صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : لمسات بيانية

وكذلك في آية سورة السجدة، الكلام عن المجرمون الذين كانوا في الدنيا يسمعون عن القيامة وأحوالها ولا يبصرون لكن ما يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظن ولو تيقنوا لآمنوا أما في الآخرة فقد أبصروا ما كانوا يسمعون عنه لأنهم أصبحوا في مجال اليقين وهو ميدان البصر (عين اليقين) والآخرة ميدان الرؤية وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخبر كالمعاينة. فعندما رأوا في الآخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضى تقديم البصر على السمع.
تقديم وتأخير الجن والإنس في آيتي الإسراء والرحمن
قال تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) الإسراء) وقال عز وجل : ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) الرحمن)
قدم في الأولى الإنس وقدم في الثانية الجن لأن مضمون الآية هو التحدي بالإتيان بمثل القرآن ، ولا شك أن مدار التحدي على لغة القرآن ونظمه وبلاغته وحسن بيانه وفصاحته.
والإنس في هذا المجال هم المقدمون ، وهم أصحاب البلاغة وأعمدة الفصاحة وأساطين البيان ، فإتيان ذلك من قبلهم أولى ، ولذلك كان تقديمهم أولى ليناسب ما يتلاءم مع طبيعتهم.
أما الآية الثانية فإن الحديث فيها عن النفاذ من أقطار السموات والأرض ، ولا شك أن هذا هو ميدان الجن لتنقلهم وسرعة حركتهم الطيفية وبلوغهم أن يتخذوا مقاعد في في السماء للاستماع ، كما قال تعالى على لسانهم : " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع " الجن 9
فقدم الجن على الإنس لأن النفاذ مما يناسب خواصهم وماهية أجسامهم أكثر من الإنس

موضوع القطع في القرآن الكريم

(1/353)


القطع أكثر ما يكون في أمرين: في النعت والعطف بالواو. والقطع هو تغيير الحركة التي ينبغي أن يكون عليها التابع. الأصل في الصفة (النعت) أن يتبع الموصوف بالإعراب (مرفوع – مرفوع، منصوب – منصوب، أو مجرور – مجرور. أما الأصل في العطف بالواو أن يتبع المعطوف بالواو ما قبله بالحركة الإعرابية.
أحيانا تغير العرب الحركة فتأتي بعد المرفوع بمنصوب وبعد المنصوب بمرفوع وبعد المجرور بالرفع أو النصب (في النعت) وعندما تتغير الحركة يتغير الإعراب. مثال على النعت:
أقبل محمد الكريم - رأيت محمدا الكريم - مررت بمحمد الكريم أو الكريم
وهذا الأمر يجري في العطف أيضا كما في قوله تعالى (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ) (لكن الراسخون في العلم والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) المقيمين (قطع)
لماذا يستخدم أسلوب القطع؟ هو ليس بالأصل أسلوبا قرآنيا ابتدعه القرآن لكنه أسلوب عربي موجود في اللغة ، والقطع له شروط لكن لماذا تقطع العرب؟ تقطع العرب لسببين:
الأول: لتنبيه السامع وإيقاظ ذهنه إلى الصفة المقطوعة ، والمفروض في الصفة أن تأتي تابعة لحركة الموصوف فإذا تغيرت الحركة انتبه السامع. وهذا دليل على أن الموصوف قد بلغ حدا في هذه الصفة يثير الإهتمام ويقتضيه.
والثاني أن القطع لا يكون إلا إذا كان السامع المخاطب يعلم من اتصاف الصفة بالموصوف التي يذكرها المتكلم أو يقطعها. مثال: إذا قلنا مررت بمحمد الكريم (السامع قد يعلم أو لا يعلم أن محمدا كريم فيعطى السامع معنى جديدا لم يكن يعلمه). وإذا قلنا: جاء خالد الكريم فلا بد أن يكون السامع على علم أن خالد كريم أي اشتهر بهذه الصفة حتى علمت عنه. والقطع في هذه الحالة يفيد أن المخاطب يعلم من اتصاف الموصوف ما يعلمه المتكلم فإذا كان مادحا كان أمدح له وإذا كان ذاما كان أذم له.

(1/354)


ما قيمة هذا القطع في اللغة؟ في المدح والذم عندما يوصف شخص الكرم فهو مشهور بالكرم ولا يخفى كرمه على أحد وقد يكون الشخص كريما لكن لا يعرفه أحد. فإذا كان المدح بالقطع يكون أمدح للشخص بمعنى أنه بلغ من الخصال الكريمة ما لا يخفى على أحد فيكون أمدح له. فإذا كان في حالة الذم فيكون أذم له. كما في قوله تعالى في سورة المسد (وامرأته حمالة الحطب) ذم الله تعالى امرأة أبو لهب مرتين مرة بالقطع لأن الكل يعلم بصفاتها ثم ذمها بصيغة المبالغة في كلمة (حمالة) على وزن فعالة وهكذا جاء الذم بالقطع هنا أذم لها لما كانت تلحقه من أذى برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد أعرب بعض النحاة كلمة (حمالة) على أنها خبر لمبتدأ (امرأته) ولآخرون أعربوها على أنها صفه وهذا عليه اعتراض ظاهر لأنه لا يمكن أن تكون صفة بحسب القواعد النحوية لأن حمالة الحطب هي إضافة لفظية يعني إضافة صيغة المبالغة إلى معمولها يعتي نكرة (وامرأته) معرفة فكيف نصف المعرفة بالنكرة؟ هذه يقال فيها أنها إضافة لفظية. إذا قلنا: رأيت رجلا طويل القامة (طويل القامة هي صفة لفظية) وإذا قلنا: رأيت الرجل الطويل القامة (الطويل القامة هي موصوف لمعرفة). والإضافة اللفظية هي إضاقة اسم الفاعل واسم المفعول إذا كانا دالين على الحال أو الإستقبال إلى معمولهما، إضافة الصفة المشبهة والمبالغة إلى معمولهما دون تحديد الزمن مثال: أقبل رجل مصري المولد (مصري المولد إضافة لفظية وبقيت نكرة) وإذا قلنا: مررت برجل مصري النشأة (موصوف لنكرة وتعرب نعت) وإذا قلنا: مررت بالرجل المصري النشأة (المصري النشأة نعت موصوف لمعرفة) وفي العودة إلى آية سورة المسد (حمالة الحطب) مفعول به لفعل محذوف تقديره أذمها.

(1/355)


ما الحكم النحوي في القطع؟ في المدح والذم والترحم يحذف وجوبا فعند الإعراب يعرب خبر لمبتدأ محذوف (إذا كان مرفوع) ونقول محذوف وجوبا وإذا كان في غير حالة يكون جوازا. وفي النصب يكون مفعول به لفعل محذوف وجوبا في المدح والذم والترحم وفي غير ذلك يكون جوازا.
في سورة النساء آية 162 (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) القطع هنا في كلمة (المقيمين الصلاة) لأهمية الصلاة فهي أهم من كل الأعمال.
وفي سورة البقرة آية 177 (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) قطع كلمة الصابرين للأهمية وللتركيز على الصابرين. إذن القطع جاء هنا لما هو أهم. والمنصوب في القطع يعرب مفعول به لفعل محذوف.

(1/356)


مقاصد الذكر والحذف في الحروف في القرآن الكريم
نذكر من حالات ذكر وحذف الخرف في القرآن الكريم حالتين: الأولى عندما يحتمل التعبير ذكر أكثر من حرف ومع ذلك يحذفه وقد يحتمل التعبير ذكر أكثر من حرف، والثانية عندما لا يحتمل التعبير ذكر حرف بعينه.

الحالة الأولى: (وأمرت أن أكون أول المسلمين) يحتمل أن يكون المحذوف (الباء) لأن الأمر عادة يأتي مع حرف الباء (أمرت بأن) كما في قوله تعالى (تأمرون بالمعروف) كما يحتمل التعبير ذكر حرف اللام (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) فلماذا حذف؟ هذا ما يسمى التوسع في المعنى وأراد تعالى أن يجمع بين المعنيين (الباء واللام) فإذا أراد التخصيص ذكر الحرف وإذا أراد كل الإحتمالات للتوسع في المعنى يحذف. مثال: (ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتاب ألا تقولوا على الله إلا الحق) في الآية حرف جر محذوف، يحتمل أن يكون (في) (ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتاب في ألا تقولوا على الله إلا الحق) ويحتمل أن يكون (اللام) (ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتاب لئلا تقولوا على الله إلا الحق) ويحتمل أن يكون (على) (ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتاب على ألا تقولوا على الله إلا الحق) ويحتمل أن يكون بالباء (ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتاب بألا تقولوا على الله إلا الحق) لذا فهذا التعبير يحتمل كل معاني الباء واللام وفي وعلى للتوسع في المعنى أي أنه جمع أربع معاني في معنى واحد بحذف الحرف.
الحالة الثانية: يحذف الحرف في موقع لا يقتضي إلا الحذف بالحرف، والذكر يفيد التوكيد بخلاف الحذف (مررت بمحمد وبخالد) أوكد من (مررت بمحمد وخالد). مثال من القرآن الكريم:في سورة آل عمران قال تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين {140}وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين {141})

(1/357)


إذا كان التعبير يحتمل تقدير أكثر من حرف يحذف للتوسع في المعنى وعندما لا يحتمل إلا حرفا بعينه فيكون في مقام التوكيد أو التوسع وشموله. (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين {140} ) ذكرت اللام في كلمة (ليعلم) وحذفت في كلمة (يتخذ) الآية الأولى نزلت بعد معركة أحد (ليعلم الله الذين آمنوا) غرض عام يشمل كل مؤمن ويشمل عموم المؤمنين في ثباتهم وسلوكهم أي ةما يتعلق به الجزاء ولا يختص به مجموعة من الناس فهو غرض عام إلى يوم القيامة والله عليم وهذا علم يتحقق فيه الجزاء. أما في قوله (ويتخذ منكم شهداء) ليست في سعة الغرض الأول فالشهداء أقل من عموم المؤمنين.
وكذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين {141}) ذكرت في (ليمحص) ولم تذكر في (يمحق). غرض عام سواء في المعركة (أحد) أو غيرها لمعرفة مقدار ثباتهم وإخلاصهم وهو أكثر اتساعا وشمولا من قوله تعالى (ويتخذ منكم شهداء) ويمحق الكافرين ليست بسعة (ليمحص الله) لم تخلو الأرض من الكافرين ولم يمحقهم جميعا زوال الكافرين ومحقهم على وجه العموم ليست الحال وليست بمقدار الغرض الذي قبله. (ليعلم الله) غرض كبير متسع وكذلك قوله تعالى (ليمحص الله) إنما قوله تعالى (يتخذ منكم) و(يمحق الكافرين) فالغرض أقل اتساعا لذا كان حذف الحرف (لام).
أما في قوله تعالى في الآية 154 من سورة آل عمران: (وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور) هنا الغرضين بدرجة واحدة من الإتساع ولهذا وردت اللام في الحالتين.
مثال آخر:

(1/358)


في آية الوضوء في سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون {6}) اللام وردت في الفعلين: (ليطهركم) (وليتم)، وفي سورة الفتح (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما {2}) ذكر اللام في فعل (ليغفر) وحذف في (يتم) و (يهديك) . والفرق بين الآيتين في سورة المائدة وسورة الفتح أن (ليتم نعمته) في آية الوضوء في سورة المائدة الكلام هنا في أصول الدين وتمامه وهذه الآية هي آية الوضوء والغسل وهي عامة للمؤمنين وتشملهم إلى يوم القيامة والنعمة عامة واسعة وتشمل الكثير. أما في آية سورة الفتح (ويتم نعمته) فالخطاب هنا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي خاصة به وليست عامة للمؤمنين وهي ليست في أصول الدين.

مثال آخر:

(1/359)


في سورة الأحزاب (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا {72} ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما {73} ) ذكرت اللام مع فعل (ليعذب) وحذفت مع فعل (ويتوب) وقد قدم تعالى عذاب المنافقين وأخر التوبة للمؤمنين لأن سياق الآيات كان في المنافقين، أما في الآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا {23} ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما {24}) ذكرت اللام مع فعل (ليجزي) وحذفت مع فعل (يعذب) وهنا بدأ بالمؤمنين أولا وذكر معهم اللام ثم ذكر المنافقين بدون لام بمعنى أنه قدم جزاء المؤمنين وأخر عذاب المنافقين، ولم يذكر المشيئة في الآية الأولى وذكرها في الآية الثانية وذكر احتمال التوبة في الثانية ولم تذكر في الأولى، وفي آخر السورة ذكر المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات أما في الآية الثانية لم يذكر فيها إلا المؤمنين والمنافقين ولم يلحق معهم المنافقات والمؤمنات. وفي الآية الأولى لم يؤكد المغفرة (وكان الله غفورا رحيما) بينما أكدها في الثانية (إن الله كان غفورا رحيما) والسبب في ذلك الأصل الأول في سياق الآيات والسياق هو أكبر وأهم القرائن. السياق في الآيات الأولى بدأ بتعذيب المنافقين والمنافقات وأخر التوبة وهذا أصل السياق في الآيات (وإن لم ينته المنافقين ) إلى أن ينتهي بهذه الآية

(1/360)


الأخيرة أي أن أصل السياق في الآيات على المنافقين وليس على المؤمنين لذا قدم عذابهم وأكده ولم يذكر المؤمنين.
أما في الآية الأخرى فنزلت حسب سياق الآيات في المؤمنين الصادقين (وصدقوا الله ورسوله) السياق مختلف تماما نا وهو في المؤمنين لذا قدمهم وأكرمهم وأخر المنافقين ونزع اللام تماما عكس الآية الأولى. وضع احتمال التوبة في الآية الثانية (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) والكلام ليس للمؤمنين وإنما للصادقين منهم وسبب ذكر التعليق بالمشيئة في الآية الثانية ووضع احتمال التوبة لأن الآيات جاءت بعد وقعة الأحزاب لذا فتح مجال التوبة والدخول في الإيمان يفتح للمنافقين باب التوبة لذا جاءت (يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) لأنهم ما زالوا في الدنيا أما الآية الأولى فهي في الآخرة (يوم تقلب وجوههم في النار) الكلام هنا في الآخرة ولم يكن هناك مجال للتوبة أو المشيئة ولم يفتح لهم باب الأمل في التوبة ولم يعلقها بالمشيئة.
في آية الدنيا (إن الله كان غفورا رحيما) أكد المغفرة ليفتح للمنافقين باب التوبة والدخول في الإسلام حتى يغفر الله للعبد كل ما تقدم. أما في آية الآخرة فلم يؤكد ذلك فقال تعالى (وكان الله غفورا رحيما) بدون توكيد. وتوكيد المشيئة واحتمال التوبة يقتضي توكيد المغفرة.
أما ذكر المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات والمؤمنين والمؤمنات ولم ترد في الآية الثانية وهذه في وقعة الأحزاب والوقعة هي للرجال لذا لم يرد ذكر النساء. أما العذاب في الآخرة فيطال الجميع ذكرانا وإناثا فكلهم يطالهم العذاب أما الجزاء فيكون بخلاف ما ذكر في وقعة الأحزاب عندما ذكر ما يخص الرجال (الصادقين بصدقهم ) ولم يقل الصادقات ذلك لأن الموطن يقتضي ذلك.
مثال آخر:

(1/361)


في سورة البقرة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون {25}) التبشير هنا يأتي بحرف الباء كما في قوله تعالى: (وبشرناه بإسحق)، فعندما ذكر المؤمنين (بشرهم أن لهم الجنة) ولم يقل (بأن لهم الجنة) أما في سورة النساء (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما {138}). ففي هذه الآية أكد بالباء في (بأن) لأنه أكد وفصل العقوبات وعذابات الكافرين والمنافقين في الآيات التي تسبقها فالسياق كله في تأكيد وتفصيل للعذاب (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا {136} إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا {137} بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما {138} الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا {139} وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في

(1/362)


جهنم جميعا {140} الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا {141} إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا {142} مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا {143} يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا {144} إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا {145}) والمنافقين في الدرك الأسفل من النار. أما في سورة البقرة فلم يأتي بأي تفصيل فهي آية موجزة والسياق في الآيات الكلام على المؤمنين لذا الإيجاز اقتضى الإيجاز في الحديث وعدم ذكر التوكيد بالباء. (أن لهم الجنة)
الحذف في القرآن الكريم يتعلق بأمرين :
أولا : في مقام التفصيل والإيجاز كما في قوله تعالى في سورة البقرة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون {25})

(1/363)


وفي سورة الأحزاب: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا {47}). ذكرت الباء مع المؤمنين في حين حذفت في آية سورة البقرة.
آية سورة البقرة هي آية مفردة في المؤمنين لم يسبقها أو يليها ما يتعلق بالمؤمنين ، أما آية سورة الأحزاب فسياقها في ذكر المؤمنين (يا أيها الذين آمنوا) إلى قوله تعالى (وبشر المؤمنين) فاقتضى السياق والتفضيل ذكر الباء في آية سورة الأحزاب.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون {83}) ذكرت الباء مع (بالوالدين) وحذفت مع كلمة (ذي القربى) أما في سورة النساء (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا {36}) فقد ذكرت الباء مع الوالدين ومع ذي القربى. وذلك لأن السياق في سورة النساء والكلام عن القرابات من أول السورة إلى آخرها وليس فقط في الآية التي بين أيدينا. إذن ذكر الباء مع ذي القربى في هذه الآية من سورة النساء كان لمراعاة التفضيل والتوكيد. أما في آية سورة البقرة فليس السياق في القرابات فحذفت الباء في (ذي القربى) مراعاة للإيجاز.
مثال آخر:

(1/364)


في سورة آل عمران (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير {184}) حذف الباء مع كلمة (الزبر) وكلمة (الكتاب) أما في سورة فاطر (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير {25}) ذكر الباء مع كلمتي الزبر والكتاب. المقام في سورة فاطر مقام التوكيد والتفصيل بخلاف ما ورد في سورة آل عمران، والكلام في سورة فاطر للتوكيد والتفصيل في مقام الإنذار والدعوة والتبليغ (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير {18}) إلى قوله تعالى (إن أنت إلا نذير {23} إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير {24}) فالسياق إذن في الإنذار والدعوة والتبليغ ويستمر السياق في الكلام عن الذين يستجيبون والذين لا يستجيبون وأن هذه الكتب التي ذكرت في الآية هي كتب الإنذار (الزبر، الكتاب المبين، البينات). أما في سورة آل عمران فالآية تعقيب على محادثة تاريخية معينة (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين {183}) فالمقام هنا مقام حادثة معينة وليس في سياق الآيات فاختلف الأمر هنا ولهذا حذفت الباء لأنه مناسب للإيجاز.

(1/365)


سورة فاطر فيها مقام التوكيد ومقام التفصيل:
مقام التوكيد في سورة فاطر : (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير {25}) وجاء بصيغة الفعل المضارع في (يكذبوك) للدلالة على الإستمرارية وفيه التصديق والتكذيب مستمران (هو فعل شرط مضارع) أما في سورة آل عمران فقد جاء الفعل ماضيا (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير {184}) وهذه قاعدة في القرآن إذا كان فعل الشرط مضارعا دل على استمرارية الحدث وإذا كان فعل الشرط ماضيا فهو يدل على الحدوث مرة واحدة.
وذكر تاء التأنيث في سورة فاطر (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير {25}) يفيد التوكيد أيضا أما في سورة آل عمران فجاءت الآية () والتذكير يدل على الكثرة كما في قوله تعالى (وقال نسوة في المدينة) فعل يدل على القلة بصيغة التذكير. وكذلك قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا) دلالة على الكثرة فجاء الفعل مؤنثا بتاء التأنيث. وعليه ففي سورة فاطر الآية (جاءتهم رسلهم) تدل على كثرة الرسل في سورة فاطر أما في سورة آل عمران فالتذكير يفيد أن الحادثة وقعت مرة واحدة.
مقام التخصيص في سورة فاطر: في سورة آل عمران الفعل مبني للمجهول (كذب رسل) في حين في سورة فاطر ذكر الفاعل (كذب الذين من قبلهم) وقال تعالى في سورة فاطر (جاءتهم رسلهم) بذكر الفاعل الظاهر أما في سورة آل عمران فقال تعالى (جاءوا) بدون ذكر الفاعل الظاهر.
إذن ذكر الباء مع كل معطوف في سورة فاطر وحذف الباء مع المعطوف في سورة آل عمران وكل ما سبق ذكره في سورة فاطر وآل عمران يقتضي ذكر الباء في آية سورة فاطر وحذفها في آية سورة آل عمران.

(1/366)


مثال آخر:
قال تعالى في سورة يوسف: (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين {85}). من الناحية اللغوية معناها تالله لا تفتأ، إذا كان جواب القسم فعل مضارع لا بد أن يكون باللام مع النون (تالله لأكيدن)أو مع اللام إذا اقتضى حذف النون. لا بد في جواب القسم المثبت أن تذكر اللام سواء مع النون أو بدونها. وعندما لا تذكر اللام يدل على النفي. إذن لا يكون مثبتا إلا بذكر اللام مع الفعل المضارع. فإذا قلنا (والله أذهب) معناها والله لا أذهب. إذا جاء جواب القسم فعلا مضارعا ولم يقترن باللام فهو نفي قطعا.
نعود إلى آية سورة يوسف (تالله تفتأ تذكر يوسف) ومعناها لا تفتأ ، هي الآية الوحيدة التي وقعت في جواب القسم منفية ولم يذكر اللام معها، في عموم القرآن عندما يكون القسم منفيا يأتي باللام (وأقسموا بالله جهد أيمانهم ..لا يبعث). هناك خياران: ذكر اللام أو حذف اللام. فلماذا حذف اللام في آية سورة يوسف ولم يقل (تالله لا تفتأ) الذكر يفيد التوكيد والحذف في ما علم معناه هو أقل توكيدا. وفي الآية استخدم كلمة (حرضا) ومعناها الذي يمرض مرضا شديدا ويهلك. ومعنى الآية أن إخوة يوسف أقسموا أن أباهم سيظل يذكر ابنه يوسف حتى يهلك أو تفسد صحته. لكن هل هذا مقام توكيد؟ وهل يمكن أن يقسم أحد على هذا الأمر المستقبل؟ طبعا هذا ليس بمقدورهم ولا يعلمون ماذا سيحدث فيما بعد لذا فالمقام ليس مقام توكيد أصلا. القسم هنا غير واقع حقيقة وغير متيقن لذلك وجب حذف حرف النفي (لا) مع أنه معلوم بالدلالة.

(1/367)


إذن لماذا اختار (تفتأ)؟ تفتأ من فعل فتأ بمعنى لا تزال ولا تبرح ولا تنفك ولا تفتأ وكلها تفيد الإستمرار والدوام.إذن لماذا اختار (تفتأ) مع العلم أن القرآن استخدم لا أبرح في مواقع كثيرة؟ برح من المغادرة ويوال من الإستمرارية أما تفتأ فهي تختلف بدلالة خاصة فهي تأتي بمعنى سكن وبمعنى نسي وبمعنى أطفأ النار، وقد اختار تعالى كلمة (تفتأ) لأن المعنى المطلوب يحتمل كل معاني كلمة تفتأ: نار الحرقة لا تنطفيء في قلب يعقوب - عليه السلام - ثم معنى لا تنسى مع مرور الزمن كما يحدث لأي مبتلى في مصيبة فالزمن ينسي المصائب أي لا تنسى ذكر يوسف ولا تزال تذكره، وبمعنى سكن أي أنت لن تسكن ولن تكف عن ذكره لذا اختار تعالى هذه الكلمة (تفتأ) دون أخواتها لأنها أنسب فعل يجمع المعاني الثلاثة المقصودة وإضافة إلى ذلك حذف حرف النفي الذي لا يدل على التوكيد فالكلام في الآية غير متيقن.
مثال آخر:
(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون {262}) سورة البقرة، حذف الفاء (لهم)
(الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون {274}) سورة البقرة ذكر الفاء في كلمة (فلهم)
الآية الأولى حذفت فيها الفاء (لهم أجرهم) والثانية ذكرت فيها الفاء (فلهم أجرهم) وقد ذكرت في الآية الثانية لأن السياق يقتضي الذكر. وذكر الفاء هنا يسمى تشبيه والتشبيه من أغراضه التوكيد (بالليل والنهار سرا وعلانية) فيها توكيد وتفصيل في الإنفاق ودلالة على الإخلاص فاقتضى السياق زيادة التوكيد لذا جاء بالفاء في مقام التوكيد والتفصيل.

(1/368)


الفاصلة القرآنية من حيث المعنى

لا يراد بالفاصلة القرآنية مراعاة الحروف وإنما يراد المعنى قبل ذلك ويلتقي الحرف بالمشابهة اللفظية مع المعنى. وأحيانا لا يراعي القرآن الكريم الفاصلة بل قد تأتي مغايرة عن غيرها وهذا دليل على أن المقصود بالدرجة الأولى هو المعنى.
في سورة طه مثلا: تأتي الآية (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم {78}) مغايرة للفاصلة القرآنية في باقي آيات السورة (تزكى، يخشى، هدى) لأن المقصود الأول هو المعنى. وكذلك في سورة الأنبياء الآية (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم {66}) مغايرة لباقي آيات السورة (يشهدون، ينطقون، تعقلون) وليس لها ارتباط بما قبلها وبعدها.
ومثال آخر في سورة الإنشقاق الآية (إنه ظن أن لن يحور {14}) فلو قال (يحورا) لتغير المعنى وفي هذا دلالة على أن القرآن يراعي المعنى قبل مراعاة الناحية اللفظية.

(1/369)


في أول سورة الأحزاب (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا {3} ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل {4} ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما {5}) جاءت كلمة (السبيل) في آخر الآية 4 بينما جاء ما قبلها وبعدها بالألف، وفي أواخر سورة الأحزاب (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا {66} وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا {67}) جاءت كلمة السبيلا بالألف، والكلام في هذه الآيات عن هؤلاء في النار ويمدون أصواتهم في النار و(الرسولا) بالألف هو صوت الباكي أما في أول السورة فبليس هناك عذاب فجاءت على حالها (السبيل) وليست السبيلا، تصور الحالة الطبيعية من اصطراخ فجاءت الألف تعبيرا عن حالهم وهم يصطرخون في النار في كلمة (الرسولا) في أواخر السورة.
مثال آخر:
(وتظنون بالله الظنونا) تسمى الألف في النحو (ألف الإطلاق) كلمة ظنون إذا انتهت بساكن يسمى مقيد. الظنونا كثير ومتشعبة واختلفوا وتشابكوا فاختلفت الظنون ولذا جاءت بالإطلاق (الظنونا) وجب استخدام الألف لإطلاق الظنون.
مثال آخر:

(1/370)


في سورة الحاقة (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه {19}) من الناحية اللغوية هناك قاعدة التي فيها ياء المتكلم يجوز فيها الفتح والسكون (كتابي وكتابيه) من سكن الياء يقول (كتابي) ومن فتح الياء يقول (كتابيه).
الفاصلة القرآنية من حيث المعنى (ماليه، حسابيه، كتابيه، سلطانيه) لماذا جاءت الهاء ؟ هذا الكلام يقال في يوم الحشر وهو يوم ثقيل كما أخبرنا سبحانه وتعالى ووصفه بيوم عسير وأنه عبوس قمطرير والناس في ذلك اليوم يبقون خمسين ألف سنة في هذه الشدة حتى يفزعون إلى الأنبياء. والهاء أشبه بالنهاة (المتعبين) تصور المشهد الذي هم فيه جميعا من تعب وعناء فاختارها سبحانه لمراعاة الموقف الذي هم فيه كما اختار الألف في البكاء سابقا. إذن استخدام حرف الهاء في فواصل هذه السورة يدل على التعب والعناء والألم والهاء مأخوذة من الآه.
الفاصلة القرآنية من حيث المحور النفسي: قال تعالى (وأضل فرعون قومه وما هدى) سورة طه. قال النحاة أنها جاءت مراعاة للفاصلة، ولكن كان من الممكن قول (وما هداهم) لكن فرعون أضل قومه لأنه غيبهم في البحر إذن هو أضلهم وما هداهم. (وما هداهم) تحتمل أن يكون قد هدى غيره قومه أما (ما هدى) ففيه إطلاق نفي الهداية بمعنى أنه لم يهدي قومه ولا غيرهم ولم يكن أبدا سببا في هداية أحد. ولذا جاء اختيار الكلمة المناسبة للآية بدون مراعاة الفاصلة في باقي آيات السورة لأن المعنى أهم ويقدم على الفاصلة.

(1/371)


مثال آخر في سورة الضحى: (ما ودعك ربك وما قلى): نفى تعالى في هذه الآية شيئين: نفي التوديع وهو لا يكون إلا بين الأحباب والأصحاب، ونفى القلى الذي لا يكون إلا للمتباغضين. وقد يسأل البعض لم لم يقل تعالى (وما قلاك) كما قال (ما ودعك) والحقيقة أنه في الأمر المحبوب نفى الله تعالى بقوله (ما ودعك) باستخدام ضمير المخاطب لأنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفيه تكريم له بذكر حرف المخاطب أما في قوله (وما قلى) فلا يصح استخدام (قلى) بين المحبين وقد كرم تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يكون من المبغوضين فلم يقل (وما قلاك) حتى لا يكون الخطاب مباشرة للرسول - صلى الله عليه وسلم - من ربه الذي يحبه ولا يقليه واستخدام فعل قلى لا يليق أن ينسب للرسول - صلى الله عليه وسلم -. فجاء التكريم في هذه الآية من الله تعالى لرسوله في ذكر المفعول به بـ (ما ودعك) وتكريم بعدم ذكره بـ (ما قلى) فكرمه بالذكر وبالحذف.
كذلك في سورة المدثر لا يمكن أن تكون الفاصلة منفصلة عن المعنى فلو اقتضى المعنى ترك الفاصلة تركها فالمعنى يأتي أولا في عموم القرآن وتلتقي الفاصلة مع المعنى.
وقد تكون الفاصلة والمعنى غير منتهي. ليست الفواصل هي دائما تامة المعنى فقد تكون متعلقة بما قبلها أوما بعدها. كما في قوله تعالى في سورة العلق (أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى) وقال تعالى في سورة الرحمن (مدهامتان) الآيات ليست وحدات مستقلة المعنى قد تكون تامة وقد تكون متعلقة بما قبلها أو بعدها.
في سورة طه الآية (فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى {70}) وفي سورة الشعراء الآية (رب موسى وهارون {48}) لماذا التقديم والتأخير وهل هو للفاصلة القرآنية؟

(1/372)


تكرر ذكر هارون كثيرا في سورة طه (أربع مرات)، والخطاب موجه إلى موسى وهارون دائما إذن القصة في سورة طه مبنية على الثنائية، وفي سورة طه أيضا أدرك موسى الضعف البشري كما أدرك أبو البشر آدم - عليه السلام - (فأوجس في نفسه خيفة موسى {67}) ولم يذكر الخيفة لهارون أما في سورة الشعراء فقد ورد ذكر هارون مرتين فقط والخطاب في السورة كان موجها إلى موسى وحده في كل السورة فهي مبنية على الوحدة في الغالب وقد أورد تعالى في سورة الشعراء عناصر القوة في موسى ولم يذكر عناصر الضعف ولهذا السبب اختلف السياق واقتضى التقديم والتأخير كما جاء في آيات كل من السورتين. وهناك أمر آخر في سورة طه (طه) فيها حرف من حروف هارون وليس فيها حرف من حروف موسى (وكل سورة تبدأ بالطاء تحوي قصة موسى- عليه السلام -) أما سورة الشعراء (طسم) ففيها حرفين من حروف موسى وليس فيها حرف من حروف هارون.

(1/373)


موضوع التشابه والإختلاف في القرآن الكريم
قد يتغير في الآية كلمة من سياق إلى سياق ومن سورة إلى سورة. وردت قصة سيدنا موسى في سور متعددة في القرآن الكريم وبين قصة موسى - عليه السلام - في سورة البقرة وقصته في سورة الأعراف تشابه واختلاف في الألفاظ كما هو حاصل في كلمتي (انفجرت) و(انبجست). فقد يحصل اختلاف في التعبير أحيانا في مكان عن مكان أو في قصة عن قصة فلماذا الإختلاف؟
الحقيقة أنه ليس في القرآن الكريم اختلاف في القصة وإنما يختلف التعبير عن مشهد من مشاهد القصة بين سورة وسورة لأن كل سورة تأتي بجزئية من القصة نفسها تتناسب وسياق الآيات في السورة التي تذكر فيها. فالمشاهد ملها وقعت للقصة نفسها ولا تختلف في الفحوى والحقيقة. ولعل من أبرز الأمثلة على هذا التشابه والإختلاف ما جاء في سورتي البقرة والأعراف في قصة موسى - عليه السلام - مع بني إسرائيل.

سورة البقرة: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين {60})
سورة الأعراف: ( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون {160}).
فقد جاء في سورة البقرة (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين {60}) وجاء في سورة الأعراف ( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون {160}).

(1/374)


والسؤال ماذا حدث فعلا هل انفجرت أو انبجست؟ والجواب كلاهما وحسب ما يقوله المفسرون أن الماء انفجرت أولا بالماء الكثير ثم قل الماء بمعاصيهم وفي سياق الآيات في سورة البقرة الذي يذكر الثناء والمدح والتفضل على بني إسرائيل جاء بالكلمة التي تدل على الكثير فجاءت كلمة (انفجرت) أما في سورة الأعراف فالسياق في ذم بني إسرائيل فذكر معها الإنبجاس وهو أقل من الإنفجار وهذا أمر مشاهد فالعيون والآبار لا تبقى على حالة واحدة فقد تجف العيون والآبار فذكر الإنفجار في موطن والإنبجاس في موطن آخر وكلا المشهدين حصل بالفعل.
وبعضهم قال جاء بالفاء للترتيب والتعقيب في (فانفجرت) و(فانبجست) وهذه الفاء تسمى فاء الفصيحة وهناك عطف والعطف قد يكون أكثر من معطوف عليه. (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) لم يقل سبحانه وتعالى (فضرب) كذلك في قوله تعالى (فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ) هل ذهبا أم لم يذهبا؟ ولم يفصل في الآيات هل أبلغا أم لم يبلغا؟ وهذه الفاء إذن هي فاء الفصيحة التي تدل على أن هناك محذوف ولكن المعنى واضح فهي أوضحت معاني متعددة. وقد تكرر استخدام هذه الفاء في مواطن عديدة في القرآن الكريم منها في قوله تعالى في سورة الإسراء (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا {16}) وفي قصة سليمان في سورة النمل (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون {28} قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم {29}) كان في القصة إيجاز وحذف لكن هذا لم يمنع وضوح المعنى فالمفروض أن الهدهد أخذ الكتاب وذهب به وألقاه عند بلقيس وانتظر لكن بعض هذه المشاهد حذف مع بقاء المعنى واضحا.

(1/375)


نعود لاستعمال (انفجرت) و(انبجست) في سورتي البقرة والأعراف وإذا لاحظنا سياق الآيات في سورة البقرة (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين {58} فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون {59} وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين {60})
أما سياق الآيات في سورة الأعراف (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين {161}) يمكن ملاحظة ما يأتي:
سورة الأعراف ... سورة البقرة

(1/376)


السياق في ذكر ذنوبهم ومعاصيهم والمقام مقام تقريع وتأنيب لبني إسرائيل (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون {138}) والفاء هنا تفيد المباشرة أي بمجرد أن أنجاهم الله تعالى من الغرق أتوا على قوم يعبدون الأصنام فسألوا موسى أن يجعل لهم إلها مثل هؤلاء القوم. ... سياق الآيات والكلام هو في التكريم لبني إسرائيل فذكر أمورا كثيرة في مقام التفضيل والتكرم والتفضل (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم {49} وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون {50}) و (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين {47})
فموسى هو الذي استسقى لقومه (إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر) ... قوم موسى استسقوه فأوحى إليه ربه بضرب الحجر (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر) وفيها تكريم لنبي الله موسى - عليه السلام - واستجابة الله لدعائه. والإيحاء أن الضرب المباشر كان من الله تعالى.
(كلوا من طيبات ما رزقناكم) لم يذكر الشرب فجاء باللفظ الذي يدل على الماء الأقل (انبجست) ... (كلوا واشربوا) والشرب يحتاج إلى ماء أكثر لذا انفجرت الماء من الحجر في السياق الذي يتطلب الماء الكثير

(1/377)


لم يرد ذكر الأكل بعد دخول القرية مباشرة وإنما أمرهم بالسكن أولا (اسكنوا هذه القرية وكلوا) ... جعل الأكل عقب الدخول وهذا من مقام النعمة (ادخلوا هذه القرية فكلوا) الفاء تفيد الترتيب والتعقيب.
لم يذكر رغدا لأنهم لا يستحقون رغد العيش مع ذكر معاصيهم. ... (رغدا) تذكير بالنعم وهم يستحقون رغد العيش كما يدل سياق الآيات.
(وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) لم يبدأ بالسجود هنا لأن السجود من أقرب ما يكون العبد لربه وهم في السياق هنا مبعدين عن ربهم لمعاصيهم. ... (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) بديء به في مقام التكريم وتقديم السجود أمر مناسب للأمر بالصلاة الذي جاء في سياق السورة (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين {43}) والسجود هو من أشرف العبادات.
(نغفر لكم خطيئاتكم) وخطيئات جمع قلة وجاء هنا في مقام التأنيب وهو يتناسب مع مقام التأنيب والذم في السورة. ... (نغفر لكم خطاياكم) الخطايا هم جمع كثرة وإذا غفر الخطايا فقد غفر الخطيئات قطعا وهذا يتناسب مع مقام التكريم الذي جاء في السورة.
(سنزيد المحسنين) لم ترد الواو هنا لأن المقام ليس فيه تكريم ونعم وتفضل. ... (وسنزيد المحسنين) إضافة الواو هنا تدل على الإهتمام والتنويع ولذلك تأتي الواو في موطن التفضل وذكر النعم.
(الذين ظلموا منهم) هم بعض ممن جاء ذكرهم في أول الآيات ... (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)
(فأرسلنا ) أرسلنا في العقوبة أشد من أنزلنا، وقد تردد الإرسال في السورة 30 مرة أما في البقرة فتكرر 17 مرة ... (فأنزلنا على الذين ظلموا)
(بما كانوا يظلمون) والظلم أشد لأنه يتعلق بالضير ... (بما كانوا يفسقون)

(1/378)


وقد ورد في القرآن الكريم مواضع أخرى عديدة جاء فيها التشابه بين قصتين مع اختلاف في اختيار الألفاظ بما يتناسب مع السياق والمهم أن نعلم أن كل المشاهد من القصة قد حصلت بالفعل ومثال على ذلك ما جاء في سورة البقرة (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون {80}) وسورة آل عمران (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون {24}) فنسأل هل قالوا أياما معدودة أو أياما معدودات؟ معدودات جمع قلة وهي تفيد القلة أما معدودة فهي جمع كثرة وهي أكثر من معدودات (والقاعدة العامة أنه إذا وصفنا الجمع غير العاقل بالمفرد فإنه يفيد الكثرة) ومثال ذلك (أنهار جارية) و(أنهار جاريات) الجارية أكثر من حيث العدد من الجاريات وأشجار مثمرة أكثر من مثمرات وجبال شاهقة أكثر من شاهقات. فماذا قالوا بالفعل؟ إنهم قالوا الإثنين معا ففي سورة البقرة لما ذكروا بما فعلوه من آثام (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون {75}) قالوا معدودة فهم يحرفون الكلم بعدما عقلوه وهناك أمور عديدة يعرفون بها ويذكرونها وقال تعالى يتوعدهم (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون {79}) فجاء ردهم (أياما معدودة)، أما في سورة آل عمران ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون

(1/379)


إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون {23}) لم يكن هناك تذكير بالأفعال والتوعد بالحساب فلما ذكروا بها قالوا أياما معدودات لأن الآثام التي ذكروا بها أقل . ومنهم من يقول أن قسما قالوا (أياما معدودة) والقسم الآخر قال (أياما معدودات).
(إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون {7}) سورة النمل.
(فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون {29}) سورة القصص.
ومثال آخر على التشابه والإختلاف في القرآن الكريم ما جاء في سورتي النمل والقصص في قصة موسى - عليه السلام - أيضا ففي سورة النمل قال تعالى (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون {7}) وفي سورة القصص قال تعالى (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون {29}) الخط البياني في السورتين متسع ولكن ندرسه من ناحية التشابه والإختلاف لأن بينهما اختلافات عدة.

(1/380)


أولا في سورة النمل جاء بالسين في (سآتيكم) والسين تفيد التوكيد، أما في القصص فجاء بـ (لعلي آتيكم) وهي للترجي. فماذا قال موسى لأهله هل قال ترجى أم قطع؟ هل قال أحدهما أم ماذا؟ الحقيقة أن هذا يحصل في حياتنا يقول أحدنا سآتي اليوم لعلي أستطيع بمعنى (أقطع ثم أترجى) والمشهد نفسه هو الذي يفرض الترجي أو القطع. قد نقطع ثم يأتي أمور تحول دون ذلك فنقول لعلي للترجي أو العكس لكن يبقى لماذا الإختيار أي اختيار الترجي في سورة والقطع في سورة أخرى؟
المقام كله في سورة النمل مبني على القطع والقوة والتمكين أما سورة القصص فهي مبنية على الخوف من قبل ولادة موسى. وقد قال تعالى في سورة النمل (أو آتيكم بشهاب قبس) وهذا في مقام القطع لأن الشهاب هو شعلة من النار والشهاب أنفع في الدفء والإستنارة، أما في القصص فقال تعالى (أو جذوة من النار) والجذوة ليس بالضرورة أن يكون فيها نار وهذا أنسب لجو وسياق السورة المبني على الخوف. وهناك اختلافات كثيرة أخرى بين السورتين، لكن المهم القول أن موسى - عليه السلام - قال التعبيرين لكن اختيار كل تعبير في مكانه يناسب المقام والسياق التي ورد فيه التعبيرين.
ونسأل هل قال موسى هذا الكلام حقا أم الآيات هي عن رب العالمين؟ نقول أن القرآن هو ترجمة للأحداث والأقوال لكن مصوغ صياغة فنية عالية وهو أدق ترجمة فنية للأحوال وكلها صحيحة مائة في المائة وبتعبيرات مناسبة للسياق. وقد نقرأ ترجمات من لغات أخرى في نفس الموضوع وكل ترجمة تختلف عن الأخرى بحسب الذي يترجم ولأن الفحوى واحد وهذه الترجمات ليست كلها بنفس النوعية والدقة والبلاغة. فعلى سبيل المثال بدل أن نقول لشخص ما أكبر منا سنا أنه فاجر نقول له مسرف فنختار الصيغة التي تليق بالمقام وبدل أن نقول متهور نقول مسرع وهكذا.

(1/381)


وكذلك نسأل هل قال برهانان أو تسع آيات؟ قال تعالى في سورة القصص (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين {32}) أما في سورة النمل فقال تعالى (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين {12}). والجواب أنه قال كلاهما لأن في سورة القصص الأمر لموسى بالذهاب إلى فرعون وملئه أي خاصة مجلسه وهنا ذهب بآيتين هما العصا التي تنقلب حية واليد التي تخرج بيضاء. أما في سورة النمل فالأمر إلى موسى بالذهاب إلى فرعون وقومه وهنا ذكر تسع آيات لأن الحشد أكثر وهو القوم احتاج ذكر أكثر الآيات فجاء ذكر تسع آيات. وأما سبب الإختيار فيعود للقصة ففي سورة القصص قلنا أنها مبنية على الخوف أما في سورة النمل فهي مبنية على القطع والقوة.
سورة الذاريات: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين {24} إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون {25} فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين {26}).
سورة الحجر: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم {51} إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون {52} قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم {53}).
فلماذا لم يرد السلام في الحجر ولم يستكمل القصة كما في سورة الذاريات؟ هذا ليس اختلافا في القصة ولكن اختلاف في ذكر المشاهد للقصة.

(1/382)


في سورة الذاريات قال تعالى (هل أتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين) ذكر المكرمين فذكر ما يقتضي الإكرام ورد التحية والإكرام، أما في سورة الحجر لم يذكر التكريم فلم يحتاج المقام ذكر رد إبراهيم.
فقد نقول ذهبنا إلى آل فلان وسلمنا عليهم وبتنا عندهم ليلة ورجعنا ولم نقل ردوا علينا السلام وطلبوا منا أن نبقى عندهم فوافقنا ونذكر كل التفاصيل التي حصلت. وقد نذكر في مقام آخر ذهبنا ورحبوا بنا وأقسموا أن نبات عندهم وأصروا أن نفطر عندهم (وفي هذا وصف دقيق حسب المقام ولم نقل سلمنا عليهم لكن لم يؤثر على المعنى) وإلا كيف رحبوا بنا إذا لم نسلم عليهم لكن المقام يحدد ماذا نقول: هل نتحدث عن ضيافتهم أو عن سفرنا نحن؟
نعود إلى الآيات في سورة الذاريات فقد ذكر تعالى المكرمين وكل الأمور المتعلقة بالإكرام ومنها رد السلام والمجيء بالعجل وتقديمه لهم. وقد وصف الله تعالى نبيه إبراهيم أنه أوجس منهم خيفة (وهذا شعور في نفسه) أما في سورة الحجر فقال تعالى على لسان إبراهيم - عليه السلام - (إنا منكم وجلون) أي خاطبهم مباشرة ولا نقول في مقام التكريم إني خائف منكم. فكل الأمور حصلت في القصة لكن الله تعالى اختار لكل سورة مشهدا وألفاظ وتعبيرات تناسب سياق الآيات والحالة التي ذكرت فيها فكل قصة في السورتين جاءت بالتعبير المناسب والحالة المناسبة.
ونسأل لماذا يكون هذا في اللغة؟ البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال أو السياق. فلا يمكن مثلا في مقام الفرح أن نأتي بقصيدة حزن كما قال الشاعر في وصف دار دخلها الخليفة لأول مرة (يا دار ما فعلت بك الأيام) وقد عابوا على هذا الشاعر مقولته هذه. فيجب أن نحدد أين المقصود توجيه الكلام؟ فهناك عدة أمور نريد التركيز عليها والقصة الواحدة لها عدة جوانب فأي الجوانب نريد أن نركز عليها فنأتي بجزئياتها المناسبة لهذا الجانب أو غيره.

(1/383)


وقد حاول المستشرقون أن ينتقدوا القصة في القرآن الكريم فقالوا إنه في قصة موسى - عليه السلام - وردت 11 آية (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا) فقالوا أنه لو اجتمعت الإنس والجن فهم قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن ولكنهم جهلوا أن القصة الواحدة في القرآن قد يعبر عنها بصور مختلفة لكن اختيار الصورة المعجزة هو اختيار القرآن الكريم وهناك شاعر أمثل من شاعر وقد يعبرون جميعا عن نفس المعنى ونفس المشهد. وقد يصاغ المشهد الواحد بعدة تعبيرات ولكنها ليست كلها بنفس درجة البلاغة والفن. ففي قصة موسى - عليه السلام - قد يكتب فيها الكثيرون ولكن ليست كل هذه الكتابات متماثلة من حيث البلاغة والفن . فالقرآن لا يمكن أن يدانيه أحد من ناحية البلاغة واللغة والفن وكل تعبير يمكن أن يؤدى بتعبير آخر فالقرآن فيه معجز وكذلك تحدى القرآن المشركين أن يأتوا بسورة واحدة ولو كانت قصيرة مثل الكوثر. فلا يمكن صياغة سورة مثل سور القرآن الكريم حتى لو كان المحتوى فالقرآن معجز في هذا وسورة الكوثر وهي من ثلاث آيات فقط فيها من البلاغة والإختيارات العجيبة في التعبير (كما في اللمسات البيانية في سورة الكوثر).
فالمسألة إذن ليست مسألة قال هذا أو ذاك ولكنها ترجمة لما قال موسى - عليه السلام - فهو لما دعا ربه دعاه بكلمات عرفها الله تعالى لأن موسى كان في لسانه عجمة (ولا يكاد يبين) كما جاء على لسان فرعون والدليل قول موسى (هو أفصح مني لسانا) لما دعا ربه بأن يرسل معه هارون أخوه ولو قال هذا الدعاء شخص آخر لقاله بصيغة مختلفة، وهكذا صيغت العبارات في القرآن الكريم بكلام معجز وهي ترجمة دقيقة لما قاله موسى وإبراهيم - عليه السلام - وغيره من الأنبياء، حتى النقاش بين الرسل وقومهم كما حصل بين موسى وفرعون هي ترجمات دقيقة فنية لما حصل.

(1/384)


التوسع في المعنى في القرآن الكريم
ما هو مفهوم التوسع في القرآن الكريم؟ التوسع في المعنى هو أن يؤتى بتعبير يحتمل أكثر من معنى وتكون كل هذه المعاني مرادة وهناك مواطن للتوسع في القرآن الكريم كما سبق شرحه في سورة البلد في معنى كلمة (حل) وقلنا أنها تعني مستحل وحلال ومقيم أو حال وهذه المعاني كلها مرادة في الآية. وكذلك في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) وقلنا أن (لا) محتمل أن تكون داخلة على المستقبل أو يراد بها الدعاء أو حرف الإستفهام محذوف أو غيرها. وللتوسع في القرآن الكريم أسباب ومواطن.
مواطن التوسع:
* الألفاظ المشتركة: يوجد في القرآن الكريم ألفاظ تشترك في المعنى مثل كلمة (جائر) على سبيل المثال هل هي اسم فاعل من (جأر أو جار)؟ وكذلك كلمة (سائل) هل هي من سأل أو سال؟ هناك كلمات إذن تحتمل أكثر من معنى كما في كلمة العين يذكر لها أكثر من معنى فهي تحتمل أن تكون الجاسوسة أو عين الماء أو أداة الإبصار. وكذلك تكثر في الحروف مثلا (ما) هل هي استفهامية أو تعجبية أم ماذا؟ هل هي نافية؟ يمكن أن تقع في تعبيرات تحتمل عدة معاني في آن واحد فإذا أريدت كل هذه المعاني يدخل في باب التوسع.
نقول مثلا : ما أغفلك عنا؟ (ما) تحتمل أن تكون استفهامية أو تعجبية فإذا أردنا المعنيين صار توسعا. كذلك (إن) تكون نافية أو مشبهة بليس أو ليست مشبهة بليس كما في قوله تعالى (إن هو إلا رحمة للعالمين) وقوله تعالى (إن أنا إلا نذير) وقوله تعالى (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) وقد تكون (إن) شرطية كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وقد تكون (إن) مخففة من الثقيلة.
وإذا قلنا: هو لا يكذب وإن أكره على ذلك. قد نفهم أنها شرطية بمعنى لا يكذب حتى لو أكره، وقد تكون نافية أي لا يكذب ولم يكره على ذلك فلماذا يكذب؟ هذا هو التوسع في المعنى بصورة مبسطة.

(1/385)


وإذا أرنا التوسع في المعنى لا ضرورة عندها لوجود قرينة لأن القرينة هي التي تساعد على تحيد معنى واحد من المعاني المرادة دون غيره. إذن إذا أريد التوسع لا يؤتى بالقرينة وإذا أردنا تحديد معنى من المعاني يؤتى بالقرينة التي تدل عليه.

ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم:
قال تعالى في سورة القمر (إن المتقين في جنات ونهر {54}) كلمة (نهر) لها دلالات مختلفة منها السعة في الرزق والمعيشة وفي كل ما تقتضيه السعادة سعة فيه. ومن دلالاتها أيضا الضياء لأتهم يقولون أن الجنة ليس فيها ليل ومن معاني النهر في اللغة أيضا مجرى الماء. الآية في سورة القمر تحتمل كل هذه المعاني وهي كلها مرادة. ومن الملاحظ في القرآن كله أنه حيثما جمع الجنات جمع الأنهار إلا في هذه الآية، فقد ورد في القرآن قوله تعالى (جنات تجري من تحتها الأنهار) وجود كلمة تجري هنا تدل على أن المعنى المطلوب هو مجرى الماء. وفي آية أخرى قال تعالى (فيها أنهار من ماء غير آسن) وجود (غير آسن) في الآية تفيد جريان الماء لأن الماء لا يأسن إلا إذا في حالة الركود وغير آسن قرينة الجريان. أما في آية سورة القمر جاءت كلمة (نهر) بدون قرينة (في جنات ونهر) وهي وردت في المتقين وهم المؤمنون وزيادة لذا جاء بالنهر وزيادة كما قال المفسرون. والمعنى المراد في الآية أن المتقين في جنات ونهر بمعنى في ماء وضياء وسعة وقد ورد في الحديث الشريف (الجنة نور يتلألأ وريحانة تهتز قصر مشيد) وهم في سعة من العيش والرزق والمنازل وما تقتضيه السعادة السعة فيه وهذا من التوسع في المعنى ولم يؤتى بأي قرينة تدل على معنى واحد فلم يذكر تجري أو غير آسن أو أي قرينة أخرى تحدد معنى واحد للنهر وإنما كل المعاني مرادة.

(1/386)


في سورة يوسف قال تعالى على لسان إخوة يوسف مخاطبين أباهم يعقوب (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين {85}). استخدمت كلمة (تفتأ) هنا بمعنى لا يزال وهي من أخوات كان (ما انفك، ما برح، ما زال، ما فتيء) ما زال تدل على الإستمرار والدوام (نقول ما زال المطر نازلا) لكن يبقى السؤال لماذا اختار تعالى كلمة (تفت)9 دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنى من الإستمرار والدوام؟ ونستعرض معنى كلمة فتيء في اللغة: من معانيها (سكن) بمعنى مستمر لأنه عندما لا يسكن فهو مستمر، ومعناها أطفأ النار (يقال فتيء النار) ومن معانيها أيضا نسي (فتئت الأمر أي نسيته). إذن كلمة (فتأ) لها ثلاثة معاني سكن وأطفأ النار ونسي. وفاقد العزيز سكن بمجرد مرور الزمن فمن مات له ميت يسكن بعد فترة لكن الله تعالى أراد أن يعقوب لا ينسى ولا يكف بدليل قوله تعالى (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم {84})، وفاقد العزيز كأنما هناك نارا تحرق جنبيه ويقال (حرق قلبي) والنار التي بين جنبي يعقوب - عليه السلام - لم تنطفئ مع مرور الأيام ولم تزل النار ملتهبة مستعرة في قلب يعقوب - عليه السلام -، وهو لم ينسى وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ولذا يدعو له المعزون بالصبر والسلوان. إذن تفتأ جمعت كل هذه المعاني المرادة هنا في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة غير هذه الكلمة. والقرآن الكريم لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع في سورة يوسف واستعمل (يزال ولا يوال) كثيرا في آيات عديدة (ولا تزال تطلع على خائنة منهم). ومن الغريب أن القياس أن يقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي. إذا لم تأتي بـ (لا) فهو نفي قطعا كقول الشاعر (فلا والله أشربها حياتي) بمعنى لا أشربها قطعا. وقولنا (والله أذهب) يعني لا أذهب. وهذه من مواطن النفي ولم تحذف الـ(لا) في جواب

(1/387)


القسم إلا في هذا الموطن في القرآن الكريم. فقد ورد قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون) لم تحذف الـ(لا) هنا ونسأل عن السبب؟ لماذا حذف الـ(لا) في الآية؟ لأن هذا القول قاله إخوة يوسف لكن هل هم أقسموا على أمر يعلمونه حق العلم ؟ كلا هم أقسموا على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكدا ولم يحصل أصلا فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكدا عند إخوة يوسف.
مثال آخر قوله تعالى في سورة التين (أليس الله بأحكم الحاكمين {8} ) ما المقصود بأحكم الحاكمين؟ تحتمل أن تكون من الحكم أو من القضاء. وقد ورد في القرآن الكريم (ان احكم بينهم بما أنزل الله) تعني القضاء، وقوله تعالى (يقص الحق وهو خير الفاصلين) بمعنى الحكم. فهي تحتمل أن تكون من القضاء أو من الحكمة وهي تحتمل أن تكون أقضى القضاة وتحتمل أن تكون أقضى الحكماء، وأحكم القضاة وأحكم الحكماء، فهي إذن جمعت أربع معاني في كل كلمة احتمالين في الحكمة والقضاء. وهذا كله محتمل وجائز وليس هناك قرينة تحدد معنى واحدا من هذه المعاني دون غيره إذن المراد كل هذه المعاني وهذا توسع في المعنى في باب الألفاظ المشتركة.

(1/388)


* التوسع في المعنى في الصيغ المشتركة:

في العربية أحيانا الصيغة الواحدة يجتمع بها أكثر من معنى مثل صيغة فعيل على سبيل المثال فهي قد تكون للمبالغة مثل (سميع) أو صفة مشبهة مثل (طويل أو قصير) أو اسم مفعول مثل (قتيل أو أسير) إذن هذه الصيغة تحتمل عدة معاني. ومعروف في اللغة أن اسم المفعول من غير الثلاثي يشترك فيه المصدر واسم المكان واسم الزمان واسم المفعول وأحيانا يشترك فيه اسم الفاعل. مثال كلمة مختار، هل هي اسم اعل ؟ لا نعلم ما هي فقد تحتمل أن تكون مصدر بمعنى اختيار أو مكان الإختيار أو زمانه أو اسم فاعل أو اسم مفعول. فإذا قلنا (هذا مختارنا) يحتمل أن يكون هو الذي اخترناه أو اختيارنا أو زمان اختيارنا أو مكان اختيارنا. فالصيغة إذن تكون أحيانا مشتركة فإذا أردنا معاني الصيغ يكون توسع في المعنى وليس هناك قرينة.
مثال من القرآن الكريم في سورة القيامة قوله تعالى (إلى ربك يومئذ المستقر {12}). ما المقصود بالمستقر؟ هل هو بمعنى إلى ربك الإستقرار أو إلى مشيئته الإستقرار أي لا يستقرون إلى غيره أو هو موضع الإستقرار وهو الجنة أو النار فالله وحده هو الذي يحكم بين العباد، أو هو زمان الإستقرار بمعنى يبقون ما يشاء الله في المحشر ثم يأمر الله تعالى بالقضاء بينهم؟ والمقصود من هذه الآية كل المعاني المحتملة فالإستقرار إليه ومكان وزمان الإستقرار إليه فإليه المستقر إذن هي جمعت ثلاثة معاني : المصدر واسم المكان واسم الزمان وهي كلها مرادة مطلوبة وليس هناك قرينة تصرف إلى أحد هذه المعاني فأصبحت إذن من باب التوسع في المعنى.

(1/389)


مثال آخر: ما المقصود بكلمة (حكيم) في قوله تعالى في سورة يس (يس والقرآن الحكيم) وقوله تعالى (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم)؟ يحتمل أن تكون بمعنى محكم (اسم مفعول) كما في قوله تعالى (كتاب أحكمت آياته) (ومنه آيات محكمات) فهو محكم ، وقد يكون مبالغة في الحكم لأنه حاكم على غيره ومهيمن على غيره من الكتب والأحكام (مصدقا لمل بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) أو هو صفة مشبهة من الحكمة فهو ينطق بالحكم ويأتي بها. كل هذه المعاني مرادة ولم يأتي بقرينة تصرف إلى معنى من هذه المعاني وهذا ما يسمى التوسع في المعنى.
مثال آخر قوله تعالى (إن إبراهيم كان أمة). ما المقصود بكلمة (أمة)؟ في اللغة لها احتمالان والمشهور هو أنها الجيل من الناس ولها عنى آخر فهي على وزن فعلة من أم يؤم. والفعلة هكذا هي اسم مفعول له أوزان كثيرة نقول هو سبة إذا كان يسب كثيرا أو صرعة إذا كان يصرع كثيرا ولعنة الذي يلعن كثيرا وضحكة هو الذي يضحك منه الناس ويهزأ به. وكذلك لدينا فعلة وهي صيغة مبالغة مثل حطمة وهي اسم فاعل فنقول هو صرعة أي الذي يصرع كثيرا ، وهمزة الذي يسخر من الناس وضحكة هو الذي يضحك من الناس، فما المقصود بأمة في هذه الآية؟ والمقصود أن إبراهيم - عليه السلام - كان عنده من الخير ما عند أمة أو جيل من الناس وهو أيضا إمامهم وأمة من معانيها إمام ومأموم وقد قال تعالى في آية أخرى (إني جاعلك للناس إماما) إذن أمة في هذه الآية فيها احتمالين أن عنده من الخير ما عند جيل من الناس وهو يؤم الناس وإمام لهم ولو قال إمام لنص على معنى واحد دون الآخر لكن اختيار كلمة (أمة) تدل أن المقصود والمراد هو المعنيين لهذه الكلمة فصار هذا اتساعا في المعنى.

(1/390)


مثال آخر قوله تعالى في سورة البقرة (ولا يضار كاتب ولا شهيد) ونسأل كلمة (ضار) هل هي مبني للفاعل او المفعول؟ نقول هي تحتمل الإثنين ولو أراد التنصيص لفك الإدغام كما في قوله تعالى (ومن يشاقق الله ورسوله) وقوله (ومن يرتدد منكم عن دينه) بمعنى أنه لو أراد إسم الفاعل لقال (يضارر) ولو أراد إسم المفعول لقال (يضارر). والله تعالى أراد الإثنين معا ومعنى الآية أنه نهى الكاتب والشهيد أن يضرا غيرهما إما بكتم الشهادة أو الإمتناع عن الحضور لها أو تحريفها وأراد المعنى الآخر وهو نهى أن يقع الضرر على الكاتب والشهيد ممن يضغطون عليهم لتغيير الشهادة أو تبديلها أو الإمتناع عنها. إذن المطلوب منع الضرر من الكاتب والشهيد ومنعه عنهما أيضا في نفس الآية وبدل أن يقول ولا يضارر ولا يضارر كاتب ولا شهيد جاء بالصيغة التي تحتمل المعنيين وهي كلمة (يضار).

(1/391)


ومثل المثل السابق قوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير {233}). هل هي مبنية للفاعل أو المفعول؟ من المحتمل أن تضر الزوجة زوجها بزلدها ومن المحتمل أن يضر الزوج زوجته بولده فأراد تعالى المعنيين لكيلا يقع الضرر من أحدهما على الآخر فجاء بصيغة تدل على المعنيين وهذا من باب التوسع في المعنى. ولقد تفرد القرآن الكريم باختيار التعبير الأعلى في المعنى المراد وفي المكان الذي يقتضيه هذا المعنى ومن هنا إعجازه الذي تحدى به العرب أهل اللغة والفصاحة فعجزوا عن الإتيان ولو بسورة واحدة من مثله.
* التوسع في المعنى في الجمع بين الألفاظ والصيغ المشتركة ذات الدلالات المختلفة:
من مواطن التوسع في القرآن الكريم الجمع بين الألفاظ والصيغ ذات الدلالات المختلفة. ونأخذ مثال من غير القرآن أولا لو قلنا أعطيته عطاء حسنا. فعل أعطى مصدره الإعطاء وليس العطاء كصيغة أفعل افعال مثل أكرم إكرام لو قلنا أعطيته إعطاء لكان واضحا لأن مصدر الفعل أعطى إعطاء أما العطاء فهو اسم المصدر بمعنى الإعطاء أو المال والعطاء يحتمل معنيين إعطاء حسن ومال حسن أما قولنا أعطيته إعطاء لدل المعنى على المصدر فقط أي الإعطاء الحسن فقط.

(1/392)


ونأخذ مثالا من القرآن قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) الفعل أقرض مصدره إقراضا والفعل الثلاثي قرض مصدره قرضا. فجاء بالفعل الرباعي (يقرض) ولم يأت بمصدره إنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (قرضا). ولو رجعنا إلى معنى القرض في اللغة فهو يعني المال والإقراض إذن القرض في الآية تحتمل المعنيين، فلو كان القصد الإقراض لكان إعرابها مفعول مطلق، ولو كان المقصود المال لكان إعرابها مفعول به. والمعنى المراد من الآية الكريمة (من ذا الذي يقرض الله إقراضا حسنا أي خالص النية لله محتسبا الأجر من الله، ومالا حسنا أي طيبا حلالا) فهناك إذن إقراض حسن ومال حسن ولما قال تعالى قرضا حسنا جمع بين الأمرين معا إقراضا حسنا ومالا حلالا طيبا.
مثال آخر في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة النساء (يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا): أضل يضل مصدره الإضلال والضلال مصدر فعل ضل. وقد جاء في آية أخرى أيضا (فقد ضل ضلالا بعيدا)، وقد جاء بالفعل من بناء ولم يأتي بمصدره وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (ضل) نسأل لماذا؟ لأن الشيطان يريد أن يبدأ مرحلة أن يضل الإنسان ولكن لا يريد أن يتابع وإنما يريد الإنسان أن يتم ويكمل المرحلة فيبتدع من وسائل الضلال ما لا يعلمه الشيطان. لو جاء في الآية إضلال لكان هذا كله من الشيطان وحده ولا يتابع فالشيطان يضع الإنسان على طريق الضلال ويذهب إلى مكان آخر أما إذا جاء بكلمة ضلال فهي تعني أن الشيطان فهو يبدأه ويكمله الإنسان فأراد سبحانه المعنيين أن الشيطان يبدأ بالضلال والإنسان يكمل ما بدأه الشيطان ويبتدع من طرق الضلال ما يبتدع. إذن معنى الإضلال هو من الشيطان وحده أما الضلال فالشيطان يبدأ والإنسان يكمل الطريق فالشيطان والإنسان مشتركين في عملية الضلال.

(1/393)


ومثال آخر في قوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا) القياس أن يقال تبتل تبتلا أنما في الآية جاء بالفعل ولم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر فعل آخر ليجمع بين أمرين. (صيغة تفعل تفيد التدرج مثل تجرع الماء أي جرعة جرعة وتحسر فيها التدرج والتكلف) ومثلها تجسس وتحسس وكسر وكسر أي جعله كسرة كسرة وقطع وقطع تفيد التكثير لأن صيغة فعل تفيد التكثير. فهو الآن في قوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا) جمع بين المعنيين التدرج والتكلف والمبالغة والتكثير ووضعهما وضعا تربويا عجيبا يبدأ بالتدرج ثم ينتهي بالتكثير فالتبتل هو الإنقطاع إلى الله في العبادة وقد علمنا تعالى أن نبدأ بالتدرج في العبادة شيئا فشيئا ثم ندخل في التكثير ولا ندخل في العبادة الكثيرة مباشرة لأن التدرج في العبادة يؤدي إلى الكثرة فيها فيما بعد وهذه هي الطريقة التربوية للعبادة تبدأ بالتدرج وتحمل نفسك على العبادة شيئا فشيئا ثم تنتهي بالتكثير والكثرة في العبادة. والتدرج والتكلف جاء بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد (تبتل)ثم جاء بالصيغة الإسمية الدالة على الثبوت (تبتيلا) فبدل أن يقول تبتل إليه تبتلا وبتل نفسك إليه تبتيلا وهذه صياغة فنية تربوية عجيبة وقد جمع في الآية عدة أمور بيانية في التعبير. والعرب قديما كانوا يفهمون هذه البلاغة بالفطرة لكنهم عجزوا عن الإتيان بالصيغة التي جاء بها القرآن الكريم وهذا هو التحدي والإعجاز في القرآن.

(1/394)


مثال آخر قوله تعالى (مالك الملك) هو مالك من التملك ومن الملك (الملكية) والملك من الحكم. مع فرعون قال تعالى (أليس لي ملك مصر) بمعنى له الحكم وليس له الملك. أما لله تعالى مالك الملك تعني أن الملك ملكه وهو يملكه ملكا كما يملك المالك، فالملك هو ملك الله تعالى يتصرف به تصرف المالك لأنه ملكه وحده سبحانه فإذن جمع تعالى بين الملكية وبين الحكم. والمالك يتصرف في ملكه ما لا يتصرف فيه الملك لأن الملك له تصرف عام آخر أما المالك فله تصرف خاص. وقوله تعالى (مالك الملك) جمع الأمرين الملكية والتحكم كما نقرأ في سورة الفاتحة (ملك يوم الدين) في قراءة و(مالك يوم الدين) في قراءة أخرى.
(وأنبتها نباتا حسنا) في الثناء على مريم قال تعالى وأنبتها نباتا حسنا ولم يقل إنباتا حسنا لأنه تعالى أراد أن يثني عليها وعلى معدنها الكريم. يقال أنبت إنباتا ومريم عليها السلام أنبتها تعالى فنبتت نباتا حسنا فطاوعت وقبلت أي أن لها فضل في هذا ولو قال تعالى إنباتا لكان كله عملية لله وحده وليس لمريم أي فضل بمعنى أنه تعالى أنبتها كما يشاء هو لكن الله تعالى أراد أن يثني على مريم ويجعل لها فضلا في هذا الإنبات فقال تعالى (وأنبتها نباتا حسنا) أي أنه تعالى أنبتها فنبتت نباتا حسنا وطاوعت أمر ربها وقبلت وكان من معدنها ما جعلها تنبت نباتا حسنا. وقد أراد تعالى أن يجمع بين الأمرين أنه تعالى أنبتها كما يشاء وأراد من باب الثناء أن يجعل لها فضلا في هذا من طيب معدنها وطواعيتها فقال (وأنبتها نباتا حسنا).
* من مواطن التوسع في المعنى: العدول من تعبير إلى تعبير:

(1/395)


هذا في القرآن الكريم كثير وهو ترك تعبير إلى تعبير آخر ويحتمل أكثر من وجه إعرابي وأكثر من معنى. كما في قوله تعالى (ولا تشركوا به شيئا) فما المقصود بـ(شيئا)؟ هل هو شيء من الأشياء مما يشرك الناس به من أوثان وغيرها وعنده يعرب مفعول به أو لا تشركوا به شيئا من الشرك لأن الشرك أنواع الشرك الأصغر والشرك الأكبر وتعرب حينها مفعول مطلق، فما المقصود؟ كلمة (شيئا) تحتمل المعنيين أي لا تشركوا بالله شيئا من الأشياء ولا شيئا من الشرك فنهانا سبحانه عن الشرك به شيئا من الأشياء أو شيئا من الشرك لأن هناك من أنواع الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل. والمفعول المطلق المصدر ينوب عنه أشياء كثيرة فقد تنوب عنه صفته والضمير والمصدر. (شيئا) أحيانا الإسم العادي المادي نفسه مثال لما نقول طعنه سكينا عند النحاة هو مفعول مطلق بمعنى طعنه بسكين فالمفعول المطلق (سكينا) ينوب عن المصدر وهو الآلة.
وكذلك قوله تعالى (ولا تظلمون فتيلا) الفتيل هو الخيط في شق النواة فهل المقصود شيئا ماديا (مفعول به) أو شيئا من الظلم وإن كان فتيلا؟ إذا أردنا المصدر تعرب مفعول مطلق بمعنى (ولا تظلمون شيئا من الظلم وإن كان قليلا) وهنا أراد تعالى الأمرين والمعنيين معا بمعنى أنه لا يظلمنا لا قليلا من الأشياء ولا شيئا من الظلم وإن كان قليلا. ولو أراد تعالى التحديد والتخصيص بمعنى واحد لفعل كما في قوله تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) هنا حدد معنى واحدا أما عندما يريد أكثر من معنى ويريد التعميم يأتي بصيغة تحتمل عدة معاني وهذا ما يسمى التوسع في المعنى في القرآن الكريم.

(1/396)


مثال آخر قوله تعالى (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) : ما المقصود ضحكا قليلا أو وقتا قليلا؟ أو بكاء كثيرا أو وقتا كثيرا؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني أراد تعالى معنى المصدر والظرف في آن معا هو أراد فليضحكوا ضحكا قليلا وقتا قليلا وليبكوا بكاء كثيرا وقتا كثيرا ولو أراد معنى واحدا لحدد الظرف أو المصدر لكنه جمع بين الظرف والمصدرية في الآية الواحدة. والإعراب يختلف هنا لو أراد ضحكا قليلا تكون قليلا مفعول مطلق ولو أراد وقتا قليلا لكانت ظرفا وكذلك لو أراد بكاء كثيرا لكانت كثيرا مفعول مطلق ولو أراد وقتا كثيرا لكانت ظرفا إذن أراد تعالى أن يجمع بين الحدث القليل والزمن القليل (فليضحكوا قليلا) والحدث الكثير والزمن الكثير (وليبكوا كثيرا). ونلاحظ أنه في التقييد حكمة وفي التكثير حكمة أيضا.
ومثال آخر قوله تعالى (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) هل المقصود قليل من الفقه أو قليل من المسائل والأمور. الآية تحتمل المعنيين قليل من الفقه وقليل من المسائل ومثل هذه الآية قوله تعالى (وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) هل المقصود كثير من الصد أو كثير من الخلق أو كثير من الوقت؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني والسياق هو الذي يحدد كيف نتناول هذه الآيات وهو الذي يحدد المراد من الآية.
ومثال آخر قوله تعالى (وادعوه خوفا وطمعا) يحتمل أن يكون مفعول لأجله أو حال بمعنى خائفين طامعين ويمكن أن يكون مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره ندعوه خائفين وندعوه ونحن نخاف خوفا وندعوه من أجل الطمع أي ينبغي أن يكون الطمع دافع لنا، وفي حالة طمع (حال) ونحن نطمع طمعا (مفعول مطلق) للطمع وطامعين وحال طمع فجمعها سبحانه في الآية (وادعوه خوفا وطمعا) والتعابير كلها مرادة.

(1/397)


وقوله تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) : ما المقصود؟ تحتمل خياران الأول: العمل الصالح والثاني العمل الصالح. فلماذا اختار العمل الصالح يرفعه؟ ولم يقل العمل الصالح؟ نفهم الآية أولا قوله تعالى (والعمل الصالح يرفعه) جملة إسمية من الذي يرفع؟ هو مرفوع يرفعه الله تعالى ؟ هل هو يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى؟ يحتمل المعنيين في هذا التعبير ويكون لدينا معنيين مقبولين: العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب عند الله صاعدا إليه والله تعالى هو الذي يرفع العمل الصالح. ولو قال تعالى (والعمل الصالح يرفعه) لا يمكن إلا أن يكون لها معنى واحدا هو أن الله تعالى يرفع العمل الصالح) ولتحدد المعنى وهذا هو العدول من النصب إلى الرفع وهو عدول بياني لكسب معنيين وليس مصادفة أو اعتباطا.
* من مواطن التوسع في المعنى أيضا الحذف:
الحذف يؤدي إلى إطلاق معنى المعنى وتوسعه وهو قسمان: قسم لا يؤدي إلى توسع في المعنى ولا إلى إطلاق لأن المحذوف يتعين فيتقدر ذلك المحذوف (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) المحذوف أنزل وكذلك قوله تعالى (والحافظين فروجهم والحافظات) المحذوف كلمة فروجهن، وقوله تعالى (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) وقوله تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) هذا الحذف هنا ليس فيه توسع ولا إطلاق في المعنى لأن المحذوف محدد ومعين.

(1/398)


وهناك قسم آخر من الحذف يؤدي إلى التوسع في المعنى وهذا يحتمل عدة تقديرات 2 أو 3 أو 4 أو 5 تقديرات قد يكون بعضها مراد وقد تكون كلها مرادة بقدر ما يحتمل السياق. وعلى سبيل المثال قوله تعالى (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين {44}) قال تعالى على لسان أصحاب الجنة (ما وعدنا ربنا) بالتخصيص لهم ولم يقل (ما وعدكم ربكم) مع أصحاب النار وذلك لأن الكافرين لا ينكرون فقط ما وعدهم ربهم لكنهم ينكرون ما وعدهم وما وعد غيرهم وكل ما يتعلق بالبعث والحساب والقيامة فهم ينكرون ما يتعلق بهم وبغيرهم فالسؤال لم يكن عن ما وعدهم ربهم فقط ولكن السؤال عن الوعد بصورته العامة لذا قال تعالى (ما وعد ربكم) ولو قال ما وعدكم لكان جزءا من المعنى المراد وليس كله فأهل قريش كانوا يؤمنون بالله لكنهم ينكرون الساعة والبعث. إذن الحذف هنا أدى إلى توسع في المعنى لأنه شمل ما وعدهم ووعد غيرهم والوعد العام بالحساب والبعث.
مثال آخر قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (ما) تحتمل أمرين تحتمل أن تكون مصدرية بمعنى فاصدع بأمرنا وتحتمل أن تكون اسم موصول فلو قال تعالى (فاصدع بما تؤمر به) لكان اسما موصولا قطعا. فما المقصود؟ تحتمل أن تكون فاصدع بأمرنا وتحتمل أنو تكون فاصدع بالذي تؤمر به والأمران مرادان في الآية أن يصدع بأمره ويصدع بما أمره به ولو ذكر أحد الأمرين لتحدد المعنى بشيء واحد أو بقسم من المعنى، وهذا الحذف هنا يدل على التوسع في المعنى.

(1/399)


ونظير ذلك قوله تعالى (أنسجد لما تأمرنا) تحتمل معنى أنسجد لما تأمرنا به وأنسجد لكل ما تأمرنا به ولأمرك ، فالحذف هنا أطلق المعنى ووسعه. ومثال ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الضحى (ألم يجدك يتيما فآوى) احتملت المعاني آواك وآوى بك خلقا كثيرا وآوى لك ولأجلك من آوى.
مثال آخر من الحذف وقد يكون الحذف للتوسع في المعنى يعطي أكثر من احتمالين كما في قوله تعالى (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) هذه الآية غريبة في التوسع فيها لأن احتمالات الحذف فيه متعددة، محتمل أن يكون المحذوف حرف الباء (بأن يقولوا على الله) بمعنى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب بهذا الأمر وهذا حذف قياسي. ومحتمل أن يكون المحذوف حرف في (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب في أن يقولوا على الله) ومحتمل أن يكون المحذوف حرف على (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب على أن لا يقولوا على الله) وهذا من باب التوافق والتعاهد سيكون أشد توافقنا وتعاهدنا على هذا فأصبح اشتراطا عليه، ومحتمل أن يكون المحذوف حرف اللام (لئلا يقولوا على الله) وهنا للتعليل فيمكن أن تكون كل هذه المعاني مرادة وكلها مرادة لأنه لو أراد سبحانه معنى منها لذكر أي حرف وحدد المعنى. والتوسع في هذه الآية ليس بحذف حرف الجر فقط ولكن هناك توسع آخر هو في عدم الحذف أصلا فيمكن أن لا يكون هناك حذف أصلا، وهناك احتمال أن يكون هناك احتمال حذف فلو سألنا ما هو ميثاق الكتاب؟ الجواب: (أن لا يقولوا على الله إلا الحق)وهذه الجملة قد تكون عطف بيان أو بدل وهناك احتمالان آخران (أن) يحتمل أن تكون مصدرية أو تفسيرية وكذلك هناك إحتمالان لـ (لا) تحتمل أن تكون نافية أو ناهية إذن هناك تسعة احتمالات في هذه الآية الواحدة إحتمال حذف حرف الجر (الباء، في، على، اللام) واحتمال عدم الحذف (عطف بيان أو بدل) واحتمال أن (تفسيرية أو مصدرية) واحتمال لا ناهية أو نافية، فهذه تسعة احتمالات لمعاني

(1/400)


في آن واحد وهذا توسع عجيب في هذه الآية الكريمة وقد تكون كل هذه المعاني مرادة ولو أراد معنى محددا لجاء بما يدل عليه.
مثال آخر قوله تعالى (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) هل المقصود (بأن أكون أول من أسلم) بحذف الباء أو (لأن أكون أول من أسلم) بحذف اللام وقد استعمل القرآن الكريم الحالتين في آيات أخرى ولو أراد اللام تخصيصا ونصا لقالها لكنه تعالى أراد المعنيين وهما مرادان والحذف في هذه الآية يدل على المعنيين معا.
وكذلك قوله تعالى (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما {127}). نذكر أن القاعدة في كتب النحو أنه إذا أدى الحذف إلى التباس في المعنى فلا يصح الحذف، لا يجوز الحذف مع فعل رغب أبدا لأن الحذف يؤدي إلى التباس في المعنى فإما أن يقال رغب فيه بمعنى أحبه أو يرغب عنه بمعنى تركه وانصرف عنه هذا في اللغة أما في هذا الآية فالله تعالى أراد المعنيين معا أراد معنى ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن وغناهن وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن وفقرهن وهكذا حذف الحرف ليدل على المعنيين ولو ذكر حرفا لخصص المعنى وحدده، لكن المعنيين مرادين والحكم يتعلق بالأمرين معا الذي يرغب في أن ينكحهن والذي يرغب عن أن ينكحهن.
* التضمين هو نوع آخر من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم:

(1/401)


التضمين في النحو هو إشراب لفظ معنى لفظ آخر فيأخذ حكمه. أو كلمة تؤدي مؤدى كلمتين مثال: فعل يتعدى بحرف وفعل يتعدى بآخر والتضمين هو تعدية الفعل بحرف الفعل الثاني. مثال على ذلك قوله تعالى فعل سمع يتعدى بنفسه في الأصل فنقول سمع الصوت وقوله تعالى (يومئذ يسمعون الصيحة بالحق)، لكننا في الصلاة وبعد الرفع من الركوع نقول: سمع الله لمن حمد فعل سمع هنا عدي باللام لأن المقصود هو فعل استجاب فكأنما أخذنا اللام من فعل الإستجابة وعدينا فعل سمع بهذه اللام لتعطي معنى الإستجابة وليس الإستماع فليس كل سماع إستجابة.
ومثل ذلك استخدام فعل نصر مع الحرف من كما في قوله تعالى (ونصرناه من القوم) في الأصل يقال (نصر على) لأن فعل نصر يتعدى بـ (على) و(نجى من) وفعل نجى يتعدى بـ (من)، وقد استخدم القرآن هاتين الحالتين في مواطن كثيرة وفي آيات كثيرة (فانصرنا على القوم الكافرين) وقوله تعالى (فأنجاه الله من النار). لكن في هذه الآية قال تعالى (ونصرناه من القوم) عدى الفعل نصر بما يتعدى به فعل نجى أي بحرف (من) وذلك للدلالة على أن المعنى المطلوب هو معنى النصر والنجاة في آن معا لأن الله تعالى نصره ونجاه وعاقب القوم وحاسبهم وعذبهم فجاء فعل نصر بمعنى نجى فكسب معنى النصر والنجاة أما في حالة (فأنجاه الله من النار) جاء الفعل نجى متعد بـ (من) لأن المعنى هو النجاة فقط ولا يمكن أن تعاقب النار ولا ينتصر منها. إذن لقد عدى فعل نصر بالحرف الذي عدى فيه فعل نجى وهذا يسمى التضمين وهو من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم.

(1/402)


مثال آخر قوله تعالى (عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا {6}) الأصل أن يقال يشرب منها. وهذه الآية فيها احتمالان: تحتمل أن يكون هناك تضمين بمعنى يرتوي بها (يشرب بمعنى يروى أو يشرب إلى أن يروى) وهذا هو الإحتمال الشائع عند المفسرين وقالوا هذا جزاء المقربين. لأنه لو أراد غير هذا المعنى لحدده كما قال في آية أخرى (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا {5}). في هذه الآية عدى فعل يشرب بالباء ليحتمل معنى يرتوي وهناك إحتمال آخر أنهم نازلون بها كما يقال نزلنا في المكان وشربنا به فتصير إذن ظرفية. إذن تحتمل التعدية بالباء لفعل يشربون أن تكون بمعنى الشرب حتى الإرتواء ومعنى التمتع بلذة النظر إلى العين والإستقرار عندها وهذه متعة أخرى.
كذلك قوله تعالى في سورة المطففين (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون). في الأصل يقال اكتال من ولا يقال اكتال على. وقد عدى فعل اكتال في هذه الآية بحرف على للدلالة على التسلط لأن هؤلاء المطففين لم يكتالوا من الناس بل تسلطوا عليهم بالإكتيال ولو كان الإكتيال طبيعيا لقال اكتالوا من الناس. (يقال كالوا الناس) كما في قوله تعالى (وإذا كالوهم أو وزنوهم) فعل كال وفعل وزن الأصل أن يتعدى بنفسه أو باللام وممكن الحذف يقال : كال له أو وزن له. فلماذا لم يقل كالوا لهم؟ اللام هنا تفيد الإستحقاق في أصل معناها في اللغة ثم تتشعب إلى معاني متعددة أخرى لكن هؤلاء المطففين لم يعطوا الناس حقوقهم فكيف يقول (كالوا لهم) فحذف لام الإستحقاق فقال كالوهم لأنهم ظلموا الناس ولو يعطوهم حقوقهم وعدى الفعل اكتال بالحرف على للدلالة على الظلم والتسلط.

(1/403)


وكذلك قوله تعالى (فليحذر الذين يخافون عن أمره) لا يقال في الأصل خالف عن الأمر وإنما يقال خالف الأمر. فعل خالف يتعدى بنفسه. لكن يخالفون عن جاءت بمعنى الإبتعاد عن الأمر أو العدول عن الأمر ولو كان قليلا. والمعنى من الآية أنه ينبغي على الإنسان أن يحذر من مجرد الإبتعاد ولو في أمر واحد أو قليل فكيف بالمخالفة للأمر فهذا من باب أولى وهو أمر كبير عظيم هذا تحذير عظيم. فالله تعالى يحذرنا من الفتنة بمجرد الإبتعاد عن أمره ولو كان قليلا فكيف المخالفة لأمره تعالى إذن صار المعنى يحتمل المخالفة والإبتعاد.
وكذلك قوله تعالى (من بعد أن أظفركم عليهم) يقال في الأصل ظفر به وليس ظفر على لكن تعدية الفعل أظفر بحرف على للدلالة على الإستعلاء. وكذلك قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) عدى فعل تأكلوا بالحرف إلى ليدل على معنى لا تجمعوها وتضموها إلى أموالكم آكلين لها بمعنى الإستحواذ والجمع.
* الإخبار بالعام عن الخاص:

(1/404)


هذا موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم. مثال على ذلك من القرآن قوله تعالى في سورة الأعراف (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين {170} ) القياس أن يقول إنا لا نضيع أجرهم لأن المبتدأ يحتاج إلى رابط قد يكون اسما أو إشارة أو ضمير وقد يكون الخبر عاما يدخل في ضمنه مبتدأ، لكنه قال أجر المصلحين وهذا للدلالة على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم من المصلحين وأن الأجر لا يختص بهم وحدهم وإنما هو لكل مصلح فالأجر يشمل كل مصلح هؤلاء المذكورين في الآية وغيرهم من المصلحين فهذا أوسع وأعم. وكذلك قوله تعالى في سورة الكهف (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا {30}) لم يقل أجرهم فأفاد أمرين أن هؤلاء المذكورين هم من الذين أحسنوا العمل وأنه هنالك من أحسن عملا غيرهم والله تعالى لا يضيع أجرهم جميعا. وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة (من كان عدوا لله وملآئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين {98}) لم يقل عدو لهم وهذا يدل على أمرين أنه من كان عدوا لله فهو من الكافرين لكن الكافرين لا يختصون بهؤلاء فقط وقوله تعالى الكافرين دلالة على أن هؤلاء من الكافرين وهو يشملهم ويشمل غيرهم أيضا. وكذلك قوله تعالى في سورة التوبة (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين {96}) لم يقل لا يرضى عنهم ليشمل هؤلاء المذكورين في الآية الذين هم من الفاسقين وليشمل جميع الفاسقين سواء كانوا من هؤلاء أو من غيرهم وهذا من باب التوسع بالمعنى وهو من إخبار بالعام عن الخاص.
* العطف بين المتغايرين:
وهذا الموطن له مواطن عديدة منها وليست موطنا واحدا :

(1/405)


1. العطف على مقدر غير مذكور في الكلام أو العطف على المعنى: حرف العطف والمعطوف موجود لكن المعطوف عليه غير مذكور وهو في القرآن كثير مثال قوله تعالى في سورة البقرة (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير {259}) الآية فيها أفعال أمر (انظر إلى طعامك) و(انظر إلى حمارك) و(انظر إلى العظام) أما قوله تعالى (ولنجعلك آية للناس) فهي ليست فعل أمر وليست معطوفة على ما قبلها وإنما هي علة واللام للتعليل. هي معطوفة لكن على ماذا؟ لو فتشنا في الآية كلها لا نجد المعطوف عليه وهذا إشارة إلى أن في هذا الموضع مطلوب هذا الأمر (لنجعلك آية للناس) لكن هنالك علل وأسباب أخرى غير مذكورة في هذه الآية وإنما اقتضى المقام هنا في الآية فقط ذكر هذه العلة (ولنجعلك آية للناس) فالله تعالى لم يحيي عزير ليجعله آية للناس فقط ولكن لأمور أخرى لم تذكر في الآية إذن قوله تعالى (ولنجعلك آية للناس) هي ليست العلة الوحيدة في إحيائه وإنما العلل الأخرى لم تذكر في الآية لدلالة التوسع في المعنى ولو أراد معنى واحدا لقال (ونجعلك آية للناس) بدون لام التعليل.

(1/406)


2. وكذلك قوله تعالى الأنعام (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين {75}) فالآية تفيد أن الله تعالى يري إبراهيم - عليه السلام - آيات أخرى إحداها أن يكون من الموقنين فالله تعالى يعد إبراهيم - عليه السلام - لأمور أخرى منها ليكون من الموقنين فجاء بواو العطف وجاء بالعلة (ليكون من الموقنين) في هذه الآية بحسب ما يقتضيه السياق.
3. وكذلك قوله تعالى في سورة آل عمران (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين {140}) فالمداولة بين الناس كثيرة وفي هذه الآية ذكر جزءا من علل المداولة وهي ليست الجانب الوحيد المقصود ولذلك جاء قوله تعالى (وليعلم الله الذين آمنوا). ويمكن أن يذكر عللا متعددة لكنه ذكر علة واحدة حسب ما يقتضيه سياق الآيات في السورة. ومثل هذا قوله تعالى في سورة الزخرف (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون {63}).

(1/407)


4. وكذلك قوله تعالى في سورة المؤمنون (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون {19}) وهو يختلف عن قوله تعالى في سورة الزخرف (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون {73}) لأنه في الدنيا نزرع الفاكهة ليس للأكل فقط وإنما نصنع منها العصير ونجففها ونتداول بها ونتداوى بها وغيرها من الأمور والأغراض وإحداها هو الأكل أما في فاكهة الجنة فليس في الجنة تجارة والفاكهة لا تكون إلا للأكل فقط فلم يأتي بالواو مع كلمة تأكلون في فاكهة الجنة وجاء بالواو في فاكهة الدنيا.
* العطف على مغاير في الإعراب:

(1/408)


العطف على مغاير في الإعراب هو موطن آخر من مواطن التوسع في القرآن الكريم مثل أن يضاف منصوب يعطف عليه مرفوع أو فعل منصوب يضاف إليه مجزوم ولكل منهم حكمه وهذا لغرض التوسع في المعنى. وفي القرآن الكريم أمثلة عديدة على هذا النوع من التوسع في المعنى منها قوله تعالى في سورة المنافقون (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين {10}) (أكن) عطف مجزوم على منصوب (فأصدق) هذا يسمى في النحو عطف على المعنى والفاء في كلمة (فأصدق) تسمى فاء السببية في النحو التي تقع بعد الطلب (لأن لولا حرف تحضيض) فلو أسقطنا الفاء وأردنا الطلب نجزم على جواب الطلب (لولا أخرتني أصدق) كما في قوله تعالى : (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) أما لما نجيء بالفاء ننصب. معناها إن تؤخرني أكن من الصالحين على تقدير شرط ؛ أي جواب شرط مقدر وفي هذه الآية أراد تعالى معنيين ولم يرد السبب في المعطوف والمعطوف عليه وأراد تعالى أن يجمع بين السبب وبين الشرط. لو قال تعالى (فأصدق وأكون) لكان عطف سبب على سبب لكنه أراد أن يجمع المعنيين السبب والشرط أي الإشتراط على النفس والإشتراط فيه توثيق فعطف مجزوم على منصوب لإرادة معنيين. لكن يبقى السؤال لماذا أراد المعنيين؟ لو نظرنا إلى الآية فقد جاء فيها أمرين الصدقة أن يكون من الصالحين وهما ليسا بدرجة واحدة فكون الإنسان من الصالحين أكبر وأعظم من الصدقة وهو الأعم وهو الذي يدخل الجنة ولأنهما ليسا بدرجة واحدة فكيف يفرق بينهما؟ بعطف المجزوم على المنصوب فقال فأصدق ثم اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين. ولماذا قدم الصدقة؟ لأن السياق في السورة هو في الصدقة (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن

(1/409)


يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون {9}) فقدم الصدقة مراعاة لمقتضى السياق وجزم (أكن) مراعاة للأهمية.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة التوبة (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم {3}) ورسوله جاءت على غير إرادة إن أي مرفوعة وليست منصوبة وهي ليست معطوفة على ما قبلها (الله) فجاءت كلمة (ورسوله) مرفوعة لأن براءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليست كبراءة الله تعالى وإنما هي تابعة لها فبراءة الله تعالى أولا فلم يجعل براءة الله تعالى وبراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمرتبة واحدة فجعل براءة الرسول أقل توكيدا من براءة الله تعالى ودونها وتبعا لها.
وكذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة المائدة (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون {69}) برفع الصابئون لأنهم أبعد المذكورين عن الله وهم ليسوا من أهل الكتاب فجاءت مرفوعة على غير لإرادة إن وأقل توكيدا ويمكن الرجوع إلى صفحة لمسات بيانية في آي القرآن الكريم لقراءة ما جاء في هذه الآية مفصلا.

(1/410)


وكذلك قوله تعالى (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون {177}) وهذا يسمى القطع بمعنى أخص الصابرين وهذه كلها تخص التوسع في المعنى في العطف على مغاير حتى يفهمنا تعالى أن هذا ليس بمنزلة الأولى وقد يكون أقل منه أو أعلى منه.
* العطف على مغاير في المعنى:

(1/411)


موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو العطف على مغاير في المعنى مثل قوله تعالى في سورة يونس (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون {71}) لا يقال في اللغة أجمع للشركاء وإنما يستخدم فعل أجمع للأمور المعنوية أما فعل جمع فيستخدم للأمور المادية والمعنوية فالمقصود في الآية أجمعوا أمرهم وجمعوا شركاءهم لأن كما أسلفنا لا يكون فعل أجمع مع الشركاء أو الأمور المادية أما جمع فتأتي مع الأمرين. ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى (والذين تبوؤا الدار والإيمان) الإيمان لا يتبؤأ إنما يتبوأ الدار فهنا عطف على الدار لكن ليس بنفس المعنى فالمقدر له عامل آخر. وتقول العرب : "شراب ألبان وتمر" والمقصود أن التمر للأكل واللبن للشراب، إذن يذكر أمر ويعطف عليه أمر ويفهم بأن هناك محذوفا يقتضيه المعنى وهذا من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم.
* موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو أن يكون هناك جمل تحتمل في بنائها أكثر من دلالة وكلها مرادة:
مثال قوله تعالى في سورة الملك (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور {13} ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير {14}). ما المقصود بقوله تعالى (ألا يعلم من خلق)؟ هل يقصد الخالق أم المخلوق؟ بمعنى ألا يعلم الخالق بعباده ويعلم ما يسرون وما يجهرون به (هنا تكون فاعل)؟ ويحتمل أن يكون المعنى ألا يعلم الذين خلقهم؟ (وهنا تكون مفعول به) إذن (من خلق) تحتمل المعنيين الخالق والمخلوق.

(1/412)


ومن ذلك قوله تعالى في سورة الرعد (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب {27}) من فاعل المشيئة؟ الله تعالى أم المخلوق؟ تحتمل أن يكون المعنى يضل من يشاء فيبقيه على ضلاله ويهدي من يشاء فييسر له طريق الهداية ويحتمل أن يكون المعنى من يشاء الله أن يضله ويهدي إليه من أناب تحتمل (من يشاء) المعنيين والله تعالى يقول للشيء إذا أراده كن فيكون.
وكذلك قوله تعالى في سورة غافر (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار {35}) ما المقصود بقوله تعالى (على كل قلب) هل المقصود على قلب كل متكبر جبار (اي قلوب المتكبرين جميعا) أو على كل قلب المتكبر الجبار؟ لو أراد أحد هذين المعنيين لقال تعالى "على قلب كل متكبر جبار" وإنما قال (على كل قلب متكبر جبار) والمراد هنا معنيين أحدهما يطبع الله تعالى على كل القلب فلا يترك من القلب شيئا ويطبع على قلوب كل المتكبرين الجبارين.

(1/413)


كذلك قوله تعالى في سورة فصلت (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم {34}) الإستواء لابد أن يكون له طرفين فنقول لا يستوي فلان وفلان. ويمكن القول لا تستوي الحسنة والسيئة بحذف (لا) كما قال تعالى (وما يستوي الأعمى والبصير) فلماذا جاء بـ (لا) هنا؟ النحاة يقولون أن (لا) مزيدة للتوكيد لكن لها دلالة أخرى غير الزيادة في التوكيد فلو قال لا تستوي الحسنة والسيئة فالمعنى واحد واضح لكن زيادة (لا) تفيد أن الحسنات لا تستوي بين بعضها لأن بعض الحسنات أفضل وأعظم من بعض، وكذلك السيئات لا تستوي فيما بينها فهناك سيئات أعظم من سيئات وكذلك الحسنات لا تستوي مع السيئات وهكذا باستخدام (لا) في الآية أفادت هذه المعاني الثلاثة. وكذلك قوله تعالى (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) تدل على معاني ثلاث هي أن الأحياء لا يستوون فيما بينهم والأموات لا يستوون فيما بينهم والأحياء والأموات لا يستوون أيضا وهذه المعاني كلها مرادة وكذلك قوله تعالى (ولا الظلمات ولا النور).

الفهرس
أسرار البيان في التعبير القرآني ........................................................ 1
تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل المؤنث ................................................. 9
التقديم والتأخير في القرآن الكريم .......................................................15
أمثلة أخرى على التقديم والتأخير .......................................................34
موضوع القطع في القرآن الكريم ......................................................41
مقاصد الذكر والحذف في الحروف في القرآن الكريم ....................................43
الفاصلة القرآنية من حيث المعنى .......................................................51
موضوع التشابه والإختلاف في القرآن الكريم ..........................................54
التوسع في المعنى في القرآن الكريم .....................................................61

(1/414)


الأسئلة والأجوبة المفيدة
في
لطائف بعض الآيات القرآنية
للدكتور / فاضل صالح السامرائي
أستاذ النحو في جامعة الشارقة

1- سؤال: ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (هذا بلاغ للناس) سورة إبراهيم آية 52 و(بلاغ) سورة الأحقاف آية 35؟
كلمة (بلاغ) في سورة الأحقاف هي خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : هذا بلاغ. ففي سورة الأحقاف سياق الآيات التي قبلها والمقام هو مقام إيجاز لذا اقتضى حذف المبتدأ فجاءت كلمة بلاغ ولم يخبرنا الله تعالى هنا الغرض من البلاغ ، أما في سورة إبراهيم فإن الآيات التي سبقت الآية (هذا بلاغ للناس) فصلت البلاغ والغرض منه من الآية (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) آية 42.

2- سؤال: (هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) سورة ثم الآية (فقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض) وقوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) سورة ، لماذا جاءت الخصم مرة مفردة ومرة مثنى وجمع؟
الخصم تأتي للمفرد والجمع (هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) مثل كلمة بشر والفلك وضيف وطفل، وربما تأتي للتثنية (هذان خصمان اختصموا في ربهم) .يقول المفسرون هما فريقان كل فريق له جماعة فلما جاءا يختصمان جاء من كل فريق شخص واحد يمثل الفريق والمتحدثان هما أصحاب المسألة (خصمان). كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فكل طائفة لها جماعة عند الصلح يأتي من كل طائفة من يفاوض باسمها لكن إذا وقع القتال بينهما يقتتل كل الأفراد، فإذا اختصم الفريقين يقال اختصموا وإذا اختصم أفراد الفريقين يقال اختصموا. وكذلك في كلمة بشر (أبشرا منا واحده نتبعه) وقوله تعالى (بل أنتم بشر مما خلق). وكلمة (طفل) قد تأتي للمفرد وجمع وقد يكون لها جمع في اللغة (الأطفال) وقد استعمل القرآن هاتين الكلمتين.

3- سؤال: ما الفرق بين البأساء والضراء من حيث المعنى في القرآن الكريم؟

(1/415)


البأساء هي الشدة عموما ولكن أكثر ما تستعمل في الأموال والأنفس. أما الضراء فتكون في الأبدان.

4- سؤال: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) سورة الأنعام والآية (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) سورة النحل، ما الفرق من الناحية البيانية بين (بمن ضل) و(من يضل)؟
من استفهامية وهي من باب التعليق ومعلقة والجملة في محل نصب مفعول به لفعل مقدر.
بمن: موصولة ومعناها هو أعلم بالذي ضل عن سبيله.

5- ما الفرق بين كلمتي (عباد) و(عبيد) في القرآن؟
كلمة عباد تضاف إلى لفظ الجلالة فالذين يعبدون الله يضافون للفظ الجلالة فيزدادون تشريفا فيقال عباد الله كما ورد في سورة الفرقان (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما {63})، أما كلمة عبيد فهي تطلق على عبيد الناس والله معا وعادة تضاف إلى الناس ، والعبيد تشمل الكل محسنهم ومسيئهم كما ورد في سورة ق (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد {29}). العبد يجمع على عباد وتاعبد يجمع على عبيد.

6- ما اللمسة البيانية في استخدام كلمة (الله) و(الرب) في الآيتين: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) سورة النساء وقوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم) سورة النساء؟

(1/416)


لفظ الجلالة الله هو اللفظ العام لله تعالى ويذكر هذا اللفظ دائما في مقام التخويف الشديد وفي مقام التكليف والتهديد. أما كلمة الرب فتأتي بصفة المالك والسيد والمربي والهادي والمرشد والمعلم وتأتي عند ذكر فضل الله على الناس جميعا مؤمنين وغير مؤمنين فهو سبحانه المتفضل عليهم والذي أنشأهم وأوجدهم من عدم وأنعم عليهم. والخطاب في الآية الثانية للناس جميعا وهو سبحانه يذكر النعمة عليهم بأن خلقهم والذين من قبلهم، ولذا جاءت كلمة (ربكم) بمعنى الربوبية . وعادة عندما تذكر الهداية في القرآن الكريم تأتي معها لفظ الربوبية (رب).

7- ما دلالة كلمة (لنريه) في سورة الإسراء؟
قد يحتمل المعنى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعطي الرؤية الإلهية وتعطلت الرؤية البشرية وربما يكون سبحانه وتعالى قد أعطاه رؤية قوية أكثر من قدرة البشر بدليل أنه رأى القافلة ورأى موسى وهو يصلي في قبره ورأى جبريل عليه السلام. والله أعلم.

8- ما إعراب كلمة (الشح) في قوله تعالى (وأحضرت الأنفس الشح)
فعل أحضر يأخذ مفعولين وكلمة الشح هي مفعول به ثاني لفعل أحضر، والأنفس نائب فاعل والمعنى أحضرنا الأنفس الشح، فكأنما المعنى أنه أحضر الشح للأنفس أو جيء بالشح وأحضر للأنفس. (وعليه يكون الأنفس مفعول به أول والشح مفعول به ثاني). وكأن الله تعالى أحضر الأنفس عندما خلقها خلق الشح وجعله فيها.

9- في سورة يوسف الآية (ليسجنن وليكونا من الصاغرين) جاءت لفظة (ليكونا) بالتنوين لماذا؟
في (ليكونا) هذه ليست تنوين وإنما هي نون التوكيد الخفيفة إذا وقف عليها يوقف عليها بالألف ويجوز أن ترسم بالتنوين. وفي كلمة (ليسجنن) هذه نون التوكيد الثقيلة وهي مؤكدة أكثر من الخفيفة وقد دلت في المعنى أن دخوله السجن آكد من كونه من الصاغرين.

(1/417)


10- ما إعراب كلمة (الوصية) في قوله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين {180}) سورة البقرة؟
الوصية نائب فاعل
11- لماذا الإستثناء في قوله تعالى في سورة هود : (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) ؟
قال تعالى في سورة هود (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق {106} خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد {107} وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ {108} ) أولا السموات والأرض في هذه الآية هي غير السموات والأرض في الدنيا بدليل قوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات). أما الإستثناء فلأن الخلود ليس له أمد، والحساب لم ينته بعد ولم يكن أهل الجنة في الجنة ولا أهل النار في النار فاستثنى منهم من في الحساب. وقول آخر أن أهل النار قد يخرج بهم إلى عذاب آخر أما أهل الجنة فهناك ما هو أكبر من الجنة ونعيمها وهو رضوان الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم والله أعلم. قسم يقولون أن الإستثناء هو في مدة المكث في الحشر (مدته خمسين ألف سنة) وقسم من قال هذا حتى يقضي الله تعالى بين الخلائق، وقسم قال هم من يخرجون من النار من عصاة المسلمين، وقسم قال الإستثناء من بقائهم في القبر وخروجهم من الدنيا ، وقسم قال هو إستثناء من البقاء في الدنيا وهذه المعاني كلها قد تكون مرادة وتفيد أنهم خالدين فيها إلا المدة التي قضاها الله تعالى قبل أن يدخلوا الجنة أو قد تكون عامة لكن قضى الله تعالى أن يكونوا خالدين.

(1/418)


12- لماذا ذكر ( شعيب) في سورة الشعراء بينما ذكر (أخوهم شعيب) في سورة هود؟
شعيب أرسل إلى قومين هما قوم مدين وهو منهم فعندما ذهب إليهم قال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط {84}) وأصحاب الأيكة ولم يكن منهم وليسوا من أهله فلم يذكر معهم أخوهم شعيب لأنه ليس أخوهم (كذب أصحاب الأيكة المرسلين {176} إذ قال لهم شعيب ألا تتقون {177}). وكذلك في القرآن الكريم لم يذكر في قصة عيسى - عليه السلام - أنه خاطب قومه بـ (يا قوم) وإنما كان يخاطبهم بـ (بني إسرائيل) لأنه ليس له نسب فيهم أما في قصة موسى فالخطاب على لسان موسى جاء بـ (يا قوم) لأنه منهم.
13- ما اللمسة البيانية في استخدام (لا أقسم) في القسم في القرآن الكريم؟ (لا أقسم بيوم القيامة) (لا أقسم بهذا البلد) ؟
لم يرد في القرآن كله كلمة (أقسم) أبدا وإنما استخدم لفظ (لا أقسم) بمعنى أقسم و(لا) لتأكيد القسم. فقد يكون الشيء من الوضوح بمكان بحيث لا يحتاج لقسم وهذا تعظيم للشيء نفسه. وقد تعني (لا أقسم) أحيانا أكثر من القسم (زيادة في القسم).
14- ما الفرق البياني بين قوله تعالى (ما منعك أن تسجد) سورة ص و(ما منعك ألا تسجد) سورة الأعراف؟
هناك قاعدة(لا) يمكن أن تزاد إذا أمن اللبس، وسميت حرف صلة وغرضها التوكيد وليس النفي. ونلاحظ أن سياق الآيات مختلف في السورتين ففي سورة الأعراف الآيات التي سبقت هذه الآية كانت توبيخية لإبليس ومبنية على الشدة والغضب والمحاسبة الشديدة وجو السورة عموما فيه سجود كثير.
15- ما دلالة تكرار الآية (فبأي آلآء ربكما تكذبان) في سورة الرحمن؟

(1/419)


تكرار الآيات قد يكون للتوكيد ففي ذكر النار من قوله تعالى (سنفرغ لكم أيها الثقلان) تكررت الآية 7 مرات على عدد أبواب جهنم أما في الجنة (من دونهما جنتان) تكررت الآية 8 مرات على عدد أبواب الجنة.
وفي نفس الآية لمن يوجه الله تعالى خطابه في قوله (فبأي آلاء ربكما تكذبان)؟
نلاحظ أول آية في سورة الرحمن ابتدأت فيها هذه الآية ويقول المفسرون أن المقصود بهما الثقلان أي الإنس والجن. لكن السؤال لماذا جاءت أول مرة ولمن الخطاب هنا؟ يقول عامة المفسرون أنه ليس بالضرورة عندما تخاطب واحدا أو جماعة أن يسبقه كلام فمن الممكن مخاطبة جماعة لأول مرة بدون سابق خطاب (أين أنتم ذاهبون؟) ومع ذلك فقد ورد قبلها ما يدل على المخاطبين فقد قال تعالى (والأرض وضعها للأنام) والأنام من معانيها الثقلان أي الإنس والجن (وقسم من المفسرين يحصرونها بهذا المعنى) ومن معانيها : البشر ، وقسم آخر يقول : أنها تعني كل المخلوقات على الأرض ؛ لكن قطعا من معانيها الثقلين مما يشمل الإنس والجن. والأمر الثاني هو أنه قبل الآية الأولى فيها خطاب المكلفين وهما الإنس والجن (أن لا تطغوا في الميزان* وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) والمكلفين هما الإنس والجن. وإذا أخذنا معنى الأنام المقصور على الثقلين انتهى الأمر وإذا أخذنا المعنى أنه المخلوقات جميعا فالآيات تفيد التخصيص. ثم قال تعالى (الرحمن * علم القرآن) والقرآن هو للإنس والجن. إذن من الممكن أن يخاطب تعالى الثقلين مباشرة دون أن يسبقه كلام وإنما في هذه الآيات سبقه كلام وأوامر ونواهي للثقلين والكتاب الذي أنزل للإنس والجن إذن هو خطاب عادي للثقلين في قوله تعالى (فبأي آلآء ربكما تكذبان).

(1/420)


يبقى سؤال آخر: جاء الخطاب في الآية للثقلين (بالمثنى) وقال تعالى (وأقيموا الوزن) بالجمع لماذا؟ الخطاب للثقلين بالمثنى هو للفريقين عموما وهما فريقان اثنان (فريق الإنس وفريق الجن) على غرار قوله تعالى (قالوا خصمان) وقوله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وصيغة الجمع تدل على أن الخطاب هو لكل فرد من أفراد هذين الفريقين.
في بداية السورة قال تعالى (خلق الإنسان * علمه البيان) الآية تدل على خلق الإنسان مع أن الأنام فيما بعد تدل على المخلوقات عامة وذلك لأن الإنسان هو الذي أنزل عليه الكتاب أو القرآن وبينه للثقلين. وعلمه البيان بمعنى ليبين عن نفسه والبيان هو القدرة على التعبير عما في النفس، والله أعلم.
16- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (ليس البر أن تولوا وجوهكم) سورة البقرة وقوله تعالى (ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) سورة البقرة؟
البر بالفتحة في الآية الأولى هي خبر ليس و" أن تولوا " هو الاسم ، أما في الآية الثانية فكلمة (البر) بالضم هي اسم ليس.
17- ما الفرق بين كلمة (المخلصين) بفتح اللام وكلمة (المخلصين) بكسر اللام؟
المخلصين بفتح اللام تعني من أخلصه الله لعبادته وطاعته، أما المخلصين بكسر اللام فتعني من أخلص نفسه لعبادة الله وطاعته.
18- ما معنى قوله تعالى (وأمرت أن أكون أول المسلمين) عن سيدنا محمد مع العلم أن الأنبياء قبله كانوا مسلمين؟
الإسلام هو دين الله وهو الدين من أول الأنبياء إلى يوم الدين وقد سبق في القرآن الكريم ذكر نوح وإبراهيم ولوط ومن اتبعهم بأنهم من المسلمين لكن دين الإسلام كإسلام أطلق على ديننا وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو أول من أسلم.
19- ما اللمسة البيانية في قوله تعالى في سورة الحجر (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) بتخفيف الباء في كلمة (ربما)؟

(1/421)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية