صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد
المؤلف : محمد بن يوسف الصالحي الشامي
مصدر الكتاب : الإنترنت
http://www.yasoob.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان طولها ستمائة ذراع فأمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل جنس من الحيوان زوجين اثنين وحشرها الله تعالى إليه من البر والبحر.
وأول ما حمل في السفينة الدرة وآخره الحمار.
قيل كان المؤمنون في السفينة سبعة: نوح وبنوه سام وحام ويافث وأزواج بنيه.
وقيل ثمانية.
وقيل عشرة.
وقيل اثنان وسبعون.
وقيل ثمانون من الرجال والنساء.
وكان نوح عليه الصلاة والسلام أطول الأنبياء عمرا حتى قيل إنه عاش ألف سنة وثلاثمائة سنة.
ولما نزل عليه الوحي كان عمره ثلاثمائة سنة وخمسين سنة.
فلبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم.
قال في " المطلع ": ما أسلم من الشياطين إلا شيطانان: شيطان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشيطان نوح عليه الصلاة والسلام.
وقال إبليس لنوح عليه الصلاة والسلام: خذ مني خمسا.
فقال: لا أصدقك فأوحى الله تعالى إليه: أن صدقه في الخمس.
قال: قل.
قال إياك والكبر، فإني إنما وقعت فيه بالكبر.
وإياك والحسد فإن قابيل قتل هابيل أخاه حسدا.
وإياك والطمع فإن آدم أورثه ما أورثه الطمع.
وإياك والحرص فإن حواء وقعت فيما وقعت بالحرص.
وإياك وطول الأمل فإنهما وقعا فيما فيه بطول الأمل.
وسماه الله تعالى عبدا شكورا.
روى الفريابي وابن جرير والحاكم وصححه عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: كان نوح إذا لبس ثوبا أو طعم طعاما حمد الله تعالى فسمي عبدا شكورا.
ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم ما رواه النسائي والحاكم والبزار عن رجل من الأنصار من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال نوح لابنه: إني أوصيك بوصية وقاصرها لكي لا تنساها: أوصيك باثنتين وأنهاك عن اثنتين.
أما اللتان أوصيك بهما فيستبشر الله بهما وصالح خلقه وهما يكثران الولوج على الله تعالى: أوصيك بلا إله إلا الله فإن السموات والأرض لو كانت في حلقة قصمتهما ولو كانت في كفة وزنتهما وأوصيك بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق وبها يرزق الخلق (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا) وأما اللتان أنهاك عنهما فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشرك والكبر ".
تنبيه حديث ابن مسعود مرفوعا: " إن نوحا اغتسل فرأى ابنه ينظر إليه فقال: تنظر إلى وأنا أغتسل جار الله لونك.
فاسود فهو أبو السودان " رواه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن

(1/316)


في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلة وقد ضعفوه.
انتهى (1).
والوارد في ذلك ما رواه الإمام أحمد وابن سعد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب " (2).
ابن لامك لامك بميم مفتوحة وبكسر الكاف ويقال لمك بفتح اللام وسكون الميم.
ويقال بخاء معجمة بدل الكاف.
قال في التيجان: لامك بالعبراني.
وبالعربي: لمك.
وبالسرياني لمخ.
وتفسيره: متواضع.
قال السهيلي رحمه الله تعالى: وهو أول من اتخذ العود والغناء ومصانع الماء.
قال ابن هشام: عاش سبعمائة وسبعين سنة.
ابن متوشلخ متوشلخ بميم فمثناة فوقية مشددة مضمومتان وتفتحان فواو ساكنة وتفتح فشين معجمة مفتوحة وتسكن فلام ساكنة وقد تفتح وتكسر، فخاء معجمة.
قال ابن حبيب: عاش تسعمائة وستين سنة.
قال الجواني وأمه بروخا.
وكان له إخوة انقرضوا وهو وصي أبيه.
ابن خنوخ خنوخ بمعجمتين بعد الأولى نون بوزن ثمود.
وقيل بزيادة ألف في أوله وسكون المعجمة الأولى.
وقيل كذلك لكن بحذف الواو الأولى وقيل كذلك لكن بدل الخاء الأولى هاء وقيل كالثاني لكن بدل المعجمة مهملة.
وهو ادريس النبي صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون.
روى الحاكم في المستدرك بسند واه عن وهب رحمه الله تعالى أنه سئل عن إدريس
__________
(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 299 وعزاه الحاكم عن ابن مسعود موقوفا وصحح إسناده وقال في الدر المنتثرة: رواه الحاكم عن ابن مسعود وصححه انتهى.
ولابن أبي حاتم والحاكم أيضا لكن بسند ضعيف عن أبي هريرة.
(2) أخرجه الترمذي (2955) وأبو داود (4693) وأحمد في المسند 4 / 400، والحاكم في المستدرك 2 / 61، والطبري في التفسير 1 / 170، وابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 6، وأبو نعيم في الحلية 2 / 104.
(*)

(1/317)


فقال: هو جد أبي نوح.
وقيل: جد نوح.
قال الحافظ: والأول أولى، ولعل الثاني أطلق ذلك مجازا لأن جد الأب جد.
وقد نقل بعضهم الإجماع على أنه جد لنوح.
قال الحافظ: وفيه نظر، فقد روى عبد بن
حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إلياس هو إدريس ويعقوب هو إسرائيل.
وروى نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسنده ضعيف.
ووجه الدلالة أنه إن ثبت أن إلياس إدريس لزم أن يكون من ذرية نوح لا أن نوحا من ذريته، لقوله تعالى في سورة الأنعام: (ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان) إلى أن قال: (وعيسى وإلياس) فدل على أن إلياس من ذرية نوح سواء أقلنا إن الضمير في قوله (ومن ذريته) لنوح أو لإبراهيم لأن إبراهيم كان من ذرية نوح فمن كان من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح لا محالة.
وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في المبتدأ أن إلياس بن فنحاص بن العيزان بن هارون بن عمران عليهما الصلاة والسلام.
وقال الحاكم في المستدرك: اختلفوا في نوح وإدريس فقيل: إن إدريس قبله.
قال: وأكثر الصحابة على أن نوحا قبل إدريس.
كذا قال وقد جرى القاضي أبو بكر بن العربي على أن إدريس لم يكن جد نوح وإنما هو من بني إسرائيل، لأن إلياس قد ورد / أنه من بني إسرائيل واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء للنبي صلى الله عليه وسلم " مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح " ولو كان من أجداده لقال كما قال آدم وإبراهيم: والابن الصالح.
وهو استدلال جيد.
إلا أنه قد يجاب عنه بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، وليس نصا فيما زعم.
أشار إلى ذلك النووي.
وقول ابن إسحاق إن خنوخ هو إدريس فيما يزعمون أشار به إلى أن هذا القول مأخوذ عن أهل الكتاب.
وقال المازري: ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح، فإن قام الدليل على أن إدريس أرسل لم يصح قول النسابين إنه قبل نوح لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
وإن لم يقم دليل جاء ما قالوا به وصح أن إدريس كان نبيا ولم يرسل.
قال السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان.
انتهى.
والحديث رواه الطبراني والحاكم وابن حبان وصححاه.
وفيه أن إدريس كان نبيا رسولا، وأنه
أول من خط بالقلم.
وروى الحاكم بسند ضعيف عن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان إدريس رجلا أبيض طويلا ضخم البطن عريض الصدر قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت

(1/318)


إحدى عينيه أعظم من الأخرى وكان في جسده نقطة بيضاة من غير مرض.
قال ابن قتيبة وكان رقيق الصوت.
وسمي إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الله وسنن الإسلام.
وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكان من قبل يلبسون الجلودد.
واستجاب له ألف إنسان ممن كان يدعوه.
فلما رفعه الله تعالى اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث.
قال ابن قتيبة: وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سنة.
وقال في المطلع: إدريس بالسريانية خنوخ.
ومعناه كثير العبادة وأما إدريس فاسم أعجمي غير منصرف وقيل مشتق من الدرس والدراسة بمعنى الكتابة.
وسمي به لكثرة ما درس من كتب الله عزو جل، فإنه كان يحفظ صحف آدم وصحف شيث على ظهر قلبه، وكانت صحف آدم إحدى وخمسين صحيفة وصحف شيث عشرين صحيفة، وصحفه خاصة ثلاثون، وكان يحفظ الجميع ويدرسه.
وكان إدريس أول من خاط وأول من أخبر عن علم الهيئة والحساب وأحكام النجوم بالتأييد السماوي.
رفع الله تعالى عنه بدعائه إحساس حرارة الشمس، وعبد الله تعالى حتى تمنت الملائكة صحبته.
ابن يرد يرد مثناة تحتية مفتوحة فراء ساكنة فدال مهملة ونقطها الجواني.
وعليه جرى الملك المؤيد في تاريخه.
قال ابن هشام في التيجان: اسمه في التوراة يارد عبراني وتفسيره ضابط.
واسمه في الإنجيل بالسريانية يرد تفسيره بالعربي: ضبط أي ضبط في الإباء فعمل بأمر الله تعالى: فلما بلغ غاية الدعوة قبضه الله تعالى وعاش تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة وهو وصي
أبيه.
قال ابن حبيب ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة.
ابن مهلاييل مهلاييل: بميم مفتوحة فهاء ساكنة فلام فألف.
وقد يقال بالباء بعد اللام الأولى.
قال السهيلي معناه الممدح قال في التيجان: وولي الأرض بوصية من أبيه.
واسمه بالسريانية في الإنجيل مهلاييل وتفسيره بالعربي يسبح الله.
فسار بأمر الله، فلما بلغ الغاية من العمر قبضه الله، وعاش مائتي سنة وعشرين سنة قال السهيلي: وفي زمنه كان بدء عبادة الأصنام.
ابن قينن قينن: بقاف مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فنونين الأولى منهما مفتوحة وزن جعفر ويقال قينان بالألف قال في التيجان: قينان عبراني وتفسيره باللسان العربي مستوى واسمه في الإنجيل

(1/319)


قانيان وتفسيره بالعربي عيسى.
وهو وصي أبيه.
وخليفته.
وقام بحق الله تعالى، وبلغ من العمر مائة سنة وعشرين سنة قال في النور: قال بعض مشايخي إن قينان هو الذي بنى أنطاكية.
ابن يانش يانش: بمثناة تحتية فنون مفتوحة فشين معجمة.
ويقال أنوش بفتح الهمزة وضم النون.
قال في التيجان: هو باللسان السرياني: إنوش بكسر الألف وتفسيره باللسان العربي صادق.
وهو ولي أمر الله تعالى في الأرض فعمل بطاعة الله حتى بلغ من العمر تسعمائة وخمسين سنة.
قال السهيلي: وهو أول من غرس النخلة وبوب الكعبة وبذر الحبة.
وقال أبو الحسن بن الأشرف أبي العباس أحمد بن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أول من زرع الحبة آدم، فإنه كان يحرث ويزرع قال الجواني: وأمه لبود بنت آدم وله إخوة بنون وبنات انقرضوا.
ابن صيث شيث: بشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فثاء مثلثة ويقال فيه شياث بإمالة الشين وبالصرف فيهما ويقال بلا صرف.
ويقال فيه شيث بفتح الشين وتشديد الياء بلا صرف
وتفسيره هبة الله ويقال عطية الله.
وقال ابن هشام: نصب لأن عليه وعلى ذريته نصبت الدنيا، وكان أجمل ولد آدم وأفضلهم وأشبههم به وأحبهم إليه، وكان وصي أبيه وولي عهده، وهو أبو البشر كلهم، وإليه انتهت أنساب الناس، وعاش تسعمائة سنة وإثنتي عشرة سنة.
ابن آدم آدم صلى الله عليه وسلم: يكنى أبا البشر وآدم والخليفة.
فأما آدم فقيل إنه سرياني وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال بوزن خاتام، ووزنه فاعال وامتنع من الصرف للعجمة والعلمية.
وقال الثعلبي: التراب بالعبرانية آدام فسمي به آدم، وحذفت منه الألف الثانية وقيل هو عربي، وجزم به الجوهري والجواليقي.
ولم يحك في المطلع غيره.
واختلف في اشتقاقه فقيل هو بوزن أفعل من الأدمة وقيل من الأديم لأنه خلق من أديم الأرض.
رواه الفريابي وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.
وروى ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: تدرون لم سمي آدم ؟ لأنه خلق من أديم الأرض ووجهوه بأن يكون كأعين ومنع من الصرف للوزن والعلمية، وقيل هو من أدمت بين الشيئين إذا خلطت بينها، لأنه كان ماء وطينا فخلطا جميعا.
وقال قاسم بن ثابت في الدلائل عن محمد بن المستنير قطرب: إنه لو كان من أديم الأرض لكان على وزن فاعل وكانت الهمزة فيه أصلية فلم يكن يمنعه من الصرف مانع، وإنما

(1/320)


هو على وزن أفعل من الأدمة.
قال السهيلي: وهذا القول ليسى بشئ لأنه لا يمتنع أن يكون من الأديم ويكون على وزن أفعل تدخل الهمزة الزائد ة على الهمزة الأصلية كما تدخل على همزة الأدمة.
وأما الخليفة فلقوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) والخليف والخليفة: من يخلف من تقدمه، وكان آدم خلف قوما من الخلق يسمون الجان، ولأنه ناب مناب ملائكة السماء.
وأما البشر فلقوله تعالى: (إني خالق بشرا من طين) وقيل: وسمي بشرا لمباشرته
أعظم الأمور.
وقيل لما كان في وجهه من البشر والبشاشة.
وأما الإنسان فلقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) وسمي بذلك لأنسه بجنسه فإن الإنسان من اجتمع فيه اثنتان: أنسه بالغير وأنس الغير به.
وقيل: اشتقاقه من النوس وهو الحركة لكثرة حركته فيما يتحراه.
وقيل: من الإيناس وهو الإبصار لأنه يدرك ببصره الظاهر وببصره الباطن.
واختلفت الآيات فيما بدئ من خلق آدم، ففي موضع: (خلقه من تراب) وفي موضع (من طين لازب) وفي موضع (من حمأ مسنون) وفي موضع (من صلصال كالفخار) قال العلماء: وهذه الآيات راجعة إلى أصل واحد وهو التراب الذي هو أصل الطين، فأعلمنا الله تعالى أنه لما خلقه من تراب جعله طينا، ثم انتقل فصار حمأ مسنونا، ثم انتقل.
فصار صلصالا كالفخار.
قال الثعلبي في قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) قال العلماء أخطأ عدو الله تعالى في تفضيله النار على الطين، لأن الطين أفضل من النار، لوجود أحدها: أن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والحلم والأناة والحياء والصبر، وذلك سبب توبة آدم وتواضعه فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية.
ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع والاضطراب، وذلك سبب استكبار إبليس فأورثه اللعنة والهلاك.
والثاني: أن الجنة موصوفة بأن ترابها المسك ولم ينقل أن فيها نارا.
الثالث: أنها سبب العذاب بخلاف الطين.
الرابع: أن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق آدم يوم الجمعة " (1).
__________
(1) أخرجه مسلم 2 / 582 كتاب الجمعة (17 - 854).
(*)

(1/321)


وفضل الله تعالى آدم بأمور: خلقه بيده وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته واصطفاه،
وكرم ذريته وعلمهم جميع الأسماء، وجعله أول الأنبياء وعلمه ما لم تعلم الملائكة المقربون، وجعل من نسله الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين.
واشتهر في كتب التواريخ أنه عاش ألف سنة صلى الله عليه وسلم.
وقد بسطت الكلام على الأنبياء المذكورين في النسب الشريف مع تراجم بقية الأنبياء في كتاب الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس أعان الله على إكماله وتحريره.

(1/322)


الباب الخامس في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن العواتك والفواطم "
روى سعيد بن منصور والطبراني وابن عساكر بسند رجاله ثقات وصححه الحافظ الناقد ضياء الدين المقدسي في المختارة عن سيابة بن عاصم (1) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن العواتك من سليم " سيابة بمهملة مكسورة ثم مثناة تحتية مخففة فموحدة (1).
وروى ابن عساكر عن قتادة مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بعض غزواته " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب أنا ابن العواتك " (2).
وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى فرسه مع أبي أيوب الأنصاري فسبقه فقال: " أنا ابن العواتك إنه لهو الجواد البحر " يعني فرسه.
وروى ابن عساكر عن أبي بكر بن البرقي قال حدثني بعض الطالبيين قال: يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد: " أنا ابن الفواطم " (3).
قال في القاموس: عتك يعتك: كر في القتال.
ثم قال: وعتكت المرأة: شرفت ورأست.
ثم قال: والعاتك: الكريم والخالص من الألوان.
ثم قال: والعاتكة (4) من النخل التي تتأبر والمرأة المحمرة (5) من الطيب.
وقال ابن سعد: العاتكة في اللغة: الطاهرة.
قال في الصحاح والقاموس: العواتك من جدات النبي صلى الله عليه وسلم تسع: ثلاث من بني سليم: عاتكة بنت هلال بن فالج أي بالجيم بن هلال
أم جد قاسم.
وعاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج أم هاشم.
وعاتكة.
بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم وهب أم عبد مناف بن زهرة جد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أمه آمنة بنت وهب.
وسائر العواتك أمهات رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير بني سليم.
وجرى في النهاية على أن العواتك من بني سليم ثلاثة، لكنه قال عاتكة بنت هلال بن فالج هي أم عبد مناف أبو قصي وعلى ما ذكره في الصحاح والقاموس تكون أم قصي والد
__________
(1) أخرجه الطبراني في الكبير 7 / 201، والبيهقي في دلائل النبوة 5 / 135، وابن كثير في البداية والنهاية وذكره الهيثمي في المجمع 8 / 222 وعزاه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح.
(2) أخرجه البخاري 6 / 81 عن البراء دون قوله " أنا ابن العواتك " (2864).
(3) أخرجه في تهذيب تاريخ دمشق 1 / 289.
(4) في أ: والعاتك.
(5) في أ: المخمرة.
(*)

(1/323)


عبد مناف وعلى كل حال فقد قيل في اسم أم قصي وأم ولده عبد مناف غير ذلك كما تقدم.
فإما أن يكون لكل واحدة منهما إسمان، أو أحدهما الاسم والآخر اللقب.
قال في النهاية: فالأولى من العواتك عمة الثانية، والثانية عمة الثالثة.
وروى ابن عساكر عن أبي عبد الله العدوي رحمه الله تعالى أن العواتك من جداته صلى الله عليه وسلم أربع عشرة: ثلاث قرشيات وأربع سليمات وعدوانيتان وهذلية وقحطانية وثقفية وأسدية أسد خزيمة وقضاعية.
وذكر ابن سعد رحمه الله تعالى أن الفواطم من الجدات عشر وسردهن ولكثرة الخلاف في أسماء آباء العواتك والفواطم أضربت عن ذكرهن.
والحاصل أنهن من جملة الجدات الطاهرات، وخصص بالذكر إما لمزيد شرفهن على غيرهن، وإما لشهرتهن، وإما لغير ذلك.
قال الإمام الحليمي (1) رحمه الله تعالى: لم يرد صلى الله عليه وسلم بذلك الفخر إنما أراد تعريف منازل المذكورات ومراتبهن.
كرجل يقول: كان أبي فقيها.
لا يريد به الفخر وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه.
قال: وقد يكون أراد به الإشارة لنعمة الله تعالى على نفسه وآبائه وأمهاته على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شئ والله تعالى أعلم.
__________
(1) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم القاضي، أبو عبد الله الحليمي البخاري.
قال الحاكم: أوحد الشافعيين بما وراء النهر، وأنظرهم وآدبهم بعد أستاذيه أبوي بكر القفال والأودني.
وكان مقدما فاضلا كبيرا، له مصنفات مفيدة ينقل منها الحافظ أبو بكر البيهقي كثيرا.
وقال في النهاية: كان الحليمي رجلا عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غواص.
ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات في جمادى - وقيل: في ربيع - الأول سنة ثلاث وأربعمائة.
ومن تصانيفه " شعب الإيمان ".
انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 178، 179، والأعلام 2 / 253 ووفيات الأعيان 1 / 403، وتذكرة الحفاظ 3 / 1030.
(*)

(1/324)


جماع أبواب مولده الشريف صلى الله عليه وسلم

الباب الأول في سبب تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله امرأة من بني زهرة
روى ابن سعد وابن البرقي والطبراني والحاكم وأبو نعيم عن العباس بن عبد المطلب عن أبيه قال: قدمنا اليمن في رحلة الشتاء فنزلت على حبر من اليهود فقال لي رجل من أهل الزبور، يعني الكتاب: ممن الرجل ؟ قلت من قريش.
قال من أيهم ؟ قلت: من بني هاشم.
قال: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك ؟ قلت: نعم، ما لم يكن ملكا وفي الأخرى نبوة وإنا نجد ذلك في بني زهرة فكيف ذلك.
قلت: لا أدري قال هل لك من شاعة قلت: وما الشاعة ؟ قال الزوجة.
قلت، أما اليوم فلا.
فقال: إذا رجعت فتزوج منهم فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنت أهيب بن عبد مناف وزوج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالت قريش: فلج عبد الله على أبيه.
الشاعة: بشين معجمة وعين مهملة: الزوجة سميت بذلك لمتابعتها الزوج وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره.
فلج بفتح وأنصاره.
فلج بفتح أوله وثانية: ظفر بما طلب.
وروى البيهقي وأبو نعيم عن ابن شهاب رحمه الله تعالى قال: كان عبد الله أحسن رجل رئي قط، خرج يوما على نساء قريش فقالت امرأة منهن: أيتكن تتزوج بهذا الفتى فتصطب النور الذي بين عينيه فإني أرى بين عينيه نورا ؟ فتزوجته آمنة بنت وهب.
تصطب: تسكب وتدخل.
وروى الزبير بن بكار عن أن سودة بنت زهرة بن كلاب الكاهنة قالت يوما لبني زهرة: إن فيكم نذيرة أو تلد نذيرا فاعرضوا علي بناتكم.
فعرضن عليها فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين، حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب فقالت هذه: النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منير.
ولما سئلت عن جهنم قالت: سيخبركم عنها النذير.

(1/325)


الباب الثاني في حمل أمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وما وقع في ذلك من الآيات
روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى قال: إن عبد المطلب أخذ بيد إبنه عبد الله فمر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبد الله ؟ فقال مع أبي.
فقالت لك عندي من الإبل مثل الذي نحرت عنك وقع علي الآن فقال لها: إني مع أبي لا أستطيع خلافه ولا فراقه ولا أريد أن أعصيه شيئا.
فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة ووهب يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وهي يومئذ أفضل امرأة من قريش نسبا وموضعا.
فذكروا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه، فوقع عليها عبد الله فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج فمر على تلك المرأة التي
قالت له ما قالت فلم تقل شيئا، فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم مثل الذي عرضت بالأمس ؟ فقالت: فارقك النور الذي معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة.
وكانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية واتبع الكتب يقول: إنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل.
فقالت في ذلك شعرا واسمها أم قتال: الآن وقد ضيعت ما كنت قادرا * * عليه وفارقك النور الذي جاءني بكا غدوت علينا حافلا فلا قد بذلته * * هناك لغيري فالحقن بشأنكا ولا تحسبني اليوم خلوا وليتني * * أصبت جنينا منك يا عبد داركا ولكن ذا كم صار في آل زهرة * * به يدعم الله البرية ناسكا وقالت أيضا: عليك بآل زهرة حيث كانوا * * وآمنة التي حملت غلاما ترى المهدي حين ترى عليها * * ونورا قد تقدمه أماما فكل الخلق يرجوه جميعا * * يسود الناس مهتديا إماما براه الله من نور صفاء * * فأذهب نوره عنا الظلاما وذلك صنع ربي إذ حماه * * إذا ما سار يوما أو أقاما فيهدي (1) أهل مكة بعد كفر * * ويفرض بعد ذلكم الصياما
__________
(1) في أ: فهدى.
(*)

(1/326)


قصة أخرى.
روى أبو نعيم والخرائطي (1) وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عكرمة عنه، وابن سعد، عن أبي الفياض الخثعمي وابن سعد، عن أبي يزيد المديني، أن عبد المطلب لما خرج بابنه ليزوجه مر به على امرأة كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية فرأت نور النبوة في وجه عبد الله
فقالت: يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل ؟ فقال عبد الله: أما الحرام فالممات دونه * * والحل لا حل فأستبينه (2) فكيف بالأمر الذي تبغينه * * يحمي الكريم عرضه ودينه ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب فأقام عندها ثلاثا، ثم مر على تلك المرأة فلم تقل له شيئا، فقال لها: مالك لا تعرضين علي ما عرضت علي بالأمس ؟ فقالت: من أنت ؟ قال: أنا فلان.
قالت: ما أنت هو، ولئن كنت ذاك لقد رأيت بين عينيك نورا ما أراه الآن، ما صنعت بعدي ؟ فأخبرها.
فقالت: والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكن رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراده اذهب فأخبرها أنها حملت خير أهل الأرض ثم أنشأت تقول: إني رأيت مخيلة لمعت * * فتلألأت بحناتم القطر فلمائها نور يضئ له * * ما حوله كإضاءة البدر ورجوتها فخرا أبوء به * * ما كل قادح زنده يوري لله ما زهرية سلبت * * ثوبيك ما استلبت وما تدري وقالت أيضا: بني هاشم قد غادرت من أخيكم * * أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوة * * فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوي الفتى من تلاده * * بحزم ولا ما فاته بتواني فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * * سيكفيكه جدان يصطرعان
__________
(1) محمد بن جعفر بن سهل، أبو بكر الخرائطي السامري: فاضل، من حفاظ الحديث.
من أهل السامرة بفلسطين، ووفاته في مدينة يافا.
من كتبه " مكارم الأخلاق - ط " و " مساوئ الأخلاق - خ " و " اعتلال القلوب - خ " في أخبار العشاق، و " هواتف الجان وعجائب ما يحكى عن الكهان - خ " و " فضيلة الشكر - خ.
توفي سنة 327 ه.
انظر الأعلام 6 / 70، وشذرات الذهب 2 / 309.
(2) البيتان في الروض الأنف 1 / 180، والبداية والنهاية 2 / 250.
(*)

(1/327)


سيكفيكه إما يد مقفعلة * * وإما يد مبسوطة ببنان ولما قضت منه أمينة ما قضت * * نبا بصري عنه وكل لساني (1) وروى ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن عمه، والبيهقي عن ابن إسحاق رحمهما الله تعالى قال: كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حملت به آمنة كانت تقول: ما شعرت أني حملت به ولا وجدت ثقله كما تجد النساء إلا أنني أنكرت رفع حيضتي وربما ترفعني وتعود وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال لي هل شعرت أنك حملت ؟ فأقول: ما أدري فقال: إنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها وذلك يوم الأثنين وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وضع فسميه محمدا.
قالت: فكان ذلك مما يقن عندي الحمل، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني ذلك فقال قولي: أعيذه بالواحد * * من شر كل حاسد قالت: فكنت أقول ذلك فذكرته لنسائي فقلن: تعلقي عليك حديدا وفي عضديك وفي عنقك.
ففعلت فلم يكن يترك علي إلا أياما فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه.
(ولبعضهم شعر:) حملته آمنة وقد شرفت به * * وتباشرت كل الأنام بقربه حملا خفيفا لم تجد ألما به * * وتباشرت وحش الفلا فرحا به واستبشرت من نورهن وكيف لا * * وهو الغياث ورحمة من ربه قولها: ولا وجدت له ثقلا: قال في الزهر في حديث شداد عكسه، وجمع بأن الثقل في ابتداء الحمل والخفة عند استمراره ليكون ذلك خارجا عن المعتاد.
قلت: وبذلك صرح الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى.
وعن بريدة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما قالا: رأت آمنة وهي حامل
برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك حبلى بخير البرية وسيد العالمين، فإذا ولدتيه فسميه أحمد أو محمدا أو علقي عليه هذه.
الأبيات فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها: أعيذه بالواحد * * من شر كل حاسد وكل خلق زائد * * من قائم وقاصد عن السبيل حائد * * على الفساد جاهد من نافث أو عاقد * * وكل خلق مارد
__________
(1) الأبيات في الروض الأنف 1 / 180، والبداية والنهاية 2 / 250.
(*)

(1/328)


يأخذ بالمراصد * * في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى، وأحوطه منهم باليد العليا والكنف الذي لا يرى، يد الله فوق أيديهم وحجاب الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه في مقعد ولا منام ولا سير ولا مقام، أول الليل وآخر الأيام.
رواه أبو نعيم وسنده واه جدا، وإنما ذكرته لأنبه عليه لشهرته في كتب المواليد.
قال الحافظ أبو الفضل العراقي في مولده إن من قوله " وعلقي عليه هذه " إلى آخره أدرجه بعض القصاص.
وروى البيهقي عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: أمرت آمنة وهي حبلى برسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسميه أحمد.
وروى الحاكم وصححه البيهقي عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا ؟ يا رسول الله أخبرنا عن نفسك.
قال: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام ".
وروى ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آمنة قالت: لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته.
واختلفوا في يوم ابتداء الحمل فقيل: في أيام التشريق.
وعليه فيكون مولده في رمضان وقيل في عاشوراء وقيل غير ذلك.
قال أبو زكريا يحيى بن عائذ رحمه الله تعالى في مولده: بقي صلى الله عليه وسلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء.
قال في الغرر: وهو الصحيح.
وقيل: كانت مدة الحمل عشرة أشهر.
وقيل ثمانية.
وقيل سبعة.
تنبيهان الأول قال الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى: وسيأتي أنها رأت النور أيضا خرج منها عند الولادة.
وهذا أولى لتكون طرقة متصلة.
ويجوز أن يكون خرج منها النور مرتين مرة حين حملت به ومرة حين وضعته ولا مانع من ذلك.
ولا يكون بين الحديثين تعارض انتهى.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى: قوله حين " حملت به " هي رؤيا منام وقعت في الحمل،

(1/329)


وأما ليلة المولد فرأت ذلك رؤية عين كما سيأتي.
الثاني: في شرح غريب ما تقدم: الآن: اسم للوقت الذي أنت فيه: جاء فعل ماضي قصره للنظم.
بكا: بمعنى مع.
أي فارقك النور الذي كان معك.
حافلا: بالحاء المهملة أي ممتلئا من النور أو المنى.
الشأن: الأمر والحال والخطب.
خلوا: أي خالي من الزوج.
أصبت: أدركت.
جنينا بالجيم كما في خط مغلطاي في الزهر.
وفي نسخة صحيحة من دلائل النبوة بالحاء المهملة وموحدتين.
قد أعم.
بعين مهملة.
وفي نسخة: به يدعم الله البرية بمثناة تحتية فدال فعين مهملتين أي يقومها.
البرية: الخلق ترا عليها: أي واقعها، براه: خلعه.
الصفاء: ممدود خلاف الكدر.
حباه بالمهملة والموحدة أي أعطاه.
تبالة.
بتاء مثناة فوقية فباء موحدة مفتوحتين: بلد صغير من اليمن.
مخيلة
بميم مفتوحة فخاء معجمة مكسورة.
موضع الخيل، وهو الظن، كالمظنة، وهي السحابة الخليقة بالمطر ويجوز أن تكون مسماة بالمخيلة التي هي المصدر كالمجسمة من الحبس.
الحناتم: بحاء مهملة فنون فألف فمثناة فوقية: سحائب سود، لأن السواد عندهم خضرة.
أبوء به: أرجع.
الزند وزان فلس: الذي يقدح به النار وهو الأعلى، وهو مذكر والسفلى زندة بالهاء ويجمع على زياد.
يوري: يوقد.
غادرت: تركت أمينة تصغير آمن.
خبوه.
طفئة ميثت: بمثناة تحتية فثاء مثلثة يقال: ماث فلان الدواء يميثه ميثا.
ويموثه موثا مرسه التلاد والتالد والتليد: المال القديم.
وخلافه: الطارف والطريف.
جدان: الجد بفتح الجيم الحظ.
والجد: الغنى.
مقفعلة: بقاف ففاء فعين مهملة: أي منقبضة يقال اقفعلت يده إذا انقبضت وتشنجت.
البنان: الأصابع وقيل أطرافها الواحدة بنانة.
نبا: ارتفع.
كل يقال كل من الإعياء كلالا وكلالة.
والبصر واللسان كلة وكلولا.
ما شعرت.
بفتح أوله وثانيه: أي ما علمت.
ثقله بثاء مثلثة فقاف فلام مفتوحات أي ثقلا وفتورا حيضتي.
بكسر الحاء المهملة: الاسم من الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب.
فأما الحيضة بالفتح فالمرة الواحدة من رفع الحيض ونوبه.
وقولها: وأبا بين النائم واليقظان على إرادة الشخص.
والله تعالى أعلم.

(1/330)


الباب الثالث في وفاة عبد الله بن عبد المطلب
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أن توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به.
هذا ما جزم به ابن إسحاق ورجحه الواقدي وابن سعد والبلاذري، وصححه الذهبي وقال ابن كثير إنه المشهور.
وقال ابن الجوزي: إنه الذي عليه معظم أهل السير، ورواه الحاكم
وصححه، وأقره الذهبي عن قيس بن مخرمة رضي الله تعالى عنه.
قال غير ابن إسحاق: وذلك حين تم لها شهران.
وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المهد حين توفي أبوه.
وعليه فقيل وله شهران.
وقيل ثمانية وعشرون شهرا.
وقيل تسعة أشهر، ونقل السهيلي عن الدولابي أنه قول الأكثرين قلت: والحق أنه قول كثيرين لا أكثرين.
وروى ابن سعد عن محمد بن كعب، وعن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة رحمهما الله تعالى قالا: خرج عبد الله إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار.
فأقام عندهم مريضا شهرا ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن ابنه فقالوا: خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار مريضا، فبعث عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة فرجع فأخبره فوجد عليه عبد المطلب وعماته.
وإخوته وأخواته وجدا شديدا.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل، ولعبد الله بن عبد المطلب يوم توفي خمس وعشرون سنة.
قال الواقدي: وهذا أثبت الأقاويل في وفاة عبد الله وسنه.
وقال الحافظ العلائي وابن حجر إن عمره كان يوم توفي ثماني عشرة سنة قال الواقدي: ولم يتزوج عبد الله قط غير آمنة.
وآمنة لم تتزوج قط غير عبد الله.
أخذ الإله أبا الرسول ولم يزل * * برسوله الفرد اليتيم رحيما نفسي الفداء لمفرد في يتمه * * والدر أحسن ما يكون يتيما لطيفة: نقل أبو حيان في بحره وغيره عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه قال: إنما يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يكون عليه حق لمخلوق.
وقال ابن العماد في كشف الأسرار: إنما رباه يتيما لأن أساس كل كبير صغير وعقبى كل حقير خطير.
وأيضا لينظر صلى الله عليه وسلم إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره ليعلم أن العزيز من

(1/331)


أعزه الله تعالى وأن قوته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال بل قوته من الله تعالى.
وأيضا ليرحم الفقير والأيتام.
وقالت آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترثي زوجها.
كما ذكر ذلك ابن إسحاق في المبتدأ وابن سعد في الطبقات.
رحمهما الله تعالى.
عفا جانب البطحاء من ابن هاشم * * وجاور لحدا خارجا في الغماغم دعته المنايا بغتة فأجابها * * وما تركت في الناس مثل ابن هاشم عشية راحوا يحملون سريره * * يعاوره أصحابه في التزاحم فإن يك غالته المنايا وريبها * * فقد كان معطاء كثير التراحم وقالت أيضا، أورده القاسم الوزيري المغربي رحمه الله ورضي عنه ترثي عبد الله زوجها والد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أضحى ابن هاشم في مهماء مظلمة * * في حفرة بين أحجار لدى الحصر سقى جوانب قبر أنت ساكنه * * غيث أحم الذرى ملآن ذو درر تفسير الغريب التابعة: قال في الزهر بتاء مثناة فوقية فباء موحدة فعين مهملة.
الغماغم بغينين معجمتين بعد كل ميم بعد الأولى ألف: الأغطية.
يعاوره: يتداولونه بينهم.
مهماء أي مفازة.
والجمع مهامه.
أحم الشئ قرب ودنا.
الذرى.
بفتح الذال المعجمة اسم لما ذرته الريح واسم الدمع المصبوب.
العيرات بكسر العين وفتح الياء جمع عير.
كذا جمعوه والقياس التسكين.
قال محمد بن عمر الأسلمي رحمه الله تعالى: ترك عبد الله أم أيمن وخمسة أجمال وقطعة من غنم فورث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه.

(1/332)


الباب الرابع في تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم ومكانه
وفيه فصلان: الأول: في بيان يومه، وشهره، وعامه.
الصواب: أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الأثنين.
روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن يوم الأثنين فقال: " ذاك يوم ولدت فيه.
أو قال أنزل علي فيه " (1).
وروى يعقوب بن سفيان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين.
وفي بعض الطرق عند ابن عساكر: وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين: (اليوم أكملت لكم دينكم) وكانت وقعة بدر يوم الاثنين.
قال ابن عساكر: المحفوظ أن وقعة بدر ونزول: (اليوم أكملت لكم دينكم) يوم الجمعة.
وروى الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن حزبوذ رحمه الله تعالى قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين طلع الفجر.
وقال الحافظ أبو الفضل العراقي في المورد: الصواب أنه صلى الله عليه وسلم ولد في النهار، وهو الذي ذكره أهل السير.
وحديث أبي قتادة مصرح به.
وروى الأربعة عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إبهار النهار، وجزم به ابن دحية، وصححه الزركشي رحمه الله تعالى في شرح البردة ولبعضهم في ذلك.
يا ساعة فتح الهدى أرفادها * * لطفا وقد منح الجزا إسعادها لاحت بشهر ربيع الزاكي الذي * * فاق الشهور جلالة إذ سادها حيث النبوة أشرقت بماثر * * كالشهب لا يحصى الورى تعدادها حيث الأمانة والرسالة قد بدت * * يعلي لمكة غورها ونجادها
قال ابن دحية رحمه الله تعالى: وأما ما روي من تدلي النجوم فضعيف، لاقتضائه أن الولادة كانت ليلا.
__________
(1) أخرجه مسلم 2 / 819، كتاب الصيام (197 - 162) وأحمد في المسند 2 / 200.
(*)

(1/333)


قال الزركشي: وهذا لا يصلح أن يكون تعليلا فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارا.
شعر: يا ساعة نلنا السعادة والهنا * * فيها بخير العالمين محمد تمت لنا أفراحها بظهوره * * وتكملت في شهر مولد أحمد غيره لبعضهم رحمه الله تعالى.
توالت أمور السعد في خير ساعة * * بمولد خير الرسل في ساعة السعد فيا طيب أوقات ويا طيب مولد * * ويا طيب مولود حوى سائر المجد قال ابن كثير والحافظ وغيرهما: ثم إن الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الأول.
قال السهيلي: وهو المعروف.
ونقل بعضهم فيه الإجماع.
يقول لنا لسان الحال منه * * وقول الحق يعذب للسميع فوجهي والزمان وشهر وضعي * * ربيع في ربيع في ربيع قال بعض أهل المعاني: كان مولده صلى الله عليه وسلم في فصل الربيع وهو أعدل الفصول ليله ونهاره معتدلان بين الحر والبرد، ونسيمه معتدل بين اليبوسة والرطوبة وشمسه معتدلة في العلو والهبوط، وقمره معتدل في أول درجة من الليالي البيض، وينعقد في سلك هذا النظام، ما هيأ الله تعالى له صلى الله عليه وسلم من أسماء مربيه ففي الوالدة والقابلة الأمن والشفاء وفي اسم الحاضنة البركة والنماء، وفي مرضعيه صلى الله عليه وسلم الآتي ذكرهما الثواب والحلم والسعد.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لاثنتي عشرة ليلة (خلت) منه ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن جابر وابن عباس.
قال في الغرر: وهو الذي عمل العمل.
وقيل لليلتين خلتا منه وقدمه في الإشارة، وقيل لثمان.
ونقل أبو عمر عن أصحاب الزيج أنهم صححوه ورجحه ابن دحية.
وقال الحافظ: إنه مقتضى أكثر الأخبار.
وقيل: لعشر.
حكاه الدمياطي عن جعفر الباقر وصححه.
وقيل: لسبع عشرة.
وقيل لثماني عشرة، وقيل: في أوله حين طلع الفجر.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: عام الفيل.
قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور.
وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي (1) شيخ البخاري: وهو الذي لا يشك فيه أحد من
__________
(1) إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بالزاي الأسدي الحزامي أبو إسحاق المدني أحد كبار العلماء المحدثين.
وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم والدار قطني، وذمه أحمد لكونه خلط في القرآن.
قال يعقوب الفسوي: مات سنة ست وثلاثين ومائتين.
الخلاصة 1 / 57.
(*)

(1/334)


العلماء.
وبالغ خليفة بن خياط وابن الجزار وابن دحية وابن الجوزي وابن القيم فنقلوا فيه الإجماع.
وروى البيهقي والحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي في مختصره، وصححه في تاريخه الكبير عن يحيى بن معين، عن حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل.
قال الحافظ في شرح الدرر: والمحفوظ لفظ العام.
وقيل: يطلق اليوم ويراد به مطلق الوقت، كما يقال يوم الفتح، ويوم بدر، فإن كان المراد حقيقة اليوم فيكون أخص من الأول وبذلك صرح ابن حبان في تاريخه فإنه قال: ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله فيه الطير الأبابيل على أصحاب الفيل.
قال: ثم وجدت الحديث عن ابن مسعود عن يحيى بن معين بسنده المذكور قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل يعني عام الفيل.
وروى ابن إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قال: ولد ت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل كنا لدين.
وسأل عثمان بن عفان (1) قباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن منه ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفت بي أمي على خذق الفيل أخضر محيلا.
مخرمة بفتح الميم وإسكان الخاء المعجمة.
ومات على دينه.
لدين: قال أبو ذر المشهور فيه: لدتين بالتاء يقال فلان لدة فلان إذا ولد معه في وقت واحد.
قال الجوهري: لدة الرجل تربه والهاء عوض عن الواو الذاهبة منه، لأنه من الولادة.
وهما لدان والجمع لدات ولدون.
الترب بكسر التاء المثناة الفوقية وإسكان الراء وبالموحدة: من ولد معك.
قباث بضم القاف ويقال بفتحها، قال الحافظ: وهو المشهور، ثم موحدة خفيفة ثم مثلثة.
ابن أشيم بمعجمة وتحتانية وزان أحمد.
وعلى هذا فقيل بعد الفيل بخمسين يوما.
قال ابن كثير: وهو أشهر.
وصححه
__________
(1) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عمرو المدني، ذو النورين، وأمير المؤمنين، ومجهز جيش العسرة، وأحد العشرة، وأحد الستة، هاجر الهجرتين.
وعنه أبناؤه أبان وسعيد وعمرو وأنس ومروان بن الحكم وخلق.
غاب عن بدر لتمريض ابنة النبي صلى الله عليه وسلم فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم.
قال ابن عمر: كنا نقول على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان.
وقال ابن سيرين: كان يحيى الليل كله بركعة.
قتل في سابع ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين.
قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة.
رضي الله عنه.
الخلاصة 2 / 219، وسيأتي في المناقب مفصلا.
(*)

(1/335)


المسعودي والسهيلي.
وزاد أنه الأشهر والأكثر وقيل بزيادة خمس.
وذكر أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي رحمه الله تعالى أن قدوم أصحاب الفيل مكة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم.
وقد قال ذلك غيره.
وزاد يوم الأحد.
وكان أول
المحرم تلك السنة يوم الجمعة.
وروى ابن سعد وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر (1) رحمه الله تعالى قال: كان قدوم أصحاب الفيل في النصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة.
وصحح الحافظ الدمياطي هذا القول.
وقيل بأربعين يوما.
وقيل بشهر وستة أيام.
وقيل بعشر سنين.
وقيل بثلاثين عاما.
وقيل بأربعين عاما.
وقيل بسبعين عاما.
وقيل لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل.
وقيل في صفر.
وقيل في ربيع الآخر.
وقيل في المحرم لخمس بقين منه.
وقيل في عاشوراء.
قال السهيلي رحمه الله تعالى: أهل الحساب يقولون وافق مولده من الشهور الشمسية نيسان، وكان لعشرين مضت منه.
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: نظرت في أن يكون صلى الله عليه وسلم ولد في ربيع وأن يكون ذلك في العشرين من نيسان فرأيته بعيدا من الحساب يستحيل أن يكون مولده في نيسان إلا أن يكون مولده في رمضان.
وقال الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله تعالى: وافق شهر ربيع من شهور الروم العشرين من شباط.
انتهى.
ويقال: شباط بالإعجام والإهمال.
قال الدمياطي رحمه الله تعالى: في برج الحمل.
قال في النور: وهذا يحتمل أن يكون في أوائل نيسان وأن يكون في آذار.
ثم قال السهيلي.
وولد بالغفر من المنازل وهو مولد النبيين، ولذا قيل: خير منزلتين كانت في الأبد * * هو ما بين الزباني والأسد لأن الغفر يليه من العقرب زبانيها، ولا ضرر في الزبانين إنما تضر العقرب بذنبها، ويليه من الأسد أليته وهو السماك والأسد لا يضر بأليته وإنما يضر بمخلبه ونابه.
__________
(1) محمد بن علي زين العابدين بن الحسين الطالبي الهاشمي القرشي، أبو جعفر الباقر: خامس الأئمة الاثني عشر عند
الإمامية.
كان ناسكا عابدا، له في العلم وتفسير القرآن آراء وأقوال ولد بالمدينة وتوفي بالحميمة سنة 114 ه.
ودفن بالمدينة الأعلام 6 / 270، 271، والتهذيب 9 / 350.
(*)

(1/336)


وقال ابن دحية: أظن السهيلي نسي السنبلة وظن أن السماك من الأسد.
قال أبو عبد الله بن الحاج رحمه الله تعالى في المدخل: فإن قال قائل: ما الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم خص مولده بشهر ربيع وبيوم الاثنين على الصحيح المشهور عند أكثر العلماء، ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر، واختص بفضائل عدة، ولا في الأشهر الحرم التي جعل الله لها الحرمة يوم خلق السموات والأرض، ولا في ليلة النصف من شعبان، ولا في يوم الجمعة ولا في ليلتها ؟ فالجواب من أربعة أوجه: الأول: ما ورد في الحديث من أن الله تعالى خلق الشجر يوم الاثنين (1).
وفي ذلك تنبيه عظيم وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يمتد بها بنو آدم ويحيون ويتداوون وتنشرح صدورهم لرؤيتها وتطيب بها نفوسهم وتسكن خواطرهم عند رؤيتها لاطمئنان نفوسهم لتحصيل ما يبقي حياتهم، على ما جرت به حكمة الحكيم سبحانه وتعالى.
فوجوده صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر في هذا اليوم قرة عين بسبب ما وجد من الخير العظيم والبركة الشاملة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أن ظهوره صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع فيه إشارة ظاهرة لمن تفطن لها بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع إذ أن فيه تفاؤلا حسنا وبشارة (2) لأمته صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه الله تعالى: لكل إنسان من اسمه نصيب.
هذا في الأشخاص وكذلك في غيرها، وإذا كان كذلك ففصل الربيع فيه تنشق الأرض عما في باطنها من نعم المولى سبحانه وتعالى وأرزاقه التي بها قوام العباد وحياتهم ومعايشهم وصلاح أحوالهم، فتنفلق الحبة والنوى وأنواع النبات والأقوات المقدرة فيها، فتبهج
الناظر عند رؤيتها وتبشره بلسان حالها بقدوم ينعها.
وفي ذلك إشارة عظيمة إلى الاستبشار بابتداء نعم المولى سبحانه وتعالى، ألا ترى أنك إذا دخلت إلى البستان في مثل هذه الأيام تنظر إليه كأنه يضحك لك، وتجد زهرة كأن لسان حاله يخبرك بما لك من الأرزاق المدخرة والفواكه.
وكذلك الأرض إذا أبهج نوارها كأنه يحدثك بلسان حاله كذلك أيضا.
فمولده صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع فيه من الإشارات ما تقدم ذكر بعضه.
وذلك إشارة ظاهرة من المولى تبارك وتعالى إلى التنويه بعظيم قدر هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنه رحمة للعالمين.
وبشرى للمؤمنين.
وحماية لهم من المهالك والمخاوف في الدارين وحماية للكافرين بتأخير
__________
(1) أخرجه أحمد 2 / 327.
(2) في أ: بيشارته.
(*)

(1/337)


العذاب عنهم لأجله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) فوقعت البركات وإدرار الأرزاق والأقوات.
ومن أعظمها منته على عباده لهدايته عليه الصلاة والسلام لهم إلى صراط الله المستقيم.
الوجه الثالث: ما في شريعته صلى الله عليه وسلم من شبه الحال، ألا ترى أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها إذ ليس فيه برد مزعج ولا حر مقلق، وليس في ليله ولا نهاره طول خارق، بل كله معتدل وفصله سالم من العلل والأمراض والعوارض التي يتوقعها الناس في أبدانهم في زمان الخريف، بل الناس فيه تنتعش قواهم وتنصلح أمزجتهم وتنشرح صدورهم لأن الأبدان يدركها فيه من أمداد القوة ما يدرك النبات حين خروجه، إذ منها خلقوا، فيطيب ليلهم للقيام ونهارهم للصيام، لما تقدم من اعتداله في الطول والقصر والحر والبرد، فكان في ذلك شبه الحال بالشريعة السمحة التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه من رفع الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا.
الوجه الرابع: أنه قد شاء الحكيم سبحانه وتعالى أنه صلى الله عليه وسلم تتشرف به الأزمنة والأمكنة
لا هو يتشرف بها، بل يحصل للزمان أو المكان الذي يباشره عليه الصلاة والسلام الفضيلة العظمى والمزية على ما سواه من جنسه إلا ما استثنى من ذلك لأجل زيادة الأعمال فيها وغير ذلك، فلو ولد صلى الله عليه وسلم في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يتوهم أنه يتشرف بها فجعل الحكيم جل جلاله مولده صلى الله عليه وسلم في غيرها ليظهر عظيم عنايته سبحانه وتعالى وكرامته عليه.
الفصل الثاني: في مكانه: اختلف: هل ولد بمكة أو غيرها ؟ والصحيح الذي عليه الجمهور هو الأول.
وعليه فاختلف في مكانه من مكة على أقوال: أحدها: في الدار التي في الزقاق المعروف بزقاق المولد في شعب مشهور بشعب بني هاشم.
وكانت بيد عقيل.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبها عقيل بن أبي طالب فلم تزل بيده حتى توفي عنها فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، وقيل إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم ولد في شعب بني هاشم.
حكاه الزبير.
الثالث: أنه ولد صلى الله عليه وسلم بالردم.
الرابع: بعسفان.

(1/338)


الباب الخامس في إخبار الأحبار وغيرهم بليلة ولادته صلى الله عليه وسلم
روى أبو نعيم والبيهقي عن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل ما رأيت وسمعت إذا يهودي يصرخ ذات غداة على أطمه: يا معشر يهود.
فاجتمعوا إليه وأنا أسمع.
قالوا: ويلك ما بك ؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة.
يفعة بفتح الفاء والعين المهملة أي شاب.
أطمه: بالإضافة للضمير والأطم بضم الهمزة والطاء المهملة: الحصن ويروى على أطمه بتاء تأنيث على معنى البقعة.
وروى ابن سعد والحاكم وأبو نعيم بسند حسن في الفتح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت تلك الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ فقال القوم: والله ما نعلمه.
قال: احفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين.
فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله: فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: لقد ولد الليلة لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا.
فالتقى القوم حتى جاؤوا اليهودي فأخبروه الخبر.
قال: اذهبوا معي حتى أنظر إليه فخرجوا حتى أدخلوه على آمنة فقالوا: أخرجي إلينا ابنك.
فأخرجته وكشفوا له عن ظهره فرأى تلك الشامة، فوقع مغشيا عليه فلما أفاق قالوا: ويلك مالك ؟ قال: والله ذهبت النبوة من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب.
متواترات أي متتابعات أو متفرقات.
وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وأن دار هجرته المدينة، فلما ولد قالت أحبار يهود ولد الليلة أحمد، هذا الكوكب قد طلع.
فلما تنبأ أحمد.
كانوا يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه إلا الحسد والبغي.
وروى أبو نعيم وابن عساكر من طريق المسيب بن شريك عن محمد بن شريك عن شعيب بن شعيب (1)، عن أبيه عن جده، قال: كان بمر الظهران راهب من أهل الشام يدعى
__________
(1) شعيب بن شعيب بن إسحاق الأموي أبو محمد الدمشقي.
مات أبوه وهو حمل عن الحميدي وأحمد بن خالد الوهبي.
وعنه (س) ووثقه.
مات سنة أربع ومائتين.
الخلاصة 1 / 451.
(*)

(1/339)


عيص، وكان قد آتاه الله علما كثيرا، وكان يلزم صعومعة له ويدخل مكة فيلقى الناس ويقول:
يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب ويملك العجم هذا زمانه، فمن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته، وبالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن وحللت أرض البؤس والخوف إلا في طلبه.
فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول: ما جاء بعد.
فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيص فوقف على أصل صومعته فناداه فقال: من هذا ؟ فقال: أنا عبد المطلب.
فأشرف عليه فقال: كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الأثنين ويبعث يوم الأثنين وإن نجمه طلع البارحة، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي ثلاثا ثم يعافى، فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد حسده أحد، لم يبغ على أحد كما يبغى عليه.
قال: فما عمره ؟ قال: إن طال عمره لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها في الستين في إحدى وستين أو ثلاث وستين.

(1/340)


الباب السادس في وضعه صلى الله عليه وسلم والنور الذي خرج معه وتدلي النجوم له ونزوله ساجدا على الأرض بيديه وما رأته قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه من الآيات
عن أبي العجفاء رحمه الله تعالى مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور فضاءت له قصور بصرى " (1).
رواه ابن سعد ورجاله ثقات.
بصرى - بباء موحدة مضمومة فصاد مهملة ساكنة فألف مقصورة - والمراد بها هنا بلد بالشام من أعمال دمشق.
قال في المسكة الفائحة: وفي تخصيص بصرى لطيفة، وهي أنها أول موضع من بلاد الشام دخلها ذلك النور المحمدي، وكذلك هي أول ما افتتح من بلاد الشام.
وبصرى أيضا من قرى بغداد.
وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة
آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدته قالت: فما شئ أنظر إليه من البيت إلا نورا وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن علي، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له الدار والبيت حتى جعلت لا أرى إلا نورا.
وعن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إني عند الله لخاتم النبيين " (2) الحديث وفيه رؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام.
رواه الإمام أحمد والبزار والحاكم وابن حبان وصححاه.
وروى ابن حبان عن حليمة (3) رضي الله تعالى عنها عن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: إن لابني هذا لشأنا إني حملت به فلم أجد حملا كان أخف علي ولا أعظم بركة
__________
(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 96.
(2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 1 / 9، والطبري في التفسير 28 / 57، والبغوي في التفسير 1 / 111.
(3) حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر السعدي البكري الهوازني: من أمهات النبي صلى الله عليه وسلم في الرضاع.
كانت زوجة الحارث بن عبد العزى السعدي من بادى الحديبية وكان المرضعات يقدمن إلى مكة من البادية لإرضاع الأطفال ويفضلن من يكون أبوه حيا لبره إلا أن محمدا كان يتيما، مات أبوه عبد الله، فتسلمته حليمة من أمه " آمنة " ونشأ في بادية بني سعد في الحديبية وأطرافها، ثم في المدينة، وعادت به إلى أمه.
وماتت آمنة وعمره ست سنين فكفله جده عبد المطلب.
وقدمت حليمة على مكة بعد أن تزوج رسول الله بخديجة، وشكت إليه الجدب، فكلم خديجة بشأنها فأعطتها أربعين شاة.
وقدمت مع زوجها بعد النبوة فأسلما.
وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وهو على الجعرانة، فقام إليها وبسط لها رداءة فجلست عليه.
ولها رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنها عبد الله بن جعفر.
توفيت بعد سنة 8 ه.
الأعلام 2 / 271.
(*)

(1/341)


منه، ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء.
وروى ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آمنة قالت: لما فصل مني ابني محمد صلى الله عليه وسلم خرج منه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب.
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة.
رحمه الله تعالى قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نورا.
وروى الإمام أحمد وابن سعد بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قلت: يا رسول الله ما كان بدء أمرك ؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ".
وروى ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي بأسانيد له متعددة عن آمنة أنها قالت: لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع جاثيا على ركبتيه معتمدا على الأرض بيديه، ثم أخذ قبضة من تراب وقبضها ورفع رأسه إلى السماء، وأضاءت له قصور الشام وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى.
وإنما أضاءت قصور بصرى بالنور الذي خرج منه إشارة إلى ما خص الشام من نبوته صلى الله عليه وسلم فإنها دار مجده وملكه كما ذكره كعب أن في الكتب السابقة: محمد رسول الله مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام.
وقد وردت أحاديث في فضل الشام، ذكر بعضها الحافظ المنذري في كتاب " الترغيب والترهيب ".
وقال بعضهم: أضاءت قصور بصرى إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم.
ينور البصائر ويحيي القلوب الميتة.
وفي خروج هذا النور معه صلى الله عليه وسلم حين وضعته إشارة إلى ما يجئ به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وزال به ظلمة الشرك منها.
كما قال الله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
قال الإمام أبو شامة رحمه الله تعالى: وقد كان هذا
النور الذي ظهر وقت ولادته صلى الله عليه وسلم قد اشتهر في قريش وكثر ذكره فيهم، وإلى ذلك أشار عمه العباس رضي الله تعالى عنه في أبياته السابقة حيث قال في حقه صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا: وأنت لما ولدت أشرقت الأر * * ض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النو * * ر وسبل الرشاد نخترق ويرحم الله تعالى القائل:

(1/342)


لما استهل المصطفى طالعا * * أضاء الفضا من نوره الساطع وعطر الكون شذى عطره الط * * يب من دان ومن شاسع ونادت الأكوان من فرحة * * يا مرحبا بالقمر الطالع وروى ابن سعد عن موسى بن عبيدة (1) رحمه الله تعالى عن أخيه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء وقبض قبضة من تراب، فبلغ ذلك رجلا من لهب فقال لصاحبه: انجه لئن صدق الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض.
وروى ابن سعد وأبو نعيم بسند قوي عن حسان بن عطية - رحمه الله تعالى: - ورضي عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ولد وقع على كفيه وركبتيه شاخصا ببصره إلى السماء.
زاد السهيلي: مقبوضة أصابع يده مشيرا بالسبابة كالمسبح بها.
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الجوجري (2) رحمه الله تعالى: وفي رفع بصره صلى الله عليه وسلم في تلك الحال إشارة وإيماء إلى ارتفاع شأنه وعلو قدره وأنه يسود الخلق أجمعين، وكان هذا من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أول فعل وجد منه في أول ولادته، وفيه إشارة وإيماء لمن له تأمل إلى أن جميع ما يقع له من حين يولد إلى حين يقبض صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه العقل فإنه صلى الله عليه وسلم لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين، علي الشأن على المخلوقات.
وفي رفعه صلى الله عليه وسلم رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد وأنه لا يتوجه قصده إلا إلى جهات العلو دون غيرها مما لا يناسب قصده.
وروى ابن الجوزي في " الوفا " عن أبي الحسين بن البراء - مرسلا - رحمه الله تعالى قال: قالت آمنة وجدته جاثيا على ركبتيه ينظر إلى السماء، ثم قبض قبضة من الأرض وأهوى ساجدا.
قال بعض أهل الإشارات: لما ولد عيسى صلى الله عليه وسلم قال: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) فأخبر عن نفسه بالعبودية والرسالة، ونبينا صلى الله عليه وسلم وضع ساجدا وخرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، وقبض قبضة من تراب ورفع رأسه إلى السماء فكانت عبودية عيسى المقال: وعبودية محمد صلى الله عليه وسلم الفعال، ورسالة عيسى بالإخبار، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم بظهور الأنوار.
__________
(1) موسى بن عبيدة بن نشيط العدوي مولاهم أبو محمد الربذي بفتح المهملة والموحدة المدني.
عن محمد بن كعب ونافع وجماعة.
وعنه شعبة وابن المبارك وطائفة.
ضعفه ابن المديني والنسائي وابن عدي وجماعة.
قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث وليس بحجة.
مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالربذة.
الخلاصة 3 / 68.
(2) محمد بن عبد المنعم بن محمد الجوجري: فاضل مصري، من فقهاء الشافعية.
ولد بجوجر (قرب دمياط) وتحول إلى القاهرة صغيرا، فتعلم، وناب في القضاء، ثم تعفف عن ذلك.
ومات بمصر.
كتبه " شرح الإرشاد " لابن المقري، و " شرح شذور الذهب " و " شرح همزية البوصيري ".
توفي سنة 889 ه.
الأعلام 6 / 251، والضوء اللامع 8 / 123.
(*)

(1/343)


وفي سجوده صلى الله عليه وسلم عند وضعه إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب، قال الله تعالى: (واسجد واقترب) وقال صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " فحال عيسى عليه الصلاة والسلام يشير إلى مقام العبودية، وحال محمد صلى الله عليه وسلم يشير إلى مقام القرب من الحضرة الإلهية.
ولبعضهم: لك القرب من مولاك يا أشرف الورى * * وأنت لكل المرسلين ختام وأنت لنا يوم القيامة شافع * * وأنت لكل الأنبياء إمام عليك من الله الكريم تحية * * مباركة مقبولة وسلام
وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه عن أمه الشفاء بنت عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنها قالت: لما ولد ت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي فاستهل، فسمعت قائلا يقول: رحمك الله أو رحمك ربك فأضاء ما بين المشرق والمغرب حتى إني نظرت إلى بعض قصور الروم.
قالت: ثم ألبسته وأضجعته فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة عن يميني فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به.
قال: إلى المغرب وأسفر عني ذلك.
ثم عاودني ذلك الرعب والقشعريرة عن يساري فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به ؟ قال: إلى المشرق.
قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله تعالى.
تنبيهات الأول: قال الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه: لم أقف في شئ من الأحاديث مصرحا على أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس، بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها كالطبقات لابن سعد، والدلائل للبيهقي، ولأبي نعيم، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه، وكالمستدرك للحاكم.
وإنما الحديث الذي روته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف يعني السابق آخر الباب فيه لفظ يشبه التشميت.
لكن لم يصرح فيه بالعطاس، والمعروف في اللغة أن الاستهلال صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فيحتمل.
وحمل القائل على الملك ظاهر.
وقال العلامة شمس الدين الجوجري رحمه الله تعالى في شرح الهمزية: الاستهلال وإن كان هو صياح المولود أول ما يولد إلا أن حمله على العطاس هنا قريب، كحمل القائل على الملك.
الثاني: جرت عادة كثير من المحبين إذا سمعوا بذكر وضعه صلى الله عليه وسلم أن يقوموا تعظيما له صلى الله عليه وسلم، وهذا القيام بدعة لا أصل لها، وقال ذو المحبة الصادقة حسان زمانه أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري رحمه الله تعالى ورضي عنه في قصيدة له من ديوانه: قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب * * على فضة من خط أحسن من كتب

(1/344)


وإن ينهض الأشراف عند سماعه * * قياما صفوفا أو جثيا على الركب أما الله تعظيما له كتب اسمه * * على عرشه يا رتبة سمت الرتب واتفق أن منشدا أنشد هذه القصيدة في ختم درس شيخ الإسلام الحافظ تقي الدين السبكي.
والقضاة والأعيان بين يديه فلما وصل المنشد إلى قوله: " وإن ينهض الأشراف عند سماعه " إلى آخر البيت قام الشيخ للحال قائما على قدميه امتثالا لما ذكره الصرصري، وحصل للناس ساعة طيبة.
ذكر ذلك ولده شيخ الإسلام أبو النصر عبد الوهاب في ترجمته من الطبقات الكبرى.
الثالث: اشتهر على بعض الألسنة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ولدت في زمن الملك العادل.
قال الحافظ إنه كذب باطل لا أصل له.
وقال الشيخ الإمام بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى في اللآلئ: روى الحافظ السمعاني عن أبي بكر الحيري رحمه الله تعالى قال حكى لي شيخ من الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال: فقلت له: يا رسول الله بلغني أنك قلت: ولدت في زمن الملك العادل وإني سألت الحاكم أبا عبد الله الحافظ عن هذا فقال: كذب لم يقله رسول الله صلى عليه وسلم فقال النبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق أبو عبد الله.
وقال الحليمي رحمه الله تعالى في " الشعب ": هذا الحديث لا يصح وإن صح فإطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذي كان يدعى به لا لوصفه بالعدل والشهامة له بذلك، أو وصفه بذلك بناء على اعتقاد الفرس فيه أنه كان عادلا كما قال الله تعالى (فما أغنت عنهم آلهتهم) أي ما كان عندهم آلهة ولا يجوز أن يسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحكم بغير حكم الله عادلا.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى في الدرر: قال البيهقي في الشعب: تكلم شيخنا أبو عبد الله يعني الحاكم، في بطلان ما يرويه بعض الجهلة عن نبينا صلى الله عليه وسلم: " ولدت في زمن الملك العادل " يعني كسرى أنو شروان.
ثم رأى بعض الصالحين في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكى له ما قال أبو عبد الله فصدقه وقال ما قلته قط.
وقال صاحب المقاصد: وأما ما يحكى عن الشيخ أبي عمر بن قدامة المقدسي
رحمه الله تعالى مما أورده ابن رجب في ترجمته من طبقاته أنه قال: جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ولدت في زمن الملك العادل كسرى " فلا يصح لانقطاع سنده، وإن صح فلعل الناقل للحكاية لم يضبط لفظ الشيخ وإن ضبط الحكاية.
والله أعلم (1).
__________
(1) أخرجه البيهقي في الشعب 4 / 305 (5195) وقال الحليمي: وتكلم في بطلان ما يرويه بعض الجهال عن نبينا صلى الله عليه وسلم ولدت في زمن الملك العادل يعني أنو شروان وكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ قد تكلم أيضا في بطلان هذا الحديث ثم رأى بعض الصالحين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فحكى له ما قال أبو عبد الله فصدقه في تكذيب هذا الحديث وإبطاله وقال: ما قلته قط.
(*)

(1/345)


الباب السابع في انفلاق البرمة حين وضع صلى الله عليه وسلم تحتها
روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان في عهد الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصحبوا فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرحوه تحت برمة فلما أصبحوا أتوا البرمة فإذا هي قد انفلقت اثنتين وعيناه صلى الله عليه وسلم إلى السماء فعجبوا من ذلك.
وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات أثبات عن عكرمة رحمه الله تعالى - مرسلا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وضعته أمه وضعته تحت برمة فانفلقت عنه، قالت: فنظرت إليه فإذا هو قد شق بصره ينظر إلى السماء.
وروى البيهقي عن أبي الحسن التنوخي (1) رحمه الله تعالى قال: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح فكفأن عليه برمة، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى نسوة فكفأن عليه برمة، فلما أصبحن أتين فوجدت البرمة قد انفلقت عنه باثنتين، فوجدنه مفتوح العين شاخصا ببصره إلى السماء فأتاهن عبد المطلب فقلن: ما رأينا مولودا مثله ووجدناه قد انفلقت عنه البرمة ووجدناه مفتوحا عينه شاخصا ببصره إلى السماء فقال: احفظنه
فإني أرجو أن يصيب خيرا.
وروى ابن الجوزي عن أبي الحسين بن البراء - مرسلا - رحمه الله تعالى عن آمنة أنها قالت: وضعت عليه إناء فوجدته قد انفلق الإناء عنه وهو يمص إبهامه يشخب لبنا.
قال بعض أهل الإشارات في انفلاق البرمة عنه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ظهوره أمره وانتشاره وأنه يفلق ظلمة الجهل ويزيلها.
يشخب بشين فخاء معجمتين أي يسيل.
__________
(1) التنوخي: بالفتح وضم النون الخفيفة ومعجمة نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين.
لب اللباب 1 / 177.
(*)

(1/346)


الباب الثامن في ولادته صلى الله عليه وسلم مختونا مقطوع السرة
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوأتي ".
رواه الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر من طرق.
قال في الزهر: سنده جيد.
انتهى.
وصححه الحافظ ضياء الدين المقدسي وروي من حديث العباس بن عبد المطلب رواه ابن سعد وحسن مغلطاي سنده في كتابه دلائل النبوة ومن حديث ابنه عبد الله رواه ابن عدي وابن عساكر ومن حديث أبي هريرة رواه ابن عساكر أيضا.
ومن حديث أنس رواه أبو نعيم.
قال مغلطاي في دلائله: بسند جيد.
ومن حديث ابن عمر رواه ابن عساكر.
وقد جزم - بأنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا - جماعة من العلماء منهم هشام بن محمد بن السائب في كتاب الجامع.
وابن حبيب في المحبر.
وابن دريد في الوشاح، وابن الجوزي في العلل والتلقيح.
وقال الحاكم في المستدرك: تواترت الأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا.
وتعقبه الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك فكيف يكون متواترا.
وأجيب باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السيرة، لا من طريق
السند المصطلح عليه عند أئمة الحديث.
وقيل: إن جبريل ختنه صلى الله عليه وسلم.
حين شق صدره.
رواه الخطيب عن أبي بكرة موقوفا.
ولا يصح سنده.
وقال الذهبي: إنه خبر منكر.
وقال الذهبي: إن جده صلى الله عليه وسلم ختنه على عادة العرب.
ورواه أبو عمر قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وسنده غير صحيح.
قال الحافظ قطب الدين الخيضري رحمه الله تعالى في الخصائص: وأرجحها عندي الأول.
وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره.
قلت: قد قدمنا أن له طريقا جيدة صححها الحافظ الضياء.
وقد قال الزركشي: إن تصحيح الضياء أعلى مزية من تصحيح الحاكم.
قال الخيضري: فإن قيل إن فيه أي في ولادته صلى الله عليه وسلم مختونا بعض نقص في حق من يوجد كذلك.
فيقال: هذا في حقه صلى الله عليه وسلم غاية الكمال لأن القلفة ربما تمنع من تكميل النظافة والطهارة، وتمنع كمال لذة الجماع فأوجد الله تعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا مكملا سالما من سائر النقائص والمعايب فإن قيل: إذا كان كذلك فلم شق صدره صلى الله عليه وسلم واستخرج منه العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان، ولو كان كما ذكرت لخلقه سالما منها ؟

(1/347)


قلت: لا سواء لأن الختان والإسرار من الأمور الظاهرة التي تحتاج إلى فعل الآدمي، فخلقه الله تعالى سليما منها لئلا يكون لأحد عليه منة، كما في كمال الطهارة، وأما إخراج العلقة التي هي حظ الشيطان فمحلها القلب ولا اطلاع للآدمي عليها، ولو خلق الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم سليما منها لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته، فأظهره الله تعالى لعباده على يد جبريل ليتحققوا كمال باطنه كما برز لهم مكمل الظاهر انتهى.
وهو مأخوذ من كلام السبكي يأتي ذكره في باب شرح صدره صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن إسحاق بن أبي طلحة مرسلا رحمه الله تعالى أن آمنة قالت: وضعته نظيفا، ما ولدته كما يولد السخل، ما به قذر، ووقع إلى الأرض وهو جالس
على الأرض بيديه.
فائدة: ولد من الأنبياء مختونا جماعة.
نقل ابن دريد في الوشاح وابن الجوزي في التلقيح عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى أنهم ثلاثة عشر.
ونقل ابن الجوزي عن محمد بن حبيب رحمه الله تعالى أنهم أربعة عشر.
وكل منهما ذكر ما لم يذكر الآخر.
فالذي اتفقا عليه: آدم.
وشيث.
ونوح، لوط ويوسف، وشعيب، وموسى، وسليمان وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
والذي زاده كعب: إدريس، وسام، ويحيى والذي زاده ابن حبيب: هود، وصالح، وزكريا، وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس صلى الله عليه وسلم أجمعين فاجتمع من كلامهما سبعة عشر نبيا أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وقد نظم الشيخ رحمه الله تعالى ورضي عنه أسماءهم في قلائد الفوائد فقال: وسبعة مع عشر قد روى خلقوا * * وهم ختان فخذ لا زلت مأنوسا محمد آدم إدريس شيث ونو * * ح سام هود شعيب يوسف موسى لوط سليمان يحيى صالح زكر * * يا وحنظلة الرسي مع عيسى وقال العلامة القاضي عبد الباسط البلقيني رحمه الله تعالى ونفعنا به: وفي الرسل مختونا لعمرك خلقه * * ثمان وتسع طيبون أكارم وهم زكريا شيث إدريس يوسف * * وحنظلة عيسى وموسى وآدم ونوح شعيب سام لوط وصالح * * سليمان يحيى هود ياسين خاتم تنبيه: قال بعضهم وفي قولهم: خلقوا مختونين تجوز لأن الختان وهو القطع، وهو غير ظاهر.
لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع.
والله أعلم.

(1/348)


الباب التاسع في مناغاته صلى الله عليه وسلم للقمر في مهده وكلامه فيه
روى الطبراني والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك فحيث ما أشرت إليه مال.
قال: " كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش ".
قال الإمام أبو عثمان الصابوني (1) رحمه الله تعالى في كتاب المائتين: هذا حديث غريب الإسناد والمتن في المعجزات حسن.
المناغاة: المحادثة.
وناغت الأم صبيها لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة.
قال الحافظ في الفتح وفي سير الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في المهد أوائل ما ولد.
وذكر ابن سبع رحمه الله تعالى في الخصائص أن مهده صلى الله عليه وسلم كان يتحرك بتحريك الملائكة له.
وأن أول كلام تكلم به أن قال: " الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ".
فائدة: تكلم في المهد جماعة نظم شيخنا رحمه الله تعالى أسماءهم في كتابه قلائد الفوائد فقال: تكلم في المهد النبي محمد * * وموسى وعيسى والخليل ومريم ومبرئ جريج ثم شاهد يوسف * * وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي * * يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها * * وفي زمن الهادي المبارك يختم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
__________
(1) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني: مقدم أهل الحديث في بلا د خراسان.
لقبه أهل السنة فيها بشيخ الإسلام، فلا يعنون - عند إطلاقهم هذه اللفظة - غيره.
ولد ومات في نيسابور.
وكان فصيح اللهجة، واسع العلم، عارفا بالحديث والتفسير، يجيد الفارسية إجادته العربية.
له كتاب " عقيدة السلف " و " الفصول في الأصول ".
توفي سنة 449 ه.
انظر الأعلام 1 / 317، وطبقات الشافعية 3 / 117.
(*)

(1/349)


الباب العاشر في حزن إبليس وحجبه من السموات وما سمع من الهواتف لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
نقل السهيلي وأبو الربيع وغيرهما عن تفسير الحافظ بقي بن مخلد (1) رحمه الله تعالى أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد النبي صلى الله عليه وسلم، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب.
رن: صوت بحزن وكآبة.
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: قال إبليس لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقال له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته.
فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الله جبريل فركضه برجله ركضة فوقع بعدن.
وروى الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن حزبوذ رحمه الله تعالى قال: كان إبليس يخترق السموات السبع.
فلما ولد عيسى حجب من ثلاث سموات، وكان يصل إلى أربع فلما ولد النبي صلى الله عليه وسلم حجب من السبع.
ووروى الخرائطي وابن عساكر عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم يجتمعون إليه فلما دخلوا يوما فرأوه مكبوبا على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوا فردوه إلى حاله فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة فقال عثمان: إن هذا لأمر حدث.
وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجعل عثمان بن الحويرث يقول: أيا صنم العيد الذي صف حوله * * صناديد وفد من بعيد ومن قرب ينكس مقلوبا فما ذاك قل لنا * * أذاك سفية أم تنكس للعتب فإن كان من ذنب أسأنا فإننا * * نبوء بإقرار ونلوي على الذنب وإن كنت مغلوبا تنكست صاغرا * * فما أنت في الأصنام بالسيد الرب
قال: فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من جوف الصنم بصوت جهير وهو يقول:
__________
(1) بقي بن مخلد بن يزيد، أبو عبد الرحمن، الأندلسي القرطبي: حافظ مفسر محقق، من أهل الأندلس.
له " تفسير " قال ابن بشكوال: لم يؤلف مثله في الإسلام، وكتاب في " الحديث " رتبه على أسماء الصحابة، ومصنف في " فتاوي الصحابة والتابعين ومن دونهم ".
توفي سنة 267 ه.
الأعلام 2 / 60.
(*)

(1/350)


تردى لمولود أضاءت لنوره * * جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب وخرت له الأوثان طرا وأرعدت * * قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب ونار جميع الفرس باخت (3) وأظلمت * * وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها * * فلا مخبر منهم بحق ولا كذب فيالقصي إرجعوا عن ضلالكم * * وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب الفجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين.
وقيل في جبل باخت: خمدت.
هب النائم هبا وهبوبا: استيقظ.
وروى الخرائطي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا: فلما دخلنا عليه قال: اصدقاني أيها القرشيان: هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه جمال كثيرة ؟ فقلنا نعم.
قال: فهل لكما علم به ما فعل ؟ قلنا: تزوج امرأة منا يقال لها آمنة تركها حاملا وخرج.
قال: فهل تعلمان ولدت أم لا ؟ قال ورقة: أخبرك أيها الملك.
إني قد قربت عند وثن لنا إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول: ولد النبي فذلت الأملاك * * ونأى الضلال وأدبر الإشراك ثم تنكس الصنم على رأسه.
فقال زيد: عندي خبره أيها الملك، إني في مثل هذه الليلة خرجت حتى أتيت جبل أبي قبيس إذ رأيت رجلا ينزل له جناحان أخضران فوقف على أبي
قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان وبطلت الأوثان وولد الأمين.
ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغرب فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد يخطف بصري، وهالني ما رأيت وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة فسطع له نور أشرقت له تهامة وقال: زكت الأرض وأدت ربيعها.
وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها.
قال النجاشي: أخبركما عما أصابني: إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبتي وقت خلوتي إذ خرج علي من الأرض عنق ورأس وهو يقول: حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل بحجارة من سجيل، هلك الأشرم المعتدي المجرم، وولد النبي المكي الحرمي، من أجابه سعد ومن أباه عند، ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام ورمت القيام فلم أطق القيام فأتاني أهل فقلت: احجبوا عني الحبشة فحجبوهم فأطلق الله لساني ورجلي.
وروى ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: لما ولد

(1/351)


رسول الله صلى الله عليه وسلم هتف هاتف على أبي قبيس وآخر على الحجون الذي بأصل المقبرة فقال الذي على جبل الحجون: فأقسم ما أنثى من الناس أنجبت * * ولا ولدت أنثى من الناس والده كما ولدت زهرية ذات مفخر * * مجنبة لؤم القبائل ماجدة فقد ولدت خير البرية أحمدا * * فأكرم بمولود وأكرم بوالده وقال الذي على جبل أبي قبيس: يا ساكني البطحاء لا تغلطوا * * وميزوا الأمر بعقل مضي إن بني زهرة من سركم * * في غابر الأمر وعند البدي واحدة منكم فهاتوا لنا * * فيمن مضى في الناس أو من بقي واحدة من غيرهم مثلها * * جنينها مثل النبي التقي

(1/352)


الباب الحادي عشر في انبثاق دجلة وارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران وغير ذلك مما يذكر
ذكر ابن جرير وغيره أن كسرى أبرويز كان قد سكر دجلة العوراء وأنفق عليها مالا عظيما، وكان طاق ملكه قد بناه بنيانا عظيما لما ير مثله، وكان عنده ثلاثمائة رجل من كاهن وساحر ومنجم، وكان فيهم رجل من العرب اسمه السائب قد بعث به بأذان من اليمن، وكان كسرى إذا حزبه أمر جمعهم فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو.
فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح كسرى وقد انقصم طاق ملكه من غير ثقل وانخرقت دجلة العوراء فلما رأى ذلك أحزنه فدعا كهانه وسحاره ومنجميه وفيهم السائب فقال لهم: قد انقصم طاق ملكي من غير ثقل فانظروا في أمره بما تعلمونه من علمكم فأخذت عليهم أقطار السماء وأظلمت الأرض فلم يمض لهم ما رأوه وبات السائب في ليلة مظلمة على ربوة من الأرض ينظر فرأى برقا من قبل الحجاز قد استطار فبلغ المشرق، فلما أصبح رأى تحت قدميه روضة خضراء فقال فيما يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق وتخصب الأرض عليه كأفضل ما أخصبت على ملك.
فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء وإنه لنبي يبعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ملكه ويكسر وإن نعيتم إلى كسرى كسر ملكه ليقتلنكم فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له قد نظرنا فوجدنا وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النحوس، فلما اختلف الليل والنهار فوقعت النحوس مواقعها زال كل ما وضع عليها، ونحن نحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول.
- فحسبوا فأمروه بالبناء فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر وأنفق عليها أموالا جليلة حتى فرغ منها، فلما فرغ قال لهم:
أجلس على سورها ؟ قالوا: نعم.
فجلس في أساورته ومرازبته، فبينما هو كذلك انشقت دجلة وخرج ذلك البنيان من تحته، فلم يخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرجوه جمع كهانه وسحرته ومنجميه وقتل منهم نحو مائة وقال لهم: أقربتكم وأجريت عليكم الأموال ثم إنكم تخونونني ؟ فقالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا.
ثم حسبوا له وأمروه بالبناء فبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه فخاف أن يجلس عليه فركب وسار على البناء فبينما هو يسير إذ انشقت أيضا،

(1/353)


فلم يدرك إلا بآخر رمق.
فدعاهم وقال: لأقتلنكم أو لتصدقني.
فصدقوه وأخبروه بالأمر فقال: ويحكم هلا بينتم لي ذلك فأرى فيه ما أرى قالوا: منعنا الخوف.
فتركهم.
وروى ابن جرير في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، والخرائطي عن مخزوم بن هانئ عن أبيه وأتت عليه مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس فيها إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشر شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك وتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أن لا يدخر ذلك عن وزرائه ومرازبته حين عيل صبره فجمعهم ولبس تاج ملكه وقعد على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: تدرون فيما بعثت ؟ قالوا: لا إلا أن تخبرنا بذلك، فبينما هم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار فارس فازداد غما إلى غمه ثم أخبرهم بما هاله، فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة.
فقص عليهم رؤياه في الإبل، فقال: أي شئ يكون هذا يا موبذان ؟ وكان أعلمهم في أنفسهم قال: حدث يكون من ناحية العرب، فكتب كسرى عند ذلك: من ملك الملوك كسرى إلى النعمان بن المنذر: أما بعد فوجه إلى عالما بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حسان بن بقيلة - بضم الموحدة وفتح القاف وسكون التحتية - الغساني.
فلما قدم عليه قال: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه ؟ قال: يسألني الملك أو يخبرني الملك، فإن كان عندي علم منه
أخبرته وإلا دللته على من يعلمه.
قال: فأخبره.
فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطح.
قال: فاذهب إليه فاسأله وائتني بتأويل ما عنده.
فنهض عبد المسيح حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحياه فلم يحر جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن.
في أبيات ذكرها.
فلما سمع سطيح كلامه فتح عينيه ثم قال: عبد المسيح على جمل مشيح، أقبل إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك - ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان.
رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها.
يا عبد المسيح إذا أكثرت التلاوة.
وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، وغاضت بحيرة ساوة، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت.
ثم قضى سطيح مكانه فأتى عبد المسيح إلى كسرى فأخبره فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور.
فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.

(1/354)


ويرحم الله تعالى الإمام أبا عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن علي الشقراطسي (1) حيث قال: ضاءت لمولده الآفاق واتصلت * * بشرى الهواتف في الإشراق والطفل وصرح كسرى تداعى من قواعده * * وانقض منكسر الأرجاء ذا ميل ونار فارس لم توقد وما خمدت * * من ألف عام ونهر القوم لم يسل خرت لمولده الأوثان وانبعثت * * ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل والإمام أبا عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الدلاصي الشهير بالبوصيري رحمه الله تعالى حيث قال: أبان مولده عن طيب عنصره * * يا طيب مبتدإ منه ومختتم
يوم تفرس فيه الفرس أنهم * * قد أنذروا بحلول البؤس والنقم وبات أيوان كسرى وهو منصدع * * كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم والنار خامدة الأنفاس من أسف * * عليه والنهر ساهي العين منسدم وساء ساوة أن غاضت بحيرتها * * ورد واردها بالغيظ حين ظمي كأن بالنار ما بالماء من بلل * * حزنا وبالماء ما بالنار من ضرم والجن تهتف والأنوار ساطعة * * والحق يظهر من معنى ومن كلم عموا وصموا فإعلان البشائر لم * * يسمع وبارقة الإنذار لم تشم من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم * * بأن دينهم المعوج لم يقم من بعد ما عاينوا في الأفق من شهب * * منقضة وفق ما في الأرض من صنم حتى غدا عن طريق الحق منهزم * * من الشياطين يقفو إثر منهزم وقال أيضا في قصيدته الهمزية: ومحيا كالشمس منك مضئ * * أسفرت عنه ليلة غراء ليلة المولد الذي كان للدي * * ن سرور بيومه وازدهاء
__________
(1) عبد الله بن يحيى بن علي، أبو محمد الشقراطسي التوزري: فقيه مالكي، من الشعراء.
ولد بتوزر.
وعلمه أبوه وسافر إلى القيروان، فأخذ عن علمائها.
ورحل إلى المشرق (سنة 429 ه) وخاض معركة في قتال الفرنج، بمصر، قال فيها، من قصيدة: وأسمر عسال الكعوب سقيته * * نجيع الطلى والخيل تدمى نحورها وعاد إلى توزر، فأفتى ودرس إلى أن توفي.
له " تعليق على مسائل من المدونة " و " فضائل الصحابة " و " الإعلام بمعجزات النبي عليه السلام " ختمه بقصيدة له لامية تعرف بالشقراطسية أولها: " الحمد لله، منا باعث الرسل " عني أدباء إفريقية بشرحها وتخميسها وتشطيرها.
توفي سنة 466 ه.
الأعلام 4 / 144، 145.
(*)

(1/355)


وتوالت بشرى الهواتف أن قد * * ولد المصطفى وحق الهناء
وتداعى إيوان كسرى ولو * * لا آية منك ما تداعى البناء وغدا كل بيت نار وفيه * * كربة من خمودها وبلاء وعيون للفرس غارت فهل كا * * ن لنيرانهم بها إطفاء فهنيئا به لآمنة الفض * * ل الذي شرفت به حواء من لحواء أنها حملت أح * * مدا وأنها به نفساء يوم نالت بوضعه ابنة وه * * ب من فخار ما لم تنله النساء وأتت قومها بأفضل مما * * حملت قبل مريم العذراء شمتته الأملاك إذ وضعته * * وشفتنا بقولها الشفاء رافعا رأسه وفي ذلك الرف * * ع إلى كل سؤدد إيماء رامقا طرفه السماء ومرمى * * عين من شأنه العلو العلاء وتدلت زهر النجوم إليه * * وأضاءت بضوئها الأرجاء وتراءت قصور قيصر بالشا * * م يراها من داره البطحاء تفسير الغريب كسرى بفتح الكاف وكسرها: اسم ملك الفرس.
والذي ولد النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه: أنوشروان بن قباذ بن يزدجرد بن بهرام جور.
والذي كتب إليه الكتاب ومزقه: أبرويز بن هرمز أوشروان.
والذي قتل في زمن عثمان وأخذ منه المسلمون البلاد: يزدجرد بن شهريار.
دجلة بكسر الدال المهملة: نهر بغداد.
قال ثعلب - رحمه الله تعالى - تقول: عبرت دجلة بغير ألف ولام.
باذان: بذال معجمة.
انقصم: انكسر وانفصل بعضه من بعضه.
اعتاف: قال في النهاية: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، يقال:
عاف يعيف عيفا إذا زجر وحدس وظن.
قلت: والمراد هنا الحدس والظن.
ارتجس: اضطرب وانشق.
والرجس بفتح الراء وإسكان الجيم وبالسين المهملة: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير.
الإيوان: بوزن الديوان ويقال فيه بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه.
والأزج: بيت

(1/356)


يبنى طولا، وجمعه على الأول: أواوين كدواوين.
وإيونات.
وعلى الثاني: أون كخوان وخون: بناء مشهور بالمدائن من أرض العراق، كان بناء محكما مبنيا بالآخر الكبار والجص، سمكه مائة ذراع في طول مثلها، فارتجس حتى سمع صوته وانشق وسقطت منه أربعة عشر شرافة.
ليس السبب في ذلك من جهة خلل في بنائه في نفسه، وإنما أراد الله تعالى أن يكون ذلك آية باقية على وجه الدهر لنبيه صلى الله عليه وسلم.
الموبذان: بضم الميم ثم واو ساكنة وفتح الباء الموحدة.
وحكى الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى كسرها أيضا وبذال معجمة: اسم لحاكم المجوس كقاضي القضاة للمسلمين.
مشيح بشين معجمة وحاء مهملة وزن مليح يقال ناقة مشحاة إذا كانت سريعة.
والإبل كناية عن الناس هنا.
الهراوة.
بكسر الهاء: العصا.
الشرفات بضم الراء وفتحها وسكونها جمع شرفة - إما تحقيرا لها أو أن جمع القلة قد يقع موضع جمع الكثرة.
خمدت بفتح الميم وكسرها كنصر وسمع.
غاضت بغين وضاد معجمتين: غارت.
خيلا عرابا، بكسر العين.
الخيل العراب خلاف البراذين الفرس إن كان أبواه عربيين فهو عتيق، وإن أعجميين فهو برذون، وإن كان الأب عربيا والأم عجمية فهو هجين.
وإن كان بالعكس فهو مقرف.
بحيرة ساوة متسعة الأكناف جدا.
وقد قال فيها الصرصري - رحمه الله تعالى - في بعض قصائده: * غارت وقد كانت جوانبها تفوت الميلا * وقال غيره: كانت أكثر من ستة فراسخ تركب فيها السفن ويسافر فيها إلى ما حولها من البلاد والمدن، فأصبحت ليلة المولد ناشفة كأن لم يكن بها شئ من الماء.
تنبيه: وقع في بعض الكتب: غاضت بحيرة طبرية.
وهذا غير معروف.
بحيرة طبرية لم يثبت أن ماءها غاض وهو باق إلى اليوم.
المرازبة بفتح الميم جمع مرزبان بضم الزاي وهو الفارس الشجاع المتقدم على القوم دون المكره.
هاله: أفزعه.

(1/357)


رؤيا بترك التنوين.
حدث بفتح الحاء والدال المهملتين ومثلثة أي وقع.
مشارف بميم مفتوحة فشين معجمة مخففة فألف فراء ففاء.
المشارف: القرى التي تقرب من المدن، وقيل التي بين بلاد الريف وجزيرة العرب قيل لها ذلك لأنها أشرفت على السواد.
قاله في النهاية وقال في الصحاح: مشارف أوله وآخره أي ابتدأ.
أصم: بهمزة الاستفهام ثم بضم الصاد المهملة فتشديد الميم مبني للمفعول.
الغطريف: بغين معجمة فطاء مهملة فراء مكسورة فمثناة تحتية ففاء المراد به هنا السيد.
عبد المسيح: بالرفع لأنه مبتدأ والجار والمجرور في قوله " على جمل " الخبر.
أوفى: أشرف.
ساوة مدينة بين الري وهمذان.
السماوة بسين مهملة مفتوحة فميم مخففة: بادية لبني كلب عند الكوفة، أرض عالية لا حجر فيها لها طول ولا عرض لها سميت السماوة لسموها أي علوها.
الطفل بفتحتين: العشي عند تطفيل الشمس ونقصان ضوئها.
ومعنى تطفيلها دنوها من المغيب.
أنقاض يروى بضاد معجمة.
ويروى بصاد مهملة.
وعليهما فمعناه سقط.
الأرجاء: النواحي.
الميل بفتح الميم والمثناة التحتية قال في المحكم: الميل أي بسكون الياء في الحادث.
والميل في الخلقة.
فارس: اسم علم كالفرس لطائفة من العجم كانوا مجوسا يعبدون النار وكان لبيوت النار سدنة يقومون عليها.
ويتناوبون إيقادها فلم يخمد لها لهب لا ليل ولا نهار إلا ليلة مولده صلى الله عليه وسلم، فإنهم أوقدوها فلم تقد.
وإنما انتفى إيقادها في نفسها مع كونهم تعاطوا إيقادها فهذا موضع الآية العجيبة، ولو كانوا لم يتعاطوا إيقادها لم يكن في ذلك آية لمولد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك وقع اتفاقا.
وخمدت تلك النار مع إيقادهم لها ولها ألف سنة لم تخمد وتلك مدة عبادة المجوس للنار.
المحيا: الوجه.
أسفرت: انحسرت.

(1/358)


غراء: تأنيث - الأغر وهو السيد الابيض النير.
الازدهاء: الافتخار.
توالت: تتابعت.
الهواتف: جمع هاتف وهو ما يسمع صوته ولا يرى شخصه.
تداعى: تهادم.
غدا بالدال المهملة: صار.
خمود النار: سكون لهبها ولم يطف جمرها، فإن انطفأ أيضا قيل: همدت.
الكربة بالضم: الهم الذي يأخذ النفس.
والاستفهام عن انطفاء نار فارس بمياه العيون
التي غارت يفيد التعجب من هذه القضية وتأكيد وقوعها وأن ذلك من آياته صلى الله عليه وسلم.
رمق الشئ: نظر إليه نظرا خفيا.
المرمى في الأصل: الغرض الذي ينتهي إليه سهم الرامي.
والمراد ما انتهى إليه البصر.
الشأن: القصد.
العلو: الارتفاع في المكان.
العلاء بالفتح والمد: الرفعة والشرف، والعلى بالضم والقصر بمعناه.
تراءت من رؤية العين.
وتراءى الجمعان: رأى بعضهم بعضا.
قيصر: أحد ملوك الروم.
البطحاء: الأبطح.
وهو في الأصل مسيل واسع فيه دقاق الحصى والمراد به هنا بطحاء مكة.
التشميت: بالمعجمة، ويجوز إهمالها: أن تقول للعاطس: رحمك الله.
الشفاء بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء وقيل بفتحها والتثقيل: أم عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه -.

(1/359)


الباب الثاني عشر في فرح جده عبد المطلب به صلى الله عليه وسلم وتسميته له محمدا
قال ابن إسحاق والواقدي وغيرهما: لما وضعت آمنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام فائته فأنظر إليه.
وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها وما أمرت به أن تسميه، فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله ويشكره على ما أعطاه، ثم خرج به صلى الله عليه وسلم إلى أمه وهو يقول: الحمد لله الذي أعطاني * * هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان * * أعيذه بالبيت ذي الأركان
حتى يكون بلغة الفتيان * * حتى أراه بالغ التبيان أعيذه من شر ذي شنآن * * من حاسد مضطرب العيان ذي همة ليس له عينان * * حتى أراه رافعا للشان أنت الذي سميت في الفرقان * * أحمد مكتوب على اللسان (1) وروى البيهقي عن أبي الحسن التنوخي - رحمه الله تعالى - أنه لما كان يوم السابع من ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عنه جده ودعا قريشا، فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب ما سميته ؟ قال: سميته محمدا.
قالوا: لم رغبت به عن أسماء أهل بيته.
قال: أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض.
وروى أبو عمر وأبو القاسم بن عساكر من طرق عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عنده جده بكبش وسماه محمدا.
فقيل له: يا أبا الحارث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه ؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض.
وذكر السهيلي وأبو الربيع - رحمهما الله تعالى - أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها.
زعموا أنه رأى مناما كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره ولها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق والمغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها.
فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به أمه صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) انظر البداية والنهاية 2 / 264، 265، الروض الأنف 1 / 184.
(*)

(1/360)


ويرحم الله تعالى الإمام العلامة العارف إبراهيم بن أحمد الرقي حيث قال: لو أن كل الخلق ليلة مولد ال * * هادي على الهامات منهم قاموا
شكرا لنعمة ربهم فيما حبوا * * فيها يعشر عشيرها ما قاموا هي نعمة ما غادرت من دينه * * كفر ولا من دينه الإسلام عمتهم ببحارها فالعالم ال * * علوي والسفلي فيها عاموا فالحمد لله الذي من فضله * * عم البرية كلها الإنعام نظر الرحيم إلى الورى فرآهم * * أغوتهم الأنصاب والأزلام وتحيروا في ظلمة الكفر الذي * * عبدت به الأوثان والأصنام تغشى الفواحش في المحافل جهرة * * لا ينكرون كأنهم أنعام يبغي القوي على الضعيف ويقهر ال * * والي اليتيم وتقطع الأرحام فأغاثهم رب العباد بشرعة * * فيها الحدود على السداد تقام دين النبي محمد خير الورى * * من فضلت في دينه الأحكام موسى وعيسى بشرا بظهوره * * ودعا به من قبل إبراهام شكرا لمهديه إلينا نعمة * * ليست تحيط بكنهها الأوهام

(1/361)


الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف واجتماع الناس له وما يحمد من ذلك وما يذم
قال الحافظ أبو الخير السخاوي - رحمه الله تعالى - في فتاويه: عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده صلى الله عليه وسلم بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهجة الرفيعة ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم.
انتهى.
وقال الإمام الحافظ أبو الخير بن الجزري - رحمه الله تعالى - شيخ القراء: من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام.
قلت: وأول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كو كوبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير - رحمه الله تعالى - في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عادلا - رحمه الله تعالى - وأكرم مثواه.
وقد صنف الشيخ أبو الخطاب بن دحية - رحمه الله تعالى - كتابا له في المولد سماه: " التنوير في مولد البشير النذير " فأجازه بألف دينار.
قال سبط بن الجوزي - رحمه الله تعالى - في مرآة الزمان: حكى من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة ألف قرص ومائة ألف زبدية أي من طعام، وثلاثين ألف صحن حلوى، قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم.
وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة.
فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار وكان يفتك من الفرنج في كل سنة بمائتي ألف دينار، وكان يصرف على الحرمين والمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار، وهذا كله سوى صدقات السر.
وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين (1) أن قميصه
__________
(1) يوسف بن أيوب بن شاذي، أبو المظفر، صلاح الدين الأيوبي، الملقب بالملك الناصر: من أشهر ملوك الإسلام.
كان = (*)

(1/362)


كان من كرباس غليظ لا يساوي خمسة دراهم.
قالت: فعاتبته في ذلك فقال: ألبس ثوبا بخمسة دراهم وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير والمسكين.
وقد أثنى عليه الأئمة، منهم الحافظ أبو شامة شيخ النووي في كتابه " الباعث على إنكار
البدع والحوادث " وقال: مثل هذا الحسن يندب إليه ويشكر فاعله ويثنى عليه.
قال ابن الجوزي: لو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان وإدعام أهل الإيمان.
وقال العلامة ابن ظفر - رحمه الله تعالى -: بل في الدر المنتظم: وقد عمل المحبون للنبي صلى الله عليه وسلم فرحا بمولده الولائم -، فمن ذلك ما عمله بالقاهرة المعزية من الولائم الكبار الشيخ أبو الحسن المعروف بابن قفل قدس الله تعالى سره، شيخ شيخنا أبي عبد الله محمد بن النعمان، وعمل ذلك قبل جمال الدين العجمي الهمذاني وممن عمل ذلك على قدر وسعه يوسف الحجار بمصر وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحرض يوسف المذكور على عمل ذلك.
قال: وسمعت يوسف بن علي بن زريق الشامي الأصل المصري المولد الحجار بمصر في منزله بها حيث يعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام منذ عشرين سنة وكان لي أخ في الله تعالى يقال له الشيخ أبو بكر الحجار فرأيت كأنني وأبا بكر هذا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم جالسين، فأمسك أبو بكر لحية نفسه وفرقها نصفين وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم كلاما لم أفهمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا له: لولا هذا لكانت هذه في النار.
ودار إلي وقال: لأضربنك وكان بيده قضيب فقلت: لأي شئ يا رسول الله ؟ فقال: حتى لا تبطل المولد ولا السنن.
قال يوسف: فعملته منذ عشرين سنة إلى الآن.
وقال: وسمعت يوسف المذكور يقول: سمعت أخي أبا بكر الحجار يقول: سمعت منصورا النشار يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول لي: قل له لا يبطله.
يعني المولد ما عليك ممن أكل وممن لم يأكل.
قال: وسمعت شيخنا أبا عبد الله بن أبي محمد النعمان يقول: سمعت الشيخ أبا موسى الزرهوني يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فذكرت له ما يقوله الفقهاء في عمل الولائم في المولد فقال صلى الله عليه وسلم: " من فرح بنا فرحنا به ".
وقال الشيخ الإمام العلامة نصير الدين المبارك الشهير باب الطباخ في فتوى بخطه: إذا أنفق المنفق تلك الليلة وجمع جمعا أطعمهم ما يجوز إطعامه وأسمعهم ما يجوز سماعه ودفع للمسمع المشوق للآخرة ملبوسا، كل ذلك سرورا بمولده صلى الله عليه وسلم فجميع ذلك جائز ويثاب
__________
= أبوه وأهله من قرية دوين وهم بطن من الروادية، من قبيلة الهذابية، من الأكراد.
نزلوا بتكريت، وولد بها صلاح الدين، وتوفي فيها جده شاذي.
ثم ولي أبوه أيوب أعمالا في بغداد والموصل ودمشق.
ونشأ هو في دمشق، وتفقه وتأدب وروى الحديث بها وبمصر والإسكندرية، وحدث في القدس.
وتوفي سنة 589 ه.
الأعلام 8 / 220، ووفيات الأعيان 2 / 376.
(*)

(1/363)


فاعله إذ أحسن القصد، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء، إلا أن يقصد مواساة الأحوج فالفقراء أكثر ثوابا، نعم إن كان الاجتماع كما يبلغنا عن قراء هذا الزمان من أكل الحشيش واجتماع المردان وإبعاد القوال إن كان بلحية وإنشاد المشوقات للشهوات الدنيوية وغير ذلك من الخزي والعياذ بالله تعالى فهذا مجمع آثام.
وقال الشيخ الإمام جمال الدين بن عبد الرحمن بن عبد الملك الشهير (3) بالمخلص الكتابي - رحمه الله تعالى - مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبجل مكرم، قدس يوم ولادته وشرف وعظم، وكان وجوده صلى الله عليه وسلم مبدأ سبب النجاة لمن اتبعه وتقليل حظ جهنم لمن أعد لها لفرحه بولادته صلى الله عليه وسلم وتمت بركاته على من اهتدى به، فشابه هذا اليوم يوم الجمعة من حيث أن يوم الجمعة لا تسعر فيه جهنم، هكذا ورد عنه صلى الله عليه وسلم فمن المناسب إظهار السرور وإنفاق الميسور وإجابة من دعاه رب الوليمة للحضور.
وقال الإمام العلامة ظهير الدين جعفر التزمنتي - رحمه الله تعالى -.
هذا الفعل لم يقع في الصدر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم وحبهم له إعظاما ومحبة لا يبلغ جمعنا الواحد منهم ولا ذرة منه، وهي بدعة حسنة إذا قصد فاعلها جمع الصالحين والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإطعام الطعام للفقراء والمساكين، وهذا القدر يثاب عليه على القوال بمروديته وحسن صوته فلا يندب بل يقارب أن يذم، ولا خير فيما لم يعمله السلف الصالح، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ".
وقال الشيخ نصير الدين أيضا: ليس هذا من السنن، ولكن إذا أنفق في هذا اليوم وأظهر
السرور فرحا بدخول النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود واتخذ السماع الخالي عن اجتماع المردان وإنشاد ما يثير نار الشهوة من العشقيات والمشوقات للشهوات الدنيوية كالقد والخد والعين والحاجب، وإنشاد ما يشوق إلى الآخرة ويزهد في الدنيا فهذا اجتماع حسن يثاب قاصد ذلك وفاعله عليه، إلا أن سؤال الناس ما في أيديهم بذلك فقط بدون ضرورة وحاجة سؤال مكروه، واجتماع الصلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام ويذكروا الله تعالى ويصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يضاعف لهم القربات والمثوبات.
وقال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه: " الباعث على إنكار البدع والحوادث " قال الربيع: قال الشافعي - رحمه الله تعالى ورضي عنه -: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة.
والثانية: ما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد من هذا

(1/364)


فهي محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه - في قيام رمضان نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن.
وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى.
قلت: وإنما كان كذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على قيام شهر رمضان وفعله هو صلى الله عليه وسلم واقتدى به فيه بعض أصحابه ليلة أخرى.
ثم ترك النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بالمسجد جماعة، لما فيه من إحياء هذا الشعار الذي أمر به الشارع وفعله والحث عليه والترغيب فيه.
والله تعالى أعلم.
فالبدعة الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، وهي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشئ منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي.
وذلك نحو بناء المنابر والربط والمدارس وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى.
ومن أحسن ما ابتدع في زماننا هذا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة " إربل " جبرها الله تعالى، كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات
والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله وشكر الله تعالى على من من به من إيجاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا (1) أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيرهم رحمهم الله تعالى.
وقال الشيخ الإمام العلامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزري (2) الشافعي رحمه الله تعالى: هذه بدعة لا بأس بها ولا تكره البدع إلا إذا راغمت السنة، وأما إذا لم تراغمها فلا تكره، ويثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور والفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.
* هامش * (1) عمر بن محمد بن خضر الإربلي الموصلي، أبو حفص، معين الدين، المعروف بالملاء: شيخ الموصل.
كان صالحا زاهدا عالما.
له أخبار مع الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي.
أمر الملك العادل نوابه في الموصل أن لا يبرموا فيها أمرا حتى يعلموا به الملاء.
وهو الذي أشار على العادل بعمارة الجامع الكبير في الموصل.
وهو المعروف اليوم بالجامع النوري.
قال سبط ابن الجوزي: وإنما سمي " الملاء " لأنه كان يملأ تنانير الآجر ويأخذ ويأخذ الأجرة فيقوت بها، ولا يملك من الدنيا شيئا.
وصنف كتاب " وسيلة المتعبدين في سيرة سيد المرسلين ".
توفي سنة 570 ه.
انظر الأعلام 5 / 60، 61.
(2) موهوب بن عمر بن موهوب بن إبراهيم الجزري، ثم المصري، القاضي صدر الدين، أبو منصور.
ولد بالجزيرة في جمادي الآخرة سنة تسعين - بتقديم التاء - وخمسمائة.
وأخذ عن السخاوي وابن عبد السلام وغيرهما، قال الذهبي: وتفقه وبرع في المذهب، والأصول، والنحو، ودرس وأفتى وتخرج به جماعة.
وكان من فضلاء زمانه.
وولي القضاء بمصر وأعمالها دون القاهرة مدة.
وقال غيره: تخرجت به الطلبة وجمعت عنه الفتاوي المشهورة به.
توفي بمصر فجأة في رجب سنة خمس وستين وستمائة.
ودفن بسفح المقطم.
انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 2 / 152، 153، وشذرات الذهب 5 / 320.
(*)

(1/365)


وقال في موضع آخر: هذا بدعة، ولكنها بدعة لا بأس بها، ولكن لا يجوز له أن يسأل
الناس بل إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن نفس المسؤول تطيب بما يعطيه فالسؤال لذلك مباح أرجو أن لا ينتهي إلى الكراهة.
وقال الحافظ - رحمه الله تعالى -: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عمله المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا.
قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى.
فقال: " أنا أحق بموسى منكم.
فصامه وأمر بصيامه ".
فيستفاد من فعل ذلك شكرا لله تعالى على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم ؟ وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطاق قصة موسى صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم حتى نقلوه إلى أي يوم من السنة.
وفيه ما فيه.
فهذا ما يتعلق بأصل عمل المولد.
وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شئ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخيرات والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحا بحيث يتعين السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، ومهما كان حراما أو مكروها فيمنع وكذا ما كان خلافا للأولى.
انتهى.
وقال شيخ القراء الحافظ أبو الخير ابن الجزري (1) رحمه الله تعالى: قد رئي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك ؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين وأمص
* هامش * (1) محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير، شمس الدين، العمري الدمشقي ثم الشيرازي الشافعي، الشهير بابن الجزري: شيخ الإقراء في زمانه.
من حفاظ الحديث.
ولد ونشأ في دمشق، وابتنى فيها مدرسة سماها " دار القرآن " ورحل إلى مصر مرارا، ودخل بلاد الروم، وسافر مع تيمور لنك إلى ما وراء النهر.
ثم رحل إلى شيراز فولي قضاءها.
ومات فيها.
نسبته إلى " جزيرة ابن عمر ".
من كتبه " النشر في القرآآت العشر "، " وغاية النهاية في طبقات القراء " اختصره من كتاب آخر له اسمه " نهاية الدرايات في أسماء رجال القرآآت "، و " التمهيد في علم التجويد " توفي سنة 883 ه.
انظر الأعلام 7 / 45.
(*)

(1/366)


من بين إصبعي هاتين ماء بقدر هذا - وأشار لرأسي إصبعيه - وإن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة محمد صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له.
فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار لفرحه ليلة مولد محمد صلى الله عليه وسلم فما حال المسلم الموحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ببشره بمولده وبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.
وذكر نحوه الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي - رحمه الله تعالى - ثم أنشد: إذا كان هذا كافر جاء ذمه * * وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائما * * يخفف عنه بالسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره * * بأحمد مسرورا ومات موحدا وقال شيخنا - رحمه الله تعالى - في فتاويه: عندي أن أصل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادء على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
قال: وقد ظهر لي تخريجه على أصل صحيح غير الذي ذكره الحافظ، وهو ما رواه البيهقي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله صلى الله عليه وسلم إظهارا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين وتشريعا لأمته صلى الله عليه وسلم، كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده صلى الله عليه وسلم بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات والمسرات.
وقال في سنن ابن ماجه: الصواب أنه من البدع الحسنة المندوبة إذا خلا عن المنكرات شرعا.
انتهى.
ويرحم الله تعالى القائل: لمولد خير العالمين جلال * * لقد غشي الأكوان منه جمال فيا مخلصا في حق أحمد هذه * * ليال بدا فيهن منه هلال فحق علينا أن نعظم قدره * * فتحسن أحوال لنا وفعال فنطعم محتاجا ونكسو عاريا * * ونرفد من أضحى لديه عيال

(1/367)


فتلك فعال المصطفى وخلاله * * وحسبك أفعال له وخلال لقد كان فعل الخير قرة عينه * * فليس له فيما سواه مجال والقائل أيضا: يامولد المختار أنت ربيعنا * * بك راحة الأرواح والأجساد يا مولدا فاق الموالد كلها * * شرفا وساد بسيد الأسياد لا زال نورك في البرية ساطعا * * يعتاد في ذا الشهر كالأعياد في كل عام للقلوب مسرة * * بسماع ما نرويه في الميلاد فلذاك يشتاق المحب ويشتهي * * شوقا إليه حضور ذا الميعاد
وزعم الإمام العلامة تاج الدين الفاكهاني المالكي - رحمه الله تعالى - أن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابا قال فيه: الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اتباع آثار السلف الصالحين، حتى امتلأت قلوبنا بأنواع علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهر سرائرها من حدث الحوادث والابتداع في الدين.
أحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين.
أما بعد: تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد: هل له أصل في الشرع أو هو بدعة حدثت في الدين ؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا والإيضاح عنه معينا.
فقلت وبالله التوفيق: ما أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار الصالحين المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، بدليل أنا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها أو محرما.
وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا، لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت.
وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت.
ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئا من الآثام

(1/368)


فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم
فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة.
والثاني: أن تدخله الجناية وتشتد به العناية حتى يعطي أحدهم الشئ ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شئ من الغناء من البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الغانيات إما مختلطات بهن أو متشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد) وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب وغير المستقيلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات.
فإنا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ! ولله در شيخنا القشيري رحمه الله تعالى حيث يقول فيما أجازناه: قد عرف المنكر واستنكر ال * * معروف في أيامنا الصعبة وصار أهل العلم في وهدة * * وصار أهل الجهل في رتبه حادوا عن الحق فما للذي * * سادوا به فيما مضى نسبه فقلت للأبرار أهل التقى * * والدين لما اشتدت الكربه لا تنكروا أحوالكم قد أتت * * نوبتكم في زمن الغربة ! ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب !.
هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.
وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.
هذا جميع ما أورده الفاكهاني - رحمه الله تعالى - في كتابه المذكور.
وتعقبه الشيخ - رحمه الله تعالى - في فتاويه فقال: أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة فيقال عليه: نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل بن حجر أصلا من السنة واستخرجت أنا له أصلا ثانيا.
قلت: وتقدم ذكرهما.
وقوله بل هو بدعة أحدثها البطالون إلى قوله: " ولا العلماء المتدينون " يقال عليه: إنما

(1/369)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية