صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد
المؤلف : محمد بن يوسف الصالحي الشامي
مصدر الكتاب : الإنترنت
http://www.yasoob.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

الباب الثاني والعشرون في غزوة الحديبية
والسبب في ذلك ما رواه الفريابي، وعبد بن حميد وابن جرير، والبيهقي عن مجاهد، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن يزيد، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: أري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، وأنه دخل البيت، وأخذ مفتاحه وعرف مع المعرفين.
قال ابن سعد، ومحمد بن عمر، وغيرهما: واستنفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب، ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش للذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت.
فأبطأ عليه كثير من الأعراب قال محمد بن عمر: وقدم عليه بسر - بضم الموحدة وسكون المهملة.
وأعجمها ابن إسحاق، وكسر الموحدة - ابن سفيان بن عمرو الخزاعي في ليال بقيت من شوال مسلما، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يا بسر لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنا إن شاء الله معتمرون)، فأقام وابتاع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنا فكان يبعث بها إلى ذي الجدر حتي حضر خروجه، فأمر بها فجلبت إلي المدينة، وسلمها إلى ناجية بن جندب الاسلمي فقدمها إلى ذي الحليفة.
واستخلف على المدينة - قال محمد بن عمر، وابن سعد -: ابن أم مكتوم.
وقال ابن هشام: ومن تبعه: نميلة - بالنون تصغير نملة - بن عبد الله الليثي، وقال البلاذري بعد أن ذكر ابن أم مكتوم ويقال: أبو رهم كلثوم بن الحصين قال: وقوم يقولون: استخلفهم جميعا وكان ابن أم مكتوم على الصلاة.
ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - روى عبد الرزاق، والامام احمد، وعبد بن حميد، والبخاري وابو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر عن معمر عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وابن اسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور - بكسر الميم وسكون السين المهملة - ابن مخرمة - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، ومروان بن الحكم: انهما حدثاه ومحمد بن عمر عن شيوخه، يزيد بعضهم على بعض - قال محمد بن عمر: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيته فاغتسل،
ولبس ثوبين من نسج صحار، وركب راحلته القصواء من عند بابه، وخرج بأم سلمة معه، وام عمارة وأم منيع أسماء بنت عمرو، وام عامر الاشهلية، وخرج بمن معه من المهاجرين والانصار، ومن لحق به من العرب لا يشكون في الفتح للرؤيا المذكورة، وليس معهم سلاح الا

(5/33)


السيوف في القرب، وساق قوم الهدي فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين لهلال ذي القعدة حتى نزل ذا الحليفة فصلى الظهر، ثم دعا بالبدن - وهي سبعون - فجللت، ثم اشعر منها عدة وهي موجهات الى القبلة في الشق الايمن، ثم أمر ناجية بن جندب فاشعر ما بقي وقلدهن نعلا نعلا، واشعر المسلمون بدنهم وقلدوها، وكان معهم مائتا فرس، وبعث - صلى الله عليه وسلم - بسر بن سفيان عينا له، وقدم عباد بن بشر طليعة في عشرين فارسا، ويقال جعل اميرهم سعد بن زيد الاشهلي (1).
ذكر إحرامه - صلى الله عليه وسلم - ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، وركب من باب المسجد بذي الحليفة، فلما انبعثت به راحلته مستقبلة القبلة أحرم بالعمرة، ليامن الناس حربه، وليعلم الناس إنه إنما خرج زائرا لهذا البيت، ومعظما له.
ولفظ تلبية " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك ".
واحرم غالب أصحابه، وام المؤمنين أم سلمة باحرامه، ومنهم من لم يحرم إلا " بالجحفة " وسلك طريق البيداء ومر فيما بين مكة والمدينة بالاعراب من بني بكر، ومزينة، وجهينة فاستنفرهم، فتشاغلوا باموالهم، وقالوا فيما بينهم: يريد محمد يغزو بنا الى قوم معدين في الكراع والسلاح، وانما محمد، واصحابه اكلة جزور، لن يرجع محمد واصحابه من سفرهم هذا أبدا، قوم لا سلاح معهم ولا عدد.
ثم قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناجية بن جندب بالهدي مع فتيان من اسلم، ومعهم هدي المسلمين، ولقى طائفة من بني نهد فدعاهم الى الاسلام فابوا، واهدوا له لبنا من نعمهم، فقال: " لا أقبل هدية مشرك " فابتاعه المسلمون منهم، وابتاعوا منهم ثلاثة اضب فاكل قوم احلة
وسال المحرمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها فقال: " كلوا فكل صيد البر لكم حلال في الاحرام تأكلونه إلا ما صدتم أو صيد لكم ".
وعطب من ناجية بن جندب بعير من الهدي، فجاء بالابواء الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واخبره، فقال: " انحره واصبغ قلائده في دمه، ولا تأكل انت ولا احد من اهل رفقتك منه، وخل بين الناس وبينه " (2).
ذكر حديث أبي قتادة والصعب بن جثامة وبعض من اهدى له روى الامام مالك والستة عن أبي قتادة رضي الله عنه - قال: كنت يوما جالسا مع رجال من اصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - امامنا، والقوم محرمون وانا غير محرم عام الحديبية، فابصروا حمارا
__________
(1) أخرجه البخاري 7 / 509 (4157، 4158).
(2) أخرجه أحمد في المسند 4 / 187.
(*)

(5/34)


وحشيا - وانا مشغول اخصف نعلي - فلم يؤذنوني، واحبوا لو اني أبصرته، وفي رواية فرايت أصحابي يتراءون شيئا، وفي رواية: يضحك بعضهم الى بعض، فنطرت فإذا حمار وحشي فقمت الى فرسي فاسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، قالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت فنزلت فاخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات فوقعوا فيه ياكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضد معي، فادركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألناه عن ذلك فقال لهم: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه أو اشار إليه ؟ قالوا: لا، فقال: " كلوا ما بقي من لحمه إنما هي طعمة اطعمكموها الله، هو حلال، هل معكم منه شئ ؟ فقلت نعم، فناولته العضد فاكلها وهو محرم (1).
وروى الامام مالك والشيخان والترمذي والنسائي عن الصعب بن جثامة - رضي الله عنه - أنه أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا وهو بالابواء أو بودان فرده عليه، فلما راى ما في وجهه قال: انا لم نرده عليك الا انا حرم (2).
واهدى له ايماء بن رحضة الغفاري مع ابنه خفاف بن ايماء - رضي الله عنه - مائة شاة
وبعيرين يحملان لبنا، فقال: " بارك الله فيكم " وفرق ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واهدى له بعض الاعراب من ودان معيشا وعترا وضغابيس (3) فجعل ياكل الضغابيس والعتر واعجبه، وادخل على أم سلمة منه، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه هذه الهدية، ويري اصحابه انها طريفة.
ذكر امره كعب بن عجرة بحلق راسه لعذر روي الامام احمد، وعبد بن حميد، والشيخان والترمذي، وابن جرير، والطبراني عن كعب بن عجرة (4) - رضي الله تعالى عنه - قال: " كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ونحن محرمون - قد حصرنا المشركون، وكانت لي وقرة فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أيؤذيك هوام رأسك " ؟ قلت: نعم، قال: " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا " ! ! فأمرني أن احلق، وانزل الله - تعالى - هذه الاية: (فمن كان منكم مريضا أو به اذى من راسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) [ البقرة 96 ] فقال رسول الله
__________
(1) البخاري 4 / 29 (1824) ومسلم 2 / 854 (60 / 1196).
(2) أخرجه البخاري 4 / 31 (1825) (2573)، ومسلم 2 / 850 (1193 50).
(3) الضغاييس جمع ضغيوس وهو صغار القثاء، أنظر ترتيب القاموس 3 / 28.
(4) كعب بن عجرة بن امية بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف ابن غنم بن سواد بن مرة بن أرشة بن عامر بن عبيلة بن قسيل بن فران بن بلي بن عمرو ابن الحارث بن قضاعة القضاعي البلوي حليف القواقل أبو محمد المدني.
روى سبعة واربعين حديثا اتفقا على حديثين، وانفرد (م) بمثلهما.
وعنه بنوه محمد، واسحاق، وعبد الملك.
قال خليفة: مات سنة احدى وخمسين.
الخلاصة 2 / 365، 366.
(*)

(5/35)


- صلى الله عليه وسلم -: " صم ثلاثة ايام، أو تصدق بفرق بين ستة مساكين أو انسك ما تيسر لك ".
ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وآله - الجحفة أمر بشجرة فقم ما تحتها، فخطب الناس فقال: " إني كائن لكم فرطا، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه " - صلى الله عليه وسلم - (1)
ذكر بلوغ خبر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى المشركين روي الخرائطي في الهواتف عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: لما توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد مكة عام الحديبية، قدم عليه بشر - بكسر الموحدة والمعجمة - بن سفيان العتكي، فقال له: " يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري ؟ " فقال بابي أنت وامي يا رسول الله اني لاطوف بالبيت في ليلة كذا وقريش في انديتها، إذ صرخ صارخ من أعلى جبل أبي قبيس - ليلة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم بالمسير بصوت اسمع اهل مكة: هيوا لصاحبكم مثلي صحابته * سيروا إليه وكونوا معشرا كرما بعد الطواف وبعد السعي في مهل * وأن يحوزهم من مكة الحرما شاهت وجوهكم من معشر تكل * لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما فارتجت مكة، واجتمع المشركون، وتعاقدوا ألا يدخل عليهم بمكة في عامهم هذا، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (هذا الهاتف سلفع.
شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله - تعالى - إن شاء الله عز وجل) فبينما هم كذلك إذ سمعوا من أعلى الجبل صوتا وهو يقول: شاهت وجوه رجال حالفوا صنما * وخاب سعيهم ما قصر الهمما إني قتلت عدوالله سلفعة * شيطان أوثانكم سحقا لمن ظلما وقد أتاكم رسول الله في نفر * وكلهم محرم لا يسفكون دما قالوا: ولما بلغ المشركين خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راعهم ذلك فاجتمعوا وتشاوروا فقالوا: أيريد محمد أن يدخلها علينا في جنوده معتمرا فتسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا ؟ ! والله لا كان هذا أبدا ومنا عين تطرف.
ثم قدموا خالد بن الوليد في مائتي فارس إلى كراع الغميم، واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش، وأجلبت ثقيف معهم وخرجوا إلى بلدح، وضربوا بها القباب والأبنية، ومعهم النساء والصبيان، فعسكروا هناك، وأجمعوا على منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من دخول مكة ومحاربته، ووضعوا العيون على الجبال، وهم عشرة أنفس يوحي بعضهم إلى بعض الصوت الخفي فعل
__________
(1) أخرجه البخاري 4 / 12 (1814، 1815)، ومسلم 2 / 861 (83 / 1201).
(*)

(5/36)


محمد كذا وكذا، حتى ينتهي إلى قريش ببلدح ورجع بشر بن سفيان (1) الذي بعثه عينا له من مكة وقد علم خبر مكة والقوم، فلقي رسل الله - صلى الله عليه وسلم - بغدير الاشطاط (2) وراء عسفان فقال: يا رسول الله ! ! هذه قريش سمعت بمسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدمها إلى كراع الغميم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش ؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهره الله - تعالى - أو تنفرد هذه السالفة).
ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - وصلاته صلاة الخوف ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد: يا معشر المسلمين أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذرارى هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم) وقال: (فإن قعدوا موتورين محروبين وإن يأتونا تكن عنقا.
وفي لفظ: عينا - قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟) فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: الله ورسوله أعلم، يا رسول الله إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ونرى أن نمضي لوجهنا، فمن صدنا عن البيت قاتلناه، ووافقه على ذلك أسيد بن الحضير.
وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه ومحمد بن عمر عن شيوخه.
أن المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - قال بعد كلام أبي بكر: إنا والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون) انتهى.
__________
(1) (بشر) بن سفيان العتكي..ذكر الخرائطي في الهواتف من طريق عبد الله بن العلاء عن الزهري عن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن ابن عباس قال لما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد مكة في عام الحديبية قدم عليه بشر بن سفيان العتكي فسلم عليه فقال له يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنه لأطوف بالبيت في ليلة كذا وسمي الليلة التي أنشؤا لها السفر وقريش في أنديتها إذ صرخ صارخ في أعلى أبي قبيس بصوت أسمع قاصيهم ودانيم يقول سيروا فصاحبكم قد سار نحوكم * سيروا إليه وكونوا معشرا كرما فذكر أبياتا فارتجت مكة واجتمعوا عند الكعبة فتحالفوا وتعاقدوا أن لا تدخلها عليهم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله ثم ذكر إرساله إلى مكة يتجسس أخبارهم وذكر بقية القصة، الإصابة 1 / 156.
(2) غدير الأشطاط: اسم موضع قريب من عسفان، انظر مراصد الإطلاع 1 / 81.
(*)

(5/37)


فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فسيروا على اسم الله).
ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه به فصف خيله فيما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة - فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عباد بن بشر - رضي الله عنه - فتقدم في خيله، فقام بإزائه، فصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر، فأذن بلال، وأقام، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم القبلة - وصف الناس خلفه، فركع بهم ركعة وسجد، ثم سلم، فقاموا على ما كانوا عليه من التعبئة.
فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم ولكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم، فنزل جبريل بين الظهر والعصر بهذه الآية: (وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ولياخذوا اسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتات طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك ولياخذوا حذرهم واسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم اذى من مطر أو كنتم مرضى إن تضعوا اسلحتكم وخذوا حذركم أن الله اعد للكافرين عذابا مهينا) [ النساء 102 ] فحانت صلاة
العصر، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، وستاتى كيفيتها في أبواب صلواته - صلى الله عليه وسلم.
ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى الحديبية من غير طريق خالد بن الوليد وما وقع في ذلك من الايات روى البزار بسند رجاله ثقات عن ابى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - مختصرا، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: لما امسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " تيامنوا في هذا العصل وفي رواية اسلكوا ذات اليمين بين ظهور الحمض، فان خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة " كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقاه وكان بهم رحيما، فقال: " تيامنوا فايكم يعرف " ثنية ذات الحنظل " ؟ فقال بريدة بن الحصيب: بحاء مضمومة فصاد مفتوحة مهملتين فتحتية فموحدة مهملتين فتحتية - الاسلمي: انا يا رسول الله عالم بها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اسلك امامنا " فاخذ بريدة في العصل - قبل جبال سراوع قبل المغرب، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، فسلك بريدة بهم طريقا وعرا اجرل (1) بين شعاب، وسار قليلا تنكبه الحجارة وتعلقه الشجر، وصار حتى كانه لم يعرفهما قط.
قال: فوالله انى كنت اسلكها في الجمعة مرارا، فنزل حمزة بن عمرو الاسلمي، فسار بهم قليلا، ثم سقط في خمر الشجر فلا يدرى اين يتوجه، فنزل عمرو بن عبدنهم الاسلمي فانطلق
__________
(1) اجرل: الجرل الحجارة وقيل الشجر مع الحجارة، انظر لسان العرب 1 / 603.
(*)

(5/38)


أمامهم حتى نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الثنية، فقال: هذه ثنية ذات الحنظل ؟) فقال عمرو: نعم يا رسول الله، فلما وقف به على رأسها تحدر به، قال عمرو: فوالله إن كان لتهمني نفسي وحدها إنما كانت مثل الشراك فاستعت لي حين برزت، فكانت فجاجا لا جبة ولقد كان الناس تلك الليلة يسيرون جميعا معطفين من سعتها يتحدثون، وأضاءت تلك الليلة حتى كانا في قمر (1) وروى مسلم عن جابر مختصرا، وأبو نعيم عن أبي سعيد، وابن إسحاق عن الزهري،
ومحمد بن عمر عن شيوخه.
قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان سرنا من آخر الليل حتى أقبلنا على (عقبة ذات الحنظل) قال جابر: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من يصعد ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل، فكان أول من صعد خيل من الخزرج ثم تبادر الناس بعد.
وقال أبو سعيد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مثل هذه الثنية الليلة كمثل الباب الذي قال الله تعالى لبنى اسرائيل (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم) [ البقرة 58 ] وقال ابن إسحاق: إن المسلمين لما أن خرجوا من الارض الصعبة وأفضوا إلى أرض سهلة، قال رسول الله - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قولوا نستغفر الله ونتوب إليه ".
فقالوا ذلك، فقال: " والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها " قال أبو سعيد: ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يجوز هذه الثنية الليلة أحد إلا غفر له " فلما هبطنا نزلنا فقلت يا رسول الله نخشى أن ترى قريش نيراننا، فقال: لن يروكم، فلما أصبحنا صلى بنا صلاة الصبح، ثم قال: " والذى نفسي بيده لقد غفر للركب أجمعين إلا رويكبا واحدا على جمل أحمر التقت عليه رحال القوم ليس منهم، وقال جابر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر ".
قال أبو سعيد: فطلب في العسكر فإذا هو عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، والرجل من بني ضمرة من أهل سيف البحر يظن أنه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل لسعيد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: كذا وكذا، فقال له سعيد: ويحك ! ! اذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم يستغفر لك (2).
وقال جابر: فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: والله لان أجد ضالتي أحب ألى من أن يستغفر لي صاحبكم.
وقال أبو سعيد: فقال بعيري والله أهم من أن يستغفر
__________
(1) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 4 / 165.
(2) مسلم في صفات المنافقين رقم (12) والبيهقي في دلائل النبوة 4 / 109 وذكر ابن كثير في التفسير 7 / 318 وصاحب الجمل المنافق الجد بن قيس.
(*)

(5/39)


لي، إذا هو قد أضل بعيرا له، فانطلق يطلب بعيرة بعد أن استبرا العسكر وطلبه فيهم، فبينا هو في جبال سراوع إذ زلقت به نعله فتردى فمات، فما علم به حتى أكلته السباع، قال أبو سعيد: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: " سيأتيكم أهل اليمن - كأنهم قطع السحاب.
هم خير أهل الارض.
ذكر نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية وما وقع في ذلك من الآيات قال مسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم سار فلما دنا من الحديبية وقعت يدا راحلته على ثنية تهبط في غائط القوم، فبركت به راحلته، فقال، وفي رواية: فقال الناس " حل حل " فأبت أن تنبعث وألحت، فقال المسلمون: خلأت القصواء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " ما خلأت القصواء وما ذاك لها بعادة، وفي لفظ: بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة " ثم قال: " والذي نفس محمد بيده لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمات الله تعالى الا اعطيتهم اياها " ثم زجرها فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه.
وفي رواية فعدل عنهم حتى نزل باقصى الحديبية على ثمد (1) من ثماد الحديبية ظنون (2) قليل الماء يتبرض (3) الناس ماءه تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، فاشتكى الناس الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلة الماء، وفي لفظ " العطش " فانتزع سهما من كنانته فامر به فغرز في الماء فجاشت بالرواء حتى صدروا عنها بعطن (4) قال المسور: وانهم ليغترفون بانيتهم جلوسا على شفير البئر.
قال محمد بن عمر: والذي نزل بالسهم ناجية بن الاعجم - رجل من اسلم، ويقال: ناجية بن جندب وهو سائق بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد روى أن جارية من الانصار قالت لناجية وهو في القليب: يا ايها الماتح دلوي دونكا * اني رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجدونكا
فقال ناجية وهو في القليب: قد علمت جارية يمانيه * أني انا الماتح واسمي ناجيه
__________
(1) ثمد الماء ثمدا: قل، انظر المعجم الوسيط 1 / 100.
(2) الظنون: البئر لا يدري فيها ماء أم لا، انظر الصحاح 6 / 2160.
(3) تبرض: يقال: يتبرض الماء من العين إذا خرج وهو قليل، انظر الصحاح 3 / 1066.
(4) العطن: مبرك الابل، انظر المعجم الوسيط 2 / 615.
(*)

(5/40)


وطعنة ذات رشاش واهيه * طعنتها تحت صدور العاديه قال محمد بن عمر: حدثني الهيثم بن واقد عن عطاء بن مروان عن ابيه قال: حدثني أربعة عشر رجلا ممن اسلم من اصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ناجية بن الاعجم، يقول: دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين شكي إليه قلة الماء فاخرج سهما من كنانته، ودفعه الي، ودعا بدلو من ماء البئر فجئته به، فتوضأ فمضمض فاه، ثم مج في الدلو - والناس في حر شديد - وانما هي بئر واحدة قد سبق المشركون الى بلدح فغلبوا على مياهه فقال: " انزل بالدلو فصبها في البئر واثر ماءها بالسهم " ففعلت، فوالذي بعثه بالحق ما كدت اخرج حتى يغمرني وفارت كما تفور القدر، حتى طمت واستوت بشفيرها، يغترفون من جانبها حتى نهلوا من اخرهم.
وعلى الماء يومئذ نفر من المنافقين، منهم عبد الله بن أبي، فال اوس بن خولى: ويحك يا ابا الحباب ! ! اما ان لك أن تبصر ما انت عليه ؟ أبعد هذا شئ ؟ فقال: اني قد رايت مثل هذا.
فقال أوس: قبحك الله وقبح رايك فاقبل ابن أبي يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال " يا أبا الحباب: انى رايت مثلما رايت اليوم " ؟ فقال: ما رايت مثله قط.
قال: " فلم قلته " ؟ فقال ابن أبي: يا رسول الله استغفر لي، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله - رضي الله عنه - يا رسول الله استغفر له، فاستغفر له (1).
وروى ابن اسحاق، ومحمد بن عمر، عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: انا
نزلت بالسهم.
والله اعلم.
قصة اخرى: روى الامام احمد، والبخاري، والطبراني، والحاكم في الاكليل، وأبو نعيم عن البراء بن عازب، ومسلم عن سلمة بن الاكوع، وابو نعيم عن ابن عباس، والبيهقي عن عروة، قال البراء: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية: بئر فقدمناها وعليها خمسون شاة ما ترويها فتبرضها فلم نترك فيها قطرة، قال ابن عباس: وكان الحر شديدا، فشكى الناس العطش، فبلغ ذلك النبي - عليه الصلاة والسلام - فاتاه فجلس على شفيرها، ثم دعا " باناء " وفي لفظ " بدلو " فتوضأ في الدلو، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد ثم انها اصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
قال البراء: ولقد رأيت اخرنا اخرج بثوب خشية الغرق حتى جرت نهرا (2).
وقال ابن عباس وعروة ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بايديهم منها وهم جلوس على شفيرها.
*
__________
(1) انظر تفسير الطبري 6 / 177 وابن كثير 3 / 125.
(2) أخرجه البخاري 7 / 505 (4150).
(*)

(5/41)


قصة اخرى: روى البخاري في المغازي وفي الاشربة، عن جابر بن عبد الله، عن سلمة ابن الاكوع - رضى الله عنهما - قالا: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه ركوة، وقال جابر في رواية وقد حضر العصر، وليس معنا ماء غير فضلة، فجعل في اناء فاتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ منها، ثم اقبل الناس نحوه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما لكم ؟ " قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا نشرب الا ما في ركوتك فأفرغتها في قدح، ووضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده في القدح، فجعل الماء يفور من بين اصابعه كامثال العيون، فشربنا وتوضانا، فقال سالم بن أبي الجعد: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
(1)
ذكر نزول المطر في تلك الايام وما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صبيحة المطر روى الشيخان وابو عوانة، والبيهقي عن زيد بن خالد - رضى الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم: قال: قال الله عز وجل: " أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فاما المؤمن من قال: مطرنا برحمة الله وبفضل الله فهو مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا كذا - وفي رواية: بنوء كذا وكذا - فهو مؤمن بالكواكب كافر بي ".
(2) قال محمد بن عمر: وكان ابن أبي بن سلول قال هذا نوء الخريف مطرنا بالشعري.
وروى ابن سعد عن أبي المليح عن ابيه قال: أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل اسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن صلوا في رحالكم.
واهدى عمرو بن سالم وبسر بن سفيان الخزاعيان - رضى الله عنهما - بالحديبية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنما وجزورا، واهدى عمرو بن سالم لسعد بن عبادة - رضي الله عنه - جزرا - وكان صديقا له - فجاء سعد بالجزر الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واخبره إن عمرا اهداها له، فقال: " وعمرو قد اهدى لنا ما ترى، فبارك الله في عمرو " ثم امر بالجزر تنحر وتقسم في اصحابه، وفرق الغنم فيهم من آخرها وشرك فيها فدخل على أم سلمة من لحم الجزور كنحو ما دخل على رجل من القوم، وشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شاته، فدخل على أم سلمة بعضها، وامر - صلى الله عليه وسلم - للذي جاء بالهدية بكسوة.
__________
(1) أخرجه البخاري في المصدر السابقة (4152).
(2) أخرجه البخاري 5 / 259 (4147) واخرجه مسلم في الايمان (125) والبيهقي في دلائل النبوة 4 / 131.
(*)

(5/42)


ذكر قدوم بديل بن ورقاء الخزاعي ورسل قريش على رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما اطمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية: جاءه بديل بن ورقاء - واسلم بعد ذلك - في رجال من خزاعة، منهم: عمرو بن سالم، وخراش بن امية وخارجة بن كرز، ويزيد بن امية وكانوا عيبة نصح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتهامة، منهم المسلم ومنهم الموادع.
لا يخفون عنه بتهامة شيئا.
فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلموا، فقال بديل بن ورقاء: جئناك من عند قومك، كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، قد استنفروا لك الاحابيش ومن اطاعهم، قد نزلوا اعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان، يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " انا لم نات لقتال احد، انما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه، ان قريشا قد اضرت بهم الحرب ونهكتهم فان شاءوا ماددتهم مدة يامنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس، - والناس اكثر منهم - فان اصابوني فذلك الذي ارادوا وان ظهر امري على الناس كانوا بين ان يدخلوا فيما دخل فيه الناس أو يقاتلوا وقد جمو، وان هم أبو فوالله لاجهدن على امري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله تعالى امره ".
فوعى بديل مقالة رسول الله وقال: سابلغهم ما تقول، وعاد وركبه الى قريش، فقال ناس منهم: هذا بديل واصحابه، وانما يريدون ان يستخبروكم فلا تسالوهم عن حرف واحد، فلما رأى بديل انهم لا يستخبرونه قال: انا جئنا من عند محمد، اتحبون ان نخبركم عنه ؟ فقال عكرمة بن ابي جهل، والحكم بن العاص - واسلما بعد ذلك - ما لنا حاجة بان تخبرونا عنه، ولكن اخبروه عنا انه لا يدخلها علينا عامه هذا ابدا حتى لا يبقى منا رجل، فاشار عليهم عروة بن مسعود الثقفي - واسلم بعد ذلك - بان يسمعوا كلام بديل فان اعجبهم قبلوه والا تركوه، فقال صفوان ابن امية والحارث بن هشام - واسلما بعد ذلك - اخبرونا بالذي رأيتم وسمعتم، فقال بديل لهم: انكم تعجلون على محمد - صلى الله عليه وسلم - انه لم يات لقتال انما جاء معتمرا واخبرهم بمقالة النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال عروة: يا معشر قريش اتتهمونني ؟ قالوا: لا.
قال: الستم بالوالد ! قالوا: بلى.
قال: الست بالولد ؟ قالوا: بلى وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس القرشية.
قال: " الستم تعلمون اني استنفرت اهل عكاظ لنصركم فلما تبلحوا على نفرت اليكم بنفسي وولدي ومن اطاعني ؟ قالوا: قد فعلت، ما انت عندنا بمتهم.
قال: اني لكم ناصح، وعليكم شفيق، لا ادخر عنكم نصحا، فان بديلا قد جاءكم خطة رشد لا يردها احد ابدا الا احد شر منها.
فاقبلوا منه، وابعثوني حتى اتيكم بمصداقها من عنده، وانظر الى من

(5/43)


معه، واكون لكم عينا اتيكم بخبره، فبعثته قريش الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي على اعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل قد استنفروا لك الاحابيش ومن اطاعهم، قد لبسوا جلود النمور، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وانما انت ومن قاتلهم بين احد امرين ان تجتاح قومك ولم يسمع برجل اجتاح قومه وأهله قبلك.
أو بين أن يخذلك من ترى معك، واني والله لا ارى معك وجوها واني لا ارى الا اوباشا، وفي رواية: فاني لارى أشوابا (1) من الناس، لا اعرف وجوههم ولا انسابهم، وخليقا ان يفروا ويدعوك.
وفي رواية: وكاني بهم لو قد لقيت قريشا أسلموك فتؤخذ أسيرا، فأي شئ أشد عليك من هذا ؟ فغضب أبو بكر - وكان قاعدا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: امص بظر اللات، انحن نخذله أو نفر عنه ؟ ! فقال عروة: من ذا ؟ قالوا: ابا بكر.
فقال عروة: اما والله لو لا يد لك عندي لم اجزك بها لاجيبنك.
وكان عروة قد استعان في حمل دية فاعانه الرجل بالفريضتين والثلاث، واعانه أبو بكر بعشر فرائض فكانت هذه يد ابي بكر عند عروة، وطفق عروة كلما كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مس لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمغيرة ابن شعبة قائم على راس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف، - على وجهه المغفر - لما قدم عروة لبسها، فطفق المغيرة كلما اهوى عروة بيده ليمس لحية النبي - عليه الصلاة والسلام - يقرع يده بنعل السيف ويقول: أكفف يدك عن مس لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ألا تصل إليك، فانه لا ينبغى لمشرك ان يمسه.
فلما اكثر عليه غضب
عروة وقال: ويحك ! ! ما افظك واغلظك ! وقال: ليت شعرى ! ! من هذا الذي آذاني من بين أصحابك ؟ والله لااحسب فيكم الام منه ولا أشر منزلة.
فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: " هذا ابن اخيك المغيرة بن شعبة " فقال عروة: وانت بذلك يا غدر، والله ما غسلت عنك غدرتك بعكاظ الا امس، لقد اورثتنا العداوة من ثقيف الى آخر الدهر - وسياتى في ترجمة المغيرة بيان هذه الغدرة.
وجعل عروة يرمق اصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينه، فوالله ما يتنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا امرهم بامر ابتدروا امره، وإذا توضأ كادوا يقتتلوا على وضوئه، ولا يسقط شئ من شعره الا اخذوه، وإذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه، تعظيما له.
فلما فرغ عروة من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما قال لبديل بن ورقاء وكما عرض عليهم من المدة.
فاتى عروة قريشا، فقال: يا قوم انى وفدت الى
__________
(1) الاوشاب الاوباش، والاخلاط من الناس، انظر المعجم الوسيط 2 / 1045.
(*)

(5/44)


الملوك: كسرى وقيصر والنجاشي واني والله ما رايت ملكا قط اطوع فيما بين ظهرانيه من محمد في اصحابه، والله ان رأيت ملكا قط يعظمه اصحابه ما يعظم اصحاب محمد محمدا، وليس بملك والله ما تنخم نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا امرهم بامر ابتدروا امره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ايهم يظفر منه بشئ، ولا يسقط شئ من شعره الا اخذوه، وإذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، ولا يتكلم رجل منهم حتى يستاذن، فان هو اذن له تكلم، وان لم ياذن له سكت، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، قد حرزت القوم، واعلموا انكم ان اردتم منهم السيف بذلوه لكم، وقد رايت قوما لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعتم صاحبهم، والله لقد رايت معه نساء ما كن ليسلمنه ابدا على حال، فروا رايكم فاتوه يا قوم، واقبلوا ما عرض عليكم، فاني لكم ناصح، مع
اني اخاف ان لا تنصروا على رجل اتى زائرا لهذا البيت معظما له، معه الهدى ينحره وينصرف، فقالت قريش: لا تتكلم بهذا يا ابا يعفور، أو غيرك تكلم بهذا ؟ ولكن نرده عامنا هذا، ويرجع الى قابل، فقال: ما اراكم تصيبكم قارعة.
فانصرف هو ومن تبعه الى الطائف.
فقام الحليس وهو بمهملتين - مصغر - ابن علقمة الكناني وكان من رؤوس الاحابيش ولا اعلم له اسلاما فقال: دعوني آتيه.
فقالوا: ائته.
فلما اشرف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هذا فلان من قوم يعظمون البدن وفي لفظ " الهدى، ويتالهون، فابعثوها له " فبعثت له، فلما راى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي عليها قلائدها، قد أكلت اوبارها من طول الحبس، ترجع الحنين، واستقبله الناس يلبون قد اقاموا نصف شهر، وقد تفلوا وشعثوا، صاح وقال: سبحان الله " ما ينبغي لهؤلاء ان يصدوا عن البيت أبي الله أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير ويمنع ابن عبد المطلب، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت هلكت قريش ورب الكعبة.
ان القوم انما اتوا عمارا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اجل يا اخا بني كنانة ".
وذكر ابن اسحاق ومحمد بن عمر، وابن سعد: انه لم يصل الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما راى ذلك اعظاما لما راى فيحتمل ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاطبه من بعد، فرجع الى قريش فقال: اني رايت ما لا يحل منعه، رايت الهدي في قلائده قد اكل اوباره معكوفا عن محله والرجال قد تفلوا وقملوا ان يطوفوا بهذا البيت، والله ما على هذا حالفناكم، ولا عاقدناكم، على ان تصدوا عن البيت من جاءه معظما لحرمته مؤديا لحقه.
وساق الهدى معكوفا ان يبلغ محله.
والذي نفسي بيده لتخلن بينه وبين ما جاء له، أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد.
فقالوا: كف عنا يا حليس حتى ناخذ لانفسنا ما نرضى به، وفي لفظ اجلس فانما انت اعرابي لا علم لك، كل ما رايت من محمد مكيدة.

(5/45)


فقام مكرز بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء، بعدها زاي، ابن حفص.
فقال: دعوني آته.
فلما طلع وراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " هذا رجل غادر " وفي لفظ " فاجر " فلما
انتهي الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمته بنحو ما كلم به بديلا وعروة، فرجع الى أصحابه فأخبرهم بما رد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ذكر ارساله - صلى الله عليه وسلم - خراش بن امية وبعده عثمان بن عفان الى قريش قال محمد بن اسحاق ومحمد بن عمر وغيرهما: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى قريش خراش بن امية على جمل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقال له الثعلب، ليبلغ عنه اشرافهم بما جاء له، فعقر عكرمة بن ابي جهل - واسلم بعد ذلك - الجمل، وارادوا قتله فمنعه الاحابيش، فخلوا سبيله حتى اتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكد فاخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما لقي.
وروى البيهقي عن عروة قال: لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديبية فزعت قريش لنزوله إليهم، فاحب ان يبعث إليهم رجلا من اصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه الى قريش، فقال: يا رسول الله اني اخاف قريشا على نفسي وقد عرفت قريش عداوتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، وان احببت يا رسول الله دخلت عليهم.
فلم يقل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فقال عمر: يا رسول الله ولكني ادلك على رجل اعز بمكة مني، واكثر عشيرة وامنع، وانه يبلغ لك ما اردت، عثمان بن عفان.
فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان فقال: " اذهب الى قريش واخبرهم انا لم نات لقتال وانما جئنا عمارا، وادعهم الى الاسلام ".
وامره ان ياتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم ان الله تعالى - وشيكا ان يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالايمان.
فانطلق عثمان الى قريش فمر عليهم ببلدح فقالوا: اين تريد ؟ فقال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليكم لادعوكم الى الاسلام، والى الله جل ثناءه، وتدخلون في الدين كافة، فان الله - تعالى - مظهر دينه ومعز نبيه، واخرى: تكفون ويكون الذي يلى هذا الامر منه غيركم، فان ظفر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك ما اردتم، وان ظفر كنتم بالخيار بين ان تدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو تقاتلوا وانتم وافرون جامون.
ان الحرب قد نهكتكم واذهبت الاماثل منكم.
واخرى ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبركم انه لم يات لقتال
احد، انما جاء معتمرا، معه الهدي، عليه القلائد ينحره وينصرف.
(1) فقالوا: قد سمعنا ما تقول، ولا كان هذا ابدا، ولا دخلها علينا عنوة، فرجع الى صاحبك فاخبره انه لا يصل الينا.
__________
(1) اخرجه ابن سعد 2 / 1 / 70 والبيهقي في الدلائل 4 / 133.
(*)

(5/46)


ولقيه ابان بن سعيد (1) - واسلم بعد ذلك، فرحب به ابان واجاره، وقال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه فحمل عثمان على السرج وردف وراءه وقال: اقبل وادبر لا تخف احد * بنو سعيد اعزة الحرم فدخل به مكة، فاتى عثمان اشراف قريش - رجلا رجلا - فجعلوا يردون عليه: ان محمدا لا يدخلها علينا ابدا، ودخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء مستضعفين بمكة فقال: ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قد اظلكم حتى لا يستخفى بمكة اليوم بالايمان، ففرحوا بذلك، وقالوا: اقرا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلام.
ولما فرغ عثمان من رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى قريش قالوا له: ان شئت ان تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لافعل حتى يطوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقام عثمان بمكة ثلاثا يدعو قريشا.
وقال المسلمون - وهم بالحديبية، قبل ان يرجع عثمان -: خلص عثمان من بيننا الى البيت فطاف به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما اظنه طاف بالبيت ونحن محصورون "، وقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص إليه قال: " ذلك ظني به الا يطوف بالكعبة حتى نطوف "، وعند ابن جرير وابن ابي حاتم عن سلمة بن الاكوع - مرفوعا - " لو مكث كذا كذا سنة ما طاف حتى اطوف " فلما رجع عثمان الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال المسلمون له: اشتفيت من البيت يا ابا عبد الله ! ! فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي ! فوالذي نفسسي بيده لو مكثت مقيما بها سنة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقد
دعتني قريش الى ان اطوف بالبيت فابيت.
فقالوا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعلمنا واحسننا ظنا.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يامر اصحابه بالحراسة بالليل، فكانوا ثلاثة يتناوبون الحراسة: اوس بن خولي - بفتح الخاء المعجمة والواو - وعباد بن بشر، ومحمد بن مسلمة - رضي الله عنهم - وكان محمد بن مسلمة على حرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي، وعثمان بن عفان بمكة.
وقد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، عليهم مكرز بن حفص، وامروهم ان يطوفوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - رجاء ان يصيبوا منهم احدا، أو يصيبوا منهم غرة، فاخذهم محمد بن
__________
(1) ابان بن سعيد بن العاص بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الاموي..قال البخاري وابو حاتم الرازي وابن حبان له صحبة وكان ابوه من اكابر قريش وله اولاد نجباء اسلم منهم قديما خالد وعمرو فقال فيهما ابان الابيات المشهورة التي اولها.
الا ليت ميتا بالظريبة شاهد * لما يفتري في الدين عمرو وخالد الاصابة 1 / 10.
(*)

(5/47)


مسلمه، فجاء بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفلت مكرز فخبر أصحابه وظهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم أنه رجل غادر، وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم: كرز بن جابر الفهري، وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، وعبد الله بن حذافة السهمي، وأبو الروم بن عمير العبدري، عياش بن أبي ربيعة، وهشام ابن العاص بن وائل، وأبو حاطب بن عمرو من عبد شمس وعمير بن وهب الجمحي وحاطب بن أبي بلتعة، وعبد الله بن أبي أمية.
قد دخلو مكة في أمان عثمان، وقيل: سرا، فعلم بهم فأخذوا، وبلغ قريشا حبس أصحابهم الذين مسكهم محمد بن مسلمد، فجاء جمع من قريش إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى تراموا بالنبل والحجارة، وأسر المسلمون من المشركين - أيضا - اثني عشر فارسا، وقتل من المسلمين ابن زنيم - وقد أطلع الثنية من الحديبية - فرماه المشركون
فقتلوه، وبعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى - وأسلما بعد ذلك، ومكرز بن حفص، فلما جاء سهيل وراه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: سهل أمركم فقال سهيل: يا محمد إن الذي كان من حبس اصحابك وما كان من قتال من قاتلك لم يكن من راى ذوي رأينا بل كنا له كارهين حين بلغنا، ولم نعلم به، وكان من سفهائنا، فابعث الينا باصحابنا الذين اسرت اول مرة، والذين أسرت آخر مرة.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي "، فقالوا: انصفتنا، فبعث سهيل ومن معه الى قريش بالشييم - بشين معجمة مصغر - بن عبد مناف التيمي، فبعثوا بمن كان عندهم: وهم عثمان والعشرة السابق ذكرهم - رضي الله عنهم - وارسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اصحابهم الذين اسرهم، وقبل وصول عثمان ومن معه بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان عثمان ومن معه قد قتلوا، فكان ذلك حين دعا الى البيعة.
ذكر مبايعته - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان وفضل من بايع قالوا: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان عثمان قد قتل دعا الناس الى البيعة، وقال: " لا نبرح حتى نناجز القوم " واتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية، فجلس في رحالهم تحت شجرة خضراء ثم قال: " ان الله - تعالى - امرني بالبيعة " فاقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا فما بقي لبني مازن متاع الا وطئ، ثم لبسوا السلاح وهو معهم قليل، وقامت ام عمارة الى عمود كانت تستظل به فاخذته بيدها وشدت سكينا في وسطها وروى ابن جرير وابن ابي حاتم عن سلمة بن الاكوع والبيهقي عن عروة، وابن اسحاق عن الزهري، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قال سلمة: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ايها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس فاخرجوا على اسم الله " قال

(5/48)


سلمة: " فسرنا الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه (1).
وفي صحيح مسلم عنه قال: فبايعته اول الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال: " بايع يا سلمة "
قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في اول الناس (2) قال: " وايضا " قال: ورآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزلا فاعطاني حجفة - أو درقة - ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: " الا تبايعني يا سلمة ؟ " قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في اول الناس، وفي وسط الناس، قال: " وايضا " فبايعته الثالثة، ثم قال لي: " يا سلمة اين حجفتك - أو درقتك - التي اعطيتك ؟ " قال: قلت: يا رسول الله، لقيني عمي عامر عزلا فاعطيته اياها، قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: انك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو احب الي من نفسي، وفي صحيح البخاري عنه قال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، قيل: على اي شئ كنتم تبايعون قال: على الموت (3).
وفي صحيح البخاري عن نافع قال: ان ابن عمر اسلم قبل ابيه، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية ارسل عبد الله الى فرس له عند رجل من الانصار ياتي به ليقاتل عليه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب الى الفرس فجاء به الى عمر وعمر يستلئم للقتال فاخبره ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي التي يتحدث الناس ان ابن عمر اسلم قبل عمر (4).
وفيه ايضا عن نافع عن ابن عمر ان الناس كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر فإذا الناس محدقون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: يا عبد الله انظر ما شان الناس احدقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب فوجدهم يبايعونه فبايع، ثم رجع الى عمر فخرج فبايع (5).
وروى الطبراني عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عمر: أشهدت بيعة الرضوان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم.
قلت: فما كان عليه ؟ قال: قميص من قطن، وجبة محشوة، ورداء وسيف، ورأيت النعمان بن مقرن - بميم مضمومة فقاف مفتوحة فراء مشددة مكسورة - المازني قائم على رأسه، قد رفع أغصان الشجرة عن رأسه يبايعونه.
وفي صحيح مسلم عن جابر قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر آخذ بيده تحت شجرة - وهي سمرة - فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره.
وعند بن إسحاق
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 136.
(2) أخرجه مسلم في الجهاد 3 / 1434 (132) وأحمد 4 / 54، والبيهقي في الدلائل 4 / 138.
(3) أخرجه البخاري (4169) والبيهقي 4 / 138.
(4) أخرجه البخاري 7 / 521 (4186).
(5) البخاري (4187) واحمد في المسند 5 / 324.
(*)

(5/49)


عن جابر بن عبد الله: فكأني أنظر إليه لاصقا يابط ناقته قد خبأ إليها يستتر بها من الناس بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت (1).
وفيه - أيضا - عنه: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع الناس وأنا رافع غصن من أغصانها عن راسه ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على ألا نفر.
وروى الطبراني عن ابن عمر، والبيهقي عن الشعبي، وابن منده عن زر بن حبيش قالوا: لما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الاسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " علام تبايعني " قال: على ما في نفسك.
زاد ابن عمر: فقال النبي: وما في نفسي ؟ قال: أضرب بسيفي بين يدك حتى يظهرك الله أو أقتل.
فبايعه، وبايعه الناس على بيعة أبي سنان (2).
وروى البيهقي عن أنس وابن إسحاق عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببيعة الرضوان كان بعث عثمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم ان عثمان في حاجتك وحاجة رسولك، فضرب باحدى يديه على الاخرى، فكانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان خيرا من أيديهم لانفسهم (3).
وروى البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا ؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان.
فاتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثنى أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فانتم أعلم.
(4) وروى ابن سعد بسند جيد عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك باعوام فما عرف أحد منهم الشجرة، واختلفوا فيها.
قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.
وروى ابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد عن نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا ياتون الشجرة التي بويع تحتها فيصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر فقطعت.
وروى البخاري وابن مردويه عن قتاده قال: قلت لسعيد ين المسيب: كم كان الذين
__________
(1) اخرجه مسلم 3 / 1483 (267، 69 / 1856).
(2) اخرجه ابن أبي شيبة 14 / 87، 600 وذكره السيوطي في الدر المنثور 6 / 74.
(3) أخرجه الدولابي من الكنى 1 / 133، والطبراني في الكبير 1 / 41 وابن أبي شيبة 12 / 46 والحاكم 3 / 98 وانظر الدر المنثور 6 / 74.
(4) اخرجه البخاري 7 / 512 (4163).
(*)

(5/50)


شهدوا بيعة الرضوان ؟ قال: خمس عشرة مائة، قلت فان جابر بن عبد الله قال: اربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله توهم، هو حدثني انهم كانوا خمس عشرة مائة (1).
وروى الشيخان، وابن جرير عن عبد الله بن ابي اوفى قال: كان اصحاب الشجرة الفا وثلاثمائة، وكانت اسلم ثمن المهاجرين (2).
افاد الواقدي ان اسلم كانت في الحديبية مائة رجل.
وروى سعيد بن منصور والشيخان عن جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الحديبية الفا واربعمائة فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " انتم خير اهل الارض " (3).
وروى الامام احمد، وابو داود، والترمذي عن جابر بن عبد الله، ومسلم عن ام مبشر - رضى الله عنهما - ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يدخل النار احد بايع تحت الشجرة " (4)
وروى الامام أحمد بسند - رجاله ثقات - عن ابي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: لما كان يوم الحديبية قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا توقدوا نارا بالليل " فلما كان بعد ذلك قال: " اوقدوا واصطنعوا فانه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم " (5).
فلما نظر سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص، ومن كان معهم من عيون قريش من سرعة الناس الى البيعة وتشميرهم الى الحرب اشتد رعبهم وخوفهم، واسرعوا الى القضية.
ثم اتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان الذي ذكر من امر عثمان باطل ".
ذكر الهدنة وكيف جرى الصلح يوم الحديبية روى ابن اسحاق وابو عبيد وعبد الرزاق والامام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه، ومحمد بن عمر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، والشيخان عن سهيل بن حنيف ان عثمان لما قدم من مكة هو ومن معه رجع سهيل بن عمرو وحويطب ومكرز الى قريش فاخبروهم بما راوا من سرعة اصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) اخرجه البخاري 7 / 507 (4153).
(2) البخاري في المصدر السابق (4155) ومسلم 3 / 1485 (75 / 1857).
(3) اخرجه البخاري 7 / 507 (4154) وأخرجه مسلم 3 / 1484 (71 / 1856).
(4) اخرجه أبو داود (4653) والترمذي (3860) واحمد 3 / 350 وابن المبارك في الزهد (498) وابن سعد 2 / 1 / 73 ومسلم في الفضائل باب 37 (163).
(5) اخرجه أحمد 3 / 26 والحاكم 3 / 36 وابن ابي شيبة 8 / 481، 14 / 443 وابو نعيم في تاريخ اصفهان 2 / 169.
(*)

(5/51)


الى البيعة وتشميرهم الى الحرب اشتد رعبهم، فقال اهل الراي منهم: ليس خير من ان نصالح محمدا على ان ينصرف عنا عامه هذا، ولا يخلص الى البيت حتى يسمع من سمع بمسيره من العرب انا قد صددناه، ويرجع قابلا فيقيم ثلاثا وينحر هديه وينصرف، ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا، فاجمعوا على ذلك.
فلما اجمعت قريش على الصلح والموادعة بعثوا سهيل بن
عمرو وحويطب ومكرز وقالوا لسهيل: ائت محمدا فصالحه وليكن في صلحك الا يدخل عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب انه دخل علينا عنوة فاتى سهيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما راه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " قد اراد القوم الصلح حين بعثوا هذا " وفي لفظ: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " سهل امركم " وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متربعا، وكان عباد بن بشر وسلمة بن اسلم بن حريش على راسه - وهما مقنعان في الحديد - فبرك سهيل على ركبتيه فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطال الكلام وتراجعا، وارتفعت الاصوات وانخفضت، وقال عباد بن بشر لسهيل: اخفض من صوتك عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوس، فجرى بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين سهيل القول حتى وقع الصلح على ان توضع الحرب بينهما عشر سنين، وان يامن الناس بعضهم بعضا، وان يرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامه هذا، فإذا كان العام المقبل قدمها فخلوا بينه وبين مكة، فاقام فيها ثلاثا فلا يدخلها الا بسلاح الراكب والسيوف في القرب لا يدخلها بغيره، وانه من اتى محمدا من قريش بغير اذن وليه - وان كان على دين محمد - رده الى وليه، وانه من اتى قريشا ممن اتبع محمدا لم يردوه عليه، - وان بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيبة مكفوفة، وانه لا اسلال (1) ولا اغلال، وانه من حب ان يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن احب ان يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.
فكره المسلمون هذه الشروط وامتعضوا منها، وأبى سهيل إلا ذلك فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله الست نبي الله حقا ؟ قال: بلى.
قال: السنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال: بلى، قال: اليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال: بلى.
قال: علام نعطي الدنية في ديننا ؟ ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إني عبد الله ورسوله ولست اعصيه ولن يضيعني وهو ناصري " قال: أو ليس انت تحدثنا أنا سناتي البيت فنطوف حقا ؟ قال: " بلى، افاخبرتك انك
تأتيه العام ؟ قال: لا: قال: " فانك آتيه ومطوف به "، فذهب عمر الى أبي بكر متغيظا ولم يصبر،
__________
(1) الاسلال: السرقة، المعجم الوسيط 1 / 448.
(*)

(5/52)


فقال: يا ابا بكر: اليس هذا نبي الله حقا ؟ قال: بلى.
قال: السنا على الحق وهم على الباطل ؟ اليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال: بلى.
قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم ؟ قال: ايها الرجل انه رسول الله وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله انه لعلى الحق.
وفي لفظ فانه رسول الله.
فقال عمر: وانا اشهد انه رسول الله، قال: أو ليس كان يحدثنا انه سناتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى، افاخبرك انك تأتيه العام ؟ قال: لا.
قال: فانك آتيه ومطوف به.
فلقي عمر من هذه الشروط امرا عظيما (1).
وقال كما في الصحيح: والله ما شككت منذ اسلمت الا يومئذ، وجعل يرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكلام فقال أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -: الا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ما يقول، تعوذ بالله من الشيطان واتهم رايك، قال عمر: فجعلت اتعوذ بالله من الشيطان حياء فما اصابني شئ قط مثل ذلك اليوم وعملت بذلك اعمالا - أي صالحة - لتكفر عني ما مضى من التوقف في امتثال الامر ابتداء كما عند ابن اسحاق وابن عمر الاسلمي.
قال عمر: فما زلت اتصدق واصوم واصلي واعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتي رجوت أن يكون خيرا.
وروى البزار عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: اتهموا الراي على الدين فلقد رأيتني أرد امر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برايي، وما الوت على الحق، قال: فرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيت حتى قال: " يا عمر تراني رضيت وتابى " (2).
فقال سهيل: هات، اكتب بيننا وبينك كتابا، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا - كما في حديث البراء عند البخاري في كتاب الصلح وكتاب الجزية، ورواه اسحاق بن راهويه من حديث المسور ومروان، واحمد، والنسائي، والبيهقي والحاكم - وصححه عن عبد الله بن
مغفل (3)، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال سهيل - واسلم بعد ذلك - اما الرحمن الرحيم فو الله ما ادري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب اكتب في قضيتنا ما نعرف.
فقال المسلمون: والله لا نكتبها الا بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " اكتب باسمك اللهم " ثم قال: " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فقال سهيل: والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن
__________
(1) البخاري 4 / 26، 125، أخرجه مسلم 3 / 1412 (94 / 1785) والطبراني في الكبير 6 / 109 وابن سعد 1 / 1 / 20، وانظر المجمع 3 / 312، 5 / 67.
(2) أخرجه الدولابي في الكنى 2 / 69.
(3) عبد الله بن مغفل: بمعجمة وفاء ثقيلة، ابن عبيد بن نهم: بفتح النون وسكون الهاء، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي، بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، مات سنة سبع وخمسين، وقيل بعد ذلك، التقريب 1 / 453.
(*)

(5/53)


البيت، ولا قاتلناك، اكتب في قضيتنا ما نعرف، اكتب محمد بن عبد الله.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي امحه، فقال علي: ما انا بالذي " امحاه " وفي لفظ " امحاك " وفي حديث محمد ابن كعب القرظي: فجعل على يتلكا، وابى أن يكتب الا محمد رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اكتب فان لك مثلها تعطيها وانت مضطهد (1) انتهى.
وذكر محمد بن عمر أن أسيد بن الحضير وسعد بن عبادة اخذا بيد علي ومنعاه أن يكتب الا " محمد رسول الله "، والا فالسيف بيننا وبينهم، فارتفعت الاصوات، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم ويومئ بيده إليهم: اسكتوا.
فقال: أرنيه، فاراه اياه فمحاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده وقال: اكتب محمد بن عبد الله.
قال الزهري: وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - لا يسالوني خطة يعظمون بها حرمات الله الا اعطيتهم اياها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسهيل على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف، فقال سهيل: لا والله لا تحدث العرب انا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب.
فقال سهيل: على انه لا ياتيك منا احد بغير اذن
وليه - وان كان على دينك الا سددته الينا فقال المسلمون: سبحان الله، أيكتب هذا ؟ كيف يرد الى المشركين وقد جاء مسلما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم انه من ذهب منا إليهم فابعده الله، ومن جاء منهم الينا سيجعل الله له فرجا ومخرجا " (2).
وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الامام أحمد، والنسائي، والحاكم بعد أن ذكر نحو ما تقدم، قال فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا الى وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخذ الله باسماعهم - ولفظ الحاكم بابصارهم - فقمنا إليهم فاخذناهم، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " هل جئتم في عهد احد وهل جعل لكم احد امانا " ؟ فقالوا: لا.
فخلى سبيلهم فانزل الله تعالى: (وهو الذي كف ايديهم عنكم) (سورة الفتح 24) (3).
وروى ابن أبي شيبة، والامام احمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والثلاثة عن انس قال: لما كان يوم " الحديبية " هبط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واصحابه ثمانون رجلا من اهل مكة في
__________
(1) أخرجه البخاري 5 / 357 (2699)، واحمد 4 / 328، 4 / 86، 5، 23، 33 والبيهقي 9 / 220، 227 وعبد الرزاق في المصنف (9720)، والطبري في التفسير 26 / 59، 63 وابن كثير في التفسير 7 / 324 وانظر المجمع 6 / 145، 146.
(2) انظر التخريج السابق واخرجه أبو داود في الجهاد باب (167) واحمد 4 / 329، 330 والسيوطي في الدر المنثور 6 / 78 (3) أخرجه أحمد 4 / 87 والبيهقي 6 / 319 والحاكم في المستدرك 2 / 461 وابن الجوزي في زاد المسير 7 / 438 وانظر الدر المنثور 6 / 78..(*)

(5/54)


السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليهم، فاخذوا فعفا عنهم (1).
وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا من اصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقال له ابن زنيم اطلع الثنية " يوم الحديبية " فرماه المشركون فقتلوه، فبعث نبي الله - صلى الله عليه وسلم - خيلا، فاتوا باثني عشر فارسا، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " هل لكم عهد أو ذمة " ؟ قالوا: لا.
فارسلهم (2).
وروى الامام احمد، وعبد بن حميد، ومسلم، عن سلمة بن الاكوع.
رضي الله عنه قال: إن المشركين من اهل مكة ارسلونا في الصلح فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض اتيت شجرة فاضطجعت في ظلها، فأتاني اربعة من مشركي اهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابغضهم وتحولت الى شجرة اخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من اسفل الوادي يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم فاخترطت سيفي فاشتددت على اولئك الاربعة وهم رقود، فاخذت سلاحهم، وجعلته في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع احد منكم راسه الا ضربت الذي في عينيه، ثم جئت بهم اسوقهم الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز من المشركين يقوده حتى وقفناه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثنياه فعفا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانزل الله تعالى: (وهو الذي كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) [ الفتح 24 ] فبينما الناس على ذلك إذ أبو جندل - بالجيم والنون وزن جعفر - بن سهيل ابن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من اسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، وكان ابوه سهيل قد اوثقه في الحديد وسجنه، فخرج من السجن واجتنب الطريق وركب الجبال حتى أتي " الحديبية - فقام إليه المسلمون يرحبون به ويهنئونه، فلما رآه أبوه سهيل قام إليه فضرب وجهه بغصن شوك واخذ بتلبيبه ثم قال: " يا محمد، هذا اول ما اقاضيك عليه أن ترده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنا لم نقض الكتاب بعد " قال فوالله إذا لا اصالحك على شئ ابدا.
قال " فاجزه لي " قال: ما انا بمجيزه لك.
قال: " بلى فافعل ".
قال: ما انا بفاعل.
فقال مكرز وحويطب: بلى قد اجزناه لك.
فاخذاه فادخلاه فسطاطا فاجازاه
وكف عنه ابوه.
فقال أبو جندل اي معاشر المسلمين أرد الى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا
__________
(1) أخرجه مسلم 3 / 1442 (133 / 1808)، واحمد 3 / 124 والغرة هي الغفلة اي يريدون أن يصادفوا منه ومن اصحابه غفلة عن التاهب لهم ليتمكنوا من غدرهم والفتك بهم.
(2) أخرجه الطبري 26 / 59 وذكره السيوطي في الدر المنثور 6 / 76.
(*)

(5/55)


ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته وقال: يا أبا جندل، اصبر واحتسب فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، انا قد عقدنا مع القوم صلحا واعطيناهم واعطونا على ذلك عهدا، وانا لا نغدر " ومشى عمر بن الخطاب الى جنب أبي جندل، وقال له: اصبر واحتسب فانما هم المشركون وانما دم احدهم دم كلب، وجعل عمر يدني قائم السيف منه.
قال عمر: رجوت أن ياخذ السيف فيضرب به أباه.
قال فضن الرجل بابيه.
(1) وقد كان اصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.
فزادهم امر أبي جندل على ما بهم، ونفذت القضية وشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين: أبو بكر وعمر، وعبد الرحمن ابن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ومكرز بن حفص وهو مشرك.
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قوموا فانحروا ثم احلقوا " فو الله ما قام رجل منهم، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فاشتد ذلك عليه، فدخل على أم سلمة فقال: " هلك المسلمون، امرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا ".
وفي رواية: " الا ترين الى الناس آمرهم بالامر فلا يفعلونه - وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي ".
فقالت: يا رسول الله، لا تلمهم فانهم قد دخلهم امر عظيم مما ادخلت عى نفسك من المشقة في امر الصلح،
ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله اخرح ولا تكلم احدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فجلى الله - تعالى - عن الناس بام سلمة - فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضطبع (2) بثوبه، فخرج فاخذ الحربة ويمم هديه واهوى بالحربة الى البدن رافعا صوته " بسم الله والله اكبر " ونحر، فتواثب المسلمون الى الهدي وازدحموا عليه ينحرونه حتى كاد بعضهم يقع على بعض، وأشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين اصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، وكان هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين بدنة، وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، فلما صده المشركون رد وجوه البدن (3).
__________
(1) أخرجه أحمد في المسند 4 / 330 والبيهقي في دلائل النبوة 5 / 331.
(2) اضطبع: اخذ الازار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الايمن ويلقي طرفيه على كتفه الايسر من جهتي صدره وظهره، انظر النهاية 3 / 73.
(3) أخرجه البخاري 3 / 257 وابو داود في الجهاد باب 167 واحمد 4 / 331 والبيهقي في الدلائل 4 / 106 وعبد الرزاق (9720) والطبري 26 / 63 وابن أبي شيبة 14 / 450.
(*)

(5/56)


قال ابن عباس: لما صدت عن البيت حنت كما تحن الى اولادها.
رواه الامام أحمد والبيهقي (1).
فنحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنه حيث حبسوه وهي الحديبية، وشرد جمل أبي جهل من الهدي وهو يرعى وقد قلد واشعر.
وكان نجيبا مهريا في راسه برة من فضة، أهداه ليغيظ بذلك المشركين، فمر من الحديبية حتى انتهى الى دار أبي جهل بمكة، وخرج في اثره عمرو بن عنمة بن عدي الانصاري، فابى سفهاء مكة أن يعطوه حتى امرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه، قيل: ودفعوا فيه عدة نياق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لو لا أن سميناه في الهدي فعلنا "، ونحره عن سبعة، ونحر طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، بدنات ساقوها.
وروى ابن سعد عن أبي سفيان عن جابر قال: نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين بدنة عام
الحديبية، البدنة عن سبعة، وكنا يومئذ ألفا واربعمائة، ومن لم يضح أكثر ممن ضحى، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطربا في الحل وانما يصلي في الحرم.
وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هديه بعشرين بدنة لتنحر عنه عند " المروة " مع رجل من اسلم، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء ودعا بخراش - بمعجمتين - بن أمية بن الفضل الكعبي، فحلق راسه ورمى شعره على شجرة كانت الى جنبه من سمرة خضراء، فجعل الناس ياخذون الشعر من فوق الشجرة فيتحاصونه، وأخذت أم عمارة طاقات من شعره فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما.
وحلق بعض المسلمين وقصر بغض، فاخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راسه من قبته وهو يقول: رحم الله المحلقين، قيل: يا رسول الله والمقصرين قال: " رحم الله المحلقين ثلاثا ".
ثم قال و " المقصرين " (2).
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس انهم قالوا: يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت عليهم الترحيم ؟ قال: لانهم لم يشكوا (3).
ورواه البيهقي موقوفا.
وبعث الله تعالى ريحا عاصفة فاحتملت اشعارهم فالقتها في الحرم كما رواه ابن سعد عن مجمع بن يعقوب عن أبيه، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بالحديبية تسعة عشر يوما، ويقال عشرين ليلة، ذكره محمد بن عمر، وابن سعد.
قال ابن عائذ: وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوته هذه شهرا ونصفا.
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 152.
(2) أخرجه الحاكم 4 / 230 والبيهقي 5 / 236 والدعاء للمحلفين متفق عليه من حديث ابن عمر البخاري 3 / 561 (1727) ومسلم 2 / 945 (317 / 1301).
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 151.
(*)

(5/57)


ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
روى مسلم عن سلمة بن الاكوع، والبيهقي عن ابن عباس، وابن سعد، والبيهقي، والحاكم عن أبي عمرة الأنصاري، والبزار، والطبراني، والبيهقي عن أبى خنيس الغفاري، ومحمد بن عمر عن شيوخه، يزيد بعضهم على بعض: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من (الحديبية) نزل بمر (الظهران) ثم نزل (بعسفان) وأرملوا من الزاد، فشكا الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد بلغوا من الجوع الجهد، وفى الناس ظهر، فقالوا: ننحره يا رسول الله، وندهن من شحومه ونتخذ من جلوده أحذية فاذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخبر بذلك عمر ابن الخطاب فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله لا تفعل، فان يكن في الناس بقية ظهر يكن أمثل، كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا ؟ ! ولكن إن رايت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو فيها بالبركة فان الله سيبلغنا بدعوتك، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس ببقايا أزوادهم وبسط نطعا فجعل الناس يجيئون بالحفنة من الطعام وفوق ذلك، فكان أعلاهم من جاء بصاع تمر، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال سلمة: فتطاولت لاحرركم هو فحررته كربضة عنز ونحن أربع عشرة مائة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا بما شاء الله أن يدعو، فاكلوا حتى شبعوا، ثم حشوا أوعيتهم، وبقي مثله، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، وقال " أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، والله لا يلقى الله - تعالى - عبد مؤمن بهما إلا حجب من النار ".
ثم أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرحيل، فلما ارتحلوا أمطروا ما شاءوا وهم صائفون، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزلوا، فشربوا من ماء السماء.
ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخطبهم، فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وذهب واحد معرضا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا أخبركم عن الثلاثة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: أما واحد فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الاخر فتاب فتاب الله عليه، أما الثالث فاعرض.
فاعرض الله عنه ".
وروى البيهقي عن عروة قال: قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا فقال رجل من أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا.
ورد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " بئس الكلام، بل هو أعظم الفتح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم.
ويسالوكم القضية، ويرغبون اليكم في الامان، ولقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظفركم الله - تعالى - عليهم وردكم سالمين ماجورين فهو أعظم الفتح، أنسيتم يوم أحد ؟ ؟ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وانا

(5/58)


أدعوكم في أخراكم ! ! أنسيتم يوم الاحزاب ؟ إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ! ! فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، فهو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولانت أعلم بالله وبالامور منا.
ذكر نزول سورة الفتح ومرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ظهر في ذلك من الايات روى الامام أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر يعني " الحديبية " فسألته عن شئ ثلاث مرات، فلم يرد علي، فقلت في نفسي: أمك يا ابن الخطاب، نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات فلم يرد عليك، فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في القران، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، فرجعت وأنا أظن أنه نزل في شئ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلى من الدنيا وما فيها (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) [ الفتح 1، 2 ].
وروى ابن أبي شيبة والامام أحمد، وابن سعد، وابو داود، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم - وصححه - وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن مجمع بن جارية الانصاري
- رضي الله عنه - قال: شهدنا " الحديبية " مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما انصرفنا عنها الى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الاباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس ؟ قالوا: اوحي الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته عند " كراع الغميم " فاجتمع الناس إليه فقرا عليهم (انا فتحنا لك فتحا مبينا) الفتح (1) فقال رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو هو فتح ؟ فقال: " أي والذي نفسي بيده انه فتح " زاد ابن سعد: فلما نزل بها جبريل قال: ليهنئك يا رسول الله، فلما هناه جبريل هناه الناس (1).
وروى عبد الرزاق والامام أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والشيخان والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عن أنس - رضي الله عنه - قال: لما رجعنا من " الحديبية " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنزلت علي ضحى آية هي أحب الي من الدنيا جميعا "
__________
(1) أخرجه أحمد في المسند 3 / 420 واخرجه أبو داود في الجهاد باب فيمن أسهم له سهما وذكره الحافظ بن كثير في التفسير 7 / 308 والبيهقي في الدلائل 4 / 155.
(*)

(5/59)


ثلاثا - قلنا - وفي لفظ قالوا - هنيئا مريئا لك يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا ؟ فنزلت، وفي لفظ فنزلت عليه: (ليدخل المومنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار) [ الفتح 5 ] حتى بلغ (فوزا عظيما) (1).
وروى ابن أبي شيبة، والامام أحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود والنسائي، وابن جرير، وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: " أقبلنا من الحديبية " مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه، فسري عنه وبه من السرور ما شاء الله، فاخبرنا أنه أنزل عليه (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) (2).
وروي البيهقي من طريق المسعودي عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: لما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من " الحديبية " جعلت ناقته تثقل فانزل الله تعالى (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) فادر كنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من
السرور ما شاء، فاخبرنا أنها أنزلت عليه، فبينا نحن ذات ليلة إذ عرس بناء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من يحرسنا " ؟ فقلت أنا يا رسول الله، فقال: " إنك تنام " ثم قال: " من يحرسنا " فقلت: أنا.
فقال: أنت، فحرستهم، حتى إذا كان وجه الصبح أدركني قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنك تنام، فما آستيقظت إلا بالشمس، فلما استيقظنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله لو شاء أن لا تناموا عنها لا تناموا، ولكنه أراد أن يكون ذلك لمن بعدكم "، ثم قام فصنع كما كان يصنع، ثم قال: " هكذا لمن نام أو نسي من أمتي " ثم ذهب القوم في طلبهم رواحلهم فجاءوا بهن غير راحلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اذهب هاهنا " ووجهني وجها فذهبت حيث وجهني فوجدت زمامها قد التوى بشجرة ما كانت تحلها الايدي.
قال البيهقي: كذا قال المسعودي عن جامع بن شداد: إن ذلك كان حين أقبلوا من الحديبية (3)، ثم روى من طريق شعبة - وناهيك به عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك قال البيهقي: يحتمل أن يكون مراد المسعودي بذكر الحديبية تاريخ نزول السورة حين أقبلوا من الحديبية فقط، ثم ذكر معه حديث النوم عن الصلاة، وحديث الراحلة، وكانا في غزوة تبوك قلت لم ينفرد المسعودي بذلك، قال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا منذر عن شعبة عن جامع بن شداد به، ولا مانع من التعدد.
__________
(1) أخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص (436) (1760)، والبيهقي 5 / 217 وأحمد 4 / 152، والحاكم 4 / 460 وذكره السيوطي في الدر المنثور 6 / 71 والخطيب في التاريخ 3 / 319، البيهقي في الدلائل 4 / 155.
(2) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 582 (4833)، والبيهقي في الدلائل 4 / 155.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 155.
(*)

(5/60)


ذكر قدوم أبي بصير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورده إليهم وما حصل له ولاصحابه من الفرج روى عبد الرزاق والامام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابو داود والنسائي عن
المسور بن مخرمة، والبيهقي عن ابن شهاب الزهري (1) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة من الحديبية اتاه أبو بصير عتبة - بضم العين المهملة - ابن اسيد - بوزن أمير - بن جارية بجيم - الثقفى، حليف بني زهرة - مسلما قد افلت من قومه - فسار على قدميه سعيا، فكتب الاخنس بن شريق، وازهر بن عبد عوف الزهري الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا وبعثا خنيس - بمعجمة ونون وآخره مهملة - مصغر - ابن جابر من بنى عامر بن لؤي، استأجراه ببكر بن لبون، وحملاه على بعير، وكتبا يذكران الصلح الذى بينهم، وأن يردوا إليهم أبا بصير، فخرج العامري ومعه مولى له يقال له كوثر دليلا، فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام فقرأ أبي بن كعب الكتاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه، واشهدنا بينك وبيننا من رد من قدم عليك من أصحابنا فابعث الينا بصاحبنا.
فامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بصير أن يرجع معهما، ودفعه اليهما فقال: يا رسول الله تردني إلى المشركين يفتنونني في ديني ؟ فقال: " يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله - تعالى جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا "، فقال: يا رسول الله تردني إلى المشركين ؟ ! ! قال: " إنطلق يا أبا بصير، فان الله سيجعل لك فرجا ومخرجا " فخرج معهما، وجعل المسلمون يسرون إلى أبي بصير: يا أبا بصير أبشر فان الله لك فرجا لك فرجا ومخرجا، والرجل يكون خيرا من ألف رجل، فافعل وافعل: يامرونه بقتل اللذين معه، وقال له عمر: أنت رجل، ومعك السيف، فانتهيا به عند صلاة الظهر بذي الحليفة، فصلى أبو بصير في مسجدها ركعتين، صلاة المسافر، ومعه زاد له من تمر يحمله، ياكل منه.
ودعا العامري وصاحبه ليأكلا معه فقدما سفرة فيها كسر فاكلوا جميعا وقد علق العامري سيفه في الجدار وتحادثا.
ولفظ عروة: فسل العامري سيفه ثم هزه فقال: لاضربن بسيفي هذا في الاوس والخزرج يوما إلى الليل.
فقال له أبو بصير: أصارم سيفك هذا ؟ قال: نعم، قال: ناولنيه أنظر إليه إن شئت، فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد.
قال ابن عقبة: ويقال بل تناول أبو بصير السيف بفيه وصاحبه نائم، فقطع إساره ثم ضربه به حتى برد، وطلب الاخر فجمز مذعورا مستخفيا، وفي
لفظ: وخرج كوثر هاربا يعدو نحو المدينة وهو عاض على أسفل ثوبه قد بدا طرف ذكره،
__________
(1) أخرجه البخاري 5 / 329 في الشروط وأبو داود في الجهاد باب 167 وأحمد 4 / 331 والبيهقي في الدلائل 4 / 107 وفي السنن 9 / 221 وعبد الرزاق في المصنف (9720) وانظر البداية والنهاية 4 / 176.
(*)

(5/61)


والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه، وأبو بصير في أثره، فاعجزه وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في أصحابه بعد العصر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين راه: " لقد راى هذا ذعرا فلما أنتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ويحك مالك " قال: قتل والله صاحبكم صاحبي وأفلت منه بعير العامري.
ودخل متوشحا سيفه.
فقال: يا رسول الله قد وفت ذمتك وادى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد إمتنعت بديني من أن أفتن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ويل أمه مسعر حرب (1) " وفي لفظ " محش حرب، لو كان معه رجال " وفي لفظ له أحد قال عروة ومحمد بن عمر: وقدم سلب العامري لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخمسه، فقال: " إني إذا خمسته راوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت " وفي الصحيح أن أبا بصير لما سمع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد " عرف أنه سيرده، فخرج أبو بصير ومعه خمسة كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حين قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن طلبهم أحد حتى قدموا سيف البحر، ولما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبو بصير العامري إشتد عليه وقال: ما صالحنا محمد على هذا.
فقالت قريش: قد برئ محمد منه قد أمكن صاحبكم منه فقتله بالطريق، فما على محمد في هذا ؟ فاسند سهيل ظهره إلى الكعبة وقال: والله أؤخر ظهري حتى يودى هذا الرجل، قال أبو سفيان بن حرب: إن هذا لهو السفه، والله لا يودى ثلاثا - وانى قريش تديه وانما بعثته بنو زهرة ؟ فقال الاخنس بن شريق: والله ما نديه، ما قتلناه ولا أمرنا بقتله، قتله رجل مخالف فارسلوا الى محمد يديه.
فقال أبو سفيان بن حرب: لا، ما على محمد دية ولا غرم قد برئ محمد.
ما كان على محمد أكثر مما صنع، فلم تخرج له دية فاقام أبو بصير واصحابه بسيف البحر، وقال ابن شهاب: بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش.
قال محمد بن عمر: لما خرح أبو بصير لم يكن معه إلا كف تمر فاكله ثلاثة أيام، واصاب حيتانا قد القاها البحر بالساحل فاكلها، وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة خبر أبي بصير، فتسللوا إليه.
قال محمد بن عمر: كان عمر بن الخطاب هو الذي كتب إليهم بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابي بصير " ويل أمه محش حرب لو كان له رجال " واخبرهم أنه بالساحل، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذي رده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى المشركين بالحديبية، فخرج هو وسبعون راكبا ممن أسلموا فلحقوا بابي بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في
__________
(1) مسعر حرب أي موقدها، أنظر المعجم الوسيط 1 / 432.
(*)

(5/62)


هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهراني قومهم، فنزلوا مع أبي بصير، ولما قدم أبو جندل على أبي بصير سلم له الأمر، لكونه قرشيا فكان أبو جندل يؤمهم، واجتمع إلى أبي جندل - حين سمع بقدومه - ناس من بني غفار واسلم وجهينة، وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل - كما عند البيهقي عن ابن شهاب - لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا من فيها، وضيقوا على قريش، فلا يظفرون باحد منهم الا قتلوه.
ومما قاله أبو جندل بن سهيل في تلك الايام: أبلغ قريشا عن أبي جندل * أنا بذي المروة في الساحل في معشر تخفق راياتهم * بالبيض فيها والقنا الذابل يابون أن تبقى لهم رفقة * من بعد إسلامهم الواصل أو يجعل الله لهم مخرجا * والحق لا يغلب بالباطل فيسلم المرء باسلامه * ويقتل المرء ولم ياتل فارسلت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب يسالونه ويتضرعون إليه أن يبعث الى أبي بصير وابي جندل ومن معهم، وقالوا من خرج منا اليك فأمسكه فهو لك حلال
غير حرج أنت فيه.
وقال: فان هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره، فكتب يامرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى أبي بصير وأبي جندل يأمرهم أن يقدما عليه، ويامر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا الى بلادهم واهليهم فلا يتعرضوا لاحد مر بهم من قريش وعيراتها، فقدم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي بصير وهو يموت.
فجعل يقرؤه، ومات وهو في يديه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا.
وقدم أبو جندل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه ناس من اصحابه ورجع سائرهم الى اهليهم، وأمنت بعد ذلك عيرات قريش.
قال عروة: فلما كان ذلك من امرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمنع ابا جندل من أبيه القضية أن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير لهم فيما احبوا وفيما كرهوا من راى من ظن أن له قوة هي افضل مما خص الله تعالى به رسوله من الفوز والكرامة - صلى الله عليه وسلم - ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام القضية وحلق راسه قال: " هذا الذي وعدتكم ".
ولما كان يوم الفتح اخذ المفتاح وقال: " ادعوا لي عمر بن الخطاب.
فقال: " هذا الذي قلت لكم ".
ولما كان في حجة الوداع وقف بعرفة وقال: " أي عمر هذا الذي قلت لكم أني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ما كان فتح في الاسلام أعظم من صلح الحديبية، وكان الناس قصر

(5/63)


رأيهم عما كان، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - يقول: ما كان فتح في الاسلام أعظم من صلح الحديبية، وكان الناس قصر رأيهم عما كان بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ربه، والعباد يعجلون، والله - تعالى - لا يعجل لعجلة العبد حتى يبلغ الامور ما أراد، لقد رايت سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينحرها بيده، ودعا الحلاق رأسه فانظر الى سهيل يلقط من شعره، وأراه يضعه على عينيه، واذكر امتناعه أن يقر يوم الحديبية بان يكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " فحمدت الله
- تعالى - الذي هداه للاسلام.
ذكر ما انزل الله سبحانه وتعالى في شان غزوة الحديبية: قال الله سبحانه وتعالى " انا فتحنا لك فتحا مبينا " بينا وظاهرا، وهذا اخبار عن صلح الحديبية، وسماه فتحا لانه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سألوه الصلح، وتسبب عنه فتح مكة، وفرغ به - صلى الله عليه وسلم - لسائر العرب فغزاهم، وفتح مواضع.
وروى البخاري عن أنس - رضي الله عنه - في الاية قال: الفتح صلح الحديبية (1).
وروى أيضا عن البراء رضي الله عنه - قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.
قال الحافظ رحمه الله يعني قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم: والتحقيق: أنه يختلف باختلاف المراد من الايات.
فقوله - تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) المراد بالفتح هنا الحديبية، لانها كانت مبدا الفتح المبين على المسلمين لما ترتب على الصلح الذي وقع من الامن ورفع الحرب وتمكن من كان يخشى الدخول في الاسلام والوصول الى المدينة من ذلك، كما وقع لخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وغيرهما، ثم تبعت الاسباب بعضها بعضا، إلى أن كمل الفتح.
قال الزهري: لم يكن في الاسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه إنما كان الكفر حيث القتال، فلما أمن الناس كلهم، كلم بعضهم بعضا، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد بالاسلام يعقل شيئا الا بادر الى الدخول فيه، فلقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الاسلام قبل ذلك أو أكثر.
__________
(1) البخاري 8 / 447 (4834).
(*)

(5/64)


قال ابن هشام: ويدل عليه انه - صلى الله عليه وسلم - خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج
بعد سنتين الى فتح مكة في عشرة آلاف انتهى.
وأما قوله - تعالى - في هذه السورة: (وأثابهم فتحا قريبا) فالمراد به فتح خيبر على الصحيح، لانها وقعت فيها المغانم الكثيرة، وقسمت خيبر على اهل الحديبية، واما قوله - تعالى: (فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) فالمراد به الحديبية، واما قوله - تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح) وقوله - صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " (1) فالمراد به فتح مكة باتفاق، فبهذا يرتفع الاشكال وتجتمع الاقوال بعون الله.
وقال في موضع آخر: ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري، انه كان مقدمة بين يدي الفتح الاعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجا " فكانت الهدنة معناها كذلك، ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحا، لان الفتح في اللغة فتح مغلق، والصلح كان مغلقا حتى فتحه الله - تعالى.
وكان من أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، فكان في الصورة الظاهرة ضيما للمسلمين، وفي الصورة الباطنة عزا لهم، فان الناس لاجل الامن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القران وناظروهم على الاسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية.
وظهر من كان يخفى إسلامه، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة، وقهروا من حيث أرادوا الغلبة، (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) اللام للعلة الغائية، جعل الغفران علة للفتح من حيث أنه سبب عن جهاد الكفار والسعي في إعلاء الدين، وازاحة الشرك وتكميل النفوس الناقصة قهرا، ليصير ذلك بالتدريج اختيارا، وتخليص الضعفة من أيدي الظلمة، وتقدم الكلام على هذه الاية في أواخر تنبيهات المعراج، وياتي له تتمة في الخصائص (ويتم) بالفتح المذكور (نعمته) إنعامه باعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة (عليك ويهديك) في تبليغ الرسالة وإقامة مراسيم الديانة (صراطا) طريقا (مستقيما) يثبتك عليه، وهو دين الاسلام (وينصرك) الله (به نصرا عزيزا) ذا عز لا ذل معه (هو الذي أنزل السكينة) الثبات والطمانينة (في قلوب المؤمنين) حتى يثبتوا، حتى لا تقلق النفوس وتدحض الاقدام
(ليزدادوا إيمانا) يقينا (مع إيمانهم) يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، أو أنزل فيه السكون الى ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ليزدادوا إيمانا) بالشرائع (مع إيمانهم) بالله واليوم الاخر (ولله جنود السموات والارض) فلو أراد نصر دينه بغيركم لفعل (وكان الله عليما) بخلقه (حكيما) في صنعه، أي لم يزل متصفا بذلك، ثم ذكر - تعالى - القصة في
__________
(1) أخرجه من حديث ابن عباس البخاري 6 / 3 (2783) ومسلم 2 / 986 (445 / 1353).
(*)

(5/65)


رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي أصحابه حتى انتهى إلى ذكر البيعة فقال عز وجل (إن الذين يبايعونك) بيعة الرضوان بالحديبية (إنما يبايعون الله) أي ما يبايعون أحدا إلا الله، اي ليست تلك المبايعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل مع الله - تعالى - وكما روعيت المشاكلة بين قوله: (إن الذين يبايعونك) وبين قوله (إنما يبايعون الله) بنى عليها قوله (يد الله فوق أيديهم) على سبيل الاستعارة التخييلية تتميما لمعنى المشاكلة، وهو كالترشيح للاستعارة، أي إذا كان الله - تعالى - مبايعا، ولابد للمبايع - كما تقرر واشتهر - من الصفقة لليد فتخيل اليد لتاكيد المشاكلة، والا، فجل جنابه الاقدس عن الجارحة، والمعنى أن الله تعالى - مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها (فمن نكث) يقض البيعة (فانما ينكث) يرجع وبال نقضه على نفسه (ومن أوفى) ثبت (بما عاهد عليه الله) في مبايعته (فسنؤتيه) بالفوقية والنون (أجرا عظيما) وهو الجنة، ثم ذكر تعالى ما المنافقون يعتلون به إذا لقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال تبارك وتعالى: (سيقول لك المخلفون) من الاعراب حول المدينة، الذين خلفهم الله - تعالى - صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك الى مكة، خوفا من تعرض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها (شغلتنا أموالنا وأهلونا) عن الخروج معك (فاستغفر لنا) الله - تعالى - من ترك الخروج معك، قال سبحانه وتعالى مكذبا لهم (يقولون بالسنتهم) أي من طلب الاستغفار والاعتذار (ما ليس في قلوبهم) فهم كاذبون في اعتذارهم (قل فمن) استفهام بمعني النفي، أي لا أحد (يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا) بفتح الضاد
- ما يضركم كقتل، وخلل في المال والاهل وعقوبة عن التخلف - وبضمها - أي [ الهزال وسوء الحال ] (أو أراد بكم نفعا) ما يضاد ذلك، لانهم ظنوا أن تخلفهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدفع عنهم الضرر، ويجعل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم تبارك وتعالى أنه إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه (بل) هنا وفيما ياتي للانتقال من غرض الى آخر (كان الله بما تعملون خبيرا) فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى أهليهم أبدا) أي ظننتم أن العدو يستاصلهم فلا يرجعون، (وزين ذلك) عدم الانقلاب (في قلوبكم) فتمكن فيها (وظننتم ظن السوء) هذا وغيره (وكنتم قوما بورا) بواو وراء جمع بائر أي هالكين عند الله - تعالى - بهذا الظن (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا) أعددنا وهيئنا (للكافرين سعيرا) نارا شديدة (ولله ملك السموات والارض) يديره كيف يشاء (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) إذ لا وجوب عليه (وكان الله غفورا رحيما) ولم يزل متصفا بذلك، ثم ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إذا انطلقوا الى مغانم لياخذوها التمس المخلفون الخروج لعرض من الدنيا، فقال تبارك وتعالى (سيقول لك المخلفون) المذكورون (إذا انطلقتم الى مغانم

(5/66)


لتاخذوها) هي مغانم خيبر، فانه - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة مدة ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها، وغنم أموالا كثيرة فخصها بهم (ذرونا) اتركونا (نتبعكم) لنأخذ منها (يريدون) بذلك (أن يبدلوا كلام الله) وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف، وهو جمع كلام - أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة (قل لن تتبعونا) نفى بمعنى النهي (كذلكم قال الله من قبل) أي من قبل عودنا (فيسقولون بل تحسدوننا) أن نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك (بل كانوا لا يفقهون) يعلمون من الدين (إلا قليلا) منهم (قل للمخلفين من الاعراب) المذكورين اختيارا (ستدعون الى قوم أولى باس) أصحاب (شديد تقاتلونهم) حال مقدرة - هي المدعو إليها في المعنى (أو) هم
(يسلمون) فلا يقاتلون (فان تطيعوا) الى قتالهم (يوءتكم الله أجرا حسنا) هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الاخرة (وان تتولوا كما توليتم من قبل) عن الحديبية (يعذبكم عذابا أليما) مؤلما (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج) إثم في ترك الجهاد (ومن يطع الله ورسوله يدخله) بالياء والنون (جنات تجري من تحتها الانهار) فصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته ثم جمل ذلك بالتكرار على سبيل التعميم فقال: (ومن يتول يعذبه) كذلك (عذابا أليما) إذ الترهيب هنا أنفع من الترغيب.
ثم ذكر - تعالى - من بايع تحت الشجرة عز وجل (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك) بالحديبية (تحت الشجرة) هي سمرة كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمة، أو سدرة كما رواه مسلم عن جابر (فعلم) الله تعالى (ما في قلوبهم) من الصدق والوفاء (فانزل السكينة) الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع (عليهم) ثم ذكر ما أثابهم عن ذلك فقال: (وأثابهم فتحا قريبا) هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية (ومغانم كثيرة ياخذونها) من يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم (وكان الله عزيزا) غالبا (حكيما) أي لم يزل متصفا بذلك (وعد كم الله مغانم كثيرة تأخذونها) من الفتوحات التي تفتح لكم الى يوم القيامة (فعجل لكم هذه) غنيمة خيبر، ثم ذكرهم نعمته عليهم بكف أيدي العدو عنهم فقال تعالى: (وكف أيدي الناس عنكم) في عيالكم لما خرجتم وهمت بهم اليهود، فقذف الله - عز وجل - في قلوبهم الرعب، وقيل: كف أيدي أهل مكة بالصلح (ولتكون) هذه الكفة أو الغنيمة المعجلة - عطفا على مقدر أي لتشكروه (آية) علامة (للمؤمنين) يعرفون بها أنهم من الله - تعالى - بمكان، أو صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وعدهم فتح خيبر حين رجوعه من الحديبية (ويهديكم صراطا مستقيما) أي طريق التوكل عليه، وتفويض الامر إليه - تعالى - (وأخرى) صفة مغانم،

(5/67)


فيقدر مبتدأ (ولم تقدروا عليها) بعد، لما كان فيها من الجولة، والمراد: فارس والروم (وقد أحاط الله بها) علم أنها ستكون لكم (وكان الله على كل شئ قديرا) لان قدرته دائمة لا تختص بشئ دون شئ (ولو قاتلكم الذين كفروا) بالحديبية ولم يصالحوا (لولوا الادبار) لانهزموا (ثم لا يجدون وليا) يحرسهم (ولا نصيرا) ينصرهم (سنة الله) مصدر مؤكد بمضمون الجملة قبله من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، أي سن الله - تعالى - ذلك سنة (التي قد خلت) مضت في الامم كما قال - تعالى - (لاغلبن أنا ورسلي) [ المجادلة 21 ] (من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) تغييرا منه (وهو الذي كف أيديهم عنكم أي كفار مكة (وأيديكم عنهم ببطن مكة) بالحديبية (من بعد أن أظفر كم عليهم) فان ثمانين طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم غرة فاخذوا، فاتى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعفا عنهم، وخلى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح (وكان الله بما تعملون) من مقاتلتهم، وقرأ أبو عمرو بالتحتية (بصيرا) فيجازيهم عليه (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام) عن وصول إليه (والهدي معكوفا) عليكم، معكوفا: محبوسا، حال (أن يبلغ محله) الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال (ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) موجودون بمكة مع الكفار (لم تعلموهم) بصفة الايمان (أن تطئوهم) تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح، بدل اشتمال (فتصيبكم منهم) من جهتهم (معرة) مكروه، بوجوب الدية، أو الكفارة بقتلهم، أو التأسف عليهم، أو غير ذلك (بغير علم) منكم به، وضمائر الغيبة به للصنفين بتغليب الذكور، وجواب لولا محذوف أي لاذن لكم في الفتح لكن لم يؤذن فيه حينئذ (ليدخل الله في رحمته من يشاء) كالمؤمنين المذكورين (لو تزيلوا) تميزوا عن الكفار (لعذبنا الذين كفروا منهم) من أهل مكة حينئذ بان ناذن لكم في فتحها (عذابا أليما) مؤلما (إذ جعل) متعلق بعذبنا (الذين كفروا) فاعل (في قلوبهم الحمية) الانفة من الشئ (حمية الجاهلية) بدل من حمية، وهي صدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن المسجد الحرام (فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)
فصالحوهم، على أن هذا يعود من قابل، ولم يلحقهم من الحمية ما لحق الكفار حتى يقاتلوهم (وألزمهم كلمة التقوى) لا اله إلا الله محمد رسول الله، وأضيفت الى التقوى لانها سببها (وكانوا أحق بها) من الكفار (وأهلها) عطف تفسير (وكان الله بكل شئ عليما) أي لم يزل متصفا بذلك، ومن معلومه تعالى أن المؤمنين أهلها (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) راى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو واصحابه آمنين ويحلقون رؤوسهم ويقصرون، فاخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلما خرجوا معه وصدهم الكفار بالحديبية ورجعوا، وشق عليهم ذلك، وراب بعض المنافقين

(5/68)


نزلت، وقوله تعالى: (بالحق) متعلق بصدق، أو حال من الرؤيا، وما بعدها تفسير لها (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم) أي جميع شعورها (ومقصرين) شعورها، وهما حالان مقدرتان (لا تخافون) حال مؤكدة أو استئناف: أي لا تخافون بعد ذلك (فعلم) في الصلح (ما لم تعلموا) من الصلاح (فجعل من دون ذلك) أي الدخول (فتحا قريبا) هو فتح خيبر، وتحققت الرؤيا في العام القابل، وياتي الكلام على تفسير بقية السورة في الخصائص إن شاء الله تعالى.
تنبيهات الأول: الحديبية: بحاء مهملة مضمومة، فدال مهملة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية مفتوحة.
قال الامام الشافعي - رحمه الله - وأهل اللغة وبعض أهل الحديث - رحمهم الله - التحتية مخففة.
وقال أكثر أهل الحديث مشددة.
قال النووي - رحمه الله - فهما وجهان مشهوران.
وقال في المطالع: ضبطنا التخفيف عن المتقنين واما عامة الفقهاء والمحدثين فيشددونها.
وقال البكري - رحمه الله - أهل العراق يشددون، وأهل الحجاز يخففون.
وقال النحاس - رحمه الله - سالت كل من لقيت ممن أثق بعلمه عن " الحديبية " فلم
يختلفوا عن قراءتها مخففة.
قال أحمد بن يحيى (1) - رحمه الله - لا يجوز فيها غيره، ونص في البارع على التخفيف.
وحكى التشديد ابن سيده - رحمه الله - في المحكم، قال في تهذيب المطالع: ولم أره لغيره، وأشار بعضهم الى أن التثقيل لم يسمع حتى يصح، ووجهه أن التثقيل إنما يكون في المنسوب، نحو الاسكندرية فانها منسوبة الى الاسكندر وأما الحديبية فلا تعقل فيها النسبة، وياء اليسبة في غير منسوب قليلة، ومع قلته موقوف على السماع.
والقياس أن يكون أصلها حدباء بزيادة " ألف للالحاق ببنات الاربعة، فلما صغرت انقلبت الالف ياء "، وقيل: حديبة، وشهد لصحة هذا أقوالهم لييلة بالتصغير، ولم يرد لها مكبر فقدره الائمة ليلة لان المصغر فرع المكبر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله.
قال المحب الطبري - رحمه الله -: هي قريبة من مكة أكثرها في الحرم.
وفي صحيح البخري عن البراء " الحديبية " بئر.
قال الحافظ - رحمه الله - يشير الى أن
__________
(1) أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، أبو العباس، المعروف بثعلب: إمام الكوفيين في النحو واللغة.
كان راوية للشعر، محدثا، مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة، ثقة حجة.
ولد ومات في بغداد.
وأصيب في أواخر أيامه بصمم فصدمته فرس فسقط في هوة، فتوفي على الاثر سنة 291 ه من كتبه " الفصيح و " قواعد الشعر " و " شرح ديوان زهير "، انظر الاعلام 1 / 267.
(*)

(5/69)


المكان المعروف بالحديبية سمي ببئر كانت هنالك، هذا اسمها، ثم عرف المكان كله بذلك، وبينها وبين مكة نحو مرحلة واحدة، وبين المدينة تسع مراحل الثاني: قالوا: كانت سنة ست، قاله الجمهور، في ذي القعدة، وقال هشام ابن عروة عن أبيه - رحمهما الله - في شوال، وشذ بذلك هشام عن الجمهور.
وقد وافق أبو الاسود عن عروة الجمهور.
وفي البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ذي القعدة، وفيه عن أنس - رضي الله عنه - اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمر كلهن
في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية (1).
الثالث: اختلفت الروايات في عدة من كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، ففي رواية عبد العزيز الافاقي عن الزهري في حديث المسور، ومروان: ألف وثمانمائة.
وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء: كنا أربع عشرة مائة.
وفي رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر.
وفي رواية لسالم بن أبي الجعد عن جابر: أنهم كانوا خمس عشرة مائة، وكذلك رواية سعيد بن المسيب عنه، وكذلك رواية ابن أبي شيبة عن مجمع بن جارية.
قال الحافظ - رحمه الله - والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألف وأربعمائة ألغاه.
ويؤيده قول البراء في رواية عنه: كنا ألفا وأربعمائة أو أكثر، واعتمد على هذا الجمع النووي - رحمه الله.
وأما البيهقي - رحمه الله - فمال الى الترجيع، وقال: إن رواية من قال ألفا وأربعمائة أرجح، ثم روى من طريق أبي الزبير ومن طريق سفيان بن عمر بن دينار، كلاهما عن جابر كذلك.
ومن رواية معقل بن يسار عن سلمة بن الاكوع، والبراء بن عازب ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه، ومعظم هذه الطرق عن مسلم.
ووقع عند ابن سعد - رحمه الله - في حديث معقل بن يسار: زهاء ألف وأربعمائة، وهو أيضا في عدم التحديد.
واما قول عبد الله بن أبي أوفى - رحمه الله -: كنا ألفا وثلثمائة كما رواه البخاري، فيمكن حمله على ما اطلع عليه، واطلع غيره على زيادة أناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة.
أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة.
والزيادة عليها من الاتباع ومن الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم.
__________
(1) أخرجه البخاري 7 / 439 (4148) ومسلم 2 / 916 (217 / 1253) وسيأتي في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الحج.
(*)

(5/70)


وأما قول ابن اسحاق - رحمه الله - إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه، لانه قاله استنباطا من قول جابر - رضي الله عنه -: نحرنا البدنة عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة.
وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا.
وقال ابن القيم: ما ذكره ابن إسحاق غلط بين، واستدل به من أنهم نحروا سبعين بدنة، والبدنة جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، هذا لا يدل على ما قاله فانه قد صرح أنالبدنة في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم كانوا أربعمائة وتسعين رجلا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنهم كانوا ألفا وأربعمائة.
وأما ما وقع في حديث المسور ومروان عن البخاري أنهم خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضع عشرة مائة، فيجمع أيضا بان الذين بايعوا كانوا كما تقدم.
وأما الذين زادوا على ذلك فكانوا غائبين عنها، كمن توجه مع عثمان - رضي الله عنه - الى مكة، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس والاربع، فلا تخالف.
وجزم ابن عقبة بانهم كانوا ألفا وستمائة، وفي حديث سلمة بن الاكوع عند ابن أبي شيبة ألفا وسبعمائة.
وحكى ابن سعد: انهم كانوا الفا وخمسمائة وخمسة وعشرين.
وهذا إن ثبت تحرير بالغ.
وزاد ابن مردويه عن ابن عباس، وفيه رد على ابن دحية، حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم، أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وانما ذكره بالحدس والتخمين.
الرابع: في أخذه - - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين عن خالد وجيشه، جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجاتهم بالجيش طلبا لغرتهم.
الخامس: في استشارته - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، استحباب مشورة الامام رعيته وجيشه اشتخراجا لوجه الراي، واستطابة لنفوسهم، وان يخصص به بعضهم دون البعض.
السادس: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ما خلات وما ذاك لها بخلق، جواز الحكم على الشئ بما عرف من عادته، وان جاز أن يطرأ عليه، وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد مثلها منه لا
تنسب إليه ويرد على من نسبه إليها ممن، لا يعرف صورة حاله، لان خلا القصواء لو لا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة جميعا صحيحا، ولم يعاتبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعذرهم في ظنهم.
السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله عز وجل عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، وقصة الفيل مشهورة، وتقدمت الاشارة إليها.
ومناسبة ذكرها أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدتهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي الى سفك الدماء ونهب الاموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في علم

(5/71)


الله - تعالى - في الموضعين أنه سيدخل في الاسلام خلق منهم، وسيخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون.
وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب منهم ناس بغير عمد كما أشار الى ذلك تبارك وتعالى - في قوله: (ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) [ الفتح 25 ] الاية.
الثامن: استبعد المهلب جواز إطلاق حابس الفيل على الله عز وجل، وقال: المراد حبسها أمر الله سبحانه وتعالى.
وتعقب بانه يجوز إطلاق ذلك في حق الله - تعالى - فيقال: حبسها الله حابس الفيل، وانما الذي يمكن أن يمنع تسميته - تعالى - حابس الفيل ونحوه، كما أجاب به بن المنير، وهو مبني على الصحيح من أن الاسماء توقيفية.
وقد توسط الغزالي وطائفة فقالوا: محل المنع ما لم يرد نص بما يشتق منه بشرط ألا يكون ذلك الاسم المشتق منه مشعرا بنقص، فيجوز تسميته بالواقي (ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته) [ غافر 9 ] ولا يجوز تسميته البناء وان ورد في قوله تعالى: (والسماء بنيناها بايد) [ الذاريات 47 ] التاسع: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " حبسها حابس الفيل " جواز التشبيه من الجهة العامة، وإن اختلف الجهة الخاصة، لان اصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة
كانوا على حق محض، ولكن جاز التشبيه من جهة إرادة الله - تعالى - منع الحرم مطلقا، أما من أهل الباطل فواضح، وأما من أهل الحق فللمعنى الذي تقدم ذكره في الرابع.
العاشر: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " والذي نفسي بيده لا يسالوني اليوم خطة...الى آخره ".
قال السهيلي رحمه الله: لم يقع في شئ من طرق الحديث، أنه قال إن شاء الله - تعالى - مع أنه مامور في ذلك في كل حال.
قال: والجواب عن ذلك أنه كان أمرا واجبا حتما، فلا يحتاج معه للاستثناء، وتعقب بانه - تعالى - قال في هذه القصة (لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين) فقال: ان شاء الله، مع تحقيق وقوع ذلك تعليما وإرشادا، فالاولى أن يحمل على أن الاستثناء سقط من الراوي، أو كانت القصة قبل نزول الامر بذلك، ولا يعارضه كون الكهف مكية، إذ لا مانع من أن يتاخر نزول بعض السورة، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - " والذي نفسي بيده " الخ تأكيد القول باليمين ليكون أدعى الى القبول.
وقد حفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحلف في أكثر من ثمانين موضعا، كما سيأتي بسط ذلك في بابه.
الحادي عشر: في حديث البراء في شفير بئر الحديبية أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمضمض

(5/72)


ودعا ثم صبه فيها، وفي حديث المسور، ومروان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها، ويمكن الجمع بان الامرين وقعا معا، ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن عمر من طريق أوس بن خولى أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ في الدلو ثم افرغه فيها وانتزع السهم ثم وضعه فيها، وهكذا ذكر أبو الاسود عن عروة أنه - صلى الله عليه وسلم - تمضمض في الدلو وصبه في البئر، ونزع سهما من كنانته فالقاه فيها ففارت.
الثاني عشر: اختلف في النازل بالسهم، فعند ابن اسحاق عن رجال من أسلم: أنه ناجية بن جندب.
قال ابن إسحاق: وزعم بعض أهل العلم أنه البراء بن عازب.
وروى محمد بن عمر عن خالد بن عبادة الغفاري قال: أنا الذي نزلت بالسهم، ويمكن
الجمع بانهم تعاونوا على ذلك.
الثالث عشر: في حديث جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بين يديه بالحديبية ركوة فتوضأ فيها ثم أقبل الناس نحوه فقال " ما لكم ؟ فقالوا: يا رسول الله: ليس عندنا ما نتوضا ولا نشرب إلا ما في ركوتك.
قال: فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كامثال العيون، قال: فشربنا وتوضانا.
وجمع ابن حبان بين حديث جابر هذا وبين ما تقدم بان ذلك وقع مرتين في وقتين، وقال ما تقدم في حديث البراء والمسور ومروان غير ما في حديث جابر، وكان حديثه قبل قصة البئر، وقال في موضع آخر في حديث جابر في الاشربة من كتاب البخاري أن نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لارادة ما هو أعم من ذلك، ويحتمل أن الماء انفجر من أصابعه ويده في الركوة وتوضأ كلهم وشربوا، وأمر حينئذ بصب الماء الذي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها.
الرابع عشر: اقتصر بديل بن ورقاء على قوله: تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما، وبقي من قريش بنو سامة بن لؤي، ولم يكن بمكة منهم أحد، وكذلك قريش الظواهر، وتقدم بيانهم في من اسمه القريشي.
قال هشام بن الكلبي: بنو عامر بن لؤي وكعب بن لؤي هما الصريحان لا شك فيهما، بخلاف سامة وعوف، أي ففيهما خلاف، قال: وهم قريش البطاح، بخلاف قريش الظواهر وفي موالاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الخامس عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم - " إن أظهر فان شاءوا " إلخ إنما ردد - صلى الله عليه وسلم - الامر مع أنه جازم بان الله سينصره ويظهره، لوعده - تعالى - له بذلك على طريق التنزل مع الخصم وفرض الامر على ما زعم الخصم، ولهذه النكتة حذف القسم الأول وهو التصريح بظهور غيره، وقوله

(5/73)


- صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك " ولينفذن الله أمره " - بضم أوله وكسر الفاء، أي ليمضين الله - تعالى - أمره
في نصر دينه، وحسن الاتيان بهذا الجزم بعد ذلك الترديد للتنبيه على أنه لم يورده إلا على سبيل الفرض، ووقع التصريح بذكر القسم الأول في رواية ابن إسحاق كما في القصة، فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة.
السادس عشر: قول عروة لقريش ألستم بالوالد وألست بالولد هو الصواب، ووقع لبعض رواة الصحيح عكس ذلك، وزعم أن كل واحد منكم كالولد، وقيل: معناه أنتم حي قد ولدني، لكون أمي منكم، وهذا هو الصحيح، لانه كان لسبيعة بنت عبد شمس.
السابع عشر: في قيام المغيرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف، جواز القيام على راس الامين له بقصد الحراسة، ونحوها من ترهيب العدو ولا يعارضه النهي عن القيام على راس الجالس، لان محله إذا كان على وجه العظمة والكبر.
الثامن عشر: كانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه ولا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يفعل ذلك النظير، بالنظير لكن كان الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغضي لعروة عن ذلك استمالة له وتاليفا له، والمغيرة يمنعه إجلالا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيما.
التاسع عشر: في تعظم الصحابة رضوان الله عليهم - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ذكره يعد إشارة منهم الى الرد على ما خشيه عروة من فرارهم، وكانهم قالوا بلسان حالهم: من يحب إمامه هذه المحبة ويعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أنه يفر عنه ويسلمه لعدوه بل هم أشد اغتباطا به وبدينه ونصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضا بمجرد الرحم.
العشرون: استشكل قوله - صلى الله عليه وسلم - في مكرز هذا رجل فاجر أو غادر مع أنه لم يقع منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، بل فيها ما يشعر بخلاف ذلك كما سبق في القصة، وفي إجازته أبا جندل لاجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما امتنع سهيل بن عمرو - رضي الله عنه - قبل إسلامه، وأجيب: قال محمد بن عمر في مغازيه في غزوة " بدر " إن عتبة بن ربيعة قال لقريش: كيف نخرج من مكة وبنو كنانة خلفنا لانا منهم على ذرارينا ؟ قال: وذلك أن حفص بن الاخيف - بخاء معجمة فتحتية وبالفاء - والد مكرز كان له ولد وضئ فقتله رجل من بني بكر
ابن عبد مناء بدم لهم، كان في قريش، فتكلمت قريش في ذلك، ثم اصطلحوا، فعدا مكرز بن حفص بعد ذلك على عامر بن يزيد، سيد بني بكر غرة فقتله، فنفرت من ذلك كنانة، فجاءت وقعة بدر في أثناء ذلك، وكان مكرز معروفا بالغدر وتقدم في القصة أنه أراد أن يبيت للمسلمين بالحديبية، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - أشار الى هذا.
الحادي والعشرون: في صحيح مسلم عن سلمة بن الاكوع - رضي الله عنه: أنه أول من بايع.

(5/74)


وروى الطبراني وغيره كما في القصة عن الشعبي (ورواه) ابن مندة عن ذر بن حبيش - رحمهما الله - أن أول من بايع أبو سنان الاسدي، والجمع (ممكن) بينهما.
الثاني والعشرون: في حديث سلمة بن الاكوع - رضي الله عنه - أنهم بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الموت، وفي حديث جابر وغيره: على انهم لا يفروا، وقال الحافظ: لا تنافي بينهما، لان المراد بالمبايعة على الموت ألا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولابد، وهو الذي أنكره نافع وعدل الى قولهم، بل بايعهم على النصر، أي على الثبات، وعدم الفرار، سواء أفضى ذلك الى الموت أم لا.
وقال في موضع آخر: من أطلق أن بيعته كانت على الموت أراد لازمها لانه إذا بايع على ألا يفروا لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت اما أن يغلب واما أن يؤسر، والذي يؤسر اما أن ينجو واما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة والاخر حكى ما تؤول إليه.
الثالث والعشرون: من الصحابة رضى الله عنهم من بايع مرتين، وهو عبد الله بن عمر، وقد اختلف في سبب مبايعته قبل أبيه رضي الله عنهما، كما تقدم في القصة عن نافع عنه.
وجمع بانه بعثه يحضر الفرس ورأى الناس مجتمعين فقال أنظر ما شانهم فغدا يكشف حالهم فوجدهم يبايعون فبايع وتوجه الى الفرس فاحضرها، وأعاد حينئذ الجواب على أبيه فخرج
وخرج معه فبايع عمر وبايع ابن عمر مرة أخرى.
الرابع والعشرون: من الصحابة رضي الله عنهم من بايع ثلاث مرات، وهو سلمة ابن الاكوع رضي الله عنه - طلب ذلك منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع علمه بانه بايع قبل.
قال المهلب: أراد صلى الله عليه وسلم أن يؤكد بيعته لسلمة لعلمه بشجاعته وغنائه في الاسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون سلمة لما بدر الى المبايعة ثم قعد قريبا، واستمر الناس يبايعون الى أن خفوا، أراد صلى الله عليه وسلم منه أن يبايع لتتوالى المبايعة معه ولا يقع فيها تخلل، لان العادة في فبدإ كل أمر أن يكثر من يباشر من يباشر فيتوالى، فإذا تناهى قد يقع بين من سيجئ آخرا تخلل ولا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكره، والواقع ان الذي أشار إليه المهلب من حال سلمة في الشجاعة وغيرها لم يكن ظهر بعد " لانه انما وقع منه بعد ذلك في غزوة ذي قرد كما سيأتي، حيث استعاد الصرح الذي كان المشركون أغاروا عليه، فاستلب ثيابهم، وكان آخر أمره أن أسهم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم الفارس والراجل.

(5/75)


فالاولى أن يقال تفرس فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك فبايعه مرتين، واشار الى انه سيقوم في الحرب مقام رجلين فكان كذلك.
قلت: ولم يستحضر الحافظ ما وقع عند مسلم: انه - صلى الله عليه وسلم - بايعه ثلاث مرات، ولو استحضره لوجهه.
الخامس والعشرون: الحكمة في قطع عمر الشجرة في إخفاء مكانها أنه لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن من تعظيم الجهال لها حتى ربما أفضى بهم أن لها قوة نفع وضر كما نراه الان شاهدا فيما دونها، والى ذلك أشاد عمر بقوله: " كانت رحمة من الله "، أي كان إخفاوها بعد ذلك رحمة من الله تعالى، ويحتمل ان يكن معنى قوله " رحمة من الله " أي كانت الشجرة موضع رحمته ومحل رضوانه لانزاله الرضى على المؤمنين
عندها.
وقول المسيب والد سعيد أنسيناها، وفي لفظ نسيناها، أي نسينا موضعها بدليل قوله: فلم نقدر عليها.
وفي رواية عند الاسماعيلي فعمى علينا مكانها.
وقول المسيب وابن عمر: أنهما لم يعلما مكانها، لا يدل على عدم معرفتها أصلا، فقد قال جابر كما في الصحيح: لو كنت أبصر اليوم لاريتكم مكان الشجرة، فهذا يدل على أنه كان يضبط مكانها بعينه، وإذا كان في آخر عمره بعد الزمان الطويل يضبط موضعها، ففيه دلالة على أنه كان يعرفه بعينها، قبل أن يقطعها عمر - رضي الله عنه.
السادس والعشرون: جزم ابن اسحاق وابن سعد والجمهور بان مدة الصلح عشر سنين، ورواه الحاكم عن على - رضي الله عنه - ووقع في مغازي ابن عائذ في حديث ابن عباس وغيره أنها كانت سنتين، وكذا وقع عند ابن عقبة، ويجمع بان الذي قاله ابن اسحاق هي المدة التي وقع الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش كما سيأتي بيانه في غزوة الفتح.
وأما ما وقع في كامل ابن عدي ومستدرك الحاكم، والاوسط للطبراني من حديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين، فهو مع ضعف اسناده منكر مخالف للصحيح.
السابع والعشرون: الذي كتب كتاب الصلح بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين سهيل، علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما رواه البخاري في كتاب الصلح عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما -، وعمر بن شبة من حديث سلمة بن الاكوع، واسحاق بن راهويه عن الزهيري.
وروى عمر بن شبة عن عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه قال: الكتاب عندنا كتبه محمد بن مسلمة، ويجمع بان أصل كتاب الصلح، بخط علي - رضي الله عنه - كما في الصحيح، ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو، وقال الحافظ: ومن الاوهام ما ذكره

(5/76)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية