: فأوحى الى ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت حتى انتهيت الى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت الى ربي، فقلت: يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا. فرجعت الى موسى فقلت: حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع الى ربك فسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محم إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بشيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت الى موسى فاخبرته، فقال: ارجع الى ربك فاسأله التخفيف. فقلت: قد رجعت الى ربي حتى حتى استحييت منه" هذا سياق مسلم في صحيحه (كتاب الايمان /162) 1م145 ح 259.
(الحديث الثاني)
قال البخاري:
حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:
" فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه.

(1/3)


ثم أخذ بيدي فعرج بي الى السماء، فلما جئت الى السماء الدنيا، قال: جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد. فقال: أأرسل اليه؟ قال: نهم. فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا برجل قاعد، على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فاهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. حتى عرج بنا الى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الأول ففتح.
قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم ـ صلوات الله عليهم ـ ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس. ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. ثم مررت بعيسى فقال: مرحبا بالخ الصالح والنبي الصالح. قلت: من هذا؟ قال: عيسى. ثم مررت بإبراهيم: فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: من هذا؟ قال: إبراهيم.

(1/4)


ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، ففرض الله تعالى على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع الى ربك فإن أمتك لا تطيق فرجعت فوضع شطرها، فرجعت الى موسى قلت: وضع شطرها، قال: ارجع الى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي. فرجعت الى موسى قال: ارجع الى ربك. قلت: قد استحييت من ربي ثم انطلق بي حتى انتهى الى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا تربها المسك". والحديث أخرجه البخاري:
كتاب الصلاة (باب كيف فرضت الصلاة)
فتح (ريان) 1م547 ح 349
كتاب الحج: ( باب ما جاء في زمزم ح 1636) مختصرا.
كتاب الأنبياء ( باب ذكر إدريس عليه السلام ح 3342).
(الحديث الثالث)
وقال البخاري أيضا:
حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله، حدثني سليمان ـ وهو ابن بلال ـ عن شريك بن عبدالله ـ يعني ابن أبي نمرـ قال: سمعت أنس بن مالك يقول:
" ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقل أولهم: أيهم هو؟ فقال: أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، وكانت تلك الليلة فلم يرهم، حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره الى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده ـ يعني عروق حلقه ـ ثم أطبقه.

(1/5)


ثم عرج به الى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها، فناداه اهل السماء من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد. قالوا: وقد بعث ، قال: نعم: قالوا: مرحبا به وأهلا، يستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه. فسلم عليه، ورد عليه آدم وقال: مرحبا وأهلا يا بنى، نعم الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفران عنصرهما. ثم مضى به في السماء فإذا بنهر ىخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج به الى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: كم هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم؟ قالوا مرحبا وأهلا.

(1/6)


ثم عرج به الى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به الرابعة فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به الى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به الى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به الى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسةن وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع علي أحد ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار من رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة كل يوم وليلة، ثم هبط به حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد اليك ربك؟ قال: عهد الي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: عن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار اليه جبريل أن نعم إن شئت، فذكر نحو ما تقدم".
هذه رواية البخاري في كتب التوحيد: باب ما جاء في قوله عز وجل{ وكلم الله موسى تكليما}
(فتح ـ سلفية 13م478 ح 7517.
قال العلماء: اضطرب شريك في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه.
(الحديث الرابع)
وقال البزار:
حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

(1/7)


" بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل عليه السلام فوكز بين كتفي، فقمت الى شجرة فيها كوكري أنظر، فقعد في أحدهما، وقعدت في الآخر، فنمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أم أمس السماء لمسست، فالتفت الي جبريل كأنه حلس لاطئ فغرفت فضل علمه بالله على، وفتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت وأوحى الي ما شاء أن يوحي" هذا الحديث في مسند البزار (كتاب الايمان ـ باب منه في الاسراء)
كشف الأستار: 1\47 ح 08.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: إن صح هذا الحديث فهي واقعة غير واقعة الاسراء لأنه لم يذكر فيها بيت المقدس ولا الصعود الى السماء. تفسير إبن كثير (سورة الاسراء 5\75) وقد شك الحافظ في صحته كما ترى لاضطراب حديث الحارث ـ كما جزم احمد بن حنبل. حتى ضعفه ابن حبان.
(الحديث الخامس)
وقال البيهقي في "الدلائل":

(1/8)


أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا أبو علي بن مقلاص، حدثنا عبدالله بن وهب، حدثني يعقوب بن عبدالرحمن الزهري، عن أبيه عبدالرحمن، عن هاشم ابن هاشم بن هاشم بن عتبة بي أبي وقاص، عن أنس بن مالك قال:" لما جاء جبريل بالبراق الى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكأنها أصرت أذنيها، فقال لها جبريل: مه يا براق فوالله إن ركبك مثله، فسار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإذا هو بعجوز على جنب الطريق، فقال ما هذه يا جبريل؟ قال جبريل: سر يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير فإذا هو بشيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير قال: فلقيه خلق من الخلق فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا ىخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد. فرد السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته الأولى، ثم الثالثة كذلك، حتى انتهى الى بيت المقدس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك. ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك. ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة ثم قال له جبريل: أما العجوز التي رأيت على جنب الطريق فلم يبقى من الدنيا الا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل اليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل اليهن وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام" دلائل النبوة للبيهقي 3\113
قال الحافظ ابن كثير: في بعض ألفاظه نكارة وغرابة. تفسير ابن كثير 5\9.
( الحديث السادس)
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره:
حدثني أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالكن عن أبيه، عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، قال:

(1/9)


" لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، حمله جبريل عليها، ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له:" باب محمد" أتى الى الحجر الذي ثمة فغمزه جبريل بأصبعه فنقبه ثم ربطها، ثم صعد، فلما استويا في صرخة المسجد، قال جبريل: يا محمد هل سالت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم، فقال: فانطلق الى أولئك النسوة فسلم عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة قال: فأتيتهن فسلمت عليهن فرددن علي السلام، فقلت: من أنتن؟ فقلن: نحن خيرات حسان، نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا.
ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، قال: فقمنا صفوفا ننتر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل عليه السلام فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد اتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله.
قال: ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي الى السماء فلما انتهينا الى الباب استفتح فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم. ففتحوا له وقالوا: مرحبا بك وبمن معك. قال. فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم، فقال لي جبريل: يا محمد ألا تسلم على أبيك آدم؟ قال: قلت: بلى، فأتيته فسلمت عليه، فرد علي وقال: مرحبا بابني والنبي الصالح.
قال: ثم عرج بي الى السماء الثانية فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم قال: ففتحوا له وقالوا: مرحبا بك وبمن معك، فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى (عليهما السلام).

(1/10)


ثم عرج بي الى السماء الثالثة، فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم ففتحوا له وقالوا: مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها إدريس عليه السلام، ثم عرج بي الى السماء الخامسة فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال جبريل، قالوا: ومنمعك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم، ففتحوا وقالوا: مرحبا بك وبمنمعك. فإذا فيها هارون، ثم عرج بي الى السماء السادسة فاستفتح فقالوا: من؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم؟ ففتحوا وقالوا مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها موسى عليه السلام ثم عرج بي الى السماء السابعة فاستفتح قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم، ففتحوا وقالوا: مرحبا بك وبمن معك وإذا فيها إبراهيم عليه السلام، فقال جبريل: يا محمد ألا تسلم على أبيك إبراهيم؟ فقلت: بلى: فأتيته فسلمت عليه فرد السلام وقال: مرحبا بابني والنبي الصالح.

(1/11)


قال: ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى الى نهر عليه جام. الياقوت واللؤلؤ والزبرجد وعليه طير خضراء [ أنعم طير رأيت] فقلت: يا جبريل إن هذا الطير الناعم، فقال: يا محمد أكله أنعم منه، ثم قال: يا محمد أتدري أي نره هذا؟ قلت: لا، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد ماؤه أشد بياضا من اللبن. قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك ثم انطلق بي حتى انتهى الى الشجرة فغشيني سحابة فيها من كل لون فرفعني جبريل وخررت ساجدا لله عز وجل، فقال الله: يا محمد إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقمبها أنت وأمتك قال: ثم انجلت عن السحابة وأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعا فأتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا، ثم أتيت على موسى فقال: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: فرض ربي علي وعلى أمتي خمسين صلاة. قال: فلن تستطيع أنت ولا أمتك فارجع الى ربك فاسأله أن يخفف عنك. فرجعت سريعا حتى انتهيت الى الشجرة فغشيتني السحابة ورفعني جبريل وخررت ساجدا وقلت: رب إنك فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة وإني لا أيتطيعها أنا ولا أمتي فخفف عنا، قال: وقد وضعت عنكم عشرا، قال: ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل وانصرفت سريعا حتى أتيت على إبراهيم فلم يقل شيئا، ثم أتيت على موسى فقال لي: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: وضع ربي عشرا قال: أربعون صلاة قال: لن تستطيع أنت ولا أمتك فارجع الى ربك فاسأله أن يخفف عنك فذكر الحديث كذلك الى خمس صلوات وخمس بخمسين، ثم أمره موسى أن يرجع فيسأل التخفيف فقلت: إني قد استحييت من الله تعالى.

(1/12)


قال: ثم انحدر فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجبريل: مالي لم آت أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا الي غير رجل واحد فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك الي؟ قال: يا محمد ذاك مالك خازن جهنم لم يضحك منذ خلقت ولو ضحك الى أحد لضحك اليك.
قال: ثم ركبت منصرفا، فبينا هو في بعض طريقه مر بعير لقريش تحمل طعاما، منها جمل عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا: يا أبا بكر هل لك في صاحبك يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ثم رجع في ليلته، فقال أبو بكر: إن كان قاله فقد صدق وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء.
فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما علامة ما تقول؟ قال: مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا، فنفرت الإبل واستدارت، وفيها بعير عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء فصرع فانكسر، فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق.
وسألوه فقالوا: هل كان فيمن حضر معك عيسى وموسى؟ قال: نعم قالوا: فصفهم؟ قال: نعم، أما موسى فرجل آدم كأنه من رجال أزد عمان، وأما عيسى فرجل ربعة يعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان".
قال ابن كثير: هذا سياق فيه غرائب عجيبة. تفسير ابن كثير 5\11 ـ13.
(الحديث السابع)
وقال أحمد في مسنده:
حدثنا عفان، حدثنا همام، سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، أن مالك بن صعصعة حدثه/، أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال:

(1/13)


" بيما أنا في الحطيم وربما قال قتادة في الحجر ـمضجعا إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط من الثلاثة قال: فأتى: فقد ( وسمعت قتادة يقول: فشق) ما بين هذه الى هذه. ( وقال قتادة: فقلت للجارود وهو الى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغره الى نحره الى شعرته، وسمعته يقول: من قصيته الى شعرته).قال: فاستخرج قلبي فأتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشى، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض ( قال: فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم) يضع خطوه عند أقصى طرفه. قال: فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى بي الى السماء الدنيا فاستفتح فقيل؟ من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قا: محمد، قيل: أو قد أرسل اليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء. قال: ففتح فلما خلصت فإذا آدم عليه السلام قال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقيل: من هذا، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل اليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما قال: فسلمت، فردا السلام، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصلح.

(1/14)


ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل اليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا يوسف ( عليه السلا) فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل: من هذا: قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل اليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء ففتح، فلما خلصت فإذا إدريس قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فيقل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل اليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل اليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا بموسى قال: هذا موسى فسلم عليه قال:: فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلما تجاوزت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي.
ثم صعد بي حتى انتهى الى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل اليه، قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، ففتح ، فلما خلصت فإذا بإبراهيم فسلم عليه قال: فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح.

(1/15)


قال: ثم رفعت الى سدرة المنتهى، وإذا أربعة انهار باطنان ونهران ظاهران، فقلت: وما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة أما الظاهران فالنيل والفرات.
قال: ثم رفع الى البيت المعمور. ( قال قتادة: وحدثني الحسن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه، ثم رجع الى حديث أنس قال: ) ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل قال: فأخذت اللبن. قال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت الصلاة. فذكر نحو ما تقدم أخرجه لشيخان.
حديث قتادة عن أنس:
اخرجه أحمد في المسند 4\208-210.
زابن كثير 5\13-15.
وهو في الصحيحين أيضا: البخاري فتحم6م348 ح3207.
مسلم رقم 164.
وحديث أبو هريرة في البخاري:
بدء الخلق فتح 6م349 ح 3207 وانظره في أرقام: 3393 -3430- 3887.
(الحديث الثامن)
وقال البهقي:

(1/16)


أخبرنا أبو عبدالله (محمد بن عبدالله) الحافظ، حدثنا أبو العباس (محمد بن يعقوب) حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبدالوهاب ابن عطاء، حدثنا أبو محمد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال:" بينا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني فاستيقظت فلم أر شيئا، وإذا أنا بهيئة خيال فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد فإذا أنا بدابة أدنى شبهة بدوابك هذه، بغالكم هذه، مضطرب الأذنين يقال له: البراق. وكانت الأنبياء تركبه قبلي يضع حافره عند مد بصره، فركبته. فبينا أنا أسير عليه، إذ دعاني داع يميني: يا محمد، انظرني أسألك فلم اجبه( ولم أقم عليه ). فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد، انظرني أسألك. فلم أجبه ( ولم أقم عليه). فبينما أنا أسير عليه إذ أنا بإمرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك. فلم ألتفت (إليها، ولم أقم) عليها، حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها. أتاني جبريل بإناءين: أحدهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن وتركت الخمر، فال جبريل: أصبت الفطرة فقلت: الله أكبر الله أكبر. فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟ فقلت: بينما أنا أسير إذ دعاني داع غن يمين: يا محمد، انظرني أسألك، فلم اجبه (ولم أقم عليه). قال: ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته لتهودت أمتك. قال: وبينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري فقال: يا محمد، انظرني أسألك، فلم ألتفت اليه (ولم أقم عليه) قال: ذاك داعي النصارى، أما أنك لو أجبته لتنصرت أمتك. وبينما أنا أسير إذا أنا بإمرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة خلقها الله، تقول: يا محمد انظرني حتى اسألك، فلم أجبها (ولم أقم عليها) قال: تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.

(1/17)


ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين.
ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم. فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا الى السماء، فإن ذلك عجبه بالمعراج. قال: فصعدت انا وجبريل فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك، قال: وقال الله تعالى:
{وما يعلم جنود ربك إلا هو} المدثر /31.
قال: فاستفتح جبريل باب السماء، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد بعث اليه؟ قال: نعم. فإذا أنا بآدم كهيئة يوم خلقه الله على صورته،تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجهلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين.
ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة، عليها لحم مشرح ليس يقربه أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح ونتن، عندها أنا يأكلون فيها، فقلت: يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء قوم من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام.
قال: ثم مضيت هنيهة. فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، قال وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلىة فتطؤهم، فسمعتهم يضجون الى الله تعالى، قال: قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك.
{الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يتخبطه الشيطان من المس} البقرة/275.
قال:ثم مصيت هنيهة فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الابل، فيفتح على أفواههم، ويلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون الى الله تعالى، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك.
{الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}النساء/10.

(1/18)


قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن فسمعتهن يضججن الى الله تعالى، قلت: يا جبريل، من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك.
قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه فيقال له: كما كنت تأكل من لحم أخيك. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلا الهمازون من أمتك اللمازون.
قال: ثم صعدنا الى السماء الثانية، فإذا برجل أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي.
ثم صعدت الى السماء الثالثة فإذا أنا بيحيى وعيسى ابنا الخالةن ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما علي.
ثم صعدت الى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه وسلم علي.
ثم صعدت الى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي.
ثم صعدت الى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، وإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله مني. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي.

(1/19)


ثم صعدت الى السماء السابعة فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن. ساندا ظهره الى البيت المعمور كأحسن الرجال، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك خليل الرحمن ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي وإذا أنا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد، قال: فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البض، وجنب الآخرون عليهم ثياب رمد وهم على خير، وصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي، قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه الى يوم القيامة.
ثم رفعت الى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة، وإذا فيها أعين تجري يقال لها: سلسبيل، فيشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة، فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر.
ثم إني رفعت الى الجنة فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد ين حارثة، وإذا أنا بأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من عسل مصفى وإذا رمانها كانها الدلاء عظما، وإذا بطيرها كأنها بختيكم هذه، فقال عندها صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله قد أعد لعباده الصلحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال: ثم عرضت على النار فإذا فيها غضب الله ورجزه ونقمته، لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني.

(1/20)


ثم رفعت الى سدرة المنتهى، فغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة وفرضت علي خمسون" فذكر مراجعته بين موسى وربه، ثم أصبح بمكة يخبرهم بالعجائب إني أتيت البارحة بيت المقدس وعرج بي الى السماء ورأيت كذا وكذا، فقال أبو جهل يعني ابن هشام ـ: ألا تعجبون مما يقول محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا وأحدنا يضرب مطيته مصعده شهرا ومنقلبه شهرا، فهذه مسيرة شهرين في ليلة واحدة! قال: فأخبرهم بعير لقريش لما كانت في مصعدي رأيتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل، قال: فرفع لرسول الله بيت المقدس من مقعده ينظر اليه كنظر أحدنا الى بيته، بناؤه كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا، فقال: صدقت.
دلائل النبوة: 2/36ـ142.
تفسير ابن كثير: 5/20ـ23.
وهذا العبدي مرمي بالكذب متهم بالبدعة. مطعون في الدين. لذلك قال شعبة وكان شديدا:
"لئن أقدم فتضرب عنقي أحب الي من أن أحدث عن أبي هارون" وانظر ترجمته في ضعفاء البخاري برقم 282، النسائي/476 الذهبي في الميزان 3/173.
(الحديث التاسع)
وقال البيهقي:
حدثنا أبو سعيد الماليني، حدثنا ابن عدي، حدثنا محمد بن الحسن السكونين حدثنا علي بن سهل، حدثنا حجاج، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي، أو غيره، عن أبي هريرة، قال:
جاء جبريل الى النبي صلى الله عليه وآل وسلم ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه، واشرح له صدره، قال: فشق عنه بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف اليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره، ونزع ما ان فيه من غل، وملأه حلما وعلما، وإيمانا ويقينا وسلاما، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة.

(1/21)


ثم أتاه بفرس فحمل عليه، كل خطوة من منتهى بصره، أو أقصى بصره فسار، وسار معه جبريل، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنات بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثم أتى على قوم أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الابل والغنم، وياكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وجدارتها، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذي لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئا، وما الله بظلام للعبيد.
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدورن ولحم آخر نيء خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث ويدعون النضيج الطيب قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الرجل من أمتك يقوم عند امرأته حلالا فيأتي المرأة الخبيثة، فيبيت معها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا، فتأتي الرجل الخبيث فتبيت عنده حتى تصبح.
ثم أتى على خشبة في الطريق لا يمر بها ثوب الا شقته، ولا شيئ الا خرقته، قال: ما هذا يا جبريل، قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق، فيقطعونه، ثم تلا:
{ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} الأعراف/86.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليها أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.
ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء الفتنة.

(1/22)


ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها، فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة، وريح مسك، وسمع صوتا فقال: يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة وريح المسك وما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول: يا رب ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقريي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وعسلي ومائي وخمري ولبني، فأتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل علي كفيته، إني أنا الله لا اله الا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: رضيت.
ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا، ووجد ريحا منتنة، فقال: ما هذه الريح يا جبريل؟ وما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب ائتني بما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي وقد بعد قعري، واشتد حري، فأتني بما وعدتني قال: لك كل مشرك ومشركة، وخبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: رضيت.
قال: ثم سارب حتى أتى بيت المقدس فنزل. فربط فرسه الى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا معك؟ قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل اليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء.

(1/23)


ثم لقى أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم، فقال ابراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلا، وأعطاني ملكا عظيما، وجعلني أمة قانتا يؤتم بي وأنقذني من النار، وجعلها علي بردا وسلاما. ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليما واصطفاني وأنزل علي التوراة وجعل هلاكقرعون ونجاة بني اسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون. ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلمني الزبور. وألان لي الحديد، وسخر لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن معي والطير، وأتاني الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الريح وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلا، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكا طيبا ليس فيه حساب. ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل، وجعلني اخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص واحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.

(1/24)


قال: ثم إن محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه، وإني مثن على ربي، الحمد لله لذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه بيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطا، وجعل أمتي هم الأولين، وهم الاخرين، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما. قال أبو جعفر الرازي: خاتم للنبوة، فاتح للشفاعة يوم القيامة.
ثم أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتى بإناء منها فيه ماء، فقيل اشرب منه، فشرب منه يسيرا، ثم دفع اليه إناء آخر فيه لبن فقيل له: اشرب منه، فشرب حتى روى، ثم دفع اليه آخر منه خمر، فقيل له اشرب، فقال: لا أريده قد رويت، فقال له جبريل: أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل.
ثم صعد به الى السماء الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل اليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل تام الخلقة لم ينقص من خلقه شيء كما تنقص من خلق الناس، على يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعلى شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر الى الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر الى الباب الي عن يساره بكى وحزن، فقال: من هذا الشيخ؟ وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة إذا نظر الى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، وهذا الباب الذي عن شماله باب جهنم إذا نظر الى من يدخله من ذريته بكى وحزن.

(1/25)


ثم صعد به جبريل الى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد رسول الله، قالوا: وقد أرسل اليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من اخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو بشابين، فقال: يا جبريل، من هذان الشابان؟ قال: عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا الخالة.
فصعد به الى السماء الثالثة فذكر مثل ذلك وقولهم له: نعم الأخ ونعم الخليفة، وأنه لقي في الثالثة يوسف، والرابعة إدريس، والخامسة هارون والسادسة موسى.
ثم صعد الى السماء السابعة، فإذا برجل أمشط جالس عند باب الجنة على كرسي وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهر فاغتسلوا فيه، فخرجوا منه خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا مثل ألوان أصحابهم. فقال: يا جبريل من هذا الأمشط ثم من هؤلاء البيض الوجوه؟ ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء؟ وما هذه الأنهار؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، وهؤلاء البيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، واما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار فأولها رحمة، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شرابا طهورا.

(1/26)


ثم انتهى الى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي اليها كل أحد خلا من أمتك على سبيلك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة منها مغطية للأمة كلها، فغشيها نور الحلائق وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجر، فكلمه تعالى عند ذلك فقال له: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد وسخرت له الجبال وأعطيت سليما ملكا عظيما، وسخرت له الجن والانس والشياطين، وسخرت له الرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى الترواة والانجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. فقال له ربه: قد اتخذتك حبيبا وهو مكتوب في التوراة محمد حبيب الرحمن، وارسلتك الى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك ورزت ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطا، وجعلت أمتك هم الأولين وهم الآخرين، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقا، وآخرهم بعثا، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعا من المثاني لم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لما أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك الكوثر، واعطيتك ثمانية أسهم: الاسلام، والهجرة، والجهاد، والصلاة، والصدقة، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وجعلتك فاتحا وخاتما وفرض عليه خمسين صلاة وذكر مراجعته بين موسى وربه، وفي آخره: وكان موسى من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع اليه. أخرجه الحاكم وغيره، ورجاله موثقون إلا ان ابا

(1/27)


جعفر الرازي وثقه بعضهم وضعفه بعضهم، وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، وقال الحافظ إبن كثير*: الأظهر أنه سيئ الحفظ، قال: وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه من حديث المنام الطويل الذي عند البخاري من رواية سمرة، والأشبه أنه مجموع أحاديث شتى أو من منام وقصة أخرى غير الاسراء.
الحديث مذكور في: دلائل النبوة: 2/143، الطبري في تفسيره:15/6.
*تفسير ابن كثير: 5/36 .
(الحديث العاشر)
أخبرني أبو الفضل بن عمرا بقراءتي عليه،
أخبرنا أبو الفرج بن حماد، أخبرنا الحافظ قطب الدين الحلبي، أخبرنا العز الحراني، أخبرنا أبو الفرج بن كليب، أخبرنا علي بن بيان أخبرنا محمد ابن مخلد، أخبرنا أبو علي الصفار، أخبرنا الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن قنان بن عبدالله النهمي، حدثنا أبو طيبان الجنبي، حدثنا أبو عبيدة ـ يعني عن أبيه عبدالله بن مسعود ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
أتاني جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليها، ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة وهو يقول ويرفع صوته: أكرمته وفضلته، قال: فدفعنا اليه فسلمنا، فرد السلام، وقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد قال: مرحبا بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران، قال: قلت: ومن يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال: إن الله قد عرف له حدته.

(1/28)


ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها الثرج تحتها شيخ وعياله، فقال لي جبريل: أعمد الى أبيك إبراهيم، فدفعنا اليه فسلمنا عليه، فرد السلام، فقال ابراهيم، يا جبريل من هذا معك؟ قال: هذا ابنك أحمد، فقال: مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، يا بني إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفهم فإن استطعت أن تكون حاجتك أوجلها في أمتك فافعل.
ثم اندفعنا حتى أتينا الى المسجد الأقصى فنزلت فربطت الدابة بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين بين قائم وراكع وساجد، ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن فأخذت البن فشربته فضرب جبريل منكبي فقال: أصبت الفطرة. ثم أقيمت الصلاة فأممتهم ثم انصرفنا فأقبلنا.*
قال ابن كثير: إسناده غريب، وفيه من الغرابة أنه اجتمع بالأنبياء قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات، ثم نزل الى بيت المقدس ثانيا وهم معه وصلى بهم فيه ثم ركب البراق ورجع الى مكة.**
*الخصائص الكبرى 1/404. وعزاه الى ابن عرفة في جزئه المشهور وأبي نعيم وابن عساكر.
** تفسير ابن كثير 5/29.
(الحديث الحادي عشر)
قال محمد بن اسحاق في مغازيه:
وحدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت:
ما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما صلى الصبح وصلينا معه قال:" يا أم هانئ لقد صليت معك العشاء الاخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين".*
الكلبي متروك ساقط.**
* السيرة النبوية لابن هشام 1\402. الخصائص الكبرى 1\438ـ 439.
** محمد بن السائب الكلبي (أبو النضر) الكوفي:
متروك متهم بالوضع وقد رمي بالرفض.
ضعفاء البخاري رقم 322.
ضغفاء النسائي رقم 467.

(1/29)


(الحديث الثاني عشر)
وقال الطبراني.
حدثنا عبدالله بن سعيد بن يحيى الرقي، حدثنا أحمد بن شيبة الرهاوي حدثنا أبو قتادة الحراني، حدثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
" لما كانت ليلة أسري بي الى السماء أدخلت لبجنة فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أر في الجنة شجرة هي أحسن منها حسنا، ولا أبيض منها ورقة، ولا أطيب منها ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمراتها فأكلتها، فصارت نطفة من صلبي، فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فإذا أنا اشتقت الى رائحة الجنة شممت ريح فاطمة"
لم أجده في معجم الطبراني الكبير.
وهو في الخصائص الكبرى 1/437.
وهذا حديث موضوع لا ريب:
فهو مخالف للواقع، فإن خديجة توفيت قبل حادثة المعراج، وكانت قد ولدت أولاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبناته.
أبو قتادة الجراني متروك الحديث.
(الحديث الثالث عشر)
وقال أحمد:
حدثنا أبو النضر، حدثنا شيبان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال:
أتيت على حذيفة بن اليمان، وهو يحدث عن الاسراء، وهو يقول:
""..* فانطلقنا حتى أتيا بيت المقدس، فلم يدخلاه، ولا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، فرأيا الجنة والنار ووعيد الآخرة، ثم عادا عودهما على بدئهما، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، وقال: تحدثون أنه ربطه لايفر منه، وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة.
أخرجه الترمذي وصححه**.
قال ابن كثير: وهذا الذي قاله حذيفة نفى، وما أثبته غيره من الصلاة في بيت المقدس وربط الدابة بالحلقة مقدم عليه.
*يعني أن هناك كلاما فات زر بن حبيش ـ قبل أن ياتي مجلس حذيفةـ رضي الله عنه.
**رواه أحمد: 5/387.
الترمذي في التفسير 5115.
وعزاه ابن كثير 5/20 الى غيرهما. وصححه الترمذي.
(الحديث الرابع عشر)
وقال أحمد:

(1/30)


حدثنا محمد بن جعفر، وروح قالا: حدثنا عوف، عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
" لما كان ليلة أسري بي وأاصبحت بمكن فظعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلا حزينا، قال: فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس اليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: نعم، قال: وما هو؟ قال: إني أسري بي الليلة، قال: الى أين؟ قال: بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. فلم بر أنه يكذب فخاف أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم. قال: هيا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، قال: فانقضت اليه المجالس، وجاؤوا حتى جلسوا اليهما. قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إني أسري بي الليلة، قالوا: الى أين؟ قال: الى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال: فمن بين مصفق ومن واضع يده على رأسه متعجبا للكذب زعم، قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر الى ذلك البلد ورأى المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقيل ـ أو عقال ـ فنعته، وأنا أنظر اليه، قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه. يقول عوف ـ قال: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب.
المسند 1/3-9. والحديث صحيح رجال اسناده ثقات، قال الهيثمي في المجمع (1/65) " ورجال أحمد رجال الصحيح".
(الحديث الخامس عشر)
وقال البيهقي:

(1/31)


أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أخبرنا مكرم بن أحمد القاضي، حدثنا ابراهيم ابن هيثم البلدي، حدثنا محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصبح يحدث الناس في بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه.
دلائل النبوة للبيهقي 2/112.
حقيقة الاسراء والمعراج
الفصل الثاني
في حقيقته
اختلف في الاسراء والمعراج؛ هل كانا في ليلة واحدة أم لا، وأيهما كان قبل الآخر، وهل كان في اليقظة أو في المنام، او بعضه في اليقظة وبعضه في المنام، وهل كان مرة أو مرتين أو مرات: فذهب الجمهور من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين الى أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة وتواردت عليه طواخر الأخبار الصحيحة وقوله تعالى:
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} الاسراء.
لأن التسبيح إنما بكون عند الأمور العظام، ولو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء، ولما بادرت قريش الى إنكاره، ولا ارتد جماعة من ضعفاء من أسلم، ولأن العبد عبارة عن مجموع من الروح والجسد، ولو كان مناما لم يقل بعبده بل بروح عبده، وليس العقل ما يحيل ذلك أيضا، ولأنه حمل على البراق والروح لا تحمل، وإنما يحمل البدن.

(1/32)


ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، من حديث محمد بن كعب القرظي، في شأن أبي سفيان مع هرقل " البخاري كتاب بدء الوحي" قال: وأبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده قال: حتى ذكرت ليلة أسري به فقلت: أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قلت: يزعم أنه خرج من أرضنا أرض الحرم فجاء هذا مسجدا ايليا ورجع الينا في تلك الليلة قبل الصباح. وبطرق إيليا عن رأس قيصر بطريق إيليا. فنظر قيصر قال: ما علمك بها؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني النوم فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فغلبني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به حبلا، فدعوت اليه النجاجرة، فنظروا اليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه البنيان ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى، فرجعت وتركت البابين مفتوحين، فلما عدوت عليها فإذا الحجر الذي من زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر ربط الدابة، فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة الا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا. الخصائص الكبرى للسيوطي 1/423ـ425. ابن كثير 5/39.
وذهب جماعة الى أن الاسراء كان بروحه في المنام، فقد كان معاوية يقول إذا سئل عن الاسراء: كانت رؤية من الله صادقة. وقالت عائشة: ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما أسري بروحه. رواهما ابن اسحاق في السيرة. سيرة ابن هشام 2/5. ولقوله تعالى:
{وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} الاسراء 60.

(1/33)


والرؤية إنما تطلق على ما كان مناما، ولظاهر في بعض الأحاديث السابقة من قوله:"بينا انا نائم"، وفي بعض الطرق"فاستيقظت وانا بالمسجد الحرام". وأجيب عن الآية بأن قوله:{ فتنة للناس} يريد أنها رؤيا عين، إذ ليس في الحلم فتنة، ولا يكذب به أحد. وقيل: إن الآية نزلت في غير قصة الاسراء وعن قوله:" بينا أنا نائم". بأن أول مجيء الملك اليه وهو نائم. فأيقظه، لا أنه استمر نائما. وأما قوله:"فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام". فالمراد به الافاقة البشرية من الغمرة الملكية، على أن شريكا رواية اضطرب فيه وساء حفظه، وزاد ونقص، وقدم وأخر وأما قول عائشة: ما فقدت جسده، فعائشة لم تكن حينئذ زوجة، بل لعلها لم تكن ولدت بعد على الخلاف في الاسراء متى كان، فإنها كانت في الهجرة بنت ثمانية أعوام، وسيأتي تاريخ الاسراء بأقواله، فإذا لم تشاهد ذلك دل على أنها حدثت به عن غيرها، فلم يرجع خبرها، مع قول أم هانئ بخلافه، على أن عائشة أنكرت أن يكون صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه، فدل على أن الاسراء كان يقظة، إذ لو كان مناما لم تنكره.
وذهب بعضهم الى أن الاسراء كان في اليقظة، والمعراج كان في المنام، ولذلك لما أخبر به قريشا كذبوه في الاسراء واستبعدوا وقوعه، ولم يتعرضوا للمعراج، ولأن الاسراء ذكر في القرآن في معرض الامتنان، فلو كان متصلا باليقظة الى الملأ الأعلى لما اقتصر على قوله الى المسجد الأقصى مع كون شأنه أعجب وأغرب.

(1/34)


وذهب بعضهم الى أن الاسراء كان في ليلة والمعراج في ليلة متمسكا في بعض الأحاديث من ترك ذكر الاسراء، ورد بأنه محمول على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، وتمسك أيضا بما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 1/213: أنه كان عليه السلام يسأل ربه أن يريه الجنة والنار، فلما كانت ليلة السبت لسبع عشر من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نائم في بيته أتاه ميكائيل وجبريل فقالا: انطلق الى ما سألت الله فانطلقا به الى ما بين المقام وزمزم فأتى بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظرا فعرجا به الى السموات. الحديث. وهذا قد ضعفوه بأبي بكر بن محمد بن أبي سبرة.
وذهب آخرون الى أن ذلك كله وقع مرتين، مرة في المنام توطئة وتمهيدا وتسهيلا عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل أمر النبوة ومرة ثانية في اليقظة، قالوا: وبذلك يجمع بين الأحاديث، ممن اختار هذا القول أبو نصر القشيري، وابن العربي والسهيلي.
وجوز بعض أصحاب هذا القول أن تكون القصة في المنام وقعت قبل البعث لأجل ما في رواية شريك، وذلك قبل أن يوحى اليه.
وقيل: إن الاسراء وقع مرتين: مرة على انفراده، ومرة مضموما اليه المعراج، وكلاهما في اليقظة، والمعراج أيضا وقع مرتين مرة وقع في المنام ومرة وقع على انفراده توطئة، ومرة في اليقظة مضموما اليه الاسراء.
وذهب الامام أبو شامة الى وقوع المعراج مرارا واستند الى حديث أنس الذي أخرجه البزار السابق.
قال شيخ الاسلام ابن حجر:
وتعدد مقل تلك القصة التي فيه لا تستبعد وإنما المستبعد وقوع التعدد الذي في قصة المعراج التي وقع فيها سؤاله عن كل مبي، وسؤال أهل كل باب وسماء: هل بعث اليه؟ وفرض الصلوات، وغير ذلك، فإن تعدد ذلك في اليقظة لا يتجه، ولا يبعد وقوع ذلك كله في المنام توطئة، ثم في اليقظة على وفقه.
قال شيخ الاسلام عزالدين بن عبدالسلام:

(1/35)


كان الإسراء في النوم واليقظة وقع بمكة والمدينة: قال شيخ الاسلام ابن حجر: وهو غريب إلا أن يريد تخصيص المدينة بالنوم ويكون في كلامه لف ونشر وغير مرتب، ويكون الاسراء الذي اتصل به المعراج وفرضت فيه الصلاة في اليقظة بمكة، والآخر في المنام بالمدينة. قال: وينبغي أن يزاد ان الاسراء في المنام تكرر في المدينة، انتهى. فتح الباري 7/198.
تاريخ
الاسراء والمعراج
الفصل الثالث
في تاريخه
وهو قسمان: الأول الزماني.
فقيل قبل البعثة، وهو شاذ، وسبق تأويله. ولعل قائله تمسك بحديث الطبراني السابق فإنه صرح فيه أنه قبل ولادة فاطمة، وهي ولدت قبل النبوة بسبع سنين وشيء، لكن الحديث ضعيف، والأكثر أنه بعدها ثم اختلف.
فقيل: قبل الهجرة بسنة: قاله ابن مسعود، وجزم به النووي وقيل: قبلها بثمانية أشهر، حكاه ابن الجوزي.
وقيل: بستة أشهر، حكاه أبو الربيع بن سالم.
وقيل: بأحد عشر شهرا، قاله ابراهيم الحربي، ورجحه الى ابن المنير.
وقيل: بخمسة عشر شهرا، حكاه ابن فارس.
وقيل: بسبعة عشر شهرا، قاله السدي.
وقيل: بثمانية عشر، حكاه ابن عبدالبر.
وقيل: بعشرين.
وقيل: بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير.
وقال الزهري: بخمس، حكاه عنه القاضي عياض، ورجحه بالاتفاق على أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، وأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث أو خمس ولا خلاف أن فرضها ليلة الاسراء، وأجيب بأن الصلاة التي صلتها معه هي التي كانت أول البعثة لركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.
وقيل: كان بعد البعثة بخمس سنين.
وقيل: بخمسة عشر شهرا.
وقيل: بعام وتصف وأما الشهر الذيكان فيه فالذي رجحه ابن المنير على قوله في السنة ربيع الآخر، وجزم به النووي في شرح مسلم،
وعلى القول الأول في ربيع الأول، وجزم به النووي في فتاويه.
وقيل: في رجب وجزم به في الروضة.
وقال الواقدي: في رمضان.
والماوردي في شوال، لكن المشهور أنه في رجب

(1/36)


وأما تعيين تلك الليلة من الشهر فعينها ابن سعد ليلة السبت لسبع عشر من رمضان
وقال ابن المنير كالحربي: أنها ليلة سبع وعشرين من ربيع الاخر، وبذلك رجح القول بأنه في ربيع الاخر قبل الهجرة بأحد عشر شهرا لأنه احاط بتفصيل القضية وحررها بخلاف غيره.
قال ـ أعني ابن المنير:
"ويمكن أن يعين اليوم الذي أسفرت عنه هذه الليلة، ويكون يوم الاثنين استقراء من تاريخ الهجرة فإنها على الأصح كانت يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وإذا كان الثاني عشر يوم الاثنين. فأوله الخميس قطعا، وإذا كان أوله الخميس فأول ربيع الأول من السنة التي قبلها وهي التي فيها الاسراء أي على ما رجحه إما السبت أو الأحد أو الاثنين، لأن كل يومين متقابلين من سنتين متواليتين بينهما ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ولهذا تكون الوقفة من كل سنة خامس يوم من التي قبلها أو سادسه أو سابعه، وأعدل الاحتمالات الأول، فالجمعة تعقبها الثلاثاء، والاثنين تعقبها الجمعة، وقد يكون بخلاف ذلك بحسب توالي التمام والنقصان في الشهور فتبنى على الأقل الأغلب فيكون أول ربيع الأول من سنة الاسراء الاثنين ويكون أول ربيع الآخر وهو شهر الاسراء الأربعاء بفرض ربيع الأول تماما، وحينئذ فالسابع والعشرون منه الاثنين، وهو اليوم الذي أسفرت ليلة الاسراء عنه إن شاء الله، وحينئذ يوافق كون مولده يوم الاثنين (ومبعثه يوم الاثنين.وكذا هجرته ووفاته، فإن هذه الخمسة أطوار الانتقالات النبوية) واتفق على أربعة منها أنها يوم الاثنين، فيقرب جدا في الخامس أن يكون اسوتها وتكون يوم الاثنين في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كيوم الجمعة في حق آدم عليه السلام، فإنه فيه خلق، وفيه نزل الى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه مات. هذا كلام ابن المنير، ثم قال:

(1/37)


" وقد رود أنها كانت ليلة "الجمعة" وهذا نقل محض يحتاج الى الصحة وهو لائق بالاسراء لأجل فضيلة الجمعة قلت: لكن فيه وقفة، فإنه صح أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أول يوم بعد الاسراء الظهر ولو كان الجمعة لم يكن فرضها الظهر، إلا أنه يحتمل أن تكون الجمعة لم تفرض بعد، ويبعد هذا الاحتمال أن الجمعة أقيمت بالمدينة قبل الهجرة أقامها أسعد بن زرارة والاسراء على هذا القول قريب من الهجرة فيبعد أن تكون الجمعة لم تفرض حينئذ فشا وكثر المسلمون. فلا يقال لعل عدد الجمعة لم يكن موجودا، والله أعلم".
وأما التاريخ المكاني: فباعتبار البلد، المشهور أنه بمكة، ومن قال بالمدينة فمحمول على التعدد والمنام وباعتبار المكان الخاص، فيؤخذ مما تقدم في الأحاديث من أقوال:
فقيل: في المسجد.
وقيل: بين المقام وزمزم.
وقيل: في الحجر.
وقيل: في بيته.
وقيل: في بيت أم هانئ.
وفي الشفاء: ما يؤخذ منه أنه كان في بيت خديجة.
وقيل: في شعب أبي طالب، رواه الواقدي.
النكت والفوائد
المتعلقة به
الفصل الرابع
في نكته
وهي كثيرة، والذي اخترنا منها هنا عشرون نكتة:
الأولى: تكلم الناس في الحكمة في الاسراء به أولا الى بيت المقدس قبل المعراج فقيل: ليحصل العروج مستويا من غير تعريج لما روى عن كعب الحبار ان باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، قال: وهو أقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلا.
وثيل: ليجمع تلك الليلة بين القبلتين.
وثيل: لأن بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله فحصل له الرحيل اليه في الجملة ليجمع بين أشتات الفضائل.
وقيل: لأنه محل الحشر وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية فكان المعراج منه أليق.
وقيل: للتفاؤل بحصول أنواع التقديس له حسا ومعنى.

(1/38)


وقيل: لإرادة إظهار الحق على من عاند، لأنه لو عرج به من مكة الى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلا الى البيان والايضاح، فلما ذكر عليه الصلاة والسلام أنه أسري به الى بيت المقدس، سالوه عن جزئيات بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخذهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الاسراء الى بيت المقدس في ليلة، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره.
الثانية: استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الاسراء: وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، كما قال أحمد: حدثني حيوة ويزيد بن عبد ربه، قالا: حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السملى، أنه حدثهم، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال:
" كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادا فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند امنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طيران أبيضان، كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهذا هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني الى القفا، فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين. فقال أحدهما لصاحبه (قال يزيد في حديثه): ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة.. الحديث" وقال ابن دحية في معراجه وابن المنير وغيرهما: الصحيح أن شق الصدر مرتان.
قال شيخ الاسلام ابن حجر: بل ثلاث مرات، فقد ثبت أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل حكمة.
فالأول كان في زمن الطفولية، لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ثم عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى اليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير:
ثم عند الاسراء ليتأهب للمناجاة.
قال ـ أعني شيخ الاسلام:

(1/39)


ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة لحصول المرة الثالثة كما هي في شرعه صلى الله عليه وسلم في الطهارة.
قلت: وهذه الحكمة من أعظم الحكم وألطفها وأدقها، وحقها أن تكتب بماء الذهب على صفحات القلوب لارتفاع محلها.
ثم قال شيخ الاسلام:
وهذا الذي ذكر من شق الصدر واستخراج القلب مما يجب التسليم له، ولا يصرف عنه حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك.
قلت:والأمر كذلك ويؤيده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره الشريف، وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحمله على الأمر المعنوي وإلزام قائله القول بقلب الحقائق الممتنع، فهو جهل صريح، وخطأ قبيح، نشأ من خذلان الله تعالى لهم، وعكوفهم على العلوم الفلسفية وعدم إحاطتهم بالقدرة الربانية، وبعدهم عن دقائق السنة، عافانا الله من ذلك.
قال ابن المنير:
وشق الصدر له صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصبره عليه من جنس ما ابتلي به الذبيح وصبر عليه، بل هذا أشق وأجل لأن تلك معاريض وهذه حقيقة، وأيضا فقد تكرر ووقع له وهو رضيع يتيم بعيد عن أهله عليه الصلاة والسلام، وقد اختلف هل كان شق الصدر وغسله مخصوصا به أو مقع لغيره من الأنبياء.
الثالثة: الحكمة في انفراج سقف بيته الاشارة الى ما سيقع من شق صدره وأنه سيلتئم بلا معالجة.
الرابعة: الحكمة في اختصاص الطست أنه أشهر آلات الغسل عرفا. والذهب لأنه أغلى أنواع الأواني وأصفاها، ولأن فيه خواص ليست في غيره منها أنه من أواني الجنة، وأنه لا تأكله النار ولا التراب ولا يصدأ، وأنه أثقل الجواهر فناسب ثقل الوحي.
وقال السهيل وابن دحية:
إن نظر الى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه، ولكونه وقع عند الذهاب الى ربه وإن نظر الى معناه فلوضائته ونقائه وصفائه ولثقله والوحي ثقيل وأما تحريم استعماله فهو مخصوص بأحوال الدنيا وذلك كان من أحوال الغيب فيلتق بأمور الآخرة.

(1/40)


الخامسة: قال ابن المنير: إنما كان الاسراء ليلا لأنه وقت الخلوة والاختصاص عرفا، ولأن وقت الصلاة التي كانت مفروضة عليه في قوله تعالى:{ قم الليل} من المزمل 2.
وليكون أبلغ للمؤمن في الايمان بالغيب وفتنة للكافر ولأن الليل محل الاجتماع بالأحباب قال ابن دحية: ولإبطال قول الفلاسفة: إن الظلمة من شأنها الاهانة والشر، وكيف يقولون ذلك مع أن الله تعالى أكرم أقواما في الليل بأنواع الكرامات كقوله في قصة ابراهيم:
{ فلما جن عليه الليل} من الأنعام 76
وفي لوط: { فأسر بأهلك بقطع من الليل}من هود 81.
وفي موسى:{ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} من الأعراف 142.
وناجاه ليلا وأمره بإخراج قومه ليلا في قوله:
{فأسر بعبادي ليلا} من الدخان 23.
واستجاب دعاء يعقوب فيه وهو المراد في قوله:
{سوف أستغفر لكم ربي} من يوسف 98.
قال المفسرون: أخره الى وقت السحر من يوم الجمعة وأظهر منه انشقاق القمر آية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإيمان الجن به وتبليغه إياهم الوحي كان ليلا مع تفصيل الليل بسبقه النهار أي تقدمه في الخلق والابتداء به في جمع آي القرآن وسبق الليلة يومها الا عرفها وفيه ساعة الاجابة وهي في كل الليالي بخلاف الأيام فهي منها في الجمعة فقط، وفي الليالي ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر وليس في الأيام يوم كألف شهر فضلا عن أن يكون خيرا منها وأطيب السمر ليلا لخلو الفكر فيه وألذ الوصال ليلا بل هو وقته لقوله تعالى:
{وهو الذي جعل لكم الليل لباسا} من الفرقان 47.
وإشراق القمر فيه بخلاف النهار.
السادسة: قال ابن المنير: كانت كرامته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المناجاة على سبيل المفاجأة كما أشار اليه بقوله : بينا انا، وفي حق موسى عن ميعاد واستعداد، فحمل عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألم الانتظار.

(1/41)


السابعة: قال أيضا:يؤخذ من وقيل:{أسرى بعبده} ما لا يؤخذ أن لو قيل: بعث الى عبده، لأن الباء تفيد المصاحبة أي صحبه في مسراه بالإلطاف والعناية والاسعاف.
الثامنة: قال ابن دحية: المعراج سلم من زمردة خضراء.
وقال شيخ الاسلام ابن حجر:
روى كعب أنه مرقاة من فضة، ومرقاة من ذهب. وروى ابن سعد أنه منضد باللؤلؤ.
التاسعة:
سبق في الأحاديث اختلاف في أنه صلى ببيت المقدس بالأنبياء قبل العروج أو بعده، وأن ان كثير صححه انه بعده، وصحح القاضي عياض وغيره أنه قبله.
ويحتمل أنه كان بالأرواح خاصة أو بها مع أجسادها وأما رؤيته لهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم وأنها تشكلت بصورة أجسادهم إلا عيسى عليه السلام لأنه رفع بجسده، وكذلك إدريس أيضا أو أحضرت أجسادهم لملاقاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشريفا وتكريما.
العاشرة: وقع اختلاف أيضا في تقديم الأواني له هل هو قبل العروج أو بعده قال ابن كثير وغيره: ولعله قدمت له مرتين لأنها ضيافة له صلى الله عليه وآله وسلم والضيافة من الكريم تكون أكثر من آنين خصوصا لمن يحب.
الحادية عشر: الصحيح الذي تقرر من الأحاديث الصحيحة أن العروج كان في المعراج لا على البراق، وتمسك بعضهم ببعض الروايات السابقة فقال: إنه عرج عليه فبلغ السماوات السبع في سبع خطوات لأنه يضع حافره عند منتهى طرفه.
الثانية عشر: قال ابن المنير:
ذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف يكون بحر الآض بالنسبة اليه كالقطرة من البحر المحيط فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. حتى جاوزه فهو أعظم من انفلاق البحر لموسى عليه الصلاة والسلام.

(1/42)


الثالثة عشر: استفتاح جبريل أبواب السماء لأنها كانت مغلقة وإنما لم تهيأ له بالفتح قبل مجيئه. وإن كان أبلغ في الاكرام ـ لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها لا تزال كذلك. ففعل ذلك ليعلم أن ذلك لأجله تشريفا، ولأن الله أراد أن يطلعه على كونه معروفا عند أهل السماوات أيضا، لأنه قيل لجبريل لما قال محمد: أبعث اليه؟ ولم يقل: ومن محمد؟ مثلا.
الرابعة عشر: قول الخازن أبعث اليه؟ ليس استفهاما عن أصل البعث لأنه مشهور في الملكوت الأعلى بل البعث للمعراج.
قال شيخ الاسلام ابن حجر:
وفي قوله لجبريل: ومن معك؟ دليل على أنه أشعر بأن معه رفيقا وإلا لقال: أمعك أحد وذلك إما بمشاهدة لكون السماء سفاقة، أو بأمر معنوي كزيادة أنوار أو نحوها تشعر بتجديد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة.
الخامسة عشر: الأضبط في الروايات في محل الأنبياء:
أن آدم في السماء الأولى.
ويحيى وعيسى في الثانية
ويوسف في الثالثة.
وإدريس في الرابعة.
وهارون في الخامسة.
وموسى في السادسة.
وإبراهيم في السابعة.
واختلف في الحكمة في اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه فيها.
فقيل: لا حكمة، وإنما أمروا بملاقاته فمنهم من سبق ومنهم من لحق.
وقيل: بل للإشارة الى تفاصيل درجاتهم.
وقيل: الحكمة في الاقتصار على المذكورين الإشارة الى ما سيقع له صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم.
فأما آدم: فوقع التنبيه لما وقع له من الخروج من الجنة الى الأرض، بما سيقع له صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الهجرة الى المدينة، والجامع بينهما ما حصل من المشقة وكراهة مألفه من الوطن ثم كان عاقبة كل منهما أن رجع الى وطنه الذي أخرج منه.
وبعيسى ويحيى: على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود وتمالؤهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء اليه.

(1/43)


وبيوسف: على ما وقع له من اخوته من قريش من نصبهم الحرب له وإرادتهم هلاكه. وكانت العاقبة له، وقد أشار الى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح أقوال كما قال أخي يوسف:
{لا تثريب عليكم} من يوسف 92.
وبإدريس: على رفع منزلته عند الله.
وبهارون: على أن قومه رجعوا الى محبته بعد أن آذوه.
وبموسى: على ما وقع له من معالجة قومه وقد أشار الى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام:" لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر".
وبإبراهيم: في استناده الى البيت المعمور بما ختم له صلى الله عليه وعلى آله وسلم في آخر عمره من إقامة منسك الحج وتعظيم البيت ذكر ذلك السهيلي واستحسنه شيخ الاسلام ابن حجر.
وقد ذكر في مناسبة لقاء ابراهيم في السابعة معنى لطيف آخر، وهو ما اتفق له صلى الله عليه وعلى آله وسلم من دخول مكة في السنة السابعة وطوافه بالبيت ولم يتفق له الوصول اليها بعد الهجرة قبل هذه بل قصدها في السادسة فصد عن ذلك.
وقال ابن أبي حمزة:
الحكمة في كون آدم في الأولى أنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو أصل فكان أولا في الآباء، ولجل تأنيس النبوة بالأبوة وعيسى في الثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدا من محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويليه يوسف لأن أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدخلون الجنة على صورته، وإدريس قيل: لأنه أول من قاتل للدين فلعل المناسبة فيها الاذن للنبي عليه الصلاة والسلام بالمقاتلة ورفعه بالمعراج لقوله تعالى:{ ورفعناه مكانا عليا} والرابعة من السبع وسط معتدل وهارون لقربه من أخيه موسى وموسى أرفع منه لفضل كلام الله، وإبراهيم لأنه الأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبي بلقياه أنس لتوجهه بعده الى عالم آخر وأيضا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل ومنزلة الحبيب أرفع، فلذلك ارتفع عنه الى قاب قوسين أو أدنى.
السادسة عشرة: قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بالصالح وتواردوا عليها لأن الصلاح تشمل خلال الخير ولذا كررها كل منهم عند كل صفه.

(1/44)


السابعة عشرة: قال العلماء: لم يكن بكاء موسى وقوله ما قال حسدا معاذ الله فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين فكيف لمن اصطفاه الله، بل أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لنقص أجورهم المستلزمة لتقص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر من تبعه، ولهذا كان من اتبعه دون عدد من اتبع نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع طول مدتهم.
واما قوله: غلام. فهو على سبيل التنويه بعظمة الله وقدرته وعظيم كرمه إذ أعطى من كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو أسن منه لا على سبيل التنقيص. قال الخطابي: والعرب تسمي الرجل المستجمع غلاما ما دامت فيه بقية من القوة، قال شيخ الاسلام ابن حجر: ويظهر لي ان موسى عليه السلام أشار الى ما أنعم الله به على نبينا عليه الصلاة والسلام من استمرار القوة في الكهولة الى أن دخل في أول سن الشيخوخة، ولم يدخل في بدنه هرم، ولا اعترى قوته نقص حتى أن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ مع كونه في العمر أسن منه.
الثامنة عشرة: قال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعته النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: في أمر الصلوات لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلوات بما لم يكلف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم فأشفق موسى على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مثل ذلك، ويشير اليه قوله: إني قد جربت الناس قبلك.
وقال شيخ الاسلام ابن حجر:
يحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظ أمته بالنسبة الى أمة محمد حتى تمنى استدراك ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء.
التاسعة عشرة: اختلف هل رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه ليلة المعراج على قولين مشهورين:
فأثبت ذلك ابن عباس وطائفة.
وأنكرته عائشة.

(1/45)


والصحيح ثبوتها:
قال أحمد:
حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
"رأيت ربي تبارك وتعالى" خرجه الامام أحمد في مسنده 4/201 وصححه شاكر برقم 2580.
وقال الطبراني:
حدثنا الهيثم بن خلف. حدثنا يزيد بن عمر بن البراء القنوي، حدثنا حفص ابن عمر العدني، حدثنا موسى بن سعد، عن ميمون العباد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نظر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الى ربه تبارك وتعالى: قال عكرمة لابن عباس: نظر محمد الى ربه؟ قال: نعم، جعل الكلام لموسى والخلة لابراهيم، والنظر لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أخرجهما الحاكم في المستدرك. 2/316ـ469.
العشرون: ذكر ابن المنير المعراج فقسمه الى عشرة معاريج بعدد سني الهجرة فذكر السبعة الى السبع سموات وذكر مناسبته للسبع الأول من الهجرة كما تقدم.
قال: والثامن المعرج الى سدرة المنتهى التي ينتهي اليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من السماء، قال: ومناسبته للثامنة من الهجرة أنها اشتملت على فتح مكة وهي أم القرى واليها المنتهى وقد غشيها أي السدرة الجراد وهو جند من جنود الله كما في الحديث، كما غشي مكة جند الله وحزبه.
والتاسع: المعراج الى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام أي صريرها في الصحف وهذه الكتابة انتساخ من الأصل القديم المقرر الذي جف القلم منه بما هو كائن ومناسبته للسنة التاسعة أن فيها غزوة تبوك فخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ثلاثين ألفا، وأعلم الناس بها ولم يور ليتأهبوا ومع هذا الاستشهاد والاستعداد لم يلق فيها حربا ولا فتح بلدا فانتسخ العزم بالقدر وجفاف القلم.

(1/46)


والعاشر: المعراج الى الرفرف وحينئذ لقي الله وسمع الخطاب وحضر حضرة الانس ومناسبته لعام العاشر أمر بين واضح لأن فيه لقاء البيت وإكمال الدين. وإتمام النعمة على المسلمين وعقبه لقاء رب البيت والانتقال الى دار البقاء والعروج بالروح الكريمة الى المقعد الصادق والوعد الحق.
والحمد لله رب العالمين حما يوافي نعمه، ويكافئ ميده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وبهذا يتم تهميشنا على "الاسراء والمعراج" وهو " الآية الكبرى بشرح قصة الاسراء" للإمام السيوطي.
{ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}
انتهى والحمد لله
12 كانون الأول 2002
8 شوال 1423
موقع مجاهد مسلم
www.geocities.com/moujahedmouslem
islammi@hotmail.com

(1/47)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية