صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سورة القصص دراسة تحليلية
تأليف الكتور محمد مطني

إن دلالة إعراب ( يذبح ) ـ وهو فعل مضارع مضعف للمبالغة ـ في كونه حالا أبلغ وأشد بلاغة من إعرابه صفة ، لأن الصفة هاهنا لا تدل على ما يدل عليه الحال الذي هو للاستمرارية والدوام ، وذلك لأن الحال في مقاييس الإعراب يتوجه للديمومة الزمنية خلافا للصفة التي هي جامدة في كل حالاتها الإعرابية ، ونحن إذا ما أعربنا ( يذبح ) هاهنا حالا دللنا على الزمنية المستمرة ، أما إعراب ذلك استئنافا فلا محل له في أوجه الدلالة الإعرابية ، إذ تنتفي بذلك زمنية عملية قيام فرعون بالاستضعاف والقتل والتذبيح والاستحياء ، لأن الاستئناف جملة جديدة بعد قوله تعالى : { علا في الأرض } والجمل الجديدة تستحق أن تعربا حالا في موقعها .
{ ونريد } ( (1) )
قال السمين الحلبي : " فيه وجهان :
أظهرهما إنه عطف على قوله : { إن فرعون } عطف فعلية على اسمية ، لأن كلتيهما تفسير للنبأ .
والثاني إنه حال من فاعل ( يستضعف ) وفيه ضعف من حيث الصناعة ، ومن حيث المعنى ، أما الصناعة فلكونه مضارعا مثبتا فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله ، أي : ونحن نريد ، ولا حاجة إليه ، أما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون وإرادة المنة من الله تعالى ؟ لأنه متى من الله عليهم تعذر استضعاف فرعون إياهم ، وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المنة بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع قريبة جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم "( (2) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 5 .
(2) الدر المصون : 5/ 332 .

(1/70)


وقال الزمخشري : " وعطفه على ( نتلو ) و ( يستضعف ) غير سديد . قلت : هي جملة معطوفة على قوله : { إن فرعون علا في الأرض } ، لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيرا لنبأ موسى وفرعون ، واقتصاصا له ، ( ونريد ) حكاية حال ماضية . ويجوز أن يكون حالا من ( يستضعف ) ، أي : يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم ، فإن قلت : كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله المنة عليهم ، وإذا أراد الله شيئا كان ولم يتوقف إلى وقت آخر ؟ قلت : لما كانت منة الله بخلاصهم من فرعون قرينة الوقوع ، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم "( (1) ) .
إن حجج الاختلاف التأويلي في إعراب ( ونريد ) مما يثري النص القرآني ودلالاته المتعددة ، وذلك أن كونه عطفا على ( إن فرعون ) لا يستقيم به المعنى ، أما ما يستقيم به المعنى فهو جعل ( ونريد ) حالا لديمومة القدرة الإلهية ، لأن الحال كما قدمنا يدل على الاستمرارية ، ولا ريب أن عطفه ـ أي النص ـ على ( ويستضعف ) غير سديد لاختلاف التوجيه في الرفع والنصب ، وبذلك يستقيم النص إعرابيا .
{ قرة عين } ( (2) )
قال مكي : " رفع على إضمار مبتدأ ، أي : هو قرة عين لي . ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر ( لا تقتلوه ) . ويجوز نصبه بإضمار فعل يفسره ( لا تقتلوه ) تقديره : اتركوا قرة عين لا تقتلوه "( (3) ) .
وقال ابن الأنباري : " ( قرة عين ) مرفوع من وجهين : أحدهما أن يكون مرفوعا لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو قرة عين . والثاني : أن يكون مرفوعا لأنه مبتدأ ، و ( لا تقتلوه ) خبر "( (4) ) .
__________
(1) الكشاف : 3 /165 .
(2) سورة القصص : الآية 9 .
(3) مشكل إعراب القرآن : 1/ 547 .
(4) البيان في غريب إعراب القرآن : 2/ 229 –230 .

(1/71)


وقال النحاس : " قال الكسائي : المعنى هذا قرة عين لي ولك ، وقال أبو جعفر : وفي رفعه وجه آخر بعيد ذكره أبو إسحاق : يكون رفعا بالابتداء والخبر ( لا تقتلوه ) ، وإنما بعد لأنه يصير المعنى : إنه معروف بأنه قرة عين له ، وجوزاه أن يكون المعنى : إذا كان قرة عين لي ولك فلا تقتلوه ، ولم تقل نقتله ، وهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبارون ، وكما يخبرون عن أنفسهم (وهم لا يشعرون ) يكون لبني إسرائيل ، ويجوز أن يكون لقوم فرعون ، أي : لا يشعرون أن يسلبهم ملكهم( (1) ) .
وقال العكبري : " أي هو قرة عين و ( لي ولك ) صفتان لـ( قرة ) "( (2) ) .
وقال أبو حيان : " و( قرة ) خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو قرة ، ويبعد أن يكون مبتدأ والخبر ( لا تقتلوه ) " ( (3) ) .
وقال الحلبي : " ( قرة عين ) فيها وجهان أظهرهما أنه خبر مبتدأ أي : هو قرة عين . والثاني ـ وهو بعيد جدا ـ أن يكون مبتدأ والخبر ( لا تقتلوه ) وكأن هذا القائل حقه أن [ لا ] يذكر فيقول لا تقتلوها إلا أنه لما كان المراد مذكرا ساغ ذلك "( (4) ) .
وعلى الرغم من هذا الخلاف الواسع في إعراب ( قرة عين ) فإن جعل المضاف والمضاف إليه رفعا على المبتدأ والخبر مما يستقيم به النص في دلالاته ، وذلك أن الرفع أقوى تقديرا من حالتي النصب والجر وكون المرفوع المبتدأ مضافا لا يستلزم له تقدير محذوف أو محذوفين ، على رأي الكسائي في تقديره ، وأبي حيان في تقديره أيضا ، فإهمال التقدير في إعراب أوجه من تكلف ما لا يحتاجه النص القرآني التام .
__________
(1) إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 543- 544 .
(2) التبيان في إعراب القرآن : 1/ 176 .
(3) البحر المحيط : 7/ 106 .
(4) الدر المصون : 5/ 332 – 333 .

(1/72)


وإن هذا الاختلاف في إعراب ( قرة عين ) يستنتج منه أن جعل الجملة ( مضافا ومضاف إليه ) هو أرجح الأقوال عندنا لأنه يدل على القوة في إقناع امرأة فرعون لفرعون بدلالة الرفع دون أن نقدر أي محذوف .
{ لولا أن ربطنا على قلبها } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " ( أن ) في موضع رفع والجواب محذوف "( (2) ) .
وقال النحاس : " ( أن في موضع رفع ، وحذف الجواب لأنه قد تقدم ما يدل عليه ، ولا سيما وبعده { لتكون من المؤمنين } "( (3) ) .
وقال السمين الحلبي : " جوابها محذوف ، أي : لأبدت { لتكون من المؤمنين } متعلق بـ( ربطنا ) ، والباء في ( به ) مزيدة ، أي : لتظهره . وقيل : ليست زائدة بل سببية ، والمفعول محذوف أي : لتبدي القول بسبب موسى أو بسبب الوحي ، فالضمير يجوز عوده على موسى أو على الوحي "( (4) ) .
ونحن نرى أن المعنى الذي أوجبه اختلاف موضع التقدير في مرفوع ( أن ) يتوجه إلى أن أم موسى اطمأنت بإيمانها بالربط على قلبها دون أن نقدر المحذوف الذي قدره ابن السمين الحلبي ( أبدت ) لأنه يخل بالمعنى ، وفيه زيادة على النص لا داعي لها .
{ بلغ أشده } ( (5) )
قال مكي بن أبي طالب : " ( أشده ) عند سيبويه وزنه أفعل ، وهو عنده جمع شدة ، كنعمة وأنعم ، وقال غيره هو جمع شد من قد واقد . وقيل : هو واحد وليس في الكلام اسم مفرد على أفعل بغير هاء إلا اصبعا في بعض لغاته "( (6) ) .
وقال الأنباري : " أشد جمع فيه ثلاثة أوجه :
__________
(1) سورة القصص : الآية 10 .
(2) مشكل إعراب القرآن : 1/ 542 .
(3) إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 544 .
(4) الدر المصون : 5/ 333 .
(5) سورة القصص : الآية 14 .
(6) مشكل إعراب القرآن : 1/ 542 .وينظر إعراب القرآن ( النحاس ) : 2 /545 .

(1/73)


الأول : أن يكون جمع ( شدة ) كنعمة وأنعم ، وأصل أشد أشدد على وزن أفعل ، إلا أنه اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد في كلمة واحدة ، فسكنوا الأول وأدغموه في الثاني .
وقيل : أشد جمع شد نحو قد وأقد
الثالث : أن يكون واحد ليس في الأسماء المفردة ما هو على وزن أفعل ألا أصبع في بعض اللغات"( (1) ) .
والاختلاف الصرفي في تقدير وزن ( أشده ) إنما يستقيم تصريفه على رأي سيبويه في جعله له جمع شدة خلافا للباقين الذين قدروا فيه عدة وجوه ، منها ألا يكون له جمع كما ذكر ابن الأنباري ، وكذلك زعمهم أنه على زنة أفعل ، وكل ذلك تكلف في التقدير الصرفي ، أما إعرابه فهو مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره ، وتقديره هو ، أي : لما بلغ أشده هو على رأي النحاة .
{ يقتتلان } ( (2) )
قال السمين الحلبي : صفة لرجلين . وقال ابن عطية : حال منهما وسيبويه وإن كان جوزها من النكرة مطلقا إلا أن غيره ـ وهم الأكثر ـ يشترطون فيها ما سيسوغ الابتداء بها( (3) ) .
إن دلالة كون ( يقتتلان ) في الاختلاف الإعرابي ذات توجيه للمعنى كون إعراب الكلمة صفة أبلغ من إعرابها حالا ، والرأي الذي ذكره سيبويه فيه توجيه للمعنى كون النكرة المطلقة تفيد عموم القتال بين الاثنين ، وإن كانت العرب لا تجوز الابتداء بالنكرة في ذلك .
__________
(1) البيان في غريب إعراب القرآن : 2 /230.
(2) سورة القصص : الآية 15 .
(3) الدر المصون : 5/ 335 . وينظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ( المعروف بتفسير ابن عطية ) . عبد الحق الغرناطي الأندلسي ابن عطية أبو محمد . ت 541 هـ . تحقيق : عبد الله بن إبراهيم الأنصاري . ورفيقه مؤسسة دار العلوم . الدوحة . ط1 . 1404 هـ . 1984 م : 12 /151 .

(1/74)


يعد رأي سيبويه الراجح في أن التوجيه الدلالي للمعنى أنما جعل الصفة أبلغ من الحال والمعلوم أن يقتتلان فيه فعل مطاوعة ومشاركة فيقارب المعنى أن يكون عموم القتال في كون الصفة أنما لازمت ( يقتتلان ) بدلالة الآية الأخرى حيث كان الإسرائيلي يقاتل القبطي الآخر مرة أخرى ، فدل ذلك على ملازمة صفة القتال عدة مرات للإسرائيلي أي إن القتال صار طبعا له .
{ وهذا من عدوه } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " أي من أعدائه ، ومعناه إذا نظر إليهما الناظر قال ذلك "( (2) ) .
وقال الأنباري : " أراد بهما حكاية حال كانت فيما مضى كقوله تعالى :
{ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ( (3) ) ، فأعمل اسم الفاعل وإن كان لماضي على حكاية الحال من ( عدوه ) ، أي : من أعدائه ، وهو يصلح للواحد والجمع "( (4) ) .
وقال النحاس : " ابتداء وخبر ، والمعنى إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته ، أي : من بني إسرائيل { وهذا من عدوه } ، أي : من قوم فرعون ، وعدوه بمعنى أعداء ، وكذا يقال في المؤنث : هي عدو لك ومن العرب من يدخل الهاء في المؤنث هي عدو لك ، لأنه بمعنى معادنه عند البصريين وعند
الكوفيين "( (5) ) .
إن رأي ابن الأنباري يفيد معنى الدوام كون الحال لما مضى يفيد الدوام . إن جذور العداء بين القبط و بني إسرائيل متأصلة في القدم ، أما رأي النحاس فيفيد قصر المعنى على المبتدأ والخبر في وقته ـ أي وقت موسى ( - عليه السلام - ) ـ فكانت الرسالة الإعرابية في كون { وهذا من عدوه } للحال الماضي أبلغ وأتم لواقع النص القرآني .
__________
(1) سورة القصص : الآية 15 .
(2) مشكل إعراب القرآن : 1/ 542 .
(3) سورة الكهف : الآية 18 .
(4) البيان في غريب إعراب القرآن : 2 /230 .
(5) إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 546 .

(1/75)


قال النحاس : " فيه قولان أحدهما أنه بمعنى الدعاء ، وهذا قول الكسائي ، والفراء . وقدره الفراء بمعنى اللهم فلن أكون ظهيرا للمجرمين والقول الآخر
أنه بمعنى الخبر . وقال أبو جعفر : إن يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق
الكلام "( (1) ) .
وقال العكبري : " ( بما أنعمت ) يجوز أن يكون قسما والجواب محذوف ، و ( فلن أكون ) تفسير له ، أي : لأتوبن ، ويجوز أن يكون استعطافا ، أي : كما أنعمت علي فاعصمني فلن أكون "( (2) ) .
وقال الزمخشري : " يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } وأن يكون استعطافا كأنه قال : رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين "( (3) ) .
{ بما أنعمت } يجوز في الباء أن تكون قسما والجواب لأتوبن مقدرا ويفسره ( فلن أكون ) وأن تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية ، أي : اعصمني بسبب ما أنعمت به علي ، ويترتب عليه قوله { فلن أكون ظهيرا } . و ( ما ) مصدرية ، أو بمعنى الذي والعائد محذوف . وقوله : ( فلن ) نفي على حقيقته . وزعم بعضهم أنه دعاء ، وأن ( لن ) واقعة موقع ( لا ) ، وأجاز قوم ذلك مستدلين بهذه الآية ، وبقول الشاعر( (4) ) :
لن تزالوا كذاكم ثم لا زلت لهم خالدا خلود الجبال( (5) )
__________
(1) إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 547 .
(2) التبيان في إعراب القرآن : 1/ 177 .
(3) الكشاف : 3 /169 .
(4) الدر المصون : 5/ 335 .
(5) البيت للأعشى ، ينظر ديوان الأعشى . تحقيق : المحامي فوزي عطيوي . الشركة اللبنانية للكتاب . بيروت . لبنان 1968 م : ص 169.

(1/76)


والذي أراه أن الراجح هو رأي من قال إن الجملة ( قسم ) بدلالة الباء في
( بما ) وليس استعطافا دعائيا وإن احتملت الجملة ذلك ، وسبب ترجيحنا لكون ( بما أنعمت ) دعاء هو أن الباء باء القسم التي تجر ( ما ) في كل حالاتها .
{ فأصبح في المدينة خائفا يترقب } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " ( خائفا ) خبر ( أصبح ) وإن شئت على الحال ، و ( في المدنية ) خبر "( (2) ) .
وقال ابن الأنباري : " ( خائفا ) منصوب لأنه خبر ( أصبح ) ، ويجوز أن يكون ( في المدينة ) خبرها ، و ( خائفا ) منصوب على الحال "( (3) ) .
قال السمين الحلبي : " ( يترقب ) يجوز أن يكون خبرا ثانيا وأن يكون حالا ثانية ، وأن يكون بدلا من الحال الأولى ، أو الخبر الأول ، أو حالا من الضمير في ( خائفا ) فتكون متداخلة . ومفعول ( يترقب ) محذوف ، أي : يترقب المكروه أو الفرج أو الخبر هل وصل لفرعون أم لا ؟ "( (4) ) .
ونحن نرجح الرأي الذي يجعل الجملة حالية لأنها أقوى في دلالة المعنى من كل الآراء الأخرى ، لأن الحال يدل على الاستمرارية في كون فترة بقائه ( - عليه السلام - ) في المدينة كل الوقت بخوف وتوجس ، فلو أعربناها صفة لكان المعنى أنه خاف مرة وترقب مرة ، وهذا ما لا يدل عليه النص القرآني .

{ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } ( (5) )
__________
(1) سورة القصص : الآية 18 .
(2) مشكل إعراب القرآن : 1/ 542 .
(3) البيان في غريب إعراب القرآن : 2 /230- 231. وينظر إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 547 .
(4) الدر المصون : 5/ 336 .
(5) سورة القصص : الآية 18 .

(1/77)


قال مكي بن أبي طالب : " ( الذي ) مبتدأ وما بعده صلته ، و( يستصرخه ) الخبر ، ويجوز أن تكون إذا هي الخبر و( يستصرخه ) حال "( (1) ) .
وقال ابن الأنباري : " ( الذي ) في موضع رفع لأنه مبتدأ . وفي خبره وجهان :
أولهما ـ أن يكون خبره ( يستصرخه ) .
ثانيهما ـ أن يكون خبره ( إذا ) و ( يستصرخه ) في موضع نصب على الحال "( (2) ) .
قال النحاس : " ( أمس ) إذا دخلت عليه الألف واللام تمكن وأعرب عند أكثر النحويين ، ومنهم من يبنيه وفيه الألف واللام ، وإذا أضيف أو نكر تمكن أيضا ، والصلة في بنائه عند محمد بن يزيد أن تصريفه ليس كتصريف المتمكنات ، فوجب أن يبنى ولا يعرب ، فكسر أخره لالتقاء الساكنين . ومذهب الخليل أن الياء محذوفة منه . وللكوفيين فيه قولان : أحدهما أنه منقول من قولهم أمسى بخير ، والآخر أن خلقة السين الكسر ، هذا قول الفراء ، وحكى سيبويه وغيره أن من العرب من يجري أمسى مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة "( (3) ) .
إن إعراب ( الذي ) مبتدأ هو أوجه الأقوال لأن الرفع فيه يدل على الفاعلية ، والخبر هو ( يستصرخه ) . والتقدير : الذي هو يستصرخه . وإنما حذف ( هو ) وجعل تقديرا .
وأما إعراب ( بالأمس ) فهو جار ومجرور في موضع الظرف الزمني حالا ، وهذا ما نذهب إليه هاهنا في كون المعنى دل على أن الذي استنصره في اليوم الماضي هو نفسه الذي استنصره اليوم ، بسوء فعله في قتاله القبطي ، فكان إعراب الآية في كونها في موضع الحال مما يدل على أن خلق الإسرائيلي هو هو لم يتبدل .
{ قال له موسى } ( (4) )
__________
(1) مشكل إعراب القرآن : 1/ 542 .
(2) البيان في غريب إعراب القرآن : 2/ 231. وينظر إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 547 .
(3) إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 549 .
(4) سورة القصص : الآية 18 .

(1/78)


قال أبو حيان : " الظاهر أن الضمير في ( له ) عائد على الذي { إنك لغوي مبين } بكونك كنت سببا في قتل القبطي بالأمس ، قال ذلك على سبيل العتاب والتأنيب . وقيل : الضمير في ( له ) والخطاب للقبطي ودل عليه قوله (يستصرخه) ولم يفهم الإسرائيلي أن الخطاب للقبطي "( (1) ) .
وقال القرطبي : " أي إنك لغوي في قتال من لا تطيق دفع شره عنك "( (2) ) .
الذي يدل عليه السياق الإعرابي أن المتكلم هو الإسرائيلي خلافا لمن قال إنه القبطي لأن بعدها : { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } ، فاستخدم الاستفهام و( أن ) المصدرية هنا بعدها ، والفعل الماضي مع تاء الخطاب ، والجار والمجرور ( بالأمس ) فيدل على أن المتكلم هو الإسرائيلي الذي هو من شيعته ، وليس القبطي ، فما أدرى القبطي أن موسى قتل نفسا بالأمس ، وهذا من توجيه الإعراب للمعنى في سورة القصص .
{ يسعى } ( (3) )
قال السمين الحلبي : " يجوز أن يكون صفة وأن يكون حالا ، لأن النكرة قد تخصصت بالوصف بقوله { من أقصى المدينة } ، فإن جعلت ( من أقصى ) متعلقا بـ( جاء ) فـ( يسعى ) صفة ليس إلا ، قاله الزمخشري بناء على مذهب الجمهور ، وتقدم أن سيبويه يجيز ذلك من غير شرط ، وفي سورة ( يس ) قدم { من أقصى } على { رجل } ( (4) ) لأنه لم يكن من أقصاها ، وإنما جاء منها ، وهنا وصفه بأنه من أقصاها وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان "( (5) ) .
__________
(1) البحر المحيط : 7/ 110 .
(2) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 4981 .
(3) سورة القصص : الآية 20 .
(4) سورة ( يس ) : الآية 20 .
(5) الدر المصون : 5/ 337 .

(1/79)


إن الفعل المضارع ( يسعى ) هاهنا في إعرابه صفة لا يصلح دلالة أن يعرب عليها ، بل إن إعرابه حالا أبلغ في الدلالة الإعرابية من النعت ، وهي في كل الأحوال متعلقة بالفعل الماضي ، والفاعل ( وجاء رجل من أقصى المدينة ) والدلالة الإعرابية أوضح في الحالية منها في الصفة .
يدل الفعل ( يسعى ) على أنه صفة للرجل ، و (من أقصى ) متعلق به ، و بـ( جاء ) ، والرجل إنما قدم مرة واحدة ، فكان إعراب ذلك صفة أوجب في دلالة المعنى ليدل على كون المجيء في وقت بعينه .
{ تذودان } ( (1) )
قال السمين الحلبي : ( تذودان ) صفة لـ( امرأتين ) لا مفعول ثاني ، لأن
( وجد ) بمعنى لقي ، والذود الطرد والدفع ، وقيل : حبس ومفعوله محذوف أي تذودان الناس عن غنمهما أو غنمها عن مزاحمة الناس ( من دونهم ) ، أي : من مكان أسفل من مكانهم .
وقال الزمخشري : " فإن قلت لم ترك المفعول غير مذكور في ( يسقون ) و ( تذودان ) و ( لا نسقي ) ؟
قلت : لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ، وكذلك قولهما : ( لا نسقي حتى يصدر الرعاء) المقصود منه السقي لا المسقي ( (2) ) .
إن اختلاف إعراب ( تذودان ) بين الصفة والمفعول خلاف لا يعتد به ، لأن الرأي الذي يجعل الكلمة مفعولا ثانيا بعيدا عن الدلالة ، أما إعرابها صفة فهو الذي يجعل النص ظاهر المعنى ، والصفة لـ( امرأتين ) هي الأرجح إعرابيا .
{ تمشي على استحياء } ( (3) )
__________
(1) سورة القصص : الآية 23 .
(2) ينظر الكشاف : 3/ 169. الدر المصون : 5/ 338 .
(3) سورة القصص : الآية 25 .

(1/80)


قال مكي بن أبي طالب : " ( تمشي ) في موضع الحال من إحداهما ، والعامل فيه ( جاء ) و ( على استحياء ) في موضع الحال من المضمر في ( تمشي ) والعامل فيه ( تمشي ) ، ويجوز أن يكون ( على استحياء ) في موضع الحال المقدمة من المضمر في ( قالت ) والعامل فيه ( قالت ) ، والأول أحسن "( (1) ).
قال أبو حيان : " في الكلام حذف ، والتقدير : فذهبتا إلى أبيهما من غير إبطاء في السقي وقصتا عليه أمر الذي سقى لهما ، و ( على استحياء ) في موضع الحال ، أي : مستحيية متحفزة "( (2) ) .
إن الدلالة الإعرابية الممتزجة بمعاني البلاغة الكامنة في قوله تعالى :
{ تمشي على استحياء } واضحة جدا ، فالدلالة الإعرابية للفعل المضارع ثم ما أعقبه من حروف الجر والمصدر المزيد بالألف والسين والتاء ، وزيادة المباني تدل على زيادة المعاني ـ كما قال أهل العربية ـ كل ذلك جعل الجملة حالية ـ كما قال مكي بن أبي طالب رحمه الله ـ وأجاد في هذا القول خلافا لبعض من أعربها خلاف ذلك ، ولا تعلق لـ( قالت ) بما تقدم ، فإن في ذلك تكلفا في الإعراب وفي التقدير الإعرابي .
{ على أن تأجرني } ( (3) )
قال السمين الحلبي : " ( على أن تأجرني ) في موضع نصب على الحال إما من الفاعل أو من المفعول ، أي : مشروطا علي أو عليك ذلك و( تأجرني ) مضارع أجرته : كنت له أجيرا ، ومفعوله الثاني محذوف ، أي : تأجرني نفسك . و ( ثماني حجج ) ظرف له( (4) ) .
ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني( (5) ) .
__________
(1) مشكل إعراب القرآن : 1/ 542 – 543 .
(2) البحر المحيط : 7/ 114.
(3) سورة القصص : الآية 27 .
(4) الدر المصون : 5/ 339 .
(5) البحر المحيط : 7/114.

(1/81)


قلت : الزمخشري لم يجعلها مفعولا ثانيا على هذا الوجه ، وإنما جعلها مفعولا ثانيا على وجه أخر ، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف ، وهذا نصه ليتبين لك ، قال : " تأجرني من أجرته كنت له أجيرا كقولك : أبوته إذا كنت له أبا ، و ( ثماني حجج ) ظرف أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ، ومنه تعزية الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( أجركم الله ورحمكم )) ( (1) ) ، و ( ثماني حجج ) مفعول به .
وكيف يستقيم ذلك أو يتجه ؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافا ليصبح المعنى به ، أي : رعي ثماني حجج لأن العمل الذي تقع به الإنابة لا نفس الزمان فكيف يوجه الإجارة على الزمان "( (2) ) ؟
إن الجملة الإعرابية ( على أن تأجرني ) انما كانت منصوبة الإعراب نحوا ولغة لأن مفهوم النص في إعرابها حالا هو الأقوى في العربية من إعرابها صفة ، فكما قدمنا أن الحال أقوى في الاستدلال به من أي ظاهرة أخرى ، لأن الحال للدوام المتجدد ، لذلك كان قوله ( أن تأجرني ) حال من المصدر ( إيجارك لي ) ، وهو أبلغ في السياق .
{ قال ذلك بيني وبينك } ( (3) )
قال مكي بن أبي طالب : " ( ذلك ) مبتدأ وما بعده خبره ، ومعناه عند سيبويه ذلك بيننا "( (4) ) .
وقال الزمخشري : " ( ذلك ) مبتدأ و ( بيني وبينك ) خبره ، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب ، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشاطرتني عليه"(5) .
__________
(1) لم اقف عليه في كتب الحديث . وقد ذكره الزمخشري في الكشاف : 3 /172 .
(2) الدر المصون : 5/ 339 . وينظر أيضا الكشاف : 3 /172 .
(3) سورة القصص : الآية 28 .
(4) مشكل إعراب القرآن : 1/ 543 .
(5) الكشاف : 3 /173 .

(1/82)


إن دلالة الفعل الماضي ( قال ) في اقترانه بالمبتدأ يدل على استمرارية العهد في الإيجار ، وتقدير سيبويه ( ذلك بيننا ) مبتدأ وخبر هو التقدير الأصوب لأنه يدل على العهد بين الاثنين ، لأن موسى (- عليه السلام - ) وفقا لهذه الآية إنما أتم الإيجار الأوفى الأتم والأكمل لقوله ( بيني وبينك ) على ما يدل عليه السياق الإعرابي للعهد الذي تقدم ذكره .
{ أيما الأجلين قضيت } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " نصبت ( أي ) بـ( قضيت ) ، و( ما ) زائدة للتأكيد وخفضت ( الأجلين ) بإضافة أي إليهما . وقال ابن كيسان : ( ما ) في موضع خفض بإضافة ( أي ) إليها ، وهي نكرة ، و( الأجلين ) بدل من (ما) "(2) .
وقال الزمخشري : " وفي قراءة عبد الله بن مسعود : ( أي الأجلين ما قضيت ) ، وقريء ( أيما ) بسكون الياء … فإن قلت : ما الفرق بين موقعي ( ما ) المزيدة في القراءتين ؟ قلت : وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام أي زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال : أي الأجلين صممت على قضائه "( (3) ) .
وقال القرطبي : " ( أيما ) استفهام منصوب بـ( قضيت ) و ( الأجلين ) مخفوض بإضافة ( أي ) إليهما ، و ( ما ) صلة للتأكيد ، وفيه معنى الشرط وجوابه ( فلا عدوان ) ، وأن ( عدوان ) منصوب بـ( لا ) "( (4) ) .
( أيما الأجلين ) ( أي ) شرطية وجوابها ( فلا عدوان علي ) وفي ( ما ) هذه قولان :
أشهرهما أنها زائدة كزيادتها في أخوتها من أدوات الشرط ، والثاني أنها نكرة ، و ( الأجلين ) بدل منها( (5) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 28 .
(2) مشكل إعراب القرآن : 1/ 543. البيان في غريب إعراب القرآن : 2/ 231 .
(3) الكشاف : 3/ 174 .
(4) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 4995 .
(5) الدر المصون : 5/ 339 .

(1/83)


إن إعراب ( أي ) مفعولا مقدما هو الوجه الراجح ، أما كون ( ما ) زائدة ، فلسنا ممن يقول بالأحرف الزائدة في القرآن الكريم ، وهي مضافة إلى الأجلين ، والتقدير : أي الأجلين ، وليست مضافة إلى ( ما ) لأن دلالة ما اخترناه من الإعراب تزيل الإشكال الإعرابي الموجود ، وبذلك تستقيم الجملة في دلالتهما الإعرابية في موقعها ليكون المعنى : أي أجل من الأجلين اخترته فهو لك بالخيار ، وهذا مما يوجه المعنى نحويا .
{ أن يا موسى } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " ( أن ) في موضع نصب بحذف حرف الجر ، أي : بأن يا موسى "( (2) ) .
إننا نرى أن ( أن ) هنا منصوبة على تقدير ( أعني ) لا على تقدير ( حذف حرف الجر الباء ) فذلك تكلف ، وبما اخترناه يكون جعلها منصوبة أوجه في العربية ليستقيم فهم المعنى بنصبها نحويا ليكون المعنى أكثر قوة من حذف حرف الجر بتقدير ( النداء ) .
{ فذانك برهانان } ( (3) )
قال مكي بن أبي طالب : " هو تثنية ( ذا ) المرفوع ، وهو رفع بالابتداء ، وألف ( ذا ) محذوفة لدخول ألف التثنية عليها ، ومن قرأه بتشديد النون فإنه جعل التشديد عوضا من ذهاب ألف ( ذا ) … إنما شدد النون في هذه المبهمات ليفرق بين النون التي هي عوض من حركة وتنوين ، أو من تنوين ، وذلك موجود في الواحد ، أو مقدر فيه … وقيل : شددت للفرق بين النون التي تحذف في الإضافة ، والنون التي لا تحذف في الإضافة أبدا ، وهي نون تثنية المبهم "( (4) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 30.
(2) مشكل إعراب القرآن : 1/ 543. وينظر الجامع لأحكام القرآن : 6/ 4999 .
(3) سورة القصص : الآية 32 .
(4) مشكل إعراب القرآن : 1/ 544 – 545 .

(1/84)


وقال القرطبي في تعليل تشديده خمسة أقوال : " قيل : شدد النون عوضا من الألف الساقطة في ( ذانك) الذي هو تثنية ( ذا ) المرفوع ، وهو رفع الابتداء ، وألف ( ذا ) محذوفة لدخول ألف التثنية عليها ، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأن أصله ( فذانك ) ، فحذف الألف الأولى عوضا من النون الشديدة . وقيل : التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك وقيل : إن من شدد إنما بناه على لغة من قال في الواحد ذلك ، فلما بنى أثبت اللام بعد نون التثنية ، ثم أدغم اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأول ، والأصل أن يدغم الأول أبدا في الثاني إلا أن يمنع من ذلك علة ، فيدغم الثاني في الأول ، والعلة التي منعت في هذا أن يدغم الأول في الثاني أنه لو فعل ذلك لصار في موضع النون التي تدل على التثنية لام مشددة ، فيتغير لفظ التثنية ، فأدغم الثاني في الأول لذلك ، فصار نونا مشددة . وقد قيل : إنه لما تنافى في ذلك أثبت اللام قبل النون ، ثم أدغم الأول في الثاني على أصول الإدغام ، فصار نونا مشددة . وقيل : شددت فرقا بينها وبين الظاهر التي تسقط الإضافة نونه ، لأن ( ذان ) لا يضاف . وقيل : للفرق بين الاسم المتمكن وبينها "( (1) ) .
وقد أختلف المعربون في تقدير إعراب ( فذانك برهانان ) فقيل : إنهما رفعا بالابتداء والخبر . أما تشديد النون فهو قراءة ، والقراءة سنة متبعة ، والتشديد قد يدل في العربية بزيادته على زيادة في المعنى غير موجودة في التحقيق ، وتقدير الجملة : هذان برهانان ، ولكن النون والكاف الإشارية أبلغ مما قدرناه وبهما جاء النص القرآني .
{ فأرسله معي ردءا } ( (2) )
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5002 .
(2) سورة القصص : الآية 34 .

(1/85)


قال مكي بن أبي طالب : " ( ردءا ) حال من ( الهاء ) في ( أرسله ) وكذلك ( يصدقني ) حال في قراءة من رفعه ، أو نعت لـ( ردءا ) ، ومن جزمه فعلى جواب الطلب "( (1) ) .
وقال القرطبي : " أختار الرفع أبو عبيد على الحال من الهاء في ( أرسله ) ، أي : أرسله ردءا مصدقا حالة التصديق ، ويجوز أن يكون صفة لقوله (ردءا) "(2).
تقدير ( ردءا ) حالا هو الوجه المستقيم في الدلالة الإعرابية ، لهذه الآية ، أما ( يصدقني ) فهي صفة ( نعت ) وليست حالا كما زعم بعضهم وليست مجزومة إلا في بعض القراءات ، والقراءة سنة متبعة لا تناقش ولا تعلل ، إلا أن دلالة فعل الأمر الطلبي في الدعاء ( فأرسله ) ، وجعله حالا لـ( يصدقني ) قد يحمل بعض معاني الإلحاح في الطلب من الله سبحانه وتعالى ، وهو ما يتوجه له إعراب الآية في دلالتها .
{ بآياتنا } ( (3) )
قال السمين الحلبي : ( بآياتنا ) يجوز فيه أوجه : أن يتعلق بـ( جعل ) أو بـ( يصلون ) وبمحذوف ، أي : أذهب ، أو على البيان ، فيتعلق بمحذوف أيضا ، أو بـ( الغالبون ) على أن ( أل ) ليست موصولة أو محولة ، واتبع فيه ما لا يتبع في غيره ، أو قسم وجوابه متقدم ، وهو ( فلا يصون ) أو من كفو القسم قالهما الزمخشري ، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا يدخله الفاء عند الجمهور ، ويريد بالقسم أن جوابه محذوف ، أي : وحق آياتنا لتغلبن( (4) ) .
__________
(1) مشكل إعراب القرآن : 1 /545 .
(2) الجامع لأحكام القرآن : 6 /5004 .
(3) سورة القصص : الآية 35 .
(4) ينظر الكشاف : 3 /176. البحر المحيط : 7/ 115 . الدر المصون : 5/ 345 .

(1/86)


الوجه أن تعرب ( بآياتنا ) متعلقة بالجار والمجرور ، والضمير الخاص بالمتكلمين هو أكثر دلالة في العربية على كون الآيات مستمرة في السريان على يد موسى ( - عليه السلام - ) وأخوه من فرعون وملأه بآيات الله ، وإنما صيغت الجملة على صيغة التعظيم والتفخيم لتكون أكثر دلالة .
{ ويوم القيامة هم من المقبوحين } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " انتصب ( يوم ) على أنه مفعول به على السعة ، كأنه قال : واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة ، ثم حذفت اللعنة لدلالة الأولى عليها ، وقام يوم قيامها ، وانتصب انتصابها ويجوز أن تنصب اليوم على أن تعطفه على موضع في هذه الدنيا … ويجوز نصب ( يوم ) على أنه ظرف للمقبوحين ، أي : وهم من المقبوحين يوم القيامة ثم قدم الظرف "( (2) ) .
وزاد ابن الأنباري على ما تم ذكره أن يكون منصوبا بما يدل عليه قوله
( من المقبوحين ) لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول "( (3) ) .
والذي يبدو لي أن إعرابه ظرفا أرجح لدلالته الظرفية .
{ ويوم القيامة هم }
قال السمين الحلبي : فيه أوجه :
أحدهما أن يتعلق بـ( المقبوحين ) على أن ( أل ) ليست موصولة واتسع فيها ، وأن يتعلق بمحذوف يفسره ( المقبوحين ) كأنه قيل : وقبحوا يوم القيامة نحو : { لعملكم من القالين } ( (4) ) أو يعطف على موضع ( في الدنيا ) ، أي : واتبعناهم لعنة يوم القيامة ، أو معطوفة على ( لعنة ) على حذف مضاف ، أي : لعنة يوم القيامة .
__________
(1) سورة القصص : الآية 42 .
(2) مشكل إعراب القرآن : 1/ 545- 546 .
(3) البيان في غريب إعراب القرآن : 2 /34. وينظر الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5006 .
(4) سورة الشعراء : الآية 168 .

(1/87)


والوجه الثاني أظهرها ، والمقبوح المطرود قبحه الله وطرده( (1) ) .
تدل الآية في سياقها الإعرابي على أن الظرف ( يوم ) أعطى لمعنى الآية معنى أخر ، هو أن الكفرة قبحوا يوم القيامة بما ارتكبوه في الدنيا بدلالة ( هم ) مع الظرف الزماني .
{ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة } ( (2) )
قال مكي بن أبي طالب : " نصب كله على الحال من ( الكتاب )"( (3) ) . وقال أبو حيان : " ( بصائر ) على الحال ، أي : طرائق هدى يستبصر بها "( (4) ) .
إن إعراب ( بصائر ) و ( هدى ) و ( رحمة ) أحوالا متوالية متتالية هو الصواب في الدلالة الإعرابية ، أما موسى ( - عليه السلام - ) فمفعول أول ، و ( الكتاب ) مفعول ثان ، و ( القرون ) مفعول به و ( الأولى ) صفة له ، والتقدير : نحن أنزلنا على موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ التوراة بعد هلاك الأمم بصائر وهدى ورحمة . فاستغنى اللفظ القرآني المعجز عن هذه الإطالة بما أنزله الله جل جلاله ، وهذا بعض ما دلت عليه الدلالات الإعرابية للآية .
{ ولكن رحمة من ربك } ( (5) )
__________
(1) الدر المصون : 5 /445 .
(2) سورة القصص : الآية 43 .
(3) مشكل إعراب القرآن : 1/ 546 .
(4) البحر المحيط : 7/ 121 .
(5) سورة القصص : الآية 46

(1/88)


قال مكي بن أبي طالب : " انتصبت الرحمة على المصدر عند الأخفش بمعنى : ولكن رحمك ربك يا محمد رحمة ، وهو مفعول من أجله عند الزجاج ، أي : ولكن للرحمة فعل ذلك ، أي : من أجل الرحمة . وقال الكسائي : هي خبر (كان ) مضمرة بمعنى : ولكن كان ذلك رحمة من ربك . ويجوز في الكلام الرفع على معنى : ولكن هي رحمة "( (1) ) .
والذي أراه أنه قد نصبت ( الرحمة ) على المصدر لتدل على توالي الرحمة الإلهية على رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) من خلال النصب في المصدر .
{ أولم نمكن لهم حرما آمنا } ( (2) )
قال أبو البقاء : " عداه بنفسه ، لأن معنى ( نمكن ) : نجعل . وقد صرح به في قوله : { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا } ( (3) ) ، أي : من الخسف . و ( مكن ) متعد بنفسه من غير أن يضمن معنى جعل كقوله : { مكناهم } ( (4) ) . و ( آمنا ) قيل : بمعنى مؤمن أي يؤمن من دخله . وقيل : هو على حذف مضاف ، أي : أمنا أهله . وقيل : فعل بمعنى السبب ، أي : ذا أمن "( (5) ) .
والذي أراه أن التعدية بنفس الفعل الذي هو بمعنى صير وجعل ، لأن (مكن) من الأفعال المتعدية ، وهو الأصوب ، ويعرب ( نمكن ) فعلا مضارعا و ( حرما آمنا ) مفعول ، وصفته التابعة له في النعت بمعنى أن المعنى الجديد هو إبراز منة الله عز وجل على أهل مكة في أمان الحرم وما تأتيه من الأرزاق ، وهذا من دلالات الإعراب .
__________
(1) مشكل إعراب القرآن : 1 /564. وينظر الكشاف : 3 /182. الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5008 .
(2) سورة القصص : الآية 57 .
(3) سورة العنكبوت : الآية 67 .
(4) سورة الأنعام : الآية 6. سورة الحجر : الآية 41. سورة الأحقاف : الآية 26.
(5) التبيان في إعراب القرآن : 2 /179. وينظر الدر المصون : 5/ 349.

(1/89)


{ بطرت معيشتها } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " المعيشة نصب عند المازني على حذف حرف الجر تقديره : بطرت في معيشتها . وقال الفراء : هي نصب على التفسير . وهو بعيد ، لأنها معرفة ، والتفسير لا يكون إلا نكرة . وقيل : هي نصب بـ( بطرت ) ، وبطرت بمعنى جهلت ، أي : جهلت شكر معيشتها ، ثم حذف المضاف "( (2) ) .
وقال ابن الأنباري : " ولا يجوز أن يكون منصوبا على التمييز لأن التمييز لا يكون إلا نكرة ، و ( معيشتها ) معرفة "( (3) ) .
وقال القرطبي : " وانتصبت ( معيشتها ) إما بحذف الجار والمجرور وإيصال الفعل ، وإما على الظرف بنفسها كقوله : زيد ظني مقيم ، أو بتقدير حذف الزمان لمضاف ، أصله بطرت أيام معيشتها "( (4) )
إن الجملة ( بطرت معيشتها ) هي فعل ماض ، وتاء المؤنث المحكي عنها ، وهي فاعل ، والمعيشة مفعول به ، والضمير ( هي ) في محل نصب ، وهذا التقدير يستقيم به دلالة ( كفران النعمة ) المرادة من ( بطر المعيشة ) وهذه الجملة مما اختلف فيه المفسرون لأنه مشكل إعرابيا ، وإن كنا لا نرى ذلك خلافا لمن رآه ، وذلك يدل على الاستمرارية في الزمان والمكان أي أن كل قرية تبطر سيهلكها .
{ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة } ( (5) )
__________
(1) سورة القصص : الآية 58 .
(2) مشكل إعراب القرآن : 1 /546 .
(3) البيان في غريب إعراب القرآن : 2 /235 .
(4) الجامع لأحكام القرآن : 3 /186 .
(5) سورة القصص : الآية 68 .

(1/90)


قال مكي بن أبي طالب : " ( ما ) الثانية للنفي لا موضع لها من الإعراب . وقال بعض العلماء كالطبري : هي في موضع نصب بـ( يختار ) ، وليس ذلك بحسن في الإعراب ، لأنه لا عائد يعود على ما في الكلام . وهو أيضا بعيد في المعنى والاعتقاد ، لأن كونها للنفي يوجب أن تعم جميع الأشياء … وإذا جعلت (ما) في موضع نصب بـ( يختار ) لم تعم جميع الأشياء على أنها مختارة لله … وهذا هو مذهب القدرية والمعتزلة ، فكون ( ما ) للنفي أولى في المعنى ، وأصح في التفسير ، وأحسن في الاعتقاد ، وأقوى في العربية ، ألا ترى أنك لو جعلت ( ما ) في موضع نصب لكان ضميرها في كان اسمها ، ولوجب نصب الخيرة ، ولم يقرأ بذلك أحد … وهذه الآية تحتاج إلى بسط كثير "( (1) ) .
وقال ابن الأنباري : " ( ما ) الأولى اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب لأنها مفعول ( يخلق ) ، و(ما) الثانية نافية ولا موضع لها من الإعراب "(2) .
وقال الزمخشري : " فإن قلت : فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت ( ما ) موصولة ؟
قلت : أصل الكلام ما كان لهم فيه الخيرة فحذف فيه كما حذف منه قوله تعالى : { إن ذلك لمن عزم الأمور } ( (3) ) "( (4) ) .
__________
(1) مشكل إعراب القرآن : 1/ 547- 548 .
(2) البيان في غريب إعراب القرآن : 2 /235 .
(3) سورة لقمان : الآية 17. سورة الشورى : الآية 43 .
(4) الكشاف : 3/ 188 .

(1/91)


وقال القرطبي : " والوقف التام على ( ويختار ) . وقال علي بن سليمان : هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون ( ما ) في موضع نصب بـ( يختار ) ، لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء . قال : وفي هذا رد على القدرية . قال النحاس : التمام : ويختار ، أي : ويختار الرسل { ما كان لهم الخيرة } ، أي : ليس يرسل من اختاروه هم . قال أبو إسحاق : ويجوز أن تكون ( ما ) في موضع نصب بـ( يختار ) ، ويكون المعنى : ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة .
وقال القشيري: الصحيح الأول لإطباقهم على الوقف على قوله : (ويختار) .
وقال المهدوي ـ وهو أشبه بمذهب أهل السنة ـ : و ( ما ) من قوله :
{ ما كان لهم الخيرة } نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله عز وجل .
وأجاز الزجاج ، وغيره : أن تكون ( ما ) منصوبة بـ( يختار ) ، وأنكر الطبري أن تكون ( ما ) نافية لئلا يكون المعنى : إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى ، وهي لهم فيما يستقبل ، ولأنه لم يتقدم كلام بنفي .
قال المهدوي : ولا يلزم ذلك ، لأن (ما) تنفي الحال والاستقبال كـ(ليس) ، ولذلك عملت عملها … فـ( ما ) على هذا لمن يعقل ، وهي بمعنى الذي .
و ( الخيرة ) رفع بالابتداء ، و ( لهم ) الخبر ، والجملة خبر كان وشبهه بقولك : كان زيد أبوه منطلق . وفيه ضعف إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان ، إلا أن يقدر فيه حذف ، فيجوز على بعد "( (1) ) .
قال السمين الحلبي : " { ما كان لهم الخيرة } فيه أوجه :
الأول : أن ( ما ) نافية ، فالوقف على ( يختار ) .
الثاني : ( ما ) مصدرية ، أي : يختار اختيارهم ، والمصدر واقع موقع المفعول به ، أي : مختارهم .
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن : 3/ 5021 –5022 .

(1/92)


الثالث : أن تكون بمعنى : الذي ، والعائد محذوف ، أي : ما كان لهم الخيرة فيه كقوله : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ( (1) ) ، أي : منه .
وجوز ابن عطية أن تكون تامة و ( لهم الخيرة فيه ) جملة مستأنفة قال : " ويتجه عندي أن تكون ( ما ) مفعولة ، إذا قدرنا ( كان ) تامة ، أي : إن الله يختار كل كائن و ( لهم الخيرة ) مستأنفة معناه تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا ، وجعل بعضهم في ( كان ) ضمير الشأن . وأنشد :
أمن سمية دمع العين ذريف لو كان ذا منك قبل اليوم معروف( (2) )
ولو كان ( ذا ) اسمها لقال معروفا "( (3) ) . وابن عطية منع ذلك في الآية قال : لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف .
قلت : كأنه يريد أن الجار متعلق بمحذوف ، وضمير الشان لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزئيها ، إلا أن في هذا نظر إن أراده ، لأن هذا الجار قائم مقام الخرب ، ولا أظن أحدا يمنع هو السلطان في البلد ، وهي هند في الدار ، و ( الخيرة ) من التخيير كالطيرة من التطير ، فيستعملان استعمال المصدر .
قال الزمخشري : " ما كان لهم الخيرة بيان لقوله ( ويختار ) لأن معناه : ويختار ما يشاء ، ولهذا لم يدخل العاطف ، والمعنى أن الخيرة له تعالى في أفعاله ، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها لا أحد من خلقه أن يختار عليه "( (4) ) .
قلت : لم يزل الناس يقولون أن الوقف على ( يختار ) والابتداء بـ( ما ) على أنها نافية ، وهو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة ، وهو رأي الطبري( (5) ) .
__________
(1) سورة الشورى : الآية 43 .
(2) ديوان عنترة بن شداد العبسي ، الطبعة الثانية . دار صادر . بيروت . لبنان . 1967 م : ص 53 .
(3) الدر المصون : 5/ 351. المحرر الوجيز : 12 /181.
(4) الكشاف : 3 /188 .
(5) جامع البيان : 10 /95 .

(1/93)


لقد تقدم اختلاف المعربين في هذه الآية ، فاختلاف الإعراب هنا يوجب اختلاف العقيدة ، حسب الدلالات المطلوبة من التقدير ، والذي نرجحه في ذلك رأي الطبري ، وهو الأقرب في التأويل إلى مهب أهل السنة والجماعة ، دون غيره في جعل الآية الثانية ( ما كان ) في موضع نصب بـ( يختار ) لأن تقدير الطبري يكون لدلالة الآية بجعلها تدل على أن لا خيار للإنسان في الخلق خلافا للمعتزلة الذين يوافقون القدرية والفلاسفة في خلق الإنسان لفعله ، وبذلك استقام لنا النص وفق دلالته الإعرابية بما يعزز رأي أهل السنة والجماعة .
{ ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } ( (1) )
قال مكي بن أبي طالب : " ( ما ) في موضع نصب بـ( آتيناه ) مفعول ثاني ، و ( إن ) واسمها وخبرها وما يتصل بها إلى قوله : { أولي القوة } صلة
( ما ) وواحد أولي : ذي "( (2) ) .
وقال الأنباري : " ( ما ) اسم موصول بمعنى : الذي ، في موضع نصب بـ( آتيناه ) وصلته ( إن ) وما عملت فيه وكسرت ( إن ) في الصلة لأن الاسم الموصول يوصل بالجملة الاسمية والجملة الفعلية ، و ( إن ) متى وقعت قي موضع يصلح للاسم والفعل كانت مكسورة ، و(أولي ) واحدها ( ذو ) من غير لفظها "( (3) ) .
وقال القرطبي : " ( إن ) واسمها وخبرها في صلة ( ما ) ، و( ما ) مفعوله ( آتينا ) "( (4) ) .
وقال النحاس : " قال أبو جعفر : وسمعت علي بن سليمان يقول : ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات أنه لا يجوز أن يكون صلة الذي وأخوانه ( إن ) وما عملت فيه ، وفي القرآن { ما إن مفاتحه } . وهو جمع مفتح "( (5) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 76 .
(2) مشكل إعراب القرآن : 1 /548 .
(3) البيان في غريب إعراب القرآن : 2/ 236 .
(4) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5027 .
(5) إعراب القرآن ( النحاس ) : 2/ 558 .

(1/94)


نحن نرى أن ( ما ) هنا تفسيرية خلافا لمكي بن أبي طالب وسواه ممن جعلها في موضع نصب بـ( آتيناه ) ، لأن كونها تفسيرية يجعل القطع في الجملة الجديدة يدل على عظم كنوز قارون ، وهو الدلالة التضمينية للآية الشريفة .
{ ولا يسأل } ( (1) )
قال السمين الحلبي : " هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء من تحت ورفع الفعل وأن تركه مرفوعا يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون ( المجرمون ) خبر مبتدأ محذوف ي0 هم المجرمون .
الآخر : أن يكون بدلا من أصل الهاء والميم في ( ذنوبهم ) لأنهما مرفوعا المحل"(2).
إن قوله تعالى : { ولا يسأل } يدل على عدم السؤال لوجود ( لا ) النافية ، فصار المعنى أن المجرمين لا يسألون بعد عقوبتهم ، وذلك هو المعنى الإعرابي للفعل المضارع المنفي .
{ ويكأن الله } ( (3) )
قال مكي بن أبي طالب : " ( ويكأن ) أصلها ( وي ) منفصلة من الكاف . قال سيبويه عن الخليل في معناها : إن القوم انتبهوا أو نبهوا فقالوا : ( وي ) ، وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته . وقال الفراء : ( وي ) متصلة بالكاف وأصلها : ويلك إن الله ، ثم حذف اللام واتصلت الكاف بـ( أن ) . وفيه بعد في المعنى والإعراب ، لأن القوم لم يخاطبوا أحدا ، ولأن حذف اللام من هذا لا يعرف ، ولأنه كان يجب أن تكون ( أن ) مكسورة إذ لاشيء يوجب فتحها "( (4) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 78 .
(2) الدر المصون : 5/ 353 .
(3) سورة القصص : الآية 82 .
(4) مشكل إعراب القرآن : 1 /548 .

(1/95)


وقال الأنباري : " منهم من قال ( وي ) منفصلة من ( كان ) وهي اسم سمي الفعل به ، وهو ( أعجب ) ، وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته وكأن الله لفظه لفظ التشبيه ، وهي عارية عن معنى التشبيه ، وهذا مذهب لخليل وسيبويه . وذهب الأخفش إلى أن الكاف متصلة بـ( وي ) وتقديره : ويك أعلم أن الله . و( ويك ) كلمة تقرير ، و( أن ) مفتوحة بتقدير : أعلم . وهو كقولك للرجل : أما ترى إلى صنيع الله وإحسانه . وذهب الفراء إلى أن ( وي ) متصلة بالكاف وأصله ( ويلك ) وحذفت اللام ، وهو ضعيف لأن القوم لم يخاطبوا واحدا ، ولأن اللام من هذا لا يعرف "( (1) ) .
وقال السمين الحلبي : قوله : { ويكأن الله } ( ويكأن ) فيه مذاهب منها :
الأول : إن ( وي ) كلمة برأسها ، وهي اسم فعل معناها أعجب ، أي : أنا والكاف للتعليل ، و( أن ) وما في خبرها مجرورة بها ، أي : أعجب لأنه لا يفلح الكافرون ، وسمع كما أنه يعلم غفر الله له . قياس هذا القول أن يوقف على ( وي ) وحدها ، وقد فعل ذلك الكسائي ، إلا أنه ينقل عنه أنه يعتقد في الكلمة أن أصلها ( ويلك )
الثاني : قال بعضهم : ( كأن ) هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منه معناها وصارت للخبر والتيقن .
الثالث : إن ( ويك ) كلمة برأسها ، والكاف حرف خطاب و( أن ) معمولة لمحذوف ، أي : أعلم أنه لا يفلح ، قاله الأخفش .
الرابع : إن أصلها ( ويلك ) فحذف اللام ، واليه ذهب الكسائي .
الخامس : إن ( ويكأن ) كلها كلمة مستقلة بسيطة ، ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس( (2) ) .
__________
(1) البيان في غريب إعراب القرآن : 2 /237 .
(2) الدر المصون : 5 /354 .

(1/96)


والخلاف في ( ويكأن ) صرفي ـ نحوي في اشتقاقها وأصلها ، ونحن نرجح من استعراض الأقوال السابقة أن أصل ( ويكأن ) هو ( وي ) كلمة الندم ، وكاف الخطاب ، و ( أن ) المحذوف ما بعدها ، وهو مفهوم رأي سيبويه ـ رحمه الله ـ وما سوى ذلك فتكلف في التقدير وتمحل في الإعراب ، وهي منصوبة أو مبنية على النصب على خلاف في ذلك ، ولا فائدة في ترجيح أي من القولين فيه ، لأن ذلك ما لا يزيد النص القرآني أي دلالة .
{ إلا رحمة } ( (1) )
قال السمين الحلبي : فيه وجهان :
" أحدهما : هو منقطع ، أي : لكن رحمك رحمة .
والآخر : إنه متصل ، قال الزمخشري : هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل : وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة ، فيكون استثناء من الأحوال أو من المفعول له "( (2) ) .
والذي أراه أن المستثنى هاهنا في كونه منقطعا يوازي كونه متصلا على رأي الزمخشري ـ رحمه الله ـ وإنما الاستثناء منقطع لأنه لم يتقدم في الكلام ما يدل عليه ، فكان منقطعا غير متصل ، وأما كونه متصلا فلتلحقه باستمرارية إنزال الكتاب ، ونحن نرى أنه استثناء متصل أي أن إنزال الكتاب متعلق بالرحمة في إنزاله ، وهو الرأي الذي نرجحه .
{ كل شيء هالك إلا وجهه } ( (3) )
قال مكي بن أبي طالب : " انتصب الوجه على الاستثناء ، ويجوز في الكلام الرفع على معنى الصفة كأنه قال : غير وجهه… كذلك جواز الآية "( (4) ) .
قال القرطبي : " قال الزجاج : ( وجهه ) منصوب على الاستثناء ، ولو كان في غير القرآن كان : إلا وجهه بالرفع بمعنى كل شيء غير وجهه هالك "( (5) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 86 .
(2) الدر المصون : 5 /355 . وينظر أيضا الكشاف : 3 /194 .
(3) سورة القصص : الآية 88 .
(4) مشكل إعراب القرآن : 1 /549 .
(5) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5038 .

(1/97)


يجوز في هذه الآية رفع ونصب الوجه ، وذلك أن الرفع يكون صفة ، والنصب بأداة الاستثناء ( إلا ) ، ودلت الآية على أن الله عز وجل غير هالك ، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل به ، فيكون المعنى أن الكون بما فيه هالك إلا الله عز وجل ، وإنما خص تعالى الوجه بالاستثناء للتعظيم . ومما تقدم يتضح لنا أن اختلاف الإعراب في الآيات المختلف في إعرابها بين النحاة ، أكسب النص القرآني في سورة القصص آفاقا جديدة في استفادة معان أخرى ، وهو ما يشعر بتجدد الفهم عند التفسير ، وذلك لأن الاختلاف هو تجدد وتجديد في إضافة المعاني الجديدة التي تختلف بتعدد سياقات التوجيه الإعرابي بين النحاة ، وهكذا فإن ما اختلفوا فيه وما قمت بترجيحه ، تبعا لقراءة سورة القصص هو إضافة جديدة للمعنى ، يمكن أن تعين على تصور أدق لبعض المواضع ( المشكلة إعرابيا ) في سورة القصص .

المطلب الثالث:
التوجيه المضموني في سورة القصص ودلالاته
يتعلق موضوع التوجيه المضموني بموضوع ( الوحدة الموضوعية ) وبتعبير أدق :
التوجيه المضموني :
هو " تحليل نص بإعادة صياغته من جديد وإبراز مكامن الاتصال فيه باعتباره وحدة عفوية متكاملة "( (1) ) .
ويبدو أن هذا الموضوع متعلق كما نعتقده بما أسماه القدماء ( تناسق وتناسب الآيات السور) ، وممن صنف فيه :
البقاعي .
السيوطي .
وكتاباهما مطبوعان وفيهما فوائد مهمة في بابهما ( (2) ) ، وقد ذكر السيوطي ذلك كله في الإتقان وأشاد به ( (3) ) .
ونحن نستفيد من الجمع بين التحليل التراثي والمعاصر لفهم كلي للنص القرآني ، وبخاصة في موضوعنا هنا عن سورة القصص الشريفة .
__________
(1) المصطلحات النقدية . سليمة الحكيم . الطبعة الأولى . دار البيان . دمشق . 1989 م . : ص121 .
(2) سبق الإشارة إليها ص 19 .
(3) الإتقان في علوم القرآن : 2 /118 .

(1/98)


قال بعض الباحثين : " لابد في تحليل أي سورة قرآنية من إدراك العلاقة بين آياتها وترابطها فيما بينها ، والصلات بين أولها وآخرها ، ومكامن الوحدة الموضوعية فيها وذاتيتها الخاصة " ( (1) ) .
ونحن في التوجيه المضموني لسورة القصص واجدون من ذلك الكثير . إذ تتميز سورة القصص بكونها ذات خصوصية في ترابط موضوعاتها بعضها مع بعض ، بحيث أن القارئ يجد فيها انسيابا للمعاني وهي تصب في هدف واحد ، على رغم أن السورة تنقسم على نصفين :
النصف الأول : خاص بقصة موسى (- عليه السلام -) .
النصف الثاني : خاص بتعداد آلاء الله عز وجل ونعمه ، ثم تأتي في أواخر آيات السورة قصة الخسف بقارون لتعيد التذكير بأول القصة في أول السورة { إن قارون كان من قوم موسى } ( (2) ) ، فيتم بذلك التلاحم المضموني .
وقد فصل سليم سليمان فقال : تتميز آيات سورة القصص بأنها تمثل لوحة متكاملة المعالم واضحة الأطر ، لا زيادة فيها ولا نقصان فيها فهي بذلك تسير وفق قواعد الوحدة الموضوعية( (3) ) .
والبناء الموضوعي للسورة يعد في الذروة من الالتزام بعدم الخروج عن المعنى المراد إيصاله ، فهي بذلك " نص متكامل " لا يمكن حذف شيء منه ، ولا يمكن إضافة شيء إليه البتة ، فقوله جل جلاله: { أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } (4) له علاقة وطيدة بقوله تعالى فيها : { أولم نمكن لهم حرما آمنا } ( (5) ) .
فتتجلى بعض مظاهر تلك العلاقة في الأمن الإلهي الذي حبى به موسى (- عليه السلام -) وقريش .
__________
(1) التحليل التطبيقي للنصوص : ص400 .
(2) سورة القصص : الآية 76 .
(3) ينظر الوحدة الموضوعية : ص388 .
(4) سورة القصص : الآية 31 .
(5) سورة القصص : الآية 57 .

(1/99)


وقد لاحظ الباحث ذلك ووجد أن البناء المضموني لسورة القصص يسير في اتجاه واحد ، مثل قافلة من المعاني المتدفقة المتلاحقة ، مما أكسب النص الإلهي إعجازا إلى إعجازه ، لأن هذه الصفات ليست من صفات البشر في كلامهم يعتريه النقص والاختلاف في مصادر موارده .
وأنى للبشر أن يكون له كلام متكامل مثل ما نجده في الربط الوحدوي واللغوي في قوله تعالى في سورة القصص : { إني أنا الله رب العالمين } ( (1) ) ، وقوله تعالى فيها أيضا : { ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو } ( (2) ) ، وقوله تعالى : { وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة } ( (3) ) ، فالآيات الثلاث على رغم اختلاف موضوعها في داخل السورة ، يكمل بعضها بعضا ، ويأخذ أحدها بمعنى الآخر في وحدة موضوعية شمولية ذات دلالة كلية كونها جميعا آيات توحيد خالص .
المطلب الرابع:
التوجيه البياني التفسيري في سورة القصص
إذا كان التحليل قد كشف عن سياق بناء النص ، وإذا كان فهم الدلالة الإعرابية قد أوضح مفهوم النص ، فإن التوجيه البياني يفيد في إيضاح ما أسماه أسلافنا( (4) ) البيان التفسيري الذي يسمى أحيانا ( البيان المبين ) ، والمقصود به : " ما يستخرج من فهم بلاغة النص من المعاني الأخر "( (5) ) ، لاجل ذلك أقتبسنا في هذا المبحث هذا المصطلح لفهم أدق لمجموعة الظواهر البلاغية الموجودة في سورة القصص ، ولاستخراج ما فيها من كوامن المعاني .
__________
(1) سورة القصص : الآية 30 .
(2) سورة القصص : الآية 88 .
(3) سورة القصص : الآية 70 .
(4) رسالة في البلاغة . ابن كمال باشا . تحقيق : نور الدين حسن . الطبعة الأولى . منشورات كلية الآداب . جامعة القاهرة . 1991 م : ص47 .
(5) رسالة في البلاغة : ص 48 .

(1/100)


ولا ريب أن التوجيه البياني معين على فهم إعجاز القرآن الكريم وفي ذلك يقول بعض الباحثين :
" إن مباحث إعجاز القرآن قد اقترنت بمباحث البلاغة إقترانا مشعرا بالدور المهم المكمل من أحدهما للآخر ، وهكذا نشعر أن الغاية من علم البلاغة فهم وإدراك إعجاز القرآن ، وأن الغاية من تحديد إعجاز القرآن تسطير مباحث ومضامين علم البلاغة "( (1) ) . وقد عبر عن مثل ذلك وزاده ايضاحا باحث أخر فقال : " والمتتبع للظواهر البلاغية الثلاثة البيان – المعاني – البديع .
وما تتضمنه من تفرعات وتقسيمات يلاحظ لأول وهلة بادىء ذي بدء أن لكلها شواهد من القرآن الكريم تدل على ما يتعلق بها من آيات تضمنت معانيها تلك المحسنات اللفظية والمعنوية ، وهو الأمر الذي تنبه له الزمخشري في ( الكشاف ) ، والجرجاني في كتابيه ( أسرار البلاغة ) ( ودلائل الإعجاز ) "( (2) ) .
__________
(1) مباحث في البلاغة والإعجاز . د . سعد خليفة أحمد . الطبعة الأولى . دار الأندلس . دمشق . 1984 م : ص88-89 .
(2) الصلة بين إعجاز القرآن الكريم وعلوم البلاغة . د . محمود محمد محمود . الطبعة الأولى . مطبعة جامعة المعزى . ( د . ت ) .: ص 187 .

(1/101)


والباحث يرى أن القدماء اهتموا بإبراز العلاقة بين سورة القصص والتوجيه البلاغي لظواهرها اللغوية ، ومن أقدم النصوص في ذلك ما أورده القاضي الباقلاني اذ قال ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى : { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من
المفسدين } ( (1) ) ، " هذه تشتمل على ست كلمات سناؤها وضياؤها على ما ترى ، وسلاستها على ما تشاهد ، ورونقها على ما تعاين ، وفصاحتها على ما تعرف . وهي تشتمل على جملة وتفصيل وجامعة وتفسير ، ذكر العلو في الارض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء ، وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما ، لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم ، والقلوب لا تقر على هذا الجور ، ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد وكفت في التظليم ، وردت آخر الكلام على أوله ، وعطفت عجزه على صدره "( (2) ) ، ثم قال ـ رحمه الله ـ عن قوله تعالى :
{ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } ( (3) ) ، " وهي خمس كلمات متباعدة في المواقع نائية المطارح قد جعلها النظم البديع أشد تألفا من الشيء المؤتلف في الأصل ، وأحسن توافقا من المتطابق في أول الوضع "( (4) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 4 .
(2) إعجاز القرآن : ص 193 .
(3) سورة القصص : الآية 77 .
(4) إعجاز القرآن : ص 194 .

(1/102)


وهذا الكلام لرجل قد بحث الجوانب البلاغية لسورة القصص من كل نواحيها ، ونحن نلاحظ في التحليل البلاغي لسورة القصص إذا ما أخذناها على حده أنها تكاد أن تكون جامعة لمعظم ـ إن لم يكن كل ـ الظواهر البلاغية ، فالسياق البلاغي يجري فيها بأسلوب جزل فخم مثل قوله تعالى : { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } ( (1) ) . فإن هذه الآية تبدأ بداية هادئة ، ثم يتصاعد إيقاع جرسها البلاغي ، ثم يهبط بالسكينة والطمأنينة على أم موسى (- عليه السلام - ) ، ثم يأتي الوعد الالهي ولم يقل تعالى : ( جاعلوه مرسلا ) ، بل جعله في جملة المرسلين ـ عليهم السلام ـ { وجاعلوه من المرسلين } لأن ( من ) التبعيضية هنا تدخله في أوائلهم ، وهو كذلك (- عليه السلام - ) من الرسل الخمسة أولي العزم .
وقد تنبه الزمخشري في الكشاف لهذه الطريقة البلاغية في سورة القصص لولا أنه خلط بعض مباحثه بنظريته الإعتزالية ، فحاول إقحام الإعتزال في المعنى المستخرج من آيات سورة القصص ليعزز ما كان ـرحمه الله ـ يذهب إليه فيه(2) .
وقد حاول بعض الباحثين إيضاح ذلك كله ( أي توجيه المعنى بلاغيا في سورة القصص ) ، فقال :
" وفي سورة القصص نجد صورا بلاغية في آيات الصفات أخذت حيزا كبيرا جدا في التفكير الاعتقادي ، لأن القائلين بالحقيقة والمجاز في القرآن الكريم حاولوا أن يستدلوا بها ( أي بصورة هذه الآيات ) على ما كانوا يذهبون إليه من آراء ومذاهب ، ولا ننسى هنا أن المعتزلة كانوا على رأس أولئك القوم .
__________
(1) سورة القصص : الآية 7 .
(2) الكشاف : 3 /229 .

(1/103)


فقوله عز من قائل : { ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } ( (1) ) ، يحتوي على أمر ، وخبر ، وتقرير ، ورد صدر على عجز ، ومؤدى ذلك صورة بلاغية للإله الواحد الباقي . ولكن طوائف المعتزله القائلين بالمجاز أولوا الآية بلاغيا لأجل نفي الوجه عن الله عز وجل ، فأخطاؤا الصواب "( (2) ) .
ونحن مع هذا الباحث فيما ذهب إليه ، وسنحاول فيما يلي هذه الصفحة إعادة ترتيب الظواهر البلاغية في سورة القصص وفق التقسيم البلاغي( (3) ) .
والغرض من هذه العملية إبراز دور تلك الظواهر البلاغية في تحسين وتزيين وتجميل المبنى والمعنى في كلام الله وهو أصدق القائلين إستنادا إلى ما ذكره بعض الدارسين ، اذ قال : " إن وضع آيات كل سورة تحت التقسيم البلاغي التراثي يدلنا على مواطن الإعجاز في كل سورة من السور ، مما يفتح الطريق أمام جمهرة الباحثين لإعادة صياغة إعجاز القرآن الكريم "( (4) ) .
وهو ما يراه القارىء في الصفحات الآتية :
ونحن سنختار بعض الأنواع البلاغية لا كلها من باب الإشارة إلى الشيء للدلالة على ما هو أعم .
1-التشبيه :
هو ( ما حذفت فيه أداة التشبيه ، ووجه الشبه ) ( (5) ) ، مثل قوله تعالى فيها :
__________
(1) سورة القصص : الآية 88 .
(2) الصورة البلاغية في آيات الصفات في القرآن الكريم . الشافعي حسن . الطبعة الأولى . دار المعارف بمصر . 1994: ص397-399
(3) ينظر معجم المصطلحات البلاغية . د . أحمد مطلوب . الطبعة الأولى . منشورات المجمع العلمي العراقي . بغداد . 1984 م . : 1/3 .
(4) الظواهر البلاغية في سورة البقرة : ص 122.
(5) ينظر أنوار الربيع : 3 /45 .

(1/104)


{ وأحسن كما أحسن الله إليك } ( (1) ) ، فإن الإحسان الإلهي هو المشبه به ، والمشبه هو المأمور بالإحسان ، ووجه الشبه الموازنة بين الأمر بالإحسان ليوافق إحسان الله جل جلاله .
2-الاستعارة :
هو ( اللفظ المستعمل فيما يشبه معناه الأصلي لعلاقة المشابهة ، أو هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة ) ( (2) ) . مثل قوله تعالى :
{ وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك } ( (3) ) . فإن قرة العين بردها واستقرارها ، فجعل استعارة عن الولد .
3-الكناية :
هو ( أن تتكلم بشيء وتريد غيره ، وهي مصدر من كنيت بكذا عن كذا إذا تركت التصريح به ، واصطلاحا : لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه معه أيضا ) ( (4) ) ، مثل قوله تعالى : { يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم } ( (5) ) ، فإن جملة { ويستحي نساءهم } تشمل كناية عن سبيهن واغتصابهن .
4- الإيغال :
هو ( ختم الكلام نثرا كان أو نظما بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها ) ( (6) ) ، مثل قوله تعالى : { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } ( (7) ) .
5- الإلتفات :
__________
(1) سورة القصص : الآية 77 .
(2) شرح التلخيص في علوم البلاغة . للإمام جلال الدين بن عبد الرحمن القزويني . ت 739 هـ . دار الجيل . بيروت . لبنان . ( د . ت ) : ص 339 .
(3) سورة القصص : الآية 9 .
(4) ينظر شرح التلخيص : 155 .
(5) سورة القصص : الآية 4 .
(6) أنوار الربيع : 5 /333 .
(7) سورة القصص : الآية 10 .

(1/105)


هو ( إنصراف المتكلم عن المخاطبة الى الإخبار ، وعن الإخبار إلى المخاطبة ، أو الإنصراف من معنى يكون فيه إلى معنى آخر ) ( (1) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين } ( (2) ) ، فإن قوله تعالى : { يستصرخه } إلتفاف في الخطاب ، وتغير في سياقه من الإسرائيلي والمصري لموسى (- عليه السلام -) .
6- المجاز :
هو ( نقل الشيء عن حقيقته التي وضع لها إلى معنى آخر ) ( (3) ) ، وذكروا أن من أمثلته في سورة القصص قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } ( (4) ) ، والنص لا يستقيم بزعمهم إلا بنقله للمجاز والله أعلم بالصواب في ذلك .
7- المقابلة :
هي (أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو اكثر ، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب ) ( (5) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { ويدرأون بالحسنة السيئة } ( (6) ) ، فإن الحسنة مقابلة للسيئة ، وقد ازدات بها الجملة جمالا .
8- الإشارة :
__________
(1) بديع القرآن . ابن أبي الإصبع المصري . ( 585 ـ 654 هـ ) . تحقيق : حفني محمد شرف . الطبعة الأولى . مكتبة نهضة مصر . الفجالة . 1957 م : ص 58 . العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده . أبو الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي . ت 456 هـ . تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد . دار الجيل . بيروت . لبنان . ( د . ت . ) . : 2 /46.
(2) سورة القصص : الآية 18 .
(3) الإيضاح في علوم البلاغة ، القزويني ، أبو عبد الله جلال الدين بن سعد الدين أبي محمد بن عبد الرحمن الخطيب ، ت 739 هـ ، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي ، بيروت ، 1983 م : ص 155 .
(4) سورة القصص : الآية 88 .
(5) شرح التلخيص : ص 163 .
(6) سورة القصص : الآية 54 .

(1/106)


هي ( أن تطلق لفظا جليا تريد به معنى خفيا ) ( (1) ) ، مثل قوله تعالى : { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } ( (2) ) ، فإن المعاد إشارة إلى مكة المكرمة أو يوم القيامة ، فازداد النص بها حسنا .
9-الخبر الإنشائي :
هو ( صيغة الكلام التامة الدالة على معنى جميل ) ( (3) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم
الظالمين } (4).
فمجمل الكلام الإلهي في هذه الاية هو خبر إنشائي حقيقي ، الغرض منه الخروج بمفهوم نصي ، وأما قوله تعالى في الآية : { تمشي على استحياء } ، فهو نص إعجازي لايتأتى نظمه أو نظم مثله للبشر.
10- المثل :
هو ( كلام يتداوله الناس لجماله وقصره وحكمته ، ومتى فشا استعماله سمي مثلا ، ولذلك لا تغير الأمثال ) ( (5) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { إن خير من استأجرت القوي الأمين } ( (6) ) ، فهذه الجملة القرآنية قد غدت مثلا إلهيا ينطقه الناس ، للدلالة على أخذ القوي الأمين في العمل المراد له ، فصارت مثلا بليغا.

11- الدعاء :
__________
(1) الفوائد . أبو عبد الله بن أبي بكر ابن قيم الجوزية . . ت 751 هـ . دار الفكر ببيروت للطباعة والنشر والتوزيع . ( د . ت ) : ص 125 .
(2) سورة القصص : الآية 85 .
(3) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة : ص 15.
(4) سورة القصص : الآية 25 .
(5) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة : ص 307 . شرح التلخيص : 4 /147 .
(6) سورة القصص : الآية 26 .

(1/107)


هو ( طلب من هو أدنى ممن هو أعلى بألفاظ بليغة ) ( (1) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } ( (2) ) ، فهذا النص دعاء علمنا الله عز وجل أن ندعوه به على لسان موسى (- عليه السلام -) .
12- الأمر :
هو ( طلب من هو أعلى أمرا ممن هو دونه ، أو اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف ، ولا يعبر به علو ولا استعلاء على الأصح ) ( (3) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } ( (4) ) ، فجملة { اسلك يدك } أمر إلهي صيغ صياغة بلاغية إعجازية ، فدل على جماليته في حد ذاته .
13- الإضراب :
هو ( ذكر شيء قد يستقبح ، إلا أن القرينة تدل على حسنه ، أو الإعراض عن الشيء تركا وإهمالا بعد الإقبال عليه ) ( (5) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } ، فإن قوله تعالى : { من غير سوء } إضراب لئلا يظن البرص بيده (- عليه السلام -) فكمل بها الكلام .?
14- تجاهل العارف :
__________
(1) ينظر التوقيف على مهمات التعاريف . محمد عبد الرؤوف المناوي . ( 952 ـ 1031 ) . تحقيق : د . محمد رضوان الداية . دار الفكر المعاصر ـ دمشق , دار الفكر ـ بيروت . ط1 1410 هـ : ص 338 .
(2) سورة القصص : الآية 24 .
(3) التوقيف على مهمات التعاريف : ص 92 .
(4) سورة القصص : الآية 32 .
(5) التوقيف على مهمات التعاريف : ص 71 .

(1/108)


هو ( استخدام العارف صيغة تشعر الجهل عند من لا يجهل ، أو سوق المعلوم مساق غيره لنكتة ) ( (1) ) ، كقوله تعالى فيها : { فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين } ( (2) ) ، فإن جملة { لأظنه } تأتي بمعنى ( لأوقنه ) .
وهو تجاهل العارف لأن فرعون كان يعلم أن موسى (- عليه السلام -) من الصادقين ، بدليل حكاية الله عز وجل عنه أنه قال في آخر عمره : { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل } ( (3) ) .
15- الاستثناء البلاغي :
هو ( ذكر أمر ثم تخصيصه بغير صيغ الاستثناء المعروفة ) ( (4) ) ، مثل قوله تعالى فيها : { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } ( (5) ) ، فجملة { فبغى عليهم } هي استثناء بلاغي أخرج بها قارون من قوم موسى بغير أدوات الاستثناء المستخدمة في مثل هذه الحالات .
إن ما تقدم كان محاولة لإبراز بعض الظواهر البلاغية في سورة القصص ، وتخريجها وتحليلها بإيجاز ، ليتطابق ذلك مع منهجها في درس وتحليل سورة القصص من كل جوانبها ، وهو الأمر الذي عبر عنه أحد الباحثين بقوله : " إن استخراج أي ظاهرة بلاغية في أي آية ، ثم تحليلها يتيح لنا فهما كاملا لإعجاز هذه الاية نفسها ، لأن الظاهرة البلاغية كانت وما زالت مفتاح إدراك الإعجاز " ( (6) ) .
المطلب الخامس:
الصورة البلاغية في سورة القصص
__________
(1) التعريفات ( الجرجاني ) : ص 73. التوقيف على مهمات التعاريف : ص 160.
(2) سورة القصص : الآية 38 .
(3) سورة يونس : الآية 90 .
(4) التوقيف على مهمات التعاريف : ص 55 .
(5) سورة القصص : الآية 76 .
(6) الظواهر البلاغية : ص 27 .

(1/109)


يعد مفهوم الصورة البلاغية بوصفه فنا من فنون البلاغة الحديثة أحد أوجه التشكيل الصوري البياني للمعنى الملفوظ من خلال ذاتية المبنى وقد عرف أحد دارسي البلاغة الصورة البلاغية بأنها :
" التشخيص الذي يحسه القارئ مصورا في ذاته عند قراءته نصا ما استنادا إلى الإبداع الفني في نقل النص المكتوب من عالم اللفظ والمعنى إلى عالم الصورة بكل أطرها وألوانها " ( (1) ) . ولا ريب أن قضية الصورة هي قضية قديمة قدم البلاغة العربية ، فقد عرفها القدماء بأسماء مثل ( (2) ) .
1-التصوير .
2-التشبيه ( في بعض جوانبه ) .
3-الاستعارة ( في بعض جوانبها ) .
وقد ورد ذكر ما يشبه مفهوم الصورة البلاغية لدى علماء البيان باسم
( الإيغال في الوصف ) ( (3) ) ، وأرادوا بذلك : " أن يغرق الكاتب أو الشاعر في وصفه لشيء ما ، حتى يخرجه إلى مخرج الصورة المصورة ، فإذا كان ذلك كذلك تم له الوصف ، وأجاد به " ( (4) ) .
ونحن نعتقد أن مفهوم الصورة البلاغية بكل جوانبه الداخلية والخارجية يمكن تطبيقه في الدراسات الحديثة للنص القرآني ، وقد فعل ذلك سيد قطب في كتابه
( التصوير الفني في القرآن الكريم ) ( (5) ) ، ومحمد عبد الله في كتابه ( الصورة والتشخيص البياني في القرآن الكريم ) ( (6) ) .
__________
(1) البلاغة الحديثة . عطية فرج . الطبعة الأولى . دار مصر العلمية . القاهرة . 1988 م : ص 221-222 .
(2) ينظر الصناعتين : ص193 .
(3) المصدر نفسه : ص 315 .
(4) رسالة في البلاغة : ص22 .
(5) ينظر التصوير الفني في القرآن الكريم . سيد قطب . دار الكتاب العربي . بيروت ، لبنان . ( د . ت ) : ص 177 . الصورة والتشخيص البياني في القرآن الكريم . سليمان عبد الحكيم . الطبعة الأولى . بيروت ، لبنان . 1994 م : ص 257 .
(6) ينظر الصورة والتشخيص البياني في القرآن الكريم : ص 257 .

(1/110)


وأثناء دراستنا في هذه الرسالة لكل ما يتعلق بسورة القصص ، وتحليلنا لكافة جوانبها ، كان لزاما علينا أن ندرس قضية الصورة البلاغية فيها باعتبار أن ما ورد في سورة القصص من صورة بلاغية يعد دليلا للكاتب والشاعر على حد سواء في إقامة تصوير النص استنادا إليها( (1) ) .
لقد تحققت في سورة القصص التطبيقات البلاغية من خلال جوانب الصورة البلاغية التي احتوتها في ذاتها .
... ولا شك أن هذا التحليل باب من أبواب إدراك إعجاز النص القرآني الذي أخرس القائلين ، وأبكم الناطقين .
{ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( (2) ) ، ففي قوله تعالى فيها : { وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ( (3) ) .
نجد أن مشهد صورة هذا القول الكريم من ( امرأة فرعون ) هو مشهد شاخص بكل جوانب الصورة ، فيكاد القارىء للنص أن يحس بمشاعر ( امرأة فرعون ) ، وقلقها أمام فرعون وكبار قومه وآله . وفي قولها : { عسى أن ينفعنا } ما يشعر من خلال استخدام لفظة ( عسى ) بمحاولتها التأثير عليهم نفسيا بأسلوب الترجي ، وفي قولها : { أو نتخذه ولدا } جعلت الصورة مصورة أمام عين فرعون ، الذي يبدو أنه لم يكن له ( ولد ) ، وتأخيرها جعل موسى ولدا على رجاء النفع منه ، فيه نكتة بلاغية جميلة في أسلوب الحث على فعل شيء ليكون الطلب بالتدريج ( (4) ).
__________
(1) الصورة والتشخيص البياني في القرآن الكريم : ص257-260 .
(2) سورة النساء : الآية 82 .
(3) سورة القصص : الآية 9 .
(4) الصورة والتشخيص : ص 237 .

(1/111)


ونجد أن قوله تعالى : { وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون } ( (1) ) ، يجسد صورة بلاغية فنية مبدعة في لفظها وجرسها ومعناها وصوته الذاتي ، ذلك أن لفظة ( قصيه ) لفظة مفتوحه على معان متعددة ( (2) ) .
ولكن من الممكن هاهنا أن نفهم منها معنى ( قص الاثر والبحث والنظر عن بعد ) ، ويعزز المعنى الاخير قوله تعالى : { فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون } ، وفي ذلك صورة الأخت الحنون التي تبحث عن أخيها بأمر من أمها الوالهة التي فقدته ، وهي صورة لا تتكرر في البيان .
أما قوله تعالى فيها : { ولما بلغ أشده واستوى } ( (3) ) ، فهو تصوير فني ـ بلاغي متكامل الصورة ، النبي الكريم موسى ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ في نضجه واكتماله ، وقد كان الربط بين الفعل الماضي ( بلغ ) ، والمفعول به
( أشده ) ، ثم مجيء الفعل المضارع ( استوى ) ربطا متكاملا في جوانب الصورة كلها ، بحيث يشعر قارىء النص وسامعه على حد سواء ان هنالك رجلا ( مكتمل الخلقة ) بدلالة الافعال المتتالية المتوالية .
والصورة البلاغية واضحة كل الوضوح ، وظاهرة كل الظهور في قوله تعالى : { فأصبح في المدينة خائفا يترقب } ( (4) ) ، فإن الفعل الناقص ( أصبح ) ، والحال ( خائفا ) ، ثم الفعل المضارع التام ( يترقب ) يتركب منها تصوير بلاغي تام ، يدل على إنسان يتلفت إلى يمينه ويساره وفي هذه الصورة إعجاز صوري لا يتأتى لأي أحد إعادة تصويره مهما بلغ من إجادة وإتقان ، وتلك إحدى خصائص النص القرآني في إعجازه .
__________
(1) سورة القصص : الآية 11 .
(2) لسان العرب : مادة ( قصص ) 7 /75 .
(3) سورة القصص : الآية 14 .
(4) سورة القصص : الآية 18 .

(1/112)


ونجد أن قوله تعالى : { جاء رجل من أقصى المدينة يسعى } ( (1) ) فيه تصوير بلاغي تام ، فيخيل للقارىء أنه يرى في ذهنه أمام ناظريه مجيء رجل من أطراف تلك المدينة راكضا ليبلغ موسى (- عليه السلام -) نبأ المؤامرة .
وليس في أي أسلوب من أساليب العربية ما يمكن أن يماثل قوله تعالى :
{ جاء رجل من أقصى المدينة يسعى } ، فلو قال القائل : ( أتى إنسان من أطراف المدينة راكضا ) . أو ( وصل رجل من أقصى المدينة مبلغا ) . وعشرات الصيغ الاخرى المقترحة لم يكن لقوله : ( أي القائل ) بكل صيغة روعة إعجاز قوله تعالى : { جاء رجل من أقصى المدينة يسعى } بما تضمنه من صورة بلاغية .
أما قوله : { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء } ( (2) ) ، فهي من الآيات التصويرية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة وتواضع ، وكل ذلك استدللنا عليه بقوله تعالى : { تمشي على استحياء } لأن استعارة الفعل المضارع الحقيقي تمشي ، ونقل ( على ) من الأرض المحذوفة إلى ( استحياء ) بالتنكير المشعر بفخامة القصد المراد ، يرينا صورة بلاغية أعجزت الأولين والآخرين ، لذلك قال في هذه الآية بعض الباحثين : " إن المتتبع لقوله تعالى : { تمشي على استحياء } لا يجد لها نظيرا في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية ، وما ذلك إلا لأن إستعارة الشيء الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه ، فالآية بذلك قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني " ( (3) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 20 .
(2) سورة القصص : الآية 25 .
(3) الإعجاز التمثيلي في آيات الوصف . دراسة تحليلية . د . حسن رفاعي . الطبعة الأولى . دار المعارف بمصر . 4994 م : ص424 .

(1/113)


ونحن واجدون في قوله تعالى : { فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة } ( (1) ) ما يعد آية الآيات في التصوير البلاغي في القرآن ، وبخاصة في سورة القصص .
فتوالي حروف الجر ، وتوالي الاضافات ، والتصاق كل ذلك بعضه ببعض ، ثم التقريب من العام إلى الخاص ( شاطىء الواد ) ، ( البقعة المباركة ) ، ( من الشجرة ) ، يدل على تصوير المعنى بأبلغ الصفات التي تدل ( بما قبلها ) على ( ما بعدها ) من قوله تعالى : { إني أنا الله رب العالمين } ( (2) ) ، ومايتلوه من قوله تعالى : { وأن ألق عصاك } ( (3) ) ، ففي كل ذلك التصوير ، شخص المعنى بأبلغ لفظ موجز ، وهو نوع من أنواع الإيغال البلاغي ، وفيه التفاف في الوصف . وجملة
( نودي ) المبنية للمجهول تدل على تعظيم المنادى والمنادي .
ونجد أن قوله تعالى : { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب } ( (4) ) ، يضم صورة بلاغية بجنب مجموعة من الصور الفنية تتمثل في أن الأمر نتيجته هاهنا الحقيقة في الوقوع ـ وليس المجاز فلو أن الأمر ( اسلك ) كان مؤداه مجازا لبطل وجه من أوجه الإعجاز الخبري في صدق قوله تعالى: { تخرج بيضاء } بقرينة { من غير سوء } احترازا عن البرص الذي هو بياض بسوء .
__________
(1) سورة القصص : الآية 30 .
(2) سورة القصص : الآية 30.
(3) سورة القصص : الآية 31 .
(4) سورة القصص : الآية 32 .

(1/114)


وقوله تعالى : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } ( (1) ) مشعر بعظم الصورة التي يتصورها الإنسان من ( النبذ ) الذي هو إلقاء باحتقار ثم إن قوله تعالى { فأخذناه } مشعر بكلية الجيش المنبوذ في اليم ، وحقيقة الصورة نابعة من صورة المجاز فيها ( الأخذ ) و ( النبذ ).
وقوله تعالى : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } ( (2) ) فيها أحد أجمل أنواع التصوير البلاغي في بابه ، وذلك متمثل في أن ( سماع اللغو ) نتيجته ( الإعراض عنه ) ، وقد تأتى ذلك التصوير للقوم االمؤمنين من خلال أداة الشرط ( إذا ) وجواب الشرط ( عرضوا ) ، ثم حذف ( اللغو ) والاستعاضة عنه بهاء ( عنه ) ، فأنظر كيف غدا النص اعجازبا تصويريا بلاغيا ، لا يمكن لأحد أن يجيء بمثله مهما حاول من محاولات .
وقوله تعالى : { الليل سرمدا } ( (3) ) ، وقوله تعالى : { النهار سرمدا } ( (4) ) على التوالي صورة مجازية لتقرير إستفهامي هو سؤال العارف ، فصارت الصورة في الذهن منقلبة عن الصورة الحقيقية ( الليل اللاسرمدي ) و ( النهار اللاسرمدي ) إلى الصورة المجازية الآتية من الإستفهام عن الليل والنهار السرمديين ، وهذا من أبلغ التصوير .
وقوله تعالى : { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } ( (5) ) ، قول بديع بليغ فيه كل أنواع التصوير الفني ، وذلك نابع من أن إسناد النوء بالحمل مجازيا إلى المفاتيح لا إلى ( العصبة أولي القوة ) ، فهو من المقلوب لفظا ومعنى .
__________
(1) سورة القصص : الآية 40 .
(2) سورة القصص : الآية 55 .
(3) سورة القصص : الآية 71 .
(4) سورة القصص : الآية 72 .
(5) سورة القصص : الآية 76 .

(1/115)


وفي هذا القلب يتجسد التصوير البلاغي وتتمثل الصورة البلاغية واضحة كل الوضوح بما يراه القارىء في ذهنه من صورة ( عصبة ) ( أولي قوة ) تنوء بهم مفاتيحهم الخاصة بكنوز قارون .
فكأن القرآن الكريم أسند كل الصورة هاهنا إلى المفاتيح ، وجعلها محور النص ، لأن من عادة العرب في كلامها أنها :
( تقدم ما بيانه عندها أهم ) ( (1) ) ، فقدمت المفاتح لنكتة بلاغية في التصوير البلاغي .
وقوله تعالى : { فخرج على قومه في زينته } ( (2) ) فيه من الصورة البلاغية ، الصورة المقبوحة لشخص طاغية متكبر متجبر ، تراه في نفسك وقد خرج على قومه ، ( وقد أسند الضمير لقومه تمييزا لهم عن المؤمنين ) . وفيه قوله تعالى : ( في زينته ) مشعر بأنه خرج بكل ما عنده من هيئة ولباس وحلي وكنوز ، ولا يستطيع أي إنسان مهما بلغت به البلاغة أن يعيد تجسيد هذا المشهد إلا وهو ينتقص إما من اللفظ ، وإما من المعنى .
ثم نجد بعد ذلك متواصلا معه قوله تعالى : { فخسفنا به وبداره الأرض } ( (3) ) ، فنحس أن ذلك الخسف متعلق بخروجه متكبرا في زينته بعد ما كاد يفتن قلوب فريق من المؤمنين . والخسف الحقيقي هاهنا ( لا المجازي ) هو الذي جعل هذه القوة المتدفقة من النص يحسها القارىء ، ويشعر بها السامع على حد سواء .
__________
(1) ينظر تأويل مشكل القرآن : ص 197 .
(2) سورة القصص : الآية 79 .
(3) سورة القصص : الآية 81 .

(1/116)


ولعل إحدى أهم الصور البيانية قوله تعالى فيها : { ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } ( (1) ) ، فهي آية قد لا يشعر القارىء لأول وهلة بصورتها البيانية غير أنه ما إن يمضي بها ليصل إلى قوله تعال : { كل شيء هالك إلا وجهه } يجد نفسه مستعيدا الصورة السابقة بالنهي عن دعاء سواه تعالى ، ثم متقدما على الصورة اللاحقة { له الحكم وإليه ترجعون } .
وهل قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } حقيقة أو مجاز ؟ ففي ذلك خلاف بين علماء الكلام منذ أمد بعيد ، غير أن الأصل في ذلك أن الألفاظ القرآنية على حقيقتها ما لم تصرفها قرينة إلى المجاز .
وبذلك تكون الصورة في قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } صورة حقيقية كل الحقيقة ، مشعرة بما فيها من بلاغة وفن بلاغي وإيجاز في الوصف .
وإذا وصلنا إلى هذا الموضع من هذا التحليل ، نجدنا قد حاولنا أن نبرز جملة الصور البلاغية من خلال المفهوم العام للصورة البلاغية في آيات سورة القصص .

المطلب السادس:
الحكمة من استخدام الجمل والصيغ والعبارات في سورة القصص
__________
(1) سورة ( ص ) : الآية 88 .

(1/117)


من الواضح أن في اللغة العربية أساليب متباينة يمكن من خلالها فهم دلالات ألفاظ نفسها ، أو بمقارنتها بغيرها ، وذلك أن علم اللغة الحديث المأخوذ من أصوله التراثية قد أثبت أن أي نص لا يمكن فهم أسلوبه إلا بمقارنته بنص آخر ، أو بإبدال بعض كلماته ( بمرادفات ) أخرى . ولا ريب أن علم إعجاز القرآن استفاد فائدة كبرى قديما وحديثا من ذلك ، لأن علم إعجاز القرآن يبحث في خصائص الأسلوب وبدائل الأسلوب . وقد حاولت استنادا إلى ذلك أن أدرس بعض الكلمات والألفاظ في آيات مختارة من سورة القصص مع توجيه المعنى المقارن نحو بدائلها بحيث يبدو إعجاز الأسلوب القرآني في سورة القصص خاصة ، وذلك من ثلاثة أوجه :
أولا ـ البديل اللفظي .
ثانيا ـ البديل الأسلوبي .
ثالثا ـ البديل المعنوي .
والجمع بين هذه البدائل فعله القاضي الباقلاني من قبل في كتابه إعجاز القرآن في سورة أخرى ، ودرسها القاضي عبد الجبار في كتابه المغني في أبواب التوحيد والعدل ، والإمام عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز ، وابن أبي الإصبع المصري في كتابه بديع القرآن .
وممن درسها من المحدثين :
الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطي ( (1) ) .
الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة( (2) ) .
الدكتور فاضل السامرائي( (3) ) .
وسواهم من النحاة والبلاغيين المعاصرين الذين درسوا إعجاز النص القرآني لغويا .
ونحن في دراستنا لسورة القصص أردنا ان ندلي بدلونا في ذلك ، فنفهم لماذا جاءت بعض الأشكال اللغوية في مواقع منها دون أشكال أخرى قد يتوقع الإنسان أن تجيء في كلام بديل لو كان كلاما بشريا .
__________
(1) التفسير البياني للقرآن الكريم . عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ . الطبعة الثامنة . دار المعارف بمصر . 1982 م : ص 88 .
(2) دراسات في أسلوب القرآن الكريم : 5 /119 .
(3) التعبير القرآني . د . فاضل صالح السامرائي . بيت الحكمة . بغداد . 1989 م : ص 51 .

(1/118)


وهذا الفن أولع به الأدباء إذ يروي اليازجي :
إن رجلا سأل عن قول المتنبي :
قد شرف الله أرضا أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سواك إنسانا
فقال : لماذا لم يقل خلاك بدل سواك ؟ فأجابه ابن جني : إن قوله : (خلاك) لا يعطي النص بلاغته التي أعطته إياها ( الصيغة القرآنية ) سواك التي جاءت في قوله تعالى : { الذي خلقك فسواك فعدلك } ( (1) ) ( (2) )
وقد أكثر الدكتور فاضل السامرائي من ذكر النصوص المشابهة( (3) )
إن سورة القصص في ألفاظها ومعانيها تحتوي على ما يمس القلوب والأرواح في المعاني المنطبعة في النفس الإنسانية عند قراءتها لأسباب تتعلق بذاتية الألفاظ وفق خمسة عوامل .
أولا ـ الجرس اللفظي .
ثانيا ـ بنية الكلمة .
ثالثا ـ موقع الكلمة .
رابعا ـ سياق الكلمة .
خامسا ـ مقارنة الألفاظ بمرادفاتها .
ونحن سنحاول ان ندرس المرادفات البديلة التي تبرز إعجاز الألفاظ الأصلية.
إن الأسلوب الذي أنزلت به هذه السورة في مكة المكرمة يحمل كل سمات الأسلوب المكي ( المختلف في دلالاته عن سمات الأسلوب المدني ) ، وبذلك فإن الصورة العامة لسورة القصص تتميز بأن بناءها في إطاره العام خال من الجمل التي توجه المعنى نحو الدلالة الفقهية ـ الشرعية . بل إن جمله توجه المعنى نحو الدلالة التوحيدية التي تزرع العقيدة الصحيحة المستندة إلى نفي الشريك عن الله ، والداعية إلى عبادة الله وحده . والتي تسلي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وتشد من أزره وأصحابه لمواجهة ظلم قريش .
__________
(1) سورة الانفطار : الآية 7 .
(2) العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب . تحقيق : إبراهيم اليازجي . الطبعة الثانية . دار العلم . بيروت . 1978 م : 2 /622 .
(3) التعبير القرآني : ص 51 .

(1/119)


واستنادا إلى ذلك فإن آيات سورة القصص تعبر كلماتها تمام التعبير عن مقتضيات واقع الحال المراد إبانته لمن أنزلت السورة في زمنهم وبين أيديهم من أهل مكة .
فنحن نسأل استنادا إلى ذلك لماذا جاء النص القرآني في قوله تعالى : { تلك آيات الكتاب المبين } ( (1) ) ولم يستخدم كلمة أخرى في صفة الكتاب مثل ( الحكيم ) ، ( العزيز ) ، ( المجيد ) ؟
والذي نراه أن المبين هاهنا أنسب ، لأن الإبانة متناسبة مع صفة الكتاب كونها الإبانة بليغة الدلالة على الظهور والنصاعة في تلك الفترة ، أما لو قيل :
( الكتاب الحكيم ) فمن أين لهم ان يعرفوا حكمته . أو العزيز فمن أين لهم أن يعرفوا عزه ولأنكروا ذلك رأسا ، فقيل لهم : ( الكتاب المبين ) وهم لفصاحتهم لا يستطيعون إنكار إبانته( (2) ) .
فالله جل وعلا وصف كلامه بصفة يعرفها أهل مكة أكثر من سواهم لاشتهارهم بهذا فكأن القرآن أراد أن يتحدا بيانه .
ونحن نجد أن الصيغة القرآنية : { إن فرعون علا في الأرض } ( (3) ) تحتمل سؤالا هو : لم لم يقل تعالى : ( طغى ) ، أو( بغى ) ، أو ( استكبر ) ؟
والذي نراه في ذلك أن دلالة ( علا ) من العلو الزماني والمكاني أبلغ من تلك الصيغ الأخرى ، ومن كل صيغة ، لأنه لو كانت العبارة ( إن فرعون طغى ) لكان ذلك دليلا على الطغيان فقط ، والطغيان ( لا يعم ، بل هو خاص بفرعون ولا يشمل جنوده ولا هامان ) .
ولو قيل : ( إن فرعون تكبر ) لكان التكبر خاصا به وبقومه لأن الإنسان لا يتكبر إلا على من هم من حوله يرونه ويراهم .
__________
(1) سورة القصص : الآية 2.
(2) ينظر الكشاف : 3 / 164 . جامع البيان : 6 /4963 . البحر المحيط : 7 /104 .
(3) سورة القصص : الآية 4 .

(1/120)


ولو قيل : ( إن فرعون بغى ) لكانت الجملة غير مبينة عن هذا البغي ، فجاءت العبارة ( علا في الأرض ) لتدل على أن فرعون جمع الطغيان والبغي والتكبر الذين اجتمعوا جميعا في العلو على الأرض ، فكان إعجاز استخدام الفعل الماضي ( علا ) دالا تفضيلها على غيرها من الصيغ الأخرى ، لأن كلمة ( علا ) في هذا الموقع في ذكر فرعون أبلغ في مكان الآية من أي صيغة أخرى ، فالآية تصف دولة فرعون ومجتمعه أي نظام دولة كامل .
فلا بد من كلمة تصف نظام دولة فرعون . ولا يوجد أليق من كلمة ( علا ) في هذه السورة من القرآن الكريم ، وربما استخدمت بقية الكلمات في مواضع أخرى من سورة أخرى فناسبت موضعها في تلك السور( (1) ) .
إن قوله تعالى : { وجعل أهلها شيعا } ( (2) ) يحمل في استخدامه اسم الجمع ( شيع ) وهو منصوب بكونه مفعولا به ثانيا دلالة خاصة تختلف عما لو استخدم فيه أي لفظ مرادف للكلمة نفسها ، مثل ( فرقا ) أو ( أحزابا ) على سبيل المثال . ونحن نرى أن صيغة ( شيعا ) التي جاءت في النص أبلغ من كل صيغة ، لأن الشيع هي العصبة ، ومن معانيها العصبة القوية ، وفرعون إنما قسم الناس على شيع ، أي : أقسام ، فجعل منهم شيعته وشيعة موسى ، ولو جاء النص بصيغة ( فرقا ) لدل على تحزب قوم دون كونهم من شيعته ، أي : المطاوعون له .
__________
(1) ينظر الجامع لأحكام القرآن : 6 /4964 .
(2) سورة القصص : الآية 4 .

(1/121)


ونحن نجد أن قوله تعالى في سورة القصص { هذا من شيعته } ( (1) ) . { الذي من شيعته } ( (2) ) دالان على كون شيعة موسى ( وهم اليهود ) تمبزوا منذ ذلك الوقت عن شيعة فرعون ، فدل ذلك على أن الشيعة بالنسبة للرجل عصبته ، وقد غرقت شيعة فرعون معه في اليم لإيمانهم بدعوته ، بدلالة : { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } ( (3) ) . وليس من الأسلوب القرآني ذكر جنود ملك ما إلا إذا بلغوا في عداوتهم للإيمان مبلغا عظيما .
وهذا يجرنا إلى صيغة ( يحذرون ) لماذا جاءت بهذه الصيغة في النص ، ونحن نعلن أن الحذر " هو احتراز عن مخيف " وقد كانوا جميعا أي : فرعون وهامان وجنودهما يحذرون مولودا بعينه هو موسى ( - عليه السلام - ) فجاءت الصيغة
( يحذرون ) بدلا من غيرها من الصيغ مثل ( يخشون ) ، لأن الخشية هي خوف أو ( يخافون ) ، فالخوف هو أمر يقع بالمواجهة ، وهم لم يواجهوا موسى ( - عليه السلام - ) ، فكانت صيغة ( يحذرون ) ابلغ في دلالتها من كل دلالة أخرى .
__________
(1) سورة القصص : الآية 15 .
(2) سورة القصص : الآية 15 .
(3) سورة القصص : الآية 6 .

(1/122)


ونحن نجد أن قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا
وحزنا } ( (1) ) يثير سؤالا مهما هو ما دلالة العداوة والحزن في كينونة موسى
( - عليه السلام - ) ولم لم تستخدم أي صفة أخرى مثل ( وبالا وصعوبة ) أو ( كائدا ومعسرا ) والذي أراه والله أعلم أن ذكر المصدر( العدو ) والاسم ( الحزن ) أبلغ من أي تعبير أخر ، لأن التقاط آل فرعون ( وهي صيغة عمومية) بمعنى ذكر الحال بالمآل لموسى ( - عليه السلام - ) وهو رضيع في أيامه الأولى لا يحمل يومذاك لهم أي معنى بأن هذا الصغير سيكون سبب عسرهم ( الحزن ) وسيكون عدوا لهم ( كل العداوة ) في سبيل الله جل جلاله . ولو قيل : ( ليكون لهم وبالا ) أو( كائدا ) أو ( معسرا ) لم يكن كذلك ذا معنى ، لأن كل ذلك لا يمكن أن يتحقق من طفل صغير رضيع فكانت صيغة ( عدوا وحزنا ) هنا دالة على أنه سيعاديهم هم وليكون حزنهم هم دون سواهم ، فكانت هذه الصيغة أبلغ في حد ذاتها مما لو استخدمت ألفاظ الآية أي مجموعة أخرى من الصفات ، واللام في هذه الآية تدل على أنها لام التعليل ، أو لام كي( (2) ) . ومما يؤيد هذا المعنى الذي ذكر ليكون موسى عدوا خاصا لهم تقديم الجار والمجرور ( لهم ) من عدوا وحزنا ، فهذا التقديم أفاد الاختصاص .
وقوله تعالى : { فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون } ( (3) ) يدل على أن الإعجاز القرآني إنما كان في استخدام لفظة ( يشعرون ) ونفيهما بـ( لا ) لأن الشعور هو ( العلم الدقيق ) ( (4) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 8 .
(2) الكشاف : 3 /166. مفاتيح الغيب : 12 /228. الجامع لأحكام القرآن : 6 / 4968 .
(3) سورة القصص : الآية 11 .
(4) ينظر جامع البيان : 1 0/38 . معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 269 . مفاتيح الغيب : 12 /230.

(1/123)


و ( لا يشعرون ) أي لا تدركون بالحواس ودلالة ( لا يشعرون ) في هذا الموضع أبلغ من أية دلالة أخرى مثل لا يعلمون لأن العلم متحقق بعد وجود شيء ما معروف في العقل وليس الشعور بشيء مادي ، بل هو شيء معنوي دقيق كل الدقة كخبر ولادة موسى ( - عليه السلام - ) ، وكونه بين ظهراني قوم فرعون ، وأما دلالة (يعقلون) هاهنا فقد تكفل بهما وببيانهما الراغب الأصبهاني إذ قال :
" ولو قال في كثير مما جاء فيه ( لا يشعرون ) لا يعقلون لم يكن يجوز ، إذ كان كثير مما لا يكون محسوسا قد يكون معقولا "( (1) ) ، والشعور إحساس ، والعقل معرفة ونحن نرى أن هذه الآيات كذلك ، وهو يوافق ما ذهبنا إليه آنفا ، لأن المعنى هو أن عدم شعورهم يعني انهم لم يحسوا بلهفتها عليه ، ولو قيل : إنهم لا يعقلون لكان المعنى أنهم لا عقل لهم قط .
ونحن نجد أن قوله تعالى : { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } ( (2) ) يثير سؤالا هو : لماذا جاءت الصيغة القرآنية( يستصرخه ) هكذا ، ولم تجيء في الاستخدام أية صيغة أخرى مثل ( يستنجده ) ، أو ( يستغيثه ) ، أو ( يستنصره ) ؟
والجواب عن ذلك هو أن أية صيغة أخرى إذا ما وضعت موضع كلمة
( يستصرخه ) لا يمكن أن تدل على المضمون الذي دلت عليه الصيغة القرآنية ، فلو قلنا ( يستنجده بالأمس ) دل ذلك على طلب النجدة ولم يكن ذلك حال الرجل . ولو قلنا : ( يستغيثه ) لم يكن ذلك الاستخدام مناسبا ، فطلب الغوث دعاء من قريب لبعيد ، وليس ذلك واقع الحال ، لأنهم كانوا جميعا في مكان واحد .
__________
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 12 /230 .
(2) سورة القصص : الآية 18 .

(1/124)


فكانت كلمة ( يستصرخه ) في مبناها القوي الصياغة أوفى بالمراد إذ فيها الحروف القوية ( الصاد ، والخاء ) جرسيا ، وفي معناها إذ نتخيل رجلا يسترعي الانتباه من صراخه بأن يجيء له موسى ( - عليه السلام - ) وهي المعبرة كل التعبير عن حال الرجل ، لأن المعركة بين الإسرائيلي والقبطي لم تكن في علم موسى ( - عليه السلام - ) ( (1) ) .
ونحن كذلك نجد في سورة القصص أن قوله تعالى : { تمشي على استحياء } ( (2) ) وهي من الآيات البليغة التي عدها قدامى المفسرين من الآيات المعجزة كل الإعجاز ، يحمل في طياته تساءلا .. لماذا استخدم القرآن الكريم المصدر المزيد بأحرف الزيادة ( استحياء ) ، ولم يستخدم ألفاظ أخرى مثل ( تمشي على حياء ) ، أو ( تمشي على خجل ) أما استخدام ( حياء ) فإن المصدر المزيد أبلغ في دلالته من المصدر العادي ، لأن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني ، على ما قاله اللغويون ، فناسبت شدة الحياء أن يجاء لها بمصدر مزيد ( استحياء ) . أما الخجل فإنه أخص من الحياء الذي هو أعم ، فالخجل يكون من أمر معين ، أما الحياء فإنه خصلة في الذات ، وهو إحدى شعب الإيمان ، لذلك كان استخدام النكرة المصدرية المزيدة ( استحياء ) أبلغ من أي استخدام أخر . وإن استخدام صيغة ( استفعل ) تدل على الطلب فكأنها تريد أن تثير في مقابلها هذه الخصلة الشريفة( (3) ) .
__________
(1) ينظر مفاتيح الغيب : 12/ 236. الجامع لأحكام القرآن : 6/ 980 . البحر المحيط : 7/ 110 .
(2) سورة القصص : الآية 25 .
(3) ينظر مفاتيح الغيب : 12 /240. البحر المحيط : 7 / 114 .

(1/125)


وقوله تعالى : { واضمم إليك جناحك من الرهب } ( (1) ) يثير في النفس سؤالا هو : لماذا جاءت الصيغة القرآنية بالمصدر ( الرهب ) ، وهي صيغة استعيرت من فعل الطائر ، لأنه إذا خوف نشر جناحيه ، ولم تجيء مثلا على صيغة ( الخوف ) ، أو ( الخشية ) ، أو ( التوجس ) ، أو أية صيغة من صيغ العموم ؟
والذي أراه ، والله أعلم بالصواب ، أن دلالة استخدام أي مصدر أخر غير
( الرهب ) لا يمكن أن تكون له في نفس المقام الذي جاءت به . فلو قيل : ( من الخوف ) لم يكن للخوف ، وهو معادل لفظي للجبن ، أية دلالة ، ولو قيل : ( من الخشية ) ، وهي لفظة تدل على ذات نفسية غير مطمئنة لم يكن لها أية دلالة ، ولأن المراد الإلهي ، والله أعلم بالصواب إنما كان أن يضمم موسى ( - عليه السلام - ) جناحه (يديه) من رهبته من الموقف الذي تلقى فيه الوحي دون الخوف الذي تقدم في قوله تعالى : { أقبل ولا تخف } ( (2) ) والأوامر الإلهية بعد صدورها متحققة كما هي القاعدة المعروفة ، كان استخدام صيغة ( من الرهب ) هو الأبلغ في دلالته ، فاستعارة صورة الطائر صور لنا دقة حال سيدنا ( - عليه السلام - ) ، فكأنه من حذره صار كالطائر الذي يتوجس من كل شيء ( (3) ) .
وقد يسأل سائل : لماذا قال تعالى : { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } (4) ، وليس هناك أحد يدعو إلى النار ؟
قلنا : إن هذه الصيغة جاءت وفيها فائدتان :
__________
(1) سورة القصص : الآية 32 .
(2) سورة القصص : الآية 31 .
(3) ينظر الكشاف : 3/ 175. مفاتيح الغيب : 12 /247 . الجامع لأحكام القرآن : 6 /5000 .
(4) سورة القصص : الآية 41 .

(1/126)


الفائدة الأولى ـ غن النار هنا بتأويل ما سيكون ، أي : إنهم يدعون لما يؤدي إلى النار في خاتمتهم ، وهو كقوله تعالى : { أعصر خمرا } ( (1) ) ، والخمر لا تعصر بل العنب هو الذي يعصر ، ولكنه بما أنه سيكون العنب خمرا قيل : { أعصر خمرا } ورأي أبي مسلم أن " النار هنا بمعنى التقدم نحو النار "( (2) ) ، فهو بتأويل ما سيكون .
الفائدة الثانية ـ إن الصيغة القرآنية لو جاءت بلفظ ( يدعون إلى الضلال ) مثلا ، لم تكن معبرة عن دعوة فرعون وجنوده ، وكذا لو جاءت بلفظ ( يدعون إلى الكفر ) لكان المعنى أنهم في كفرهم يدعون إلى كفر ، وهكذا على التوالي ، فجاءت صيغة { يدعون إلى النار } لتدل على المعنى الذي أريد لها أن تجيء به ، وهو ما زاد النص القرآني جمالا على جمال( (3) ) . وارى أن الدعوة إلى النار بمعنى الكينونة في النار .
__________
(1) سورة يوسف : الآية 36 .
(2) ينظر مفاتيح الغيب : 12 /254. الجامع لأحكام القرآن : 6 /5005 .
(3) ينظر مفاتيح الغيب : 12/ 254 . الجامع لأحكام القرآن : 6 /5005 .

(1/127)


وأما قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } ( (1) ) ، فإن السؤال الذي قد يثار ، هو عن دلالة قوله تعالى : { بصائر } ، والبصائر جمع بصيرة ، بمعنى العبرة ـ كما قال الراغب الأصفهاني ـ ودلالة العبر هاهنا أبلغ من أية دلالة أخرى ، فمعنى الآية إذا ما حللناها هو أن التوراة أنزلت على موسى ( - عليه السلام - ) عبرة للناس وهدى ورحمة ، أما دلالتها ( أي كلمة بصائر ) فهي أن في التوراة عبرا بالجمع ، وليس عبرة بالإفراد ، لأنها قد حوت على أحكام ومواعظ وقصص ، وقد جمعت البصائر ، والله أعلم لدلالة العبر البليغة وكونها أكثر في التعبير القرآني معنى مما لو جاءت بلفظ أخر مثل ( دلائل ) ، أو ( معالم ) ، أو أي جمع أخر . فلو قيل :
( دلائل ) لم تدل هذه الكلمة إلا على كون التوراة علامات ، لأن الدليل هو العلامة ، ولو قيل : ( معالم ) لكان المعنى إشارات ، لأن المعلم هو الإشارة ، أما لفظة
( بصائر ) فدلت على أن المعنى هو العبر تلو العبر( (2) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 43 .
(2) ينظر جامع البيان : 10 /76. معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 47. مفاتيح الغيب : 12/ 255. الجامع لأحكام القرآن : 6 /5007 .

(1/128)


وأما قوله تعالى : { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين * فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون } ( (1) ) . فإن سؤالا قد يتبادر هنا عن دلالة
( عميت ) دون سواها من الصيغ ، لأن إسناد المعنى لتاء الضمير الخاص بالمذكورين آنفا يدل على حقيقة العمى عن رد السؤال ، ولو جاءت الصيغة بلفظ
( فذهبت عنهم الأنباء ) لم يكن ذلك دالا على أي شيء ، فذهاب الأنباء عن قوم يحتمل ردهم لجوابهما ، ولو قيل : ( فغادرت عنهم الأنباء ) لكان كذلك ، والمعنى أن حال الكفار والمشركين الظالمين يوم القيامة عند سؤالهم سؤال توبيخ ، هو العمى الكامل حتى عمى الإجابة ، ويفسر هذا المعنى القرآن الكريم في آية أخرى هي قوله تعالى : { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } ( (2) ) وهذا هو المعنى بعينه في الوصف القرآني ، فدل ذلك على أن المعنى هو هو في الحالتين يوم القيامة ، ولكن الأسلوب القرآني هو إعادة المعنى بأكثر من صيغة أسلوبية لإبراز أوجه الإعجاز في القرآن الكريم ، وقد أشار الطبري إلى غياب الحجة عنهم عند السؤال يوم القيامة فقال : " وإنما عني بذلك أنهم عميت عليهم الحجة ، فلم يدروا ما يحتجون لأن الله تعالى قد كان ابلغ إليهم في المعذرة "( (3) ) . وهذا يوافق ما ذهبنا إليه .
__________
(1) سورة القصص : الآية 65 – 66 .
(2) سورة الإسراء : الآية 72 .
(3) جامع البيان : 10 /94 . معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 360 .

(1/129)


ونجد في قوله تعالى : { ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر } ( (1) ) يحمل صيغة قرآنية ذات دلالة خاصة في عموميتها البلاغية وقد يسأل سائل : لماذا لم تجيء الصيغة بلفظة ( أمما ) ، أو ( طوائف ) أو ( شعوبا ) ، أو ( أناسا ) بدل ( قرونا ) ؟
والجواب والله أعلم : إن دلالة ( قرونا ) في موضعها أبلغ مما لو قيل ( أمما ) لأن الأمم هي المجموعات من الناس ، والطوائف هي أناس بعينهم ، والشعوب مجموعات غير متجانسة ، والأناس ، جمع ناس ، وهم المجموعة ذات السمات المميزة ، أما صيغة ( قرونا ) فتحمل كل تلك المعاني مجتمعة في لفظها ، ولأن القرآن الكريم يستخدم الألفاظ القصيرة التي تدل على المعاني العديدة ، فاستخدم القرآن الكريم لفظة ( قرونا ) بدل أية صيغة أخرى ، وتلك خصيصة من خصائص النص القرأني ، والآية تحمل معنى تقدم ذكر رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) . وتطاول العمر مشعر بتقادم ذكر رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ( (2) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 45 .
(2) ينظر الجامع لأحكام القرآن : 6 /5706 .

(1/130)


وفي قوله تعالى : { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } ( (1) ) تسائل عن ماهية دلالة ( بطرت ) بدل كل الصيغ الأخرى التي ترادفها ، مثل ( كفرت ) ، أو
( بغت في ) ، أو ( عتت ) ، أو ( طغت في نعمتها ) ؟ والجواب عن ذلك والله أعلم : إن صيغة ( كفرت معيشتها ) لا تحمل دلالة البطر لأن الفرق بين الكفر ـ وهو إخفاء الشيء ـ والبطر ـ وهو التكبر على الشيء ـ واضح بين ، ولو جاءت الصيغة ( بغت في معيشتها ) لم تدل على البطر . ولو قيل : ( عتت في معيشتها ) لم تكن الصيغة دالة على معنى البطر مع دلالة انتصاب الفعل ، لذلك كانت صيغة ( بطرت ) أوضح كل الوضوح من أية صيغة أخرى( (2) ) .
أما قوله تعالى : { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون } ( (3) ) فإن سؤالا قد يثار في معنى كلمة ( سرمدا ) المنصوبة مفعولا به ، هو : لماذا جاءت هذه الصيغة هاهنا بهذا اللفظ دون سواه ؟
والذي أراه والله أعلم أن دلالة السرمد بمعنى ( الدائم ) أبلغ من أية دلالة أخرى ، فالسرمد هو الدائم غير المنقطع ، ولو استخدمت أية صيغة أخرى لم تدل على ما دلت عليه هذه الصيغة في مبناها ومعناها . فلو قيل بدلها : ( دائما ) فإن الدوام هو البقاء ، ولكنه لا يعطي المعنى الذي يعطيه معنى كلمة ( سرمد ) الذي يفيد الاستمرارية .
__________
(1) سورة القصص : الآية 58 .
(2) ينظر مفاتيح الغيب : 13/ 6 .الجامع لأحكام القرآن : 6 /5017 .
(3) سورة القصص : الآية 71 .

(1/131)


وقد بين الطبري ، والقرطبي المعنى نفسه ، ففسرا السرمد بمعنى الدائم ، ونحن نرى أن معنى الآية هو امتنان الله عز وجل على الناس جميعا بكون الليل والنهار ليسا سرمديين " أي : ليسا دائمين ، وقد تكررت كلمة ( سرمد ) في الموضعين في ذكر الليل والنهار ، لأن العرب تبدأ اليوم بالليل قبل النهار ، ليكون أبلغ في التعبير البياني عن فضل الله عز وجل( (1) ) .
وأما قوله تعالى : { ونزعنا من كل أمة شهيدا } ( (2) ) فإنه يثير سؤالا مهما جدا ، هو لماذا جاءت كلمة ( شهيد ) هاهنا وهي بمعنى النبي في هذا المقام دون صيغة نبي أو رسول ، مع أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالشهيد هنا هو النبي الذي يشهد على قومه بما فعلوه ؟
قال الطبري في تفسير هذه الآية : " أي وأحضرنا من كل جماعة شهيدها وهو نبيها الذي يشهد عليها بما أجابته أمته فيما أتاهم به عن الله من الرسالة "( (3) ) .
وقيل : " أي نبيا عن مجاهد . وقيل : هم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا "( (4) ) .
ونحن نرى أن دلالة النبوة والرسالة في موضعها تفهم من خلال سياق معنى الآية لأن الآية تدل على أن الأمم يوم القيامة ينزع من كل منها نبيها يشهد على ما فعلوه عند دعوته لهم .
__________
(1) ينظر الكشاف : 3 /189. جامع البيان : 10 /98. معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 236
(2) سورة القصص : الآية 75 .
(3) جامع البيان : 10 /89.
(4) مفاتيح الغيب : 13 /13.

(1/132)


ولو جاءت الصيغة ( نبيا ) لم تدل على الشهادة النبوية ، لأن النبوة مقام لا يدل في معناه على النزع ، وقد جاءت الصيغة ( نزعنا ) وهي تدل على الأخذ ، ولا يليق موضع النبوة والرسالة بصيغة ( نزعنا ) لأن النص لو جاء بصيغة نزعنا من كل أمة نبيا لما كان في النص من معنى سوى ما فيه من أخذ الأنبياء . والقرآن ينقل النصوص في حالة تغير المعاني من معنى إلى أخر ليهذبها ، فجاءت الصيغة كما تقدم ، وهي وجه من وجوه الإعجاز القرآني في تبديل الصيغ والأساليب( (1) ) .
إن ما تقدم كان محاولة لاستعراض بعض كلمات وصيغ سورة القصص وتحليلها وفق نظام الصيغ القرآنية وبدائلها اللغوية ، ولعلنا حاولنا محاولة في الصياغة اللغوية .

المطلب السابع:
الرسم القرآني في سورة القصص وعلاقته بأداء المعنى
أجمع القدماء على أن هنالك خطان لا يقاس عليهما :
خط المصحف .
خط العروض( (2) ) .
ولكن قوما ممن بلغوا في العربية والتفسير مبلغا كبيرا أجمعوا على أن رسم المصحف يمثل تطورا كبيرا في أداء المعنى( (3) ) ، وأنه إنما كتب ورسم بلسان وأحرف قريش لغابات معنوية مهمة كل الأهمية ، وتروي الرواية الشهيرة عن جمع القرآن :
(( وقال عثمان ( - رضي الله عنه - ) للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم )) ( (4) ) .
__________
(1) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 274 .
(2) ينظر في اللغة والنحو . د . طه إبراهيم ، الطبعة الأولى ، مصر ، 1985 م : 21 -22.
(3) صحيح البخاري : 6 /224 .
(4) صحيح البخاري : 6 /224 .

(1/133)


مما يدل على أن فعل عثمان ( - رضي الله عنه - ) ، " وفعله حجة في بابه على ما هو مشهور من حجية قول الصحابي "( (1) ) ، إنما يبين كيف أن بعض صور الرسم للخط القرآني لا يمكن فهمها إلا بكتابتها ورسمها بلسان قريش .
ولا ريب أن مسألة القرآن بالأحرف السبعة امتزجت في بعض الحالات بظواهر الرسم القرآني على رأي طائفة من العلماء الذين ذهبوا إلى أن الأحرف السبعة موجودة في اللفظ والصوت القرآني وهو رأي مشهور ( (2) ) .
وقد ألف قوم كثيرون في رسم الخط المصحفي القرآني وما فيه من فوائد( (3) ) ، وقد بين القدماء أن من الواجب التزام ظواهر الرسم المصحفي في كتابة المصاحف ، وجعلوا خط المصاحف خاصا بها( (4) ) .
وقد ذكر الزمخشري في الكشاف أن : " خط المصحف سنة لا يتغير "( (5) ) .
وقد علل كثير منهم ظواهر الرسم بعلل لغوية أو نحوية أو بيانية ، وبينوا أوجه بعض أشكال الرسم بيانيا( (6) ) . ويقول ابن قتيبة : " وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها "( (7) ) .
__________
(1) المستصفى من علم الأصول . محمد بن محمد الغزالي أبو حامد . ( 450 ـ 505 ) . تحقيق : محمد عبد السلام عبد الشافي . دار الكتب العلمية . بيروت . ط1 . 1413 هـ . : 2 /115.
(2) تأويل مشكل القرآن : ص 30. جامع البيان : 1/47 –48 و 57-58.
(3) ينظر رسم المصحف : 168 .
(4) همع الهوامع شرح جمع الجوامع . جلال الدين عبد الرحمن السيوطي الشافعي . ت 911هـ . دار المعرفة . بيروت . لبنان . 1327 هـ . مصورة عن ط1 . بولاق . مصر : 2 / 243 .
(5) الكشاف : 3 /209 .
(6) المحكم في نقط المصاحف . عثمان بن سعيد الداني أبو عمرو . ( 371 ـ 444 ) . تحقيق : د . عزة حسن . دار الفكر . دمشق . ط1 . 1407 هـ : ص 196 .
(7) تأويل مشكل القرآن : ص 40 –41 .

(1/134)


ويقول ابن خلدون : " ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها ( أي المصاحف ) تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وخير الخلق من بعده ، المتلقون لوحيه من كلام الله تعالى وكلامه … "( (1) ).
ثم يذكر بعض ما يتعلق بعلاقة الرسم القرآني بأداء المعنى استنادا للخط فيقول ناقلا : " ويقولون في مثل زيادة الألف في ( لا أذبحنه ) ( (2) ) أنه نبع على أن الذبح لم يقع . وفي زيادة الياء في ( بأييد ) ( (3) ) أنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك "( (4) ) .
وقد ذكر القدماء أن من صور اختلاف الرسم ما يكون لاختلاف المعنى( (5) ) ، وكان ممن أولع بذلك المراكشي ـ على ما نقله القسطلاني رحمه الله ـ( (6) ) . ونحن في هذا المطلب سنحاول أن نعلل تعليلا معنويا بعض صور الرسم في سورة القصص لأننا نعد ذلك ذا فائدة في إيضاح بعض معاني هذا السورة .
ونحن نجد من صور رسم المصحف في هذه السورة :
1. ءايت :
إذ رسمت الهمزة مستقلة وحذفت الألف بعد الياء . ولعل ذلك يدل على كمال الجمع في كون تقديم الهمزة مشعر بذلك .
2. يستحي :
إذ رسمت بياء واحدة ، وكان حقها أن ترسم بيائين ، ولعل ذلك يدل على شدة المبالغة في الإبقاء على النساء دون الرجال .
3. ءال :
__________
(1) مقدمة ابن خلدون . عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي . ت 808 هـ . دار القلم . بيروت . ط5 . 1984 م : ص 757 و 791.
(2) سورة النمل : الآية 21 .
(3) سورة الذاريات : الآية 47 .
(4) المصدر نفسه : ص 758 .
(5) ينظر رسم المصحف : 223 .
(6) لطائف الإشارات لفنون القراءات . للإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد القسطلاني . 851 هـ ـ ت 923 هـ . تحقيق : عامر السيد عثمان . د. عبد الصبور شاهين . طبع المجلس العلمي للشؤون الإسلامية . القاهرة . 1972 م : 283 –284 .

(1/135)


إذ رسمت همزة بدل علامة المد على الألف . ولعل ذلك للدلالة على أن هؤلاء الآل غير الصالحين ، لأن الهمزة حرف تقليل أحيانا( (1) ) .
4. امرأت :
إذ رسمت بتاء طويلة بدل التاء المدورة ، ولعل ذلك ليدل على كمالها ـ رضي الله عنها ـ لأن التاء الطويلة تدل على الكمال والعظمة .
5. يموسى :
إذ رسمت ياء النداء بغير ألف ، ولعل ذلك للدلالة على سرعة النداء والخطاب في الحالتين( (2) ) .
6. استئجره :
إذ رسمت الهمزة على كرسي ، واستئجرت إذ رسمت الهمزة كذلك ، ولعل ذلك للدلالة على مبالغتها وحرصها على طلب إجارة موسى ( - عليه السلام - ) لحاجتها وأختها لحمايته ، فجاء الرسم القرآني بهذه الصيغة مشعرا بذلك .
7. ءانس :
إذ رسمت الهمزة لوحدها ، ولعل ذلك لبيان شدة أنسه بالنار التي رآها .
8. فذنك :
إذ رسمت بغير ألف .
ولعل ذلك للدلالة على اسم الإشارة ، وكونه موجها للبراهين الإلهية .
9. يهمن :
إذ رسمت بكرسي ياء بدل الألف ، ولعل ذلك للدلالة على استعجال فرعون في ندائه لهامان .
10 . ما اتهم :
إذ رسمت بكرسي بدل الألف ، ولعل ذلك يتوجه لعدم مجيء النذير لهم من قبل .
11. سحران :
إذ رسمت بصيغة تقرأ بها بعدة قراءات ، ولعل ذلك لكي يتوجه النص لعدة آفاق من القراءات ، وبذلك إما للإشارة إلى موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ ( ساحران ) ، أو موسى ومحمد ـ عليهما الصلاة والسلام ـ . وأما للإشارة إلى سحر معه سحر ، أي سحر موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ ، وكل ذلك مما يفتح آفاق متعددة للنص .
12 . شركاءي :
__________
(1) لقد رسمت في بعض المصاحف ( سلام على آل ياسين ) بألف ممدودة للتكريم ، كما في الكشاف : إذ قال : " وأما من قرأ آل ياسين اسم أبي إلياس أضيف إليه الآل " . الكشاف : 3/ 353 –353 .
(2) أي الآية 29 و 30 من سورة القصص .

(1/136)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية