صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : لمسات بيانية

9. والإلتهاء بالمال هو الإنشغال بالوقت والقلب لذا جاءت فيما بعد (وأنفقوا مما رزقناكم) "مما" تفيد البعض وليس الكل فالإنفاق يكون بشيء مما رزقنا الله تعالى حتى تستسهل النفوس الإنفاق لأن الرزق لو كان من عند الناس لبخلوا به (قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا {100} الإسراء) . وكلمة (رزقناكم) تعني : أن الله تعالى هو الرزاق. فأنفقوا مما رزقكم الله وليس الرزق من أنفسكم أيها الناس فالله تعالى ينسب النعمة والخير إلى نفسه ولا ينسب الشر لنفسه (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا {83} الإسراء). أما في الجنة حيث لا حساب ولا عقاب يقول تعالى (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون {25} البقرة).
10. (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) (من) الإبتدائية وهي تشمل كل الفراغ بين الإبتداء والنهاية كما في قوله تعالى (رواسي من فوقها) و (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون {9} يس) لو لم ترد (من) في آية سورة المنافقون كان ممكن أن يكون الزمن بعيد أما وجود (من) فيفيد أن كل لحظة يمكن أن تكون لحظة الموت وهذا يستدعي إعادة نظر في حياة الإنسان.

(1/640)


11. (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) إستخدام فعل (يأتي) بدل (جاء) في الآية ومن الملاحظ أن فعل (جاء) لم يرد أبدا في القرآن كله بصيغة المضارع أما بالنسبة لفعل "أتى" فقد استعمل مضارعا واستعملت كل مشتقاته (آتيكم، مأتيا). ثم إن تقديم المفعول به على الفاعل لأنه أهم وهو المأمور والمنهي وهو المحاسب وهو محور الخطاب والموت يأتي في كل لحظة.
12. استخدام الفاء في (فيقول) الفاء لها أكثر من سبب فهي تختلف عن أحرف العطف أولا: لأنها تفيد السبب كأن نقول نزل المطر فنبت الزرع، ثانيا : تفيد الترتيب والتعقيب (أقبل محمد فخالد) مباشرة بعد محمد أقبل خالد وكما في قوله تعالى : (أماته فأقبره) مباشرة بلا مهلة بينهما أما (ثم) فتفيد التعقيب والتراخي (ثم إذا شاء أنشره) أي بعد وقت. والفاء في (فيقول) تدل على أن الموت هو السبب لهذا القول ينكشف للذي أتاه الموت من سوء المنقلب ما يدعوه ليقول (رب لولا أخرتني) أي بمجرد أن يموت وينكشف الغطاء يقول مباشرة (رب لولا أخرتني) فأفادت الفاء هنا الترتيب والتعقيب.
13. حذف يا النداء في قوله (رب لولا أخرتني) ولم يقل (يا رب لولا أخرتني) إشارة إلى أن هول ما يلاقيه الميت حذف حرف النداء لأن الوقت لا يحتمل تضييعه بقول (يا) لذا قال (رب لولا أخرتني) فالحذف جاء للإنتهاء من الكلام بسرعة حتى لا يقع المكروه فالميت يريد أن يخلص إلى مراده بسرعة.

(1/641)


14. كلمة (رب) فيها العبودية والإنسان يلجأ إلى مربيه ومتوليه ورازقه ولم يقل اللهم لولا أخرتني وفي القرآن كله لم يحصل دعاء بكلمة (اللهم) إلا في مكان واحد قوله تعالى (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم {32} الأنفال) وفي دعاء عيسى - عليه السلام - (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين {114} المائدة) قد جاء لفظ (ربنا) بعد (اللهم) .
15. (لولا) : أداة تحضيض وهو طلب للمتوفي (لولا أخرتني) طلب المتوفي (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) أظهر نفسه بالطلب الصريح لذا جاءت ياء المتكلم في (أخرتني)
أما في سورة الإسراء فقال تعالى (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا {62}). لم يأت بحرف طلب وليس فيها أداة تحضيض (لولا) وهذا طلب إبليس وهو طلب ضمني وليس طلب صريح فإبليس طلبه ليس لمصلحة نفسه وإنما أراد أن يلحق الضرر ببني آدم. ولهذا اكتفى بالكسرة ولم يأت بالياء الصريحة في (أخرتن) لأن طلب إبليس طلب ضمني.
242- ما أصل كلمة (الله)؟
(الله) : أصلها من أل الإله حذفت الألف فأصبحت (الله) ، من (عبد) لذا اقترن إسم (الله) بالعبادة في القرآن .
243- ما الفرق بين الحمد والشكر؟
الحمد : هو الثناء وليس بالضرورة على ما يصيبه لكن قد يحمد الشخص لأفعاله. أما الشكر فلا يكون إلا على النعم. والحمد يكون باللسان أي الثناء على الله تعالى أما الشكر فهو مقابلة النعمة بالفعل. وكلمة الرحمن من الرحمة.
244- ما الفرق بين العقل والقلب؟

(1/642)


العقل يأخذ الأمور بمحسوب رياضي والعقل منطقة باردة ، أما القلب فهو الذي يحملك على العمل بموجب ما تعتقد وقد لا يحمل المنطق العقلي للإنسان على العمل بموجب ما تعتقد.
245- ما الضابط لتاء التأنيث في القرآن فقد تأتي مفتوحة أو مربوطة؟
القاعدة: خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط العروض. وقد كتب القرآن كما كتبه الصحابة وقد نجد في القرآن كلمة (نعمت) و(نعمة) و(رحمت) و(رحمة) وأحيانا نجد في بعض القراءات نعمات . وأحيانا لا يعلل خط المصحف .
246- ما الفرق بين كلمة (بطونه) في آية سورة النحل و (بطونها) في آية سورة المؤمنون؟
قال تعالى : ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ) (النحل:66) وقال تعالى : ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون )(المؤمنون:21)
آية النحل تتحدث عن إسقاء اللبن من بطون الأنعام واللبن لا يخرج من جميع الأنعام بل يخرج من قسم من الإناث.
أما آية المؤمنون فالكلام فيها على منافع الأنعام من لبن وغيره وهي منافع عامة تعم جميع الأنعام ذكورها وإناثها صغارها وكبارها فجاء بضمير القلة وهو ضمير الذكور للأنعام التي يستخلص منها اللبن وهي أقل من عموم الأنعام وجاء بضمير الكثرة وهو ضمير الإناث لعموم الأنعام وهذا جار وفق قاعدة التعبير في العربية التي تفيد أن المؤنث يؤتى به للدلالة على الكثرة بخلاف المذكر وذلك في مواطن عدة كالضمير واسم الإشارة وغيرها(1) .
247- ما سبب استخدام كلمة (أوحينا) مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونوح وإبراهيم وغيرهم من أنبياء وإفراد (آتينا) لداوود - عليه السلام - في سورة النساء؟.
__________
(1) من كتاب (التعبير القرآني) للدكتور فاضل صالح السامرائي

(1/643)


قال تعالى في سورة النساء : (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا {163} ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما {164}). إذا قرأنا الآية وما قبلها (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا {153}) نجد أن الله تعالى يخاطب هؤلاء ويذكر سيئاتهم والآية 163 جاءت بعد الآية 153 لأن هؤلاء قالوا أنهم حتى يؤمنوا بالرسول ينبغي أن ينزل عليهم كتابا من السماء فيقوله تعالى (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) ثم يأتي الرد من الله تعالى تعقيبا على ما سأله هؤلاء (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا {163}) فذكر تعالى جملة أشياء أنه أوحى إلى مجموعة من الأنبياء وهم يؤمنون بهم مع أنهم لم يأتوهم بما طلبوا فهم آمنوا بنوح وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب واسحق ويونس وغيرهم من الأنبياء، فيقول تعالى أنه كما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء أوحى إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإذا كانوا هم يؤمنون بأولئك بدون كتاب فإذن الوحي

(1/644)


يجب أن يكون كافيا. هذا أمر والأمر الآخر (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) سواء كان معهم كتب أو لم يكن معهم، وكما آتينا داوود زبورا بمعنى آتيناك كتابا كما آتينا داوود زبورا فلماذا خص الزبور؟ لأن الزبور نزل منجما أي بالتقسيط كما أنزل القرآن على الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ويخاطب تعالى الكافرين بقوله أنتم تؤمنون بداوود وقد نزل عليه الزبور منجما وقد أتيناك كتابا كما آتينا داوود، وتؤمنون بالأنبياء الذين أوحينا إليهم وقد أوحينا إليك كما أوحينا إلى باقي الأنبياء. وكما أرسلنا رسلا أرسلنا محمدا أيضا (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك) وفي آخر الآية يقول تعالى (وكلم الله موسى تكليما) فهو إذن وحي وإيتاء. والله تعالى كلم موسى - عليه السلام - في موضعين الأول في الوادي المقدس (إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى) سورة النازعات وعلى جبل الطور (ولما جاء موسى لميقاتنا قال رب أرني أنظر إليك) سورة الأعراف وليس هناك أعلى من ذلك أما محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد صعد إلى سدرة المنتهى، وأعلى مكان كلم الله تعالى موسى عليه هو الطور. وأوحى تعالى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما أوحى لباقي الأنبياء وآتاه مثل ما آتى داوود ورفعه إلى مكان أعلى مما رفع عليه موسى فإذن كل الأشياء التي ينبغي الإيمان بها أعطاها تعالى للرسول فسقطت حجة الكافرين إذن.
248- في كتب النحو (ثم) حرف عطف يفيد التراخي فما سر دخول الحرف في الأسلوب الإنشائي في قوله تعالى (ثم لترونها عين اليقين {7}التكاثر)؟

(1/645)


أولا : نقول أنه من حيث الحكم النحوي (ثم) ليست مختصة بأسلوب إنشائي أو خبري وقد وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة (ثم صبوا فوق رأسه) إنشائي، (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) إنشائي، (ثم كيدون جميعا) إنشائي، (ثم توبوا إليه) إذن (ثم) ليست مختصة بخبر أو إنشاء. (وللعلم الإنشاء هو ما فيه أمر أو استفهام أو ترجي أو تحضيض أو ..) والحكم يكون على الأسلوب بغض النظر عن القائل. هناك أمر آخر (ثم) قد تكون لمجرد الترتيب في الإخبار (ثم) تفيد الترتيب والتراخي وهذا هو الذي يثيره النحاة (ثم) يقولون تأتي لمجرد الترتيب في الإخبار وليس في الأحداث بدليل قوله تعالى (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) ليس في الآية تعقيب لأن الله شهيد على ما يفعلون دائما. وكذلك في قوله تعالى (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) وقال الشاعر:
أنا من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده
وهذا ترتيب في الإخبار وليس ترتيبا زمنيا كأن نقول مثلا: أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت الأمس أعجب.

(1/646)


وهناك الترتيب في الإخبار بغض النظر عن زمنه. أحيانا يكون التراخي في المرتبة كقوله تعالى (أو إطعام في يوم ذي مسغبة {14} يتيما ذا مقربة {15} أو مسكينا ذا متربة {16} ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة {17}البلد) فما معنى الإيمان بعد الإطعام؟ لا يمكن أن يكون هذا هو المقصود بل المقصود أن مرتبة الإيمان هي أعلى من الإطعام ولم تأتي (ثم) للترتيب لأنه لو لم يكن مؤمنا فليس فيه فائدة. وهذا ما نسميه الترتيب في المنزلة. وكذلك قوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون {30}فصلت) لا شك أن الإستقامة أعلى مرتبة.
فلماذا دخلت (ثم) على قوله تعالى (لترون الجحيم {6} ثم لترونها عين اليقين {7}التكاثر) هذه ليست إنشاء وإنما جواب القسم والقسم هو الإنشاء أما جواب القسم فمن حيث الحكم النحوي: جواب القسم لا يكون إنشاء إلا مع الباء ؛ يصح أن يكون إنشاء مع الخبر الطلبي أو الإستعطافي فقط. مثلا لا يمكن أن أقول: والله افعل أو والله لا تفعل إنما أقول والله لأفعلن ووالله لتفعلن ولا يمكن أن يكون جواب القسم طلب أو إنشاء إلا أن يكون جواب القسم بالباء (بالله عليك افعل) أو (بالله عليك لا تفعل) (بربك هل فعلت؟) أما في غير الباء فلا يكون جواب القسم طلبيا. إذن الجواب خبري ويكون إنشائيا مع الباء فقط (تالله لأكيدن أصنامكم) "تالله" هي الإنشاء و"لأكيدن" هي خبر. وهناك فرق بين القسم وجواب القسم، جواب القسم خبر إلا ما استثنيناه وما يصح أن يكون مع الباء وحدها والباقي خبر.

(1/647)


(لترون الجحيم {6} ثم لترونها عين اليقين {7}التكاثر) قسم ذهب إلى أنها للتوكيد وقد تأتي إذا أعيدت الجملة للتوكيد (إنه فكر وقدر {18} فقتل كيف قدر {19} ثم قتل كيف قدر {20} المدثر) التكرار فيه توكيد ولا مانع أن يفصل بحرف عطف. وقد يأتي التكرار بدون حرف عطف كما في قوله تعالى (فإن مع العسر يسرا {5} إن مع العسر يسرا {6} الشرح) ، يمكن أن تكون توكيدا مع العطف كأن نقول (والله ثم والله). وقسم آخر قال أن (ثم) ليست توكيدا وإنما المشهد مختلف فـ(ثم) الأولى هي في عذاب القبر والثانية في الحساب يوم القيامة تراخي في الزمن) وهذا الذي يرجحه الأكثرون.
وفي بداية سورة التكاثر قال تعالى أيضا (كلا سوف تعلمون {3} ثم كلا سوف تعلمون {4}) هنا العلم علمان علم عند المشاهدة والإحتضار والعلم الثاني عند الحساب يوم القيامة، فإذا كان العلم الأول هو نفس العلم الثاني تكون (ثم) للتوكيد وإذا كان العلم الثاني غير العلم الأول تكون (ثم) للتراخي في الزمن لأن فيها تأسيس لمعنى جديد.
249- ما الفرق بين كلمة (المصدقين) و(المتصدقين)؟

(1/648)


قال تعالى في سورة الحديد (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم {18) وقال في سورة الأحزاب (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما {35} ) وفي سورة يوسف (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين {88}).

(1/649)


الأصل في كلمة (المصدقين) هي المتصدقين وأبدلت التاء إلى صاد مثل تزمل ومزمل وتدثر ومدثر يجوز إبدال التاء مع الدال والصاد. لكن لماذا أبدل في آية سورة الحديد (المصدقين والمصدقات)؟ كلمة "المصدقين" فيها تضعيفان تضعيف في الصاد وتضعيف في الدال ؛ أما (المتصدقين) ففيها تضعيف واحد في الدال ؛ والتضعيف يفيد المبالغة والتكثير مثل كسر وكسر. إذن المصدقين فيها للصدقة والتكثير فيه من حيث المعنى العام. ونأتي للسؤال لماذا ذكر (المصدقين) في آية سورة الحديد بينما استخدم (المتصدقين) في سورتي الأحزاب ويوسف؟ في سورة يوسف جاء في الآية (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) فناسب ذكر المتصدقين لأن إخوة يوسف طلبوا التصدق فقط ؛ لم يطلبوا المبالغة في الصدقة وهذا من كريم خلقهم فطلبوا الشيء القليل اليسير هذا أمر ، والآمر الآخر أنه قال تعالى (والله يجزي المتصدقين) فلو قال (يجزي المصدقين) لكان الجزاء للمبالغ في الصدقة دون غير المبالغ وهذا غير مقصود في الآية أما عندما يقول (يجزي المتصدقين) فيدخل فيها (المصدقين) وهذا ينطبق أيضا على آية سورة الأحزاب. نأتي لماذا قال تعالى (المصدقين) في آية سورة الحديد؟ لو لاحظنا سياق الآيات في سورة الحديد نجد أن الآيات فيها اشتملت على المضاعفة والأجر الكريم وهذا يتناسب مع المبالغة في التصدق ويتناسب مع الذي يبالغ في الصدقة. ثم إن سورة الحديد فيها خط تعبيري واضح في دفع الصدقة والحث على دفع الأموال في السورة كلها (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير {7}) (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من

(1/650)


قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير {10}) (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم {11}) (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم {18}) (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد {24}) فجو السورة إذن هو جو الإيمان وجو الإنفاق فناسب أن يستعمل معها كلمة (المصدقين) لا (المتصدقين) .

250- ما دلالة استخدام صيغة الجمع في القرآن مثل ضربنا، رفعنا، قلنا، أنزلنا وغيرها مما ورد في القرآن؟

(1/651)


القرآن استعمل صيغة الجمع(فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا {11} الكهف) (ألم نشرح لك صدرك {1} ووضعنا عنك وزرك {2} الذي أنقض ظهرك {3} ورفعنا لك ذكرك {4} الشرح) وصيغة الإفراد (ذرني ومن خلقت وحيدا {11} وجعلت له مالا ممدودا {12} وبنين شهودا {13} ومهدت له تمهيدا {14}المدثر) وفي صيغة الجمع يؤتى بما يسمى ضمير التعظيم ويستعمل إذا كان المقام مقام تعظيم وتكثير ؛ ويستعمل الإفراد إذا كان المقام مقام توحيد أو مقام آخر كالعقوبة المنفردة . لكن من المهم أن نذكر أمرا : وهو أنه سبحانه وتعالى في كل موطن في القرآن الكريم وبلا استثناء إذا استعمل ضمير التعظيم لابد من أن يأتي بعده بما يدل على الإفراد حتى يزيل أي شك من شائبة الشرك لأنه من نزل عليهم القرآن كانوا عريقين في الشرك (إنا أعطيناك الكوثر {1} فصل لربك وانحر {2}) (إنا أنزلناه في ليلة القدر {1} وما أدراك ما ليلة القدر {2} ليلة القدر خير من ألف شهر {3} تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر {4}) (إنا فتحنا لك فتحا مبينا {1} ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما {2} وينصرك الله نصرا عزيزا {3}) لم يقل في آية سورة الفتح "لنغفر لك" بينما قال في النصر (فتحنا) لأن الفتح قد يأتي بأن يأخذ بالأسباب كالجيش وغيره ويأتي النصر من عند الله ، أما مغفرة الذنوب فمن الله وحده ولا تحتاج لجمع لأنه هو وحده الذي يغفر (ومن يغفر الذنوب إلا الله) فضمير التعظيم لا يمكن أن يستمر إلى نهاية الآيات فلابد من وجود شيء

(1/652)


يدل على الإفراد ومثال آخر ما جاء في سورة النبأ معظم الآيات فيها ضمير التعظيم (وخلقناكم أزواجا {8} وجعلنا نومكم سباتا {9} وجعلنا الليل لباسا {10} وجعلنا النهار معاشا {11} وبنينا فوقكم سبعا شدادا {12} وجعلنا سراجا وهاجا {13} وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا {14}) إلى أن جاء في أواخر السورة (رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا {37} يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا {38}).
251-قال تعالى : (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين {16} الأنبياء) فهل إذا حذف الحال (لاعبين) يكون الحكم مقيدا؟

(1/653)


أولا : يجب أن نوضح أن هناك وهم عند الطلبة فيما يتعلق بحذف الفضلة. عندما يقسم النحاة أركان الجملة إلى عمدة (هي المسند والمسند إليه) وفضلة (وهي ما تبقى وهو ما ليس من أركان الجملة الأساسية) فالعمدة هو المبتدأ والخبر وما كان أصله مبتدأ وخبر والفعل والفاعل وإسم الفعل والباقي يسمى فضلة وتكملة ويقولون إن الفضلة يمكن الإستغناء عنها باعتبار أنها ليست من أركان الجملة الأساسية أما العمدة فلا يمكن الإستغناء عنها وهذا خطأ لأن المقصود بالإستغناء أنه من الممكن أن تتألف الجملة بدون فضلة لكن لا يمكن أن تتألف الجملة من دون عمدة والإستغناء لا يعني الحذف وغير حذف لأن الفضلة والعمدة يمكن أن تحذفا وجوبا أو جوازا. إذن المسألة ليست قائمة على الذكر والحذف أو على المعنى أو غير المعنى إذا حذفنا الفضلة أن نستغني عنها أحيانا ، معنى الكلام يتوقف على الفضلة في كثير من الأحيان مثلا (ولا تمش في الأرض مرحا) إذا حذفنا (مرحا) هل يستقيم المعنى؟ وكذلك في قوله تعالى (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) ما هو المعنى إذا حذفنا كسالى؟ وكذلك في الآية موضع السؤال إذا حذفنا (لاعبين) فهل يستقيم المعنى؟ بالطبع لا يستقيم. ونأخذ مثالا آخر إذا قلنا (إنما الميت من يعيش كئيبا) إذا حذفنا (كئيبا) ما يكون المعنى؟ وأحيانا يحذف الكلام وتبقى الفضلة ويكون المعنى واضح مثل (النار النار) حذفت العمدة هنا وجوبا ومع هذا استقام المعنى.
252- ما دلالة (أو فساد) في آية سورة المائدة؟

(1/654)


قال تعالى في سورة المائدة (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون {32}) " أو فساد " معطوفة على " بغير نفس " بمعنى (أو بغير فساد) أي قتل النفس بغير أن تفسد في الأرض لا يجوز.
253- ما الفرق البياني بين آية رقم (133) من سورة آل عمران وآية رقم (21) من سورة الحديد؟
قال تعالى في سورة آل عمران (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) (آية133) وقال تعالى في سورة الحديد (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (آية21)
السماء والسموات :
السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان
1- واحدة السموات السبع، كقوله تعالى: "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " الملك، وقوله: "إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب" ـ الصافات:6
2- كل ما علا وارتفع عن الأرض
- فسقف البيت في اللغة يسمى سماء، قال تعالى: ( من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ) الحج :15 ، يقول المفسرون : (أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه) فالسماء هنا بمعنى السقف

(1/655)


- وقد تكون بمعنى السحاب: ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) الرعد:17
- وقد تكون بمعنى المطر : ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) نوح .
- وقد تكون بمعنى الفضاء والجو : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) ـ النحل:79
- وقوله عن السحاب: ( فيبسطه في السماء كيف يشاء ) .
و ذكر هذا الارتفاع العالي : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) (الأنعام:125)
فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف .
مثال آخر:
( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون . لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) ـ الحجر:15
فالإنسان إذا خرج من جو الأرض انتقل إلى ظلام فلا يبصر، وبهذا تكون السماوات جزءا من السماء ، لأن السماء كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض، والسماوات جزء منها بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب، فإن (السماء) تكون أوسع من (السموات) فهي تشملها وغيرها قال تعالى: ( قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما ) (الفرقان:6) وقال: ( ربي يعلم القول في السماء والأرض ) لأن القول أوسع من السر، فهو قد يكون سرا .

(1/656)


(ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير) ـ المجادلة: 8 ، وقد يكون جهرا فهو أوسع من السر والسر جزء منه
فلما وسع قال (القول) وسع وقال (في السماء). ولما ضيق وقال (السر) قال (السماوات)
فبهذا المعنى الشامل تكون (السماء) أوسع بكثير من (السماوات)، ولذلك لما قال (السماوات) قال (عرضها السماوات)، ولكن عندما اتسعت اتساعا هائلا جاء بأداة التشبيه (عرضها كعرض السماء) لأن المشبه به عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع الذي يشمل كل شيء
كلمة (السماء) تأتي عامة "والسماء بنيناها بأيد" ، "وفي السماء رزقكم وما توعدون" ، "أأمنتم من في السماء.." ثم تتسع لأشياء أخرى، فعندما يقول: "سبع سموات طباقا" فهي ليست الفضاء ولا السقف ولا السحاب، فعندما اتسعت قال (كعرض السماء) وعلى هذا بني التعبير كله في الآيتين
سابقوا، سارعوا :
عندما قال (سارعوا) قال (عرضها السماوات والأرض)، وعندما قال (سابقوا) قال (كعرض السماء والأرض) .
أعدت للمتقين، أعدت للذين آمنوا :
عندما ضيق حددها للمتقين ثم وصفهم في الآيات التالية، وعندما وسع عمم القول ليسع الخلق (الذين آمنوا بالله ورسله) وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا، ولم يحدد عملا محددا لهؤلاء
سابقوا، سارعوا
كثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة، فإن قلوا اقتضى ذلك المسارعة فقط ، وليس المسابقة.
اتسع المكان فاتسع الخلق ، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة ، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله وهي تشمل المتقين وزيادة ، ثم زاد وقال: "ذلك فضل الله" . لأن الفضل أوسع مما جاء في سورة آل عمران بل الفضل واضح إذ جاءت عامة

(1/657)


وكذلك لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه ، ففي سورة الحديد تتكرر عبارات (آمنوا بالله) و(الفضل العظيم) و(يضاعف لهم) ففيها تفضلات كثيرة. وكذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها متعاطفات ، أما الأخرى فبلا عطف وفي آل عمران نرى المتقين والأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات.
254- ما دلالة قوله تعالى : (أفلا يعقلون) في الآية 67 من سورة النحل؟ وهل يعقل السكران؟
قال تعالى في سورة النحل : (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67)) وهذه الآية مكية وليست مدنية أي نزلت قبل تحريم الخمر.
والسكر في اللغة من أشهر معانيها : الخمر ؛ وقسم قال أن من معانيها : الخل لكن الأشهر هو الخمر. وقد قال تعالى : (سكرا ورزقا حسنا) ودل في هذا على أن ما يتخذه الإنسان من ثمرات النخيل والأعناب يكون إما سكرا (وهو ليس بالرزق الحسن) أو الرزق الحسن. ففي هذه الآية :
أولا : إشارة إلى أن الخمر أو السكر ليس من الرزق الحسن مع أنه لم يكن قد نزل تحريمها لكنه أول تقسيم في مكة .
والأمر الآخر : أنه لم يقل في الآية "لعلكم تشكرون" لأنه لم يجعل السكر من باب النعم حتى لا يشمل الشكر الخمر.
وثالثا : أن استخدام كلمة (يعقلون) فيه تعريض بالخمر لأنه يزيل العقل فكأن الذي يعقل ينبغي أن ينتهي عنه.
والأمر الآخر : أن الخطاب في الآية لم يأت للمؤمنين وإنما فيما يتخذه الإنسان من ثمرات النخيل والأعناب (السكر والرزق الحسن).

(1/658)


والتعريض بالضد في اللغة فهذا سكران فهل يعقل؟ هذا للسخرية وأحيانا نعرض الشيء بعكسه على سنن العربية والسياق هو القرينة التي تعين على الفهم لأن أهل البلاغة واللغة والذين يتكلمون في علوم القرآن يجعلون السياق من أهم وأعظم القرائن للتعبير كما جاء في قوله تعالى (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (87) هود) فالتعبير (إنك لأنت الحليم الرشيد) هو في الأصل مدح لكن إن وضعناه في سياق الآيات فهي استهزاء. وكذلك قوله تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) الدخان) فالتعريض بهذه الأشياء يمثل خطا في القرآن الكريم.
255- ما الفرق بين كلمة " ولد " و " غلام "واستخدام الفعل (يفعل) و(يخلق) في قصتي زكريا ومريم؟
قال تعالى في سورة مريم : (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9)) وقال في سورة آل عمران (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40)) في تبشير زكريا - عليه السلام - بيحيى - عليه السلام -

(1/659)


وقال تعالى في سورة مريم : (قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) ) وفي سورة آل عمران : (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47)) في تبشير مريم بعيسى - عليه السلام -.
وإذا سألنا أيهما أيسر أن يفعل أو أن يخلق؟ يكون الجواب أن يفعل ونسأل أحدهم لم تفعل هذا فيقول أنا أفعل ما أشاء لكن لا يقول أنا أخلق ما أشاء. فالفعل أيسر من الخلق .
ثم نسأل سؤالا آخر أيهما أسهل الإيجاد من أبوين أو الإيجاد من أم بلا أب؟ يكون الجواب بالتأكيد الإيجاد من أبوين وعليه جعل تعالى الفعل الأيسر (يفعل) مع الأمر الأيسر وهو الإيجاد من أبوين، وجعل الفعل الأصعب (يخلق) مع الأمر الأصعب وهو الإيجاد من أم بلا أب.

(1/660)


هذا بالنسبة لما يتعلق بفعل (يفعل) و(يخلق) أما ما يتعلق باستخدام كلمة (ولد) أو (غلام) : إن الله تعالى لما بشر زكريا بيحيى قال تعالى (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39)) فكان رد زكريا (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40)) لأن البشارة جاءت بيحيى ويحيى غلام فكان الجواب باستخدام كلمة (غلام). أما لما بشر مريم بعيسى قال تعالى : (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45)) فجاء ردها (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47)) في سورة آل عمران لأنه جاء في الآية (كلمة منه) والكلمة أعم من (الغلام) وقد جاء في الآية (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ولما كان التبشير باستخدام (كلمة منه) جاء الرد بكلمة (ولد) لأن الولد يطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع وقد ورد في القرآن استخدامها في موضع الجمع (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) الكهف).

(1/661)


أما في سورة مريم فجاء التبشير في قوله تعالى (قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19)) باستخدام كلمة (غلام) فجاء رد مريم (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20)) باستخدام نفس الكلمة (غلام) لأن الملك أخبرها أنه يبشرها بغلام. أما مع زكريا وتبشيره بيحيى فقد جاء أيضا في سورة مريم بنفس الكلمة (غلام) فكان الرد في الآيتين باستخدام كلمة (غلام) .
وقد يقول بعض المستشرقون أن هذا يدل على تناقض في القرآن فنقول إن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
256- ما الفرق بين استخدام كلمة (الله) وكلمة (مسخرات) في سورة النحل وكلمة (الرحمن) و(صافات) في سورة الملك؟
قال تعالى في سورة النحل (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79)) وقال في سورة الملك (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19))
أولا وللعلم أن كلمة " الرحمن " لم ترد في سورة النحل كلها (128 آية) بينما وردت أربع مرات في سورة الملك (30 آية).
كلمة الله في سورة النحل وردت 84 مرة بينما وردت في الملك ثلاث مرات هذا من حيث السمة اللفظية .
وللعلم أيضا لم يرد إسناد الفعل (سخر) في جميع القرآن إلى الرحمن وهذا هو الخط العام في القرآن وإنما ورد (سخرنا، ألم تر أن الله سخر) ولهذا حكمة بالتأكيد.

(1/662)


الأمر الآخر أن السياق في سورة الملك هو في ذكر مظاهر الرحمن (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15)) حتى لما حذرهم حذرهم بما أنعم عليهم من قبل (ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18)) ولم يقل "فكيف كان عقاب" كما جاء في آية سورة الرعد (ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32)) وهذا من مظاهر الرحمة (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15)) (أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21)) فالسياق في السورة إذن في مظاهر الرحمن. أما في سورة النحل فالسياق في التوحيد والنهي عن الشرك (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76)) حتى ختم آية النحل (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) ولفظ (الله) مأخوذ من العبادة فهو الأنسب هنا ؛ هذا أمر.

(1/663)


والأمر الآخر قال في سورة النحل (مسخرات) من باب القهر والتذليل ولا يناسب الرحمة وليس من باب الإختيار ، بينما في سورة الملك جعل اختيار (صافات ويقبضن) من باب ما يفعله الطير ليس فيها تسخير وإعطاء الإختيار من باب الرحمة ثم ذكر حالة الراحة للطير (صافات) وهذا أيضا رحمة. إذن لفظ (الرحمن) مناسب لسورة الملك ولفظ (الله) مناسب لسورة النحل.
257- ما اللمسة البيانية في استخدام كلمة (الرحمن) في قوله تعالى في سورة مريم (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45)) مع أن الأمر متعلق بالعذاب ولم يقل مثلا الجبار؟
لو نظرنا إلى الآية التي سبقت هذه الآية نجد قوله تعالى : (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44)) وقد ذكر فيها (الرحمن) أيضا ، وللعلم نلاحظ أن لفظ (الرحمن) تكرر في هذه السورة 16 مرة وهي أكثر سورة تكرر فيها لفظ (الرحمن) في القرآن. وهذا يدل على أن جو الرحمة يشع في السورة من قوله تعالى (ذكر رحمة ربك عبده زكريا (2)) و (ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50)) (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53)) و (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96)) .
أما السؤال نفسه فنرى أن الآية التي جاءت بعد الآية في السؤال (قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47)) وهنا لا يصح أن يقول "سأستغفر لك الجبار" لأن المغفرة تطلب من الرحمن وليس من الجبار ، ولعله تدركه الرحمة فيؤمن لأن إبراهيم - عليه السلام - كان حريصا على إيمان أبيه آزر.

(1/664)


258- ما اللمسة البيانية في استخدام كلمة (السماء) في آية سورة العنكبوت وعدم استخدامها في آية سورة الشورى؟
قال تعالى في سورة الشورى (وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31)) وقال في سورة العنكبوت (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22)) والأمر الذي يوضح السياق هو آية سورة هود أيضا (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18)أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20)) الكلام في سورة هود متعلق بالآخرة وبمحاسبة أهل الأرض أما السياق في سورة الشورى ففي الكلام على نعم الله تعالى في الأرض وفي شؤون أهل الأرض (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29)) أما السياق في سورة العنكبوت ففي الدعوة إلى النظر والتدبر في العلم والبحث (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19)) وهذا هو الذي يوصل إلى

(1/665)


السماء، سيكون البحث والنظر والتدبر للعلم سيجعله يصعد للسماء وحتى عند ذلك لن يكون معجزا. وهذا الذي يجعل الإنسان ينفذ إلى السماء. ثم إن كلمة (السماء) نفسها لم ترد في سورة الشورى أبدا لكنها وردت في سورة العنكبوت 3 مرات وفي سورة هود مرتين وبهذا فإن سورة العنكبوت هي التي ورد فيها ذكر السماء أكثر من السورتين الباقيتين ولهذا ذكرت (السماء) في آية سورة العنكبوت ولم تذكر في آية سورة الشورى أو آية سورة هود. فالسمة التعبيرية للسورة أنه سوف تصعدون إلى السماء لكنكم لا تكونوا معجزين هناك.
259- ما دلالة ظاهرة تذكير الفاعل المؤنث في القرآن الكريم كما جاء في قوله تعالى (ولا تكونوا كالذين جاءهم البينات) و(وما كان صلاتهم) و(يا نساء النبي من يقنت منكن)؟
تذكير الفاعل المؤنث له أكثر من سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم. فإذا قصدنا باللفظ المؤنث معنى المذكر جاز تذكيره وهو ما يعرف بالحمل على المعنى. وقد جاء في قوله تعالى عن الضلالة (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) الأعراف) وقوله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) النحل). ونرى أنه في كل مرة يذكر فيها (الضلالة) بالتذكير تكون (الضلالة) بمعنى العذاب لأن الكلام في الآخرة (كما بدأكم تعودون (29) الأعراف) وليس في الآخرة ضلالة بمعناها لأن الأمور كلها تنكشف في الآخرة. وعندما تكون (الضلالة) بالتأنيث يكون الكلام في الدنيا فلما كانت الضلالة بمعناها هي يؤنث الفعل.

(1/666)


وكذلك بالنسبة لكلمة (العاقبة) أيضا تأتي بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة ، وعندما تأتي بالتذكير تكون بمعنى العذاب وقد وردت في القرآن الكريم 12 مرة بمعنى العذاب أي بالتذكير كما في قوله تعالى : (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) الأنعام) و(وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) الأعراف) و(فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) الصافات). وعندما تأتي بالتأنيث لا تكون إلا بمعنى الجنة كما في قوله تعالى (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) القصص).
260- لماذا جاءت (لآياتنا) باللام ولم تأت (بآياتنا) بالباء في سورة المدثر (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16))؟

(1/667)


قال تعالى في سورة المدثر : (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16)) هذا أمر نحوي لأن الفعل هو عاند وهو فعل يتعدى بنفسه (عاندته وعاندت قوله) والمتعدي بنفسه هذا عندنا أمرين يمكن أن يوصل المفعول باللام وتسمى لام المقوية في حالتين: يدخل اللام على المفعول به يعني فيما هو لو حذفناها يرجع مفعول به نأتي باللام إن شئنا (لام المقوية) : الحالة الأولى أن يتقدم المفعول به على فعله كما في قوله تعالى : (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154) الأعراف) والمقصود يرهبون ربهم، والثاني إذا كان العامل فرعا على الفعل كأن يكون إسم فاعل أو صيغة مبالغة كما في قوله تعالى : (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31) فاطر) فعل (صدق) يتعدى بنفسه والأصل هو "مصدقا ما معه" ويصح قوله لكن جاء باللام المقوية لأن العامل فرع على الفعل كقوله تعالى : (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) هود) جاء باللام المقوية لأن العامل هو صيغة مبالغة. ونعود إلى الآية موضع السؤال ونقول : إن فيها تقديم وصيغة مبالغة: قدم المفعول به على الفعل (لآياتنا) والعامل فرع وعلى صيغة مبالغة (عنيد) من عاند وهذا كما قلنا أمر نحوي ويصح أن يؤتى باللام المقوية فلا يقتضي الإتيان بالباء (بآياتنا). والغرض منها عند النحاة أن الفعل إذا تقدم يكون في أقوى حالاته في العمل فإذا تأخر كان أضعف في العمل فقد يؤتى باللام للتقوية وعندما يكون فرعا يكون أضعف فيؤتى باللام للتقوية وأنا شخصيا أقول أنها تستعمل لتقوية الحدث فيؤتى باللام الزائدة المؤكدة زيادة في

(1/668)


التوكيد. التوكيد الذي يدرس في النحو هو توكيد صناعي والتوكيد باب كبير في اللغة وليس هناك باب لا يدخل فيه التوكيد مثلا التوكيد بالجار والمجرور كما في قوله تعالى (ولا طائر يطير بجناحيه) المعلوم أن الطائر يطير بجناحيه ومع هذا جاءت كلمة بجناحيه للتوكيد, والظرف المؤكد كما في قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) الإسراء يكون ليلا وقوله تعالى : (فخر عليهم السقف من فوقهم) والسقف سيخر بالتأكيد من فوقهم، كلها فيها توكيد.
261- قال تعالى في سورة البقرة : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) الآية تحث على الصلاة وقد توسطت آيات الطلاق والوفاة فما دلالة هذا؟
أقول والله أعلم أن المشكلات بين الزوجين وأحداث الطلاق أو الوفاة قد تؤدي إلى أن يحيف أحد الزوجين على الآخر وقد يؤدي هذا إلى ظلم الآخر والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فأمر الله تعالى بالصلاة حتى لا يحيف أحدهما أو يظلم الآخر ويذكره بالعبادة. وقد ينتصر أحد الزوجين لنفسه فأمره الله تعالى بالصلاة حتى لا يقع في ذلك. ونذكر أنه في آية أخرى عندما فقد الأمن وفي حالة الخوف أمر تعالى بالصلاة أيضا (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) النساء). وكذلك الأمر بالصلاة قد يكون حتى لا ينشغل الزوجين بالمشكلات عن الصلاة فيتركوها.
262- ما دلالة كتابة كلمة (لكي لا) منفصلة مرة في آية سورة النحل و(لكيلا) موصولة في آية سورة الحج؟

(1/669)


قال تعالى في سورة النحل (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70)) وقال في سورة الحج (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5)) .
أولا : خط المصحف لا يقاس عليه أصلا لكن يبدو في هذا الرسم ملحظ بياني والله أعلم في أكثر من موطن. فمرة تكتب (لكي لا) مفصولة ومرة (لكيلا) موصولة. وأقول أن هذا ليس فقط للخط وإنما لأمر بياني هو كما ذكرنا سابقا عن الفرق بين (من بعد علم) و(بعد علم) وقلنا : أن (من) هي ابتداء الغاية أما (بعد علم) فقد يكون هناك فاصل بين هذا وذاك وذكرنا أمثلة (من فوقها) أي مباشرة وملامسة لها أما فوقها فلا تقتضي الملامسة بالضرورة. فمن حيث المعنى (وقالوا قلوبنا في أكنة) مباشرة يشمل كل المسافة بينهما ولو قال "بيننا" لما أفادت نفس المعنى, وقوله تعالى (وجعلنا من بين أيديهم سدا) بلا فاصلة. "لكي لا يعلم بعد علم" تحتمل الزمن الطويل والوصل أما قوله (لكي لا يعلم من بعد علم )فهي مباشرة بعد العلم فلما احتمل الفاصل فصل (لكي لا) وعندما وصل بينهما وصل (لكيلا).

(1/670)


وفي القرآن الكريم أمثلة أخرى على مثل هذا كما في آية سورة الأحزاب (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37)) كتبت (لكي لا) منفصلة لأنه لا يحل الزواج بامرأة أخرى إلا بعد انفصالها عن زوجها الأول وقضاء العدة ؛ فلا يصح إذن الزواج بها إلا بعد الإنفصال فجاء رسم (لكي لا) منفصلا.
وفي آية أخرى (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) الأحزاب) ليس في الآية انفصال فالكلام عن أزواج الرسول وهنا الإتصال قائم فالإنسان مع زوجته في اتصال قائم وليس هناك فصل لذا جاءت (لكيلا) متصلة.

(1/671)


وفي آية أخرى (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) الحشر) فصل (كي لا) هنا لأنه يريد أن يفصل الأموال لأنها لا تنبغي أن تبقى دولة بين الأغنياء وإنما يجب أن تتسع الأموال لتشكل الفقراء فاقتضى الفصل في رسم (كي لا) في هذه الآية.
وفي آية أخرى (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) آل عمران) جاءت (لكيلا) متصلة لأن المعنى يدل على أن الغم متصل بالغم ؛ غم الهزيمة وغم فوات الغنائم وهذا اقتضى الوصل فوصل (لكيلا). وهذا الأمر نقول أنه من باب الجواز فهو جائز أن تكتب (لكيلا) متصلة أو منفصلة (لكي لا) لكنها ترسم أيضا بما يتناسب مع الناحية البيانية والبلاغية بحيث تتناسب مع الأحكام.
263- ما دلالة رسم كلمة " الصلوة " و" الزكوة " في القرآن بالواو؟
هذا رسم المصحف وهو قائم على أمرين: أولا أن أصل الألف فيهما واو من (صلى – يصلو) و(زكى – يزكو) ثم إن جمع (صلاة) صلوات ، والأمر الثاني : أنه في بعض القراءات تفخم فتمال إلى الواو لذا تكتب بالواو. فهي تكتب بالواو إذن لأصلها وللقراءة.
أما كلمة (السموات) فهي أيضا من خط المصحف وللعلم أنه حين كتب القرآن كان حرف العلة (الواو، الألف والياء) لا يرسم هذا كاتجاه عام ثم تغير الخط لاحقا فأصبحت حروف العلة ترسم. إذن الكتاب لم يبتدعوا خطا خاصا للقرآن وإنما هو الخط المتبع آنذاك.

(1/672)


264- ما الفرق بين كلمة (الكره) بفتح الكاف و(الكره) بضمها؟
(الكره) - بفتح الكاف - هو ما يأتي من الخارج يقابله الطوع كما في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) النساء) وقوله تعالى (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) التوبة) وقوله تعالى (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11))

(1/673)


أما (الكره) - بضم الكاف - فهو ما ينبعث من الداخل ففي قوله تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) البقرة) جاءت كلمة (الكره) لأن الإنسان بطبيعته يكره القتال وكذلك في قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) الأحقاف) الحمل في نفس الأم ثقيل ليس مفروضا عليها وإنما آلام الوضع والحمل وأي إنسان لا يريد المشقة لنفسه أصلا.
265- لماذا يأتي الخطاب في الحديث عن الصلاة والزكاة في القرآن للمؤمنين أما في الحج فيكون الخطاب للناس؟

(1/674)


الصلاة والزكاة كان مأمور بهما من تقدم من أهل الديانات كما جاء في قوله تعالى عن إسماعيل - عليه السلام - (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) مريم) وفي قوله تعالى عن عيسى - عليه السلام - (وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) مريم) وفي الحديث عن بني إسرائيل (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) البقرة). أما الحج فهو عبادة خاصة للمسلمين وعندما يكون الخطاب دعوة للناس إلى الحج فكأنها هي دعوة لدخول الناس في الإسلام. أما إذا كانت دعوة الناس للصلاة والزكاة فهم أصلا يفعلونها في عباداتهم.
266- ما دلالة استخدام (لا) في قوله تعالى (ما منعك ألا تسجد)؟
قال تعالى في سورة الأعراف (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12)) وقال في سورة ص (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75))

(1/675)


النحويون يقولون أن (لا) زائدة فهي لا تغير المعنى وإنما يراد بها التوكيد ومنهم من قال أنها صلة. وليس قولهم أنها زائدة يعني أنه ليس منها فائدة إنما حذفها لن يغير المعنى لو حذفت. فلو قلنا مثلا (والله لا أفعل) وقلنا (لا والله لا أفعل) فالمعنى لن يتغير برغم أننا أدخلنا (لا) على الجملة لكن معناها لم يتغير. أما في آيات القرآن الكريم فلا يمكن أن يكون في القرآن زيادة بلا فائدة. والزيادة في (لا) بالذات لا تكون إلا عند من أمن اللبس، بمعنى أنه لو كان هناك احتمال أن يفهم السامع النفي فلابد من زيادتها. في قوله تعالى : (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) الحديد) معناها ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء وإذا أراد الله تعالى أن ينزل فضله على أحد لا يستطيع أحد أن يرد هذا الفضل. فالقصد من الآية إعلامهم وليس عدم إعلامهم. لذلك قسم من النحاة والمفسرين يقولون أن اللام زائدة أو صلة.

(1/676)


وفي قوله تعالى (قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) طه) هي ليست نافية ولكنها بمعنى من منعك من اتباعي. وفي قوله تعالى : (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) الأعراف) الله تعالى يحاسب إبليس على عدم السجود ولو جعلنا (لا) نافية يكون المعنى أنه تعالى يحاسبه على السجود وهذا غير صحيح. ولهذا قال تعالى في سورة ص (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75)). إذن (لا) مزيدة للتوكيد جيء بها لغرض التوكيد لأن المعلوم أن يحاسبه على عدم السجود.

(1/677)


لكن يبقى السؤال لماذا الإختيار بالمجيء بـ (لا) في آية وحذفها في آية أخرى؟ لو نظرنا في سياق قصة آدم - عليه السلام - في الآيتين في سورة الأعراف وسورة ص لوجدنا أن المؤكدات في سورة الأعراف أكثر منها في سورة ص ففي سورة الأعراف جاءت الآيات (لأقعدن، لآتينهم، لأملأن، إنك، وغيرها من المؤكدات) . وكذلك القصة في سورة الأعراف أطول منها في سورة ص ، ثم إن مشتقات السجود في سورة الأعراف أكثر (9 مرات) أما في سورة ص (3 مرات). ولتأكيد السجود في سورة الأعراف جاءت (ما منعك ألا تسجد). ثم هناك أمر آخر انتبه له القدامى في السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة وهي أن هذه الأحرف تطبع السورة بطابعها فعلى سبيل المثال: سورة ق تطبع السورة بالقاف (القرآن، قال، تنقص، فوقهم، باسقات، قبلهم، قوم، حق، خلق، أقرب، خلقنا، قعيد، وغيرها) وسورة ص تطبع السورة بالصاد (مناص، اصبروا، صيحة، فصل، خصمان، وغيرها..) حتى السور التي تبدأ بـ (الر) تطبع السورة بطابعها حتى أن جعفر بن الزبير أحصى ورود الر 220 مرة في السورة. وسورة الأعراف تبدأ بـ (المص) وفي الآية موضع السؤال اللام والألف وهما أحرف (لا) فناسب ذكر (لا) في آية سورة الأعراف وناسب كذلك السياق والمقام.
وعليه مثلا من الخطأ الشائع أننا نقول أعتذر عن الحضور وإنما الصحيح القول: أعتذر عن عدم الحضور.
267- ما الفرق البياني بين قوله تعالى (من مثله) و(مثله)؟

(1/678)


تحدى الله تعالى الكفار والمشركين بالقرآن في أكثر من موضع فقال تعالى في سورة البقرة : (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23)) وقال في سورة يونس : (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38)) وفي سورة هود (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13)).
أولا : ينبغي أن نلحظ الفرق في المعنى بين (من مثله) و(مثله) ثم كل آية تنطبع بطابع الفرق هذا. فإذا قلنا مثلا : إن لهذا الشيء أمثالا فيقول: "ائتني بشيء من مثله" فهذا يعني أننا نفترض وجود أمثال لهذا الشيء أما عندما نقول : "ائتني بشيء مثله" فهذا لا يفترض وجود أمثال لكنه محتمل أن يكون لهذا الشيء مثيل وقد لا يكون فإن كان موجودا ائتني به وإن لم يكن موجودا فافعل مثله. هذا هو الفرق الرئيس بينهما.
هذا الأمر طبع الآيات كلها . أولا قال تعالى في سورة البقرة (وإن كنتم في ريب) وفي آيتي سورة يونس وهود قال تعالى (افتراه) وبلا شك (إن كنتم في ريب) هي أعم من (افتراه) أن مظنة الإفتراء أحد أمور الريب (يقولون ساحر ؛ يقولون يعلمه بشر ؛ يقولون افتراه) أمور الريب أعم وأهم من الإفتراء ؛ والإفتراء واحد من أمور الريب.

(1/679)


والأمر الآخر أننا نلاحظ أن الهيكلية قبل الدخول في التفصيل (وإن كنتم في ريب) أعم من قوله (افتراه) و(من مثله) أعم من (مثله) لماذا؟ لو لاحظنا المفسرين نجد أنهم وضعوا احتمالين لقوله تعالى (من مثله) فمنهم من قال (من مثله) أي من مثل القرآن ؛ وآخرون قالوا أن (من مثله) أي من مثل هذا الرسول الأمي الذي ينطق بالحكمة ؛ أي فأتوا بسورة من القرآن من مثل رجل أمي كالرسول - صلى الله عليه وسلم -. وعليه فإن (من مثله) أعم لأنها تحتمل المعنيين أما (مثله) فهي لا تحتمل إلا معنى واحدا وهو مثل القرآن ولا تحتمل المعنى الثاني. الإحتمال الأول أظهر في القرآن ولكن اللغة تحتمل المعنيين. وعليه فإن (إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) أعم من (أم يقولون افتراه فأتوا بسورة مثله) لأن (إن كنتم في ريب) أعم من الإفتراء و(من مثله) أعم من (مثله).
ثم هناك أمر آخر : وهو أنه حذف مفعولين الفعلين المتعديين (تفعلوا) في قوله تعالى (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) والحذف قد يكون للإطلاق في اللغة كأن نقول: "(قد كان منك ما يؤذيني" هذا خاص و" قد كان منك ما يؤذي" وهذا عام. وإن كان المعنى في الآية هنا محدد واضح لكن الحذف قد يعني الإطلاق عموما (سياق التحديد ظاهر جدا والحذف قد يأتي في مواطن الإطلاق فحذف هنا).
ونسأل هنا هل يمكن أن نضيف كلمة " مفتراة " في آية سورة البقرة فيقول مثلا : "فأتوا بسورة من مثله مفتراة " ؟ في آية سورة البقرة (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23)) كما قال في (مفتريات) في سورة يونس؟

(1/680)


فنقول أن هذا التعبير لا يصح من جهتين: أولا هم لم يقولوا "افتراه" كما قالوا في سورة يونس وهود. والأمر الآخر وهو المهم : أنه لا يحسن أن يأتي بعد "من مثله" بكلمة " مفتراة " لأنه عندما قال "من مثله" افترض وجود مثيل له فإذن هو ليس مفترى ولا يكون مفترى إذا كان له مثيل ، إذن تنتفي صفة الافتراء مع افتراض وجود مثل له.
والأمر الآخر : لا يصح كذلك أن يقول في سورتي يونس وهود مع الآية (أم يقولون افتراه) أن يأتي بـ "فاتوا بسورة من مثله" بإضافة (من) وإنما الأصح كما جاء في الآية أن تأتي كما هي باستخدام "مثله" بدون "من" (فأتوا بسورة مثله) لأن استخدام "من مثله" تفترض أن له مثل ، إذن هو ليس بمفترى ولا يصح بعد قوله تعالى : (أم يقولون افتراه) أن يقول (فأتوا بسورة من مثله) لنفس السبب الذي ذكرناه سابقا. إذن لا يمكن استبدال أحدهما بالأخرى أي لا يمكن قول (مثله) في البقرة كما لا يمكن قول (من مثله) في سورتي يونس وهود.

(1/681)


والأمر الآخر أيضا : أنه تعالى قال في آية سورة البقرة : (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) ولم يقل "ادعوا من استطعتم" كما قال في سورة يونس : (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) وهود (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) ونسأل لماذا جاءت الآية في سورة يونس وهود بـ (وادعوا من استطعتم) ولم تأتي في آية سورة البقرة؟ ونقول أنه في آية سورة البقرة عندما قال (من مثله) افترض أن له مثل إذن هناك من استطاع أن يأتي بهذا المثل وليس المهم أن تأتي بمستطيع لكن المهم أن تأتي بما جاء به فلماذا تدعو المستطيع إلا ليأتي بالنص؟ لماذا تدعو المستطيع في سورة البقرة طالما أنه افترض أن له مثل وإنما صح أن يأتي بقوله (وادعوا شهداءكم) ليشهدوا إن كان هذا القول مثل هذا القول فالموقف إذن يحتاج إلى شاهد محكم ليشهد بما جاءوا به وليحكم بين القولين. أما في آية سورة يونس وهود فالآية تقتضي أن يقول (وادعوا من استطعتم) ليفتري مثله، هم قالوا "افتراه" فيقول تعالى : ادعوا من يستطيع أن يفتري مثله كما يقولون. إذن فقوله تعالى (وادعوا شهداءكم) أعم وأوسع لأنه تعالى طلب أمرين: دعوة الشهداء ودعوة المستطيع ضمنا أما في آية سورة يونس وهود فالدعوة للمستطيع فقط.
ومما سبق نلاحظ أن الآية في سورة البقرة بنيت على العموم أصلا (لا ريب، من مثله، الحذف قد يكون للعموم، ادعوا شهداءكم). ثم إنه بعد هذه الآية في سورة البقرة هدد تعالى بقوله (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24)) والذي لا يؤمن قامت عليه الحجة ولم يستعمل عقله فيكون بمنزلة الحجارة.

(1/682)


ونلاحظ أيضا أن الآية في سورة البقرة (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23)) جاءت مناسبة لما جاء في أول السورة (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)) ومرتبطة بها حيث نفى الريب عن الكتاب في بداية السورة ثم جاءت هذه الآية (وإن كنتم في ريب) فكأنما هذه الآية جاءت مباشرة بعد الآية في بداية السورة هذا "الكتاب لا ريب فيه"، و"إن كنتم في ريب".
ثم نسأل لماذا قال تعالى (ولن تفعلوا)؟ نقول أن قوله تعالى : (فإن لم تفعلوا) هي الشرط وقوله تعالى (ولن تفعلوا) هي جملة اعتراضية بغرض القطع بعدم الفعل وهذا يناسب قوله تعالى (لا ريب فيه) .
ثم إن هناك سؤالا آخر كان قد ورد سابقا عن دلالة استخدام إسم الإشارة للبعيد (ذلك) في مطلع سورة البقرة (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)) بينما في آيات أخرى جاء إسم الإشارة القريب "هذا" كما في قوله تعالى في سورة الإسراء (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9))؟ ونقول أنه تعالى عندما قال (ذلك الكتاب لا ريب فيه) ثم دعا من يستطيع أن يأتي بمثله وهذا أمر بعيد الحصول وفيه إشارة إلى أنهم لن يستطيعوا أن يصلوا إليه أصلا. أما استخدام إسم الاشارة "هذا" فجاء مع الهدى لأن الهداية ينبغي أن تكون قريبة من أفهام الناس حتى يفهموا ويعملوا. أما في التحدي فيستعمل "ذلك" لأنه صعب الوصول إليه.
ثم نسأل لماذا حدد في آية سورة هود السور بعشر سور؟ هذا من طبيعة التدرج في التحدي يبدأ بالكل ثم بالأقل فالأقل.

(1/683)


268- في سورة المرسلات جاء ذكر جزاء الكافرين ثم جزاء المؤمنين ثم جاء قوله تعالى (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون) فما دلالة هذا الترتيب؟
الأمر يحتاج إلى توضيح فسورة المرسلات جاء بخط معين هي بدأت بعد القسم (والمرسلات عرفا (1) بذكر المشهد الأول من أحداث يوم القيامة (فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11)) ثم بعدها عاد إلى مخاطبة الناس وتذكيرهم ليتعظوا فذكرهم بنعمة الخلق وقوله (ألم نهلك الأولين ، ألم نخلقكم ماء مهين... ) ثم عاد إلى ذكر الجزاء حسب التسلسل جزاء المكذبين ثم جزاء المتقين وهذا تسلسل طبيعي (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31)) ثم جزاء المتقين (إن المتقين في ظلال وعيون (41)) ثم عاد إلى مخاطبة الناس يذكرهم على الطريقة الأولى (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46)) كيف يكون في الآخرة قليلا فهذا الخطاب ليس من ضمن الجزاء وإنما خطاب للناس ليتعظوا (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48)) . إذن المنهج الذي سار عليه في السورة هو ذكر أحداث يوم القيامة ثم تذكير الناس ثم ذكر الجزاء ثم تذكير الناس حتى يتعظوا.
269- ما هي دلالة التعليل بـ (كي) في قوله تعالى : (كي تقر عينها ولا تحزن) وباللام في قوله تعالى : (ولتعلم)؟

(1/684)


قال تعالى: ( إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى) (طه:40) وقال تعالى: ( فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (القصص:13)
التعليل بكي واللام :
قد يرد سؤال على الذهن يحتاج إلى إمعان نظر وهو: ما الفرق بين اللام وكي؟، وهل التعليل بهما متطابق؟ الحقيقة أنه لا يبدو هناك فرق واضح بينهما في التعليل، فهما متقاربان جدا، غير أن الذي يبدو أن الأصل في (كي) أن تستعمل لبيان الغرض الحقيقي، واللام تستعمل له ولغيره، فاللام أوسع استعمالا من (كي)، وهذا ما نراه في الاستعمال القرآني

(1/685)


والظاهر من الاستعمال القرآني أن (كي) تستعمل للغرض المؤكد والمطلوب الأول، يدل على ذلك قوله تعالى: "فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق" القصص 13، فقد جعل التعليل الأول بـ (كي) "كي تقر عينها" والثاني باللام " ولتعلم أن وعد الله حق" والأول هو المطلوب الأول، والمقصود الذي تلح عليه الأم بدليل اقتصاره عليه في آية طه، قال تعالى: "فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن"فالمطلوب الأول للأم هو رد ابنها إليها في الحال، أما جعله نبيا مرسلا، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: "ولتعلم أن وعد الله حق" فهو غرض بعيد، إذ هي محترقة لرد ابنها الرضيع إليها وهذا غرض كل أم سلب منها ابنها، أعني أن يعاد إليها أولا، سواء كانت الأم مؤمنة، أم كافرة، بل هو مطلوب للأمهات من الحيوان، ولذا عللها في الموطنين بـ (كي) ولم يعلله باللام ثم إن أم موسى تعلم أن وعد الله حق لا يتخلف، وقد وعدها ربها بأنه سيرده إليها ويجعله من المرسلين: (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) فقوله تعالى: "ولتعلم أن وعد الله حق" معناه : الاطمئنان ؛ لا مجرد العلم، ولو قال (كي تعلم أن وعد الله حق) لكان المعنى أنها تجهل أن وعد الله حق، وأنه رده إليها لتعلم هذا الأمر ونظير هذا قوله تعالى: "وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها" الكهف 21، وهذا في أصحاب الكهف وهم يعلمون أن وعد الله حق ولا شك، وكيف لا وهم فارقوا قومهم لإيمانهم بالله تعالى؟ فلو قال (كي يعلموا) لكان المعنى أن هذا هو الغرض الحقيقي وقد كانوا يجهلون ذاك وأما قوله "كي تقر عينها ولا تحزن" فهذا غرض حقيقي لا يتحقق إلا برد طفلها إليها يتبين مما مر أن (كي) تستعمل للغرض الحقيقي، أما اللام فهي أوسع استعمالا منها، وأن الجمع بينهما يفيد التوكيد والله أعلم.
270- ما دلالة الآية (ألقينا فيها رواسي) ألم تكن الجبال مخلوقة من قبل؟

(1/686)


قال تعالى في سورة الحجر(والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19)) وفي سورة ق (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7)) وفي سورة النحل (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15)) وسورة لقمان (خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10)). هذا سؤال يجب أن يوجه إلى المعنيين بالإعجاز العلمي. لكن أقول والله أعلم أن الملاحظ أنه تعالى يقول أحيانا (ألقينا) وأحيانا يقول (جعلنا) في الكلام عن الجبال بمعنى أن التكوين ليس واحدا وقد درسنا أن بعض الجبال تلقى إلقاء بالبراكين (جبال بركانية) والزلازل أو قد تأتي بها الأجرام السماوية على شكل كتل. وهناك شكل آخر من التكوين كما قال تعالى في سورة النمل (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61)) وسورة الإنبياء (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31)) وسورة المرسلات (وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27)) وسورة الرعد (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات

(1/687)


لقوم يتفكرون (3))، وهذا يدل والله أعلم على أن هناك أكثر من وسيلة لتكوين الجبال. وكينونة الجبال تختلف عن كينونة الأرض فالجبال ليست نوعا واحدا ولا تتكون بطريقة واحدة هذا والله أعلم.
271- ما الفرق بين قوله تعالى : (لا جناح عليكم) وقوله تعالى : (ليس عليكم جناح)؟
أولا : (لا جناح عليكم) جملة إسمية، و (لا) هنا : هي لا النافية للجنس على تضمن من الاستغراقية والمؤكدة دخلت على المبتدأ والخبر، والنحاة يقولون أن (لا) في النفي هي بمثابة (إن) في الإثبات . ومن المسلمات الأولية في المعاني أن الجملة الإسمية أقوى وأثبت وأدل على الثبوت من الجملة الفعلية ، وعليه يكون (لا جناح عليكم) مؤكدة كونها جملة إسمية وكونها منفية بـ (لا) هذا من الناحية النحوية. أما الجملة (ليس عليكم جناح) فهي جملة فعلية ولا يمنع كون (ليس) ناسخا لأن المهم أصل الجملة قبل دخول الناسخ عليها. هذا من حيث الحكم النحوي أن الجملة الإسمية أقوى وأثبت وأدل على الثبوت من الجملة الفعلية.
أما من حيث الاستعمال القرآني فإذا استعرضنا الآيات التي وردت فيها (ليس عليكم جناح) و(لا جناح عليكم) في القرآن نجد أن (لا جناح عليكم) تستعمل فيما يتعلق بالعبادات وتنظيم الأسرة وشؤونها والحقوق والواجبات الزوجية والأمور المهمة، أما (ليس عليكم جناح) تستعمل فيما دون ذلك من أمور المعيشة اليومية كالبيع والشراء والتجارة وغيرها مما هو دون العبادات في الأهمية. ونورد الآيات القرآنية التي جاءت فيها الجملتين:
لا جناح عليه :

(1/688)


في سورة البقرة: ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) (158) هذه عبادة، ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به (229)) (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ) (230)) (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ) (233)) (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف (234)) (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم (235)) (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة (236)) (فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف (240)) هذه الآيات كلها في الحقوق وفي شؤون الأسرة. في سورة النساء: (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم (23)) (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة (24)) (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم (102)) (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا (128)) وفي سورة الأحزاب (ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك (51)) و(لا جناح عليهن في آبائهن ولا

(1/689)


أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن (55)) وفي سورة الممتحنة (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن (10))
ليس عليكم جناح :
في سورة البقرة: ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198)) وقوله تعالى (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها (282)) وفي النساء (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (101)) وفي سورة المائدة (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين (93)) وفي سورة النور (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم (29)) و (فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60)) و(ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا (61)) وفي سورة الأحزاب (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به (5))

(1/690)


وقد ورد في القرآن الكريم آيتان متتابعتان كل منهما تحتوي على إحدى الجملتين فقد قال تعالى في سورة النساء (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101)) وقال تعالى في آية أخرى (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102)) الأمر في الأولى يتعلق بالضرب في الأرض وهو السير في الأرض للتجارة أو غيرها ، أما في الثانية فالأمر يتعلق بالصلاة في موطن الجهاد فالآية فيها عبادة وفي موطن عبادة أما في الأولى فالموطن مختلف لأن موطن الجهاد أهم من موطن الراحة والاستجمام، والجهاد في مقتصد الدين أكثر من الضرب في الأرض. فجملة (لا جناح عليكم) أقوى لأنها جملة اسمية ومؤكدة فيستعملها في المواطن المهمة كالعبادات وتنظيم الأسرة والأمور المهمة. وهناك فرق كبير بين (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) والآية الثانية من سورة المائدة مثلا ولا شك أن الأكل جميعا أو أشتاتا ليس بمنزلة الجهاد. وهكذا إذا لاحظنا ورود "لا جناح عليكم" و"ليس عليكم جناح" يجب أن ننبته إلى الموطن الذي جاءت فيه.
272- ما الفرق بين قوله تعالى : (هدى للمتقين) (هدى ورحمة للمحسنين) (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) (هدى وبشرى للمسلمين) و (هدى ورحمة وبشرى للمسلمين)؟

(1/691)


قال تعالى في سورة البقرة : (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)) وقال في سورة لقمان : (هدى ورحمة للمحسنين (3)) وفي سورة النحل (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64)) و (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102)) و (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89))

(1/692)


سورة البقرة جاء فيها (هدى للمتقين) وفي لقمان (هدى ورحمة للمحسنين) زاد تعالى في سورة لقمان "الرحمة" واختلف بيت المتقين والمحسنين. المتقي : هو الذي يحفظ نفسه ؛ فمتقي النار هو الذي يحمي نفسه منها ، أما المحسن فيحسن إلى نفسه وإلى الآخرين كما جاء في قوله تعالى : (وأحسن كما أحسن الله إليك) و(بالوالدين إحسانا) فالإحسان فيه جانب شخصي وجانب للآخرين. إذن هناك فرق بين المتقي والمحسن ؛ ثم إن الإحسان إلى الآخرين من الرحمة فزاد تعالى في سورة لقمان الرحمة للمحسنين فكما أن المحسن أحسن للآخرين ورحمهم زاد الله تعالى له الرحمة فقال (هدى ورحمة للمحسنين). فالمحسن إذن زاد على المتقي فزاد الله تعالى له الرحمة والإحسان من الرحمة فزاد الله تعالى له الرحمة في الدنيا (هدى ورحمة للمحسنين) وفي الآخرة أيضا (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، فكما زاد المحسنون في الدنيا زاد الله تعالى لهم الرحمة في الدنيا والآخرة والجزاء من جنس العمل ولهذا اقتضى في آية سورة لقمان أن يقول تعالى (هدى ورحمة للمحسنين) ولو قال تعالى "هدى للمحسنين" لبخس حق المحسنين وكما نعلم إن المحسن يفضل المتقي والإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
الإيمان أعم من الإحسان ولا يمكن للإنسان أن يكون متقيا حتى يكون مؤمنا وورود كلمة "المتقين"، "المؤمنين"، "المحسنين" و"المسلمين" يعود إلى سياق الآيات في كل سورة.
أما بالنسبة للآيات في سورة النحل (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) و(هدى وبشرى للمسلمين) و(هدى ورحمة وبشرى للمسلمين) ولنستعرض الآيات واحدة واحدة ففي الآية الأولى قال تعالى : (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64)) ونسأل هل إنزال الكتاب علينا ينحصر فقط لغرض تبيان الذين اختلفوا فيه؟ هذا أمر والأمر الآخر قال تعالى : (هدى ورحمة).

(1/693)


في الآية الثانية (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) هل نزل القرآن لهذا الغرض فقط؟ أي ليثبت بالطبع لا. وفي الآية الثالثة (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89)) نزل القرآن تبيانا لكل شيء فجمعها كلها عندما عمم وعندما كانت حالة جزئية كما في الآيتين الأولى والثانية في سورة النحل جزأ.
يبقى السؤال لماذا جاءت (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) في الأولى؟ ننظر إلى السياق في الآيات التي بعدها جاءت فنجده في مظاهر الرحمة التي رحم الله تعالى عباده بها (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون (72) ) فناسب قوله تعالى (هدى ورحمة) السياق في الرحمة.

(1/694)


وفي الآية الثانية (هدى وبشرى) السياق قبل هذه الآية فيه بشرى كما في قوله تعالى : (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) ) فناسب السياق هنا ذكر (البشرى) في الآية وناسب الجمع في آية التبيان.
273- ما الفرق بين استخدام (الفاسقين) و(الكافرين) في الآيتين 26 و68 من سورة المائدة؟
قال تعالى في سورة المائدة : (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26)) وقال تعالى في نفس السورة (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68)) الفرق ظاهر لأن الآية الأولى في الكلام مع موسى بخصوص قومه الذين امتنعوا عن القتال فقال تعالى (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24)) وقوم موسى ليسوا كفارا وإنما كانوا مؤمنين به والله تعالى نزل عليهم المن والسلوى ، فبنو إسرائيل إذن ليسوا كفارا ولا يمكن أن يقال عنهم كافرون .

(1/695)


أما في الآية الثانية فالخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - في خطابه لأهل الكتاب (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68)) فهؤلاء كفرة كما جاء في قوله تعالى (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا) ولهذا جاءت كلمة (الكافرين) في نهاية الآية.
274- ما دلالة تقديم وتأخير كلمة (فريقا) في قوله تعالى : (فريقا تقتلون وتأسرون فريقا) في سورة الأحزاب؟

(1/696)


قال تعالى في سورة الأحزاب : (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26)) حالة القتل التي وردت في هذه الآية هي أغرب حالات القتل وأندرها والإنسان يدافع عادة عن نفسه ، عن ماله ، عن عرضه ، عن داره ، عن أهله ، عن أرضه فإذا اجتمعت كلها يدافع عن كل شيء. فكيف إذا جاء أحدهم وقال لك : أعطني سيفك لأقتلك وآخذ مالك وأرضك وأموالك وكل ما تملك ؟ هذه تعتبر من أغرب حالات القتل وأندرها. فما بالك إذا كان هذا الشخص في حصن فقيل له انزل حتى أقتلك ؟ هذه حالة أعجب! والحالة في الآية المذكورة تقول أنه أنزلهم من الحصن وألقوا أسلحتهم وأخذ أراضيهم وديارهم وأموالهم وأولادهم فهل هناك أعجب وأغرب من هذه الحالة؟ كانوا 600 رجل في الحصن ألقوا أسلحتهم من غير قتال وكانوا في حالة رعب عجيبة فسلموا كل ما عندهم من سيوف ونزلوا من حصونهم وأخذ أرضهم وديارهم وأموالهم وأسر نساءهم وذريتهم فقدم فريقا في حالة القتل لأنها حالة عجيبة من الرعب والذعر ((وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب) وصياصيهم بمعنى حصونهم. أما مع الأسر فلا داعي هنا لتقديم (فريقا) على (تأسرون) لأنه ليس هناك مقاتلة وإنما أسروا النساء والأطفال فهذا الفريق الثاني ليس بينهم مقاتل أصلا وهذه الحالة لا تستدعي التقديم. أما الأولى فهي أعجب وأندر وأغرب حالات القتل.
ونسأل هنا ما دلالة استخدام صيغة المضارع في فعل (تقتلون وتأسرون) بينما استخدمت باقي الأفعال في الآية بصيغة الماضي (أنزل، قذف)؟

(1/697)


هذا يسمى حكاية الحال بمعنى إذا كان الحدث ماضيا وكان مهما فإن العرب تأتي بصيغة المضارع حتى تجعل الحدث وكأنه شاخص ومشاهد أمامك. والمضارع يدل على الحال والاستقبال والإنسان يتفاعل عادة مع الحدث الذي يشاهده أكثر من الحدث الذي لم يره أو الذي وقع منذ زمن بعيد فالعرب تحول صيغة الأحداث إلى صيغة مضارع وإن كانت ماضية، وهذا الأمر ورد في القرآن كثيرا كما في قوله تعالى في سورة البقرة (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91)) قتل الأنبياء هي حالة مستغربة وفي القرآن يأتي بصيغة المضارع مع الأشياء التي تدل على الحركة والحيوية والمهمة. وقد جاء في قوله تعالى في سورة فاطر (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9)) جاء فعل "أرسل" بصيغة الماضي ثم فعل (فتثير) بصيغة المضارع ثم فعل (فسقناه) بصيغة الماضي مع أن السوق يأتي بعد الإثارة والأحداث كلها ماضية لكن الإثارة مشهد حركة فجعلها بصيغة المضارع ليدل على الحضور. وهذا الأمر نجده أيضا في السيرة ففي ما روي عن الصحابي الذي قتل أبا رافع اليهودي الذي آذى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال يصف ما حصل شعرا :
فناديت أبا رافع فقال نعم فأهويت عليه بالسيف فأضربه وأنا دهش
فجعل صيغة المضارع للمشهد الأبرز وهو الضرب فكأن السامع يرى الحادثة أمامه ويرى الصحابي وهو يضربه.
275- ما الفرق بين (إدبار) و(أدبار)؟
قال تعالى في سورة ق : (ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40)) وقال في سورة الطور(ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49)).

(1/698)


الأدبار : جمع دبر بمعنى خلف كما يكون التسبيح دبر كل صلاة أي بعد انقضائها وجاء في قوله تعالى في سورة الأنفال : (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16)). أما الإدبار : فهو مصدر فعل أدبر مثل أقبل إقبال والنجوم ليس لها أدبار ولكنها تدبر أي تغرب عكس إقبال.
276- هل يحتمل معنى قوله تعالى (جنات تجري من تحتها الأنهار) أن الجنات تجري؟
لا أعلم إذا كانت الجنات تجري لكن بلا شك أن الأنهار تجري فالجريان يكون للأنهار في الدنيا كما في قوله تعالى في سورة البقرة (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266)) وقال تعالى في سورة طه (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76)) وفي سورة يونس (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9)) لكن هل هناك أمر آخر أن الجنات تجري؟ الله أعلم لكن الأمر فيها أن قطعا الأنهار تجري ويمكن من قدرة الله تعالى أن تجري الجنات في الآخرة ولكن هذا ليس ظاهرا مما نعرفه.
277- ما دلالة نصب (وأرجلكم) في آية الوضوء في سورة المائدة؟

(1/699)


قال تعالى في سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين (6)) كلمة " وأرجلكم " معطوفة على الغسل في أول الآية. وكأن السائل يتساءل عن المتعاطفات التي سبقتها في الآية والسؤال هل تعطف وامسحوا برؤوسكم على الأول؟ يجوز في كلام العرب العطف على الأول وإن كان هناك متعاطفات في ثنايا الجملة، وحكم غسل الأرجل في آية سورة الوضوء فالذي يحدده السنة

(1/700)


ومن الأمثلة على العطف في القرآن قوله تعالى في سورة الروم (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18)) "حين تصبحون" معطوفة على "حين تمسون" ثم (الأرض) معطوفة على (السموات) ثم (عشيا وحين تظهرون) معطوفة على الأول (حين تمسون). وكذلك في قوله تعالى في سورة غافر : (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67)) "يخرجكم" معطوفة على "خلقكم" وهي ليست معطوفة على "علقة" أو "تراب" أو "نطفة" ولا يمكن أن تكون معطوفة عليها. وكذلك ما جاء في آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم (255)) "ولا نوم" معطوفة على "سنة" ، "وما في الأرض" معطوفة على "السموات" ، "خلفهم" معطوفة على "ما بين أيديهم"، "الأرض" معطوفة على "السموات"، بينما "ولا يؤوده حفظهما" فمعطوفة على "لا تأخذه سنة ولا نوم" في أول الآية. فبرغم وجود أنواع متعاطفات كثيرة ومختلفة نعطف "لا يؤوده حفظهما" على "لا تأخذه سنة ولا نوم" .
وفي كلام العرب نقول : بنيت الدور والإماء بمعنى اشتريت الإماء.
278- ما الفرق بين (ما زال) و(لا زال) ؟

(1/701)


لا يختص الفرق بين (ما زال) و(لا زال) وإنما هو الفعل الماضي أصلا. والفعل الماضي لا ينفى بـ (لا) إلا في حالات : إما أن يتكرر كما في قوله تعالى (فلا صدق ولا صلى)، وإما أن يكون دعاء له أو عليه (لا عافاه الله، ولا شفاه الله) وإما أن يراد به المستقبل (والله لا فعلت ذلك أبدا). قال الشاعر:
حسب المحبين في الدنيا عذابهم تالله لا عذبتهم بعدها سقر
لا يصح القول "لا رجع أخوك" لأن المعنى هو دعاء على أخيك بعدم الرجوع، ولا يقال" لا ذهب محمد" لأنها تفيد الدعاء عليه بعدم الذهاب. والقول : "لا زال المطر نازلا" بمعنى دعاء باستمرار نزول المطر.
ولا نقول "لا زال أخوك غائبا" لأن هذا دعاء عليه أن لا يعود وإنما نقول "ما زال أخوك غائبا" لأن (لا) كما قلنا لا تنفي الفعل الماضي إلا بالشروط التي ذكرناها سابقا.
279- ما دلالة ذكر (لكم) في قوله تعالى في سورة الأنعام : (ولا أقول لكم إني ملك) وعدم ذكرها في آية سورة هود (ولا أقول إني ملك)؟

(1/702)


قال تعالى في سورة الأنعام في قصة نوح - عليه السلام - (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50)) بينما قال في قصة نوح - عليه السلام - في سورة هود (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31)) لو لاحظنا الكلام في سورة الأنعام نجده أشد وفيه تحذير شديد من قوله تعالى (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) ) بينما في سورة هود سياق الآيات فيه تلطف. وفي التلطف عادة لا نواجه الشخص فنقول له (قلنا لك) كما جاء في قصة الخضر

(1/703)


وموسى - عليه السلام - في المرة الأولى قال تعالى على لسان الخضر (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72)) وفي الثانية قال تعالى (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75)).
280- ما الفرق بين قوله تعالى (كذلك سلكناه) في سورة الشعراء و(كذلك نسلكه) في سورة الحجر؟
قال تعالى في سورة الشعراء (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200)) وقال في سورة الحجر (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12)) ننظر في السياق الذي وردت فيه الآيتين في السورتين: في سورة الحجر السياق في استمرار الرسل وتعاقبهم من قوله تعالى (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (11) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12)) فجاء بالفعل الذي يدل على الاستمرار وهو الفعل المضارع. بينما في سورة الشعراء السياق في الكلام عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحده من قوله تعالى (وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200)) والسورة كلها أحداث ماضية والآية موضع السؤال تدل على حدث واحد معين ماضي فجاء بالفعل الماضي.
281- ما الفرق بين قوله تعالى (لا أسألكم عليه مالا) وقوله تعالى (ولا أسألكم عليه أجرا) في سورة هود؟

(1/704)


قال تعالى في قصة نوح - عليه السلام - في سورة هود (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29)) وقال تعالى في قصة هود مع قومه في نفس السورة (يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51)). لو لاحظنا سياق القصتين لوجدنا أنه في قصة نوح - عليه السلام - قال تعالى (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) جاء ذكر "خزائن الله" في الآية والمال يوضع في الخزائن فاقتضى ذكر كلمة (مالا) في قصة نوح أما في قصة هود - عليه السلام - فلم ترد ذكر "الخزائن" وإنما قال (أجرا) لأن الأجر عام.
وهناك أمر آخر بين الآيتين : وهو أنه في الأولى ذكر (إن أجري إلا على الله) بذكر لفظ الجلالة (الله) بينما جاء في الثانية (إن أجري إلا على الذي فطرني) بذكر (فطرني) بدل الله. والسبب أنه لو نظرنا من ناحية السمة التعبيرية في القصتين لوجدنا أن كلمة (الله) وردت في قصة نوح - عليه السلام - عشر مرات بينما وردت ثلاث مرات في قصة هود - عليه السلام -. هذا من ناحية .

(1/705)


وهناك أمر آخر : وهو أنه تعالى ذكر في قصة نوح - عليه السلام - كلمة (الله) إسم علم وفي سورة هود ذكر (الذي فطرني) أي عدى الفعل إلى ذاته أي ضمير المتكلم كما نلاحظ في قصة هود ارتباط الأمور بشخص هود - عليه السلام - (إن نقول إلا اعتراك، كيدوني، إني توكلت، ربي،..) فمن الذي سينجيه من الكيد؟ الذي فطره فهو الذي خلقه ويحفظه من كل سوء فالأمر إذن شخصي وليس عاما فاقتضى ذكر (الذي فطرني). كذلك في سورة هود قال تعالى (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57)) وهذه الآية تدل على أن الله تعالى يفطر قوما آخرين غيرهم فـ"الذي فطرني" أنسب للذكر في قصة هود - عليه السلام - من كلمة (الله) التي هي أنسب في قصة نوح - عليه السلام -.
وننوه إلى أن هناك فرق بين الخلق والفطر ولكل منها تميز دلالي فالخلق غير الفطر . "الخلق" قد يستعمله البشر بمعنى التصوير مثلا وهو لفظ عام كما جاء على لسان عيسى - عليه السلام - (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) وهي تستعمل سواء للخلق الابتدائي أو التصوير. أما "الفطر" فهو ابتداء الشيء وهذا خاص بالله تعالى.
282- ما دلالة تقديم (يستأخرون) في آية سورة النحل وتأخيرها في آية سورة الحجر؟

(1/706)


قال تعالى في سورة النحل (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61)) وقال تعالى في سورة الحجر (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5)) وإذا استعرضنا الآيات في السورتين نجد أنه في سورة النحل قال تعالى (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) فناسب تأخير الأجل في هذه الآية تقديم "يستأخرون" في الآية موضع السؤال ثم إن الناس يرغبون بتأخير الأجل وبخاصة الظالم يرغب بتأخير أجله. أما في سورة الحجر فقد قال تعالى (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5)) وقال بعدها (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8)) فكأنهم عندما طلبوا إنزال الملائكة أرادوا استعجال أجلهم لأنه تعالى لو أنزل الملائكة لأهلكهم فاقتضى أن يقدم (ما تسبق) في آية سورة الحجر ليدل على أنهم استعجلوا الأجل كأنما أرادوا أن يسبقوا الأجل.
ونلاحظ أن السياق من أهم القرائن للفهم كما قال العلماء القدامى فعلى سبيل المثال: قوله تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) إذا أخذت من سياقها تظهر وكأنها مدحا بينما في الواقع هي في معرض الذم إذا ما أخذت في سياقها.
283- ما دلالة ترتيب ذكر الأنبياء في الآيات 83 إلى 86 في سورة الأنعام؟

(1/707)


قال تعالى في سورة الأنعام (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86))
قبل أن ندخل في الترتيب ننظر إلى الهيكلية في ترتيب الأنبياء فنلاحظ أنه تعالى يذكر ثلاثة من الأنبياء ثم يعود إلى الأقدم ثم يذكر ثلاثة ثم يعود إلى الأقدم ويكرر هذا النسق فمثلا ذكر إبراهيم واسحق ويعقوب ثم عاد إلى نوح وهو أقدم من المذكورين، ثم داوود وسليمان وأيوب ثم يوسف وهو قبل المذكورين، ثم زكريا ويحيى وعيسى ثم ذكر إلياس وهو أقدم من المذكورين، ثم إسماعيل واليسع وإلياس ثم ذكر لوط وهو أقدم من المذكورين.

(1/708)


ثم نأتي لسبب الترتيب على الشكل الذي جاء في الآيات نجد أنه ذكر إبراهيم وإسحق ويعقوب، واسحق ابن إبراهيم ويعقوب ابن اسحق (العلاقة التي بينهم هي البنوة) ثم داوود وسليمان ( العلاقة بينهم البنوة والملك) أيوب ويوسف (العلاقة بينهما أنهما يشتركان في الإنعام بعد النبوة ، فكلاهما ممن أنعم الله تعالى عليه بعد الابتلاء) سليمان وأيوب (العلاقة بينهما أنهما كلاهما قال تعالى فيهما : (نعم العبد إنه أواب) فأيوب هو العبد الصابر وسليمان هو العبد الشاكر، والصبر والشكر جماع الإيمان) موسى وهارون (العلاقة بينهما هي الأخوة) زكريا ويحيى (علاقة البنوة) يحيى وعيسى (كلاهما مستغرب الولادة فيحيى جاء من أبوين أحدهما شيخ والآخر عقيم وعيسى جاء من أم بلا أب وقد ذكرهما تعالى معا في سورة آل عمران ومريم) وقد ختم تعالى هذه المجموعة بعيسى - عليه السلام - لأنه ليس له أب فكان خاتمة النسب الأول عنده.
ثم بعد عيسى - عليه السلام - تأتي سلسلة أخرى من ذرية أخرى : إلياس ليس من ذرية اسحق ، إسماعيل أخو إسحق ، اليسع صاحب إلياس (وحيث ورد اليسع ورد إلياس) ويونس ليس من ذرية إبراهيم وكذلك لوط ليس من ذرية إبراهيم، ويونس ولوط كلاهما مهاجر وترك قومه وقد جمع تعالى بينهما في سورة الصافات أيضا فيونس خرج مغاضبا ولوط قال إني مهاجر إلى ربي. ولو لاحظنا الأنبياء الذين ورد ذكرهم لوجدنا أن الترتيب بدأ بالذاهب إلى ربه أي إبراهيم - عليه السلام - (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) الصافات) وختمت بالمهاجر إلى ربه أي لوط - عليه السلام - (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26)العنكبوت). وهذا يدل على أن للترتيب الذي ورد حكمة إلهية بالإضافة إلى الهيكلية.
284- ما دلالة صيغة المبني للمجهول في قوله تعالى (يبصرونهم) في سورة المعارج؟

(1/709)


قال تعالى في سورة المعارج : (يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11)). ليس فيها ما يدعو للغرابة. يقال في العربية : "بصر به" وهو فعل لازم غير متعدي (كل صيغة فعل فهي لازمة).
أبصر: متعدي (وأبصرهم فسوف يبصرون)
بصره: معناه أراه يتعدى إلى اثنين أو بالباء يقال: بصرته زيدا أي أريته إياه.
وقوله تعالى : (يبصرونهم) بمعنى أنه يوم القيامة يري بعضهم بعضا فهذه صيغة مضارع مبني للمجهول.
285- ما دلالة استخدام صيغة (عسر) في آية سورة القمر؟
قال تعالى في سورة القمر (مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8))
من أوزان الصفة المشبهة فعل وفعيل فتأتي هاتين الصفتين للمبالغة أو صفة مشبهة، يقال فرح وطويل.
و"عسر" غير "عسير" والكلام في موضوع الصيغة المشبهة ودلالاتها ومعانيها طويل لكن نتحدث عنه بشكل موجز هنا. نقول مثلا صيغة "أفعل" ؛ مثل : "أحمر" تستعمل للنعوت والحلى الظاهرة.
"عسر" تستعمل للأشياء الداخلية، بينما "أعسر" تستعمل للصفات الظاهرة والجسمية.
مثل شريف وأشرف: "أشرف" تعني المرتفع الكتفين، وكذلك رئيس وأرأس بمعنى رأسه كبير.
"مليح" بمعنى جميل و"أملح" بمعنى أبيض اللون.
أسف (فرجع موسى غضبان أسفا) من الاندفاع وجاء في قول عائشة عن أبيها : (إن أبا بكر رجل أسيف) هذه ليست حالة عارضة وإنما وصف له.
وكذلك كلمة "بطن" (بمعنى لا يهمه إلا بطنه) و"بطين" (بمعنى كبير البطن واسعة)، نشط (مندفع وهي حالة اندفاعية) أما "نشيط" فهي صفة عامة.
فكلمة "عسر" غير "عسير" فيقال : عسر عليه الأمر فهو عسير فالأمر خاص به ؛ قد يكون عسرا عليه لكنه ليس كذلك على غيره ؛ فقد يعسر أمر ما على طفل ولا يعسر على من هو أكبر منه.

(1/710)


أما (عسر الأمر) : الوصف فيه عسير ويدل على الثبوت خلقة أو اكتسابا (طويل، خطيب) ويقال فقه الرجل فهو فقيه (حالة ثبات) ويقال فقه الرجل المسألة (تحديدا وليس على الإطلاق) فهو لها فاقه أو فقه.
فكلمة (عسير) تقال عندما يكون الأمر عسير في ذاته صعب ، أما "عسر" فهو نسبي. وقد وصف تعالى قول الكافرين الذين يقولون (هذا يوم عسر) لأنه نسبي لهم والله تعالى ييسره على من يشاء. هو لا شك يوم عسير كما وصفه تعالى في سورة المدثر (فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير (10)) فهو على الكافرين عسير لكن قد لا يكون كذلك على غيرهم. ولو لم يحدد الله تعالى أنه عسير على الكافرين لكان عسيرا على الكل.
فكلمة عسر وعسير اشتقاقهما من مادة واحدة (ع س ر) لكن المعنى اختلف باختلاف الصيغة. عسر وعسير وأعسر كلها صفات مشبهة لكن لكل منها معنى مختلفا عن الأخرى.
286- ما دلالة استخدام صيغة (صبار شكور) وما علاقة الفاصلة بصدر الآية في سورة الشورى ولماذا جاءت (صبار) مقدمة على (شكور) ؟
قال تعالى في سورة الشورى (ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33))
أولا : كلمة (صبار) الصبر إما أن يكون على طاعة الله أو على ما يصيب الإنسان من الشدائد. فالصلاة تحتاج إلى صبر وكذلك سائر العبادات كالجهاد والصوم. والشدائد تحتاج للصبر.
أما كلمة (شكور ) : فالشكر إما أن يكون على النعم (واشكروا نعمة الله) أو على النجاة من الشدة (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) فالشكر إذن يكون على ما يصيب الإنسان من النعم أو فيما ينجيه الله تعالى من الشدة والكرب.

(1/711)


والآن نعود للسؤال لماذا قدم الصبر على الشكر؟ ولننظر في الآيات التي وردت قبل الآية موضع السؤال وبعدها في سورة الشورى. قال تعالى في الآيات التي قبلها (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28)) والآية فيها قنوط أولا ثم إنزال الغيث والأول (القنوط) يحتاج إلى صبر والثاني (إنزال الغيث) يحتاج إلى الشكر لأن إنزال الغيث هو رحمة تحتاج إلى الشكر أما القنوط فكان عندما كان المطر محبوسا وهو أمر يحتاج إلى الصبر.
أما في الآية التي بعدها فقد قال تعالى : (ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34)) وهذه الآيات فيها أمران أيضا :
الأول : وهو أن لا تجري السفن (فيظللن رواكد على ظهر) وهذا أمر يحتاج إلى الصبر
والثاني : إهلاكهن (أو يوبقهن) وهذا من المصائب.
و(يوبقهن) لها احتمالان:
ـ احتمال إرادة إهلاك من فيها، على المجاز المرسل ، فأطلق المحل وأراد الحال ، والمراد من السفن في الآية : من فيها، وهذا ما يسمى بالمجاز المرسل وعلاقته محلية .
ـ أو احتمال إرادة البضائع التي فيها .
فهذه مصيبة سواء كانت في الأموال (أي السفن نفسها) أو في الأنفس (من في السفن) وكلمة "يوبقهن" تحتمل الإهلاك في السفن أو المال وكلاهما يحتاج إلى صبر . أما قوله تعالى (ويعف عن كثير) فهي تحتاج إلى شكر.
إذن ما تقدم الآية موضع السؤال وما جاء بعدها يحتاج لصبر وشكر والصبر تقدم على الشكر فيها وعليه فإن نهاية الآية (صبار شكور) جاءت واضحة ومتلائمة مع السياق.

(1/712)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية