صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : لمسات بيانية

والتوكيد بـ(اللام) في كلمة (للآخرة) فيه اختلاف مع آية سورة النجم (فلله الآخرة والأولى) فما الحكم البياني في هذا التوكيد في سورة الليل؟ التوكيد في سورة الليل جاء مناسبا لسياق الآيات، فسياق الآيات في سورة الليل جاء كله في الأموال وامتلاكها والتصرف فيها (فأما من أعطى) والمعطي لا بد أن يكون مالكا لما يعطيه، (وأما من بخل واستغنى) والبخيل هو أيضا مالك للمال لأنه لو لن يكن يملكه فبم يبخل؟ وكذلك الذي استغنى وهو من الغنى ثم ذكر المال (وما يغني عنه ماله إذا تردى) و (الذي يؤتي ماله يتزكى) فالسورة كلها في ذكر الأموال وتملكها والتصرف فيها فلذا ناسب التوكيد باللام هنا لأن الآخرة والأولى من الملك لله حصرا. أما في سورة النجم فسياق الآيات ليس في المال ولا في التملك أصلا فلم يؤكد باللام.

في الآية جاءت كلمة (الأولى) مقابل (الآخرة) ولم ترد مثلا كلمة (الدنيا) مقابل (الآخرة) ما الحكم في استخدام الأولى بدل الدنيا؟
الحقيقة أولا وللعلم لم يرد في القرآن الكريم كله ولا مرة واحدة لفظ الدنيا مع الآخرة إنما ورد دائما كلمتي الأولى والآخرة. ولهذا أسبابه البيانية:
الأولى أعم من الدنيا في الاستعمال القرآني وفي اللغة أيضا. القرآن يستعمل الدنيا لما يحيا فيه الإنسان ويعيش كقوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) و (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) و (متاع الدنيا قليل)، أما الأولى فتستعمل عامة لما يعلمه الإنسان وما لا يعلمه من أمر السموات والأرض فكلها الأولى. فالأولى إذن أوسع من الدنيا. ولما أراد الله تعالى أن يذكر سعة الملك في سورة الليل ناسب أن يأتي بكلمة الأولى التي هي أعم وأوسع.

(1/211)


الثاني أن كلمة الدنيا نفسها هي مؤنث الأدنى ومن معانيها الأقرب والأخس والدون والأقل كما في قوله تعالى (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) فلما أراد الله تعالى أن يذكر في سورة الليل سعة ملكه وعظمته لم يناسب ذكر كلمة الدنيا التي قد تحتمل في معانيها (الدون أو الأقل). إذن كلمة الدنيا لا تناسب هنا من حيث الدلالة اللغوية واشتقاقها ومن حيث السياق أيضا.
- قوله ( فأنذرتكم نارا تلظى - لا يصلاها إلا الأشقى - الذي كذب وتولى - ) .
هذه الآيات مرتبطة بقوله تعالى (إن علينا للهدى* وإن لنا للآخرة والأولى) لأن هذا من الهدى ، أنذرنا هو من الهدى الذي ينبه الله تعالى منه (إن علينا للهدى) وهذا في الآخرة فهي مرتبطة بـ (وإنا لنا للآخرة). وفي سورة الليل ذكر الله تعالى الإنذار ولم يذكر التبشير ولذلك اقتصر على ذكر النار ولم يذكر الجنة لأن ذكرها تبشير وليس هنا مقام التبشير. كما ذكر للأشقى صفتين: التكذيب والتولي، (الذي كذب وتولى) كذب: بمعنى كذب بكل مفردات الإيمان، وتولى بمعنى أدبر عن الطاعات واشتغل بالمعاصي. فجاءت كذب مقابل (وصدق بالحسنى) وتولى وقابل (أعطى واتقى) لأن عدم العطاء من التولي. وهذه الآية (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) توكيد للآية السابقة (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) وهي أعم منها أيضا لأن التولي أعم من البخل والاستغناء فالتولي لا يقتصر على البخل والاستغناء إنما هو تولي عن كل الطاعات وإدبار عنها عموما. وكذب أعم من (كذب بالحسنى) لأنه كذب بالحسنى وبغير الحسنى.
إذن لما عم السوء وانتشر أصبحت العاقبة أشد من الأولى و لما كان هذا أعم كانت العاقبة أسوأ لأن الأول بخل واستغنى وكذب بالحسنى وهذا كذب عموما وتولي عام لذا كان يجب أن تكون العقوبة أسوأ، أولا وصفه بالأشقى وذكر أن له نارا تلظى أما في الآيات السابقة اكتفى بـ (فسنيسره للعسرى) وهذه العاقبة أخف.

(1/212)


ما الحكمة في الإتيان بفعل (فأنذرتكم) بصيغة الماضي وقد ورد هذا الفعل بصيغة المضارع في آيات أخرى في القرآن؟: جاء الفعل بصيغة المضارع لأن الله تعالى أنذرهم هنا بشيء واحد ألا وهو نارا تلظى بمعنى شيء واحد وانتهى، كما في قوله أيضا (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) و(إنا أنذرناكم عذابا قريبا). أما في قوله تعالى (إنما أنذركم بالوحي) فالإنذار هنا مستمر طالما الوحي مستمر بالنزول ولا ينتهي لذا جاءت صيغة الفعل المضارع.
ما الحكم البلاغي في مجيء الآية (فأنذرتكم نارا تلظى) بدون توكيد على خلاف ما جاء في سورة النبأ (إنا أنذرناكم عذابا قريبا). سورة النبأ فيها توكيد لأن الإنذار في سورة النبأ متسع ومتكرر من أول السورة إلى أوسطها إلى آخرها (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) (إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا،...جزاء وفاقا..فذوقوا ..) (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) فهو إنذار متسع طويل وفيه بسط ومتصل ومكرر فهو أدعى للتوكيد من سورة الليل. أما في سورة الليل فلم يرد الإنذار إلا في آية واحدة لذا لا تحتاج إلى توكيد.
- قوله ( وسيجنبها الأتقى - الذي يؤتي ماله يتزكى - ) .
لماذا لم ترد الآية على نفس سياق ما قبلها (ولا يجنبها إلا الأتقى) لا تصح لأن في هذا جلالة على أنه لن يجنبها إلا الأتقى بمعنى أن المتقون لن يجنبوها وفي هذا ظلم للمتقين وحاشا لله أن يكون هذا. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده لأن معنى الآية أن الله تعالى يجنب الأتقى وغير الأتقى أيضا فرحمته سبقت غضبه. في العذاب حصر (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) وفي الرحمة أطلق سبحانه هو الرحيم.
إجمالا في هذه الآية والتي قبلها ذكر مقابل الأشقى الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى. فالصفة العليا (الأتقى) الذي يؤتي ماله (الوصف الأعلى للإنفاق ولم يقل من ماله إنما قال ماله ولم يقل المال) والتزكي (أعلى درجات التصديق).

(1/213)


في السيئة بدأ من الخاص إلى العموم (أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) وفي الحسنة ترقى من الأفضل إلى الأفضل (الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) أعطى مقابل يؤتي ماله، واتقى مقابل الأتقى وصدق بالحسنى مقابل يتزكى لأن صدق بالحسنى هي أعلى الدرجات لأن فيها الإخلاص.

سيجنبها: استخدم الفعل بصيغة المبني للمجهول فلماذا لم يستخدم الفعل (سيتجنبها)؟
الآية فيه تحذير وإنذار عظيم إلى الناس لأن الأتقى لا يتجنبها بنفسه وإنما الأمر يعود إلى خالق الخلق وخالق النار ، فالله تعالى هو الذي يجنب عباده النار ولا أحد يستطيع أن يتجنبها بنفسه أبدا. ونظير هذه الآية ما جاء في قوله تعالى (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) سورة مريم. لا يستطيع الناس أن ينجوا بأنفسهم من النار ولو كان أحدهم الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى إنما ألمر يعود لخالق الناس وخالق النار سبحانه.

(1/214)


جاء في كثير من الآيات في القرآن الكريم قوله تعالى (ينجي الله) (ننجي الذين اتقوا) فما الحكمة في الآية هنا (سيجنبها الأتقى)؟ هناك فرق بين التجنيب والتنجية. التنجية قد تكون بعد الوقوع في الشيء ومعاناته كما في قوله (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) بمعنى أنهم ذاقوا العذاب ثم نجاهم الله تعالى فكانت النجاة بعد الوقوع في المكروه. وكذلك قوله تعالى (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) بعدما وقعوا في النار ينجي الله تعالى الذين اتقوا. وكذلك في قصة سيدنا يونس - عليه السلام - (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) سورة الأنبياء، آية 88، كان قد وقع في الكرب ثم نجاه الله تعالى منه . إذن النجاة تقع بعد الوقوع (ننجي الذين اتقوا). أما التجنيب فهي التنحية بمعنى أنه لا يقع في المكروه أصلا (سيجنبها الأتقى) والأتقى في المرتبة الأعلى فهو لا يقع في التجربة أصلا. إذن مع اتقوا يستعمل القرآن لفظ (التنجية) ومع الأتقى يستعمل (التجنيب).
- قوله ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى - ولسوف يرضى - ) .
عندما يؤتي ماله ليس لأحد فضل عليه يؤديه له وإنما يفعله لوجه الله تعالى وعمله غير مشوب بشائبة فهو لا يرد معروفا لأحد وإنما ابتغاء وجه الله من غير توقع رد جميل وإنما هو خالص لوحه الله وهذا هو منتهى الإخلاص. ليس لأحد فضل فيجازيه عليه وإنما يفعله خالصا لوجه الله تعالى.

(1/215)


ولسوف يرضى: فيها احتمالين أن تكون للشخص الذي يرضى بثوابه في الآخرة (الأتقى الذي أعطى ماله) أو هو الذي يبتغي وجه ربه الأعلى إذن سيرضى الله عنه، وهي الحالتين معا سيرضى بثوابه فيما أعج الله تعالى له من كرامة ورضوان الله أعلى شيء ( ورضوان من الله أكبر) أكبر من الجنات. وقالوا في الأثر: تحتاجون لعلمائكم في الجنة كما كنتم تحتاجون إليهم في الدنيا قالوا كيف يا رسول الله قال يطلع الله على أهل الجنة فيقول سلوني سلوني ولا يعرفون ما يسألونه فيذهبون إلى علمائهم فيقولون ماذا نسأل ربنا فقالوا اسألوه رضوانه وهو أعلى شيء.
الخطوط التعبيرية في السورة: خط العموم، خط المقابلة، خط التفضيل.
خط العموم: السورة كلها في العموم من قوله تعالى (والليل إذا يغشى) لم يذكر تعالى ناذا يغشى و(النهار إذا تجلى) (وما خلق الذكر والأنثى)، (إن سعيكم لشتى) (فأما من أعطى ) أطلق العطاء وأطلق جهة العطاء وأطلق اتقى ماذا اتقى. النار، غير النار، (صدق بالحسنى) ما هي الحسنى؟ (فسنيسره لليسرى) ما هي اليسرى؟

لمسات بيانية في سورة البلد
- قوله ( لا أقسم بهذا البلد - وأنت حل بهذا البلد - ووالد وما ولد - لقد خلقنا الإنسان في كبد - ) .
إطلالة عامة على السورة: لو نظرنا في السورة وعلاقتها بما قبلها أي (سورة الفجر)، قال تعالى في سورة الفجر (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن) ذكر الإنسان الغني والفقير، الذي قدر عليه رزقه والذي أغناه. وفي سورة البلد ذكر الذي أهلك المال والفقير. ثم إن ربنا تعالى وصف الإنسان في سورة الفجر بقوله: (كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين) وفي سورة البلد وصانا تعالى بالرحمة بهذين الضعيفين بقوله: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة).

(1/216)


والأمر الآخر أن هناك ترابط بين السورتين بدليل: قال تعالى في سورة الفجر: (وتأكلون التراث أكلا لما)، وقال في سورة البلد: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) فكما تأكل يجب أن تطعم.
في سورة البلد على العموم استوفت كل عناصر البلاغ والإرسال: موطن الرسالة (لا أقسم بهذا البلد) والرسول (وأنت حل بهذا البلد) والمرسل إليه وهو الإنسان (ووالد وما ولد) والرسالة وهي الإيمان والعمل الصالح (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وأصناف الخلق بالنسبة للإستجابة للرسالة (أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة).
- قوله ( لا أقسم بهذا البلد )
ما دلالة (لا) في القسم؟
أولا لم يرد في القرآن كله (أقسم بـ) أبدا، كل القسم في القرآن ورد باستخدام (لا) كقوله تعالى: (لا أقسم بمواقع النجوم) (ولا أقسم بالخنس) (فلا وربك لا يؤمنون) وهكذا في القرآن كله.
فما هي (لا)؟ اختلف النحاة في دلالة (لا): كلام عام من (لا أقسم عموما) يقولون (لا) زائدة لتوكيد القسم بمعنى (أقسم) مثال قولنا: والله لا أفعل معناها لا أفعل، ولو قلنا: لا والله لا أفعل معناها لا أفعل، لا يختلف المعنى والقسم دلالة واحدة. وقسم يقولون هي للنفي (أي نفي القسم) والغرض منه أن الأمر لا يحتاج للقسم لوضوحه فلا داعي للقسم، وقسم قال أنها تنفي لغرض الإهتمام كأن تقول لا أوصيك بفلان (بمعنى لا أحتاج لأن أوصيك). وفي السورة (لا أقسم بهذا البلد) تدور (لا) في كل هذه الأمور على أنها توكيد للقسم بمعنى (أقسم بهذا البلد)، إذن الغرض للتوكيد لأن الأمر فيه عناية واهتمام.

- قوله ( وأنت حل بهذا البلد - )
ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (حل) عوضا عن كلمة حال أو مقيم؟

(1/217)


بداية السورة (لا أقسم بهذا البلد - وأنت حل بهذا البلد - ووالد وما ولد - لقد خلقنا الإنسان في كبد - ) المعنى العام أنه أقسم أو لم يقسم بهذا البلد في وقت حلول الرسول في البلد أنه خلق الإنسان في الشدائد لكن يبقى السؤال (وأنت حل) ما معنى حل؟ الرأي الأشهر أنه الحال والمقيم أي بمعنى وأنت حال في البلد تبلغ دعوة ربك وتلقى من الأذى ما تلقى. إذا كان هذا هو المعنى فلماذا لم تأتي كلمة (حال) بدل (حل)؟ لأن كلمة (حل) لها أكثر من دلالة ولا تقتصر على الدلالة المتبادرة للذهن:
(حل) تأتي بمعنى اسم المفعول أي بمعنى (مستحل) (على صيغة وزن من أوزان أسماء المفعول مثل الطحي من طحينا والذبح، ما يعد للذبح، والحمل أي الذي يحمل). لأن صيغة فعل هي من جملة أوزان أسماء المفعول الذي له أكثر من ثمانية أوزان (فعل مثل سلب ونهب). لا أقسم بهذا البلد وأنت مستحل قتلك لا تراعى حرمتك في بلد آمن يأمن فيه الطير والوحش (إذا كانت لهذا المعنى فلا تكون نافية).
وتأتي (حل) بمعنى حلال (حل، حلال، حلة) أي بمعنى حلال أن تقتل وتأسر من تشاء في ذلك البلد وذلك في يوم الفتح لأن أهل البلد جاءوا بما يستحلون به حرمتهم فرفعت الحرمة عنهم فأصبح حلا فتكون لا للنفي. وهذه المعاني كلها مادة وهو ما يسمى بالتوسع في المعنى.
لا أقسم بهذا البلد وأنت حال في هذا البلد تلاقي ما تلاقي وأنت مستحل لا تراعى حرمتك وأنت حلال بهذا البلد تقتل من تشاء وتأسر من تشاء في وقت من الأوقات (هذه كلها تشير إلى معاني كلمة حل) ومرتبطة بمعاني (لقد خلقنا الإنسان في كبد). ولو جاء باسم الفاعل (حال) لاقتصر على معنى واحد من هذه المعاني المتعددة لكن المطلوب كل هذه المعاني فجاءت كلمة (حل) لمناسبتها لمقتضى المعنى.

(1/218)


قال تعالى في آية أخرى في القرآن ( وهذا البلد الأمين) فما الحكمة في أن يرد القسم في سورة البلد (لا أقسم بهذا البلد) بدون استخدام كلمة الأمين؟ هذا لأن جو السورة كلها فيه ذكر للمكابدة والمشقة واستحلال الحرمات وما أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا البلد وليس في السورة مجال لذكر الأمن، فالرسول والصحابة ليسوا آمنين في هذا البلد والرسول - صلى الله عليه وسلم - حل يفعل ما يشاء يوم الفتح فارتفعت عن البلد صفة الأمن في هذه السورة، فجو السورة كلها من أولها إلى آخرها ليس فيه أمن وأمان حتى في نهاية السورة لم يذكر جزاء المؤمنين (أولئك أصحاب الميمنة) إنما اكتفى تعالى بذكر جزاء الكافرين (والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة). لا يوجد أمن في البلد ولا الجو العام في السورة فيه أمن.
ما اللمسة البيانية في تكرار كلمة (البلد)؟ فلماذا لم ترد مثلا : وأنت حل به؟
لو لاحظنا كلام العرب لوجدنا أنهم يكررون في مواطن التحسر أو التعظيم أو التهويل لأنه أبلغ كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و(الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة) هنا تأتي للتهويل. وكما في قوله تعالى (أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله) هنا التكرار للتعظيم.
وفي سورة البلد تكرار كلمة (البلد) هي في مقام التعظيم. ويذكر أيضا سبب آخر للتكرار وهو أن البلد المقصود به مكة وهو بلد حرام لا يسفك فيه دم ولا يروع فيه آمن ولكن الله تعالى أحل لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في يوم الفتح أن يفعل ما يشاء من قتل أو أسر فكأنما البلد صار غير البلد في يوم الفتح فأصبح له صفتان: حالة الحل وحالة الحرب وكأنه أصبح بلدين فكرر سبحانه كلمة البلد لتكرار الوصف.
- قوله ( ووالد وما ولد - )

(1/219)


لهذا التعبير عدة دلالات: قسم قال المقصود به الإنسان (آدم وذريته)، وقسم قال أن المقصود كل والد وما ولد من الأناسي والبهائم ولذا لم يقل ومن ولد وإنما قال وما ولد (المقصود به العموم وليس الخصوص ومن جملته آدم وذريته) وخصص بعد. أما ارتباطه بالمقسم عليه فهو أن جواب القسم (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد هو المشقة والشدة، والولادة هي المكابدة والشدة والمشقة فإذن ارتبطت بقوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ثم ارتبطت بآخر السورة (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن الوالد يحتاج في تربية ولده إلى صبر ومرحمة سواء كان من الأناسي أو البهائم ولولاهما لما استطاع تربية أبنائه. وهي مناسبة لجو السورة الذي كله يقوم على المكابدة والمشقة والصبر والمرحمة والإطار العام للسورة ، وارتبط بما كان يلاقيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكابدة ومشقة.
- قوله ( لقد خلقنا الإنسان في كبد - )
ما هو ارتباط الجواب بالقسم وما هي دلالة كبد؟
الكبد له أكثر من دلالتين فهو يعني:
الشدة والمشقة: يكابد مشاق الدنيا والآخرة ولم يقل خلقنا الإنسان مكابدا. (في كبد) تعني أنه مغمور في الشدائد والمشقات منذ قطع سرته والمشاق تحيط به وهو منغمر فيها إلى أن يقتحم العقبة فأما أن ينجو أو أن يكون في النار.
للقوة والصلابة والشدة: والكبدة هي القطعة من الأرض الصلبة يقال (أرض كبداء) لأن الذي خلق للمشاق ينبغي أن يكون متحملا للشدائد فهي من لوازم المعنى الأول.
أما ارتباط الجواب بالقسم: السورة كلها مبنية على هذا الأمر أي الكبد وكل تعبير مبني على ذلك. لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد وقد ذكرنا عدة معاني لكلمة (حل)
فإذا كان المعنى الأول أي بمعنى (حال) فهو يلقى من قومه ما يلقاه من العنت فهو في كبد مم يلاقيه من المشقة وهو يلقاها بقوة وثبات وتحمل.

(1/220)


وإذا كان بمعنى (مستحل) لا تراعى حرمته فهو دليل على أنه في كبد يحارب من قومه ويحاولون قتله.
وإذا كلن المقصود المعنى الثالث وهو (حلال في البلد) أي ضد الحرام فهو - صلى الله عليه وسلم - يحل له أن يقتل ويأسر إذن فالكفار هم في كبد ومشقة وعنت أما المسلمون ففي قوة، وهكذا ارتبط الجواب بالقسم فمن كل ناحية وفي كل معنى من المعاني.
وكذلك ارتباط (ووالد وما ولد) فالولادة مشقة وعنت وتحتاج إلى مثابرة وقوة للتربية، كما هي مرتبطة بما بعدها من اقتحام العقبة ومشاق الجوع في يوم ذي مسغبة.
- قوله ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالا لبدا - أيحسب أن لم يره أحد - ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين - وهديناه النجدين - )

(1/221)


بعد قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وذكرنا أن من معاني الكبد المشقة والشدة والصلابة ثم قال تعالى (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) هذا الحسبان موجه لمن؟ قسم من المفسرين يقول هو موجه للذي يستضعف المؤمنين (وأنت حل بهذا البلد) بمعنى يحلل دمك ويعذب جماعتك، والذي يفتن المؤمنين ويعذبهم. وقسم من المفسرين قال أنه الخطاب ليس مقصورا على هذا الجنس بالذات وإنما هو موجه للإنسان عموما فالإنسان الذي خلقه الله تعالى مكابدا للشدائد ينبغي أن يكون قادرا على تحمل الشدائد فالذي خلق صلبا شديدا مكابدا أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وهذا الحسبان يكون في نفوس البشر لأن البشر يظنون أن لن يقدر عليهم أحد فيظلم بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض. فالبشر يرون أن لن يقدر عليهم أحد والذين يستضعفون المؤمنين يظنون أن لن يقدر عليهم أحد. والله تعالى سبحانه ذكر في هذه الآية والآية التي بعدها أمرين عظيمين يعتصم بهما الإنسان ويعتقد أن لا أحد يتمكن منه وهذان الأمران هما المال والقوة يعتصم بهما الإنسان ويرى أنهما أداتا الضغط والتسلط على الآخرين. وقد جمع القرآن الكريم بين هذين الأمرين للدلالة على التسلط كما في قوله تعالى: (هماز مشاء بنميم* مناع للخير معتد أثيم* عتل بعد ذلك زنيم* أن كان ذا مال وبنين) سورة القلم آية 11 – 14. فالشعوب المستعمرة يجتمع لها عادة هذين الأمرين كما جاء في قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل في سورة الإسراء (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) آية 6.
- قوله ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالا لبدا - )
هذا الخطاب موجه للإنسان عموما الذي خلقه الله تعالى لإصلاح الحياة.

(1/222)


أهلكت: تأتي بمعنى الإنفاق فما اللمسة البيانية في استخدام كلمة أهلكت بدل أنفقت؟ هذه هي الآية الوحيدة في القرآن كله التي استعمل فيها الإهلاك مع المال، عادة تأتي الإنفاق لكن اختيار كلمة أهلكت في هذه السورة مناسب لجو السورة ومناسب لما تقدمها ولما يعانيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في لحظات الشدائد التي أدت إلى إهلاك بعضهم ومناسب للعقبة ومناسب ليوم ذي مسغبة لأن الذين لم يطعموا في ذلك اليوم أهلكوا ومناسب مع أصحاب المشئمة الذين أهلكوا ومناسب لكل إنفاق بغير وجه مناسب لأنه يعتبر إهلاكا للمال وليس إنفاقا في الخير. إذن جو السورة هكذا في إهلاك المال بغير وجهه وكل السورة مشقة وإهلاك (الكبد، سلوك النجدين، اقتحام العقبة، المشئمة والمسغبة) فكان استخدام كلمة إهلاك أنسب وأفضل كلمة تؤدي المعنى المطلوب الذي يقتضيه جو السورة وسياق الآيات فيها.
كلمة لبدا: لبد معناها الكثير المجتمع. وفيها احتمالان: قد تكون مفرد صيغة مبالغة (صيغة فاعل) مثل همز وحطم أو جمع (لبدة) مثل نقطة نقط. ليس معناها الكثير فقط لكن الكثير المجتمع وهي مناسبة لاجتماع الكفرة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله تعالى في سورة الجن (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) وهو مناسب للإهلاك وجو الإجتماع في أكثر من موطن في جو السورة (ووالد وما ولد، العينين في آلة الإبصار، اللسان والشفتين في آلة النطق، النجدين، تفسير العقبة بجملة أمور منها اجتماع الذين آمنوا على التواصي بالحق والتواصي بالمرحمة، واجتماع الكفرة في النار وأوصاد النار عليهم) لو قال تعالى (كثيرا) لا يؤدي المعنى المطلوب لجو الإجتماع في السورة. الكثرة لا تنفي الإجتماع لذلك اختيار الإهلاك واللبد متناسب جدا من الناحية البلاغية والفنية لجو السورة.
- قوله ( أيحسب أن لم يره أحد )

(1/223)


يقول أهلكت مالا لبدا هذا الذي يدعي إهلاك المال أيحسب أن لم يره أحد أنه أنفق المال في أمور لا يحب أن يطلع عليها الآخرين وقد تكون في أمور سرية؟ قال لم يره أحد أي راقب الشخص لم يقل أيحسب أن لم يعلم به أحد لكنه قال يره لأن الرؤية أهم وأخص من العلم وهناك فرق بين العلم بالشيء ورؤيته. فالرؤية هي التي تدل على تفاصيل الأمور ومراقبتها لذا فالرؤية أخص. ويره هنا من المراقبة لأن الله تعالى يراقب ويعلم كل ما يقوم به المخلوقات.
لماذا جاءت هنا (لم يره أحد) وسابقا (لن يقدر عليه أحد) : ألم يره أحد في هذا الإنفاق والمفروض أن هذا الحسبان والإدعاء أنه فعل ماضي (ماضي فيما فعل وما ادعى أنه فعل) وتأتي الآية فيما بعد (أيحسب ألن يقدر عليه أحد) بعد استكمال الأمور أي في المستقبل بعد أن يغتر بقوته واستكمال قوته أي تأتي مستقبلا (أيحسب أن يعتصم بهذه الأمور وأيحسب أن هذه الأمور تنجيه) لذا جاء التعبير بالمضارع وهذا ما يقتضيه السياق.
- قوله ( ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين - )
أراد الله تعالى أن يدلل على قدرته وعلمه فقال تعالى: ألم يجعل الله للإنسان عينين ليبصر بهما ، ألا يراه؟ هو سبحانه الذي أعطاه ليبصر ألا يراه؟! وهو سبحانه الذي هداه للطريق ألا يعلم ما يفعل؟! ونلاحظ تناسب الكلمات: جاءت كلمة عينين وهما أداة الرؤية مقابل قوله تعالى (أيحسب أن لم يره أحد) وجاءت كلمة لسانا وشفتين مقابل قوله تعالى (يقول أهلكت مالا لبدا) واللسان والشفتين هما أداة النطق. فكأنما سبحانه وتعالى جعل الدليل على علمه وقدرته بما أعطاه للإنسان من وسائل ليستعملها.
- قوله ( وهديناه النجدين - )

(1/224)


النجد هو التعبير الوحيد المستعمل في القرآن فقد ورد في القرآن كلمة السبيل والصراط والنجد يعني الطريق المرتفع. وأغلب المفسرين يقولون لا يكون إلا قفا وصلابة في الأرض في ارتفاع مثل الجبل. وأغلب المفسرين قالوا أنه يعني طريق الخير وطريق الشر. واختيار كلمة النجد مناسب تماما لجو السورة فلم يقل هديناه السبيل لأن السبيل هو الطريق السهل الميسر الواضح التي يكثر السير فيها، أما سلوك النجد ففيه مشقة وصعوبة ومناسب لجو السورة وما فيها من مشقة ومناسب للمكابدة في جو السورة. وسلوك النجد يحتاج إلى قوة وفيه شدة وصعوبة ومناسب للكبد في السورة. إذن فالنجدين تتواءم مع السورة من حيث القوة والمشقة والمكابدة. ومن معاني النجد: الثدي. وما عليه عامة المفسرين وعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير) وهذا الأقرب. إذا استخدمت الهداية مع النجدين فهي تكون بمعنى الدلالة على الطريقين طريق الخير وطريق الشر (تبصرة للطريق فقط) أي يرشده إلى الطريق، لأن الطريق قد تكون مودية إلى الجحيم. إذن هي تبصرة للطريق فقط (كتب عله أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير).
- قوله ( فلا اقتحم العقبة - وما أدراك ما العقبة - )

(1/225)


نظرة عامة على هذه الآيات: هذه الآية هي بعد قوله تعالى (وهديناه النجدين) والنجدين كما أسلفنا هو الطريق المرتفع في الأرض ثم قال بعدها (فلا اقتحم العقبة) والعقبة هي طريق في الجبل وعر أو الجبل الطويل بعرض الطريق (طويل صعب شديد) هذا في العقبة أما الإقتحام فهو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة (والقحمة هي الشدة والمهلكة) . فلو لاحظنا اختيار العقبة مع اقتحم وبعد النجدين لوجدنا أن النجد وهو الطريق المرتفع يؤدي إلى العقبة من حيث سلوك الطريق، والعقبة تقع عادة بعد النجاد أو في المرتفعات من الأرض إذن وضع العقبة بعد النجدين ومع كلمة اقتحم هو وضع طبيعي حدا وهو من الناحية البلاغية البيانية الفنية ذروة البلاغة من حيث الإختيار. ثم إن الله تعالى فسر العقبة بما يتبعها من آيات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكلمة اقتحم هي من أنسب الألفاظ لهذا الوصف لأن الإقتحام يتناسب مع العقبة والشدة ولو قال اجتاز أو عبر مثلا لما أعطى المعنى المطلوب واختيار كلمة اقتحم هو للدلالة على أن الأمر مخيف وشديد ومهلك وليس سهلا يسيرا وليس من العقبات التي تجتاز بسهولة ويسر وإنما تحتاج إلى اقتحام وفيها شدة وصعوبة. فلو لاحظنا (فلا اقتحم العقبة) ومن قبلها (وهديناه النجدين) لوجدناها متناسبة ومرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وقد قلنا أن من معاني الكبد المشقة والقوة واقتحام العقبة فيه مشقة وتعب ويحتاج إلى قوة وفيها ارتباط بمعنيي الكبد (المشقة والقوة). (لقد خلقنا الإنسان في كبد يتناسب مع ما سيأتي من آيات في تفصيل معنى العقبة من المشقات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة).

(1/226)


لا: أية لا هذه وما حكمها؟ نظر المفسرون في (لا) هذه والمعروف في قواعد اللغة العربية أن (لا) إذا دخلت على الفعل الماضي ى تفيد النفي كما في الفعل المضارع. و(لا) لا تنفي الفعل الماضي إلا إذا كررت مثل قوله تعالى (فلا صدق ولا صلى) ولا نقول في اللغة لا ذهب بمعنى لم يذهب ولإنما يقال ما ذهب للدلالة على نفي الفعل الماضي. إذن لا يصح ولا يجوز القول لا مع الفعل الماضي للنفي. لكن يبقى السؤال هل (لا) في هذه الآية نفي؟ قسم من المفسرين قال قد تفيد النفي واستشهدوا على ذلك ببعض ما ورد في أشعار العرب مع أنها على غير سنن العرب (وأي أمر سيء لا فعل)، ومنهم من قال إنها تفيد الدعاء وليس النفي، كما يقال: لا فض الله فاك أو يقال لا عافاك الله، لا رده الله سالما وغيرها، وقد تكون للدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة فهذا الشخص الذي أنفق ماله في غير وجه خير دعا عليه بأن لا يقتحم العقبة إذن اعتبروها قسم من المفسرين على أنها للدعاء وليس للنفي.
وقسم آخر رأوا أنها تفيد نفي الإستقبال: في العربية إذا كان الفعل الماشي يفيد الإستقبال يجوز استخدام (لا) ويجوز نفيه بـ (لا) كقولنا (والله لا فعلت ذلك أبدا) بمعنى لا افعله، فإذا كان الفعل للإستقبال يجوز أن تدخل عليه (لا) باعتبار الدلالة الزمنية (تالله لا عذبتهم بعدها سقر). فلا اقتحم العقبة تفيد إذن في هذه الحالة نفي الإستقبال بمعنى لا يقتحم العقبة في المستقبل.
ومنهم من قال إنها استفهام وقد حذفت همزة الإستفهام (ألا اقتحم العقبة) وكأن هذا الإستفهام للتوبيخ على ما حصل وللحض على اقتحام العقبة. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة حذفت منها همزة الإستفهام (مثل قوله تعالى مرة في سورة الشعراء: أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين) وفي آية أخرى (إن لنا لأجرا). وحذف حرف الإستفهام خاصة الهمزة كثير في الشعر والنثر عند العرب .

(1/227)


وخلاصة القول أن (لا) في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) قد جمعت كل هذه المعاني التي ذكرنا وفيها احتمالات النفي والدعاء والإستقبال والإستفهام وهذا ما يسمى في اللغة باب التوسع في المعنى فكل المعاني مرادة سواء كان للصنف أم للشخص الذي أهلك مالا لبدا لم يقتحم العقبة ولا يقتحمها في المستقبل ودعاء عليه بأن لا يقتحمها إلا إذا أصلح حاله وتوبيخ على أنه لا يقتحمها فقد جمعت كل هذه المعاني معا ولو جاء بأي حرف آخر مثل (ما أو لم) لما أمكن جمع كل هذه المعاني وأي حرف آخر كان أول إلى معنى النفي فقط ولكن (لا) جاءت بأربع أو خمس معاني كلها مقصودة.
وما أدراك ما العقبة: لماذا التكرار في كلمة العقبة؟
التكرار في اللغة مشهور وله أغراض قد يكون منها التهويل والتعظيم والتحسر والتفخيم والتحبيب. وفي هذه الآية جاء التكرار للتفخيم والتهويل والتعظيم لأمر العقبة وما سيفسرها فيما بعد وقد ورد التكرار كثيرا في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و (الحاقة ما الحاقة).

(1/228)


ما الحكمة من استخدام صيغة الفعل الماضي في قوله (وما أدراك) وقد استخدم في القرآن صيغة الفعل المضارع كما في قوله تعالى (وما يديرك لعله يزكى) وقوله (وما يدريك لعل الساعة). في القرآن كله أسلوب محدد إذا استعمل (يجريك) بصيغة المضارع لا يفصل بعدها ولا يجيب على السؤال ويبقيه مبهما (وما يدريك لعله يزكى) لم يأتي بعدها تفصيل أو إجابة وإنما بقي مبهما، وإذا استعمل (أدراك) بصيغة الماضي يتبعها بالتفصيل كما في قوله تعالى (والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب) وقوله (وما أدراك ما العقبة* فك رقبة* أو إطعام في يوم ذي مسغبة) نلاحظ التفصيل بالجواب بعد أدراك. والقرآن الكريم له خصوصيات في الإستعمال والتعبير يختص بها عن قواعد اللغة العربية تماما كما اختص كلمة العيون (لعيون الماء) والأعين (لأداة الإبصار) في القرآن كله وكذلك الصوم (الإمتناع عن الكلام) والصيام (الإمتناع عن الطعام والشراب).
لماذا تكرر لفظ العقبة في هذه السورة؟ وقد ورد في سورة أخرى (فأمه هاوية* وما أدراك ما هي* نار حامية) استخدم الضمير (هي) لمعنى الهاوية.
هناك قاعدة في اللغة العربية أن الإسم الظاهر أقوى من الكناية أو الضمير ولذلك فإن الضمير لا يؤكد الظاهر. معنى ذلك أن الأمر في سورة البلد أقوى من التكرار بالضمير (هي) في سورة القارعة فالسياق والموطن أقوى ولذا جاء بتكرار الإسم الظاهر وليس بالضمير. في سورة القارعة فسر الهاوية بنار حامية وفي سورة الهمزة (كلا لينبذن في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) هنا جاء بـ (نار الله) وفي القارعة (نار) فقط فوصف النار في سورة الهمزة غير الوصف في سورة القارعة لذا كرر كلمة (الحطمة) كما في سورة البلد كرر كلمة (العقبة) فالسياق والموطن هو الذي يدعو إلى اختيار الظاهر على الضمير أو اختيار الضمير على الظاهر.

(1/229)


فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة* يتيما ذا مقربة* أو مسكينا ذا متربة*
ما معنى فك رقبة؟ قال الله تعالى فيما سبق من الآيات (فلا اقتحم العقبة* وما أدراك ما العقبة) ثم بدأ يوضح كيف تقتحم العقبة فبدأ بقوله تعالى (فك رقبة) وهو تخليصها من الرق وغيره وليس المقصود بها تحرير الرقبة فقط (وقد ورد ذكرها في الكفارات بلفظ تحرير) وفي عصرنا الحالي ليس هناك رقيق ولا عتق رقاب بمعنى تحريرها من الرق. إذن فك رقبة تعني تخليصها من الرق كالغارم والمطلوب لأمر ما بمعنى التخليص من هذا الأمر، والفك لغة هو حل القيد والعتق يسمى فك أيضا. أما التحرير فهو خاص بالعتق أما الفك فهو أشمل لأي قيد وهذا مرتبط بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وكل هؤلاء المقيدين هم في كبد.
وفك الرقبة هي عقبة من عقبات المجتمع قديما وحديثا ومستقبلا ويدخل فيها مثلا رقبة الشعوب المستضعفة ونصرتهم وإغاثتهم وهذا يدخل في الرقبة وفي القيد، وهي دائمة مستمرة ما دامت البشرية فلا يمكن أن تأتي آية في القرآن ولا يكون لها تطبيق لكل زمان ومكان. حتى في المجتمع الواحد (الفرد للفرد والسلطة للشعب) يستذل الفرد غيره بشيء ما أو الحاكم يذل شعبه أو نحوه وهذه من العلاقات الكبيرة في المجتمعات ولذا بدأ بها وهي لا تختص بالعتق ولكنها تدخل فيها والفك مستمر لا ينقطع.
أو إطعام في يوم ذي مسغبة.
لماذا استخدام كلمة (مسغبة) بدل سغب مثلا أو جوع أو مخمصة؟
أولا هناك مسألتين لاستعمال كلمة مسغبة بدل السغب أو الجوع أولها: أن المسغبة تعني الجوع العام والجماعي وليس للفرد والسغب هو الجوع الفردي.

(1/230)


وثانيا أن المسغبة هي الجوع العام مع التعب والإرهاق ولهذا خصص باستعمال (مسغبة) أما الجوع فلا يرافقه بالضرورة التعب والإرهاق، أما المخمصة فهي الجوع الذي يرافقه ضمور البطن. وهذه عقبة من عقبات المجتمع إنه في يوم مجاعة مع التعب والإرهاق وهو اليوم الذي فيه الطعام عزيز وغير مبذول وهو دلالة على شدة الضيق والكرب كما قال بعض المفسرين، وهناك فرق بين الإنفاق في وقت الطعام فيه متوفر ويوم ذي مسغبة وهو ليس كأي يوم من الأيام. وهنا خصص القرآن في وصف العقبة واليوم واليتيم والمسكين فيما بعد.
لماذا استخدام لفظ (إطعام) وليس طعام مثلا أو أن تطعموا؟ من الناحية اللغوية من الممكن القول: أن تطعموا، إطعام أو طعام . الطعام تحتمل معنيين أولهما أن تكون بمعنى المصدر لفعل أطعم وهي تعني عملية الأكل نفسها (فلينظر الإنسان إلى طعامه) (ولا تحاضون على طعام المسكين) وثانيها أن يكون هو الأكل نفسه. وكل آية ورد فيها لفظ (طعام) فيها احتمالين في المعنى (الطعام والإطعام) كما قال المفسرون وكلاهما مرادان في المعنى. لكن في هذه السورة ومن سياق الآيات نلاحظ أن المراد هنا معنى (إطعام) لأن اليوم ذي مسغبة والمقصود الأكل لأن الجوع مع التعب يسبب إطعام.
أما عدم استخدام (أن تطعموا) لأن الفعل المضارع مع وجود إن يدل معناه على الحدوث مستقبلا ولكن هذا المعنى لا يصح في الآية لأن المسغبة قائمة ويجب أن يكون الإطعام فورا ولهذا استخدمت الصيغة الإسمية.
- قوله ( يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة* )
مقربة : تعني القريب في النسب وفي الرحم وتجتمع فيه الصدقة وصلة الرحم فهو أولى وتختلف عن القرابة أو القربى في اللغة. القرابة هي عامة مثل القرابة في النسب، أما القربى فقد تكون في النسب وفي الرحم كالأخ والأخت والمقربة هي بينهما وهي أعم.

(1/231)


ما اللمسة البيانية في استخدام (أو) بدل حرف العطف (الواو)؟ إذا استخدم الواو فإنه يدل على أن اقتحام العقبة لا يتم إلا إذا اجتمعت كل هذه الأمور (إطعام اليتيم والمسكين وفك الرقبة) ولكن المقصود في الآيات أنه من فعل أحد هذه الأمور يقتحم العقبة وهو بحسب استطاعته فمن استطاع فك رقبة يكفيه ومن استطاع إطعام اليتيم أو المسكين يكفيه أيضا وهذا من رحمة الله تعالى الواسعة بعباده. وهذا من باب التخيير فالإنسان يختار ما يستطيع بحسب إمكانياته وظروفه.
يتيما مفعول به للمصدر إطعام.
ما فائدة تقديم فك رقبة على إطعام في يوم ذي مسغبة؟
أولا المسكين ذو المتربة هو ليس أي مسكين أو المسكين بشكل عام. وفي الآيات: اليوم مخصص بأنه (ذو مسغبة) واليتيم مخصص (ذو مقربة) والمسكين خصص (ذا متربة) وقد فرق المفسرون بين الفقير والمسكين وقالوا أن الفقير هو من انكسر فقار ظهره من الحاجة وهو الذي لا يملك قوت يومه أما المسكين فهو الذي لديه عمل أو رزق لكن لا يكفي حاجته واستدلوا بذلك على قوله تعالى في سورة الكهف في وصف أصحاب السفينة (وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) سماهم المساكين مع أنه كان لديهم سفينة وكانوا يعلمون في البحر لكن مدخولها لا يكفيهم.
والمتربة : هو الفقر وهو من التراب بمعنى التصق بالتراب من فقره، إذن (مسكينا ذا متربة) هو المسكين الفقير الذي لا مأوى له وهو مطروح على قارعة الطريق وهذا ليس من المساكين العاديين وإنما من خصوص المساكين وهذا صنف ما زلنا نراه في المجتمعات.

(1/232)


أما سبب التقديم (فك رقبة) أولا فهو إشارة إلى عظم الحرية في الإسلام إذا كان بمعنى الرق لأنه الأولى في الحياة التحرير بالنسبة للأفراد والشعوب في المجتمعات. وثانيا قد يكون الشخص مطلوب بدم أو بشيء آخر أو غارم فأولى شيء عنده أن تفك رقبته وقد يكون هو الأحوج إلى الإطعام والفك من غيره من الأيتام والمساكين لأنه إذا كان مطلوبا فإنه لن يكون قادرا على الخروج لطلب الطعام أو غيره فاليتيم ممكن أن يخرج للبحث عن الطعام وكذلك المسكين أما الغارم أو المطلوب فهو الأولى بذلك لذا جاء ذكره أولا وهو أول ما يفك وهو أسبق من اليتيم والمسكين.
ثم اليتيم بعد فك الرقبة لأنه في اليوم ذي المسغبة واليتيم هو الصغير دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم، هذا الصغير اليتيم في مثل هذا اليوم ينبغي أن يراعى ويتفقد في هذا اليوم العصيب ذي مسغبة وماذا سيأكل في هذا اليوم. ثم يأتي المسكين وهو أكبر سنا من اليتيم ويمكن أن يفعل شيئا للحصول على الطعام بعكس اليتيم إذن فهي مرتبة بحسب الحاجة في ذلك الوقت وهي مرتبة بحسب القلة والكثرة من القلة إلى الكثرة (المطلوبين والغارمين قليلون في المجتمعات أما إذا كانوا رقيقا فهم لم يعودوا موجودين أصلا) ثم الأيتام أكثر من الغارمين والمطلوبين لكنهم أقل من المساكين لأن هؤلاء اليتامى سيكبرون وتنتفي عنهم صفة اليتم، أما المساكين فهم الأكثر في المجتمعات.

(1/233)


ما علاقة الآيات بما قبلها؟ الآيات مرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) فهؤلاء الغارمون والمطلوبون والمسترقون واليتامى والمساكين كلهم مكابدون وكذلك مرتبطة بقوله تعالى (أهلكت مالا لبدا) كان ينبغي له أن ينفق على هؤلاء المساكين واليتامى والغارمين شيئا من ماله الذي أهلكه في غير وجه حق، ومرتبطة بقوله (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن فك الرقاب وإطعام المحتاجين من المرحمة وهؤلاء من أحوج الناس إلى الصبر أيضا.
ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولئك أصحاب الميمنة* والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة* عليهم نار مؤصدة*
دلالة الآية: بعد أن ذكر تعالى الأصناف واقتحام العقبة ذكر (ثم كان من الذين آمنوا) لأن الشرط الأساسي هو الإيمان وجاء بـ (ثم) والمعروف في النحو أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي ولكن ليس دائما فقد يكون من أشهر دلالاتها أنها لمجرد ترتيب الذكر أحيانا يؤخر ما هو أولى مثال قوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد) قد تكون الترتيب للأخبار وليس للترتيب الزمني (تراخي رتبة الإيمان عما قبلها لأنه لا ينفع شيء بدون إيمان، فالإيمان أنفع من فك رقبة وهو الأول وكل ما ذكر قبلا لا تنفع في الآخرة إلا إذا كان مؤمنا. إذن الأساس أن يكون من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.
في غالبية آي القرآن الكريم يأتي ذكر الذين آمنوا مقرونا بـ (عملوا الصالحات) أما في هذه الآية لم يذكر (عملوا الصالحات) وهذا لأنه سبحانه وتعالى قد ذكر الأعمال الصالحة فيما سبق من الآيات في السورة (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فذكر كل ما يتعلق بمكابدة المال وذكر العمل لذا كان معنى العمل واضح في الآيات.
ما اللمسة البيانية في تكرار فعل (تواصوا) في الآية؟
هناك ثلاثة احتمالات لهذه الجملة:

(1/234)


وتواصوا بالصبر وبالمرحمة: بتكرار حرف الجر دون الفعل.
وتواصوا بالصبر والمرحمة: بالعطف دون حرف جر.
تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة: بتكرار الفعل وهي أقوى التعبيرات لأن فيها توكيد لأهمية كل واحد من الصبر والمرحمة. فالتواصي بالصبر مهم بذاته والتواصي بالمرحمة مهم بذاته أيضا وهذه السورة مبنية كلها على الصبر والمرحمة. والمرحمة هي ليست الرحمة فقط ولكنها عامة وهي أهم من الرحمة والسورة كلها مبنية على الصبر والمرحمة.
الصبر: (وأنت حل بهذا البلد) لما يلاقيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأذى ، (ووالد وما ولد) لأن تربية الأولاد تحتاج إلى صبر طويل، وكذلك سلوك النجدين يحتاج إلى صبر واقتحام العقبة والرقبة المسترقة والغارم واليوم ذي المسغبة كله يحتاج إلى صبر طويل وكذلك اليتيم والمسكين والذين آمنوا يحتاجون إلى الصبر على الطاعات والصبر عن المعصية.
كذلك المرحمة: (وأنت حل بهذا البلد) بمعناها (حل) الأحرى أن يعامل بالمرحمة وليس بالأذى وإذا كان بمعنى حلال فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قال يوم فتح مكة (اليوم يوم مرحمة)، (ووالد وما ولد) والعلاقة بينهما علاقة رحمة وبر، (أهلكت مالا لبدا) الذي أهلك المال يحتاج إلى رحمة، الرقبة المسترقة واليوم ذي المسغبة واليتيم والمسكين والذين آمنوا ينبغي أن يتواصوا بالمرحمة (رحماء بينهم) فالسورة كلها مبنية على الصبر والمرحمة لذا ينبغي التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة.
ذكر التواصي بالصبر أولا ثم التواصي بالمرحمة لأنه تعالى قدم في السورة ما يحتاج إلى الصبر من المكابدة والمشقة واقتحام العقبة والنجدين وكلها يحتاج إلى صبر ثم إلى مرحمة (في إطعام اليتامى والمساكين) هذا والله أعلم.
- قوله ( أولئك أصحاب الميمنة* والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * علهم نار مؤصدة* )

(1/235)


ما المقصود بالميمنة والمشئمة؟ الميمنة احتمال أن تكون من اليمن أي الخير والبركة، أو من اليمين أي الإتجاه اليمين أو من أصحاب اليمين الذين يعطون صحائفهم بأيمانهم.
إذن الميمنة لها ثلاثة دلالات:
أصحاب جهة اليمين
الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم
أصحاب اليمن والخير والبركة لأنهم أفاضوا على أنفسهم (ليقتحموا العقبة) وعلى غيرهم (إطعام اليتامى والمساكين وفك الرقبة).
والمشئمة أيضا تحتمل ثلاثة دلالات هي:
أصحاب جهة الشمال (أصحاب النار الأشقياء)
الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم
من الشؤم وهو ضد اليمن لأنهم كانوا أصحاب الشؤم على أنفسهم (أهلكت مالا لبدا) وعلى غيرهم (الذين لا يقتحمون العقبة ولا يطعمون اليتامى والمساكين ولا يفكون القراب ويسترقون الناس ويستحلون حرمة البلد الحرام والرسول - صلى الله عليه وسلم -).
إذن أصحاب الميمنة تختلف عن أصحاب اليمين لأنها أعم والميمنة جمعت عدة معاني وجاء في آخر الآيات ذكر اليمن على غيرهم (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكان أولى أن يستخدم لفظ (الميمنة) بدل اليمين.
ما اللمسة البيانية في استخدام (هم) مع أصحاب المشئمة دون أصحاب الميمنة في قوله تعالى: هم أصحاب المشئمة؟
قال (هم) مع الكفار أما أصحاب الميمنة لم يذكر معهم (هم) لأنه لو قال هم أصحاب الميمنة لكان أصحاب الميمنة حصرا على هؤلاء الذين ذكرهم في الآيات السابقة ولكن أصحاب الميمنة أكثر من هؤلاء . الذين يتواصون بالصبر ويتواصون بالمرحمة هؤلاء فقط أصحاب الميمنة وهذا غير صحيح لأن رأس الأمر الإيمان بالله وهؤلاء إذن من أصحاب الميمنة وليسوا أصحاب الميمنة حصرا فلا يصح القصر هنا أبدا بمعنى أن من عداهم ليسوا من أصحاب الميمنة. (عدم القصر هو السبيل الصحيح الذي لا يصح غيره هنا). أما الذين كفروا هو أصحاب المشئمة حصرا. هنا القصر في أصحاب المشئمة هو السبيل الصحيح الذي لا يصح غيره.
- قوله ( عليهم نار مؤصدة* )

(1/236)


مؤصدة معناها مطبقة من أوصد الباب بمعنى لا ضوء ولا مخرج ولا فرج فيها. فلماذا قدم الجار والمجرور؟ تقديم الجار والمجرور هو للقصر بمعنى أنها مؤصدة عليهم حصرا أما إذا أخر الجار والمجرور فقد يفهم المعنى على أن النار المؤصدة ليست محصورة بالكفار ولكنها قد تكون مؤصدة على غيرهم أيضا إذن الآيات متفقة مع بعضها النار على هؤلاء الذين كفروا وأصحاب المشئمة النار مؤصدة عليهم حصرا فالقصر هو الذي يؤدي المعنى المطلوب.
ورد في بعض القراءات لفظ (موصدة) فأيهما أصح؟
كلتا القراءتين متواترتين وكلتاهما من القراءات السبع الصحيحة وليس للقارئ أن يرجح إنما له أن يختار فقد يختار موصدة أو مؤصدة ؛ مؤصدة وموصدة لغتان الفعل الأصلي (أصد وآصد مؤصدة) والآخر (وصد وأوصد موصدة ومنها الوصيد)، فمن كان لغته آصد اختار مؤصدة ومن كان لغته وصد اختار موصدة، وأنا شخصيا (والكلام للدكتور فاضل السامرائي) أختار لفظ (مؤصدة) بالهمزة لأنها مناسبة للحالة التي هم عليها فاليوم ثقيل وما هم فيه ثقيل حتى صوت الهمزة في (مؤصدة) وقعها ثقيل على السمع وهو أنسب مع جو المكابدة في السورة.
في سورة الهمزة وصف تعالى بقوله (إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) وفي هذه السورة لم يعقب على النار بشيء فما اللمسة البيانية في هذا؟
لو لاحظنا المذكورين في سورة الهمزة نلاحظ أنه تعالى قد توسع في ذكر صفات المعذب (ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع مالا وعدده،...) وكما توسع في الصفات توسع أيضا في العذاب (في عمد ممددة) أما في سورة البلد فلم يتوسع في ذكر صفات المعذبين وإنما قال (والذين كفروا) هذا والله أعلم.

(1/237)


والأمر الآخر أنه في قوله تعالى (ويل) بالرفع في أول السورة تدل على الهلاك التام الدائم ومناسب لقوله تعالى (في عمد ممددة) لأن ويل هي جملة إسمية (ويل: مبتدأ نكرة وخبره: لكل همزة لمزة ، وويل فيها معنى الدعاء وإذا كان فيها معنى الدعاء يصح أن تبدأ الجملة الإسمية بها مثل قوله تعالى سلام عليكم) ومن المعروف أن الجملة الإسمية تدل على الثبوت فاقتضى هذا الثبوت ثبوت الهلاك ودوامه (عليهم نار مؤصدة* في عمد ممددة) لا تفتح فيها الأبواب. ولو قال ويلا لما ناسب سياق الآيات معنى العذاب والتوسع فيه (ويلا: هي مفعول مطلق لفعل محذوف معناه ألزمه الله ويلا). كما أن ويل: هو مصدر من المصادر التي أميتت أفعالها ومثلها : ويح، ويب، ويس، بمعنى أهلك. أما ويلا: مفعول مطلق تقديره أهلكه الله مثل قعد جلوسا أو ألزمه الله ويلا (مفعول به) والمشهور عند النحاة المعنى: أهلكه الله إهلاكا وهو مفعول مطلق.
السؤال الآن أيهما أقوى في اللغة، ويل أو ويلا؟
لا يمكن القول هنا أيهما أقوى لأن البلاغة في القرآن الكريم هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال فأحيانا يقتضي الحال استخدام الجملة الإسمية فستخدم للدلالة على الثبوت وفي أحيان أخرى يقتضي الحال إستخدام الجملة الفعلية فتستخدم.

(1/238)


الأمر الآخر في سورة الهمزة أن الله تعالى ذكر الكافر الذي يجمع المال ويعدده ويحفظه فكما حفظ الكافر المال وجمعه وحسب أنه يخلده ولم بنفع به الآخرين أغلق الله تعالى عليه أبواب جهنم (في عمد ممددة) وناسب هذا الإستيثاق في حفظ المال الإستيثاق في الخلود في النار. أما في سورة البلد فلم يكن سياق الكلام على هذا النحو وإنما وصف الله تعالى أن الكافر أهلك المال (أهلكت مالا لبدا). ثم إن في سورة الهمزة ذكر تعالى أن الكافر يحسب أن ماله أخلده وهذا الحسبان قابله الحسبان بحقيقة الخلود في النار بأن أغلق عليه الأبواب وجعل النار عليه في عمد ممددة . وكذلك في سورة الهمزة وصف الله تعالى الكافر أنه يتعدى على الآخرين ويهمزهم ويلمزهم ويمنع خيره عنهم والذي يتعدى على الآخرين ينبغي أن يحبس والحبس يغلق عليه الأبواب ويكون في عمد ممددة ولم يذكر هذا في سورة البلد واكتفى بالوصف (الذين كفروا بآياتنا) ولم يذكر أنهم اعتدوا على الآخرين. والكفر درجات والعقوبة دركات بحسب ما يفعله الكافر فليس كل الكفار في عذاب واحد وفي دركة واحدة بدليل قوله تعالى (في الدرك الأسفل من النار).
ثم إن المعذبين في سورة الهمزة كفار وزيادة فهم كافرون، يتعدون على الآخرين، يجمعون الأموال، يحسبون أن مالهم يخلدهم وهذا كله لم يذكر في سورة البلد ولهذا ناسب الإستيثاق في الحبس والجعل في عمد ممددة للكفار في سورة الهمزة.
لماذا لم يذكر جزاء المؤمنين في السورة كما ذكر جزاء الكفار؟
قال تعالى في السورة (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد كما قلنا سابقا هو المشقة والمعاناة ولا يناسب جو السورة ذكر الجزاء وإنما ذكر الإشارة إلى المؤمنين أنهم أصحاب الميمنة. والسورة كلها في المشاق والمتاعب فلم يناسب ذكر الجزاء للمؤمنين مع كل ما في السورة من مشقة وتعب وسلوك النجدين واقتحام العقبة واليوم ذي مسغبة والكبد هذا والله أعلم.

لمسات بيانية في سورة الضحى

(1/239)


والضحى (1) والليل إذا سجى (2)
ما هي دلالة القسم في قوله تعالى (والضحى)
يذكر أهل التفسير أن الوحي أبطأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أياما فشق ذلك عليه وقيل له : إن ربك قلاك ، فأنزل الله تعالى هذه السورة ردا على المشركين وإكراما للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فلماذا حزن الرسول الكريم وجزع لانقطاع الوحي مع ما يلقاه في سبيل الوحي من العنت والجهد؟ في الحقيقة انه اختبار من الله تعالى للرسول الكريم: هل هو حريص على الوحي وما فيه من مشقة أم انه سيرتاح من هذا الوحي الثقيل؟ وهذا فيه توجيه إلى الدعاة أنه عليهم أن يصبروا ويثبتوا في الدعوة مهما لاقوا من مشقة وعنت في سبيل الدعوة إلى الله.
الضحى في اللغة : هو وقت ارتفاع الشمس بعد الشروق
سجى في اللغة : لها ثلاث معاني ، فهي بمعنى سكن، أو اشتد ظلامه أو غطى مثل تسجية الميت.
أقسم الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى انه ما ودع رسوله وما قلاه، والضحى هنا يمثل نور الوحي وإشراقه كما قال المفسرون ، والليل يمثل انقطاع الوحي وسكونه والدنيا من غير نور الوحي ظلام ولذلك قدم سبحانه الضحى هنا لأنه ما سبق من نور الوحي وأخر الليل لما يمثل من انقطاع الوحي. وقال بعض المفسرين أن القسم يشير أن الانقطاع يمثل الاستجمام والسكون كما يرتاح الشخص المتعب في الليل ومن معاني سجى السكون وهو يمثل الراحة وهو نعمة. فالقسم هنا جاء لما تستدعيه الحالة التي هو فيها.
ما اللمسة البيانية في كلمة (سجى) وليست في كلمتي غشي او يسر ؟

(1/240)


كما في قوله (والليل إذا يغشى) (والليل إذا يسر) سبق القول أن من معاني سجى: سكن وهذا يمثل سكون الوحي وانقطاعه وهذا هو السكون، والانقطاع ظلمة وهذا المعنى الثاني لسجى فكلمة سجى جمعت المعاني كلها التي تدل على انقطاع الوحي وسكونه. أما كلمة يغشى أو يسر فهما تدلان على الحركة وهذا يناقض المعنى للقسم في هذه السورة. وعليه فان القسم (والضحى والليل إذا سجى) هو انسب قسم للحالة التي هو فيها من نور الوحي وانقطاعه وكل قسم في القرآن له علاقة بالمقسم به.
ما الحكم البياني في استخدام كلمة (والضحى) بدل والفجر او النهار؟
الضحى هو وقت إشراق الشمس أما النهار فهو كل الوقت من أول النهار إلى آخره ، والضحى يمثل وقت ابتداء حركة الناس يقابله الليل إذا سجى وهو وقت السكون والراحة. والفجر هو أول دخول وقت الفجر (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ولا يكون هناك ضوء بعد أو نور كوقت الضحى بعد شروق الشمس.
- قوله ( ما ودعك ربك وما قلى )
أين مفعول الفعل قلى؟
في هذه الآية الكريمة ذكر مفعول الفعل ودع وهو (الكاف في ودعك) وحذف مفعول الفعل قلى (ولم يقل قلاك)
في اللغة عند العرب التوديع عادة يكون بين المتحابين والأصحاب فقط ويكون عند فراق الأشخاص. اختلف النحاة في سبب ذكر مفعول فعل التوديع وحذف مفعول فعل قلى منهم من قال لظهور المراد بمعنى أن الخطاب واضح من الآيات انه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من قال إنها مراعاة لفواصل الآيات في السورة (الضحى، سجى، قلى، الأولى،...) لكن القرآن العظيم لا يفعل ذلك لفواصل الآيات وحدها على حساب المعنى أبدا ولا يتعارض المعنى مع الفاصلة والمقام في القرآن كله. فلماذا إذن هذا الحذف والذكر؟

(1/241)


الذكر من باب التكريم والحذف من باب التكريم أيضا. لم يقل الله تعالى قلاك لرسوله الكريم حتى لا ينسب الجفاء للرسول - صلى الله عليه وسلم - فلا يقال للذي نحب ونجل ما أهنتك ولا شتمتك إنما من باب أدب المخاطبة يقال ما أهنت وما شتمت فيحذف المفعول به إكراما للشخص المخاطب وتقديرا لمنزلته وترفع عن ذكر ما يشينه ولو كان بالنفي.
أما التوديع فالذكر فيه تكريم للمخاطب فيحسن ذكر المفعول مع أفعال التكريم وحذفه مع أفعال السوء ولو بالنفي. وهكذا يوجه الله تعالى المسلمين لأدب الكلام ويعلمنا كيف نخاطب الذين نجلهم ونحترمهم. ولقد جمعت هذه الآية التكريم للرسول من ربه مرتين مرة بذكر المفعول مع فعل التوديع ومرة بحذف المفعول مع الفعل قلى.
فلماذا قال تعالى " ربك " ولم يقل " الله " ؟
هنا تكريم آخر من الله تعالى لرسوله الكريم. فالرب هو المربي والموجه والقيم. وذكر الفاعل وهو الرب إكرام آخر فلم يقل لم تودع ولم تقلى. والرب هو القيم على الأمر فكيف يودعك وهو ربك لا يمكن أن يودع الرب عبده كما لا يمكن لرب البيت أن يودعه ويتركه ورب الشيء لا يودعه ولا يتركه وإنما يرعاه ويحرص عليه. واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله لأن لفظ الجلالة الله كلمة عامة للناس جميعا ولكن كلمة الرب لها خصوصية وهذا يحمل التطمين للرسول الكريم من ربه الذي يرعاه ولا يمكن أن يودعه أو يتركه أبدا.
- قوله ( وللآخرة خير لك من الأولى )
اختلف المفسرون في معنى كلمة الآخرة فمنهم من قال : إنها ما هو غير الدنيا بمعنى الدار الآخرة. وقسم قال انها كل ما يستقبل من الحياة على العموم كما جاء في قوله تعالى (فإذا جاء وعد الآخرة ...) الآخرة هنا ليست في القيامة

(1/242)


الآخرة في سورة الضحى جاءت مقابل الأولى ولم تأت مقابل الدنيا فلم يقل وللآخرة خير لك من الدنيا. ومعنى الآية أن ما يأتي خير لك أيها الرسول مما مضى ؛ أي من الآن فصاعدا فيما يستقبل من عمرك هو خير لك من الأولى وأكد ذلك باللام في كلمة وللآخرة. وقد حصل هذا بالفعل فكل ما استقبل من حياته - صلى الله عليه وسلم - خير له مما حصل .
فلماذا لم يقل خير لك من الدنيا؟
لأنه لو قالها لما صحت إلا في الآخرة فكأنما حصر الخير في الآخرة فقط ونفى حصول الخير فيما يستقبل من حياته - صلى الله عليه وسلم - وهذه الآية توكيد لما سبقها في قوله تعالى ما ودعك ربك وما قلى.
ولماذا قال تعالى (لك) ولم يقل وللآخرة خير من الأولى؟
هذه السورة وسورة الشرح هما خاصتان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو المخاطب المباشر بهما ولو قال تعالى : "وللآخرة خير من الأولى" لما صح هذا القول لأنه سيكون عاما للناس جميعا وهذا ما لا يحصل وعندها ستفيد الإطلاق ولا يصح على عمومه لان بعض الناس آخرتهم شر لهم من أولاهم ولا يصح هذا الكلام على إطلاقه إنما لا بد من أن يخصص المعنى وهو للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالذات ولهذا قال تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى)
- قوله ( ولسوف يعطيك ربك فترضى )
ما هي علاقة هذه الآية بما سبقها من الآيات؟
سوف دالة على الاستقبال وقد سبق أن قال تعالى ( وللآخرة خير لك من الأولى ) وهي تدل أيضا على الاستقبال وجاء أيضا باللام في (ولسوف) وأكده بنفس التوكيد باللام في (وللآخرة)
ولماذا لم يحدد العطاء بشيء ما وإنما قال ولسوف يعطيك ربك فترضى؟

(1/243)


لقد أطلق سبحانه العطاء ولم يحدده إنما شمل هذا العطاء كل شيء ولم يخصصه بشيء معين إكراما للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وتوسيعا للعطاء وكذلك أطلق فعل الرضى كما أطلق العطاء فجعل العطاء عاما وجعل الرضى عاما وذكر المعطي أيضا وهو الرب وعلينا أن نتخيل كيف يكون عطاء الرب؟ والعطاء على قدر المعطي وهذا كله فيه تكريم للرسول كذلك في إضافة ضمير الخطاب " الكاف " في (ربك) تكريم آخر للرسول - صلى الله عليه وسلم -
لماذا اختيار كلمة (فترضى) ؟
اختيار هذه الكلمة بالذات في غاية الأهمية ؛ فالرضى هو من أجل النعم على الإنسان وهو أساس الاستقرار والطمأنينة وراحة البال فإن فقد الرضى حلت الهموم والشقاء ودواعي النكد على الإنسان. وان فقد في جانب من جوانب الحياة فقد استقراره بقدر ذلك الجانب ولذا جعل الله تعالى الرضى صفة أهل الجنة (فهو في عيشة راضية) (فارجعي إلى ربك راضية مرضية). وعدم الرضى يؤدي إلى الضغط النفسي واليأس وقد يؤدي إلى الانتحار. والتعب مع الرضى راحة والراحة من دونه نكد وتعب، والفقر مع الرضى غنى والغنى من دونه فقر، والحرمان معه عطاء والعطاء من دونه حرمان. لذا فان اختيار الرضى هو اختيار نعمة من اجل النعم ولها دلالتها في الحياة عامة وليست خاصة بالرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فإذا رضي الإنسان ارتاح وهدأ باله وسكن وان لم يرض حل معه التعب والنكد والهموم والقلق مع كل ما أوتي من وسائل الراحة والاستقرار.
لماذا قال يعطيك ولم يقل يؤتيك؟

(1/244)


الإيتاء يكون لأمور مادية وغيرها (الملك، الحكمة، الذكر) أما العطاء فهو خاص بالمادة. والإيتاء أوسع من العطاء واعم والعطاء مخصص للمال. والإيتاء قد يشمله النزع والعطاء لا يشمله النزع. (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) (يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء) وقد لا يستوجب الإيتاء لشخص ما أن يتصرف بما أوتي ، أما العطاء فلصاحبه حرية التصرف فيه بالوهب والمنح ولذا قال تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) لأن الكوثر أصبح ملكا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وكما قال الله تعالى لسيدنا سليمان - عليه السلام - (هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) أي له الحق بالتصرف فيه كما يشاء.
- قوله ( ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) )
هذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة (ما ودعك ربك وما قلى) (وللآخرة خير لك من الأولى) ومرتبطة أيضا بالقسم في أول السورة (والضحى والليل إذا سجى) والآية (ألم يجدك يتيما فآوى) تؤكد أن ربه لم يودعه ولم يقله وكذلك في ( وجدك ضالا فهدى ) وهي كلها تصب في ( وللآخرة خير لك من الأولى) فالإيواء خير من اليتم ؛ والهداية خير من الضلالة ؛ والاغناء خير من العيلة فكلها مرتبطة بالآية (ما ودعك ربك وما قلى) وتؤكد معناها.
( وللآخرة خير لك من الأولى ) فالله تعالى لم يترك رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليتمه أو لحاجته أو للضلال هذا من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى هي مرتبطة بالقسم فقد اقسم الله تعالى بالضحى والليل وما سجى ؛ واليتم ظلمة والإيواء هو النور وكذلك الضلال ظلمة والهدى نور (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) سورة البقرة، والحاجة والعيلة ظلمة أيضا والغنى نور وبهجة.

(1/245)


في هذه الآيات بدأ سبحانه وتعالى بالظلمة ثم النور (اليتم ثم الايواء، الضلال ثم الهدى، العيلة ثم الغنى وهذا ليناسب ويتوافق مع قوله تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) والأولى هي الظلمة أما الآخرة فهي النور وهي خير له من الأولى.
لماذا لم يقسم سبحانه بالليل إذا سجى أولا ثم الضحى؟
الضحى هو نور الوحي وكان السكون بعد الوحي وكان القسم على اثر انقطاع الوحي فانقطاع الوحي هو الذي تأخر وليس العكس لذا جاء قسم الضحى أولا ثم الليل.
لماذا تكررت كلمة ربك في هذه السورة؟
الرب معناه انه هو المعلم والمربي والمرشد والقيم وكل آيات السورة مرتبطة بكلمة الرب ( ألم يجدك يتيما فآوى....) اليتيم يحتاج لمن يقوم بأمره ويرعاه ويعلمه ويوجهه ويصلح حاله وهذه من مهام الرب واليتيم يحتاج هذه الصفات في الرب أولا ثم إن الضال يحتاج لمن يهديه والرب هو الهادي والعائل أيضا يحتاج لمن يقوم على أمره ويصلحه ويرزقه فكلمة الرب تناسب كل هذه الأشياء وترتبط بها ارتباطا أساسيا ، وكثيرا ما ارتبطت الهداية في القرآن الكريم بكلمة الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (يهديهم ربهم بإيمانهم) (الحمد لله رب العالمين....اهدنا الصراط المستقيم)
لماذا حذف المفعول للأفعال: فآوى ، فأغنى ، فهدى مثلما حذف في فعل قلى؟

(1/246)


ذكر المفسرون هنا عدة آراء منها : أن الحذف هو لظهور المراد لأنه تعالى كان يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعنى واضح ، وقسم قال إنها مراعاة لفواصل الآيات حتى لا يقال آواك وأغناك وهداك فتختلف عن فواصل باقي الآيات ولكن كما سبق آنفا قلنا إن القرآن الكريم لا يراعي الفاصلة على حساب المعنى مطلقا وهي قاعدة عامة في القرآن: المعنى أولا ثم الفاصلة القرآنية ومثال ذلك الآية في سورة طه ( إلهكم واله موسى فنسي) وكانت الفاصلة في باقي السورة مختلفة وعليه فان الحذف هنا جاء للإطلاق والدلالة على سعة الكرم. فآوى بمعنى فآواك وآوى لك وآوى بك وأغناك وأغنى لك وأغنى بك وهداك وهدى لك وهدى بك ، فلو قال سبحانه وتعالى فوجدك عائلا فأغناك لكان الغنى محصورا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فقط لكن عندما أفاد الإطلاق دل ذلك على انه سبحانه أغنى رسوله وأغنى به وبتعليماته فيما خص الإنفاق وغيره خلقا كثيرا وأغنى له خلقا كثيرا وكذلك آوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآوى به خلقا كثيرا بتعاليمه الكثيرين وتعاليمه كانت تحض على رعاية اليتامى وحسن معاملتهم واللطف بهم وآوى لأجله الكثير من الناس لان من الناس من يؤوى اليتامى حبا برسول الله وطمعا في صحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الجنة كما ورد في الحديث: أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار إلى إصبعيه. وكذلك بالنسبة للهداية فالله تعالى هدى رسوله الكريم وهدى به خلقا كثيرا ( وانك لتهدي إلى صراط مستقيم) وهدى له ولأجله من أراد سبحانه وتعالى ، إذن خلاصة القول أن الحذف هنا جاء لظهور المراد وفواصل الآيات وسعة الإطلاق كلها مجتمعة لا يتعارض احدها مع الآخر. وكذلك تناسب سعة الإطلاق هنا قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى). فالحذف هنا جاء للعموم والإطلاق في المعنى.

(1/247)


لماذا ترتيب الآيات على هذا النحو؟ ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8)
هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة. اليتم يقال لمن فقد والديه أو احدهما وهو دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم ، وإذا بلغ دخل في سن التكليف الشرعي فهو يحتاج إلى الهداية ليتعلم كيف يسير في الحياة قبل أن يكون فقيرا أو غنيا وكيف يجمع المال الحلال لأن كل مال جمع من غير طريق الهداية هو سحت ثم تأتي العيلة وهي أمر آخر بعد البلوغ ؛ من الناس من يكون فقيرا أو غنيا وعلى الاثنين أن يسيرا وفق التعاليم التي تعلماها بعد البلوغ مباشرة وهذا طبيعي ويمر به كل الخلق فهذا هو التسلسل الطبيعي في الحياة.لذا فقد بدأ سبحانه بالحالة الأولى (اليتم) ثم إذا بلغ تأتي الهداية في المرتبة الثانية ، وثالثا العائل والغني يجب أن يسيرا على الهداية.
- قوله ( فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11)
القهر في اللغة : هو التسلط بما يؤذي ولا تقهره بمعنى لا تظلمه بتضييع حقه ولا تتسلط عليه أو لا تحتقره أو تغلب على ماله ،كل هذه المعاني تدخل تحت كلمة القهر.
السائل اختلف المفسرون فيها فقال بعضهم : هو سائل المال والمعروف والصدقة ومنهم من قال : انه سائل العلم والدين والمعرفة وقسم قال انه مطلق ويشمل المعنيين ، فسواء كان السائل سائل مال وصدقة أو سائل علم ومعرفة يجب أن لا ينهر مهما كان سؤاله. لا يصح أن يزجز أو ينهر سائل المال أو سائل العلم والدين . إذا كان سائل مال أعطيناه أو رددناه بالحسنى وسائل العلم علينا أن نجيبه ونعلمه أمور الدين.

(1/248)


أما النعمة فقال بعض المفسرين إنها النبوة وتعاليمها وقال آخرون إنها كل ما أصاب الإنسان من خير سواء كان في الدنيا أو الآخرة. وقال آخرون إنها نعمة الدين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) والواقع أن النعمة هنا أيضا تشمل كل هذه المعاني فهي نعمة الدين يجب أن يتحدث بها ويبلغ عنها وهي نعمة الدنيا والله سبحانه يحب أن يرى اثر نعمته على عباده وان يتحدث الإنسان بنعم الله عليه وان يظهرها والنعمة عامة في الدنيا والدين وعلى الإنسان أن يحدث بهذه النعمة. (النعمة بفتح النون وردت في القرآن بمعنى العقوبات والسوء كما في قوله (ونعمة كانوا فيها فاكهين) (الكافرين أولي النعمة)
لماذا اختيار كلمة (فحدث) ولم يقل (فأخبر)؟
الإخبار لا يقتضي التكرار يكفي أن تقول الخبر مرة واحدة فيكون إخبارا أما التحديث فهو يقتضي التكرار والإشاعة أكثر من مرة، وفي سياق الآية يجب أن يتكرر الحديث عن الدعوة إلى الله مرات عديدة ولا يكفي قوله مرة واحدة. ولهذا سمى الله تعالى القرآن حديثا (فليأتوا بحديث مثله). فمعنى (فحدث) في هذه الآية هو المداومة على التبليغ وتكرارها وليس الإخبار فقط فيمكن أن يتم الإخبار مرة واحدة وينتهي الأمر.
وفي تسلسل الأحاديث في كتب السنة نلاحظ أنهم يقولون: حدثنا فلان عن فلان ويكررون ذلك مرة أو مرات عديدة حتى يصلوا إلى أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالرسول الكريم يخبر بالحديث ثم يتناقله الصحابة فيما بينهم ويستمر تناقل الحديث حتى يعم وينتشر.
لماذا جاء ترتيب الآيات على هذا النحو؟ ( فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث ).
أثار هذا الترتيب الكثير من الأسئلة عند المفسرين لماذا رتبت الآيات على هذه الصورة لأنه لا يرد بنفس تسلسل الآيات السابقة (الم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى).

(1/249)


لنستعرض الآيات واحدة واحدة : أما اليتيم فلا تقهر جاءت بنفس تسلسل الآية (ألم يجدك يتيما فآوى) نفس النسق.
, أما السائل فلا تنهر كان من المفروض أن تأتي مقابلة للآية (ووجدك عائلا فأغنى) لكنها جاءت في مقابل الآية (ووجدك ضالا فهدى)
( وأما بنعمة ربك فحدث )، كان يجب أن تقدم باعتبار النعمة دين ويجب أن تكون مقابل ( ووجدك ضالا فهدى )
لكن الواقع أن ترتيب الآيات كما ورد في السورة هو الترتيب الأمثل، كيف؟ اليتيم ذكر أولا مقابل اليتيم ، ثم ذكر ( وأما السائل فلا تنهر ) قلنا سابقا أن السائل يشمل سائل العلم والمال وهنا اخذ بعين الاعتبار السائل عن المال والسائل عن العلم فهي إذن تكون مقابل (ووجدك ضالا فهدى) وأيضا (ووجدك عائلا فأغنى) لان السائل عن المال يجب أن لا ينهر والسائل عن العلم يجب أن لا ينهر أيضا وعليه فان الآية جاءت في المكان المناسب لتشمل الحالتين ومرتبطة بالاثنين تماما.
( وأما بنعمة ربك فحدث ) ، هي في انسب ترتيب لها فان كان المقصود بالنعمة كل ما أصاب الإنسان من خير في الدنيا فلا يمكن أن نتحدث عن النعمة إلا بعد وقوعها وليس قبل ذلك. والآيات السابقة تذكر نعم الله على الرسول فاقتضى السياق أن يكون التحدث بالنعمة آخرا أي بعد حدوث كل النعم على الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا كان المقصود بالنعمة الدين، فيجب أن يكون التحديث في المرحلة الأخيرة لأن على الداعية أن يتحلى بالخلق الكريم وفيه إشارة أن الإنسان إذا أتاه سائل عليه أن يتصف بهذه الصفات قبل أن يبلغ الناس عن النعمة (الدين) فعليه أن لا يقهر يتيما ولا ينهر سائلا ولا يرد عائلا وقد جاءت هذه الآية بعد إسباغ النعم وهو توجيه للدعاة قبل أن يتحدثوا أن يكونوا هينين لينين فقد قال تعالى (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فعلى الداعية أن يتحلى بالخلق الحسن ولا ينهر سائلا.

(1/250)


وكذلك جعل التحديث بالنعمة (وأما بنعمة ربك فحدث) جاءت بعد ( وأما السائل فلا تنهر) لان كل داعية يتعرض لأسئلة محرجة أحيانا تكون لغاية الفهم وقد تكون لنوايا مختلفة فعليه أن يتسع صدره للسائل مهما كانت نية السائل أو قصده من السؤال وعلى الداعية أن لا يستثار وإلا فشل في دعوته وقد يكون هذا هو قصد السائل أصلا
من الدروس المستفادة من هذه السورة إضافة إلى ما سبق انه يحسن للإنسان تذكر أيام العسر والضيق لأنه مدعاة للشكر ومدعاة لمعاونة المبتلى أيضا لذا يجب التذكير بالماضي وما يتقلب فيه المرء من نعم ليشكر الله تعالى عليها مهما كان في ماضيه من أذى أو حرج أو ضيق فلا بأس أن يتذكر أو يذكر به حتى يشكر الله تعالى على نعمه فيكون من الشاكرين لله تعالى.

لمسات بيانية في سورة التين
والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3)
ابتدأت السورة بالقسم بالتين والزيتون. والتين والزيتون قد يكون قصد بهما الشجران المعروفان، وقد ذكر المفسرون لاختيار هذين الشجرين للقسم بهما أسبابا عدة، فقد ذكروا أنه أقسم بنوعين من الشجر ، نوع ثمره ليس فيه عجم ونوع فيه عجم، وأنه ورد في الأثر أن التين من شجر الجنة فقد روي أنه أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه:" كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم". وقد ذكر أن آدم خصف من ورقه ليستر عورته حين انكشفت في الجنة.
وأما الزيتون فإنه شجرة مباركة كما جاء في التنزيل العزيز.
وقد ذكروا أمورا أخرى لا داعي لسردها هاهنا .

(1/251)


ولا ندري هل لبدء السورة بالقسم بالشجر الذي يذكر أن له أصلا في الجنة أعني التين له علاقة بعدد آيات هذه السورة أو لا؟ فإن عدد آيات هذه السورة ثمانية وهن بعدد أبوبا الجنة. وقد يكون هذا القول خرصا محضا وأنا أميل إلى ذلك، ولكنا قد وجدنا شيئا من أنواع هذه العلاقات في القرآن. فقد تكرر كما سبق أن ذكرنا قوله تعالى (فبأي آلاء ربكما تكذبان ) الرحمن ) ، عند الكلام في وصف الجنة ثماني مرات بعدد أبواب الجنة، وحصل هذا مرتين في السورة، وتكرر في الوعيد سبع مرات بعدد أبواب جهنم (انظر ملاك التأويل) ابتداء من قوله (سنفرغ لكم أيها الثقلان (31) الرحمن). وقالوا إن سورة القدر ثلاثون كلمة بعدد أيام شهر رمضان وإن قوله (هي) في قوله تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر (5) القدر) هي الكلمة السابعة والعشرون وهي إشارة إلى أن هذه الليلة هي الليلة السابعة والعشرون من رمضان.
وعلى أي حال فإن كثيرا من هذه العلاقات ربما كانت موافقات والله أعلم.
وقيل: إن المقصود بالتين والزيتون جبلان من الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانة طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون. (التفسير الكبير 32/9، روح المعاني 30/174).
والعلاقة بين التين والزيتون وما بعدهما ليست ظاهرة على هذا إلا بتكلف. وقيل: " هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار فالأول: محله التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى بن مريم - عليه السلام - والثاني: طور سنين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران - عليه السلام -، والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - (تفسير ابن كثير 4/526).

(1/252)


وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): " فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله، أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة. فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس... وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم. كما أن طور سنين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى، فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم أقسم بالبد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم. وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل، فبدأ بموضع مظهر المسيح، ثم ثنى بموضع مظهر الكليم، ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه. ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى: (جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير وواستعلن من فاران).
فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران ، وبدأ به على حكم الترتيب الواقع، ثم ثنى بنبوة المسيح، ثم ختمه بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - (التبيان 35-55).
وهذا هو الراجح فيما أرى لأن المناسبة بين هذه المحال المقسم بها ظاهرة على هذا.
ثم لننظر إلى ترتيب هذه الأشياء المقسم بها:
فقد بدأ بالتين والزيتون. والزيتون أشرف وأفضل من التين فقد شهد الله له أنه شجرة مباركة قال تعالى (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35)) وهي فاكهة من وجه وإدام من وجه وزيتها يستعمل في إنارة المصابيح والسرج.

(1/253)


ثم أقسم بطور سنين وهو أفضل مما ذكر قبل، فإنه الجبل الذي كلم الرب عليه موسى وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف وضع طور سنين بجوار الزيتون لا بجوار التين، وقد ورد ذكر الزيتون بجوار الطور في موطن آخر من التنزيل العزيز (في ظلال القرآن 30/190)
قال تعالى (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20)) وهذه الشجرة هي شجرة الزيتون بإجماع المفسرين. قال الواحدي: "والمفسرون كلهم يقولون إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون (فتح القدير 3/463، روح المعاني 18/22-23)"
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة المكرمة: مكان مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه ومكان البيت الذي هو هدى للعالمين (روح المعاني 30/173). وهو أفضل البقاع عند الله وأحبها إليه كما جاء في الحديث الشريف، فتدرج من الفاضل إلى الأفضل ومن الشريف إلى الأشرف.
فأنت ترى أنه تدرج من التين إلى الزيتون إلى طور سنين إلى بلد الله الأمين، فختم بموطن الرسالة الخاتمة أشرف الرسالات.
وقد وصف الله هذا البلد بصفة (الأمين) وهي صفة اختيرت هنا اختيارا مقصودا لا يسد مسدها وصف آخر.
فالأمين وصف يحتمل أن يكون من الأمانة، كما يحتمل أن يكون من الأمن. وكلا المعنيين مراد.
فمن حيث الأمانة وصف بالأمين لأنه مكان أداء الأمانة وهي الرسالة والأمانة ينبغي أن تؤدى في مكان أمين. فالرسالة أمانة نزل بها الروح الأمين وهو جبريل، وأداها إلى الصادق الأمين وهو محمد، في البلد الأمين وهو مكة. فانظر كيف اختير الوصف ههنا أحسن اختيار وأنسبه.
فالأمانة حملها رسول موصوف بالأمانة فأداها إلى شخص موصوف بالأمانة في بلد موصوف بالأمانة. جاء في (روح المعاني): "وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه"

(1/254)


وأما من حيث الأمن فهو البلد الآمن قبل الإسلام وبعده، دعا له سيدنا ابراهيم - عليه السلام - بالأمن قبل أن يكون بلدا وبعد أن صار بلدا فقال أولا: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126)) وقال فيما بعد: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35)) فهو مدعو له بالأمن من أبي الأنبياء. وقد استجاب الله سبحانه هذه الدعوة قال تعالى (( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)) وقال: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125)).
فـ (الأمين) على هذا (فعيل) للمبالغة بمعنى الآمن، ويحتمل أن تكون (الأمين) فعيلا بمعنى فعول، مثل جريح بمعنى مجروح وأسير بمعنى مأسور أي المأمون ، وذلك لأنه مأمون الغوائل (روح المعاني 30/173، البحر المحيط 8/490، الكشاف 3/348)

(1/255)


جاء في روح المعاني: "الأمين فعيل بمعنى فاعل أي الآمن من أمن الرجل بضم الميم أمانة فهو أمين.. وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه.. وأما بمعنى مفعول أي: المأمون من (أمنه) أي: لم يخفه، ونسبته إلى البلد مجازية. والمأمون حقيقة الناس أي: لا تخاف غوائلهم فيه، أو الكلام على الحذف والإيصال أي: المأمون فيه من الغوائل (روح المعاني 30/173)".
وجاء في البحر المحيط: "وأمين للمبالغة أي: آمن من فيه ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، أو أمن الرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل (البحر المحيط 8/490، الكشاف 3/348)".
وقد تقول: ولم اختار لفظ (الأمين) على (الآمن) الذي تردد في مواطن أخرى من القرآن الكريم؟ قال تعالى (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) القصص) وقال (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) العنكبوت)
والجواب : أنه باختياره لفظ (الأمين) جمع معنيي الأمن والأمانة، وجمع معنى اسم الفاعل واسم المفعول، وجمع الحقيقة والمجاز، فهو أمين وآمن ومأمون، وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة.

(1/256)


ثم انظر إلى جواب القسم وهو قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) كيف تناسب مع المقسم به تناسبا لطيفا ولاءمه ملاءمة بديعة. فإنه أقسم بالرسالات على بداية الإنسان ونهايته فقال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4)) وهذه بدايته، ثم قال: (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) وهذه نهايته.
"ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى، ذكر حال الفريقين. فذكر حال الأكثرين وهو المردودون إلى أسفل سافلين (التبيان في أقسام القرآن 55-56) والآخرين وهم المؤمنون الذين لهم أجر غير ممنون.
ولما كانت الرسالات إنما هي منهج للإنسان وشريعة له، كان الجواب يتعلق بالإنسان طبيعة ومنهجا، فذكر طبيعة الإنسان في قوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) وذكر المنهج في قوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6)).
وفي هذه إشارة إلى أن المنهج لا بد أن يكون متلائما مع الطبيعة البشرية غير متناقض لها وإلا فشل.
فكان الجواب كما ترى أوفى جواب وأكمله وأنسب شيء لما قبله وما بعده.
ثم انظر من ناحية أخرى إلى قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) فإنه أسند الخلق إلى نفسه ولم يبنه للمجهول، وذلك أنه موطن بيان عظيم قدريه وحسن فعله وبديع صنعه فأسند ذلك غلى نفسه، وهذا في القرآن خط واضح، فإنه في مثل هذا المقام وفي مقام النعمة والتفضل يسند الأمر إلى نفسه قال تعالى (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) الأعراف).

(1/257)


وقال: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) يس)
فانظر كيف أسند الخلق في مقام النهمة والتفضل إلى ذاته في حين قال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) النساء) ببناء الفعل للمجهول لما كلن القصد بيان نقص الإنسان وضعفه. وقال (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) الأنبياء) وقال (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) المعارج).
فانظر إلى الفرق بين المقامين، وقد مر شيء من هذا في موطن سابق.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه أسند الخلق إلى نفسه لأن المقام مقام بيان منهج للإنسان، فأراد أن يبين أن واضع المنهج للإنسان هو خالق الإنسان ولا أحد غيره أعلم بما يصلح له وما هو أنسب له، ولو بنى الفعل للمجهول لم يفهم ذلك صراحة.
فأنت ترى أن إسناد الخلق إلى ذات الله العلية أنسب شيء في هذا المقام. وقد تقول: ولم أسند الرد إلى أسفل سافلين إلى نفسه فقال: (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) وهذا ليس مقام تفضل ولا بيان نعمة؟
فنقول: إن هذا الإسناد أنسب شيء هاهنا ولا يليق غيره، وذلك أنه أراد أن يذكر أن بيده البداية والنهاية، وأنه القادر أولا وأخيرا لا معقب لحكمه يفعل ما يشاء في البداية والختام، وهذا لا يكون إلا بإسناد الأمر إلى ذاته العلية.
ألا ترى أنه لو قال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رد أسفل سافلين) لكان يفهم من ذلك أن هناك رادا غيره يفسد خلقته ويهدم ما بناه؟

(1/258)


ومعنى قوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) أنه صيره على أحسن ما يكون في الصورة والمعنى والإدراك وفي كل ما هو أحسن (روح المعاني 30/175، البحر المحيط 8/490) من الأمور المادية والمعنوية.
وقال بعدها (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) فجاء بـ (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي، لأن كونه أسفل سافلين لا يعاقب خلقه بل يتراخى عنه في الزمن، فهي من حيث الوقت تفيد التراخي، كما أنها من حيث الرتبة تفيد التراخي، فرتبة كونه في أحسن تقويم تتراخى وتبعد عن رتبة كونه في أسفل سافلين، فثمة بون بعيد بين الرتبتين فأفادت (ثم) هاهنا التراخي الزماني والتراخي في الرتبة.
واختلف في معنى (أسفل سافلين) فذهب قسم من المفسرين إلى أن المقصود به أرذل العمر، والمراد بذلك: الهرم وضعف القوى الظاهرة والباطنة وذهول العقل حتى يصير لا يعلم شيئا (روح المعاني 30/176، البحر المحيط 8/490)
ومعنى هذا الإستثناء على هذا أن الصالحين من الهرمى لهم ثواب دائم غير منقطع (الكشاف 3/348) يكتب لهم في وقت شيخوختهم كما كان يكتب لهم في وقت صحتهم وقوتهم" وفي الحديث "إن المؤمن إذا رد لأرذل العمر كتب له ما كان يعمل في قوته" وذلك أجر غير ممنون (البحر المحيط 8/490) أي غير منقطع.
وذهب آخرون إلى أن المقصود به أسفل الأماكن السافلة وهو جهنم أو الدرك الأسفل من النار.
ومعنى الإستثناء على هذا ظاهر، فالصالحون مستثنون من الرد إلى ذلك.

(1/259)


وركز بعضهم على الخصائص الروحية. جاء في ظلال القرآن: "والتركيز في هذا المقام على خصائصه الروحية. فهي التي تنتكس إلى أسفل سافلين حين ينحرف عن الفطرة ويحيد عن الإيمان المستقيم معها. فهو مهيأ لأن يبلغ من الرفعة مدى بفوق مقام الملائكة المقربين.. بينما هذا الإنسان مهيأ حين ينتكس لأن يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط: (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) حيث تصبح البهائم أرفع وأقوم لاستقامتها على فطرتها...
(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6)) فهؤلاء هم الذين يبقون على سواء الفطرة ويكملونها بالإيمان والعمل الصالح. ويرتقون بها إلى الكمال المقدر لها (في ظلال القرآن 30/194)".
وظاهر أن معنى الآية يتسع لكل ما ذكروه، وهي تفيد أيضا أن حياة غير المؤمن نكد وغم، وعيشة ذنك وشقاء قال تعالى : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) طه) وقال : (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) الحج).

(1/260)


فحياة هؤلاء هابطة سافلة بل هم في أسفل سافلين. ثم لننظر إلى الإستثناء وهو قوله تعالى : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) التين) فإنه استثنى من الرد أسفل سافلين من آمن وعمل صالحا ولم يزد على ذلك، فلم يقل مثل ما قال في سورة العصر (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3)) وذلك لاختلاف الموطنين، فإن سورة العصر في بيان الخسران الذي يصيب الإنسان، وسورة التين فيما ينجي من دركات النار، قال تعالى (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) العصر) فبين لنا أن الإيمان والعمل الصالح يمنعه من الرد أسفل سافلين. ولكن لا يمنعه من الخسران الذي يفوته فيما لو تواصى بالحق وبالصبر فإن كل من ترك شيئا من ذلك خسر شيئا من الأجر الذي كان يربحه فيما لو فعله، فانظر الفرق بين الموطنين وبين الإستثنائين.
جاء في (التبيان) : "وتأمل حكمة القرآن لما قال: (إن الإنسان لفي خسر (2)) فإنه ضيق الإستثناء وخصصه فقال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3)) ولما قال (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) وسع الإستثناء وعممه فقال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6)) ولم يقل (وتواصوا) فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح، وهو قدر زائد على مجرد فعله. فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر، ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين.

(1/261)


فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة. وقد تكون فرضا على الأعيان، وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة.
والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب، والحق الذي يستحب، والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب. فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به. وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم. فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء (التبيان 91)".
ثم قال: (فلهم أجر غير ممنون) قيل: ومعنى غير ممنون غير منقوص ولا منقطع، وقيل معناه غير مكدر بالمن عليهم (البحر المحيط 8/490، روح المعاني 30/176). والحق أن كل ذلك مراد وهو من صفات الثواب، لأنه يجب أن يكون غير منقطع ولا منغصا بالمنة (التفسير الكبير 32/11).
فقال: (غير ممنون) ليجمع هذه المعاني كلها، ولم يقل غير مقطوع ولا نحو ذلك فيفيد معنى دون آخر.

(1/262)


ثم انظر كيف زاد الفاء في قوله (فلهم أجر غير ممنون) ولم يفعل مثل ذلك في آية شبيهة بها وهي قوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) الإنشقاق) بدون فاء. وذلك لأن السياقين مختلفان، فسياق سورة الإنشقاق أكثره في ذكر الكافرين، وقد أطال في ذرهم ووصف عذابهم فقال: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا (15) الإنشقاق) ثم قال مقرعا للكافرين مؤنبا لهم : (فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون {س} (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25))
في حين لم يزد في الكلام على المؤمنين عن قوله (فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) الإنشقاق).
فانظر كيف أطال في وصف الكافرين وأعمالهم وعقابهم، وأوجز في الكلام على المؤمنين، ولذا حذف الفاء من جزاء المؤمنين في سورة الإنشقاق مناسبة للإيجاز. في حين لم يذكر الكافرين في سورة التين ولم يزد على أن قال (( ثم رددناه أسفل سافلين (5) التين) يعني الإنسان، وهو غير صريح في أن المقصود به الكافرون أو غيرهم كما أسلفنا.

(1/263)


ثم انظر إلى كل من السورتين كيف تناولت الكلام على الإنسان. فقد بدأت سورة الإنشقاق بذكر كدح الإنسان ومشقته ونصبه (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) الإنشقاق) وتوعده ربه بركوب الأهوال والشدائد المتتابعة التي يفوق بعضها بعضا في الشدة فقال (فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19)).
في حين بدأ في سورة التين بتكريم الإنسان فقال (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) فناسب ذلك تأكيد استمرار أجره وعدم تنغيصه، وذلك بزيادة الفاء في التين دون الإنشقاق.
ثم قال بعدها (فما يكذبك بعد بالدين (7) التين) والمعنى: أي شيء يجعلك أيها الإنسان مكذبا بالجزاء بعد هذا الدليل الواضح؟ والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي مع تحويله من حال إلى حال، أوضح دليل على قدرة الخالق على الحشر والنشر (الكشاف 3/349، التفسير الكبير 32/12) فإن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا، وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه خلقك الأول (التبيان 61).
فانظر جلالة ارتباط هذا الكلام بما قبله.
ثم انظر كيف استدل على الجزاء بالأدلة النقلية والعقلية. فالدليل النقلي هو ما أخبرت به الرسالات السماوية، وقد ذكر من هذه الرسالات كبراها وهي رسالات موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
والدليل العقلي هو الإستدلال بخلق الإنسان في أحسن تقويم وتدريجه في مراتب الزيادة والنقص.

(1/264)


ثم انظر كيف اختار كلمة (الدين) ولم يختر كلمة الجزاء أو الحساب أو النشور ونحوها، وذلك لما تقدم ذكر مواطن الرسالات ناسب ذلك ذكر الدين، لأن هذه أديان، ولأنه قد يراد بذلك معنى (الدين) علاوة على معنى الجزاء. والمعنى أي شيء يجعلك مكذبا بصحة الدين بعد هذه الأدلة المتقدمة؟ فالذي خلقك في أحسن تقويم يرسم لك أحسن منهج تسعد به في الدنيا وفي الآخرة. فجمعت كلمة (الدين) معنى الدين ومعنى الجزاء في آن واحد، ولو قال فما الذي يكذبك بالجزاء لم يجمع هذين المعنيين.
فأنت ترى أنه اختار كلمة (الدين) لتقع في موقعها المناسب لها تماما. ثم قال بعدها: (أليس الله بأحكم الحاكمين (8)) وأحكم الحاكمين يحتمل أن يكون معناه: أعظم ذوي الحكمة وأحسنهم تدبيرا، ويحتمل أن يكون معناه أقضى القاضين، لأن (حكم) يحتمل أن يكون من الحكمة، ويحتمل أن يكون من القضاء وهو الفصل في المحاكم.
وعلى الوجه الأول يكون المعنى: أليس الذي فعل ذلك بأحكم الحاكمين صنيعا وتدبيرا وأن حكمته بالغة لا حدود لها. وإذا تبين أن الله سبحانه أحكم الحاكمين –وهو بين- تعينت الإعادة والجزاء لأن حكمته تأبى أن يترك الإنسان سدى ولا يحاسب على أعماله، فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته (التبيان 33 وما بعدها، التفسير الكبير 32/12).
وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أليس الله بأقضى القاضين (روح المعاني 30/177، مجمع البيان 10/512) فيحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، كما قال تعالى (قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) الزمر)

(1/265)


فانظر قوة ارتباط هذه الآية بما قبلها على كلا الوجهين، فإن حكمته تقتضي الإعادة والجزاء. والجزاء والفصل بين الخلائق يقتضي وجود قاض، بل يقتضي وجود أقضى القاضين.
فجمع بهذه العبارة معنيين: القضاء والحكمة بل لقد جمع معاني عدة بهذا التعبير، إذ كل لفظ من (أحكم الحاكمين) يحتمل أن يكون بمعنى القضاء والحكمة فيكون قد جمع أربعة معان كلها مرادة وهي (أحكم الحاكمين) بمعنى أكثرهم حكمة و(أقضى الحكماء) و(أقضى القضاة) و(أحكم القضاة).
فانظر كيف جمع أربعة معان تؤدي بأربع عبارات في عبارة واحدة موجزة ولو قال (أقضى القاضين) لدلت على معنى واحد.
ثم انظر كيف جعل ذلك بأسلوب الإستفهام التقريري ولم يجعله بالأسلوب الخبري فهو لم يقل (إن الله أحكم الحاكمين) ولا نحو ذلك، وإنما قرر المخاطب ليقوله بنفسه وليشترك في إصدار الحكم فيقول: بلى (وأنا على ذلكم من الشاهدين)
ثم انظر إلى ارتباط خاتمة السورة بفاتحتها، فإن فاتحة السورة في ذكر مواطن الرسالات العظمى وارتباطها بخاتمتها واضح بينـ فإن الذي أنزل هذه الشرائع العظيمة وما تضمنته من أحكام سامية هو أحكم الحاكمين.
ثم انظر إلى التنسيق الجميل في إختيار خواتم الآي، فإن خاتمة كل آية اختيرت لتجمع عدة معان في آن واحد. فاختيرت (الأمين) لتجمع معنيي الأمن والأمانة، و(أسفل سافلين) لتجمع معنى غير منقطع ولا منغص بالمنة عليهم، وكلمة (الدين) لتجمع الجزاء والدين، و(أحكم الحاكمين) لنجمع الحكمة والقضاء.
فانظر إلى هذا الدقة في الإختيار وهذا الحسن في التنسيق. أليس الذي قال بأحكم الحاكمين؟ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.

لمسات بيانية في سورة الكوثر
لماذا قال الله تعالى أعطيناك ولم يقل آتيناك؟
سورة الكوثر تأتي بعد سورة الماعون (أرأيت الذي يكذب بالدين..)
وهي تقابل هذه السورة من نواحي عديدة:
سورة الكوثرSs

إنا أعطيناك الكوثر
فصل لربك وانحر
(المقصود بالنحر التصدق) ... سورة الماعون

(1/266)


فصل لربك وانحر (أمر بالصلاة ودوام عليها) ... أرأيت الذي يكذب بالدين
فذلك الذي يدع اليتيم
ولا يحض على طعام المسكين
فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون
فصل لربك وانحر (إخلاص الصلاة لله) ... فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (سهو عن الصلاة)
إنا أعطيناك الكوثر (الكوثر نهر في الجنة وهذا تصديق بيوم الدين والجزاء) ... الذين هم يرآؤون (مرآءاة في الصلاة)
إن شانئك هو الأبتر (والأبتر هو من انقطع عمله من كل خير ... الذي يكذب بيوم الدين (لا يصدق بالجزاء ويوم الدين)

sكل الصفات في هذه السورة تدل على الأبتر لأنه انقطع الخير عنه فهو الأبتر حقيقة (يكذب بيوم الدين, لا يدع اليتيم، لا يحض على طعام المسكين، ...)s

وسورة الكوثر هي انجاز لما وعد الله تعالى رسوله في سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) في سورة الضحى وعد من الله بالإعطاء وفي سورة الكوثر عطاء وتحقق العطاء. وفي سورة الكوثر قال تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) وإنا تفيد التوكيد وفي سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ولسوف تفيد التوكيد أيضا. وفي سورة الكوثر (فصل لربك وانحر) وفي الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) اي فصل لربك الذي وعدك بان يعطيك وأنجز الوعد.
إنا أعطيناك: في بناء الآية لغويا يوجد تقديم الضمير إنا على الفعل أعطيناك وهو تقديم مؤكد تأكيد بـ (إن) وتقديم أيضا. فلماذا قدم الضمير إنا؟ أهم أغراض التقديم هو الاهتمام والاختصاص.
فعندما نقول أنا فعلت بمعنى فعلته أنا لا غيري (اختصاص)
وأنه خلق الزوجين ...ونوحا هدينا من قبل.. (تفيد الاهتمام)
ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان...(تفيد الاهتمام ) لم يقصر السماع عليهم وحدهم إنما سمع غيرهم أيضا.

(1/267)


في الآية إنا أعطيناك الكوثر يوجد الأمران: الاختصاص والاهتمام ؛ فالله تعالى أعطى نبيه الكوثر اختصاصا له وليس لأحد سواه وللإهتمام أيضا وإذا كان ربه هو الذي أعطاه حصرا فلا يمكن لأي أحد أن ينزع ما أعطاه الله من حيث التأكيد في تركيب الجملة.
إنا: ضمير التعظيم ومؤكد
أعطيناك: لماذا لم يقل آتيناك؟
هناك تقارب صوتي بين آتى وأعطى وتقارب من حيث المعنى أيضا لكن آتى تستعمل لما هو أوسع من أعطى في اللغة فقد يتقاربان.
آتى تستعمل لأعطى وما لا يصح لأعطى (يؤتي الحكمة من يشاء) (ولقد آتينا موسى تسع آيات) ( وآتيناهم ملكا عظيما). آتى تستعمل للرحمة، للحكمة، للأموال (وآتى المال على حبه) وتستعمل للرشد (وآتينا إبراهيم رشده). آتى تستعمل عادة للأمور المعنوية (لقد آتيناك من لدنا ذكرا) وقد تستعمل للأمور المادية أيضا.
أما أعطى فهي تستعمل في الأمور المادية فقط (وأعطى قليلا وأكدى) (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى)
إذن آتى تستعمل للأموال وغير الأموال وأكثر استعمالها للأمور الواسعة والعظيمة كالملك والرشد والحكمة.
وأعطى للتخصيص على الأغلب وهناك أمور لا يصح فيها استعمال أعطى أصلا كالحكمة والرشد.
وما دامت كلمة آتى أوسع استعمالا فلماذا إذن لم يستعمل آتى بدل أعطى؟
الإيتاء يشمله النزع بمعنى انه ليس تمليكا إنما العطاء تمليك. والإيتاء ليس بالضرورة تمليكا (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) (وآتيناه من الكنوز....ثم خسفنا به وبداره الأرض) إذن الإيتاء يشمله النزع أما العطاء فهو تمليك. في الملك يستعمل الإيتاء لأنه قد ينزعه سبحانه أما العطاء فهو للتمليك وبما انه تمليك للشخص فله حق التصرف فيه وليس له ذلك في الإيتاء. (رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.... هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) أي بما انه عطاء من الله تعالى لسيدنا سليمان فله حق التصرف في عطاء الله له.

(1/268)


وقد يكون الإيتاء آية فليس للنبي حق التصرف بها بل عليه تبليغها ورب العالمين ملك رسوله - صلى الله عليه وسلم - الكوثر وأعطاه إياه تمليكا له أن يتصرف فيه كيفما شاء.
لماذا قال تعالى الكوثر ولم يقل الكثير؟
الكوثر من صفات المبالغة تفيد (فوعل وفيعل) تدل على المبالغة المفرطة في الخير. وقيل عن الكوثر انه نهر في الجنة وقيل الحوض وقيل رفعة الذكر وغيره وكل ما قيل يشمل الخير الذي أعطاه الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو كوثر ومن الكوثر أي الخير الذي انعم الله تعالى على رسوله به.
والكوثر يدل على الكثرة المفرطة في الشيء والفرق بين الكوثر والكثير ان الكوثر قد تكون صفة وقد تكون ذاتا أما الكثير فهي صفة فقط. وكون الكوثر صفة يدل على الخير الكثير وليس على الكثرة (الكثير هو الكثرة) ولكن الكوثر تدل على الخير الكثير والكثرة قد تكون في الخير وغيره. فالكوثر هو بالإضافة إلى الكثرة المفرطة فهو في الخير خصوصا. وقد تكون الكوثر الذات الموصوفة بالخير (يقال أقبل السيد الكوثر أي السيد الكثير الخير و العطاء) ولا يقال اقبل الكثير. النهر عادة هو ذات ولكنه ذات موصوف بكثرة الخير. فالكوثر أولى من الكثير لما فيه من الكثرة المفرطة مع الخير وهناك قراءة للآية (الكيثر) وهي صفة مشابهة مثل الفيصل.
والواو أقوى من الياء فأعطى الله تعالى الوصف الأقوى وهو الكوثر وليس الكثير. وفي هذه الآية حذف للموصوف فلم يقل تعالى ماء كوثرا ولا مالا كوثرا وإنما قال الكوثر فقط لإطلاق الخير كله.
وعندما عرف الكوثر بأل التعريف دخل في معناها النهر ولو قال كوثر لما دخل النهر فيه لكن حذف الموصوف أفاد الإطلاق وجمع كل الخير.
وعندما أعطى الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - الخير المطلق والكثير فهو في حاجة للتوكيد والتعظيم ولذلك قال إنا مع ضمير التعظيم لأنه يتناسب مع الخير الكثير والمطلق وناسبه التوكيد أيضا في إنا.

(1/269)


- قوله ( فصل لربك وانحر )
لماذا لم يقل سبحانه وتعالى فصل لنا أو صل لله ولماذا قال انحر ولم يقل ضحي أو اذبح.
بعد أن بشر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بإعطائه الكوثر جاء السبب بالفاء أي أراد منه أن يشكر النعمة التي أعطاه إياها ، ينبغي تلقي النعم بالشكر ولم يقل له فاشكر لان الشكر قد يكون قليلا أو كثيرا فلو قال الحمد لله فقط لكان شاكرا لكن هذا الأمر الكبير والعطاء الكبير يستوجب الحمد الكثير ولذا طلب الله تعالى من رسوله - صلى الله عليه وسلم - شيئين الأول يتعلق بالله تعالى وهو الصلاة والثاني يتعلق بالعباد وهو النحر. والصلاة أعظم ركن من أركان الإسلام وهو أعلى درجات الشكر لله والنحر وفيه إعطاء خلق الله والشفقة بخلق الله. فشكر النعم يكون بأمرين شكر الله والإحسان إلى خلقه من الشكر أيضا وعندما نحسن إلى خلق الله يكون هذا من شكر نعم الله.
وقدم الله تعالى الصلاة على النحر لأن الصلاة أهم من النحر وهي ركن من أركان الإسلام وأول ما يسأل العبد عنه يوم الحساب والمفروض أن تكون خمس مرات في اليوم والليلة ولهذا فهي أعم من النحر لأن النحر يكون مع التمكن المادي فقط في حين أن الصلاة لا تسقط عن العباد في أي حال من الأحوال من مرض أو فقر أو غيره. وقد وردت الصلاة في القرآن على عدة صور فهي إن كانت من الله تعالى فهي رحمة ، ومن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعاء ، ومن العباد عبادة وقول وفعل وحركة الصلاة. وكلما ورد ذكر الصلاة والزكاة في القرآن تتقدم الصلاة على الزكاة لأنها أعم وأهم.
فصل لربك: لماذا لم يقل فصل لله أو فصل لنا؟
اللام في (لربك) تفيد الاختصاص والقصد أن الصلاة لا تكون إلا لله وحده وهي مقابلة لما ورد في ذكر المرائين في الصلاة في سورة الماعون (الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يرآؤون ويمنعون الماعون) أما في سورة الكوثر فجاءت فصل لربك أي داوم على الصلاة لربك وليس كالمرائين.

(1/270)


لماذا لم يقل فصل لنا؟ في اللغة تسمى التفات من الغيبة إلى الحضور أو العكس. الصلاة تكون للرب وليس للمعطي فإذا قال فصل لنا لأفاد أن الصلاة تكون للمعطي ولكن الصحيح أن المعطي له الشكر فقط وليس الصلاة حتى لا يتوهم أن الصلاة تكون لأي معطي والصلاة حق لله وحده إنما المعطي له الشكر فقط. وكذلك قال تعالى إنا أعطيناك باستخدام ضمير التعظيم فلو قال فصل لنا لأوهم انه فيه شرك (انه تعالى له شريك والعياذ بالله) أو انه يمكن استخدام ضمير التعظيم للجمع
ملاحظة: في القرآن كله لا يوجد موضع ذكر فيه ضمير التعظيم إلا سبقه أو تبعه إفراد بما يفيد وحدانية الله تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ...إنا لله وإنا إليه راجعون) (كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) (ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك....وإلى ربك فارغب) ولم يقل والينا فارغب. وهكذا يتبين انه لم يذكر ضمير التعظيم في القرآن كله إلا سبقه أو تبعه ما يدل على الإفراد تجنبا للشرك.
واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله (فصل لربك ولم يقل فصل لله) هذه الآية انجاز لما وعد الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومعناها صل لربك الذي أنجز الوعد الذي وعدك إياه. والعطاء من الرعاية ولم يرد في القرآن كله لفظ العطاء إلا مع لفظ الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محذورا) (جزاء من ربك عطاء حسابا) لم تقترن كلمة العطاء في القرآن كله بغير لفظ الرب، والرب هو المربي والمعطي والقيم.
لماذا قال : ( وانحر ) ولم يقل واذبح؟

(1/271)


النحر في اللغة : يتعلق بنحر الإبل فقط ولا تستعمل مع غير الإبل. يقال ذبح الشاة وقد يستعمل الذبح للجميع وللبقر والطيور والشاة والإبل لكن النحر خاص بالإبل لأنها تنحر من نحرها فأراد الله تعالى أن يتصدق بأعز الأشياء عند العرب فلو قال اذبح لكان جائزا أن يذبح طيرا أو غير ذلك ومعروف أن الإبل من خيار أموال العرب. وبما أن الله تعالى أعطى رسوله - صلى الله عليه وسلم - الخير الكثير والكوثر فلا يناسب هذا العطاء الكبير أن يكون الشكر عليه قليلا لذا اختار الصلاة والنحر وهما أعظم أنواع الشكر.
لماذا لم يقل وتصدق؟
الصدقة تشمل القليل والكثير فلو تصدق احدهم بدرهم أو بطير لكفى المعنى ولكن الله تعالى أراد التصدق بخير الأموال ليتناسب مع العطاء الكثير.
لماذا لم يقل وزكي؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يملك النصاب للزكاة أصلا فهي غير واردة على الإطلاق ثم إن الزكاة تجب مرة واحدة في العام وبنسبة 2.5 % فقط ولما اختلف عما فرضه الله تعالى على المسلمين جميعا ولن تكون شكرا خاصا لله تعالى على عطائه الكثير ألا وهو الكوثر.
لماذا لم يقل وضحى؟
الأضحية هي كل ما تصح به الأضحية الشرعية فلو ضحى بشاة لكفت ، والأضحية لها وقتها وهو أربعة أيام يوم النحر و أيام التشريق فقط والله تعالى لم يرد أن يحصر الشكر له على عطائه الكثير بأيام محددة.
اختلف المفسرون بالصلاة والنحر أهي صلاة العيد أو عامة الصلاة أو خاصة والمعنى في الآية (فصل لربك وانحر) تشمل كل هذه الحالات ففي العيد يكون النحر بعد الصلاة ولكن الكثير من المفسرين قالوا إنها عامة ويدخل فيها صلاة العيد والأضحية.
لماذا لم يقل فصل لربك وانحر لربك؟ أو انحر له؟
إن المتعلق الأول لربك كأنما يغني عن المتعلق الثاني وهو ما يسمى بظهور المراد أي يفهم من الآية فصل لربك وانحر لربك .

(1/272)


الصلاة أهم من النحر لأنها لا تسقط بأي حال من الأحوال فجعل المتعلق بما هو أهم والنحر لا يكون إلا مع الاستطاعة .
الصلاة لا تكون إلا عبادة ولا تكون غير ذلك أما النحر فقد يكون إما للعبادة وقد يكون للأكل فقط وليست بهدف العبادة لذا النحر يختلف عن الصلاة. وإذا كان النحر عبادة فلا يكون إلا لله تعالى وملعون من ذبح لغير الله فلو قال وانحر لربك لألزم أن يكون النحر فقط عبادة ولما جاز لغير العبادة أبدا .
لماذا لم يقل وتقرب؟ القربان من التقرب ولقد ورد القربان مرة واحدة في القرآن الكريم في حادثة ابني آدم عليه السلام.
- قوله ( إن شانئك هو الأبتر )
نزلت هذه الآية لما مات ابني الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت قريش بتر محمد وإذا مات أبناء الشخص المذكور يقال له أبتر.
ما هو تعريف كلمة الأبتر وما معناها؟
الأبتر في اللغة لها عدة معاني:
1. كل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر
2. إذا مات أولاد الشخص الذكور أو ليس له أولاد ذكور أصلا
3. الخاسر يسمى أبتر
من أشهر ما ذكر في أسباب النزول حادثة وفاة ابني الرسول - صلى الله عليه وسلم -
هو الأبتر" يقال هو الغني لتفيد التخصيص. هو غني : أي هو من جملة الأغنياء.
أراد الله تعالى أن يخصص الشانئ بالأبتر ولم يقل إن شانئك هو أبتر. هو في الآية ضمير منفصل وتعريف الأبتر بأل التعريف حصر البتر بالشانئ تخصيصا.
شنئان: بغض.
جعل الله تعالى مجرد بغض الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو خسارة وهذه خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
لم يقل عدوك هو الأبتر لأن مجرد الشنئان للرسول - صلى الله عليه وسلم - هو بغض وخسارة ولو لم يعلن عداوته علنا (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن)
لماذا قال الأبتر ولم يقل المبتور؟
الأبتر صفة مشبهة على وزن أفعل تفيد الثبوت مثل الأحمر والأعرج والأسمر والأصلع.
المبتور صيغة فعول تدل على الحدوث فترة مثل مهموم ومحزون ومسرور ولا تدل على الثبوت بل تتحول.

(1/273)


فاستخدام الأبتر وجب بكل معاني البتر مع استمرارية هذه الصفة مع انقطاع ذريته حقيقة أو حكما ويقال إن شانيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - انقطع نسله بتاتا إما بانقطاع الذرية أصلا أو بإسلام ذريته من بعده فلا يدعون لأبيهم الكافر أبدا فينقطع أيضا ذريته وذكره بعد موته، فقد بتر من الذرية وبتر من الخير أيضا (وورد أن شانيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو أبو جهل الذي اسلم أبناؤه كلهم وآمنوا بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -).
لماذا لم يقل وجعلنا شانئك هو الأبتر او سنجعل شانئك هو الأبتر؟
الخير الكثير هو الذي يعطيه الله تعالى والعطاء يقاس بقدر العطاء وقيمته وبقدر المعطي فاذا كان المعطي عظيما كان العطاء عظيما. من ناحية المعطي ليس هناك أعظم من الله تعالى والكوثر هو الخير الكثير اما الأبتر فهو ليس جعلا إنما صفته الأصلية فهناك فرق بين جعل الإنسان بصفة معينة او انه كذلك بصفته الأصلية.
شانئك : من حيث البيان هي أقوى الألفاظ وفي قراءة (شنئك) تفيد أن الأبتر هو الذي بالغ في الشنئ. ارتبط آخر السورة بأولها فالله تعالى أعطى في أولها الكثير من الخير وفي المقابل جاءت كلمة الأبتر وهو الذي خسر كل شيء والذي انقطع أثره من كل خير مقابل الخير الكثير الذي أعطاه الله تعالى للرسول - صلى الله عليه وسلم -.

الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يخسر لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو ليس بالأبتر فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكر اسمه في كل ثانية وهذا خاص بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما الشانيء فهو الأبتر في الدنيا والآخرة وهو الخاسر ماديا ومعنويا.
لما أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالنحر (فصل لربك وانحر) مكنه من مئة من الإبل نحرها بعد نزول الآية شكرا لله تعالى على نعمه الكثيرة.

لمسات بيانية في سورة الناس

(1/274)


المعوذتان هما سورتان في القرآن الكريم جمعتا الإستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية والواقعة على الإنسان من الخارج والتي تصدر منه من الداخل. فسورة الفلق تضمنت الإستعاذة من الشرور الظاهرة والخفية الواقعة على الإنسان من الخارج ولا يمكن للإنسان دفعها ولا سبيل لذلك إلا بالصبر لأن الإنسان الصابر إذا صبر على هذه الشرور ينال الأجر من الله تعالى على صبره ويزيد في ميزان حسناته لأن الله تعالى يجزي الصابرين.والشر في سورة الفلق مما لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه فهو غير محاسب عليه
أما سورة الناس التي بين أيدينا فهي سورة الإستعاذة ؛ من سور الإنسان الداخلية (النابعة من نفسه) وهي التي تقع على الإنسان نفسه أو على غيره وهي التي يستطيع الإنسان أن يدفعها ويتجنب ظلم النفس والآخرين وهذه الشرور إذا وقع فيها الإنسان يكون في صحيفة سيئاته.والشر المقصود في هذه السورة هو مما يدخل تحت التكليف ويحاسب عليه المرء لأنه يدخل ضمن ما نهي عنه .
السورتان جمعتا الاستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية.. ما يدخل تحت التكليف (ما جاء في الناس)، وما لا يدخل في التكليف (ما جاء في الفلق) .. ما لا يستطيع دفعه (الفلق) وما يستطيع دفعه (الناس (ما يدخل سجل الحسنات (الفلق) وما يدخل سجل السيئات (الناس.( وكما قال عدد من المفسرين والمحققين: سورة الفلق استعاذة بالله من شرور المصائب وسورة الناس استعاذة بالله من شرور المعايب.
- قوله ( قل أعوذ برب الناس - )
أعوذ بالله: لغة هي بمعنى ألتجئ وأعتصم بالله.

(1/275)


قل: أمر الله تعالى للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول (قل) والأمر بالقول له أهمية كبيرة هنا ولو حذف الفعل لاختل المعنى المقصود. (قل) للإفصاح عن ضعفه والتجائه إلى ربه، فكلمة (قل) هي من باب الإفصاح والإعلان عن حاجة الإنسان إلى ربه جل وعلا،وهو يفصح عن حاجته هذه بنفسه وينطقها بلسانه. وفيها قتل للغرور لأن الكبر والغرور يمنعان المرء أحيانا من طلب الإعانة وهو في حاجة شديدة إليها، ولأن الذي يطلب المعونة من غيره يمتنع عن الغرور، ولا يكتفي الإنسان بالشعور بالحاجة إلى ربه لكن ينبغي أن يعلن حاجته لربه سواء أكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الناس.
قالوا أتشكو إليه ما ليس يخفى عليه فقلت ربي يرضى ذل العزيز لديه
قل: في هذا الإعلان قتل بل علاج للكبر والغرور الذي في نفس الإنسان والذي قد يودي به إلى الطغيان. (إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى) لذلك لابد من قولها باللسان ولا يجوز النطق بالاستعاذة دون الأمر (قل( وهذا القول من أسباب الطاعة فإذا استعنا بالله ليعصمنا من الشرور فإنها من أسباب الطاعة له سبحانه. وإذا صاحب الإستعاذة شعور بالنفس بالحاجة إلى غياث المستغيثين ليأوي إلى ركن شديد فهذا الشعور بالحاجة إلى مولاه فهذا الشعور يلين القلوب القاسية.
- قوله ( قل أعوذ برب الناس - ملك الناس - إله الناس - )

(1/276)


الإستعاذة في السورة هي بـ: رب الناس، بملك الناس، وبإله الناس من شر الوسواس الخناس. فالمستعاذ منه شر واحد والإستعاذة منه جاءت بالرب والملك والإله من وسوسة الشيطان المهلكة. وهذا بخلاف ما جاء في سورة الفلق حيث كانت الإستعاذة بشيء واحد من شرور متعددة. وفي هذا إشارة عظيمة إلى خطورة الوسوسة على الإنسان وعلى غيره لأنه إن استجاب لهذه الوساوس فقد يردي نفسه في الدنيا والآخرة، أما الأمر الذي ليس من كسبه (ما جاء في سورة الفلق) فقد استعاذ منه بأمر واحد وهذه لفتة بيانية عظيمة من هاتين السورتين الكريمتين إلى خطورة البشر وخطورة الوسوسة .
وجاء الترتيب في سورة الناس على الشكل التالي: رب، ملك، إله. فالإنسان إذا وقع في حاجة يستعين أولا بخبرته وعلمه أو بمن له خبرة وتجربة ليرشده وليشير عليه بما يفعل وهذا هو شأن الرب أي المربي فهو المرشد والمعلم والموجه ولذا بدأت الآيات به (رب الناس). فإذا لم ينجح فيما يريد لجأ إلى السلطة وصاحبها أي الملك (ملك الناس) فإن لم تجدي السلطة نفعا التجأ إلى الله تعالى (إله الناس) والترتيب في الآيات في السورة هو على سياق هذا الترتيب وكحاجة الإنسان للتعامل في الحياة. وهو واضح في مراحل حياة الإنسان ومعاشهم، فالأجنة هي البداية ثم يخرج الناس للحياة ليواجهوا المربي الذي يقدم لهم ما يحتاجونه من تربية ورعاية، فإذا كبروا احتاجوا إلى المجتمع وما ينظم علاقتهم به، ثم يأتي سن التكليف حيث يحاسبه الإله. والمجتمعات عموما بين الربوبية والملك، فكل مجتمع يحتاج صغاره إلى المربي ثم إلى السلطة، أما الألوهية فتتأخر وقد تخفى على بعض الناس وتحيطها الشكوك والأوهام .. والإلحاد .. وتحتاج إلى تذكير.

(1/277)


وقد تدرجت الآيات من الكثرة إلى القلة فالرب هو المرشد الموجه وقد يكون هناك العديد من المرشدين والمربين في المجتمع لكن لكل دولة ملك واحد والدنيا فيها ملوك كثر ولكن الإله واحد للكل فانتقل في السياق من الكثرة للقلة من حيث دلالة الكلمة بالعدد (الرب كثير، الملك أقل وأما الإله فهو واحد).
وردت كلمة الناس 3 مرات في السورة وكل منها تعني مجموعة من الناس مختلفة عن غيرها نوضحها فيما يلي:
كلمة " الناس " تطلق على مجموعة قليلة من الناس أو واحد من الناس أو كل الناس.
والرب هو مرشد مجموعة من الناس قد تكون قليلة أو كثيرة، أما الملك فناسه أكبر من ناس المربي وأما الإله فهو إله كل الناس وناسه الأكثر حتما. فلو جاءت الآيات برب الناس وملكهم وإلههم لعاد المعنى كله إلى المجموعة الأولى من الناس (ناس الرب) دون أن يشمل غيرهم ولما تحدد أي مجموعة من الناس. لذلك لا يغني الضمير هنا، بل لا بد من تكرار المضاف إليه مذكورا صريحا، لأن لكل معنى مختلف.
. وكلمة الناس من حيث دلالتها العديدة في السورة تنتقل على عكس كلمة الرب والملك والإله من القلة إلى الكثرة. فالتدرج في الصفات بدأ من الكثرة إلى القلة، أما في المضاف إليه (الناس) فبالعكس من القلة إلى الكثرة، فناس المربي أقل، وناس الملك أكثر، وناس الإله هم الأكثر.
ولم تأتي الآيات في السورة بواو العطف فيما بينها ولا يجوز أصلا أن يقول (برب الناس وملك الناس وإله الناس) وإنما جاءت (قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس) وهذا حتى لا يظن أنهم ذوات مختلفة لأنها هي ذات واحدة فهو سبحانه المربي وهو الملك وهو الإله الواحد.وحتى لا يظن أن المقصود أكثر من واحد، بل هو واحد سبحانه، فمن أراد الرب يقصد رب الناس ومن أراد الملك يقصد ملك الناس ومن أراد الإله يقصد إله الناس فلا إله إلا الله
- قوله ( من شر الوسواس الخناس - الذي يوسوس في صدور الناس - من الجنة والناس - )

(1/278)


من شر الوسواس الخناس: جاءت الآية باستخدام (من شر الوسواس ) وليس (من الوسواس) كما في الاستعاذة من الشيطان : "فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"، لأنه هنا لم يحدد الشيطان، بل قال : من الجنة والناس، فجعل الوسواس قسمين: من الجنة أو من الناس . قد يكون الوسواس من الجنة أو من الناس فالجنة فيهم صالحون وفيهم قاسطون " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون" كما قال تعالى على لسان الجن في سورة الجن، لذا لا يصح الإستعاذة من الجنة عموما وكذلك الناس نحن نستعيذ من الظالمين والأشرار من الناس وليس من الناس كلهم جميعا ولذا جاءت الآية بتحديد الاستعاذة من الشر (من شر الوسواس الخناس) وأما الشيطان فشر كله لذلك جاءت الآية بالاستعاذة منها، أما البشر فلا، ورد في الأثر: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)
الوسواس: كلمة وسواس على صيغة فعلال وهي صيغة تفيد التكرار لأنه لا ينفك عن الوسوسة ويسمى في اللغة (تكرار المقطع لتكرار الحدث) وفيها تكرار المقطع (وس) كما في كلمة كبكب (تكرار كب) وحصحص (تكرار حص) للدلالة على تكرار الحدث. وصيغة فعلال تفيد المبالغة أيضا إذن كلمة وسواس تفيد المبالغة والتكرار. وقد جاء التعبير في الآية بكلمة الوسواس وليس الموسوس لأن الموسوس لا تفيد المبالغة، ولأنها تقال للشخص الذي تعتريه الوسوسة دون أن تفيد المبالغة. وجاءت الإستعاذة بـ(شر الوسواس) وليس شر الوسوسة فقط للدلالة على أن الإستعاذة إنما تكون من كل شرور الوسواس سواء كانت وسوسة أو لم تكن.

(1/279)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية