صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ حجة القراءات - ابن زنجلة ]
الكتاب : حجة القراءات
المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة أبو زرعة
الناشر : مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة الثانية ، 1402 - 1982
تحقيق : سعيد الأفغاني
عدد الأجزاء : 1

- كتاب حجة القراءات لابن زنجلة

(1/1)


سورة فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر
1 - الفاتحة
مالك يوم الدين 4
قرأ عاصم والكسائي مالك يوم الدين بألف
وقرأ الباقون بغير ألف وحجتهم الملك القدوس و ملك الناس فتعالى الله الملك الحق وكان أبو عمرو يقول أولا تقولون فتعالى الله المالك الحق
وحجة أخرى ذكرها أبو عبيد وهي أن كل ملك فهو مالك

(1/77)


وليس كل مالك ملكا لأن الرجل قد يملك الدار والثوب وغير ذلك فلا يسمى ملكا وهو مالك وكان أبو عمرو يقول ملك تجمع مالكا و مالك لا يجمع ملكا
وحجة أخرى وهي أن وصفه بالملك أبلغ في المدح من وصفه بالملك وبه وصف نفسه فقال لمن الملك اليوم فامتدح بملك ذلك وانفراده به يومئذ فمدحه بما امتدح به أحق وأولى من غيره والملك إنما هو من ملك لا من مالك لأنه لو كان من مالك لقيل لمن الملك بكسر الميم والمصدر من الملك الملك يقال هذا ملك عظيم الملك والاسم من المالك الملك يقال هذا مالك صحيح الملك بكسر الميم
وحجة من قرأ مالك هي أن مالكا يحوي الملك ويشتمل عليه ويصير الملك مملوكا لقوله جل وعز قل اللهم مالك الملك فقد جعل الملك للمالك فصار مالك أمدح وإن كان يشتمل على ما يشتمل عليه الملك وعلى ملكه سوى ما يتلوه 1 / 2 من زيادة الألف التي هي حسنة قد ضمن عنها عشر حسنات والدليل على هذا أن شاعرا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يشكو امرأته فقال
يا مالك الملك وديان العرب

(1/78)


فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم مه ذلك الله
وحجة أخرى وهي قوله يوم لا تملك نفس لنفس شيئا فقد أخبر أنه وإذا كان يملك فهو مالك
وحجة أخرى ذكرها الأخفش وهي أن مالكا يضاف في اللفظ إلى سائر المخلوقات فيقال هو مالك الناس والجن والحيوان ومالك الرياح ومالك الطير وسائر الأشياء ولا يقال هو ملك الريح والحيوان فلما كان ذلك كذلك كان الوصف بالملك أعم من الوصف بالملك لأنه يملك جميع ما ذكرنا وتحيط به قدرته ويحكم يوم الدين بين خلقه دون سائر خلقه
قال علماؤنا إنما يكون الملك أبلغ في المدح من مالك في صفة المخلوقين لأن أحدهم يملك شيئا دون شيء والله يملك كل شيء

(1/79)


اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم 5 و6
قرأ ابن كثير في رواية القواس السراط و سراط بالسين وحجته هي أن السين الأصل ولا ينتقل عن الأصل إلى ما ليس بأصل وروي ان ابن عباس كان يقرؤها بالسين
وقرأ حمزة بإشمام الزاي وروي عنه بالزاي وهي لغة للعرب
وقرأ الباقون بالصاد وحجتهم أنها كتبت في جميع المصاحف بالصاد قال الكسائي هما لغتان
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
قرأ حمزة عليهم وإليهم ولديهم بضم الهاء قرأ ابن كثير ونافع في رواية القاضي عن قالون عنه عليهمو و إليهمو

(1/80)


بكسر الهاء وضم الميم ويصلون بواو في اللفظ
وقرأ الباقون بكسر الهاء وسكون الميم
واعلم أن الأصل في عليهم عليهم بضم الهاء والميم والواو التي بعد الميم والدليل على ذلك أن هذه الهاء للمذكر تضم وتشبع ضمتها فيتولد منها الواو نحو ضربته وإذا فتحت كانت للمؤنث نحو رأيتها وهذه أيضا وإن فتحت فأصلها الضم بدلالة قولك للاثنين رأيتهما وللجماعة رأيتهن وعلامة الجمع في المذكر إلى هذه الهاء هي الميم المضمومة التي بعدها واو كما هي في قولكم ضربتكم وأصله ضربتكمو يتبين لك ذلك إذا اتصل به مضمر آخر ترد معه الواو نحو ضربتكموه ولا تقول ضربتكمه ومنه قول الله عز و جل أنلزمكموها فهذا مما يبين لك أن الأصل عليهمو بضمتين وواو
وحجة من قرأ عليهم بضم الهاء وسكون الميم أن أصلها الضم فأجري على أصل حركتها وطلب الخفة بحذف الواو والضمة فأتى بأصل هو ضم الهاء وترك أصلا هو إثبات الواو وضم الميم وأما من قرأ عليهم فإنه استثقل ضمة الهاء بعد الياء فكسر الهاء لتكون الهاء محمولة على الياء التي قبلها والميم مضمومة للواو التي بعدها فحمل كل حرف على ما يليه وهو أقرب إليه

(1/81)


وحجة الباقين أن الهاء إذا وقعت بعد ياء أو كسرة كسرت نحو به وإليه وعليه وإنما اختير الكسر على الضم الذي هو الأصل لاستثقال الضمة بعد الكسرة ألا ترى أنه قد رفض في أصل البناء فلم يجئ بناء على فعل مضمومة العين بعد كسر الفاء وأما حذف الواو فلأن الميم استغني بها عن الواو والواو أيضا تثقل على ألسنتهم فإذا لقيت الميم ألف ولام فإنهم مختلفون مثل عليهم الذلة و بهم الأسباب فقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم وقرأ حمزة والكسائي بضمهما وقرأ الباقون بكسر الهاء وضم الميم وإنما كسروا الهاء لمجاورة الياء والكسرة وإنما رفعوا الميم لأنهم لما احتاجوا إلى تحريكها من أجل الساكن الذي لقيته رد عليها الحركة التي كانت لها في الأصل وهي الضم لأن أصل الميم الضم وقد بينا فيما تقدم
وأما أبو عمرو فإنه لما غير الهاء عن أصلها كراهية الثقل فعل ذلك في الميم حين أراد تحريكها للساكن بعدها فأتبع الميم كسر ما قبلها كراهية أن يخرج من كسر إلى ضم فأتبع الكسر الكسر ليؤلف بين الحركات عند حاجته إلى تحريك الميم
وحجة من ضم الهاء والميم هي أن الميم لما احتيج إلى تحريكها من أجل الساكن رد عليها الحركة التي كانت في الأصل وهي الضم فلما انضمت الميم غلبت على الهاء وأخرجتها في حيز ما قبلها من الكسر فرجعت الهاء إلى أصلها

(1/82)


2 - سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم
ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين 2
قرأن ابن كثير فيهي وعليهي بإشباع الهاء يصلها بياء وحجته أن أصلها فيهو وعليهو ثم قلبوا الواو ياء للياء التي قبلها وكسروا الهاء فصارت فيهي وعليهي وقرأ ايضا فقلنا اضربوهو ومنهو بإشباع الهاء يصلها بواو على أصلها
قرأ الباقون فيه و عليه من غير إشباع وحجتهم أن الكسرة تنوب عن الياء وتدل عليها وكذلك الضمة قال أهل البصرة إنما حذفت الياء لسكونها وسكون الياء التي قبل الهاء لأن الهاء ليست بحاجز حصين فكأن الساكن قبلها ملاق للساكن الذي بعدها فتحذف الياء ألا ترى أنها إذا تحرك ما قبلها لم تحذف منها الياء نحو أمه وصاحبته لأن ما قبلها متحرك فليس يجتمع ساكنان
قرأ أبو عمرو فيه هدى وقيل لهم بالإدغام وقرأ الباقون بالإظهار

(1/83)


وحجة أبي عمرو أن إظهار الكلمتين كإعادة الحديث مرتين فأسكن الحرف الأول وأدغمه في الثاني ليعمل اللسان مرة واحدة وشبه الخليل ذلك بالمقيد إذا رفع رجله في موضع ثم أعادها إليه ثانية قال والذي أوجب الإدغام هو أنه يثقل على اللسان رفعه من مكان وإعادته في ذلك المكان أو فيما يقرب منها وشبه غيره بإعادة الحديث مرتين
وأما من أظهر فإنه أتى بالكلام على أصله وأدى لكل حرف حقه من إعرابه لتكثر حسناته إذ كان له بكل حرف عشر حسنات
الذين يؤمنون بالغيب 3 3
قرأ أبو عمرو وورش عن نافع يومنون بغير همز وكذلك يأكلون ويومرون وحجتهما في ذلك ثقل الهمز وبعد مخرجها وما فيها من المشقة فطلب من تخفيفها ما لم يطلب من تخفيف ما سواها ولهذا قيل النطق بها كالتهوع
وورش يترك أيضا الهمزة المتحركة مثل لا يواخذكم و لا يوده وأبو عمرو يهمز

(1/84)


وحجته أن الهمزة الساكنة أثقل من المتحركة وذلك أن تخرج الهمزة الساكنة من الصدر ولا تخرج إلا مع حبس النفس والهمزة المتحركة تعينها حركتها وتعين المتكلم بها على خروجها فلذلك همز أبو عمرو المتحركة وترك الساكنة وترك أيضا ورش ما كان سكونها علامة للجزم نحو إن نشأ وتسؤهم وهمز أبو عمرو وحجته في ذلك أن الكلمة قد سقط منها حرف قبل الهمزة لسكونها وسكون الهمزة وهو الألف من نشاء والواو من تسوؤهم وسقطت حركة الهمزة للجزم فلو أسقط منها الهمزة لكان قد أسقط من الكلمة ثلاثة اشياء الهمزة وحركتها والألف فيخل بالكلمة
والذين يؤمنون بما أنزل إليك وعلى أبصارهم غشاوة
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بما أنزل إليك و على أبصارهم لا يمدون حرفا لحرف وهو أن تكون المدة من كلمة والهمزة من أخرى وحجتهم في ذلك أنهم أرادوا الفرق بين ما المدة فيه لازمة لا تزول بحال وبين ما هي فيه عارضة قد تزول في بعض الأحوال نحو بما أنزل إليك فإنها تزول عند الوقف والتي لا تزول نحو دعاء ونداء وبناء وسماء فجعلوا ذلك فرقا بينهما
وقرأ ابن عامر والكسائي مدا وسطا ومد حمزة وعاصم مدا

(1/85)


مفرطا وحجتهم في ذلك أن المد إنما وجب عند استقبال الهمزة سواء كانت الهمزة من نفس الكلمة أو من الأخرى إذا التقتا لأنه لا فرق في اللفظ بينهما
سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون
قرأ نافع وأبو عمرو آنذرتهم آنت يهمزان ثم يمدان بعد الهمزة وتقدير هذا أن تدخل بين ألف الإستفهام وبين الهمزة التي بعدها ألفا ليبعد المثل عن المثل ويزول الإجتماع فيخف اللفظ والأصل أأنذرتهم ثم تلين الهمزة في أنذرتهم
وحجتهما في ذلك أن العرب تستثقل الهمزة الواحدة فتخففها في أخف أحوالها وهي ساكنة نحو كاس فإذا كانت تخفف وهي وحدها فإن تخفف ومعها مثلها أولى
وقرأ ابن كثير أنذرتهم بهمزة واحدة غير مطولة ومذهبه أن يحقق الأولى ويخفف الثانية وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة أأنذرتهم أأنت بهمزتين وحجتهم في ذلك أن الهمزة حرف من حروف المعجم كغيره من سائر الحروف صحا بالجمع بينهما نحو ما يجتمع في الكلمة حرفان مثلان فيؤتى بكل واحد منهما صحيحا على جهته من غير تغيير كقوله أتمدونن بمال ولعلكم تتفكرون ونظائر ذلك فلا يستثقل اجتماعهما بل يؤتى بكل واحد منهما فجعل الهمزتين كغيرها من سائر الحروف

(1/86)


قرأ أبو عمرو والكسائي وورش على ابصارهم و قنطار و دينار بإمالة الألف وحجتهم في ذلك أن انتقال اللسان من الألف إلى الكسرة بمنزلة النازل من علو إلى هبوط فقربوا الألف فإمالتهم إياها من الكسر ليكون عمل اللسان من جهة واحدة وقرأ الباقون أبصارهم بغير إمالة وحجتهم في ذلك أن باب الألف هو الفتح دون غيره وأن ما قبل الألف لا يكون أبدا إلا مفتوحا لأنه تابع لها فتركوها على بابها من غير تغيير وما يخدعون إلا أنفسهم
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وما يخدعون إلا أنفسهم بالألف واحتج أبو عمرو بأن قال إن الرجل يخادع نفسه ولا يخدعها قال الأصمعي ليس أحد يخدع نفسه إنما يخادعها
وقرأ أهل الشام والكوفة وما يخدعون بغير ألف وحجتهم في ذلك أن الله أخبر عن هؤلاء المنافقين أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر فأثبت لهم مخادعتهم الله والمؤمنين ثم يخبر عنهم عقيب ذلك أنهم لا يخادعونه ولا يخادعون إلا أنفسهم فيكون قد نفى عنهم في آخر الكلام ما أثبته لهم في أوله ولكنه أخبر أن المخادعة من فعلهم ثم إن الخدع إنما يحيق بهم خاصة دونه
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا و لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون

(1/87)


قرأ حمزة فزادهم الله بالإمالة وكذلك جاء و شاء و خاب و حاق و خاف و طاب و ضاق و زاع ودخل ابن عامر معه في جاء و شاء و فزادهم الله وحجتهما في ذلك أن فاء الفعل منها مكسورة إذا ردها المتكلم إلى نفسه نحو زدت و جئت و طبت ولهذا قرأ حمزة فلما زاغوا بالإمالة أزاع الله بالفتح لأن فاء الفعل مفتوحة تقول أزغت وكذلك فأجاءها المخاض بغير إمالة لأنك تقول أجأت وقرأ الباقون جميع ذلك بغير إمالة على أصل الكلمة وحجتهم في ذلك أن أصل كل فعل إذا كان ثلاثيا أن يكون أوله مفتوحا
قرأ عاصم وحمزة والكسائي بما كانوا يكذبون بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد من كذب يكذب تكذيبا أي إنهم يكذبون النبي صلى الله عليه و سلم والقرآن وحجتهم ما روي عن ابن عباس قال إنما عوتبوا على التكذيب لا على الكذب وفي التنزيل ما يدل

(1/88)


على التثقيل ولقد كذبت رسل من قبلك
وحجة أخرى أن وصفهم بالتكذيب أبلغ في الذم من وصفهم بالكذب لأن كل مكذب كاذب وليس كل كاذب مكذبا
وحجة التخفيف أن ذلك أشبه ما قبل الكلمة وما بعدها فالذي قبلها مما يدل على الكذب ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وقال الله ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وما بعدها قوله وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم فقوله وإذا خلوا إلى شياطينهم دلالة على كذبهم فيما ادعوه من إيمانهم وإذا كان أشبه بما قبله وما بعده فهو أولى
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض
قرأ الكسائي وإذا قيل لهم بالإشمام وكذلك يفعل في غيض الماء و سيء و حيل و جيء و سيق و ابن عامر دخل معه في حيل و شيء وسيق ونافع دخل معهما في سيء

(1/89)


وقرأ الباقون جميع ذلك بالكسر وحجتهم في ذلك أن الأصل في ذلك قول و حول و سوئ و سوق و غيض و جيئ فاستثقلت الضمة على فاء الفعل وبعدها واو مكسورة وياء مكسورة فنقلت الكسرة منهما إلى فاء الفعل و قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فقيل في ذلك قيل وحيل وأخواتها
وحجة الكسائي في ذلك أنه لما كان الأصل في كل ذلك فعل بضم الفاء التي يدل ضمها على ترك تسمية الفاعل أشار في أوائلهن إلى الضم لتبقى بذلك دلالة على معنى ما لم يسم فاعله وأن القاف كانت مضمومة باب الهمزتين
باب الهمزتين تلتقيان من كلمتين وهما مختلفتا الإعراب وهما على ستة أوجه وجه منها لم يجئ في القرآن وهي الهمزة المكسورة التي بعدها همزة مضمومة كقولك هؤلاء أمراء وباقيها موجودة في القرآن
1 - فأول ذلك المضمومة التي بعدها المفتوحة كقوله السفهاء ألا تهمز الأولى وتخفف الثانية وتنحو بها نحو الألف
2 - وبعد ذلك المضمومة التي بعدها مكسورة كقوله ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا تهمز الأولى وتنحو بالثانية نحو

(1/90)


الياء من غير أن تكسرها
3 - والثالثة المفتوحة التي بعدها مكسورة نحو قوله أم كنتم شهداء إذ حضر
4 - والرابعة المفتوحة التي بعدها مضمومة كقوله جاء أمة رسولها تهمز الأولى وتنحو بالثانية نحو الواو من غير ضم
5 - والخامسة المكسورة التي بعدها مفتوحة نحو قوله أأمنتم من في السماء أن يخسف تهمز الأولى وتنحو بالثانية نحو الألف فهذا مذهب نافع وابن كثير وأبي عمرو
وحجتهم أن العرب تستثقل الهمزة الواحدة فتخففها في أخف أحوالها وهي ساكنة نحو كاس فتقلب الهمزة ألفا فإذا كانت تخفف وهي وحدها فأن تخفف ومعها مثلها أولى
وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة بهمزتين في جميع ذلك أرادوا التحقيق وتوفية كل حرف حقه من حركته ونصيبه من الإعراب إذ كانت الهمزة حرفا من حروف المعجم يلزمها من الحركة ما يلزم سائر الحروف فجاؤوا بكل همزة من المجتمعتين على هيأتها إرادة التبيين والنطق بكل حرف من كتاب الله على جهته من غير إبدال ولا تغيير فإذا التقتا متفقتي الإعراب وذلك أن تكونا مكسورتين كقوله هؤلاء إن كنتم أو تكونا مفتوحتين كقوله جاء أمرنا أو تكونا مضمومتين كقوله أولياء أولئك فقرأ ابن عامر وأهل الكوفة

(1/91)


جميع ذلك بهمزتين وقد مر الكلام فيه
وورش عن نافع والقواس عن ابن كثير يهمزان الأولى ويلينان الثانية ويشيران بالكسر إليها وفي المتفوحتين يشيران بالفتح إليها وفي المضمومتين يشيران بالضم إليها وأما نافع والبزي عن ابن كثير فيلينان الأولى شبه الياء ويهمزان الثانية وفي المضمومتين شبه الواو وهذا باب تحكمه المشافهة لا الكتابة وفي المفتوحتين يحذفون الأولى بلا عوض
وقرأ أبو عمرو جميع ذلك بهمزة واحدة حذف إحداهما واكتفى بالأخرى عنها وها هنا خلاف آلمحذوفة هي الأولى أم الثانية
فمن حجة من يقول الثانية أنها هي التي جلبت معظم الثقل فكان الحذف فيها أوجب لأن الأولى لو انفردت لما وجب حذفها ولما جاز وحجة من يقول الأولى هي المحذوفة هي أن الأولى وقعت في الكلمة آخرا والثانية وقعت في كلمتها أولا والأواخر أحق بالإعلال من الأوائل ألا ترى أن هذه الهمزة إذا وقف الإنسان على جاء وعلى هؤلاء فإنها تسقط عند الوقف فالأولى إذا أحق بالإسقاط من الثانية

(1/92)


وهو بكل شيء عليم
وقرأ أبوعمرو ونافع في رواية إسماعيل وقالون والكسائي وهو بكل لهو فهي ساكنة الياء
وحجتهم أن الفاء مع هي و هو قد جعلت الكلمة بمنزلة فخذ وفخذ فاستثقلوا الكسرة والضمة فحذفوها للتخفيف
وقرأ الباقون فهو فهي بالتثقيل على أصل الكلمة وذلك أن الهاء كانت متحركة قبل دخول هذه الحروف عليها فلما دخلت هذه الحروف لم تتغير عما كانت عليه من قبل
قال إني أعلم ما لا تعلمون
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو إني أعلم بفتح الياء وقرأ الباقون بإسكان الياء فأما من فتح الياء فعلى أصل الكلمة وذلك أن الياء اسم المتكلم والاسم لا يخلو من أن يكون مضمرا أو مظهرا فإذا كان ظاهرا أعرب وإذا كان مضمرا بني على حركة كالكاف في ضربتك والتاء في قمت وكذلك الياء وجب أن تكون مبنية على حركة لأنها علامة إضمار وهي خلف من المعربة والدليل على ذلك قوله وما أدراك ماهيه حسابيه لأن الهاء إنما أتي بها للسكت لتبين بها حركة ما قبلها وأما من سكن الياء فإنه عدل بها عن أصلها استثقالا للحركة عليها لأن الياء حرف ثقيل فإذا حرك ازداد ثقلا إلى ثقله

(1/93)


وفي ياء الإضافة أربع لغات فتح الياء على أصل الكلمة وإسكانها تخفيفا وإثبات الهاء بعد الياء والحذف تقول هذا غلامي قد جاء و غلامي وغلاميه وغلام
فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه
قرأ حمزة فأزالهما الشيطان عنها بالألف أي نحاهما عن الحال التي كانا عليها من قول القائل أزال فلان فلانا عن موضعه إذا نحاه عنه وزال هو وحجته قوله يا آدم اسكن أنت زوجك الجنة أي اثبتا فثبتا فأزالهما الشيطان فقابل الثبات بالزوال الذي هو خلافه ومما يقوي قراءته قوله فأخرجهما مما كانا فيه فإخراجهما في المعنى قريب من إزالتهما
وقرأ الباقون فأزلهما من زللت وأزلني غيري أي أوقعهما في الزلل وهو أن يزل الإنسان عن الصواب إلى الخطأ والزلة وحجتهم قوله إنما استزلهم الشيطان ونسب الفعل إلى الشيطان لأنهما زلا بإغواء الشيطان إياهما فصار كأنه أزلهما
فتلقى آدم من ربه كلمت 37
قرأ ابن كثير فتلقى آدم نصب كلمات رفع جعل الفعل للكلمات لأنها تلقت آدم عليه السلام وحجته أن العرب تقول تلقيت زيدا و تلقاني زيد والمعنى واحد لأن من لقيته فقد لقيك وما نالك فقد نلته

(1/94)


وقرأ الباقون فتلقى آدم من ربه كلمات آدم رفع بفعله لأنه تلقى من ربه الكلمات أي أخذها منه وحفظها وفهمها والعرب تقول تلقيت هذا من فلان المعنى إن فهمي قبلها منه وحجتهم ما روي في التفسير في تأويل قوله فتلقى آدم من ربه كلمات أي قبلها فإذا كان آدم القابل فالكلمات مقبولة
فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون
قرأ ورش عن نافع فمن تبع هداي ساكنة الياء وقرأ الباقون بفتح الياء وإنما فتحت لأنها أتت بعد ساكن واصلها الحركة التي هي الفتح وقد ذكرته عند قوله إني أعلم
ولا يقبل منها شفاعة
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ولا تقبل منها بالتاء وقرأ الباقون بالياء من قرأ بالتاء فلتأنيث الشفاعة وسقط السؤال فصار كقوله وأخذت الذين ظلموا الصيحة
وحجة من قرأ بالياء هي أن تأنيث الشفاعة ليست حقيقية فلك في لفظه في الفعل التذكير والتأنيث تقول قد قبل منك الشفاعة و قبلت منك وكذلك فمن جاءه موعظة لأن معنى موعظة و وعظ و شفاعة و تشفع واحد فلذلك جاز التذكير والتأنيث على اللفظ والمعنى

(1/95)


وحجة أخرى لما فصل بين اسم المؤنث وفعله بفاصل ذكر الفعل لأن الفاصل صار كالعوض منه ومثله لئلا يكون للناس عليكم حجة وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة 51
قرأ ابو عمرو وإ وعدنا موسى بغير ألف وكذلك في الأعراف وطه
وحجته أن المواعدة إنما تكون بين الآدميين وأما الله جل وعز فإنه المنفرد بالوعد والوعيد ويقوي هذا قوله إن الله وعدكم وعد الحق
وقرأ الباقون وإذ واعدنا بالألف وحجتهم أن المواعدة كانت من الله ومن موسى فكانت من الله أنه واعد موسى لقاءه على الطور ليكلمه ويكرمه بمناجاته وواعد موسى ربه المصير إلى الطور لما أمره به ويجوز أن يكون المعنى على إسناد الوعد إلى الله نظير ما تقول طارقت نعلي وسافرت والفعل من واحد على ما تكلمت به العرب
فتوبوا إلى بارئكم

(1/96)


قرأ أبو عمرو إلى بارئكم و يأمركم و ينصركم بالإختلاس وحجته في ذلك أنه كره كثرة الحركات في الكلمة الواحدة وروي عنه إسكان الهمزة قال الشاعر ... إذا اعوججن قلت صاحب قوم ...
والكلام الصحيح يا صاحب أقبل أو يا صاحب اقبل
وقرأ الباقون بارئكم و يأمركم بالإشباع على أصل الكلمة وهو الصواب ليوفى كل حرف حقه من الإعراب
وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين
قرأ نافع يغفر لكم بالياء وفتح الفاء على ما لم يسم فاعله خطاياكم في موضع رفع لأنه مفعول ما لم يسم فاعله وحجته في الياء أن الفعل متقدم وقد حيل بينه وبين الخطايا ب لكم فصار الحائل كالعوض من التأنيث وحجة أخرى وهي أن الخطايا جمع وجمع ما لا يعقل يشبه بجمع ما يعقل من النساء كما قال وقال

(1/97)


نسوة في المدينة فلما ذكر فعل جميع النساء ذكر فعل الخطايا ونحوه أم هل يستوي الظلمات
وقرأ ابن عامر تغفر بالتاء وقد ذكرنا إعرابها وحجته في التاء أنه فعل متقدم نحو قوله قالت الأعراب
وقرأ الباقون نغفر بالنون وحجتهم في ذلك أن نغفر بين خبرين من أخبار الله عن نفسه قد أخرجا بالنون وذلك قوله وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فخرج ذلك بالنون ولم يقل وإذ قيل فيقال تغفر و يغفر والآخر قوله وسنزيد المحسنين ولم يقل وسيزاد المحسنون
واعلم أن من قرأ يغفر فهو يؤول أيضا إلى هذا المعنى فيعلم من الفحوى أن ذنب الخلائق وخطاياهم لا يغفره إلا الله ويقوي هذا قوله قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
ويقتلون النبيين بغير الحق
قرأ نافع ويقتلون النبيئين بالهمز من أنبأ أي أخبر عن الله كما قال جل وعز من أنبأك هذا فالنبي صلى الله عليه و سلم ينبئ أي يخبر عن الله وهو فعيل من أنبأ وإنما كان الاسم منه منئ ولكنه صرف عن مفعل إلى فعيل

(1/98)


وحجته في أن النبئ مهموز قول عباس بن مرداس في مدحه نبي الله صلى الله عليه و سلم ... يا خاتم النباء إنك مرسل ... بالحق خير هدى السبيل هداكا ...
فقال يا خاتم النباء فجمعه على فعلاء لأن الواحد مهموز فقد صح على أن أصله الهمز وأنه من باب الصحيح لا من باب المعتل لأن الصحيح كذا يجمع كما تجمع النعوت التي على فعيل من غير ذوات الياء والواو مثل الشريك والشركاء والحكيم والحكماء والعليم والعلماء ولو كان النبي غير مهموز لم يجمع على فعلاء لأن النعوت التي تكون على فعيل من ذوات الياء والواو إنما تجمع على أفعلاء كفعلهم ذلك في ولي ووصي ودعي إذا جمع يجمع أولياء وأوصياء وأدعياء ولا يجمع على فعلاء
وقرأ الباقون النبيين بغير همز من نبانبو إذا ارتفع فيكون فعيلا من الرفعة والنبوة الارتفاع وإنما قيل للنبي نبي لارتفاع منزلته وشرفه تشبيها له بالمكان المرتفع على ما حوله وحجتهم في ذلك أن كل ما في القرآن من جميع ذلك على أفعلاء نحو أنبياء الله وفي ذلك الحجة الواضحة على أن الواحد منه بغير همز كما جمع ولي وأولياء ووصي وأوصياء ولو كان في التوحيد مهموزا لكان الجمع منه فعلاء وحجة أخرى روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم يا نبيء الله قال
لست بنيء الله ولكني

(1/99)


نبي الله قال أبو عبيد كأنه كره الهمز
إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
قرأ نافع والصابين والصابون بغير همز من صبا يصبو أي مال إلى دينه وحجته قوله تعالى وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن أي أمل إليهن ومنه سمي الصبي صبيا لأن قلبه يصبو إلى كل لعب لفراغ قلبه
وقرأ الباقون الصابئين بالهمز أي الخارجين من دين إلى دين يقال صبأ فلان إذا خرج من دينه يصبأ ويقال صبأت النجوم إذا ظهرت وصبأ نابه إذا خرج
قالوا أتتخذنا هزوا
قرأ حمزة وإسماعيل عن نافع هزءا ساكنة الزاي وقرأ

(1/100)


الباقون هزؤا بضم الزاي وهما لغتان التخفيف لغة تميم والتثقيل لغة أهل الحجاز
قال الأخفش وزعم عيسى بن عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه نحو اليسر واليسر والعسر والعسر فمن خفف طلب التخفيف لأنه استثقل ضمتين في كلمة واحدة
و قرأ حفص هزوا بغير همز لأنه كره الهمز بعد ضمتين في كلمة واحدة فلينها
وما الله بغافل عما تعملون
قرأ ابن كثير وما الله بغافل عما يعملون بالياء أي وما الله بغافل عما يعمل هؤلاء الذين اقتصصنا عليكم قصصهم أيها المسلمون
وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب وحجتهم قوله قبلها ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة وما الله بغافل عما تعملون

(1/101)


بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته
قرأ نافع وأحاطت به خطيئاته بالألف وحجته أن الإحاطة لا تكون للشيء المنفرد إنما تكون لأشياء كقولك أحاط به الرجال و أحاط الناس بفلان إذا داروا به ولا يقال أحاط زيد بعمرو وحجة أخرى جاء في التفسير قوله بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته أي الكبائر أي أحاطت به كبائر ذنوبه
وقرأ الباقون خطيئته على التوحيد وحجتهم أن الخطيئة ليست بشخص فإذا لم تكن شخصا واشتملت على الإنسان جاز أن يقال أحاطت به خطيئته وحجة أخرى جاء في التفسير من كسب سيئة أي الشرك وأحاطت به خطيئته أي الشرك الذي هو سيئة
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وما يعبدون إلا الله بالياء
وقرأ الباقون بالتاء وحجتهم قوله وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم فحكى ما خاطبهم به فجرى الكلام على لفظ المواجهة
واحتج من قرأ بالياء أن قال أول الآية إخبار عن غيب يعنون

(1/102)


بذلك قوله وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل قالوا فإجراء الكلام على ما ابتدئ به أول الآية وافتتح به الكلام أولى وأشبه من الإنصراف عنه إلى الخطاب
قرأ حمزة والكسائي وقولوا للناس حسنا بفتح الحاء والسين وحجتهم أن حسنا وصف للقول الذي كف عن ذكره لدلالة وصفه عليه كأن تأويله وقولوا للناس قولا حسنا فترك القول واقتصر على نعته وقد نزل القرآن بنظير ذلك فقال جل وعز وجعل فيها رواسي ولم يذكر الجبال وقال أن اعمل سابغات ولم يذكر الدروع إذ دل وصفها على موصوفها
وقرأ الباقون حسنا بضم الحاء وحجتهم أن الحسن يجمع و الحسن يتبعض أي قولا للناس الحسن في الأشياء كلها فما يجمع أولى مما يتبعض قال الزجاج وفي قوله حسنا قولان المعنى قولا للناس قولا ذا حسن وزعم الأخفش أنه يجوز أن يكون حسنا في معنى حسن كما قيل البخل والبخل والسقم والسقم وفي التنزيل إلا من ظلم ثم بدل حسنا ووصينا الإنسان بوالديه حسنا
تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم

(1/103)


إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغفل عما تعملون 85
قرأ عاصم وحمزة والكسائي تظاهرون عليهم بالتخفيف وقرأ الباقون تظاهرون بالتشديد الأصل فيه تتظاهرون فمن قرأ بالتشديد أدغم التاء في الظاء لقرب المخرجين وأتى بالكلمة على أصلها من غير حذف ومن قرأ تظاهرون بالتخفيف والأصل أيضا فيه تتظاهرون حرف التاء الثانية لاجتماع تاءين إحداهما تاء الاستقبال والثانية تاء تزاد في الفعل فأسقط الثانية وحجته قوله ولقد كنتم تمنون الموت فطرح الثانية منها
قرأ حمزة وإن يأتوكم أسارى بغير ألف جمع أسير وحجته أن كل فعيل من نعوت ذوي العاهات إذا جمع فإنما يجمع على فعلى وذلك كجمعهم المريض مرضى والجريح جرحى والقتيل قتلى والصريع صرعى وكذلك اسير وأسرى لأنه قد ناله المكروه والأذى
وقرأ الباقون أسارى قال بعض علمائنا هما لغتان كما يقال سكران وسكارى وقال أبو عمرو إذا أخذوا فهم عند الأخذ أسارى وما لم يؤسر بعد منهم أسرى كقوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى
قرأ نافع وعاصم والكسائي تفادوهم بالألف وحجتهم

(1/104)


أن هذا فعل من فريقين أي يفدي هؤلاء أساراهم من هؤلاء وهؤلاء أساراهم من هؤلاء وكان أبو عمرو يقول تعطوهم ويعطوكم وتفدوهم تعطوهم فقط
وقرأ الباقون تفدوهم أي تشتروهم من العدو وحجتهم في ذلك أن في دين اليهود ألا يكون أسير من أهل ملتهم في إسار غيرهم وأن عليهم أن يفدوهم بكل حال وإن لم يفدهم القوم الآخرون كا قال ابن عباس
قرأ نافع وابن كثير وأبو بكر وما الله بغافل عما يعملون بالياء وحجتهم قوله ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب فيكون قوله عما يعملون إخبارا عنهم
وقرأ الباقون عما تعملون بالتاء وحجتهم قوله أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض
وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس
قرأ ابن كثير وأيدناه بروح القدس بإسكان الدال في جميع القرآن كأنه استثقل الضمتين وحجته قول الشاعر ... وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء

(1/105)


وقرأ الباقون بضم الدال وهو الأصل
بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده
قرأ ابن كثير وأبو عمرو أن ينزل الله بالتخفيف في جميع القرآن وحجتهما في الآية أن يكفروا بما أنزل الله ولم يقل نزل الله وأبو عمرو قرأ في الأنعام بالتشديد قل إن الله قادر على أن ينزل آية بالتشديد لأن قبلها لولا نزل عليه وما ننزله إلا بقدر معلوم لأنه شيء بعد شيء فكأنه لما تردد وطال نزوله شدده لتردده وابن كثير خالف مذهبه في سورة سبحان فقرأ بالتشديد كأنه أراد أن يجمع بين اللغتين
وقرأ الباقون جميع ذلك بالتشديد وحجتهم أن نزل و أنزل لغتان مثل نبأته وأنبأته و أعظمت وعظمت وفي التنزيل ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة فجاء باللغتين وقرأ حمزة والكسائي في لقمان وعسق بالتخفيف وحجتهما قوله وأنزلنا من السماء ماء
من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين

(1/106)


قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفض جبريل بكسر الجيم والراء جعلوا جبريل اسما واحدا على وزن قطمير وحجتهم قول الشاعر ... وجبريل رسول الله فينا ... ورورح القدس ليس له كفاء ...
وقرأ حمزة والكسائي جبرئيل بفتح الجيم والراء مهموزا قال الشاعر ... شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة ... مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها ...
وحجتهم ما روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال
إنما جبرئيل وميكائيل كقولك عبد الله وعبد الرحمن جبر هو العبد و إيل هو الله فأضيف جبر إليه وبني فقيل جبرئيل
وقرأ ابن كثير جبريل بفتح الجيم وكسر الراء مثل سمويل وهو اسم طائر قال عبد الله بن كثير رأيت رسول الله صلى الله عليه في المنام فأقرأني جبريل فأنا لا أقرأ إلا كذلك
وقرأ يحيى عن أبي بكر جبرئل على وزن جبرعل وهذه لغة تميم وقيس

(1/107)


وقرأ أبوعمرو وحفص ميكال بغير همز على وزن سربال وحجتهما قول من مدح النبي صلى الله عليه ... ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل ...
وقرأ نافع ميكائل بهمزة مختلسة ليس بعدها ياء كأنه كسرة الإشباع
وقرأ الباقون ميكائيل ممدودا وحجتهم ما روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال في صاحب الصور
جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره قال الكسائي قوله جبرئيل وميكائيل وإبراهيم فإنها أسماء أعجمية لم تكن العرب تعرفها فلما جاءتها أعربتها فلفظت بها بألفاظ مختلفة
وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ولكن خفيفة الشياطين رفع وكذلك ولكن الله قتلهم ولكن الله رمى وحجتهم أن العرب تجعل إعراب ما بعد لكن كإعراب ما قبلها في الجحد فتقول ما قام عمرو ولكن أخوك وتصير لكن نسقا إذا كان ما قبلها جحد
وقرأ الباقون ولكن بالتشديد الشياطين نصب وحجتهم في ذلك أن دخول الواو في ولكن يؤذن باستئناف الخبر بعدها وأن العرب تؤثر تشديدها ونصب الأسماء بعدها وفي التنزيل ولكن

(1/108)


الظالمين بآيات الله يجحدون ولكن اكثرهم لا يعلمون ولكن أكثركم للحق كارهون أنها بالتشديد للواو التي في أولها ثم أجمعوا على تخفيف لكن الراسخون و لكن الله يشهد لما لم يكن في أولها واو
أعلم أن لكن كله تحقيق و لكن بالتخفيف كلمة استدراك بعد نفي تقول ما جاء عمرو ولكن زيد خرج
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها
قرأ ابن عامر ما ننسخ من آية بضم النون وكسر السين بمعنى ما ننسخك يا محمد ثم حذف المفعول من النسخ ومعناه ما آمرك بنسخها أي بتركها تقول نسخت الكتاب وأنسخت غيري أي حملته على النسخ
وقرأ الباقون ما ننسخ بفتح النون والسين من نسخ إذا غير الحكم وبدل يقول نسخ الله الكتاب ينسخه نسخا وهو أن يرفع حكم آية بحكم آخرى قال ابن عباس ما ننسخ من آية أي ما نبدل من حكم آية بحكم آخر
قرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها أي نؤخر حكمها وحجتهما أن ذلك من التأخير فتأويله ما ننسخ من آية فنبدل حكمها أو نؤخر تبديل حكمها فلا نبطله نأت بخير منها ويكون المعنى ما نرفع من آية أو نؤخرها فلا نرفعها

(1/109)


وقرأ الباقون أوننسها بضم النون وحجتهم في ذلك قراءة أبي وسعد بن أبي وقاص وقرأ أبي بن كعب أو ننسها معناه ننسك نحن يا محمد وقرأ سعد أو تنسها المعنى أو تنسها أنت يا محمد وقراءتهما تدل على النسيان وإن كان بعضهم أضافه إلى النبي صلى الله عليه وبعضهم أخبر أن الله فعل ذلك به وليس بين القولين اختلاف لأنه ليس يفعل النبي صلى الله عليه إلا ما وفقه الله له إذا أنساه نسي قال أبو عبيد أو ننسها من النسيان ومعناه أن الله إذا شاء أنسى من القرآن من يشاء أن ينسيه وقال آخرون منهم ابن عباس أو ننسها أو نتركها فلا نبدلها
قال علماؤنا يلزم قائله أن يقرأها أو ننسها بفتح النون ليصح معنى نتركها فأما إذا ضمت النون فإنما معناه ننسك يا محمد وهذا لا يكون بمعنى الترك
الجواب عنه يقال نسيت الشيء أي تركته وأنسيته أي أمرت بتركه فتأويل الآية ما ننسخ من آية أي نرفعها بآية أخرى ننزلها أو ننسها وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه 116
وقرأ ابن عامر قالوا اتخذ الله بغير واو كذا مكتوب

(1/110)


مصاحف أهل الشام وحجته أن ذلك قصة مستانفة غير متعلقة بما قبلها كما قال وإذ قال موسى لقومه ثم قال قالوا أتتخذنا هزوا وقرأ الباقون وقالوا بالواو لأنه مثبتة في مصاحفهم وهي عطف جملة على جملة
وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون
قرأ ابن عامر فيكون نصب كأنه ذهب إلى أنه الأمر تقول أكرم زيدا فيكرمك
وقرأ الباقون بالرفع قال الزجاج رفعه من جهتين إن شئت على العطف على يقول وإن شئت على الاستئناف المعنى فهو يكون
إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم
قرأ نافع ولا تسأل عن أصحاب الجحيم بفتح التاء والجزم على النهي وحجته ما روي في التفسير أن النبي صلى الله عليه قال ليت شعري ما فعل أبواي فنزلت ولا تسأل عن أصحاب الجحيم فنهاه الله عن المسألة قيل إنه ما ذكرهما حتى توفاه الله
وقرأ الباقون ولا تسأل عن أصحاب الجحيم برفع التاء

(1/111)


واللام وحجتهم أن في قراءة ابن مسعود ولن تسأل ورفعه من وجهين أحدهما أن يكون ولا تسأل استئنافا كأنه قيل ولست تسأل عن أصحاب الجحيم كما قال فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب والوجه الثاني على الحال فيكون المعنى وأرسلناك غير سائل عن أصحاب الجحيم
قال لا ينال عهدي الظالمين
قرأ حمزة وحفص لا ينال عهدي الظالمين بإرسال الياء وقرأ الباقون بفتح الياء وحجتهم في ذلك أن لو لم تتحرك الياء ذهبت في الوصل فلم يكن لها أثر على اللسان فحركوهها ليعلم أن في الحرف ياء فإذا ظهر على اللسان أرسلوها فقالوا وطهر بيتي للطائفين
وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبرهيم مصلى

(1/112)


قرأ ابن عامر ونافع واتخذوا من مقام إبراهيم بفتح الخاء وحجتهما أن هذا إخبار عن ولد إبراهيم صلى الله عليهم أنهم أتخذوا مقام إبراهيم مصلى وهو مردود إلى قوله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
وقرأ الباقون واتخذوا بكسر الخاء وحجتهم في ذلك ما روي في التفسير أن النبي صلى الله عليه أخذ بيد عمر فلما أتى على المقام قال له عمر هذا مقام أبينا إبراهيم صلى الله عليه قال
نعم قال أفلا نتخذه مصلى فأنزل الله جل وعز واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى يقول وافعلوا
قرأ ابن عامر إبراهام بألف كل ما في سورة البقرة وفي النساء بعد المئة وفي الأنعام حرفا واحدا ملة إبراهام وفي التوبة بعد المئة إبراهام وفي سورة إبراهيم إبراهام وفي النحل ومريم كلها إبراهام وفي العنكبوت الثاني إبراهام وعسق إبراهام وفي سور المفصل كلها إبراهام إلا في سورة المودة إلا قول إبراهيم بالياء وفي سبح صحف إبراهيم

(1/113)


وما بقي في جميع القرآن بالياء وحجته في ذلك أن كل ما وجده بألف قرأ بألف وما وجده بالياء قرأ بالياء اتباع المصاحف
واعلم أن إبراهيم اسم أعجمي دخل في كلام العرب والعرب إذا أعربت اسما أعجميا تكلمت فيه بلغات فمنهم من يقول إبراهام ومنهم من يقول أبرهم قال الشاعر ... نحن آل الله في بلدته ... لم يزل ذاك على عهد ابرهم ...
قال ومن كفر فأمتعه قليلا
قرأ ابن عامر فأمتعه قليلا بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد وهما لغتان يقال متع الله به وأمتع به والتشديد هو الإختيار لأن القرآن يشهد بذلك في قوله ومتعناهم إلى حين ولم يقل أمتعناهم
وأرنا مناسكنا وتب علينا
قرأ أبو عمرو وأرنا مختلسا وقرأ ابن كثير وأرنا ساكنة في جميع القرآن وحجته أن الراء في الأصل ساكنة وأصلها أرئينا على وزن أكرمنا فحذفت الياء للجزم ثم تركت الهمزة كما تركت في يرى وترى وبقيت الياء محذوفة كما كانت والأجود أن تقول نقلنا حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفنا لكثرة الحركات
وقرأ الباقون أرنا بكسر الراء وحجتهم في ذلك أن الكسرة

(1/114)


إنما هي كسرة همزة ألغيت وطرحت حركتها على الراء فالكسرة دليل الهمزة فحذفها قبيح ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب
قرأ نافع وابن عامر وأوصى بها بالألف وحجتهما أن أوصى يكون للقليل والكثير ووصى لا يكون إلا للكثير
وقرأ الباقون ووصى التشديد وحجتهم أن وصى أبلغ من أوصى لأن أوصى جائز أن يكون مرة ووصى لا يكون إلا مرات كثيرة وقال الكسائي هما لغتان معروفتان تقول وصيتك وأوصيتك كما تقول كرمتك وأكرمتك والقرآن ينطق بالوجهين قال الله ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ما وصى به نوحا ذلكم وصاكم به وقال يوصيكم الله و من بعد وصية توصون والتشديد أكثر
أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر أم يقولون بالياء وحجتهم أن هذا إخبار عن اليهود أراد أم يقول اليهود والنصارى
وقرأ الباقون بالتاء وحجتهم المخاطبة التي قبلها والتي بعدها فالمتقدمة قوله قل أتحاجوننا في الله 139 والمتأخرة قوله

(1/115)


قل أأنتم أعلم أم الله فتأويل الآية قل يا محمد للقائلين لكم كونوا هودا أو نصارى أتحاجوننا أم تقولون إن إبراهيم وأولاده كانوا يهودا إن الله بالناس لرؤوف رحيم
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر إن الله بالناس لرؤوف على وزن رعف وحجتهم أن هذا أبلغ في المدح كما تقول رجل حذق ويقظ للمبالغة قال الشاعر ... يرى للمسلمين عليه حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم ...
وقرأ الباقون لرؤوف على وزن فعول وحجتهم في ذلك أن أكثر أسماء الله على فعول وفعيل مثل غفور وشكور ورحيم وقدير قال الشاعر ... نطيع نبينا و نطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا رؤوفا ...
وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وما الله بغافل عما يعملون بالتاء وحجتهم قوله قبلها وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره فكان ختم الآية بما افتتحت به من الخطاب عندهم أولى من العدول عن الخطاب إلى الغيبة

(1/116)


وقرأ الباقون بالياء وحجتهم قوله وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم والكلام خبر عنهم
ولكل وجهة هو موليها
قرأ ابن عامر هو مولاها بفتح اللام أي هو موجهها وحجته أنه قدر له أن يتولاها ولم يسند إلى فاعل بعينه فيجوز أ يكون هو كناية عن الاسم الذي أضيفت إليه كل وهو الفاعل ويجوز أن يكون فاعل التولية الله و هو كناية عنه والتقدير ولكل ذي ملة قبلة الله موليها وجهه ثم رد ذلك إلى ما لم يسم فاعله
وقرأ الباقون هو موليها أي متبعها وراضيها وحجتهم ما قد جاء في التفسير عن مجاهد ولكل وجهة هو موليها أي لكل صاحب ملة وجهة أي قبلة هو موليها هو مستقبلها قوله هو موليها هو كناية عن الاسم الذي اضيفت إليه كل في المعنى لأنها وإن كانت منونة فلا بد من أن تسند إلى اسم
وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام
قرأ أبو عمرو وما الله بغافل عما يعملون ومن حيث بالياء وحجته قوله قبلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
وقرأ الباقون بالتاء وحجتهم قوله وإنه للحق من ربك

(1/117)


ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم
قرأ حمزة والكسائي ومن يطوع بالياء وجزم العين وكذلك الذي بعده وحجتهما أن حروف الجزاء وضعت لما يستقبل من الأزمة في سنن العربية وأن الماضي إذا تكلم به بعد أحرف الجزاء فإن المراد منه الاستقبال نحو قول القائل من أكرمني أكرمته أي من يكرمني أكرمه ويقوي قراءتهما قراءة عبد الله ومن يتطوع على محض الاستقبال فأدغمت التاء في الطاء في قراءتهما لقرب مخرجها منها
وقرأ الباقون ومن تطوع بالتاء وفتح العين على لفظ المضي ومعناه الاستقبال لأن الكلام شرط وجزاء لفظ الماضي فيه يؤول إلى معنى الاستقبال كما قال جل وعز من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم وحجتهم في ذلك أن الماضي أخف من المستقبل ولا إدغام فيه
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح
قرأ حمزة والكسائي وتصريف الرياح بغير ألف وحجتهما أن الواحد يدل على الجنس فهو أعم كما تقول كثر الدرهم والدينار في ايدي الناس إنما تريد هذا الجنس قال الكسائي والعرب تقول جاءت الريح من كل مكان فلو كانت ريحا واحدة جاءت من مكان واحد فقولهم من كل مكان وقد وحدوها تدل على أن بالتوحيد معنى الجمع

(1/118)


وقرأ الباقون وتصريف الرياح وحجتهم أنها الرياح المختلفة المجاري في تصريفها وتغاير مهابها في المشرق والمغرب وتغاير جنسها في الحر والبرد فاختاروا الجمع فيهن لأنهن جماعة مختلفات المعنى ويقوي الجمع ما روي عن رسول الله صلى الله عليه أنه كان إذا هاجت ريح جثا على ركبته واستقبلها ثم قال اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا
ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب
قرأ نافع وابن عامر ولو ترى الذين ظلموا بالتاء وحجتهما قوله ولو ترى إذ الظالمون ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا وجواب لو مكفوف المعنى ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين عند رؤيتهم العذاب لرأيت أمرا عظيما ينزل بهم وأن بمعنى لأن القوة لله جميعا ولأن الله شديد العذاب ويجوز أن يكون العامل في أن القوة الجواب المعنى فلو ترى يا ممد الذين ظلموا لرأيت

(1/119)


أن القوة لله جميعا وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه يراد به الناس أي لرأيتم أيها المخاطبون أن القوة لله أو لرأيتم أن الأنداد لم تنفع وإنما بلغت الغاية في الضرر ولا يجوز أن يكون العامل في أن ترى لأنه قد عمل في الذين
وقرأ الباقون ولو يرى الذين ظلموا بالياء وحجتهم ما جاء في التفسير لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا قال الزجاج أما من قرأ أن القوة فموضع أن نصب بقوله ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لعلموا مضرة اتخاذهم الأنداد وقد جرى ذكر الأنداد ويجوز أن يكون العامل في أن الجواب أي ولو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا أن القوة لله جميعا وكذلك نصب أن الثانية والمعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب
قرأ ابن عامر إذ يرون العذاب بضم الياء على ما لم يسم فاعله فعل يقع بهم تقول أريته كذا وكذا أي أظهرته له وقرأ الباقون إذ يرون بفتح الياء يعني الكفار
ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين
قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر والبزي خطوات ساكنة

(1/120)


الطاء وحجتهم أنهم استثقلوا الضمتين بعدهما واو في كلمة واحدة فسكنوا الطاء طلبا للتخفيف
وقرأ الباقون خطوات بضم الطاء وحجتهم أن أصل فعلة إذا جمعت أن تحرك العين بحركة الفاء هذا المستعمل في العربية مثل ظلمة وظلمات وحجرة وحجرات وقربة وقربات وخطوة وخطوات وقالوا ولم تستثقل العرب ضمة العين
قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا
اختلف القراء في إدغام لام هل و بل عند التاء والثاء والطاء والظاء والصاد والزاي والسين والنون نحو بل نتبع و هل ترى
فقرأ الكسائي جميع ذلك بالإدغام دخل حمزة معه عند التاء والثاء والسين وقرأ الباقون جميع ذلك بالإظهار
حجة الكسائي في ذلك أن هذه اللام لما كانت ساكنة في الخلقة أشبهت لام المعرفة فأدغمها عند هذه الحروف كما تدغم لام المعرفة عندهن فأجرى لام هل و بل مجرى لام المعرفة فأدغمها فيما أدغم فيه لام المعرفة ألا ترى أنه لم يدغم لام قل في شيء لأن سكونها عارض وأن الحركة أصلها وكذلك ومن يبدل نعمة الله وحجة من أظهر لام هل و بل أن هذه اللام تفارق لام المعرفة من جهة أن كل واحدة منهما من حرف يسكت عليه والذي لقيها من حرف آخر فضعفت عن الإدغام الذي يكون في الحرف الواحد الذي

(1/121)


لا يفصل بعضه عن بعض
فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه
قرأ حمزة وأبو عمرو وعاصم فمن اضطر بكسر النون حيث كان وكذلك وقالت اخرج ولقد استهزئ و فتيلا انظر بكسر التاء والدال والتنوين زاد عاصم وحمزة عليه كسر اللام والواو مثل قل ادعو الله أو ادعو الرحمن ودخل ابن عامر معهم في التنوين فحسب
وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع وحجتهم أنهم كرهوا الضم بعد الكسر لأن يثقل على اللسان فضموا ليتبع الضم الضم
وحجة الكسر أن الساكنين إذا اجتمعا يحرك أحدهما إلى الكسر كقوله وقل الحق من ربكم وذكر اليزيدي عن أبي عمرو قال وإنما كسرت النون لأنني رأيت النون حرف إعراب في حال النصب والرفع تذهب إلى الكسر مثل قوله غفورا رحيما النبي وقوله والله عزيز حكيم الطلاق قال فإذا كانت النون نفسها فهو أحق أن يذهب بها إلى الكسر قال والتاء والدال بمنزلة النون وهما أختا النون إذ كانت لام التعريف تندغم فيها كإدغامها في التاء والدال فتقول هي التاء والدال والنون فترى اللام فيهن

(1/122)


مدغمة وضم الواو لأن اللام تظهر عند الواو وضم اللام في قوله قل ادعوا الله كراهية كسرة اللام بين ضمتين ضمة القاف وضمة العين فأتبع الضمة الضم
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله
قرأ حمزة وحفص ليس البر أن تولوا نصبا وقرأ الباقون بالرفع فمن نصب جعل أن مع صلتها الاسم فيكون المعنى ليس توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله ومن رفع فالمعنى البر كله توليتكم فيكون البر اسم ليس ويكون أن تولوا الخبر وحجتهم قراءة أبي ليس البر بأن تولوا ألا ترى كيف أدخل الباء على الخبر والباء لا تدخل في اسم ليس إنما تدخل في خبرها
قرأ نافع وابن عامر ولكن خفيفة البر رفعا وقرأ الباقون ولكن البر بالتشد والنصب اعلم أنك إذا شددت لكن نصبت البر ب لكن وإذا خففت رفعت البر وكسرت النون لالتقاء الساكنين وقد بينت الحجة فيما تقدم
فمن خاف من موص جنفا

(1/123)


وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر فمن خاف من موص وحجتهم قوله ما وصى به نوحا و فلا يستطيعون توصية مصدر من وصى
وقرأ الباقون موص بالتخفيف وحجتهم قوله يوصيكم الله و من بعد وصية توصون قال الكسائي هما لغتان مثل أوفيت و وفيت و أكرمت وكرمت وقد روي عن أبي عمرو أنه فرق بين الوجهين فقال ما كان عند الموت فهو موص لأنه يقال أوصى فلان بكذا وكذا فإذا بعث في حاجة قيل وصى فلان بكذا
وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين
قرأ نافع وابن عامر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ومساكين جمع وقرأ الباقون فدية منونة طعام رفعا مسكين واحد وحجتهم أن الطعام هو الفد التي أوجبها الله على المفطر الذي رخص له في الفطر وجعل إطعام المسكين جزاء إفطاره فلا وجه لإضافة الفدية إليه إذ كان الشيء لا يضاف إلى نفسه إنما يضاف إلى غيره وحجتهم في التوحيد في المسكين أن في البيان على حكم الواحد في ذلك البيان عن حكم جميع أيام الشهر وليس في البيان عن حكم إفطار جميع الشهر البيان عن حكم إفطار اليوم الواحد فاختاروا التوحيد لذلك إذ كان أوضح في البيان

(1/124)


وحجة من أضاف الفدية إلى الطعام أن الفدية غير الطعام وأن الطعام إنما هو المفدى به الصوم لا الفدية والفدية هي مصدر من القائل فديت صوم هذا اليوم بطعام مسكين أفديه فدية فإذا كان ذلك كذلك فالصواب في القراءة إضافة الفدية إلى الطعام
وحجة من قرأ مساكين قوله قبلها يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ثم قال أياما معدودات قال إنما عرف عباده حكم من أفطر الأيام التي كتب عليه صومها بقوله أياما معدودات فإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن تكون القراءة في المساكين على الجمع لا على التوحيد وتأويل الآية وعلى الذين يطيقونه فدية أيام يفطر فيها إطعام مساكين ثم تحذف أياما وتقيم الطعام مكانها قال الحسن فالمساكين عن الشهر كله والأيام
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله
قرأ ابن كثير القران بغير همز وحجته ما روي عن الشافعي عن إسماعيل قال الشافعي قرأت على إسماعيل فكان يقول

(1/125)


القران اسم وليس مهموزا ولم يؤخذ من قرأت ولو أخذ من قرأت لكان كل ما قرئ قرآنا ولكنه اسم مثل التوراة
وقرأ الباقون القرآن بالهمز مصدر قرأت الشيء أي ألفته وجمعته قرآنا قالوا فسمي بالمصدر وحجتهم قوله إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه أي جمعناه فاتبع قرآنه أي تأليفه
قرأ أبو بكر ولتكملوا العدة بالتشديد من كمل يكمل وحجته قول الناس تكملة الثلاثين عن أبي بكر ولتكملوا بالتشديد وقال شددتها لقوله ولتكبروا الله
وقرأ الباقون بالتخفيف من أكمل يكمل وحجتهم قوله اليوم أكملت لكم دينكم وهما لغتان مثل كرمت وأكرمت قال الله ولقد كرمنا بني آدم وقال أكرمي مثواه
أجيب دعوة الداع إذا دعان
قرأ إسماعيل وورش عن نافع وأبو عمرو دعوةالداعي إذا دعاني بالياء في الوصل والحلواني دخل معهم في الثاني وإذا وقفوا وقفوا بغير ياء وحجتهم أن الأصل في ذلك إثبات الياء لأن

(1/126)


الياء لام الفعل وإذا وقفت حذفت الياء اتباعا للمصحف وهذا حسن لأنهم اتبعوا الأصل في الوصل وفي الوقف المصحف
وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل وحجتهم أن ذلك في المصحف بغير ياء فلا ينبغي أن يخالف رسم المصحف وحجة أخرى وهي أنهم اكتفوا بالكسرة عن الياء لأن الكسرة تنوب عن الياء
وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها
قرأ نافع في رواية إسماعيل وورش وابو عمرو وحفص وأتوا البيوت بضم الباء على أصل الجمع تقول بيت وبيوت مثل قلب وقلوب و فلس وفلوس وقرأ الباقون البيوت بكسر الباء وحجتهم في ذلك أنهم استثقلوا الضمة في الباء وبعدها ياء مضمومة فيجتمع في الكلمة ضمتان بعدها واو ساكنة فتصير بمنزلة ثلاثة ضمات وهذا من أثقل الكلام فكسروا الباء لثقل الضمات ولقرب الكسر من الياء وكذلك الكلام في الغيوب و جيوبهن و شيوخا
ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم
قرأ حمزة والكسائي ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قتلوكم بغير ألف

(1/127)


وقرأ الباقون ولا تقاتلوهم بالألف أي لا تحاربوهم حتى يحاربوكم فإن حاربوكم فاقتلوهم وحجتهم قوله وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وحجة أخرى وهي أن القتال إنما يؤمر به الأحياء فأما المقتولون فإنهم لا يقاتلون فيؤمروا به وإذا قرئ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه كان ظاهره أمرا للمقتول بقتل القاتلين وذلك محال إذا حمل على ظاهره وحجة من قرأ بغير ألف أن وصف المؤمنين بالقتل في سبيل الله أبلغ في المدح والثناء عليهم وأن معنى ذلك ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوا بعضكم فإن قتلوا بعضكم فاقتلوهم وحكى الفراء عن العرب أنهم يقولون قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم وحجة أخرى جاء في التفسير أن المعنى فيه ولا تبدؤوهم بالقتل حتى يبدؤوكم به فإن بدؤوكم بالقتل فاقتلوهم
الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
قرأ ابن كثير وأبو عمرو فلا رفث ولا فسوق رفع منون ولا جدال نصبا قال أبو عبيد وإنما افترقت الحروف عندهم لأنهم جعلوا قوله فلا رفث ولا فسوق بمعنى النهي أي لا يكون

(1/128)


فيه ذاك وتأولوا في قوله ولا جدال أنه لا شك في الحج ولا اختلاف فيه أنه في ذي الحجة
وقرأ الباقون جميع ذلك بالنصب وحجتهم قول ابن عباس ولا جدال في الحج قال لا تمار صاحبك حتى تغضبه فلم يذهب بها ابن عباس ذلك المذهب ولكنه جعله نهيا كالحرفين الأولين وأن حرف النهي دخل في الثلاثة وحجة من فتح أن يقول إنه أبلغ للمعنى المقصود ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق كما أنه إذا قال لا ريب فيه فقد نفى جميع هذا الجنس وإذا رفع ونون فكأن النفي لواحد منه فالفتح أولى لأن النفي به أعم والمعنى عليه لأنه لم يرخص في ضرب من الرفث والفسوق كما لم يرخص في ضرب من الجدال فالفتح جواب قائل هل من رفث هل من فسوق ف من يدخله للعموم ولا أيضا تدخل لنفي العموم وإذا قلت هل من رجل في الدار فجوابه لا رجل في الدار
وحجة من رفع أنه يعلم من الفحوى أنه ليس النفي وقتا واحدا ولكنه بجميع ضروبه وقد يكون اللفظ واحدا والمراد جميعا
ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد
قرأ الكسائي مرضاة الله بالإمالة وقرأ الباقون بغير إمالة وحجتهم أن الكلمة من ذوات الواو أصلها مرضوة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها يدلك على ذلك رضوان الله

(1/129)


أنها من ذوات الواو
وحجة الكسائي أن العرب إذا زادت على الثلاثة من ذوات الواو حرفا أمالته وكتبته بالياء من ذلك قوله أدنى و يدعى حمزة إذا وقف على مرضات الله وقف عليها بالتاء وهي لغة للعرب يقولون هذا طلحت بالتاء
والباقون إذا وقفوا عليها وقفوا مرضاه بالهاء وحجتهم أنهم أرادوا الفرق بين التاء المتصلة بالإسم والتاء المتصلة بالفعل فالمتصلة بالاسم نعمة والمتصلة بالفعل قامت وذهبت
يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة
قرأ نافع وابن كثير والكسائي ادخلوا في السلم أي في المسالمة والمصالحة
وقرأ الباقون في السلم بالكسر أي في الإسلام وقال قوم هما لغتان قال الشاعر ... أنائل إنني سلم ... لأهلك فاقبلي سلمي ...
وإلى الله ترجع الأمور
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وإلى الله ترجع الأمور بفتح التاء في جميع القرآن وحجتهم قوله ألا إلى الله تصير الأمور

(1/130)


ولم يقل تصار فلما أسند الفعل إليها بإجماع ردوا ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه
وقرأ الباقون ترجع بضم التاء وفتح الجيم أي ترد الأمور وحجتهم قوله إليه تحشرون و تقلبون فجعلوا الأمور داخلة في هذا المعنى والمعنيان يتداخلان وذلك أن الله هو الذي يرجع الأمور فإذا رجعها رجعت فهي مرجوعة وراجعة
وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله
قرأ نافع حتى يقول الرسول بالرفع وحجته أنها بمعنى قال الرسول على الماضي وليست على المستقبل وإنما ينصب من هذا الباب ما كان مستقبلا مثل قوله أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين حتى يأتي وعد الله فرفع يقول ليعلم أنه ماض
وقرأ الباقون حتى يقول بالنصب وحجتهم أنها بمعنى الانتظار وهو حكاية حال المعنى وزلزلوا إلى أن يقول الرسول
واعلم أن حتى إذا دخلت على الفعل فلها أربعة أوجه وجهان في الرفع ووجهان في النصب
فأما وجها الرفع فأحدهما كقولك سرت حتى أدخلها فيكون

(1/131)


السير واقعا والدخول في الحال موجودا كأنه قال سرت حتى أنا داخل الساعة وعلى هذا قوله حتى يقول الرسول أي حتى الرسول قائل
والوجه الثاني أن يكون الفعل الذي قبل حتى والذي بعدها واقعين جميعا فيقول القائل سرت أمس نحو المدينة حتى أدخلها ويكون السير والدخول وقعا ومضيا كأنه قال سرت أمس فدخلت وعلى هذا أيضا قوله حتى يقول الرسول معناه حتى قال الرسول فرفع الفعل على المعنى لأن حتى وأن لا يعملان في الماضي وإنما يعملان في المستقبل
وأما وجها النصب فأحدهما كقولك سرت حتى أدخلها لم يكن الفعل واقعا معناه سرت طلبا إلى أن أدخلها فالسير واقع والدخول لم يقع فعلى هذا نصب الآية وتنصب الفعل بعد حتى بإضمار أن وهي تكون الجارة كقولك أقعد حتى تخرج المعنى إلى أن تخرج
والوجه الثاني أن تكون حتى بمعنى اللام التي هي علة وذلك مثل قولك أسلمت حتى أدخل الجنة ليس المراد إلى أن أدخل الجنة إنما المراد لأدخل الجنة وليس هذا وجه نصب الآية
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
قرأ حمزة والكسائي قل فيهما إثم كبير بالثاء وقرأ الباقون إثم كبير بالباء وحجتهم قوله وإثمهما أكبر ولم يقل أكثر

(1/132)


وحجة أخرى وهي أنهم استعملوا في الذنب إذا كان موبقا يدل على ذلك قوله الذين يجتنبون كبائر الإثم قالوا كذلك ينبغي أن يكون إثم كبير لأن شرب الخمر والميسر من الكبير
وحجة من قرأ بالثاء قوله إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فذكر أشياء من الإثم وحجة أخرى أن الإثم واحد يراد به الآثام فوحد في اللفظ ومعناه الجمع والذي يدل عليه ومنافع للناس فعودل الإثم بالمنافع فلما عودل بها حسن أن يوصف بالكثير فإن قال قائل ينبغي أن يقرأ وإثمهما أكثر بالثاء قيل هذا لا يلزم من وجهين أحدهما أنهم مجمعون على الباء من وجهين وما خرج بالإجماع فلا نظر فيه والوجه الثاني أن الاسم الثاني بخلاف معنى الأول لأن الأول بمعنى الآثام فوحد في اللفظ ومعناه الجمع والدليل على ذلك ومنافع للناس وتقدير الكلام قل فيهما آثام كثيرة ومنافع للناس كما قال يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل فوحد اليمين في اللفظ والمراد الأيمان فلذلك عطف عليه بالشمائل وهي جمع وأما قوله وإثمهما أكبر من نفعهما فلفظه ومعناه معنى التوحيد يدل على ذلك أنه أتي بالنفع بعده موحدا
قرأ أبو عمرو قل العفو بالرفع وقرأ الباقون بالنصب من جعل ما اسما و ذا خبرها وهي في موضع الذي رد

(1/133)


العفو فرفغ كأنه قال ما الذي ينفقون فقال العفو أي الذي ينفقون العفو فيخرج الجواب على معنى لفظ السؤال وحجته قوله وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين قال أبو زيد أساطير ليس بجواب هذا السؤال لأن الكفار لم يؤمنوا بإنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وقال إنما يعلمه بشر ولو أقروا أن الله ينزل عليه لما قالوا أساطير الأولين فهذا عدول عن الجواب ولكن التقدير الذي تزعمون أنه أنزل ربكم هو أساطير الأولين
من نصب العفو جعل ماذا اسما واحدا بمعنى الاستفهام أي أي شيء ينفقون رد العفو عليه فينصب أي شيء ينفقون فخرج الجواب على لفظ السؤال منصوبا وحجتهم قوله وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا على معنى أي شيء أنزل فقالوا خيرا فجاء الجواب على لفظ السؤال منصوبا ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر يطهرن بتشديد الطاء والهاء

(1/134)


وحجتهم ما جاء في التفسير حتى يغتسلن بالماء بعد انقطاع الدم وذلك أن الله أمر عباده باعتزالهن في حال الحيض إلى أن يتطهرن بالماء وحجة أخرى وهي قوله فإذا تطهرن قالوا وهي على وزن تفعلن فيجب أن يكون لها فعل وفعلها إنما هوالاغتسال لأن انقطاع الدم ليس من فعلها وحجة أخرى اعتبارا بقراءة أبي حتى يتطهرن ثم أدغموا التاء في الطاء
وقرأ الباقون يطهرن بتخفيف الطاء وضم الهاء وحجتهم أن معنى ذلك حتى ينقطع الدم عنهن فإذا تطهرن أي بالماء قالوا إن الله أمر عباده باعتزال النساء في المحيض إلى حين انقطاع دم الحيض قال الزجاج يقال طهرت المراة وطهرت إذا انقطع الدم عنها
ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله
قرأ حمزة إلا أن يخافا بضم الياء وحجته قوله بعدها فإن خفتم فجعل الخوف لغيرهما ولم يقل فإن خافا
وقرأ الباقون إلا أن يخافا وحجتهم ما جاء في التفسير إلا أن يخافا أي إلا أن يخاف الزوج والمرأة ألا يقيما حدود الله فيما يجب لكل واحد منهما على صاحبه م الحق والعشرة

(1/135)


لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف
قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا تضار والدة بالرفع على الخبر وحجتهما قوله قبلها لا تكلف نفس إلا وسعها فأتبعا الرفع الرفع نسقا عليه وجعلاه خبرا بمعنى النهي فإن قلت إن ذلك خبر وهذا أمر قيل فالأمر قد يجيء على لفظ الخبر في التنزيل ألا ترى قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن و لا تظلمون ولا تظلمون والأصل لا تضارر والعرب لا تذكر في الأفعال حرفين من جنس واحد متحركين فسكن الأول وأدغم في الثاني وهو وإن كان مرفوعا في معنى النهي
وقرأ الباقون لا تضار بفتح الراء على النهي وحجتهم قراءة ابن مسعود وابن عباس قرأ ذلك لا تضارر براءين فدل ذلك على أنه نهي محض فلما اجتمعت الراءان أدغمت الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين وهذا هو الاختيار في التضعيف إذا كان قبله فتح أو ألف الاختيار ضار يا رجل

(1/136)


قرا ابن كثير إذا سلمتم ما أتيتم مقصورة الألف أي ما جئتم وفي الكلام حذف المعنى إذا سلمتم ما أتيتم به
وقرأ الباقون ما آتيتم بالمد أي أعطيتم وحجتهم قوله إذا سلمتم لأن التسليم لا يكون إلا مع الإعطاء
ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص على الموسع قدره وعلى المقتر قدره بفتح الدال
وقرأ الباقون بالسكون وحجتهم أن القدر مصدر مثل الوسع وفي معناه كقولك قدر فلان ألف درهم أي وسعه
وحجة من فتح أن القدر أن تقدر الشيء بالشيء فيقال ثوبي على قدر ثوبك فكأنه اسم التأويل على ذي السعة ما هو قادر عليه من المتاع وعلى ذي الإقتار ما هو قادر عليه من ذلك ويقوي هذه القراءة قوله فسالت أودية بقدرها وكان الفراء يذهب إلى أنهما بمعنى واحد تقول هذا قدر هذا قدره
وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
قرأ حمزة والكسائي من قبل أن تمسوهن بضم التاء وبالألف

(1/137)


وقرأ الباقون من قبل أن تمسوهن بفتح التاء من مسست امرأتي وهو الجماع وحجتهم أن الرجل هو المنفرد بالمسيس ويقوي هذه القراءة قوله في قصة مريم ولم يمسسني بشر ولم يقل يماسني وجاء في الحديث أيضا إذا طلق الرجل من قبل أن يمس
وحجة من قرأ تماسوهن أن المسيس وإن كان من الرجل فالمرأة مشاركة فيه وكل ماس شيئا فالممسوس ماس له وكذلك الملاقي ويقوي هذه القراءة قوله من قبل أن يتماسا على إسناد الفعل إليهما
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم
قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص وصية بالنصب وقرأ الباقون بالرفع فمن نصب أراد فليوصوا وصية لأزواجهم ومن رفع فالمعنى فعليهم وصية لأزواجهم وحجتهم أن في قراءة أبي الوصية لأزواجهم قال نحويو البصرة يجوز أن ترتفع من وجهين أحدهما أن تجعل الوصية متبدأ والظرف خبرا كما تقول سلام عليكم والآخر أن تضمن له خبرا المعنى فعليهم وصية لأزواجهم
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون
قرأ ابن كثير فيضعفه بالرفع والتشديد

(1/138)


وقرأ ابن عامر فيضعفه بالنصب والتشديد
وقرأ عاصم فيضاعفه بالنصب والألف
وقرأ الباقون بالألف والرفع
من رفع عطف على يقرض الله ومن نصب نصب على جواب الإستفهام كما تقول نم يزورني فأكرمه وحجة التشديد أن المعنى فيها تكرير الفعل وزيادة الضعف علىالواحد إلى ما لا نهاية له جاء في التفسير الله عز و جل يضعف له أضعافا كثيرة بالواحد سبعمائة
وحجة التخفيف قالوا إن أمر الله أسرع من تكرير الفعل إنما هو كن فكان قال الكسائي المعنى فيهما واحد ضعف وضاعف
قرأ نافع والكسائي وأبو بكر يقبض ويبصط بالصاد وقرأ الباقون بالسين وحجتهم أن السين هو الأصل وقالوا لا ينتقل عن الأصل إلى ما ليس بأصل
وحجة من قرأ بالصاد أن الصاد هي أخت الطاء فقلبوا السين صادا ليكون اللسان من جهة واحدة
قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقتلوا 246
قرأ نافع هل عسيتم بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح هما لغتان تقول العرب عسيت أن أفعل وعسيت قال أبو عبيد

(1/139)


القراءة عندنا هي الفتح لأنها أعرف اللغتين ولو كان عسيتم لقرئت عسي ربنا وما اختلفوا في هذا الحرف وقد حكي عن أبي عمرو أنه كان يحتج بهذه الحجة
ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو غرفة بيده بفتح الغين وحجتهم ما ذكرها اليزيدي عن أبي عمرو فقال ما كان باليد فهو غرفة بالفتح وما كان بإناء فهو غرفة بالضم
وقرأ الباقون بالضم وحجتهم ما جاء في التفسير إلا من اغترف كفا من ماء فالغرفة بالضم الماء قال الزجاج غرفة أي مرة واحدة باليد ومن قرأ غرفة كان معناه مقدار ملء اليد
اعلم أن الغرفة المصدر تقول اغترفت غرفة و الغرفة الاسم ومثله الأكلة المرة الواحدة والأكلة اللقمة والخطوة المرة تقول خطوت خطوة و الخطوة الاسم لما بين الرجلين
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض
قرأ نافع ولولا دفع الله الناس بالألف
وقرأ الباقون دفع الله مصدر من دفع دفعا وحجتهم أن الله عز و جل لا مدافع له وأنه هو المنفرد بالدفع من خلقه وكان أبو عمرو يقول إنما الدفاع من الناس والدفع من الله

(1/140)


وحجة نافع إن الدفاع مصدر من دفع كالكتاب من كتب كما قال كتاب الله عليكم فالكتاب مصدر لكتب الذي دل عليه قوله حرمت عليكم أمهاتكم لأن المعنى كتب هذا التحريم عليكم ويجوز أن يكون مصدرا لفاعل تقول دافع الله عنك الشيء يدافع مدافعة ودفاعا والعرب تقول أحسن الله عنك الدفاع ومثل ذلك عافاك الله ومثل فاعلت للواحد كثير قال الله قاتلهم الله
لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة
قرأ ابن كثير وابو عمرو لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة نصب بغير تنوين على النفي والتبرئة
وقرأ الباقون بالرفع والتنوين
اعلم أن لا إذا وقعت على نكرة جعلت هي والاسم الذي بعدها كاسم واحد وبني ذلك على الفتح فإذا كررت جاز الرفع والنصب وإذا لم تكرر فالوجه فيه الفتح قال الله جل وعز لا ريب فيه من رفع جعله جوابا لقول القائل هل فيه بيع هل فيه خلة ومن نصب جعله جوابا لقول القائل هل من بيع فيه هل من خلة

(1/141)


فجوابه لا بيع فيه ولا خلة لأن من لما كانت عاملة جعلت لا عاملة ولما كانت جواب هل لم تعملها إذ كانت هل غير عاملة وقد تقدم الكلام فيه عند قوله فلا رفث ولا فسوق
قال أنا أحيي وأميت
قرأ نافع أنا أحيي و وأنا آتيك بإثبات الألف من أنا في الوصل وحجته إجماعهم على الوقف بالألف في أنا فأجرى الوصل مجرى الوقف
وقرأ الباقون أنا أحيي بغيرألف في الوصل وحجتهم أن الألف بعد النون إنما زادوا للوقف فإذا أدرجوا القراءة زالت العلة فطرحوها لزوال السبب الذي أدخلوها من اجله وهي بمنزلة هاء الوقف تدخل لبيان الحركة في الوقف
فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم أن الله على كل شيء قدير
قرأ حمزة والكسائي لم يتسن بحذف الهاء في الوصل أي لم تغيره السنون والهاء زائدة للوقف وحجتهما أن العرب تقول في جمع السنة سنوات وفي تصغيرها سنية تقول

(1/142)


سانيت مساناة فالهاء زيدت لبيان الحركة في حال الوقف فإذا وصل القارئ قراءته اتصلت النون بما بعدها فاستغنى عن الهمز حينئذ فطرحها لزوال السبب الذي أدخلها من أجله وكان في الأصل لم يتسنى فحذفت الألف للجزم وكان الفراء يقول لم يتسنه لم يتغير من قوله من حمأ مسنون وكان الأصل لم يتسنن ثم قلبت النون الأخيرة ياء استثقالا لثلاث نونات متواليات كما قالوا تظنيت وأصله الظن فصارت يتسنى ثم يدخل الجزم على الفعل فتسقط الياء فتصير لم يتسن ثم زادوا الهاء للوقف فإذا أدرجوا القراءة حذفوا لأن العلة زالت
وقرأ الباقون لم يتسنه بإثبات الهاء في الوصل أي لم تأت عليه السنون فالهاء لام الفعل وسكونها علامة جزم الفعل وحجتهم أن العرب تقول مسانهة ماسنهة وفي التصغير سنيهة فلهذا أثبتوا الهاء في الوصل لأنها لام الفعل قال الشاعر ... فليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح

(1/143)


قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ننشرها بالراء أي كيف نحييها وحجتهم قوله قبلها أنى يحيي هذه الله بعد موتها والزاي يعني بها كيف نرفعها من الأرض إلى الجسد والقائل لم يكن في شك في رفع العظام إنما شكه في إحياء الموتى فقيل له انظر كيف ننشر العظام فنحييها تقول أنشر الله الموتي فنشروا
وقرأ الباقون كيف ننشزها بالزاي أي نرفعها وحجتهم قوله وانظر إلى العظام كيف ننشزها وذلك أن العظام إنما توصف بتأليفها وجمع بعضها إلى بعض إذ كانت العظام نفسها لا توصف بالحياة لا يقال قد حي العظم وإنما يوصف بالإحياء صاحبها وحجة أخرى قوله ثم نكسوها لحما دل على أنها قبل أن يكسوها اللحم غير أحياء لأن العظم لا يكون حيا وليس عليه لحم فلما قال ثم نكسوها لحما علم بذلك أنه لم يحيها قبل أن يكسوها اللحم
قرأ حمزة والكسائي قال اعلم أن الله على كل شيء قدير جزما على الأمر من الله وحجتهما قراءة ابن مسعود قيل اعلم أن الله على كل شيء قدير وكان ابن عباس يقرؤها أيضا قال اعلم ويقول أهو خير أم إبراهيم إذ قيل له واعلم أن الله عزيز حكيم وحجة أخرى وهي أن التوقفة بين ذلك وسائر ما تقدمه إذ كان جرى ذلك كله بالأمر فقيل فانظر إلى طعامك وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام وكذلك أيضا قوله اعلم أن الله إذ كان في سياق ذلك

(1/144)


قال الزجاج ومن قرأ قال اعلم فتأويله أنه يقبل على نفسه فيقول اعلم أيها الإنسان أن الله على كل شيء قدير
وقرأ الباقون قال أعلم رفعا على الخبر عن نفس المتكلم وحجتهم ما روي في التفسير قالوا لما عاين من قدرة الله ما عاين قال أعلم أن الله على كل شيء قدير قالوا فلا وجه لأن يأمر بأن الله على كل شيء قدير وقد عاين وشاهد ما كان يستفهم عنه وقال الزجاج ليس تأويل قوله أعلم أن الله على كل شيء قدير أنه ليس يعلم قبل ما شاهد ولكن تأويله إني قد علمت ما كنت أعلمه غيبا مشاهدة
قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا
قرأ حمزة فصرهن إليك بكسر الصاد أي قطعهن وشققهن ومزقهن وفي الكلام تقديم وتأخير يكون معناه فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن فيكون إليك من صلة خذ
وقرأ الباقون فصرهن بضم الصاد أي أملهن واجمعهن وقال الكسائي وجههن إليك قال والعرب تقول صر وجهك إلي أي أقبل علي واجعل وجهك إلي وكان أبو عمرو يقول ضمهن إليك ومن وجه قوله فصرهن إليك إلى هذا التأويل كان في الكلام عنده متروك ويكون معناه فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم قطعهن ثم اجعل على كل جبل
قرأ أبو بكر جزؤا بضم الزاي وقرأ الباقون بإسكان الزاي وهما لغتان معروفتان

(1/145)


كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين
قرأ ابن عامر وعاصم بربوة بفتح الراء وهي لغة بني تميم وقرأ الباقون بربوة بضم الراء وهي لغة قريش
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أكلها بسكون الكاف وحجتهم أنهم استثقلوا الضمات في اسم واحد فأسكنوا الحرف الثاني
وقرأ الباقون بضم الكاف على أصل الكلمة وقالوا لا ضرورة تدعو إلى إسكان حرف يستحق الرفع وحجتهم إجماعهم على قوله هذا نزلهم وقد اجتمعت في كلمة ثلاث ضمات ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون
قرأ ابن كثير في راوية البزي ولا تيمموا الخبيث بتشديد التاء وكان الأصل تتيمموا فأدغم التاء بالتاء وقرأ الباقون بالتخفيف وحذفوا التاء الثانية
إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم
قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر فنعما هي بكسر النون وسكون العين وحجتهم قول النبي صلى الله عليه لعمرو بن العاص

(1/146)


نعما بالمال الصالح للرجل الصالح واصل الكلمة نعما بفتح النون وكسر وكسر العين فكسروا النون لكسرة العين ثم سكنوا العين هربا من الاستثقال
وقرا حمزة وابن عامر والكسائي فنعما هي بفتح النون وكسر العين وحجتهم أن أصل الكلمة نعم فأتوا بالكلمة على أصلها وهي أحسن لأنه لا يكون فيها الجمع بين ساكنين
فأتوا بالكلمة على أصلها وهي أحسن لأنه لا يكون فيها الجمع بين ساكنين
وقرأ ورش وابن كثير وحفص فنعما بكسر النون والعين وقد بينا أن الأصل فيها نعم بفتح النون وكسر العين وتركوا العين على أصلها
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر و نكفر برفع الراء على الاستئناف يقول الله جل وعز ونحن نكفر وحجته قوله فهو خير لكم لما كان جواب الجزاء في الفاء ولم يكن فعلا مجزوما لم يستجيزوا أن ينسقوا فعلا على غير جنسه ولو كان جزما لجزموا الفعل المنسوق على الجزاء إذا كان فعلا مثله وقرأ نافع وحمزة والكسائي

(1/147)


ونكفر بالجزم على موضع فهو خير لكم لأن المعنى يكن خيرا واحتجوا بأن قالوا الجزم أولى ليخلص معنى الجزاء ويعلم بأن تكفير السيئات إنما هو ثواب للمتصدق على صدقته وجزاء له وإذا رفع الفعل احتمل أن يكون ثوابا وجزاء واحتمل أن يكون على غير مجازاة وكان الجزم أبين المعنيين
وقرأ ابن عامر وحفص ويكفر بالياء والرفع على الاستئناف أيضا ويكون إخبارا عن الله عز و جل أنه يكفر السيئات
يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة يحسبهم بفتح السين وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان حسب يحسب و حسب يحسب وقال قوم يحسب بكسر السين من حسب وقالوا وقد جاءت كلمات على فعل يفعل مثل حسب يحسب ونعم ينعم ويئس ييئس
فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله
قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم فإن لم تفعلوا فآذنوا مفتوحة الهمزة والذال مكسورة أي فاعلموهم وأخبروه بأنكم على حربهم تقول آذنت الرجل بكذا أي أعلمته
وقرأ الباقون فأذنوا ساكنة الهمزة أي فاعلموا أنتم يقال أذن به يأذن إذنا إذا علم به
قال أبو عبيد الاختيار القصر لأنه خطاب بالأمر والتحذير وإذا قال فآذنوا بالمد والكسر فكأن المخاطب خارج من التحذير

(1/148)


مأمور بتحذير غيره وإعلامه
وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون
قرأ نافع إلى ميسرة بضم السين وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان مثل المشرقة والمشرقة
قرأ عاصم وأن تصدقوا بتخفيف الصاد وقرأ الباقون بالتشديد
الأصل تتصدقوا من خفف حذف التاء الثانية اكتفاء بعلامة الاستقبال منها ومن شدد أدغم التاء في الصاد لقرب المخرجين
واتقوا يوما ترجعون فيه إلىالله 28
قرأ أبو عمرو واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله بفتح التاء أي تصيرون نسب الفعل إليهم
وحجته قوله وأنهم إليه راجعون فأنسد الرجوع إليهم فكذلك قوله ترجعون
وقرأ الباقون ترجعون بضم التاء أي تردون وحجتهم قوله ثم إلى ربهم يحشرون وإليه تقلبون
فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إجدهما الأخرى
قرأ ابن كثير وأبو عمرو من الشهداء أن تضل بفتح أن فتذكر بإسكان الذال وفتح الراء

(1/149)


وقرأ حمزة إن تضل بكسر إن فتذكر بتشديد الكاف ورفع
وقرأ الباقون أن تضل بفتح أن فتذكر بالتشديد ونصب الراء
فمن فتح فلأن المعنى عند الفراء لئلا تضل إحداهما فتذكرها الأخرى
وقال سيبويه إنما فتح أن لأنه أمر بالشهادة المعنى استشهدوا امرأتين لأن تذكر إحدهما الأخرى من أجل أن تذكر فإن قال قائل كيف جاز أن تقول تضل ولم يعد هذا للإضلال فالجواب أنه إنما ذكر أن تضل لأنه سبب الإذكار كما يقول الرجل أعددت الخشب أن يميل الحائط فأدعمه وهو لا يطلب إعداده ذلك لميلان الحائط ولكنه أخبر بالشيء الذي الدعم بسببه
وأما حمزة فإنه جعل إن حرف شرط و تضل جزم بالشرط والأصل إن تضلل فلما أدغمت اللام في اللام فتحت لإلتقاء الساكنين كقوله من يرتد منكم عن دينه والفاء جواب الشرط و تذكر فعل مستقبل لأن ما بعد فاء الشرط يكون الفعل فيه مستأنفا كقوله ومن عاد فينتقم الله منه
وحجة من قرأ فتذكر بالتخفيف حكاها الأصمعي عن أبي

(1/150)


عمرو قال أبوعمرو إذا شهدت المرأة على شهادة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها أي جعلتها ذكرا لأنهما تقومان يعني صارت المرأتان كذكر وكذا روي عن أبي عينية
وحجة أخرى وهي أنك تقول أذكرت الناسي الشيء حتى ذكره وأذكرتك ما قد نسيت ولا تقول ذكرته وإنما تقول ذكرته في الموعظة قال الله تعالى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقال وذكرهم بأيام الله
وحجة التشديد أنهما لغتان وتأويله فجعل الله المرأتين بإزاء رجل لضعفما وضعف عقولهم ولمزية الرجال على النساء وفضل رأيهم إن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان فمتى نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى تقول تذكري يوم شهدنا في موضع كذا وكذا فجعل بدل رجل امرأتين
إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها
قرأ عاصم إلا أن تكون تجارة بالنصب المعنى إلا أن تكون المداينة تجارة حاضرة والمعاملة تجارة حاضرة
وقرأ الباقون بالرفع المعنى إلا أن تقع تجارة حاضرة كقوله قبلها وإن كان ذو عسرة أي وقع ذو عسرة
وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة

(1/151)


قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن برفع الراء والهاء وحجتهما ما روي عن أبي عمرو أنه قال إنما قرئت فرهن ليفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع رهن في غيرها تقول في الخيل راهنته رهانا والرهن جمع رهن وهو نادر كما تقول سقف وسقف وقال الفراء الرهن جمع الجمع رهن ورهان ثم رهن كما تقول ثمرة وثمار وثمر
وقرأ الباقون فرهان وحجتهم أن هذا في العربية أقيس أن يجمع فعل على فعال مثل بحر وبحار وعبد وعباد ونعل ونعال وكلب وكلاب
وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
قرأ عاصم وابن عامر فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء برفع الراء والباء على الاستئناف
وحجتهم أن قوله إن تبدوا شرط يحاسبكم جزم لأنه جواب وقد تم الكلام فيرفع فيغفر و يعذب على تقدير ضمير فهو يغفر ويعذب
وقرأ الباقون بالجزم فيهما عطف على يحاسبكم به الله
كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله
قرأ حمزة والكسائي وكتابه وحجتهما أن الكتاب هو القرآن فلا وجه لجمعه وحجة أخرى قال ابن عباس الكتاب أكثر

(1/152)


من الكتب قال أبوعبيدة أراد كل كتاب الله بدلالة قوله فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب فوحد إرادة الجنس وهذا كما تقول كثر الدرهم في أيدي الناس تريد الجنس كله
وقرأ الباقون وكتبه وحجتهم ما تقدم وما تأخر ما تقدم ذكر بلفظ الجمع وهو قوله كل آمن بالله وملائكته وما تأخر ورسله فكذلك كتبه على الجمع ليأتلف الكلام على نظام واحد
3 - سورة آل عمران
قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد
قرأ حمزة والكسائي سيغلبون ويحشرون بالياء فيهما أي بلغهم بأنهم سيغلبون وحجتهما إجماع الجميع على قوله قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ويقوي الياء أن

(1/153)


أهل التفسير تأولوا في ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما هزم المشركين يوم بدر قالت اليهود بعضهم لبعض هذا هو النبي الذي لا ترد له راية فصدقوا فقال بعضهم لا تعجلوا بتصديقه حتى تكون وقعة أخرى فلما اصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم شكوا في أمره وخالفوه فأنزل الله قل يا محمد سيغلبون ويحشرون
وقرأ الباقون ستغلبون وتحشرون بالتاء على المخاطبة أي قل لهم في خطابك ستغلبون وتحشرون وحجتهم قوله قل للذين كفروا فقد أمره أن يخاطبهم والمخاطبة لهم أن يقول في وجوههم ستغلبون وتحشرون بالتاء
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين
قرأ نافع ترونهم مثليهم بالتاء على مخاطبة اليهود وحجته أن الكلام قبل ذلك جرى بمخاطبة اليهود وهو قوله قد كان لكم آية فإلحاق هذا أيضا بما تقدم أولى ومعنى الكلام قد كان يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وهم رسول الله صلى الله عليه وأصحابه ببدر وأخرى كافرة وهم مشركون ترونهم أنتم أيها اليهود مثلي الفئة التي تقاتل في سبيل الله
وقرأ الباقون بالياء وحجتهم ما روي عن أبي عمرو قال أبو عمرو لو كانت ترونهم لكانت مثليكم قال الفراء

(1/154)


من قرأ بالتاء فإنه ذهب إلى اليهود ومن قرأ بالياء فعل ذلك كما قال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم فإن شئت جعلت يرونهم من المسلمين دون اليهود أي يرى المسلمون المشركين مثليهم
قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله
ذكر أبو بكر ابن مجاهد في كتابه عن أبي عبد الرحمن اليزيدي عن أبيه قال لقيني الخليل بن أحمد في حياة أبي عمرو قال لي لم قرأ آؤلقي الذكر و آؤنزل ولم يقرأ آؤنبئكم قال فلم أدر ما أقول له فرحت إلى أبي عمرو فذكرت له ما قال الخليل فقال فإذا ليقته فأخبره أن هذا من نبأت وليس من أنبأت قال فلقيته فأخبرته بقول أبي عمرو فسكت
أبو بكر قال هذا شيء لا أدري ما معناه اللهم إلا أن يكون الذي علم منه شيئا منع غيره أن يعلمه وإن كانت العربية فلا فرق بين اجتماع الهمزتين من نبأت ولا من أنبأت
قال الشيخ أبو زرعة رضي الله عنه سألت أبا عبد الله الخطيب

(1/155)


عن هذا فقال إن أبا عمرو أشار إلى أنه يرى الفصل بالألف بين الهمزتين المتلازمتين نحو همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة ثانية في الفعل الماضي نحو أفعل لأن هذا المثال مبني علىالهمزة فهي تصحبه في متصرفاته إما مقدرة في اللفظ وإما مقدرة في النية ففي اللفظ في الماضي والمصدر نحو أنذر إنذارا وفي التقدير في المستقبل نحو أنذر واصله أؤنذر بهذه الهمزة التي بني الفعل عليها بملازمتها له هي أثقل من الهمزة التي تعرض من جملة امثلة الأفعال في مثال واحد وهي في إخبار المتكلم عن نفسه بفعل مستقبل فلما كانت أثقل كان الفصل معها أوجب ولما كانت العارضة في حال واحدة أخف لم يحتج عند دخول ألف الاستفهام عليها إلى الفصل بينها وبينها لخفتها والهمزة في أؤنبئكم عارضة في المستقبل وليست ثابتة في الماضي والمصدر والهمزة في أنذر ثابتة في الماضي والمصدر
قرأ أبي عن نافع قل آؤنبئكم بهمزة واحدة مطولة والأصل في هذا أؤنبئكم بهمزتين ثم زاد الألف الفاصلة بينهما ليبعد المثل عن المثل ويزول الاجتماع فيخف اللفظ فصار آؤنبئكم وهذه قراءة هشام ثم لين الهمزة الثانية فصار آؤنبئكم
وقرأ نافع إلا ما ذكرنا وبان كثير وأبو عمرو أؤنبئكم بهمزة

(1/156)


واحدة من غير مد الأصل في هذا أؤنبئكم بهمزتين مثل ما ذكرنا ثم لينوا الهمزة الثانية ولم يدخلوا بينهما ألفا
وقرأ الباقون بهمزتين على أصل الكلمة وقد ذكرنا الحجة في سورة البقرة
قرأ أبو بكر عن عاصم ورضوان من الله بصم الراء في جميع القرآن إلا في سورة المائدة فإنه قرأ بالكسرة وفي رواية الأعشى قرأ بالضم أيضا وحجته أنه فرق بين الاسم والمصدر وذلك أن اسم خازن الجنة رضوان كذا جاء في الحديث و رضوان مصدر رضي يرضى رضى ورضوانا ففرق بين الاسم والمصدر
وقرأ الباقون بالكسر وحجتهم أن ذلك لغتان معروفتان يقال رضي يرضى رضى ومرضاة ورضوانا ورضوانا والمصادر تأتي على فعلان وفعلان فأما فعلان فقوله عرفته عرفانا وحسبته حسبانا وأما فعلان فقولهم غفرانك لا كفرانك
إن الدين عند الله الإسلام 19
قرأ الكسائي أن الدين عند الله الإسلام بفتح الألف وحجته

(1/157)


قوله قبله شهد الله أنه لا إله إلا هو 18 وقد أجمعوا على فتح أنه فجعل الشهادة واقعة عليه كأنه قال شهد الله أنه وشهد الله أن الدين عند الله الإسلام
وقرأ الباقون إن الدين بكسر الألف على الاستئناف
فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن 20
قرأ نافع وأبو عمرو ومن اتبعني بياء في الوصل وحجتهما أنها ياء المتكلم كما تقول من كلمني فلا تحذف الياء
وقرأ الباقون بحذف الياء وحجتهم مرسوم المصاحف بغير ياء وحجة أخرى أن الكسرة تنوب عن الياء وأصل اتبعني اتبعي ولكن النون زيدت لتسلم فتحة العين فالكسرة مع النون تنوب عن الياء
ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس 21
قرأ حمزة ويقاتلون الذين يأمرون بالألف وبضم الياء أي يحاربون وحجته قراءة عبد الله وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس
وقرأ الباقون ويقتلون الذين يأمرون بغير ألف وحجتهم أنهم لم يختلفوا في الحرف الأولى أنه بلا ألف وهو قوله ويقتلون النبيين بغير حق وكذلك ويقتلون الذين يأمرون بالقسط

(1/158)


تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي 27
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي بالتخفيف حيث كان وقرأ الباقون بالتشديد
أصل الكلمة ميوت على فيعل فقلبوا الواو ياء للياء التي قبلها فصارت مييتا فمن قرأ بالتخفيف فإنه استثقل تشديد الياء مع كسرها فأسكنها فصارت ميتا وزنه فيل ومن قرأ بالتشديد فإن التشديد هو الأصل وذلك أنه في الأصل ميوت فاستثقلوا كسرة الواو بعد الياء فقلبوها ياء للياء التي قبلها ثم أدغموا الساكنة في الثاني فصارتا ياء مشددة
واعلم أنهما لغتان معروفتان قال الشاعر ... ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء ...
إلا أن تتقوا منهم تقة 28
قرأ حمزة والكسائي تقاة حمالة وحجتهما أن فعلت منها بالياء إذا قلت وقيت فابقيا في لام الفعل دلالة على أصله في فعلت وهي ألإمالة
وقرأ الباقون بغير إمالة وحجتهم أن فتحة القاف تغلب على الألف فتمنعها من الإمالة

(1/159)


وأما قوله حق تقاته فإن الكسائي قرأ بالإمالة وحده
فإن سأل سائل فقال لم أمال حمزة الأولى وفخم الثانية
الجواب أن الأولى كتبت في المصاحف بالياء والثانية بالأف وكان حمزة متبعا للمصحف والدليل عليه أن يعقوب قرأ تقية وأصل الكلمة وقية على وزن فعلة فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت وقاة ثم أبدلوا من الواو تاء كما قالوا تجاه وأصله وجاه
قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت 36
قرأ ابن عامر وأبو بكر والله أعلم بما وضعت بضم التاء جعلوها من كلام أم مريم وحجتهم أنها قالت رب إني وضمتها أنثى كانت كأنها أخبرت الله بأمر هو أعلم به منها فتداركت ذلك بقولها والله أعلم بما وضعت كما قال عز و جل قالت الأعراب آمنا قال الله جل وعز قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات والأرض وهي مع ذلك إذا قرئت بالضم لم يكن فيها تقديم وتأخير
وقرأ الباقون والله أعلم بما وضعت بسكون التاء وحجتهم أنها قالت رب إني وضعتها أنثى فكيف تقول بعدها والله أعلم بما وضعت أنا والمعنى الواضح هو أنها قالت رب إني وضعتها أنثى

(1/160)


فقال الله جل وعز والله أعلم بما وضعت هي منها وفي القراءة تقديم وتأخير معناها قالت رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى فقال الله جل وعز والله أعلم بما وضعت وحجة أخرى لو كان كله كلامها لكانت رب إني وضعتها أنثى وأنت أعلم بما وضعت
وكفلها زكريا 37
قرأ عاصم وحمزة والكسائي وكفلها بالتشديد زكريا مقصورا
وقرأ أبو بكر زكرياء بالنصب أي وكفلها الله زكرياء أي ضمها إليه
وحجتهم أن الكلام تقدم بإسناد الأفعال إلى الله وهو قوله قبلها فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فكذلك أيضا وكفلها ليكون معطوفا على ما تقدمه من أفعال الله
وقرأ الباقون وكفلها بالتخفيف زكرياء بالمد والرفع قال أبو عبيد كفلها أي ضمنها ومعناه في هذا ضمن القيام بأمرها وحجتهم قوله إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ولم يقل يكفل فالكفالة مسندة إليهم وكذلك في هذا الموضع وأما زكرياء و زكريا فإنهما لغتان بالمد والقصر والقصر أشبه بما جاء في القرآن وفي غيره من أسماء الأنبياء كموسى وعيسى وانشا ويهودا وليس فيها

(1/161)


شيء ممدود فكذلك زكريا هو بمنزلة نظائره
فنادته الملئكة وهو قائم يصلي 39
قرأ حمزة والكسائي فناداه بألف ممالة وحجتهما أن الذي ناداه جبريل والتقدير فناداه الملك فأخرج الإسم الواحد بلفظ الجمع
وقرأ الباقون فنادته الملائكة بالتاء وحجتهم إجماع الجميع على قوله تحمله الملائكة قال عباس سألت أبا عمرو فقرأ وإذ قالت الملائكة 42 بالتاء ولم يقل وإذ قال الملائكة فأنث فعل الملائكة ها هنا بلا خلاف الواجب أن يرد ما هم مختلفون فيه إلى ما هم عليه مجمعون
قال الزجاج الوجهان جميعا جائزان لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث لأن معناها معنى جماعة ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير كما يقال جمع الملائكة قال ويجوز أن يقول نادته الملائكة وإنما ناداه جبريل وحده لأن معناه أتاه النداء من هذا الجنس كما تقول ركب فلان في السفن وإنما ركب سفينة واحدة تريد بذلك جعل ركوبه في هذا الجنس
إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم 45
قرأ حمزة وابن عامر إن الله يبشرك بكسر الألف وقرأ

(1/162)


الباقون أن الله بالفتح فمن فتح فالمعنى نادته بأن الله يبشرك أن نادته بالبشارة
ومن كسر أراد قالت له إن الله يبشرك ويجوز أن تقول إنما كسره على الإستئناف
قرأ حمزة الكسائي يبشرك بفتح الياءوإسكان الباء وضم الشين أي يسرك ويفرحك يقال بشرت الرجل أبشره إذا فرحته وحجتهما قول النبي صلى الله عليه و سلم
هل أنت باشرنا بخير
وقرا الباقون يبشرك بالتشديد أي يخبرك يقال بشرته أبشره أي أخبرته بما أظهر في بشرة وجهه من السرور وحجتهم قوله فبشرناها بإسحق وقوله وبشر المحسنين قال الكسائي وأبو عبيدة هما لغتان
ويعلمه الكتب والحكمة والتورة والإنجيل 48
قرأ عاصم ونافع ويعلمه الكتاب بالياء إخبار عن الله أنه يعلمه الكتاب وحجتهما قوله قبلها قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعمله
وقرأ الباقون ونعلمه بالنون أي نحن نعلمه وحجتهم قوله قبلها ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك 44

(1/163)


أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فكيون طيرا إذن الله 49
قرأ نافع إني أخلق لكم بكسر الألف على الاستئناف
وقرأ الباقون أني بالفتح وحجتهم أنها بدل من قوله قد جئتكم بآية من ربكم قال الزجاج أني في موضع جر على البدل من آية المعنى جئتكم من أني أخلق لكم من الطين
قرا نافع فيكون طائرا على واحد كما تقول رجل وراجل وركب وراكب قال الكسائي الطائر واحد على كل حال والطير يكون جمعا وواحدا وحجته أن الله أخبر عنه أنه كان يخلق واحدا ثم واحدا
وقرأ الباقون طيرا وحجتهم أن الله جل وعز إنما أذن له أن يخلق طيرا كثيرة ولم يكن يخلق واحدا فقط
فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين 56و57
قرأ حفص فيوفيهم أجورهم بالياء أي فيوفيهم الله وحجته قوله والله لا يحب الظالمين
وقرأ الباقون فنوفيهم بالنون الله جل وعز أخبر عن نفسه وحجتهم قوله فأعذبهم عذابا شديدا ولم يقل فيعذبهم

(1/164)


هأنتم هؤلاء حججتم 66
قرأ نافع وأبو عمرو هانتم بغير همز ويمدان قليلا
كان أبوعمرو يذهب في هانتم إلى أن الهاء بدل من همزة أأنتم بهمزتي ثم أدخل بين الهمزتين ألفا فقال أاأنتم ثم قلب الهمزة الأولى هاء فقال ها أنتم ثم خفف الهمزة من أنتم فصار هانتم والهمزة تقلب هاء كثيرا لقربها من الهاء كما قيل هرقت الماء وأرقته و إياك وهياك و أهل وآل فإنما ذهب أبو عمرو إلى أن الهاء بدل من الهمزة وليست للتنبيه لأن العرب تقول ها أنا ذا ولا تقول ها أنا هذا فتجمع بين حرفين للتنبيه وكذلك في قوله ها أنتم أولاء لا يكون جمع بين حرفين للتنبيه ها للتنبيه و هؤلاء للتنبيه
وقرأ ابن كثير في رواية القواس هأنتم مقصورا على وزن هعنتم والأصل عنده أيضا أأنتم بهمزتين فأبدل من الهمزة هاء ولم يدخل بينهما ألفا فصار هأنتم على وزن هعنتم
وقرأ الباقون ها أنتم بالمد والهمز و ها على مذهبهم أدخلت للتنبيه كما أدخلت على ذا فقيل هذا فوصلت ها ب أنتم التي هي أسماء المخاطبين فقيل ها أنتم فلا بد من المد والهمز من جهة الألف في ها والهمزة في أنتم قالوا ويجوز أيضا أن تكون الهاء في هذه القراءة بدلا من الهمزة
ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أتوتيتم 73
قرأ ابن كثير آن يؤتى أحد بمد الألف على الاستفهام على

(1/165)


وجه الإنكار أي لا يعطى أحد مثل ما أعطيتم وهو متصل بقوله ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد ويكون قوله إن الهدى هدى الله خبرا اعترض في وسط الكلام ولم يغير من المعنى شيئا وإذا حمل الكلام على هذا كان قوله أن يؤتى بعد من الحكاية عن اليهود يقول لا تصدقوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم
وقرأ الباقون أن يؤتى بلا استفهام وتأويله ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقد بينا في كتاب التفسير
ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليكم ومنهم من إن تأمنه بدنيار لا يؤده إليك 75
قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر يؤده إليك و لا يؤده إليك بسكون الهاء وحجتهم أن من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها فيقول ضربته ضربا شديدا فينزلون الهاء إذا سكنوها وأصلها الرفع بمنزلة أنتم و رأيتهم إذا سكنوا الميم فيها وأصلها الرفع ولم يصلوها بواو فلذلك اجريت الهاء مجرى الميم في أنتم أنشد الفراء ... فيصلح اليوم ويفسده غدا ...
وقرأ الباقون يؤدهي إليك و لا يؤدهي إليك يصلون بياء في اللفظ وحجتهم أن الياء بدل من الواو وأصلها يؤدهو إليك

(1/166)


لكن قلب الواو ياء لانكسار ما قبلها فلا سبيل إلى حذف الياء وهي بدل من الواو قال سيبويه الواو زيدت على الهاء في المذكر كما زيدت الألف في المؤنث في قولك ضربتها ومررت بها وضربتهو ليستوي ضربته المذكر والمؤنث في باب الزيادة
قرأ نافع في رواية الحلواني يؤده بالإختلاس وحجته أن الكسرة تدل عل الياء وتنوب عنها
ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة ثم يقول كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم 79 و80
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بما كنتم تعلمون الكتاب بالتخفيف أي يعلمكم الكتاب
قال أبو عمرو وحجتهما قوله بما كنتم تدرسون ولم يقل تدرسون
وقرأ الباقون بما كنتم تعلمون بالتشديد من قولك علمت زيدا الكتاب أعلمه تعليما والمعنى تعلمون الناس الكتاب وحجتهم أن تعلمون أبلغ في المدح من تعلمون لأن المعلم لا يكون معلما حتى يكون عالما بما يعلمه الناس قبل تعليمه وربما كان عالما ليس بمعلم

(1/167)


وقد روي عن مجاهد أنه قال ما علموه حتى علموه
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ولا يأمركم بالنصب وحجتهم أنها نسق على قوله ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ثم يقول للناس ولا أن يأمركم
وقرأ الباقون ولا يأمركم بالرفع على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي صلى الله عليه أنه لا يأمركم ايها الناس أن تتخذوا من الملائكة والنبيين أربابا
وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما آتيتكم من كتب فمن تولى 81و82
قرأ حمزة وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم بكسر اللام جعل ما بمعنى الذي المعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتيتكم أي لهذا هذه اللام لام الإضافة واللام متعلقة ب أخذ الميثاق المعنى أخذ الميثاق لإتيانه الكتاب والحكمة أخذ الميثاق قال الفراء من كسر اللام يريد أخذ الميثاق للذي آتاهم من الحكمة قال الزجاج ويكون الكلام يؤول إلى الجزاء كما تقول لما جئتني أكرمتك
وقرأ الباقون لما آتيتكم بفتح اللام كان الكسائي يقول معناه مهما آتيتكم على تأويل الجزاء قال وجوابه فمن تولى وهذه اللام تدخل في ما وفي من على وجد الجزاء
قال الزجاج ما ها هنا على ضربين يصلح أن تكون للشرط

(1/168)


والجزاء وهو أجود الوجهين لأن الشرط يوجب أن كل ما وقع من أمر الرسل فهذه طريقته واللام دخلت في ما كما تدخل في إن الجزاء إذا كان في جوابها القسم قال الله ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك وقال قل لئن اجتمعت الإنس والجن فاللام في إن دخلت مؤكدة موطئة للام القسم ولام القسم هي اللام التي لليمين لأن قولك والله لئن جئتني لأكرمنك إنما حلفك على فعلك إلا أن الشرط معلق به فلذلك دخلت اللام على الشرط فإذا كانت ما في معنى الجزاء موضعها نصب بقوله آتيتكم وتقدير الكلام أي شيء آتيتكم فتكون اللام الأولى على ما فسره دخلت للتوكيد أي توكيد الجزاء واللام الثانية في قوله لتؤمنن به 81 لام القسم قال ويجوز أن تكون ما في معنى الذي ويكون موضعها الرفع المعنى أخذ الله ميثاقهم أي استحلفهم للذي آتيتيكم المعنى آتيتكموه لتؤمنن به وحذف الهاء من قوله آتيتكموه لطول الاسم
قرأ نافع لما آتيناكم بالنون والألف وحجته قوله وآتينا بني إسرائيل الكتاب و و خذوا ما آتيناكم فهذه اللفظ تكون للتعظيم كما قال نحن قسمنا بينهم
وقرأ الباقون آتيتكم وجحتهم قوله فخذ ما آتيتك

(1/169)


أفغير دين الله يبغون وإليه يرجعون 83
قرأ أبو عمرو يبغون بالياء وحجته أن الخطاب قد انقضى بالفصل بينه وبين ذلك بقوله فمن تولى بعد لك فأولئك هم الفاسقون 82 ثم قال أفغير دين الله يبغي الفاسقون فيكون الكلام نسقا واحدا
وقرأ الباقون بالتاء وحجتهم قول قبلها أأقررتم وأخذتم 81 فيكون نسقوا مخاطبة على مخاطبة وقال قوم يجوز أن يكون ابتدأ خطابا مجددا على تأويل قل لهم يا محمد أفغير دين الله تبغون أيها المخاطبون فكان خطابا عاما لليهود وغيرهم من الناس
وقرأ حفص يبغون بالياء جعله خبرا عن اليهود وإليه يرجعون بالياء أيضا يعني اليهود وقرأ الباقون بالتاء أي أنتم وهم
ولله على الناس حج البيت 97
قرأ حمزة والكسائي وحفص حج البيت بكسر الحاء وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان الفتح لأهل الحجاز وبني أسد والكسر لغة أهل نجد وقيل إن الفتح مصدر والكسر اسم
وما يفعلوا من خير فلن يكفروه 115
قرأ حمزة والكسائي وحفص وما يفعلوا من خير فلن يكفروه

(1/170)


171 - بالياء فيهما وحجتهم قوله قبلها من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر 113 و 114 الآية وكذلك وما يفعلوا من خير أي هؤلاء المذكورون وسائر الخلق داخل معهم
وقرأ الباقون بالتاء فيهما وحجتهم قوله قبلها كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله 110 وما تفعلوا من خير فلن تكفروه أيها المخاطبون بهذا الخطاب
وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا 120
قرأ نافع و ابن كثير وأبو عمرو لا يضركم بكسر الضاد وحجتهم قوله لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون وكانت في الأصل لا يضيركم مثل يضربكم فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت كسرة الياء إلى الضاد فصارت لا يضيركم ودخل الجزم على الراء فالتقى ساكنان الياء والراء فطرحت الياء فصارت لا يضركم
وقرأ الباقون يضركم بضم الضاد وتشديد الراء وضمها من ضر يضر وحجتهم أن ضر في القرآن أكثر من ضار واستعمال العرب ضر أكثر من ضار من ذلك ضرا ولا نفعا و نفعا ولا ضرا وهو كثير في القرآن فلا يصرف عن شيء كثر في القرآن
وأما ضم الراء ففيه وجهان عند الكسائي أحدهما أن يكون الفعل

(1/171)


عنده مجزوما بجواب الجزاء وتكون المضة في الراء تابعة لضمة الضاد كقولهم مد ومده فأتبعوا الضم الضم في المجزوم وكانت في الأصل لا يضرركم ولكن كثيرا من القراء والعرب يدغم في موضع الجزم فلما أرادوا الإدغام سكنوا الراء ونقلوا الضمة التي كانت على الضاد فصارت لا يضرركم ثم أدغموا الراء في الراء وحركوها بحركة الضاد فصارت لا يضركم فهذه الضمة ضمة إتباع وأهل الحجاز يظهرون التضعيف وفي هذه الآية جاءت فيها اللغتان جميعا فقوله إن تمسسكم حسنة على لغة أهل الحجاز و لا يضركم على لغة غيرهم من العرب
والوجه الآخر أن يكون الفعل مرفوعا فتصير لا على مذهب ليس وتضمر في الكلام فاء كأنه قال فليس يضركم والفاء المضمرة تكون جواب الجزاء واستشهد الكسائي على إضمار الفاء ها هنا بقوله وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون معناه فإذا هم وكذلك قوله وإن أطعتموهم إنكم لمشركون أي فإنكم لمشركون
ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة ءألف من الملئكة منزلين124
قرأ ابن عامر من الملائكة منزلين بالتشديد وحجته قوله لنزلنا عليهم من السماء ملكا وهما لغتان نزل وأ نزل مثل كرم وأكرم

(1/172)


بخمسة ءالف من الملئكة مسومين 125
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم مسومين بكسر الواو أي معلمين أخذ من السومة وهي العلامة وحجتهم ما جاء في التفسير قال مجاهد كانوا سوموا نواصي خيولهم بالصوف الأبيض فهم على هذا التفسير مسومون لأنهم فاعلون
ووردت الأخبار بأن الملائكة نزلت على رسول الله صلى الله عليه معتمين بعمائم صفر فأضافوا الاعتمام إليهم ولم يقل معممين فيكونوا مفعولين وتكون القراةء بفتح الواو وقال رسول الله لأصحابه يوم بدر تسوموا فإن الملائكة قد تسومت
وقرأ الباقون مسومين بفتح الواو وحجتهم منزلين لما كان فتح الزاي مجمعا عليه إذ كانوا مفعولين ردوا قوله مسومين إذ كانت صفة مثل معنى الأول ففتحوا الواو وجعلوهم مفعولين كما كانوا منزلين فكأنهم أنزلوا مسومين
وقد روي عن عكرمة وقتادة في تفسير ذلك أنهما قالا فيه عليهم سيما القتال وقال قوم مسومين مرسلين تقول العرب لنسومن فيكم الخيل أي لنرسلنها حكى ذلك الكسائي قال وتقول العرب سوم الرجل غلامه أي خلى سبيله فعلى هذا التأويل يوجه معنى ذلك إلى معنى مرسلين على الكفار فيكون موافقا المعنى منزلين

(1/173)


وسارعوا إلى مغفرة من ربكم 134 قرأ نافع وابن عامر سارعوا إلى مغفرة من ربكم بغير واو اتباعا لمصاحفهم
وقرأ الباقون وسارعوا بالواو اتباعا لمصاحفهم
إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله 140
قرأ حمزة والكسائي وابو بكر إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله بضم القاف فيهما وقرأ الباقون بالفتح فيهما
قال الفراء كأن القرح بالضم ألم الجراحات وكأن القرح الجراح بأعيانها وقال الكسائي هما لغتان مثل الضعف والضعف والفقر والفقر وأولى القولين بالصواب قول الفراء لتصييرهما لمعنيين والدليل على ذلك قول الله جل وعز حين أساهم بهم في موضع آخر بما دل على أنه أراد الألم فقال ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون فدل ذلك على أنه اراد إن يمسسكم ألم من أيدي القوم فإن بهم من ذلك مثل ما بكم
وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله 146
قرأ ابن كثير وكائن من نبي على وزن كاعن وحجته قول الشاعر ... وكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا

(1/174)


وقرأ الباقون وكأين على وزن كعين وحجتهم قول الشاعر ... كاين في المعاشر من أناس ... أخوهم فوقهم وهم كرام ...
وهما لغتان جيدتان يقرأ بهما وكان أبو عمرو يقف على وكأي على الياء في قول عبيد الله بن محمد عن أخيه وعمه عن اليزيدي عن أبي عمرو وقال بعض علمائنا كأنهم ذهبوا إلى أنها كانت في الأصل أي مشددة زيدت عليها كاف والباقون يقفون وكأين بالنون وحجتهم أن النون أثبتت في المصاحف للتنوين الذي في أي ونون التنوين لم يثبت في القرآن إلا في هذا الحرف
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وكأين من نبي قتل بضم القاف وكسر التاء أي وكم من نبي قتل قبل محمد صلى الله عليه ومعه ربيون كثير وحجتهم أن ذلك أنزل معاتبة لمن أدبر عن القتال يوم أحد إذ صاح الصائح قتل محمد صلى الله عليه فلما تراجعوا كان اعتذارهم أن قالوا سمعنا قتل محمد فأنزل الله وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم ثم قال بعد ذلك وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير أي جموع كثير فما تضعضع الجموع وما وهنوا لكن قاتلوا وصبروا فكذلك أنتم كان يجب عليكم ألا تهنوا لو قتل نبيكم فكيف ولم يقتل
وقرأ الباقون قاتل معه وحجتهم قوله فما وهنوا قالوا لأنهم لو قتلوا لم يكن لقوله فما وهنوا وجه معروف لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا وكان ابن مسعود يقول قاتل ألا ترى

(1/175)


أنه يقول فما وهنوا لما أصابهم وحجة أخرى أنه قاتل أبلغ في مدح الجميع من معنى قتل لن الله إذا مدح من قتل خاصة دون من قاتل لم يدخل في المديح غيرهم فمدح من قاتل أعم للجميع من مدح من قتل دون من قاتل لأن الجميع داخلون في الفضل وإن كانوا متفاضلين
سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب 151
قرأ ابن عامر والكسائي الرعب بضم العين وقرأ الباقون بإسكان العين وهما لغتان أجودهما السكون
ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم قل إن الأمر كله لله 153
قرأ حمزة والكسائي تغشى بالتاء والإمالة ردا على ال أمنة وحجتهما قوله وطائفة قد أهمتهم أنفسهم فذكر من غشيته الأمنة ثم أتبعه من لم يأمن وأهمته نفسه من الخوف فكان تقدير الكلام أن بعضهم قد غشيته الأمنة وبعضهم خائف لم تغشه
وقرأ الباقون يغشى بالباء إخبارا عن النعاس وحجتهم أن العرب تقول غشيني النعاس ولا تكاد تقول غشيني الأمن لأن النعاس يظهر والأمن شيء يقع في القلب وحجة أخرى أنهم أسندوا الفعل إلى النعاس بإجماع الجميع في قراءة من يقرأ يغشاكم النعاس وفي قراءة من يقرأ إذ يغشيكم النعاس مشددا ومخففا

(1/176)


فدل ذلك على أن الذي غشيهم هو النعاس لا الأمنة لأن الآيتين نزلتا في طائفة واحدة
قرأ أبو عمرو قل إن الأمر كله لله برفع اللام وقرأ الباقون بالنصب
فمن نصب فعلى توكيد الأمر ومن رفع فعلى الابتداء و لله الخبر ونظير ذلك قوله ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة عدل بالوجوه عن أن يعمل فيها الفعل ورفعت مسودة وكذلك عدل ب كل عن إتباع الأمر ورفع بالإبتداء
ليجعل الله ذلك مرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير 156
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي والله بما يعملون بصير بالياء وحجتهم أن الكلام أتى عقيب الإخبار عن الذين قالوا لو كان إخواننا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فأخبر الله المؤمنين أنه جعل ذلك القول حسرة منهم في قلوبهم إذ قالوه ثم أتبع ذلك أنه بما يعملون من الأعمال بصير
وقرأ الباقون بما تعملون بالتاء وحجتهم أن الكلام في أول الآية وبعد الآية جرى بلفظ مخاطبة المؤمنين فقال يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا إلى قوله تعالى والله بما تعملون بصير ثم قال بعد هذه ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم وحجة

(1/177)


الياء قوله ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم
ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم 157
قرأ نافع وحمزة والكسائي أو متم بكسر الميم في جميع القرآن وقرأ حفص ها هنا بالضم و في سائر القرآن بالكسر
وقرأ الباقون متم و متنا جميع ذلك بالضم وحجتهم أنها من مات يموت فعل يفعل مثل دام يدوم و قال يقول و كان يكون ولا يقال كنت ولا قلت وحجة أخرى وهو قوله وفيها تموتون ويوم أموت ولو كانت على اللغة الأخرى لكانت تماتون و يوم أمات لأن من مت تمات يجيء فعل يفعل ومن فعل يفعل يجيء قال يقول وقد ذكرنا
وأصل الكلمة عند أهل البصرة موت على وزن فعل مثل قول ثم ضموا الواو فصارت موت وإنما ضموا الواو لأنهم أرادوا أن ينقلوا الحركة التي كانت على الواو إلى الميم وهي الفتحة ولو نقلوها إلى الميم لم تكن هناك علامة تدل على الحركة المنقولة إلى الميم لأن الميم كانت مفتوحة في الأصل ويقع اللبس بين الحركة الأصلية وبين المنقولة وأيضا لم تكن هناك علامة تدل على الواو المحذوفة فضموا الواو لهذه العلة ثم نقلوا ضمة الواو إلى الميم فصار موت واتصل بها اسم المتكلم فسكنت التاء فاجتمع ساكنان الواو والتاء فحذفت الواو وأدغمت التاء في التاء فصارت متم وكذلك الكلام في قلت

(1/178)


وأما من قرأ متم بالكسر له حجتان إحداهما ذكرها الخليل قال يقال مت تموت ودمت تدوم فعل يفعل مثل فضل يفضل قال الشاعر ... وما مر من عيشي ذكرت وما فضل ...
وكان الأصل عنده موت على فعل ثم استثقل الكسرة على الواو فنقلت إلى الميم فصارت موت ثم حذفت الواو لما اتصلت بها تاء المتلكم لاجتماع الساكنين فصارت مت فهذا في المعتل و فضل يفضل في الصحيح والثانية قال الفراء مت مأخوذة من يمات على فعل يفعل مثل سمع يسمع وكان الأصل يموت ثم نقلوا فتحة الواو إلى الميم وقلبوا الواو ألفا لانفتاح ما قبلها فصارت يمات إلا أنه لم يجئ يمات في المستقبل والعرب والعرب قد تستعمل الكلمة بلفظ ما ولا تقيس ما تصرف منها على ذلك القياس من ذلك قولهم رأيت همزته في الماضي ثم أجمعوا على ترك الهمزة في المستقبل فقالوا ترى ونرى بغير همز فخالفوا بين لفظ الماضي والمستقبل فكذلك خالفوا بين لفظ مت وتموت ولم يقولوا تمات
وما كان لنبي أن يغل 161
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم أن يغل بفتح الياء وضم الغين أي ما كان لنبي أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم وحجتهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه جمع الغنائم في غزاة فجاءه جماعة من المسملين فقالوا ألا تقسم بيننا غنائمنا فقال صلى الله عليه
لو أن لكم مثل أحد ذهبا ما منعتكم درهما أترونني أغلكم مغنمكم

(1/179)


فنزلت ما كان لنبي أن يغل أي ما ينبغي لنبي أن يجور في القسم ولكن يعدل ويعطي كل ذي حق حقه
عن ابن عباس قال نزلت على رسول الله صلى الله عليه في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر فقال من كان مع النبي صلى الله عليه لعل رسول الله صلى الله عليه أخذها فأنزل الله الآية
وحجة أخرى وهي أن المستعمل في كلام العرب أن يقال لمن فعل ما لا يجوز له أن يفعل ما كان لزيد أن يفعل كذا وكذا وما كان له أن يظلم ولا يقال أن يظلم لأن الفاعل فيما لا يجوز له يقال له ما كان ينبغي له أن يفعل ذلك به نظير قوله وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله وكما قال ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ألا ترى أنهم المستغفرون ولم يقل أن يستغفروا
وقرأ الباقون يغل بضم الياء وفتح الغين أي ما كان لنبي أن يغله أصحابه أي يخونوه ثم أسقط الأصحاب فبقي الفعل غير مسمى فاعله وتأويله ما كان لنبي أن يخان وحجتهم ما ذكر عن قتادة قال ما كان لنبي أن يغله اصحابه الذين معه من المؤمنين
ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه يوم بدر وقد غل طوائف من أصحابه وقال آخرون معنى ذلك وما كان لنبي

(1/180)


أن يتهم بالغلول قال الفراء يغل أي يسرق ويخون أي ينسب إلى الغلول يقال أغللته أي نسبته إلى الغلول وقال آخرون ما كان لنبي أن يغل أي يلفى غالا أي خائنا كما يقال أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا
يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين 171
قرأ الكسائي وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين بكسر الألف على معنى والله لا يضيع أجر المؤمنين
وكذلك هي في قراءة عبد الله والله لا يضيع فهذا يقوي إن بالكسر
وقرأ الباقون وأن الله بالفتح وهي في موضع خفص على النسق على نعمة من الله وفضل المعنى ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين
ولا يحزنك الذين يسرعون في الكفر 176
قرأ نافع ولا يحزنك بضم الياء في كل القرآن إلا قوله لا يحزنهم الفزع الأكبر
وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان يقال حزن وأحزن والاختيار حزن لقولهم محزون ولا يقال محزن وحجة نافع قول العرب هذا أمر محزن

(1/181)


ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم 178
قرأ حمزة ولا تحسبن الذين كفروا بالتاء خطاب للنبي صلى الله عليه وموضع الذين نصب المفعول الأول من تحسبن و كفروا صلته و أنما مع ما بعدها في موضع المفعول الثاني لأن حسب يتعدى إلى مفعولين تقول حسبت زيدا منطلقا ولا يجوز حسبت زيدا وإنما فتحت أنما لأن الفعل واقع عليها قال الزجاج قوله أنما نملي يجوز على البدل من الذين المعنى لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرا لهم
وقرأ الباقون ولا يحسبن بالياء إخبار عن الذين كفروا فموضع الذين رفع بفعلهم والمحسبة واقعة على أنما ونابت عن الاسم والخبر تقول حسبت أن زيدا منطلق فاسم إن وخبرها سد مسد المفعولين وتقدير الكلام لا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيرا لهم
حتى يميز الخبيث من الطيب 179
قرأ حمزة والكسائي حتى يميز الخبيث بالتشديد من قولك ميزت بين الشيئين أميز تمييزا إذا خلصته كما تقول فرقت بينهما أفرق تفريقا
وقرأ الباقون حتى يميز الخبيث بالتخفيف من مزت الشيء وأنا أميز ميزا وحجتهم قوله الخبيث من الطيب والتشديد إنما يدخل في الكلام للتكثير قال أبو عمرو لا يكون يميز

(1/182)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية