صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : لمسات بيانية

إذا لاحظنا سياق الآيات في سورة البقرة (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين {58} فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون {59} وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين {60})
أما سياق الآيات في سورة الأعراف (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين {161}) يمكن ملاحظة اختلافات كثيرة في اختيار ألفاظ معينة في كل من السورتين ونلخص هذا فيما يأتي:

سورة الأعراف ... سورة البقرة

(1/495)


السياق في ذكر ذنوبهم ومعاصيهم والمقام مقام تقريع وتأنيب لبني إسرائيل (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون {138}) والفاء هنا تفيد المباشرة أي بمجرد أن أنجاهم الله تعالى من الغرق أتوا على قوم يعبدون الأصنام فسألوا موسى أن يجعل لهم إلها مثل هؤلاء القوم. ... سياق الآيات والكلام هو في التكريم لبني إسرائيل فذكر أمورا كثيرة في مقام التفضيل والتكرم والتفضل (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم {49} وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون {50}) و (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين {47})
فموسى هو الذي استسقى لقومه (إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر) ... قوم موسى استسقوه فأوحى إليه ربه بضرب الحجر (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر) وفيها تكريم لنبي الله موسى - عليه السلام - واستجابة الله لدعائه. والإيحاء أن الضرب المباشر كان من الله تعالى.
(كلوا من طيبات ما رزقناكم) لم يذكر الشرب فجاء باللفظ الذي يدل على الماء الأقل (انبجست) ... (كلوا واشربوا) والشرب يحتاج إلى ماء أكثر لذا انفجرت الماء من الحجر في السياق الذي يتطلب الماء الكثير

(1/496)


لم يرد ذكر الأكل بعد دخول القرية مباشرة وإنما أمرهم بالسكن أولا ثم الأكل (اسكنوا هذه القرية وكلوا) ... جعل الأكل عقب الدخول وهذا من مقام النعمة والتكريم (ادخلوا هذه القرية فكلوا) الفاء تفيد الترتيب والتعقيب.
لم يذكر رغدا لأنهم لا يستحقون رغد العيش مع ذكر معاصيهم. ... (رغدا) تذكير بالنعم وهم يستحقون رغد العيش كما يدل سياق الآيات.
(وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) لم يبدأ بالسجود هنا لأن السجود من أقرب ما يكون العبد لربه وهم في السياق هنا مبعدين عن ربهم لمعاصيهم. ... (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) بديء به في مقام التكريم وتقديم السجود أمر مناسب للأمر بالصلاة الذي جاء في سياق السورة (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين {43}) والسجود هو من أشرف العبادات.
(نغفر لكم خطيئاتكم) وخطيئات جمع قلة وجاء هنا في مقام التأنيب وهو يتناسب مع مقام التأنيب والذم في السورة. ... (نغفر لكم خطاياكم) الخطايا هم جمع كثرة وإذا غفر الخطايا فقد غفر الخطيئات قطعا وهذا يتناسب مع مقام التكريم الذي جاء في السورة.
(سنزيد المحسنين) لم ترد الواو هنا لأن المقام ليس فيه تكريم ونعم وتفضل. ... (وسنزيد المحسنين) إضافة الواو هنا تدل على الإهتمام والتنويع ولذلك تأتي الواو في موطن التفضل وذكر النعم.
(الذين ظلموا منهم) هم بعض ممن جاء ذكرهم في أول الآيات ... (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)
(فأرسلنا ) " أرسلنا " في العقوبة أشد من "أنزلنا" ، وقد تردد الإرسال في السورة 30 مرة أما في البقرة فتكرر 17 مرة ... (فأنزلنا على الذين ظلموا)
(بما كانوا يظلمون) والظلم أشد لأنه يتعلق بالضير ... (بما كانوا يفسقون)

(1/497)


(فانبجست) في مقام التقريع قل الماء بمعاصيهم فناسب ذكر حالة قلة الماء مع تقريعهم. ... (فانفجرت) جاءت هنا في مقام التكريم والتفضل وهي دلالة على أن الماء بدأ بالإنفجار بالماء الشديد فجاء بحالة الكثرة مع التنعيم.

102- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (فنفخنا فيها) وقوله (فنفخنا فيه) في قصة مريم عليها السلام؟
قال تعالى في سورة الأنبياء (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين {91}) وقال في سورة التحريم (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين {12})
بين هاتين الآيتين أكثر من نقطة يجب الإلتفات إليها وهي كما يلي:
1. في سورة الأنبياء لم يذكر اسم مريم عليها السلام بينما ذكره في سورة التحريم. والسبب في ذلك هو أنه أولا في سورة الأنبياء كان السياق في ذكر الأنبياء (إبراهيم، لوط، موسى، وزكريا ويحيى) ثم قال (والتي أحصنت فرجها) ولم يصرح القرآن باسمها في سورة الأنبياء لأن السياق في ذكر الأنبياء وهي ليست نبية أما في سورة التحريم فذكر اسمها لأن السياق كان في ذكر النساء ومنهم (امرأة فرعون، امرأة لوط وامرأة نوح) فناسب ذكر اسمها حيث ذكر النساء. والتصريح بالاسم يكون أمدح إذا كان في المدح وأذم إذا كان في الذم. ونلاحظ في سورة التحريم أنها من أعلى المذكورات في سياق النساء ولهذا ذكر اسمها من باب المدح. أما في سورة الأنبياء فهي أقل المذكورين في السورة منزلة أي الأنبياء فلم يذكر اسمها وهذا من باب المدح أيضا.

(1/498)


2. ذكر ابنها في سورة الأنبياء ولم يذكره في سورة التحريم. وهذا لأن سياق سورة الأنبياء في ذكر الأنبياء وابنها (عيسى - عليه السلام -) نبي أيضا فناسب ذكره في السورة وكذلك لأن سورة الأنبياء ورد فيها ذكر ابني إبراهيم ويحيى بن زكريا فناسب ذكر ابنها أيضا في الآية ولم يذكره في التحريم لأن السياق في ذكر النساء ولا يناسب أن يذكر اسم ابنها مع ذكر النساء.
3. لم يذكر أنها من القانتين في الأنبياء وذكرها من القانتين في سورة التحريم. ونسأل لماذا لم تأتي (القانتات) بدل (القانتين) ؟ لأنه في القاعدة العامة عند العرب أنهم يغلبون الذكور على الإناث وكذلك في القرآن الكريم عندما يذكر المؤمنون والمسلمون يغلب الذكور إلا إذا احتاج السياق ذكر النساء ومخاطبتهن. وكذلك عندما يذكر جماعة الذكور يقصد بها العموم. وإضافة إلى التغليب وجماعة الذكور فهناك سبب آخر أنه ذكرها من القانتين وهو أن آباءها كانوا قانتين فهي إذن تنحدر من سلالة قانتين فكان هذا أمدح لها وكذلك أن الذين كملوا من الرجال كثير وأعلى أي هي مع الجماعة الذين هم أعلى فمدحها أيضا بأنها من القانتين ومدحها بآبائها وجماعة الذكور والتغليب أيضا.
ونعود إلى الآيتين ونقول لماذا جاء لفظ (فيه) مرة و(فيها) مرة أخرى؟ فنقول أن الآية في سورة الأنبياء (فنفخنا فيها من روحنا) أعم وأمدح:

(1/499)


دليل أنها أعم: ونسأل أيهما أخص في التعبير (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها) سورة التحريم أو (والتي أحصنت فرجها) سورة الأنبياء. فنقول أن الأخص مريم ابنت عمران وقوله تعالى (ونفخنا فيها من روحنا) أعم من (نفخنا فيه) وأمدح. إذن مريم ابنت عمران أخص من التي أحصنت فرجها فذكر الأخص مع الأخص (فنفخنا فيه) وجعل العام مع العام (ونفخنا فيها) . وكذلك في قوله تعالى (وجعلناها وابنها) في سورة الأنبياء أعم فجاء بـ (فيها) ليجعل الأعم مع الأعم. وسياق الآيات في سورة الأنبياء تدل على الأعم.
عرفنا الآن لماذا هي أعم ويبقى أن نعرف لماذا هي أمدح؟ أيهما أمدح الآية (وجعلناها وابنها آية) أو(صدقت بكلمات ربها)؟ الآية الأولى أمدح لأن أي كان ممكن أن يصدق بكلمات ربها لكن لا يكون أي كان آية، والأمر الثاني أن ذكرها مع الأنبياء في سورة الأنبياء لا شك أنه أمدح من ذكرها مع النساء في سورة التحريم فالآية في سورة الأنبياء إذن هي أمدح لها.
ومن الملاحظ في قصة مريم عليها السلام وعيسى - عليه السلام - أن الله تعالى جاء بضمير التعظيم في قوله تعالى (فنفخنا فيها) أي عن طريق جبريل - عليه السلام - وهذا الضمير للتعظيم يأتي دائما مع ذكر قصة مريم وعيسى عليهما السلام أما في قصة آدم - عليه السلام - يأتي الخطاب (فنفخت فيه من روحي) لأن الله تعالى قد نفخ في آدم الروح بعد خلقه مباشرة أما في مريم فالنفخ عن طريق جبريل - عليه السلام -.
103- ما هي الآية التي نزلت داخل الكعبة؟

(1/500)


(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا {58}) هي الآية التي نزلت داخل الكعبة عندما دخل الرسول - عليه السلام - يوم فتح مكة طلب من عثمان بن طلحة وكان حاجب الكعبة أن يعطيه مفتاح الكعبة فأبى وصعد إلى سطح الكعبة فأرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلالا ليحضره منه ففتح الكعبة وحطم الأصنام ثم نزلت هذه الآية يأمر الله تعالى رسوله أن يرد المفتاح إلى عثمان وما زال في بني شيبة إلى الآن.
104- ما إعراب كلمة (الكواكب) في قوله تعالى (بزينة الكواكب)؟
الكواكب بدل. والبدل والمبدل منه لا يشترط تطابقهما تعريفا وتنكيرا مثل قوله تعالى (لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة) .

105- ما إعراب كلمة (حافظا) في قوله تعالى (والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين)؟
هذه الآية والآية (سلام قولا من رب رحيم) وكذلك (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) فيها وجهين إعرابيين: إما أن تكون تمييز أو تكون حال لأن القاعدة النحوية تنص على أن اسم التفضيل إذا كان ما بعده ليس من جنسه ينصب ، مثال (أنت أكثر مالا، هو أحسن شعرا) وإذا كان ما بعده من جنسه يضاف. (يقال: أنت أفضل رجل، أحسن دار).
وفي الآية (والله خير حافظا) في سورة يوسف تعني أن حفظة الله تعالى خير منكم بدليل قوله تعالى (ونرسل عليكم حفظة) فكأنه تعالى قارن بينهم (بين إخوة يوسف) وبين حفظة الله (والتمييز أقوى من الحال) لسبب أن الحال قيد لعاملها كأنه خير فقط في هذه الحال من حالة الحفظ أما في التمييز فهي أقوى. ولو قال "الله خير حافظ" فهي تدل على أن الله هو الحافظ.
سلام قولا من رب رحيم: قولا مفعول مطلق.
كبرت كلمة: تمييز (الفاعل مفسر بتمييز بمعنى كبرت الكلمة كلمة)

(1/501)


تبسم ضاحكا: حال مؤكدة (إسم فاعل).
106- ما دلالة (من) في قوله تعالى (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين {77})؟
يقول النحاة أن (نصرناه من) تعني نجيناه من و(نصرناه على) تفيد الإستعلاء. ونسأل لماذا لم يستخدم سبحانه كلمة (نجيناه من) بدل (نصرناه من)؟ ونقول أن الفرق بين " نجيناه من " و "ونصرناه من " أن الأولى تتعلق بالناجي نفسه أما الثانية فهي تتعلق بالجانبين بمعنى أنه نجى نوحا وعاقب الآخرين فالنصرة هنا نجاة للناجي وعقاب لخصمه. وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة هود (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير {63}) و (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون {30}) وفي سورة العنكبوت (فأنجاه الله من النار) وقوله تعالى في سورة التحريم (ونجني من فرعون وعمله).
107- ما إعراب كلمة (القوم) و(مشارق) في الآية (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) ؟

(1/502)


قال تعالى في سورة الأعراف: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون {137}). فعل (أورثنا) ينصب مفعولين وعليه فإن (القوم) مفعول به أول و(مشارق) مفعول به ثاني لفعل أورثنا. وهذا ينطبق أيضا على قوله تعالى في سورة الأحزاب (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا {27}) (أرضهم) مفعول به أول و(ديارهم) مفعول به ثاني.
108- لماذا جاءت كلمة (المقيمين) منصوبة في قوله تعالى (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما {162})؟
الآية جاءت في سورة النساء وهذا ما يعرف بالقطع في القرآن الكريم. والقطع يكون في النعوت وفي المتعاطفات. يقطع مع المرفوع منصوب أو هذا منصوب فيأتي بصيغة مرفوعة أو منصوبة فنقول: مررت بزيد العالم، العالم، العالم) وهذا يسمى قطع في النعت.
القطع في العطف يقطع الأمر المهم في المدح وهي تدل على أن الأمر المقطوع هو أمدح أو أخص وفي الآية التي بين أيدينا (المقيمين الصلاة ) هم أعلى المذكورين والصلاة هي أعلى العبادات. (والمقيمين الصلاة) معطوفة على مرفوع (لكن الراسخون في العلم ) هي الأصل و(المقيمين الصلاة) نصب على رفع أما باقي المعطوفات فهي مرفوعة (والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بالله، والمؤمنون).

(1/503)


109- ما الفرق من الناحية البيانية بين استخدام (ما) و(من) في القرآن الكريم؟
ما: خاصة بالعقلاء. قال تعالى (لله ما في السموات وما في الأرض) (ما) هنا تدل على العقلاء من الملائكة والمكلفين من أصحاب العقل.
من: لذوات غير العاقل وصفات العقلاء. كما في قوله تعالى (ولله من في السموات ومن في الأرض).
110- ما الفرق بين الحال المؤكدة والحال المؤسسة؟
الحال المؤكدة: هي التي يستفاد معناها من غيرها ومما قبلها وهي مؤكدة لصاحبها أو لمعنى الجملة كقوله تعالى (فتبسم ضاحكا من قولها) والتبسم هو الضحك. وكأن نقول مثلا: قدر مستطيعا.
الحال المؤسسة: هي التي لا يستفاد معناها من غيرها.
111- ما دلالة الفعل المضارع (يسعون) في قوله تعالى في سورة سبأ (والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون {38})؟
الفعل المضارع له أزمنة كثيرة فقد يكون للمضي (فلم تقتلون أنبياء الله) أو للحال أو الإستمرار أو الإستقبال. فهو إذن له زمن متسع اتساعا كبيرا. وهنا في الآية استعمل للمزاولة وليس بالضرورة ما كان في المستقبل فقط ولو قال "سعوا" لاحتمل أن يكون هذا الساعي تاب ولا يقام عليه هذا الأمر لكن الذي هو مستمر هو الذي يقام عليه الأمر.

(1/504)


وقد ورد هذا الفعل (يسعون) بصيغة المضارع أيضا في سورة المائدة (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم {33}) والآية (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين {64}).
112- ما اللمسة البيانية في اختيار كلمة (تفتأ) في سورة يوسف (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين {85})؟

(1/505)


في سورة يوسف قال تعالى على لسان إخوة يوسف مخاطبين أباهم يعقوب (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين {85}). استخدمت كلمة (تفتأ) هنا بمعنى لا يزال وهي من أخوات كان (ما انفك، ما برح، ما زال، ما فتيء) "ما زال" تدل على الإستمرار والدوام (نقول ما زال المطر نازلا) لكن يبقى السؤال لماذا اختار تعالى كلمة (تفتأ) دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنى من الإستمرار والدوام؟ ونستعرض معنى كلمة "فتيء" في اللغة: من معانيها (سكن) بمعنى مستمر لأنه عندما لا يسكن فهو مستمر، ومعناها أطفأ النار (يقال فتيء النار) ومن معانيها أيضا : نسي (فتئت الأمر أي نسيته). إذن كلمة (فتأ) لها ثلاثة معاني سكن وأطفأ النار ونسي. وفاقد العزيز سكن بمجرد مرور الزمن فمن مات له ميت يسكن بعد فترة لكن الله تعالى أراد أن يعقوب لا ينسى ولا يكف بدليل قوله تعالى (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم {84})، وفاقد العزيز كأنما هناك نارا تحرق جنبيه ويقال (حرق قلبي) والنار التي بين جنبي يعقوب - عليه السلام - لم تنطفئ مع مرور الأيام ولم تزل النار ملتهبة مستعرة في قلب يعقوب - عليه السلام -، وهو لم ينسى وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ولذا يدعو له المعزون بالصبر والسلوان. إذن (تفتأ) جمعت كل هذه المعاني المرادة هنا في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة غير هذه الكلمة. والقرآن الكريم لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع في سورة يوسف واستعمل (يزال ولا يزال) كثيرا في آيات عديدة (ولا تزال تطلع على خائنة منهم).
واستخدام كلمة (حرضا) في الآية تدل على الذي يمرض مرضا شديدا ويهلك.

(1/506)


ومن الغريب أن القياس أن يقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي. وهذه من مواطن النفي ولم تحذف الـ(لا) في جواب القسم إلا في هذا الموطن في القرآن الكريم فهذه هي الآية الوحيدة التي وقعت في جواب القسم منفية ولم يذكر معها اللام ففي عموم القرآن عندما يكون القسم منفيا يأتي باللام (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) إذن من الناحية النحوية هناك خياران : إما ذكر اللام أو حذفها. فمن الناحية النحوية إذا كان جواب القسم فعل مضارع لا بد أن يكون باللام مع النون مثل (تالله لأكيدن أصنامكم) وإما مع اللام إذا اقتضى حذف النون. لا بد في جواب القسم المثبت أن تذكر اللام سواء مع النون أو بدونها. وعندما لا تذكر اللام فهذا يدل على النفي ولا يكون مثبتا إلا بذكر اللام مع الفعل المضارع . إذا لم تأتي بـ (لا) فهو نفي قطعا كقول الشاعر (فلا والله أشربها حياتي) بمعنى لا أشربها قطعا. وقولنا (والله أذهب) يعني لا أذهب. فقد ورد قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون) لم تحذف الـ(لا) هنا ونسأل عن السبب؟ لماذا حذف الـ(لا) في الآية؟ لأن هذا القول قاله إخوة يوسف لكن هل هم أقسموا على أمر يعلمونه حق العلم ؟ كلا هم أقسموا على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكدا ولم يحصل أصلا فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكدا عند إخوة يوسف. وهذا ما يعرف بالتوسع في المعنى في القرآن الكريم.
113- ما اللمسة البيانية في تقديم الأكل على الشرب في سورة مريم (فكلي واشربي وقري عينا)؟

(1/507)


نلاحظ الآية قبلها في سورة مريم (فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا {24} وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا {25} فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا {26}). فقد وردت كلمة السري وهي تعني (السيد) وجمعها سراة أي السادة (ولا سراة إذا جهالهم سادوا) ، وهي بمعنى أن الله تعالى قد جعلك تحتك سيدا. أما التقديم والتأخير في الأكل والشرب فنلاحظ أنه في القرآن كله حيثما اجتمع الأكل والشرب قدم تعالى الأكل على الشرب حتى في الجنة (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وقوله (كلوا واشربوا من رزق الله) وكذلك في آية سورة مريم (فكلي واشربي وقري عينا) والسبب في ذلك أن الحصول على الأكل أصعب من الحصول على الشرب.

114- ما اللمسة البيانية في حذف (لا) (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم) وذكرها (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) في سورة التوبة ؟
لو نظرنا في الآيتين في سورة التوبة هناك تشابه واختلاف ففي الأولى ذكرت (لا) وزادت اللام في (ليعذبهم) وذكر كلمة الحياة الدنيا في الآية الأولى وذكر الدنيا في الثانية (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون {55}) و(ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون {85}) ونستعرض بالتفصيل الفرق بين الآيتين:

(1/508)


1. بدأ الآية الأولى بالفاء والثانية بالواو. لأن الآية الثانية معطوفة على ما قبلها فسياق الآيات السابقة يقتضي العطف أما الآية الأولى فالفاء للإستئناف وليس هناك عطف (قد تأتي الفاء للإستئناف أو التفريع).
2. (تعجبك أموالهم ولا أولادهم) في سياق الإنفاق أي إنفاق الأموال. (قل أنفقوا طوعا أو كرها) (وما منعهم أن تقبل لهم) (ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) (فلا تعجبك أموالهم ) (إنما الصدقات) فالكلام كله إذن في الإنفاق في الآيات التي قبلها وبعدها. أما الآية الثانية فسياق الآيات قبلها وبعدها في الجهاد وليس الإنفاق. فلما كان السياق في الأموال أضاف (لا) وفصل الأولاد والأموال للتوكيد.
3. .(ليعذبهم) زيادة اللام في الآية الأولى وهي زيادة التوكيد لأن السياق في الأموال والإنفاق وكما أكد بـ(لا) أكد باللام بمعنى (إنما يريد الله أن يعذبهم). فزيادة اللام قياسية للتوكيد (تؤكد معنى الإرادة) واللام تزاد قياسا وتزاد سمعا في المفعول به كما في قوله (والذين هم لربهم يرغبون) واللام زائدة في فعل الإرادة أن (أراد) فعل يتعدى بنفسه فيؤتى باللام الزائدة للتوكيد، أو اللام للتعليل وهي على أي قول فهي للتوكيد (علل الإرادة في الآية الأولى أو أكد الإرادة في الآية الأولى). فلما كانوا متعلقين بالمال تعلقا شديدا أكد باللام (ليعذبهم فيها) فكان التعذيب أشد.
ذكر (الحياة الدنيا) في الآية الأولى و(الدنيا) في الآية الثانية: الآية الأولى في سياق الأموال والأموال عند الناس هي مبعث الرفاهية والحياة والسعادة والمال هو عصب الحياة، أما الآية الثانية فهي في الجهاد مظنة مفارقة الحياة في القتال فاقتضى السياق ذكر (الحياة) في الآية الأولى وحذفها في الآية الثانية.

115- ما الفرق بين (همزة) و(هماز) ؟

(1/509)


قال تعالى في سورة الهمزة (ويل لكل همزة لمزة {1}) وقال تعالى في سورة القلم (هماز مشاء بنميم {11}) الفروق بين الآيتين في الصيغ فصيغة (هماز) هي صيغة مبالغة على وزن فعال تدل على الحرفة والصنعة والمداولة في الأصل مثل نجار وحداد وخياط. وعندما نصف شخصا ما بـ (كذاب) فكأنما نقول أن صنعته الكذب. أما صيغة همزة فهي مبالغة بالتاء وهناك أكثر من نوع للمبالغة بالتاء:
ما أصله غير مبالغة وبالغ بالتاء مثل راوي – راوية (للمبالغة) وهي في الأصل صيغة مبالغة ونأتي بالتاء لزيادة المبالغة.
ما أصله صيغة مبالغة ثم نأتي بالتاء لتأكيد المبالغة وزيادتها ، مثل : (همزة) فأصلها (همز) وهي من صيغ المبالغة مثل (حطم ـ لكع ـ غدر ـ فسق) ، فنأتي بالتاء لزيادة المبالغة. ويقول أهل اللغة : ما بولغ بالتاء يدل على النهاية في الوصف أو الغاية في الوصف، فليس كل (نازل) يسمى (نازلة) ، ولا كل (قارع) يسمى (قارعة) حتى يكون مستطيرا عاما قاهرا كالجائحة، ومثلها القيامة والصاخة والطامة. فهذا التأنيث للمبالغة بل الغاية في المبالغة، وهذا ما تدل عليه كلمة (همزة)
إذن نحن أمام صيغتين للمبالغة إحداهما تدل على المزاولة ، والأخرى على النهاية في الوصف ... ها هو الفرق بينهما
والسؤال الآن بعد أن عرفنا الفرق بينهما: لماذا اختار وضع هذه هنا وهذه هناك ؟

(1/510)


قال تعالى في سورة الهمزة ("ويل لكل همزة لمزة . الذي جمع مالا وعدده . يحسب أن ماله أخلده . كلا لينبذن في الحطمة . وما أدراك ما الحطمة . نار الله الموقدة . التي تطلع على الأفئدة . إنها عليهم مؤصدة . في عمد ممددة ") وقال في سورة القلم (ن والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم . فستبصر ويبصرون . بأييكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . فلا تطع المكذبين . ودوا لو تدهن فيدهنون . ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين . سنسمه على الخرطوم . إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين )

(1/511)


استعمال (همزة) في آية سورة الهمزة لأنه ذكر النتيجة وتعرض للعاقبة، نتيجة وغاية وعاقبة الكفار الويل وجاءت الآية (كلا لينبذن في الحطمة {4}) والحطمة هي بنفس صيغة (همزة) وهي صيغة مبالغة لذلك ناسب أن يذكر بلوغه النهاية في الاتصاف بهذه الصفة بالتاء تدل على النهاية في الحطم، وهي تفيد أن الجزاء من جنس العمل فكما أنه يبالغ في الهمز فسيكون مصيره مماثلا في الشدة فالذي يتعدى على الناس في قوانين الدنيا في أنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة. ونلاحظ أيضا من السورة أن الخارج والمتعدي يحبس في النار وهكذا في قوانين الدنيا أيضا.

(1/512)


أما في سورة القلم استخدام صيغة (هماز) لأن الكلام في التعامل مع الناس وكل سورة القلم تتكلم عن التعامل مع الناس. "وإنك لعلى خلق عظيم"، فهي تتناول السلوكيات ولا تذكر العاقبة إلا قليلا وهي التي وردت في قوله: "سنسمه على الخرطوم" ولكنه لم يذكر شيئا آخر من عاقبة مرتكب هذا الفعل إنما ذكر صفاتهم فقط مثل (حلاف مهين هماز مشاء بنميم) وهذه الصفات لا تستوجب الطاعة ولم يأتي ذكر العاقبة في هذه السورة فهي كلها في التعامل. وجاء في السورة (أن كان ذا مال وبنين) ينبغي أن لا يطاع ولو كان ذا مال وبنين فهو يمتنع بماله وبنيه والمال والبنون هما سبب الخضوع والإيضاح والإنقياد ولو كان صاحبهما ماكر لذا جاءت الآية (ولا تطع كل حلاف مهين {10} هماز مشاء بنميم {11} مناع للخير معتد أثيم {12} عتل بعد ذلك زنيم {13} أن كان ذا مال وبنين {14}) . فالعربي صاحب عزة في عشيرته ببنيه ولكن المال والقوة هما سبب الخضوع والانقياد في الأفراد والشعوب مهما كانت حقيقة صاحب المال من أخلاق سوء وإثم واعتداء فإن لها القوة لما لها من مال وقوة وهذا مشاهد في واقعنا وهو سبب استعلاء الدول القوية صاحبة هذا المال وتلك القوة على الشعوب المستضعفة. فالملحوظ هنا أن سورة القلم لم تتطرق إلى نهايتهم بل اكتفت بالأمر بعدم طاعتهم، أما الهمزة فقد ذكرت نهايتهم بتفصيل.
116- ما دلالة التكرار في قوله تعالى (أولى لك فأولى) (ثم أولى لك فأولى) في سورة القيامة؟
التكرار في القرآن الكريم جزء من الإعجاز. والآية فيها عطف على جزء من الآية بالفاء ثم عطف بـ (ثم) في الآية الثانية.

(1/513)


(أولى لك)عبارة تقال على جهة الزجر والتوعد والتهديد، واشتقاقها من (الولي) وهو القرب فهو اسم تفضيل يفيد قرب وقوع الهلاك ؛ (الويل) كلمة دعاء عليهم بأن يليهم المكروه. واختيار هذا الدعاء أنسب شيء هنا فهو دعاء عليهم وتهديد لهم بالويل القريب والشر الوشيك العاجل فهو مناسب لإيثارهم العاجلة وتقديمهم الفجور والشهوات وتأخيرهم الطاعات فكما عجلوا في المعاصي عجل الله تعالى لهم الويل والثبور وهو مناسب لجو العجلة في السورة . جو السورة هو في إيثار العاجلة عن الآخرة (كلا بل تحبون العاجلة* وتذرون الآخرة) ومن حب الشخص للعاجلة عجل له الويل فاستعمل (أولى). وكلمة (أولى) بعد الموت وفي النزع لأن العذاب يكون قريبا منه في هذه المرحلة. وفي قوله تعالى (أولى لك فأولى* ثم أولى لك فأولى) تكرار جزئي في الآية الواحدة وتكرار كلي للآية، فلماذا التكرار الجزئي؟

(1/514)


قال تعالى (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) كل واحدة لها أولى لك (أي لكل منها تهديد) لكن هل هذه الأمور كلها متساوية وفي منزلة واحدة؟ (لا صدق) تعني أنه لم يؤمن بشيء، (لا صلى) إذا لم يصدق وفعل ما فعل من مظاهر الطاعة فلا ينفعه، أما إذا كان مؤمنا وتكاسل في الطاعات هذا ترجى له التوبة والمغفرة ولا يخرج من الملة. إذن الأساس الأول هو التصديق فالأمران ليسا بمرتبة واحدة فجعل لكل واحد منها تهديدا. فعدم التصديق أكبر جرما وضلالا لأن صاحبه لم يؤمن أصلا أما عدم الصلاة كما أسلفنا فهو أخف. فلذلك كانت قوة التهديد بمقابل قوة الوصف فقال مقابل (فلا صدق) (أولى لك) فذكر (لك) ومقابل (ولا صلى) قال (فأولى) بحذف (لك) إشارة إلى عظم الإيمان وأهميته وإشارة إلى أن الصفتين المذكورتين ليستا بدرجة واحدة في الضلال.وزيادة (لك) في قوله (أولى لك) للأهمية كما جاء في سورة الكهف (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) وفي الآية الأخرى (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا). أما لماذا خصصت الصلاة بالذكر فلأن الصلاة هي أهم العبادات.
لماذا تكرير الآية (أولى لك فأولى)؟ قال تعالى في الآية (ولكن كذب وتولى) و(كذب) معناها :لا صدق (وتولى) من معناها عدم الصلاة. فكرر الأمران الأوليان بمعناهما وجاء (كذب) مقابل (لا صدق) و (تولى) مقابل (لا صلى) لذا كرر التهديد كما في الآية الأولى، وعدم التصديق أو التكذيب هو إنكار للإيمان من أساسه فهو لم يصدق بالرسالة ولا ببقية أركان الإيمان. وقد ذكر تعالى عدم التصديق وأكده بالتكذيب وذكر عدم الصلاة وأكده بالتولي ولكل تهديد ووعيد فكرره أربع مرات كل وعيد مقابل كل صفة.

(1/515)


وجاء بالفاء بين أجزاء الآية (أولى لك فأولى) وجاء بـ (ثم) بين الآيتين، و(ثم) ليست فقط للتراخي الزمني ولكنها تأتي للتوكيد أيضا. فلا صدق ولكن كذب وكذب أكثر من لا صدق وتقتضي الإعلان والإشهار لذا هي أكثر من ولا صدق. وتولى هي في عموم الطاعات وهي أكثر من (ولا صلى) لذا جاءت (ثم) للتراخي.
أما استخدام الفاء في (فأولى) الأولى لأن ما بين العذابين الأوليين عذاب الدنيا وعذاب القبر قريب وكذلك في الآية الثانية لأن ما بين العذابين الآخرين قريب وهو بين يوم القيامة ودخول النار، الآية (أولى لك فأولى) قيلت في حالة الإحتضار يبدأ العذاب في النزع ثم في القبر وبينهما مسافة قريبة لذا جاء بالفاء لقربهما أما الثانية (ثم أولى لك فأولى) جاءت في الحشر والنار وجاء بالفاء بينهما لقربهما أي الحشر والنار أما استخدام (ثم) بين القبر والحشر دلالة على التراخي والفاصل الزمني البعيد بين كل منهما ولأن بين القبر والحشر آلاف السنين، واستخدام (ثم) يفيد عموم البعد والتباين وليس التراخي في الزمن فقط. فالتكرار للفظ (أولى) أربع مرات دلالة على أن الويل لك حيا والويل لك ميتا والويل لك يوم البعث والويل لك يوم تدخل النار.
117- ما اللمسة البيانية في قوله تعالى في سورة الجمعة (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين {11} )؟

(1/516)


هذه الآية نزلت بينما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب بعد صلاة الجمعة فجاءت العير بتجارة وكانت سنة شديدة فانفض الناس بسبب التجارة وليس بسبب اللهو لأنه كان هناك غلاء في الأسعار فعندما نودي أن القافلة وصلت انفض الناس عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولهذا قدم التجارة في أول الآية (وإذا رأوا تجارة). ثم في نهاية الآية قدم تعالى اللهو على التجارة لأنه ليس كل الناس ينشغلون بالتجارة عن الصلاة فكثير ينشغلون باللهو وما عند الله تعالى خير من اللهو ومن التجارة لذا قدم اللهو على التجارة.
وقوله تعالى (والله خير الرازقين) لأن التجارة مظنة الرزق فوضع التجارة بجانب قوله تعالى (والله خير الرازقين) فليس لائقا ولا مناسبا أن يقول تعالى (والله خير الرازقين) بجانب اللهو وفي اللغة عادة تترقى من الأدنى إلى الأعلى فذكر الأدنى (اللهو) ثم الأعلى (التجارة).
وهناك أمر آخر وهو تكرار (من) في قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) لأنه لو قال (من اللهو والتجارة) لأفاد أن الخيرية لا تكون إلا باجتماعهما أي اللهو والتجارة أما قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) فهي تفيد أن الخيرية من اللهو على جهة الإستقلال ومن التجارة على جهة الإستقلال أيضا فإن اجتمعا زاد الأمر سوءا.
118- ما دلالة قوله تعالى (وعبد الطاغوت) في سورة المائدة؟
قال تعالى في سورة المائدة: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل {60}) (عبد الطاغوت) ليست معطوفة على القردة والخنازير وإنما هي فعل ماضي معطوفة على (وجعل منهم) فهي جملة معطوفة على جملة.

(1/517)


119- ما الفرق بين (سنة) و(عام) في قوله تعالى في قصة نوح - عليه السلام - (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما)؟
كلمة (سنة) في القرآن تدل عادة على الجدب والقحط ويقال : " أسنت الناس " إذا أصابهم قحط ويقال : " أصابتنا سنة " بمعنى جدب وقحط. أما كلمة (عام) فهي عادة تستعمل في الخير في الغالب. وفي قصة نوح - عليه السلام - يقول المفسرون : أنه لبث في الدعوة 950 سنة مع قومه بشدة وصعوبة وتكذيب له واستهزاء به أما الخمسين عاما فهي ما كان بعد الطوفان حيث قضاها مع المؤمنين في راحة وطمأنينة وهدوء بعيدا عن الكافرين من قومه الذين أغرقهم الله بالطوفان.
120- وردت كلمة (إبراهيم) في القرآن كله بالياء إلا في سورة البقرة جاءت بدون الياء (إبراهم) فما دلالة ذلك؟
إبراهيم في القرآن الكريم وردت منقوطة بالياء في كل القرآن إلا في سورة البقرة وهذا من خط المصحف لأن كتبة المصحف كانوا كثر ولا يقاس على خط المصحف.
قاعدة : "خط المصحف لا يقاس عليه". وعلينا أن نعلم أنه حصل تطور في تاريخ الكتابة منذ زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فبدأت الكتابة العربية تستقر وتأخذ أشكالا أخرى ولذلك نرى أكثر من رسم للكلمة مثال كلمة (لكيلا) يمكن كتابتها موصولة ويمكن كتابتها (لكي لا) ، كذلك كلمة (إذن) تكتب بالنون أو بالتنوين (إذا) وكلمة (مئة) و(مائة) وغيرها وكلا الكتابات جائز عند العرب. والمصحف كتبه عدد كبير من الكتبة ؛ والرسم الذي كتبوا به هو كتابتهم في أزمانهم فمرة يرسم حرف العلة ومرة لا يرسم وأحيانا يكون الرسم لاختلاف القراءات فيوضع الرسم الذي يجمع القراءات المتواترة كما في سورة الفاتحة تكتب (ملك يوم الدين) بدون ألف لأنه ورد قراءة متواترة (ملك يوم الدين ) وقراءة متواترة أخرى (مالك يوم الدين) وشروط القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لرسم المصحف.

(1/518)


وكلمة (إبراهيم) في سورة البقرة ورد فيها قرائتين متواترين إحداهما (إبراهم) بدون ياء والثانية (إبراهيم) بالياء فكتبت بالشكل الذي يحتمل القراءتين.
121- ما دلالة كلمة (مودة) في آية سورة النساء؟ ولماذا لم يقل عداوة؟
في سورة النساء آية 73 قال تعالى : (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما {73}) ولو قرأنا الآية التي تسبق هذه الآية (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا {72}) لانتفى السؤال أصلا فالآية فيها (وإن منكم لمن ليبطئن) "إن منكم" تعني من بين المؤمنين سواء من كان ضعيف الإيمان أو غيره فهو إما يبطيء نفسه أو يبطيء غيره فهؤلاء المخاطبين هم من صفوف المؤمنين فلا يصح أن يكون بينهم عداوة وإنما مودة كما ذكرت الآية الكريمة.
122- ما هي أوجه البلاغة في قول النملة في سورة النمل مخاطبة قومها؟

(1/519)


قال تعالى في سورة النمل (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون {18}) فالنملة حذرت ونادت ونصحت قومها وأنذرت وعممت وأكدت وقصرت وبالغت وغيره وكل هذا ليس مهما فكل كلام يقال فيه أوجه بلاغية لكن المهم كيف عبر عن ذلك. فالنملة بدأت مخاطبة قومها مخاطبة العقلاء وجاءت بلفظ (مساكنكم) ولم تقل بيوتكم أو جحوركم لأنهم في حالة حركة والحركة عكسها السكون فاختارت لفظ المساكن من السكون حتى يسكنوا فيها ولم تقل المساكن والجحور وإنما قالت (مساكنكم) أي أن لكل نملة مسكنها الخاص الذي تعلم مكانه ولم تقل ادخلن وإنما قالت ادخلوا ، ثم أكدت بالنداء بقولها (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) حرف النداء الدال على البعد حتى يسمعوا نداءها، وقالت (سليمان وجنوده) ولم تقل "جنود سليمان" حتى ترفع العذر عن سليمان ، أيضا فلو قالت "جنود سليمان" لكان سليمان غير عالم إذا كان قاصدا أو غير قاصد وجاءت بلفظ (سليمان) بدون أي لقب له كالنبي سليمان للدلالة على أنه مشهور بدون أن يوصف، ثم حثتهم على الإسراع في التنفيذ قبل أن تنالهم المصيبة، ونسبت الفعل لسليمان (لا يحطمنكم) وفعل يحطمنكم مقصود في الآية لأنه ثبت علميا أن جسم النمل يتركب معظمه من كمية كبيرة من السليكون الذي يدخل في صناعة الزجاج والتحطيم هو أنسب الأوصاف للفعل الدال على التكسير والتهشيم والشدة. إذن ليس المهم جمع أوجه بلاغية في التعبير لكن المهم كيف التعبير عن هذه الأوجه وهذا ما يتفرد به القرآن الكريم.
123- ما الفرق من الناحية البيانية في استخدام لفظة (رسول، رسولا) في قصة موسى وهارون؟

(1/520)


قال تعالى في سورة طه (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى {47}) وفي سورة الشعراء (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين {16}) وفي سورة الزخرف قال تعالى (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين {46})
المسألة تتعلق بالسياق ففي سورة طه السياق كله مبني على التثنية من قوله تعالى (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري {42}) إلى قوله (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى {63}) الشعراء ؛ السياق كله مبني على الإفراد من قوله تعالى (قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين {18}) إلى قوله (قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم {34})مع العلم أن أوائل السورة فيها تثنية من قوله تعالى (قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون {15}) إلى قوله (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين {16}).
وكلمة (رسول) في اللغة تأتي مفرد وتأتي جمع مثل كلمة "بشر" (أبشرا منا واحدا نتبعه) وقوله تعالى (بل أنتم بشر ممن خلق) وكلمة طفل (ثم يخرجكم طفلا) وكلمة (ضيف) .

(1/521)


يقال في اللغة نحن رسول وإنا رسول فقوله تعالى (إنا رسول ربك) تأتي مع البيان ومع سنن العربية وليس فيها مخالفة للغة. وفي سورة الزخرف لم يأتي ذكر (هارون) في سياق السورة كلها أصلا فقال تعالى (إني رسول رب العالمين). وهذه الآيات الثلاثة لا تعارض فيها وإنما هي لقصة واحدة ذهب موسى وأخاه هارون إلى فرعون وفي كل سورة جاء بجزء من القصة بما يقتضيه السياق في السورة وهذه اللقطات إنما هي مشاهد متعددة يعبر عن كل مشهد حسب السياق وليس في الآيات الثلاثة ما يخالف العربية لأن كلمة (رسول) تأتي كما قلنا سابقا مفرد وجمع. كذلك يستعمل القرآن الكريم كلمة (طفل) مرة و(أطفال) مرة حسب ما يقتضيه السياق ولا يخرج عن اللسان العربي وسنن العربية.
124- ما العلاقة بين الخوف من عدم القسط باليتامى والنكاح في آية سورة النساء؟
قال تعالى في سورة النساء (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا {3}) نزل الحكم في ولي اليتيم الذي تعجبه المرأة مالها وجمالها فيبخسها حقها طمعا بمالها فلا يعطيها مهرها الكافي، لذا جاءت الآية : إذا خفتم ألا تعولوا في إعطاء النساء اليتيمات حقهن فانكحوا غيرهن من النساء غير اليتيمات. وكان العرب يرغبون برعاية اليتيم واليتيمة فلما حذرهم الله من عدم العدل في مال اليتيم خافوا من رعاية اليتيم فوردت الآية أن يقيموا العدل بين النساء ويخافوه كما يخافوا عدم العدل في اليتيم.
125- ما الفرق في ترتيب الأهل بين سورتي عبس وسورة المعارج ؟

(1/522)


قال تعالى في سورة عبس (يوم يفر المرء من أخيه {34} وأمه وأبيه {35} وصاحبته وبنيه {36}) وقال في سورة المعارج (يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه {11} وصاحبته وأخيه {12} وفصيلته التي تؤويه {13} ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه {14}). وهذا الترتيب في الأهل يتناسب مع سياق الآيات ففي سورة عبس المشهد هو مشهد الفرار يخلو المرء بنفسه ويفر المرء أولا من الأبعد إلى الأقرب إلى قلبه يفر أولا من أخيه ثم من أمه وأبيه ثم من صاحبته وبنيه الذين هم أقرب الناس إلى قلبه. أما في سورة المعارج فالمقام مقام عذاب وليس فرار فيرى المرء مشهد عذاب فوق ما تصوره ولا يقبل المساومة فيبدأ يفدي نفسه بالأقرب إلى قلبه ثم الأبعد لذا بدأ ببنيه أعز ما عنده ثم صاحبته وأخيه ثم فصيلته ثم من في الأرض جميعا والملاحظ أنه في حالة الفداء هذه لم يذكر الأم والأب وهذا لأن الله تعالى أمر بإكرام الأب والأم ويمنع الإفتداء بالأم أو الأب من العذاب إكراما لهما.
126- لماذا وردت كلمة (كلا) في الجزء الثاني من القرآن ولم ترد أبدا في الجزء الأول؟
كلمة (كلا) وردت في الجزء الثاني من القرآن الكريم 33 مرة ولم ترد أبدا في الجزء الأول، وهي كلمة ردع وزجر وقد تكون جوابا من حيث الدلالة. وإذا نظرنا إلى سياق الآيات الأولى في القرآن الكريم نجد أن معظمها مدني ونزلت في الأحكام أما الجزء الثاني فمعظم سوره مكية وهي نزلت في أمور العقيدة والحساب والبعث لذا فسياق الجزء الأول لا يقتضي الزجر والأسئلة بينما الجزء الثاني يقتضي الزجر والردع والأسئلة. وفي قوله تعالى (كلا إن الإنسان ليطغى) جاءت كلمة (كلا) هنا بمعنى حقا .
127- ما دلالة كلمة (يهدي) في سورة يونس؟

(1/523)


قال تعالى في سورة يونس (قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون {35}) من حيث التكوين اللغوي لكلمة (يهدي) تعني يهتدي وحصل فيها إبدال معلوم التاء انقلبت دال مثل قوله (يخصمون) في سورة يس وهي (يختصمون) وكلمة (ازينت) وهي تزينت.
يبقى السؤال لماذا جاءت (يهدي) هي فيها تضعيف الدال بينما (يهتدي) ليس فيها تضعيف الدال والتضعيف يفيد المبالغة أي بالغ في عدم اهتداء هؤلاء. فلماذا بالغ هنا في الآية؟ هنا يتكلم عن الأصنام والأصنام ليست كالبشر لأنها غير قادرة على فعل شيء ولم يرد في القرآن نفي الهداية عن الأصنام إلا في هذه الآية. في كل القرآن ورد نفي الهداية عن البشر فجاء بلفظ يهتدي وتهتدي. وإذا فقد السمع والبصر مبالغة في عدم الهداية لذا المبالغة في عدم الهداية جاءت كلمة (يهدي) فكيف تهتدي الأصنام؟ لذا اقتضى المبالغة. وتوجد قراءة متواترة (يهدي).
128- ما دلالة استخدام (والله عزيز حكيم ) في آية سورة المائدة؟
قال تعالى في سورة المائدة (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم {38}) ولم يقل والله غفور رحيم لأنه تعالى لو قال "غفور رحيم" تدل على أنه لو غفر ورحم ما قطع ولكنه تعالى عز فحكم فقطع.

129- ما حكمة تكرار قوله تعالى (ولا أنتم عابدون ما أعبد) في سورة الكافرون ؟

(1/524)


قال تعالى في سورة الكافرون (قل يا أيها الكافرون {1} لا أعبد ما تعبدون {2} ولا أنتم عابدون ما أعبد {3} ولا أنا عابد ما عبدتم {4} ولا أنتم عابدون ما أعبد {5} لكم دينكم ولي دين {6}). النفي في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ورد مرتين ونفي في حالتين: الأولى نفى عن نفسه عبادة ما يعبد الكافرون بالجملة الإسمية والفعلية والفعل جاء بصيغة الماضي (ولا أنا عابد ما عبدتم) مرة والمضارع مرة أخرى (لا أعبد ما تعبدون) أما في حق الكافرين فجاء النفي في الجملة الإسمية فقط في قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وهذا يدل على إصرار الرسول عليه الصلاة والسلام وإيمانه بعقيدته أكبر وأثبت من إصرار الكافرين. وقد نفى الله تعالى عن الكافرين العبادة بالجملة الإسمية للدلالة على الثبوت ونفاها عن الرسول بالجملة الفعلية والإسمية دليل على إصراره على عبادة ربه على وجه الدوام وبالحدوث والثبوت وفي الحال والماضي. وجاءت الجملة الإسمية لأنه جاء إسمهم (قل يا أيها الكافرون) فجاء النفي بالجملة الإسمية لأنه جاء تعريفهم بالإسم (الكافرون).
130- لماذا وردت كلمة (يهتدي) بالياء في سورة النمل وبدون ياء في سورة الروم ؟

(1/525)


قال تعالى في سورة النمل (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون {81}) بذكر الياء وقال في سورة الروم (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون {53}) بحذف الياء ، أولا نقول أن خط المصحف لا يقاس عليه لكن مع هذا فهناك أمور أخرى هنا فلو لاحظنا لفظ (الهداية) في سورة النمل لوجدنا أنها تكررت 9 مرات بينما وردت في سورة الروم مرتين فقط فلما زاد ذكر كلمة (الهداية) في سورة النمل زاد في مبنى الكلمة للدلالة على زيادة السمة التعبيرية والتكرار، وهناك أمر آخر أنه في سورة النمل ذكر قسما من المهتدين (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين {77}) ثم حث تعالى الرسول - صلى الله عليه وسلم - على المضي في سبيله (فتوكل على الله إنك على الحق المبين {79}) أما في سورة الروم فالسياق ليس في الهداية أصلا ولم يذكر قسما من المهتدين بل الكلام عن المطر والأرض والرياح وغيرها، فعندما ذكر قسما من المهتدين زاد الياء وعندما لم يكن هناك شيء في السياق يدل على الهداية حذف الياء. ونظير هذا قوله تعالى في سورة الأعراف (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون {178}) بالياء وقوله في سورة الإسراء (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا {97}) وفي سورة الكهف (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه

(1/526)


ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا {17}) بدون ذكر الياء ولو لاحظنا آيات السور لوجدنا أن لفظ (الهداية) تكرر في سورة الأعراف 17 مرة وفي سورة الإسراء 8 مرات وفي سورة الكهف 6 مرات.
131- ما دلالة استعمال صيغة الفعل الماضي في أول سورة النحل؟
قال تعالى في بداية سورة النحل (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون {1}). الفعل الماضي في اللغة العربية ليس بالضرورة أن يكون لما قد حصل فقد يكون لما شارف الوقوع وقد يكون للمستقبل الذي سيقع بعد قرون كذكر أحداث يوم القيامة في القرآن (ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض)، وأحيانا يستعمل الفعل المضارع للماضي البعيد كقوله تعالى (فلم تقتلون أنبياء الله). الزمن في اللغة العربية ليس بالبساطة التي نتصورها فالفعل الماضي له 16 زمنا في اللغة. فما المقصود بقوله تعالى (أتى أمر الله)؟ هو ليس بالضرورة يوم القيامة فقد يكون النصر الذي أشرف على المجيء فلا تستعجلوه ولكنه تأكيد بأنه سيقع. يذكر الماضي للدلالة على التيقن من وقوعها كما يصف أحداث يوم القيامة (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) فالأحداث المستقبلية هي بدرجة تحققها مثل الأحداث التي حصلت هي بمنزلة ما مضى ليس في الفعل الماضي شك فهي بمنزلة ما مضى من الأحداث وهو حاصل وآت آت قد يكون اقترب أو شارف على الوقوع وقد يحتمل أن يكون النصر وقد يحتمل القيامة. كما نقول قد قامت الصلاة في أذان الإقامة.
132- ما دلالة استعمال صيغة (مأتيا) في قوله تعالى في سورة مريم (إنه كان وعده مأتيا)؟

(1/527)


قال تعالى في سورة مريم (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا {61}). يقصد بالوعد : جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بها ؛ والجنات تؤتى ولا تأتي فالجنات يذهبون إليها فهي مأتية وليست آتية فالوعد هو الجنة والآية في السورة في سياق الجنة.
133-ما دلالة تقديم الشتاء على الصيف والجوع على الخوف في سورة قريش؟
قال تعالى في سورة قريش (لإيلاف قريش {1} إيلافهم رحلة الشتاء والصيف {2} فليعبدوا رب هذا البيت {3} الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف {4} ) والمعروف أن حاجة الإنسان للطعام في الشتاء أكثر من الصيف والخوف في الصيف أكثر لأنه فيه يكثر قطاع الطرق والزواحف لذا قدم تعالى الشتاء على الصيف والجوع على الخوف وقال أيضا (أطعمهم) ولم يقل أشبعهم لأن الإطعام أفضل من الإشباع. ولقد جاءت سورة قريش بعد سورة الفيل للتركيز على الأمن في البيت الحرام بعد عام الفيل.
134- ما دلالة استخدام كلمة (يشعرون) في سورة يوسف؟
قال تعالى في سورة يوسف ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون {15}) باستخدام كلمة (يشعرون) وليس "يعلمون" لأنه أحيانا يعتري الإنسان شعور بشيء لكن ليس له علم به. وبالنسبة لإخوة يوسف لم ينتابهم الشعور بالقرابة أو المعرفة لذا نفى الله تعالى عنهم الشعور لأن نفي العلم لا ينفي الشعور أما نفي الشعور فينفي العلم وهم لم ينتابهم شعور مطلقا.
135- ما دلالة كلمة (حكما) في سورة يوسف؟

(1/528)


قال تعالى في سورة يوسف (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين {22} ) الحكم يأتي بمعنى الحكمة وبمعنى القضاء وليس بالضرورة لمن أوتي العلم أن يكون حكيما أو قاضيا وقد يكون العكس لكن الله تعالى جمع ليوسف - عليه السلام - الحكمة والعلم والقضاء.
136- ما الفرق بين استغفار يوسف لإخوته واستغفار يعقوب لأبنائه في سورة يوسف؟
قال الله تعالى على لسان يوسف - عليه السلام - (قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين {92}) وقال على لسان يعقوب - عليه السلام - (قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم {98}) ولو نظرنا في سياق الآيات وموقف إخوة يوسف معه لوجدنا أنهم قالوا (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين {91}) هم لم يسألوه المغفرة وإنما هو الذي دعا لهم بالمغفرة دون أن يسألوه حتى أنهم لم يذكروا الخطيئة التي ارتكبوها بحق يوسف كما فعلوا مع أبيهم (وإن كنا لخاطئين) وإنما جاءت (إن) مخففة. أما مع أبيهم قالوا (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين {97}) وجاءت (إنا) مشددة ويعقوب - عليه السلام - لم يستغفر لهم ولكن وعدهم بالإستغفار لأن فعلتهم مع يوسف لم تكن عاقبتها على يوسف كما كانت على أبيهم فيوسف - عليه السلام - أصبح عزيز مصر وبيده الأمر والنهي أما تأثير فعلة إخوة يوسف على أبيهم فكان أعظم لأنه أصيب بالعمى والأسى والحسرة على ولده ولا يزال قلب يعقوب - عليه السلام - فيه أسى وفي نفسه شيء كثير من الحزن والأسى لذا أجل الإستغفار في قوله (قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم {98}) أما يوسف - عليه السلام - فقال لهم (قال لا تثريب

(1/529)


عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين {92}) لأنه استفاد من فعلة إخوته معه.
137- ما دلالة التذكير والتأنيث في كلمة (صواع) في سورة يوسف؟
قال تعالى في سورة يوسف (قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم {72}) و (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم {76}) فاستخدمت كلمة (صواع) مرة مذكرة ومرة مؤنثة. وبعض الكلمات تأتي مؤنثة ومذكرة فكلمة (العاقبة) مثلا تذكر إذا استعملت للعذاب وتؤنث إذا استعملت للصيحة. في اللغة التأنيث هو للمجاز ويسمى (مؤنث مجازي).
138- ما دلالة كلمة (كريم) في قوله تعالى (وله أجر كريم) في سورة الحديد ؟
قال تعالى في سورة الحديد (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم {11} ) الكلام في السياق عن القرض والأجر الكريم هو الأجر الحسن البالغ الحسن. وقد جاء في آية سابقة في السورة نفسها قوله تعالى (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير {7}) وفي الآية طلبين هما: آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا وبما أن الدائرة اتسعت وكبرت كبر الأجر أيضا.

(1/530)


أما في آية سورة البقرة (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون {245}) هنا لم يرد (أجر كريم) أو (كبير) لذا جاءت أضعافا مضاعفة ففي آية سورة الحديد عوض عن الأضعاف الكثيرة بـ (له أجر كريم).
139- ما دلالة استخدام صيغة اسم الفاعل في كلمة (الكاذبين) و(المنافقين) في سورة العنكبوت؟
قال تعالى في سورة العنكبوت (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين {3}) و (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين {11}) فجاءت (الذين صدقوا) و(الذين آمنوا) بصيغة الفعل وجاءت كلمة (الكاذبين) و(المنافقين) بصيغة اسم الفاعل. هناك قاعدة في اللغة : إن الإسم أقوى وأثبت وأدوم من الفعل. والآية نزلت في قوم قريبي عهد بالدين والتكاليف، (الذين صدقوا والكاذبين) الكاذبين هم الأصل أي الكفرة فهل صدقوا إيمانهم أم بقوا على حالهم؟ الكلام في عموم المنافقين الذي أحدث إيمانا.
140- ما دلالة استخدام كلمة (الكذب) معرفة في سورة الصف وقد وردت نكرة في مواضع أخرى؟

(1/531)


قال تعالى في سورة الصف (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين {7}). التعريف في النحو هو ما دل على شيء معين (إزالة الإشتراك عن الشيء) أما التنكير فهو عام. في الآيات القرآنية التي وردت كلمة (الكذب) فيها بالتعريف هي آيات خاصة بأمر معين أما التي وردت فيها كلمة (كذب) بالتنكير فهي تتعلق بأمر عام. مثال في استخدام كلمة (الكذب) بالتعريف في القرآن قوله تعالى في سورة آل عمران (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين {93} فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون {94}) الكذب هنا متعلق بالمسألة في الآية أما في قوله تعالى في سورة الكهف (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا {15}) ليس هناك أمر خاص وإنما هو أمر عام لذا جاءت كلمة (كذب) بالتنكير.
141- لماذا قدم البصر على السمع في آية سورة الكهف وآية سورة سورة السجدة؟

(1/532)


قال تعالى في سورة الكهف (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا {26}) وقال في سورة السجدة (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون {12}) والمعلوم أن الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم من البصر في التكليف والتبليغ لأن فاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه ، ثم إن مدى السمع أقل من مدى البصر فمن نسمعه يكون عادة أقرب ممن نراه، بالإضافة إلى أن السمع ينشأ في الإنسان قبل البصر في التكوين. أما لماذا قدم البصر على السمع في الآيتين المذكورتين فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد ولجأوا إلى ظلمة الكهف لكيلا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في ظلمة الكهف وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه القوم إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقديم البصر على السمع في الآية.
وكذلك في آية سورة السجدة، الكلام عن المجرمين الذين كانوا في الدنيا يسمعون عن القيامة وأحوالها ولا يبصرون لكن ما يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظن ولو تيقنوا لآمنوا أما في الآخرة فقد أبصروا ما كانوا يسمعون عنه لأنهم أصبحوا في مجال اليقين وهو ميدان البصر (عين اليقين) والآخرة ميدان الرؤية وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخبر كالمعاينة. فعندما رأوا في الآخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضى تقديم البصر على السمع.

142- ما الفرق بين استخدام كلمة (ينصرون) في سورة البقرة وكلمة (ينظرون) في سورة البقرة وآل عمران؟

(1/533)


قال تعالى في سورة البقرة (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون {86}) وقال في سورة البقرة أيضا (خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون {162}) وفي سورة آل عمران (خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون {88})
لو نظرنا في سياق الآيات في سورة البقرة التي سبقت آية 86 لوجدنا الآية (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون {84} ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون {85}) فالآيات تتكلم عن القتال والحرب والمحارب يريد النصر لذا ناسب أن تختم الآية 86 بكلمة (ينصرون) أما في الآية الثانية في سورة البقرة وآية سورة آل عمران ففي الآيتين وردت نفس اللعنة واللعنة معناها الطرد من رحمة الله والإبعاد والمطرود كيف تنظر إليه؟ كلمة (ينظرون) تحتمل معنيين : لا يمهلون في الوقت ولا ينظر إليهم نظر رحمة ؛ فإذا أبعد الإنسان عن ربه وطرد من رحمة الله فكيف ينظر إليه فهو خارج النظر فلما ذكر الآيتين في سورة البقرة وسورة آل عمران استوجب ذكر (ينظرون).

(1/534)


143- ما دلالة استخدام الضمير (هو) في آية سورة الحج (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير {62}) وعدم استخدامه في آية سورة لقمان؟
قال تعالى في سورة الحج (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير {62}) وفي سورة لقمان (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير {30})
لو نظرنا في سياق سورة الحج نرى أنها تتكلم عن الصراع مع أهل الباطل من قوله تعالى (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم {51}) إلى قوله (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين {58}) ونتاج الصراع بين الحق والباطل الهجرة من الديار والقتل والموت وأنصار الباطل يسعون إلى إطفاء نور الله ، أما السياق في سورة لقمان فهو غير ذلك أصلا ليس فيه قتال أو إخراج من الأرض وإنما هو في معرض النقاش فقط. أهل الباطل في سورة الحج محاربون معاندون متكتمون لذا وجب التأكيد على الباطل حتى يبعدهم عنه فقال تعالى (هو الباطل) باستخدام ضمير الفصل لأنه آكد من عدمه وضمير الفصل من جملة معانيه التوكيد.

(1/535)


كما أنه ذكر تعالى في سورة الحج من يدعون من دون الله من المعبودات الباطلة (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد {12} يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير {13}) (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق {31}) (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير {71}) (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب {73}) فالكلام مستمر على ما يدعون من دون الله فأراد تعالى أن يؤكد أن هذا هو الباطل.
والأمر الآخر أن الضمير (هو) من الناحية اللفظية في سمة التعبير ورد في سورة الحج 13 مرة وفي لقمان ورد 7 مرات فقط لأن السمة التعبيرية في السياق لها أثرها أيضا فكأنما ورد في سورة الحج ضعف ما ورد في سورة لقمان. وضمير الفصل أصلا ذكر في الحج 8 مرات وفي لقمان 3 مرات. إذن فمن كل النواحي السمة التعبيرية أو البلاغية أو غيرها ذكر (هو) في آية سورة الحج أكثر مما يقتضيه في سورة لقمان.
144- ما وجه الإختلاف من الناحية البيانية بين قوله (فسوف تعلمون) في سورة الأنعام و(سوف تعلمون) في سورة هود؟

(1/536)


قال تعالى في سورة الأنعام (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون {135}) وسورة الزمر (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون {39}) وقال في سورة هود (ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب {93}) وعلينا أن نلاحظ القائل في كلا الآيتين ففي آية سورة الأنعام الله تعالى هو الذي أمر رسوله بالتبليغ ؛ أمره أن يبلغ الناس كلام ربه وهذا تهديد لهم ؛ فأصل التأديب من الله تعالى أما في آية سورة هود فهي جاءت في شعيب وليس فيها أمر تبليغ من الله تعالى فالتهديد إذن أقل في آية سورة هود ولهذا فقد جاء بالفاء في (فسوف تعلمون) في الآية التي فيها التهديد من الله للتوكيد ولما كان التهديد من شعيب حذف الفاء (سوف تعلمون) لأن التهديد أقل.
وفي القرآن الكريم أمثلة أخرى على استخدام وحذف الفاء الدالة على التوكيد كما في قوله تعالى في سورة البقرة (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون {262}) وفي آية أخرى (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون {274}) فالآية الثانية جاء فيها بالفاء لأن الذين ينفقون هم ينفقون ليلا ونهارا وسرا وعلانية فهي تحتاج لتوكيد أكبر من الأولى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله.

(1/537)


وكذلك قوله تعالى في سورة آل عمران (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين {91}) وقوله في سورة آل عمران أيضا (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون {90}) فالآية الأولى تتحدث عن قوم ماتوا وانتهوا ولن يقبل منهم توبة بعد الموت أما الآية الثانية فهي تتحدث عن قوم كفروا ولم يموتوا ومجال التوبة ما زال مفتوحا أمامهم. الفاء هنا تقع في جواب اسم الموصول لشبهه بالشرط فجاءت الفاء زيادة للتوكيد.
وكذلك قوله تعالى في سورة البروج (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق {10}) وقوله في سورة البقرة (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون {277}).
145- لماذا قدم تعالى الخبيثات على الخبيثين في سورة النور؟

(1/538)


قال تعالى في سورة النور (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم {26}) وإذا نظرنا إلى السياق في السورة وجدنا أن الكلام في السورة عن النساء ورميهن بالإثم والقذف ورمي الأزواج لأزواجهم (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون {4}) (إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم {11}) وقوله تعالى (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم {23}) وقد جاء في بداية السورة (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين {2}) بتقديم الزانية على الزاني لأن الفعلة تأتي من النساء أولا ثم إن بعض النساء تحترف هذه المهنة ولا يحترفها رجل.
146- ما دلالة اللام في قوله (لجعلناه حطاما) في سورة الواقعة وحذفها في (جعلناه أجاجا) وفي النار (جعلناها تذكرة)؟

(1/539)


قال تعالى في سورة الواقعة (أفرأيتم ما تحرثون {63} أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون {64} لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون {65}) والآية تتحدث عن الزرع أما الآية الثانية (أفرأيتم الماء الذي تشربون {68} أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون {69} لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون {70}) فهي تتحدث عن الماء والآيتان فيهما تهديد الأولى : أنه تعالى لو شاء يجعل الزرع حطاما فلا يمكن أن يكون طعاما أو يستفاد منه وهذه عقوبة أشد من جعل الماء أجاج لأن الماء الأجاج يمكن أن يحول إلى ماء عذب والتهديد لم يأت في الآية بغور الماء كليا كما في تهديد جعل الزرع حطاما فكانت العقوبة في الزرع أشد من العقوبة في الماء فجاء باللام لتأكيد التهديد في آية الزرع وحذفها من آية التهديد بالماء وهذه اللام تسمى (لام المؤكدة) . أما في النار فلم يذكر تحذيرا أو تهديدا وإنما ذكر حالتها فقط (أفرأيتم النار التي تورون {71} أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون {72} نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين {73}) لم يقل "لو نشاء لذهبنا بها" لأن الناس يمكن أن يعيشوا بلا نار لكن لا يمكنهم أن يعيشوا بلا طعام أو ماء.
147- ما دلالة قوله تعالى في سورة يس (فعززنا بثالث) ولماذا لم يشير إلى إرسال ثلاثة رسل معا؟

(1/540)


قال تعالى في سورة يس (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون {14}) والآية تشير أن الله تعالى أرسل رسولين أول مرة فكذبهما القوم فقواهما تعالى برسول ثالث ولم يرسل الثلاثة معا من أول مرة. أما دلالة استخدام (عززنا) بدل (عززناهما) تفيد أن التعزيز ليس للرسل أنفسهم وإنما التعزيز يكون للدعوة التي يدعو الرسل لها وليس للرسولين بنفسيهما.
148- ما الفرق بين قوله تعالى (وواعدنا موسى أربعين ليلة) وقوله (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)؟

(1/541)


قال تعالى في سورة البقرة (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون {51}) وقال في سورة الأعراف (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين {142}) آية فيها إجمال وآية فيها تفصيل لكن لماذا الإجمال في موضع والتفصيل في موضع آخر؟ لو عدنا إلى سياق سورة البقرة نجد أنه ورد فيها هذه الآية فقط في هذا المجال بينما في المشهد نفسه في سورة الأعراف فيه تفصيل كبير من قوله تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين {142}) إلى قوله (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين {145}) الكلام طويل والقصة والأحداث في المواعدة مفصلة أكثر في الأعراف ولم تذكر في البقرة لأن المسألة في البقرة فيها إيجاز فناسب التفصيل في سورة الأعراف والإيجاز في سورة البقرة لذا جاء في الأعراف أن موسى - عليه السلام - صام ثلاثين يوما ثم أفطر فقال تعالى صم فصام عشرة أيام أخرى أما في سورة البقرة فجاءت على سبيل الإجمال (أربعين يوما).
149- ما دلالة الحروف المقطعة في أوائل بعض السور في القرآن الكريم؟

(1/542)


القدماء انتبهوا أن السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة بنيت على ذلك الحرف فمثلا سورة ق تتكرر فيها الكلمات التي فيها حرف القاف مثل (قول، رقيب، القرآن، تنقص، ألقينا، باسقات، الخلق) وكذلك سورة ص تكثر فيها الكلمات التي فيها حرف الصاد مثل (مناص، اصبروا، أصحاب، صيحة، فصل، الخصم) حتى أنهم جعلوا إحصائية في (ألر) وقالوا أنها تكررت فيها الكلمات التي فيها (ألر) 220 كلمة هذا قول القدامى. وقال الزمخشري : لو نظرنا في عدد الحروف (14) حرفا تمثل نصف حروف المعجم وجاءت في 29 سورة وهي عدد حروف المعجم وأخذت من المهموسة نصفها ومن الشديدة نصفها ومن المطبقة نصفها ومن المستعلية نصفها ومن القلقلة نصفها ومن الرخوة نصفها ومن المستقرة نصفها ومن المنقحة نصفها وهكذا.
وقسم قال أنه تشتمل على أنصاف الأحرف مثلا كل سورة بدأت بـ (ألم) تذكر بدء الخلق (حرف الألف) ووسط الخلق (حرف اللام) ونهاية الخلق (حرف الميم). وقسم قالوا أن كل السور التي تبدأ بحرف (ط) تبدأ بقصة موسى أولا. وهناك من جعل منها معادلة رياضية فقال أن كل سورة فيها (ألم) نسبة الحروف ألف إلى لام تساوي نسبة الحروف لام إلى ميم.
وقسم يجمع الحروف في جمل وقسم أجروها على الطوائف فجعلوا من الأحرف الأربعة عشر جملا متعددة وقسم جعلها رموزا لأمور ستقع مثلما قالوا في (حم عسق) في تفسير ابن كثير إشارة إلى أمور في أحد من آل بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقسم كانوا يجمعون على حساب الجمل فيجعلون الألف واحد.
والذي عليه الكثيرين أن القرآن مؤلف من أجناس هذه الأحرف التي تتحدثون بها وجاء بكلام معجز من جنس كلامهم فأتوا بمثله إن استطعتم. والسلف كانوا يوكلون معاني هذه الأحرف لله تعالى.
150- ما دلالة كلمة (لنعلم) في آية سورة الكهف (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا {12})؟

(1/543)


يتساءل السائل لماذا جاءت كلمة (لنعلم) مع أن الله تعالى يعلم كل شيئا مسبقا؟ قال تعالى في سورة الكهف (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا {12}) والعلم قسمان : قسم يتعلق به الجزاء وقسم يعلمه الله ابتداء لا يتعلق بالجزاء. ما يفعله الإنسان هو من علم الله لكن حتى ما فعله الإنسان يتعلق به الجزاء وهناك علم آخر سابق والله يعلم في القدر كل شيء وهو العلم الذي قضاه الله تعالى وما يفعله الإنسان وما يعلمه هو تصديق لعلم الله هذا. وقوله تعالى (لنعلم أي الحزبين) يعني لنعلم أي منهم يعلم الحقيقة لأن هناك ثلاثة أقوال كل قسم قال شيئا فمن الذي يعلم الحقيقة؟ الله تعالى ؛ هذا العلم الذي يقوله بعد الوقوع لأنه علم ذلك قبل الوقوع. إذن هناك علمان :
1- علم سابق قديم الذي سجل فيه الله تعالى القدر
2- وعلم لاحق يحقق هذا العلم وهو الذي يتعلق به الجزاء.
151- ما المقصود بكلمة (أهل) في قوله تعالى (إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجز أهل البيت)؟
قال تعالى في سورة الأحزاب (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا {33}) يستعمل القرآن الكريم كلمة (أهل) للأزواج وهذه الآية ليست الوحيدة في القرآن التي وردت فيها كلمة (أهل) . فقد جاء في قوله تعالى (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) في قصة إبراهيم - عليه السلام -، وفي قصة امرأة العزيز (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا) وفي قصة موسى - عليه السلام - (وسار بأهله). إذن (أهل) هي الأزواج كما وصفها القرآن وفي اللغة أيضا.

(1/544)


152- لماذا جاء ذكر إبليس مع الملائكة عندما أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم مع العلم أن إبليس ليس من جنس الملائكة؟
الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم في آية سورة البقرة (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين {34}) وأمر إبليس على وجه الخصوص في آية سورة الأعراف (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين {12}) فليس بالضرورة أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود مع الملائكة لكنه تعالى أمر الملائكة بالسجود كما في آية سورة البقرة وأمر إبليس وحده بالسجود لآدم أمرا خاصا به في آية أخرى (آية سورة الأعراف).
153- ما دلالة استخدام صفة المذكر في قوله تعالى في سورة يوسف (وقال نسوة في المدينة)؟
تذكير الفعل يستعمل مع جمع التكسير ليفيد القلة كما جاء في الآية في سورة يوسف (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين {30} ) لأن النسوة كانوا قلة وهذا بخلاف تأنيث الفعل فإنه يفيد الكثرة كما قال تعالى في آية أخرى في سورة الحجرات (قالت الأعراب آمنا) (قالت) تفيد الكثرة هنا لأن الأعراب كثرة وفيهم قبائل متعددة فتاء التأنيث في الفعل تفيد التكثير، وفي القرآن الكريم أمثلة متعددة على التذكير والتأنيث في الأفعال بما يفيد القلة والكثرة .
154- ما الفرق بين قوله تعالى في سورة يوسف (ذلك من أنباء الغيب) وفي سورة هود (تلك من أنباء الغيب)؟

(1/545)


كلمة (القصص) مذكر مثل كلمة (عدد) وكلمة (قصص) مذكر وهي ليست جمع قصة وإنما (القصص) هنا بمعنى السرد أي بمعنى اسم المفعول أي المقصوص. وقد جاء في سورة يوسف قوله تعالى في أول السورة (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين {3}) وهي قصة واحدة هي قصة يوسف - عليه السلام - فجاءت الآية باستخدام (ذلك) (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون {102})، أما في سورة هود فقد جاء فيها مجموعة من قصص الأنبياء فاقتضى أن تأتي الآية باستخدام (تلك) (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين {49}).
155- ما دلالة تركيبة (ألم تر) في قوله تعالى في سورة الفيل (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)؟
(ألم تر) فيها دلالتان لغويتان: فقد تكون استفهام عن الرؤية القلبية أو البصرية بمعنى : ألم تر فلان؟ رؤية بصرية أو قلبية لكن عندما نقول: "ألم تر إلى " أو " ألم تر كيف " تكون بمعنى التعجيب كما جاء في قوله تعالى في سورة الفرقان (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا {45}) بمعنى ألم ينته علمك إلى ذلك؟ ألم تعلم؟ لأن (ألم تر كيف) و(ألم تر إلى) لها دلالة أخرى غير الدلالة التي نسأل فيها ألم تر فلان؟.

156- ما دلالة الواو في قوله تعالى (وويل للكافرين من عذاب شديد)؟
قال تعالى في سورة إبراهيم (الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد {2}) الواو هنا ليست للعطف وإنما هي إستئنافية.

(1/546)


157- ما دلالة استخدام صيغة المبالغة في قوله تعالى (وما ربك بظلام للعبيد) علما أن صيغ المبالغة لا تنفي الحدث؟
يتساءل السائل عن أن الآية تنفي أن يكون الله تعالى ظلاما فهل هذا النفي يشمل أن يكون ظالما حاشاه سبحانه؟. الحقيقة أنه لو أن أي شخص ظلم مجموعة من الناس حتى لو كان الظلم بسيطا يكون ظلاما وليس ظالما فإذا كثر المظلومون أصبح ظلاما أما إذا ظلم شخصا واحدا مرة فيكون ظالما والملاحظ في الآية أن الله تعالى قال (وما ربك بظلام للعبيد) أي جاء بصيغة الجمع في كلمة (العبيد) والعبيد جمع كثرة أصلا كما قال في آية أخرى (علام الغيوب) باستخدام (الغيوب) وهي جمع كثرة. إذن عندما يجمع الصفة ويبالغ بها أي يستخدم صيغة المبالغة كما في الآيتين وإذا أفرد يفرد الصيغة كما قال تعالى (عالم الغيب) ولم يقل عالم الغيوب. وهناك رأي آخر أن هذا هو النسب أي أنه ليس بذي ظلم كما يقال في اللغة (لبان) للنسب لأن صيغة فعال تأتي للنسب. وإذا أخذنا الرأيين نجد أنهما يقتضيان استخدام صيغة المبالغة في ظلام.
وقد قلت سابقا حول استخدام صيغة المبالغة (علام الغيوب): أن (علام) تأتي لتفيد الكثرة مع كلمة (الغيوب) التي هي جمع ولم يقل تعالى (عالم) مع (الغيوب) ، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى (خالق بشرا) خالق لبشر واحد (تفيد الحدوث بالمخلوق) ولم يقل (خلاق) إلا عندما اقتضى المبالغة في السموات والأرض (بلى وهو الخلاق العليم). فصفاته سبحانه كلها مطلقة وتدل على الثبوت مثل غافر الذنب، قابل التوب.
158- لماذا حدد المكان ولم يحدد الزمان في الآية الأخيرة من سورة لقمان؟

(1/547)


قال تعالى في آخر سورة لقمان (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير {34} ) وإذا نظرنا إلى سياق الآيات نجد أن الإنتقال من أرض إلى أرض والإنتقال في الفلك هو السياق ثم بعدها قال تعالى ماذا غشيهم (موج) في قوله (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور {32}) فلما نجاهم إلى البر أي أن كل سياق الآيات تفيد الإنتقال من مكان إلى مكان لذا ناسب ذكر المكان في الآية وجاءت بأي أرض تموت هل في البحر أم في الأرض.
159- ما دلالة (لا) في آية سورة النمل (لا يحطمنكم سليمان وجنوده)؟
(لا) هنا من باب النهي وليس النفي مثل قوله تعالى (لا تغرنكم الحياة الدنيا) على رأي أكثر المفسرين بمعنى لا تتعرضوا لأن يحطمكم سليمان وجنوده. وهذا على خلاف ما جاء في قوله تعالى (لا تخاف دركا ولا تخشى) حيث أن (لا) هنا للنفي. حتى في آية سورة النمل يمكن أن تكون (لا) للنفي أيضا والله أعلم.
160- ما الفرق بين النصيب والكفل من حيث المعنى ودلالة استخدامهما في القرآن؟

(1/548)


قال تعالى في سورة النساء (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا {85}) من معاني الكفل في اللغة النصيب المساوي ومنها المثل. أما النصيب فهو مطلق وليس له شيء محدد. وفي القرآن الكريم استخدمت كلمة (كفل) عند ذكر السيئة (له كفل منها) لأن السيئات تجزى بقدرها بدليل قوله تعالى (ومن عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) ، أما الحسنة فتضاعف لذا جاءت كلمة (نصيب) مع الحسنات لأن الحسنة لها نصيب أكثر من السيئات.
161- ما دلالة استخدام (ما) أو حذفها في قوله تعالى (حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم) وقوله (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها)؟
قال تعالى في سورة فصلت (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون {20} ) وهذا من غرائب الأمور أن يشهد السمع والبصر والجلود على الناس ولذا اقتضى استخدام (ما) للتوكيد ، أما في سورة الزمر فقد جاءت الآية (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين {71}) وهنا الأمر عادي إذا جاءوا فتحت الأبواب.د

162- لماذا جاءت كلمة (ينفعونكم) مقيدة و(يضرون) مطلقة في قوله تعالى (أو ينفعونكم أو يضرون)؟
قال تعالى في سورة الشعراء (أو ينفعونكم أو يضرون {73}) النفع يريده الإنسان لنفسه أما الضر فلا يريده الإنسان لنفسه إنما يريده لعدوه أو أنه يخشى أن يلحق به الضرر وعلى هذا فالنفع موقع تقييد والضر موضع إطلاق.

(1/549)


163-لماذا جمعت كلمة (المرافق) في آية الوضوء وجاءت (الكعبين) بالتثنية؟
قال تعالى في سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون {6})، المرافق : جمع وهما مرفقان ولا إشكال فيها فكل يد لها مرفق واحد أما كل رجل فلها كعبين ولو قال تعالى (الكعوب) لما دل ذلك على وجوب غسل الكعبين فلو غسلوا كعبا واحدا لكفاهم لكن الله تعالى أراد أن يغسل كل واحد من المخاطبين إلى الكعبين.
164- ما دلالة استخدام صيغة الماضي في قوله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)؟
(كان) في اللغة قد تكون للماضي أو للماضي المستمر وقد تأتي للإستقبال وفي كل صيغة تفيد معنى خاصا:.
* (كان) لها أزمنة مؤكدة بمعنى (ما يزال) . وهذه تكون في صفات الله تعالى كقوله تعالى (كان الله غفورا رحيما) بمعنى أن كونه هو غفور رحيم. وكذلك في صفات الشيطان (إن كيد الشيطان كان ضعيفا).
* وتأتي بمعنى (الحالة) كقوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وقوله كما في الآية موضع السؤال (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا).
* وقد تكون للمستقبل كقوله تعالى (وكنتم أزواجا ثلاثة) وقوله (فكانت هباء منثورا) هذا في المستقبل يوم القيامة.

(1/550)


* وقد تكون بمعنى (صارت في المستقبل) كقوله تعالى (وسيرت الجبال فكانت سرابا)
* وقد تكون بمعنى ينبغي.

165- كيف يحدد تذكير الأعداد أو تأنيثها؟
تذكير الأعداد وتأنيثها أقدم من اللغة العربية وهي من اللغة السامية. وبشكل عام إذا كانت الأعداد بين 1 و2 يطابق (واحد، إثنان) وإذا كان العدد بين 3 إلى 10 يخالف (ثلاثة، أربعة ، خمسة ، عشرة) وهذه في الأصل أسماء بلا معدود.
في العربية الأصل التذكير والتأنيث هو الذي له علاقة وليس للتذكير علاقة. (واحد - إثنان) مذكر ويقال رجل واحد ورجلان اثنان، أما (ثلاثة – أربعة ..) هي الأصل فتأتي مع الأصل وهو المذكر فنقول ثلاثة رجال وأربعة رجال.
166- ما الفرق من الناحية البيانية بين فعل (أنزل) و(نزل) وبين (أنزل إليك) و(أنزل عليك) ؟
(أنزل) على صيغة أفعل و(نزل) على صيغة فعل وهي تفيد التكثير كقوله تعالى (تفجر لنا من الأرض ينبوعا) وقوله (فتفجر الأنهار) استعمل صيغة (تفجر) للينبوع والصيغة التي تفيد التكثير (تفجر) للأنهار لأنها أكثر. كما أن فعل تفيد التدرج كما جاء في سورة آل عمران (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل، آية 2) وقوله تعالى (وأنزل التوراة والإنجيل) وقوله تعالى (والكتاب الذي نزل على رسوله) هنا التنزيل كان منجما وصيغة (نزل) تفيد الإهتمام، أما في قوله تعالى (وأنزل التوراة والإنجيل) جاء الفعل (أنزل) لأنه نزل جملة واحدة.
وعلى هذا النحو الفرق بين فعل (وصى) الذي يستخدم للأمور المعنوية وفعل (أوصى) للأمور المادية.
ثم إن استخدام (أنزل إليك) أو (أنزل عليك) لها دلالتها أيضا. (نزله إليك) لم تستعمل إلا للعاقل كما جاءت في القرآن للتعبير عن الرسول (نزل إليكم) ، أما (عليك) فتستعمل للعاقل وغير العاقل كما في قوله تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) وقوله تعالى (نزله على قلبك).

(1/551)


وفي العقوبات لم يستعمل إلا (على) ولم تأتي (إلى) مع العقوبات.
167- لماذا استخدمت كلمة (إبليس) مع آدم ولم تستخدم كلمة الشيطان؟
قال تعالى في سورة البقرة (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين {34}) وفي سورة الأعراف (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين {11}) إبليس هو أبو الشياطين كما إن آدم أبو البشر وبداية الصراع كان بين أبو البشر وأبو الشياطين ، والشيطان يطلق على كل من كان كافرا من الجن أي على الفرد الكافر من الجن.

168- على ماذا تعود الضمائر في آية رقم 9 من سورة الفتح؟
قال تعالى في سورة الفتح (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا {8} لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا {9}) الإيمان جاء مستغرقا بالله ورسوله (لتؤمنوا بالله ورسوله) ثم جاء العطف (وتعزروه وتوقروه) وهذا للرسول ثم (تسبحوه بكرة وأصيلا) يعود الضمير على الله فلماذا هذه الصيغة؟ والجواب أن المفسرين رجحوا أن " تعزروه وتوقروه " تأتي بمعنى التعظيم والضمير فيهما يعود على الله تعالى والضمائر في الآية كلها عائدة على الله تعالى. وهناك قسم من المفسرين قالوا أن الضمير في (تعزروه وتوقروه) تعود على الرسول وباقي الضمائر كل منها عائد على ما يخصها.
169- ما دلالة كلمة (ويكأنه) في سورة القصص؟

(1/552)


قال تعالى في خواتيم سورة القصص (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون {82}). وي: اسم فعل مضارع بمعنى (أعجب) ، كأن: للتشبيه. وقد وردت في سورة القصص مرتين في قصة قارون عندما خسف به الله تعالى الأرض فقال القوم هذه الكلمة وكأنهم لا يتصورون هذه الخاتمة فتعجبوا لمصير قارون فجاءت كلمة (وي) التي تدل على المبالغة في التعجب وهي من أسماء الأفعال التي فيها مبالغة وتعجب إضافة إلى المبالغة ، فالأمر الذي كان غائبا عن ذهنهم وجدوه أمامهم فقالوا عجبا لهذا الأمر.
170-لماذا استعمل القرآن كلمة (سيق) للكافرين وللمؤمنين في سورة الزمر؟

(1/553)


قال تعالى في سورة الزمر (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين {71}) و (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين {73}) ليس غريبا أن يؤتى بفعل يشمل الجميع فكل النفوس تساق بدون استثناء كما في قوله تعالى (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد {21} سورة ق) لكن المهم أين يساق كل مجموعة والجهة التي تساق إليها. إذن كلهم يساقون لكن المهم جهة السوق فهؤلاء يساق بهم إلى الجنة وهؤلاء يساق بهم إلى النار تماما كما يستعمل القرآن كلمة (ادخلوا) فهي تقال للجميع لكن المهم أين سيدخلوا الجنة أو النار، وكلمة (خلق) أيضا عامة للجميع وكذلك كلمة (الحشر). فليس المهم لفعل وإنما متعلق الفعل.

171- ما دلالة الواو في قوله تعالى (والنجوم مسخرات بأمره) في سورة النحل؟
قال تعالى (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون {12}) الواو إما عطف جملة على جملة وإما إستئنافية.
172- ما دلالة كلمة ( منسأته ) في آية سورة سبأ ؟

(1/554)


قال تعالى في سورة سبأ (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين {14})، والمنسأة : هي العصى ، (نسأ) في اللغة لها دلالتين : نسأ البعير إذا جره وساقه ، والمنسأة : هي عصى عظيمة تزجر بها الإبل لتسوقها و(نسأ) بمعنى أخر الشيء (النسيء). فلماذا إذن استعمل كلمة (منسأة) ولم يستعمل كلمة (عصى)؟ قلنا أن (المنسأة) لها معنيين وهما : سوق الإبل والتأخير ؛ وفي قصة سليمان هذه العصى كانت تسوق الجن إلى العمل مع أن سليمان كان ميتا إلى أن سقطت العصى وسقط سليمان (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) فكما أن الراعي يسوق الإبل لتسير فهذه المنسأة كانت تسوق الجن. والمنسأة كأنها مدت حكم سليمان فهي أخرت حكمه إلى أن سقط. فاستعمالها في قصة سليمان أفاد المعنيين واستعمالها من الجهتين اللغويتين في غاية البيان من جهة السوق ومن جهة التأخير.
أما في قصة موسى فاستعمل كلمة العصى (قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى {18}) ليهش بها على غنمه وبها رحمة بالحيوان وعكس الأولى ولا يناسب استخدام كلمة منسأة.
173- ما دلالة ذكر (الجبال) مع السموات والأرض في آية الأمانة في سورة الأحزاب مع أن الجبال من الأرض؟

(1/555)


قال تعالى في أواخر سورة الأحزاب (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا {72})، من حيث الحكم النحوي هذا ما يسمى عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين {238} سورة البقرة) والصلاة الوسطى مشمولة في الصلوات لكن لأهميتها وعظمة شأنها ذكرت وحدها، وقوله تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين {98} سورة البقرة) وجبريل من الملائكة وذكره يفيد رفعة منزلته عند الله، وكذلك قوله تعالى (فيهما فاكهة ونخل ورمان {68} سورة الرحمن) والنخل والرمان من الفاكهة وهي فاكهة أهل الجنة. فمن حيث التكييف اللغوي جائز لكن لماذا يؤتى بها؟
ذكر تعالى (الجبال) لأنه أعظم مخلوقات الأرض هذا أمر .
والأمر الآخر : أن الأمانة ثقيلة وذكر الجبال مناسب للأمانة. ثم من قال أن الأرض خاصة بالجبال فقط فكل الأجرام فيها جبال والأمر الآخر أن الجبال هي رواسي الأرض (خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم {10}سورة لقمان) فوظيفة الجبال أن تثبت الأرض كيلا تميد وكذلك المؤمنون (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء {27} سورة إبراهيم) تزول الجبال ولا تزول الأمانة لأنه في الآخرة تثبت المؤمنين على الصراط فهي أرسى من الجبال.

(1/556)


174- أين جواب الشرط في الآية (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون {38} سورة البقرة)؟
فإما يأتينكم : هي (إن وما جمعتا معا) (إن) شرطية وما الزائدة بين أداة الشرط وفعل الشرط ؛ وجملة (فمن تبع هداي) هي جواب إن والفاء رابطة لجواب إن وجملة (فلا خوف عليهم) فهي جواب لـ(من تبع هداي).
175- ما الفرق بين استعمال ( يشاق )و ( يشاقق ) ؟
حيث ورد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم يفك الإدغام (يشاقق) كما في قوله تعالى ( ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب {13} الأنفال) وقوله تعالى ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا {115} النساء) وحيث أفرد الله تعالى تستخدم (يشاق) كما في قوله تعالى ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب {4} الحشر).
176- ما الفرق بين قصة ضيف إبراهيم في سورتي الذاريات والحجر؟

(1/557)


قال تعالى في سورة الذاريات (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين {24} إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون {25} فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين {26} فقربه إليهم قال ألا تأكلون {27} فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم {28} فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم {29} قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم {30} ) وقال تعالى في سورة الحجر (ونبئهم عن ضيف إبراهيم {51} إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون {52} قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم {53} قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون {54} قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين {55} قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون {56}).
في سورة الذاريات جاء وصف ضيف إبراهيم - عليه السلام - بالمكرمين وهذا له معنى في سياق الآيات في السورة وعدم ذكر صفة الضيف في آية الحجر يبنى عليه المعنى. وإذا استعرضنا سياق الآيات في السورتين يتبين لنا لماذا وردت الصفة في سورة ولم ترد في الأخرى
سورة الحجر
سورة الذاريات

لم يذكر رد التحية ولم يرد الإكرام هنا (فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون)
سلام ورد التحية ورد التحية من الإكرام (فقالوا سلاما قال سلام)

لم يرد في سورة الحجر أي مظهر من مظاهر الإكرام كما ورد في سورة الذاريات إن من حيث عدم رد التحية أو تحضير الطعام أو دعوتهم إليه وغيرها.

(1/558)


ثم إن ضيف إبراهيم قالوا (سلاما) أي حيوه بجملة فعلية وهو حياهم بجملة إسمية والجملة الإسمية أقوى لغويا وأثبت للمعنى وأبلغ إذن فسيدنا إبراهيم رد التحية بخير منها وهذا من مظاهر الإكرام أيضا.

قال (قوم منكرون) ولم يقل إنكم قوم منكرون لكن عندما رآهم قال قوم غرباء بشكل عام ولم يوجه الخطاب لهم مباشرة وهذا من باب التكريم، وهذا يختلف عما جاء في قصة لوط عندما قال (إنكم قوم منكرون) لما جاءه الرسل لأنه كان في حالة أزمة.

(فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) والعجل السمين من مظاهر الإكرام وراغ معناها أنه ذهب بخفية ولم يرد أن يظهر أنه ذهب وهذا من إكرام الضيف.

(فقربه إليهم قال ألا تأكلون) وهذا أيضا من باب الإكرام أن قرب لهم الطعام وقال ألا تأكلون.

(قال إنا منكم وجلون) ظهر عليه الخوف هنا وعم الخوف أهل البيت جميعا.
(فأوجس منهم خيفة) لم يرد إبراهيم أن يطلعهم على خوفه وهذا من مظاهر التكريم ولم يقل هنا أوجس في نفسه كما جاء في قصة موسى لأن الخوف قد يظهر وقد لا يظهر وفي قصة موسى لم يرد أن يظهر خوفه لأنه في مواجهة فرعون وقومه.

(قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم) واجههم بالخوف وأجهروا بالبشرى فكما قال لهم إنا منكم وجلون قالوا له إنا نبشرك بغلام عليم، واعترف إبراهيم أنه يشك فيهم مما بلغه من الخوف فقال (قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون)
(وبشروه بغلام عليم) لم يعترض إبراهيم هنا لأن الإعتراض ليس من مقام الإكرام فلم يشك في قولهم ولا اعترض عليهم

لم يذكر امرأة إبراهيم لأن الخوف هنا كان طاغيا على البيت كله وأهله ولهذا لم تظهر امرأته لمواجهتهم.

(1/559)


(فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم) لم تكن خائفة أو وجلة إنما خرجت لمواجهتهم.

177- ما دلالة تقديم وتأخير (في سبيل الله) في آية سورة التوبة وسورة الأنفال؟
قال تعالى في سورة التوبة (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون {20}) وقال تعالى في سورة الأنفال (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير {72})
الخط العام : إذا كان المقام في جمع وحفظ الأموال يبدأ بالتضحية به وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال يقدم (في سبيل الله) على الأموال .
سورة التوبة كلها في الجهاد وليست في الأموال فسياق الآيات كلها عن الجهاد والقتال وليس المال لذا اقتضى تقديم (في سبيل الله) على الأموال والأنفس.
أما في سورة الأنفال قدم الأموال على (في سبيل الله) لأنه تقدم ذكر المال والفداء في الأسرى وعاتبهم الله تعالى على أخذ المال إذن السياق كله في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى.
178- ما دلالة تقديم وتأخير (اللهو) على (اللعب) في آية سورة العنكبوت؟

(1/560)


كل الآيات في القرآن جاء اللعب مقدما على اللهو إلا في هذه الآية من سورة العنكبوت (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون {64}). ولو لاحظنا الآية التي سبقت هذه الآية في نفس السورة (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم {62}) فالرزق ليس مدعاة اللعب وإنما مدعاة اللهو كما في قوله تعالى في سورة المنافقون (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون {9}) ففي الآية نهي من الله تعالى للمؤمنين عن الالتهاء بجمع الأموال. والعباد عموما يلتهون بالمال سواء كانوا ممن بسط الله تعالى لهم الرزق أو ممن قدر عليهم رزقهم، وعليه تقدم ذكر اللهو على اللعب في آية سورة العنكبوت دون باقي السور.
179- ما دلالة تقديم وتأخير كلمة (شهيدا) في آية سورة العنكبوت وآية سورة الإسراء؟
قال تعالى في سورة العنكبوت (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون {52} ) وقال في سورة الإسراء (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا {96})
في آية سورة الإسراء ختم تعالى الآية بذكر صفاته (خبيرا بصيرا) لذا اقتضى أن يقدم صفته (شهيدا) على (بيني وبينكم)، أما في آية سورة العنكبوت فقد ختمت الآية بصفات البشر (أولئك هم الخاسرون) لذا اقتضى تقديم ما يتعلق بالبشر (بيني وبينكم) على (شهيدا).

(1/561)


180- ما الفرق بين قوله تعالى (من بعد موتها) في سورة العنكبوت مع أنه ورد في القرآن كله (بعد موتها)؟
قال تعالى في سورة العنكبوت (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون {63}) وفي القرآن كله وردت (بعد موتها) بدون (من) كما في سورة البقرة (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون {164}) وسورة النحل (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون {65}) وسورة فاطر (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور {9}).
وآية سورة العنكبوت هي الموطن الوحيد الذي وردت فيه (من بعد موتها) ، واستعمال (بعد موتها) فقط يحتمل البعدية القريبة والبعيدة ، أما (من بعد موتها) فهي تدل على أنها بعد الموت مباشرة أي تحتمل البعدية القريبة فقط دون البعيدة. وإذا استعرضنا الآيات في سورة العنكبوت قبل الآية نجد أن الإحياء كله مباشرة بعد موتها وبدون مهلة ومجرد العقل كان سيهديهم إلى أن الله تعالى هو القادر على إحياء الأرض من بعد موتها.
181- ما دلالة كلمة (مثلهن) في قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن) في سورة الطلاق؟

(1/562)


قال تعالى في سورة الطلاق (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما {12} ) والمثلية هنا ليس بالعدد إنما لها أمور كثيرة لا نعرفها نحن. كما قال تعالى (وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء) وقوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات).
182- ما دلالة تقديم السجود على الركوع في الخطاب لمريم؟
الأحكام تذكر عموما للإناث والذكور إلا إذا كان الحكم خاصا بالنساء مثل قوله تعالى مخاطبا مريم في سورة آل عمران (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين {43}) وفي تأخير الركوع هنا دلالة مع أنه يأتي قبل السجود في الصلاة وهذا لأنه تعالى جاء بالكثرة قبل القلة لأن في كل ركعة سجدتين وركوع واحد لذا قدم السجود على الركوع في الآية ، وفي الأحكام على المرأة الإقتداء بالرجال مع التخفي.
183- ما دلالة كلمة (يرضوه) في قوله تعالى (الله ورسوله أحق أن يرضوه) في سورة التوبة؟
قال تعالى في سورة التوبة (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين {62} إرضاء الله تعالى ورسوله أمر واحد لا اختلاف بينهما ومثل ذلك قوله تعالى (من أطاع الرسول فقد أطاع الله) لذا جاءت كلمة (يرضوه) بضمير الغائب المفرد وليس يرضوهما.
184- ما دلالة آيات متشابهات في القرآن الكريم؟

(1/563)


قال تعالى في سورة آل عمران (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب {7}. هذه الآيات لا يعلمها إلا الله تعالى وقد تكون متعلقة بالله تعالى أو القدر أو أمور أخرى لسنا مكلفين بها ولا نعلمها. أما الآيات المحكمات فهي التي تكون متعلقة بالبشر فعلينا إتباع المحكمات والإيمان بالمتشابهات.
185- قال تعالى (وخضتم كالذي خاضوا) فلماذا استخدمت صيغة المفرد والجمع؟
قال تعالى في سورة التوبة (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون {69})، ومعناها خضتم كخوضهم. وقد استخدمت صيغة الجمع (خضتم) والمفرد (كالذي) والجمع ثانية (خاضوا) والرأي السائد أن المعنى : خضتم كالذي خاضوه أي بالشيء الذي خاضوا فيه ، و(الذي) عادت على الأمر المفرد وليس على خاضوا.
186- ما الفرق بين قوله تعالى (ولا ينزفون) في سورة الواقعة وقوله (ولا هم عنها ينزفون) في سورة الصافات؟

(1/564)


قال تعالى في سورة الواقعة (لا يصدعون عنها ولا ينزفون {19}) وفي سورة الصافات (لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون {47}). وكلمة (ينزفون) من أنزف لها معنيين: أنزف ينزف بمعنى سكر وبمعنى نفذ شرابه وانقطع، ويقال أنزف القوم إذا نفذ شرابهم وهو فعل لازم غير متعدي. وينزف فعل متعدي معناه سكر وذهب عقله من السكر.
إذا استعرضنا الآيات في السورتين لوجدنا ما يلي:
سورة الصافات ... سورة الواقعة
وردت في عباد الله الآخرين وهم أقل درجة من السابقين. ... وردت ينزفون في السابقين وشرح أحوال السابقين وجزاؤهم ونعيمهم في الجنة. وفي الجنة صنفين من أصناف المؤمنين السابقون وهم قلة وفي درجات عليا
(أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون) لا يوجد تخيير هنا ... ذكر (وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) في الآية تخيير وزيادة لحم طير
(وهم مكرمون في جنات النعيم) ... (أولئك المقربون في جنات النعيم) التقريب هو الإكرام وزيادة
(على سرر متقابلين) لم يذكر إلا التقابل فقط ... (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) التنعم هنا أكثر : موضونة، إتكاء، تقابل
(يطاف عليهم) الفاعل مبني للمجهول ولم يحدد ... (يطوف عليهم ولدان مخلدون) تحديد الولدان المخلدون
(كأس من معين) كأس واحد فقط ... (بأكواب وأباريق وكأس من معين) زيادة وتنويع في الأواني لتنوع الأشربة
(لا فيها غول ولا هم ينزفون) الغول إما للإفساد والإهلاك وإما اغتيال العقول، لا تهلك الجسم ولا تفسده ولا تسكره. ونفي الغول لا ينفي الصداع. وإذا كان المقصود بالغول إفساد العقول فالغول وينزفون بمعنى واحد لكن الأول يكون صفة المشروب والثانية صفة الشارب ... (لا يصدعون عنها ولا ينزفون) لا يصيبهم صداع ونفي الصداع نفي لما هو أكبر وهو الغول. والآية تدل على أن خمر الجنة لا تسكر ولا ينقطع الشراب فالتكريم هنا أعلى من سورة الصافات.

(1/565)


(وعندهم قاصرات الطرف عين) صفة واحدة من صفات حور الجنة (بيض مكنون). ... (حور عين كأنهم لؤلؤ مكنون) ذكر صنفين والوصف هنا جاء أعلى
لم يرد شيء عن نفي سماع اللغو ... (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) نفي لسماع أي لغو ولم ترد في الصافات
(ينزفون) مبنية للمجهول فناسب أن يقال (يطاف عليهم) مبنية للمجهول. ... (يطوف عليهم) بما أن ينزفون مبنية للمعلوم ناسب أن يقال (يطوف عليهم) مبنية للمعلوم أيضا

ففي سورة الواقعة إذن دل السياق على الإكرام وزيادة والسرر وزيادة والكأس وزيادة والعين وزيادة ونفى السكر وزيادة ونفى اللغو وزيادة.
187- ما دلالة تكرار كلمة (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) في سورة النساء وعدم ذكرها مع (أولي الأمر) ؟
قال تعالى في سورة النساء (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا {59} ) لم يقل تعالى (وأطيعوا أولي الأمر منكم) لأن طاعة أولي الأمر تبعية وليست مستقلة وإنما هي تابعة لطاعة الله وطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأولي الأمر ليس لهم طاعة مستقلة ولكن طاعتهم تبعية بحسب طاعتهم لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - . كما أن طاعة أولي الأمر ليست بنفس منزلة طاعة الله ورسوله ومن المحتمل التنازع بين أولي الأمر.
وهناك سؤال آخر في هذه الآية وهو لماذا يرد في القرآن أحيانا ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) وأحيانا أخرى يرد ( وأطيعوا الله والرسول ) ؟

(1/566)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية