صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : بحوث ندوة أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو
المؤلف : مجموعة من العلماء
الطبعة : الثانية
الناشر : وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
تاريخ النشر : 1425هـ
عدد الصفحات : 354
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

حقيقة الغلو
لما كان المعنى الاصطلاحي يقوم على المعنى اللغوي ، ويخصص عموم إطلاقه ، رجعنا إلى النصوص الواردة في الغلو من الكتاب والسنة .
فمن الكتاب :
قوله تعالى : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } .
- فقد قال القرطبي في تفسيره 6 / 21 لما ذكر المعنى اللغوي :
" ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون : غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا ، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر . ولذلك قال مطرف بن عبد الله : الحسنة بين سيئتين . وقال الشاعر :
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
" اهـ .
وكذا قال جمع من المفسرين منهم : ابن جرير في جامعه 4 / 46 ، والبغوي في معالم التنزيل 2 / 313 ، وابن كثير في تفسيره 1 / 589 ، وأبو حيان في بحره 3 / 400 ، والزمخشري في كشافه 1 / 351 .

(1/205)


والمفهوم من هذه الآية { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } عمومها لجميع أهل الكتاب من يهود ونصارى ؛ إذ العبرة بعموم اللفظ ودلالة السياق تدل عليه أيضا ، فإن النصارى زادوا وجاوزوا الحد في نبي الله عيسى فرفعوه عن منزلته ، وإن اليهود جفوا وفرطوا في حقه فغلوا في الجفاء والتفريط وزادوا فيهما ، حتى قذفوا أمه الطاهرة العذرية ، بما برأها الله تعالى منه .
ومن احتج على خصوص الآية بالنصارى بتقدم سياق الآيات السابقة لها في اليهود ، وهذه الآية آخرها يدل على قول النصارى وكفرهم ، وزعمهم بالأكاذيب الثلاثة ، فيجاب عليه بما سبق من عموم لفظة أهل الكتاب ، وانصرافها إلى اليهود والنصارى ما لم توجد قرينة ولم توجد ، وباستمرار السياق في بني إسرائيل في هذه الآية وما قبلها يدل على العموم من اليهود والنصارى ؛ إذ كل منهم غلا في دينه كما سيأتي تحديد الغلو ، وقول كل منهم على الله غير الحق ، فليس عيسى ربا أو ابنا لله ، أو ثالث ثلاثة - وليس هو ابن فحش وزنا وبغاء .

(1/206)


ثم إن آخر الآية يختص بالنصارى من قول الله تعالى : { ولا تقولوا ثلاثة } وذلك لعظم جرمهم في التوحيد لأن عيسى نبيهم وهاديهم إلى الفطرة السليمة والملة القويمة ، وأنهم هم من ادعوا فيه تلك الدعوى الظالمة ، فكان آخر الآية مخصوصا بالنصارى لذلك .
ومنه آيات عديدة جاءت في النهي عن الطغيان ، وهو غلو في الغي كما قال تعالى في آخر سورة طه لبني إسرائيل : { ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي } [طه : 81 ] ، وقوله عن فرعون وملئه في غير ما آية : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } [ النازعات : 17 ] ، وقال عن الخاسر صاحب الجحيم : { فأما من طغى }{ وآثر الحياة الدنيا } [ النازعات : 37 ، 38 ] الآية ، وقال في آخر سورة هود : { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير } [ هود : 112 ] .
ومن السنة : ما رواه أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن شبل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به »

(1/207)


* وحديث ابن عباس رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته : « القط لي حصى ، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف ، فجعل ينفضهن في كفه ويقول : " أمثال هؤلاء فارموا ، ثم قال : يا أيها الناس ، إياكم والغلو في الدين ؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » . رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وغيرهم (1) .
* وفي حديث أبي هريرة في البخاري مرفوعا : « لن ينجي أحدا عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ، سددوا وقاربوا ، واغدوا وروحوا ، وشيء من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا » (2) .
* فمما سبق يتبين أن الكتاب والسنة يخصصان عموم اللغة ، وأن الغلو هو : " الإفراط في مجاوزة المقدار المعتبر شرعا في أمر من أمور الدين " .
_________
(1) رواه أحمد في المسند كما في الفتح الرباني 12 / 169 ، كتاب الحج والعمرة - باب سبب مشروعية رمي الجمار وحكمها ، ورواه النسائي - كتاب المناسك - باب قدر حصى الخذف ، وكذا ابن ماجه في باب التقاط الحصى . * ورواه الحاكم في مستدركه 1 / 466 وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى في تلخيصه عليه . * وقال النووي في المجموع 8 / 127 : صحيح رواه البيهقي بإسناد حسن صحيح وهو على شرط مسلم رواية عبد الله بن عباس عن أخيه الفضل . ورواه النسائي وابن ماجه بإسنادين صحيحين ، إسناد النسائي على شرط مسلم . اهـ . وذكره ابن حجر في التلخيص الحبير 7 / 387 حيث حقق من كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم ، والتقط له الحصى : عبد الله أم الفضل وصوب أنه الفضل - وهو تحقيق نفيس ، وكذا كلام النووي السابق ، وفي فتح الباري 13 / 291 : . وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق أبي العالية عن ابن عباس . وقال شيخ الإسلام في الوصية الكبرى : هو حديث صحيح . ونقل عنه الشيخ صالح البليهي رحمه الله السلسبيل في معرفة الدليل 1 / 367 أنه قال : على شرط مسلم . ولم أقف عليه .
(2) رواه البخاري في كتاب الرقاق بهذا اللفظ ، باب القصد والمداومة على العمل . وأخرجه أيضا الإمام مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين - باب لن يدخل الجنة أحد بعمله برقم 2816 .

(1/208)


فالنصارى جاوزوا المقدار المعتبر في حق عيسى عليه السلام ، وأنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فأفرطوا إلى القول بألوهيته وربوبيته . واليهود جفوا في حقه فزادوا في التفريط تجاوزا بلغ الغلو فيه إلى القول بأنه ابن زنا وبغي ، وقذفوا أمه ؛ فهم غلاة في جفائه .
وكذلك حال المعطلة الذين غلوا في التنزيه فأفرطوا ، وحال المشبهة الذين غلوا وزادوا في الإثبات حتى غلوا في الإثبات . وسيأتي الكلام عليهم في موضعه إن شاء الله ، وعلى هذا فقس .

(1/209)


الفرق بين التمسك بالنصوص الشرعية والالتزام بها والغلو
في الواقع لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو ؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم أشد الناس تمسكا والتزاما لنصوص الشريعة مطلقا ، ومع هذا لم يحصل لهم غلو أو تشديد - إلا في قضايا عينية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أرشد عليه الصلاة والسلام أصحابه إليها (1) وعلمهم وبين لهم طريق العبادة المعتدل ، فانتهوا .
وسببه هو موافقة هذا الالتزام منهم رضي الله عنهم لعلم صحيح ، وفهم سليم ، وهمة حريصة على العلم والبصيرة ، فنجوا من الغلو فضلا عن الاستمرارية فيه ، لكن لما بعد الناس عن زمان الأفاضل ، وصار الدين غريبا ، وأطبق الجهل على كثير من أهل الإسلام ، صار المتمسك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم العاض عليها بنواجذه منبوذا مستهزأ به في تلك المجتمعات ، وأطلقوا عليه عبارات النبز كالمتزمتين والغالين والمتطرفين والأصوليين . . ونحوها من الألقاب التي روجتها بعض وسائل الإعلام .
_________
(1) كقصة عبد الله بن عمرو بن العاص في إطالة الصوم ، المتفق على صحتها . رواها البخاري في كتاب فضائل القرآن ، باب كم يقرأ من القرآن ، ومسلم في كتاب الصيام ، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به ، رقم 1159 ، وكحديث عبد الله بن الشخير في وفد بني عامر وفيه « فقلنا : أنت سيدنا . فقال : السيد الله تبارك وتعالى » . فقلنا : وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال : قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان « رواه أبو داود والنسائي بأسانيد جيدة . وما قوله عليه السلام ذلك إلا سدا لطريق الغلو فيه ، انظر : فتح المجيد 517 .

(1/210)


والواقع أن التمسك بنصوص الكتاب والسنة ، وفهمها فهما صحيحا ، يعتبر عند هؤلاء المتهاونين بأحكام الشريعة الغافلين عنها ، غلوا وتطرفا ، وذلك بالنظر إلى ما هم عليه من تفريط ظاهر ، وقصور في التزام منهج الالتزام ، جلي ملموس .
والملاحظ أن المتمسكين بمدلولات النصوص الشرعية يكونون غلاة متشددين بنسبتهم إلى المفرطين الذين يحملون الإسلام وصفا ، وعند نسبتهم إلى ميزان الشريعة لم نجد عندهم معنى التمسك المطلوب ، وهو الالتزام بأحكام الكتاب والسنة .
فالمقصرون يلمزون المتمسكين بالغلو والتطرف على أن ما هم عليه هو اعتدال الإسلام وتوسطه ، وما أظهروه هو الاعتدال ، وهو في الحقيقة ليس كذلك ؛ إذ هو التقصير والتفريط في بعض شعائر الإسلام وأحكامه ، ولا يخفى أن من يتهم البعض بالتطرف أو الغلو ، غايته التنفير والتحذير منهم وليس لكونهم متجاوزين لحدود الشريعة ووسطية الإسلام كمن اتهم دعوة الشيخ السلفية الإصلاحية بذلك .

(1/211)


أعني أن هذه الدعاوى ليست من باب الأسماء والأحكام ، أو لتبين معاني شرعية - بقدر ما هي لأغراض وأهواء ذاتية أو محدودة . فتكون بذلك من تحميل مصطلحات الشارع ما لا تحتمل ، ومن استعماله المعاني الشرعية في الأغراض الشخصية الضيقة والغايات السياسية المحدودة !

(1/212)


الغلو في الدين بدعة حرمها الإسلام
حقيقة أصل الدين ومبدؤه في الإسلام هما :
1- توحيد الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة في تحقيق " شهادة : أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله " .
2- تجريد المتابعة لكتاب الله تعالى ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على طريقة السلف الصالح الذين كانوا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخير القرون بعد قرنه صلى الله عليه وسلم ، فكانوا " الطائفة المنصورة التي لم يضرها من خالفها " ، فكل من نهج نهجهم وسلك سبيلهم وسار على طريقتهم هو من " الطائفة المنصورة " التي هي امتداد للسلف الصالح في بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في " صحيح سنن ابن ماجه ج1 / 6 " : حيث يقول صلى الله عليه وسلم : « لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة » ، فهذه الطائفة هي القوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها .

(1/213)


وإذا تفحصنا واقع الفرق والجماعات وجدناها مختلفة عن الطائفة المنصورة ، لمخالفتها لمنهج السنة النبوية في العقيدة والشريعة والدعوة ، ولمغايرتها لما كان عليه سلف هذه الأمة الذين كانوا خير القرون بعد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فجميع الفرق والجماعات والأحزاب داعية إلى التفرق والاختلاف ؛ لأنها تدعو إلى آرائها وأفكارها ، فما تراه هذه الجماعة لا تراه الجماعة الأخرى ، وما يعتبره هذا الحزب لا يعتبره الحزب الآخر ، وهكذا جميع الفرق مختلفة . متعارضة ، لا يجمعها على أمر معصوم عن الهوى جامع ، فهي مجمعة على أن لا تجتمع على ما يعصمها من التفرق والاختلاف ، والعاصم منهما " سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته النبوية " .

(1/214)


والطائفة المنصورة التي هي " على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه " وهم أهل السنة النبوية : " أهل الحديث " (1) ، وأهل الأثر والاتباع ، وهم المفارقون لجميع أهل التفرق والابتداع وأهل الآراء والأهواء ، وهم وحدهم الداعون إلى ما يجمع الأمة ولا يفرقها ، ويوحدها ولا يجزئها ، الذين يدعون الأمة إلى " الكتاب والسنة على منهاج الأئمة " ، فمن استجاب إلى ذلك قولا وعملا وسلوكا كان من الطائفة المنصورة ، فدعوتهم دائمة ، ومنهجهم قائم ، ومسلكهم متبع ، وطريقهم مستقيم ، وسبيلهم آمن من مخاوف الفرق والاختلاف ، فأكرم بهم !! وأعظم بمنهجهم !! .
فالطائفة المنصورة هي المستمسكة بأصل الدين وحقيقته : " توحيد الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة ، وتجريد المتابعة للكتاب والسنة على طريقة أهل الحديث " ، فهؤلاء الذين عصمهم الله تعالى من " التطرف والغلو في الدين " ، ومن سواهم واقع ولا بد في التطرف أو الغلو ، ولبيان هذا نقول :
_________
(1) وفي الحديث بإسناد حسن : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وسنتي » أخرجه أحمد في مسنده 5ج / 3 / 17 / .

(1/215)


إن من حقائق دعوات الرسل عليهم السلام بأصل الدين وحقيقته : " توحيد الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة ، وتجريد المتابعة للكتاب والسنة على طريقة أهل الحديث " ، فهؤلاء الذين عصمهم الله تعالى من " التطرف والغلو في الدين " ، ومن سواهم واقع ولا بد في التطرف أو الغلو ، ولبيان هذا نقول أيضا :
إن من حقائق دعوات الرسل عليهم السلام أنها قامت على الحق والاستقامة عليه ، ولهذا نهى الله تبارك وتعالى أهل الكتاب عن الغلو في دينهم غير الحق ، فقال سبحانه : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق } [ المائدة : 77 ] . وقال سبحانه : { ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } [ النساء : 171 ] ، أي : لا تفتروا على الله ما لم يأمركم به .

(1/216)


ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو في دينهم لئلا يفتروا على الله ما لم ينزل به سلطانا ، فإن اليهود غلوا في دينهم ، والنصارى غلوا في دينهم ، وافتروا على الله تعالى في زعمهم البهتان في " عيسى ابن مريم عليه السلام " حين اتخذوه إلها ، وأنه ابن الإله - تعالى الله عما يقوله الكافرون علوا كبيرا - بل قد غلوا في حواريه ، وغلوا في أحبارهم ورهبانهم ، فادعوا فيهم العصمة ، فاتبعوهم في كل ما قالوه حقا كان أم باطلا ، ضلالا كان أم هدى ، ولهذا قال الله تعالى فيهم : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [ التوبة : 31 ] .
ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عن الغلو في الدين فقال : « إياكم والغلو في الدين ، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين » [ الأحاديث الصحيحة برقم 1283 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : « إن هذا الدين متين ، فأوغلوا فيه برفق » [ صحيح الجامع برقم 2246 ] .
ولم تخل أمة ولا دعوة من هذه الأصناف الثلاثة من الناس :
1- فمن الناس المستمسك بالحق ، المستقيم على طريقته ومنهاجه .

(1/217)


2- ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحقوق الله ، المعتدي لحدوده .
3- ومنهم الغالي المتشدد المتجاوز لأحكام الله تعالى ، الزائد في دينه المبتدع فيه .

(1/218)


وكل أولئك كانوا في الأمم السالفة قبل أمة الإسلام ، وفيها أيضا من هذه الأصناف الثلاثة كما كان فيمن سبقها ، بل افترقت هذه الأمة إلى أكثر من سبعين فرقة جميعها ضال إلا فرقة واحدة هي الفرقة الناجية المنصورة ، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، فواحدة في الجنة ، وسبعون في النار ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة ، والذي نفس محمد بيده ، لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، فواحدة في الجنة ، واثنتان وسبعون في النار » ، [ الأحاديث الصحيحة برقم 1492 / وصحيح الجامع برقم 1082 ] ، وفي صحيح سنن الترمذي برقم 2129 : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الفرقة الناجية فقال : « ما أنا عليه وأصحابي » .

(1/219)


فهذه هي الفرقة المنصورة دائما وأبدا ، هي التي " على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهما أجمعين " ، ولقد ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الفرقة الناجية المنصورة الهداية والسداد والرشاد ، في قوله الشريف : « إني تركت فيكم [ وفي رواية : إني خلفت فيكم ] ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وسنتي » [ ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة في صحيح مسلم ج 2 / 890 / ومسند أحمد ج4 / 367 / وسنن الدارمي ج 3 / 432 .
ولتكون الأمة جميعا أو أغلبها وعامة سوادها في الفرقة الناجية المنصورة دائما وأبدا في كل عصر وفي كل مصر .

(1/220)


النصوص الشرعية المحذرة من الغلو في الدين
جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالتحذير من سلوك الضالين والمغضوب عليهم ، وسبيل المبتدعين المغالين في دين الله غير الحق ، قال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده : { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير } (1) . فالله سبحانه وتعالى يأمر بالاستقامة التي هي ( الاعتدال ) ، ويعقب سبحانه بالنهي عن الطغيان ، مما يفيد أن الله تعالى يريد منا الاستقامة ، كما هو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بدون غلو ولا مبالغة ولا تشديد يحيل هذا الدين من يسر إلى عسر ، وهي الوسطية التي جاء بها الإسلام بين الغلو والتفريط ، ولا يمكن أن تسير في ركابها إلا في اتباع سبيل السلف الصالح رضوان الله عليهم .
_________
(1) سورة هود ، الآية : ( 112 ) .

(1/221)


يقول الإمام ابن قيم الجوزية : " فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين الجبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ؛ فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له : هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد " (1) .
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مصير الغالي وعاقبته ، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم أن مآل من غلا في دينه ( إلى الهلاك ) . ففي صحيح مسلم (2) ، وفي سنن أبي داود (3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون » قالها ثلاثا ، وما ذلك إلا لخطورة ( التنطع في الدين ) الذي هو الغلو في الدين والتطرف فيه . قال النووي في شرح مسلم (4) : « هلك المتنطعون » ، أي : المتعمقون الغالون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم " .
_________
(1) مدارج السالكين ، ج ( 2 / 517 ) .
(2) ج ( 4 / 2055 ) في كتاب العلم : باب هلك المتنطعون .
(3) رقم 4608 .
(4) ج ( 16 / 220 ) .

(1/222)


وقد جاء في أحاديث أخر : أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله تعالى - كما في الحديث عند أبي يعلى في مسنده وفي إسناده ضعف وهو صالح للشواهد والمتابعات - . وقال محقق المسند : إسناده حسن : « لا تشددوا علي أنفسكم فيشدد الله عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم » (1) .
إن من الحقائق التي تظهر لكل من تتبع تاريخ دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام أن الأمم تتفاوت في مقدار الاستجابة ، وتتفاوت درجات المدعوين في سلوك طريق الحق : فمن الناس المتمسك بالحق ، المستقيم على طريقه . ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحدود الله . ومنهم الغالي الذي تجاوز حدود الله . وكل أولئك وجدوا فيمن سبق أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم في أمته متوافرون ، ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من سلوك طرق المغضوب عليهم والضالين ، المضيعين لحدود الله ، والمجاوزين لها ، وجاءت داعية إلى الاستقامة بأساليب عدة أجملها فيما يلي :
_________
(1) ج (6 / رقم 3694 ) .

(1/223)


1- تعليم المسلمين أن يدعوا الله أن يسلمهم من كلا الانحرافين ، وتشريع ذلك لهم في كل صلاة مرات متعددة . { اهدنا الصراط المستقيم }{ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } . ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم . . كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين (1) .
_________
(1) ابن تيمية ، الفتاوى ، ج1 ، ص 65 .

(1/224)


2- التحذير من تعدي الحدود ، والأمر بلزومها { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } . والحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة ، المأمور بها ، وغير المأمور بها (1) ، وتعديها هو تجاوزها ، وعدم الوقوف عليها (2) . وهذا التعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان ، إذ إن مجمل ما يريده تحقيق أحد الانحرافين الغلو أو التقصير فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو . ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له هذا بتقصيره عن الحد . وهذا بتجاوزه الحد (3) .
_________
(1) ينظر ابن تيمية ، الفتاوى ، ج3 ، ص 362 .
(2) ينظر الطبري ، جامع البيان ، ج2 ، ص 517 .
(3) ابن القيم ، مدارج السالكين ، ج2 ، ص 517 .

(1/225)


3- الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر ، وعدم الغلو والزيادة . { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير } فالله سبحانه يأمر بالاستقامة التي هي الاعتدال ، والمضي على المنهج دون انحراف ، ويعقب بالنهي عن الطغيان مما يفيد أن الله سبحانه يريد الاستقامة كما أمر بدون غلو ولا مبالغة تحيل هذا الدين من يسر إلى عسر (1) .
_________
(1) ينظر ، سيد قطب ، في ظلال القرآن ، ج4 ، ص 1931 .

(1/226)


4- النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص . { ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا }{ قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل } . أي : يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم فتتجاوزوا الحق ، فإن قولكم بأن عيسى ابن الله قول منكم على الله بغير الحق ، ولا ترفعوه إلى مقام الألوهية فتجعلوه ربا وإلها (1) . " والغلو في النصارى كثير فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله " (2) . ومن هذا الغلو جاءت معظم
_________
(1) ينظر الطبري ، جامع البيان ، ج6 ، ص 34 ، والقرطبي الجامع لأحكام القرآن ، ج6 ، ص 21 ، وأبي السعود ، إرشاد العقل السليم ، ج1 ، ص 821 ، وابن جزي ، التسهيل ، ج1 ، ص 165 .
(2) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، تيسير العزيز الحميد ، ص 265 .

(1/227)


الانحرافات في الديانة النصرانية (1) . ومن ذلك غلوهم بابتداع رهبانية تعبدوا الله بها ، وهي لم تكتب عليهم ، ولم يؤمروا بها { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم } . ولم يكن الغلو قاصرا على النصارى ، بل هو موجود في اليهود ، ولكن الخطاب في الآيتين قصد به النصارى خاصة ؛ والسياق يدل على ذلك ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن (2) . وهذه النصوص وإن تعلقت بأهل الكتاب ابتداء فإن المراد منها موعظة هذه الأمة لتجنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة (3) .
_________
(1) ينظر سيد قطب ، في ظلال القرآن ج2 ، ص 496 .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم ، ج1 ، ص 289 ، وينظر الطبري ، جامع البيان ، ج6 ، ص 24 ، وابن جزي ، ج1 ، ص 165 .
(3) ينظر محمد الطاهر بن عاشور ، مقاصد الشريعة الإسلامية ، ص 60 .

(1/228)


5- نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغلو ، وذلك لئلا يقع المسلمون فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ومع النهي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم عواقب الغلو وآثاره ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع : ( هلم القط لي الحصى ) فلقطت له حصيات من حصى الخذف ، فلما وضعهن في يده قال : ( نعم ، بأمثال هؤلاء ، وإياكم والغلو في الدين ) » (1) .
والنهي هنا وإن كان سببه خاصا ، فهو نهي عن كل غلو .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال " ، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار ، وهو داخل فيه ، مثل : الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم ، أي هدي من كان قبلنا إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به ، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك (2) .
_________
(1) رواه أحمد ( 1 / 215 ، 347 ) ، كتاب المناسك : باب قدر حصى الرمي ، والحاكم ( 1 / 446 ) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، والحديث صححه شيخ الإسلام ابن تيمية ، الاقتضاء ، ج1 ، ص 289 ، والنووي في المجموع ( 8 / 138 ) .
(2) نقلا عن الشيخ سليمان بن عبد الله ، تيسير العزيز الحميد ، ص 275 ، ولم أجده في كتابات شيخ الإسلام التي بين يدي ، إلا نحوه في الاقتضاء ، ج1 ، ص 289 .

(1/229)


6- بيان مصير الغالي وعاقبته : حيث وردت أحاديث تبين مآل من غلا ، وأنه صائر إلى الهلاك ، بل يرد ذلك مكررا ثلاث مرات في حديث واحد ؛ مما يفيد عظيم الأمر وخطره ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : « هلك المتنطعون » قالها ثلاثا (1) .
_________
(1) رواه مسلم ( 4 / 2055 ) كتاب العلم : باب هلك المتنطعون ، وأبو داود ( 4608 ) كتاب السنة : باب في لزوم السنة ، وأحمد ( 1 / 386 ) .

(1/230)


7- إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك المتنطعين ، فقد أخرج مسلم في صحيحه ج4 / 2055 / عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هلك المتنطعون » قالها ثلاثا قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ج16 / 220 / : « هلك المتنطعون » أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم . وأخرج أبو داود في سننه برقم 4904 / وأبو يعلى في مسنده رقم 3694 / وهو حديث حسن / عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم » . وهذا التشديد على النفس الذي هو نوع من أنواع الغلو ، بينت السنة النبوية أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع ، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع عن الاستقامة على الدين ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذا الدين يسر ،

(1/231)


ولن يشاد [ أي يغالب ] الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة [ أي بالتبكير في الطاعة ] والروحة [ أي العودة إلى الراحة لاستعادة النشاط على الطاعة] وشيء من الدلجة » . أي الاستعداد للمتابعة ، تشبيها بالمسافرين الذين يجددون نشاطهم واستعدادهم لمتابعة المسير ، بلا تكلف ولا إرهاق ، ولهذا جاء في رواية أخرى : « والقصد القصد تبلغوا » [ أخرجه البخاري في صحيحه ج1 / 16 / والنسائي في سننه ج18 / 121 ] . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج1 / 94 / : " والمعنى : لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ، ويترك الرفق ، إلا عجز وانقطع فيغلب " ، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث بالتسديد والمقاربة والتوسط ، ليتحقق المقصود ، ألا وهو الثبات على الدين بلا انقطاع ولا تخلف . فتبين بذلك أثر الغلو في الدين على الاستقامة عليه ، فكان لا بد من نبذ الغلو لتحقيق الاستقامة على الحق والدين القويم . فالغلو والتفريط وما بينهما وسط . . قال الحسن البصري رحمه الله : إن

(1/232)


دين الله وضع على القصد فدخل الشيطان فيه بالإفراط والتقصير فهما سبيلان إلى نار جهنم ، وعنه : إن دين الله تعالى وضع دون الغلو وفوق التقصير (1) .
***
وقال ابن عبد البر (2) قال سفيان بن حسين : أتدري ما السمت الصالح ؟ ليس هو بحلق الشارب ولا تشمير الثوب ، وإنما هو لزوم طريق القوم ، إذا فعل ذلك ، قيل قد أصاب السمت ، وتدري ما الاقتصاد ؟ هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير .
***
والترهب التعبد وهو استعمال الرهبة ، والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة (3) .
***
_________
(1) نوادر الأصول في أحاديث الرسول ج : 1 ص : 167 أبو عبد الله الحكيم الترمذي 360 هـ ت / عبد الرحمن عميرة 1992م .
(2) التمهيد ج : 21 ص 68 .
(3) التعاريف ج : 1 ص 375 .

(1/233)


قال الطبري : وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها (1) . حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال سألت ميمونا عن الصلاة خلف الأمراء ؟ فقال : صل معهم . حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال : سألت ميمونا عن رجل ، فذكر أنه من الخوارج ، فقال : أنت لا تصلي له إنما تصلي لله ، قد كنا نصلي خلف الحجاج وكان حروريا أزرقيا . حدثنا وكيع ثنا سفيان عن إبراهيم بن أبي حفصة قال : قلت لعلي بن حسين : إن أبا حمزة الثمالي وكان فيه غلو يقول : لا نصلي خلف الأئمة ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا ، فقال علي بن حسين : بلى نصلي خلفهم ونناكحهم بالسنة . وعن وكيع عن سفيان عن الأعمش قال : كانوا يصلون خلف الأمراء ويحتسبون بها . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذا الدين متين ،
_________
(1) تفسير الطبري ج : 2 ص : 6 / 7562 .

(1/234)


فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » (1) . وعن ابن أبي قماش عن ابن عائشة قال : ما أمر الله تعالى عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان : فإما إلى غلو وإما إلى تقصير ، فبأيهما ظفر قنع . وعن ابن يحيى قال حدثني بعض شيوخنا قال : قال علي بن غنام : كلا طرفي القصد مذموم ، وأنشد أبو سليمان :
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم (2)
_________
(1) رواه البزار في مسنده ( كما في كشف الأستار برقم 74 ) وقال الهيثمي : فيه يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب . مجمع الزوائد ( 1 / 62 ) .
(2) العزلة ج :1 ص 97 / أبو سليمان الخطابي البستي 388 هـ المطبعة السلفية 1399 هـ .

(1/235)


قال الخطابي : والطريقة المثلى في هذا الباب ، أن لا تمتنع من حق يلزمك للناس وإن لم يطالبوك به ، وأن لا تنهمك لهم في باطل لا يجب عليك وإن دعوك إليه ، فإن من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه ، ومن انحل في الباطل جمد عن الحق ، فكن مع الناس في الخير ، وكن بمعزل عنهم في الشر ، وتوخ أن تكون فيهم شاهدا كغائب وعالما كجاهل . وعن مكحول عن حذيفة قال : قال رسول الله : « للساعة أشراط ، قيل : وما أشراطها ؟ قال : غلو أهل الفسق في المساجد ، وظهور أهل المنكر على أهل المعروف . قال أعرابي : فما تأمرني يا رسول الله ؟ قال : دع وكن حلسا من أحلاس بيتك » (1) .
_________
(1) قال أبو نعيم : غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث حمزة . حلية الأولياء ج : 5 ص : 187 .

(1/236)


عن جابر رضي الله عنه مرفوعا بلفظ : « إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » . واختلف في إرساله ووصله ، ورجح البخاري في تاريخه الإرسال ، وأخرجه البيهقي أيضا والعسكري عن عمرو بن العاص رفعه لكن بلفظ : « فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى » وزاد : « فاعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبدا واحذر حذرا تخشى أن تموت غدا » وسنده ضعيف . وله شاهد عند العسكري عن علي رفعه : « إن دينكم دين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع » وفي سنده الفرات بن السائب ضعيف . وهذا كالحديث الآخر الذي أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة : « إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه » وروى أحمد عن أنس بلفظ : « إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق » وليس فيه الترجمة ، وروى الخطابي في العزلة عن ابن عائشة

(1/237)


قال : « ما أمر الله عباده بما أمر إلا وللشيطان فيه نزعتان فإما إلى غلو وإما إلى تقصير ، فبأيهما ظفر قنع » . قال النووي : " المتنطعون ، أي : المتعمقون المغالون والمجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (1) .
_________
(1) شرح مسلم ، ج16 ، ص 220 .

(1/238)


كما جاء في أحاديث أخر أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : « لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم ؛ فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم » (1) . وهذا التشديد على النفس الذي هو ضرب من ضروب الغلو ، بينت السنة أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع ، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع . فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن هذا الدين يسر ولا يشاد (2) الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة (3) والروحة (4) وشيء من الدلجة » (5) ، وفي لفظ « والقصد القصد تبلغوا » (6) . قال الحافظ ابن حجر : " والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب " (7) . وحتى لا يقع ذلك جاء ختام الحديث آمرا بالتسديد والمقاربة والتسديد : العمل بالسداد ، وهو القصد والتوسط في العبادة ،
_________
(1) سبق تخريجه .
(2) يشاد الدين : أي يقاويه ويقاومه ، ويكلف نفسه من العبادة فيه فوق طاقته ، والمشادة المغالبة ابن الأثير ، النهاية في غريب الحديث ، ج2 ، ص 451 ، وينظر ابن حجر ، فتح الباري ج1 ، ص 94 .
(3) الغدوة : المرة من الغدو ، وهو سير أول النهار ، نقيض الرواح ، ابن الأثير النهاية في غريب الحديث ، ج3 ، ص 346 .
(4) الروحة : المرة من الرواح ، قال ابن الأثير : يقال راح القوم ، وتروحوا إذا ساروا أي وقت كان ، وقيل أصل الرواح أن يكون بعد الزوال . ابن الأثير ، النهاية في غريب الحديث ، ج2 ، ص 273 .
(5) الدلجة : قال ابن الأثير وهو سير الليل النهاية في غريب الحديث ، ج2 ، ص 129 .
(6) سبق تخريجه .
(7) فتح الباري ، ج1 ، ص 94 .

(1/239)


فلا يقصر فيما أمر به ، ولا يتحمل منها ما لا يطيقها (1) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، ، ،
_________
(1) ابن رجب ، المحجة في سير الدلجة ، ص 51 .

(1/240)


المحور الثالث الغلو مظاهره وأسبابه مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس
للدكتور
عبد السلام بن برجس العبد الكريم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على رسوله . أما بعد : فإن من مظاهر الغلو : الغلو في الاعتقاد ، والعمل ، والحكم على الناس .
أما الغلو في الاعتقاد : فهو مجاوزة الحد فيما شرع الله تعالى من الأمور الاعتقادية . فإن الله تعالى إنما أنزل الكتاب وبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم ليكون الدين كله لله ، والغالي لا يكتفي بما أنزل تعالى من الشريعة الكاملة ، بل يسعى إلى الزيادة على ما شرع الله ، ومخالفة ما قصده الشارع من التيسير على المكلفين إلى التشديد على نفسه وعلى غيره ، ونسبة ذلك إلى شرع الله تعالى .
والغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو ؟ ذلك بأن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع ، فأصعب ما يكون انتزاعها ؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه ، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك ، بل إنما يعتقد فكرا أو رأيا مصدره الهوى .

(1/241)


ومن هنا كان تحذير علماء المسلمين من أهل البدع والأهواء أكثر من تحذيرهم من أهل المعاصي والفسوق . فالضرر الحاصل بالغلو في الاعتقاد أعظم من الضرر الحاصل بالغلو في العمل .
ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الغلو : غلو الخوارج وهم الفرقة المعروفة في جسم الأمة الإسلامية منذ العصر الأول : إنهم فئة قادهم الغلو في الحكم على صاحب المعصية إلى إلحاقه بمن وقع في الكفر بالله عز وجل ، فكان هذا الغلو الاعتقادي دافعا لهم إلى سلسلة من الجرائم الكبرى بحق الأمة الإسلامية :
( أ ) حيث دفعهم إلى تكفير حكام المسلمين بمجرد الوقوع في المعاصي .
( ب ) ثم تكفير عامة من لم يقنع بقولهم هذا من المسلمين ، فكفروا المجتمعات المسلمة .
( ج ) فقاتلوا المسلمين ، وخرجوا على حكامهم .
وهكذا صور كثيرة من الظلم والاعتداء وإيهان قوة المسلمين ، ارتكبها هؤلاء لأجل غلوهم في دين الله تعالى .

(1/242)


وقد كشف الحديث النبوي الشريف هذا الجانب السيئ في هذا الاتجاه ، ففي صحيح ابن حبان (1) عن جندب البجلي أن حذيفة حدثه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردءا للإسلام ، غيره إلى ما شاء الله ، فانسلخ منه ، ونبذه وراء ظهره ، وسعى على جاره بالسيف ، ورماه بالشرك " قال : قلت : يا نبي الله ، أيهما أولى بالشرك ، الرامي أم المرمي ؟ قال : " بل الرامي » .
فهذه الصورة تكشف الغلو الاعتقادي ، كيف يبدأ صاحبه ؟ ومن أين يأتيه الشيطان ؟ وما يترتب على غلوه من المفاسد العظيمة : حيث قتل النفس التي حرم الله ، وخيانة الجار ، وزعزعة أمن الدولة المسلمة . كل ذلك يشرح نظريا شؤم الغلو الاعتقادي ، ويبين عموم ضرره .
_________
(1) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، 1 / 282 .

(1/243)


ومن هنا جاء كتاب الله تعالى وجاءت السنة النبوية بالتحذير الشديد من الغلو ، وبيان عواقبه الوخيمة في أمور الدين وأمور الدنيا . ففي مسند الإمام أحمد (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع : هلم القط لي ، فلقطت له حصيات ، هن حصى الخذف ، فلما وضعهن في يده ، قال : " نعم ، بأمثال هؤلاء . وإياكم والغلو في الدين ، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين » .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " اقتضاء الصراط المستقيم " (2) : هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال ، وسبب هذا اللفظ العام : رمي الجمار ، وهو داخل فيه مثل : الرمي بالحجارة الكبار ، بناء على أنه أبلغ من الصغار ، ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا ، إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به . وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك . اهـ .
_________
(1) ( 1 / 215 - 347 ) وصححه شيخ الإسلام في « اقتضاء الصراط المستقيم » ( 1 / 289 ) .
(2) 1 / 289 ونقله عنه الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد ( ص 275 ) والنقل بواسطته .

(1/244)


وغلو أهل الكتاب من النصارى في دينهم واضح ، حيث نص الله تعالى عليه في قوله { ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } (1)
فهنا غلو منهم في الاعتقاد ، ساقهم إليه الشيطان ، حيث زين لهم عبادة المسيح من دون الله تعالى في هيئة محبة الأنبياء وتعظيمهم ، وقد أبطل الله هذه الشبهة بأدلة متعددة ، كقوله تعالى { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام } (2) .
ومثل فعل النصارى هذا ؛ فعل اليهود مع العزير ، وفعل بعض فرق هذه الأمة مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، ولهذا حرقهم علي رضي الله عنه ، واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم ، واختار ابن عباس أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق ، وهو قول أكثر العلماء (3) .
_________
(1) سورة النساء 171 .
(2) سورة المائدة 75 .
(3) ينظر منهاج السنة لابن تيمية ( 1 / 28 ) .

(1/245)


وقد قاد الغلو النصارى إلى ابتداع البدع في دينهم ، والتعبد لله تعالى بها ، كما قال تعالى { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها } .
فكل من غلا من هذه الأمة ، واتبع هواه وحكمه في دين الله ، أو زاد على ما شرعه الله ففيه شبه من أهل الكتاب ، ومن تشبه بقوم فهو منهم . ومآله إلى الهلاك في الدنيا والآخرة ؛ لأن الغلو هو سبب هلاك من مضى من أهل الكتاب باختلافهم وتقاتلهم وتباغضهم ، وفي الآخرة هم الأخسرون .
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : « هلك المتنطعون " قالها ثلاثا » . رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود (1) .
قال الخطابي في " معالم السنن " (2) : المتنطع : المتعمق في الشيء ، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم ، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم . اهـ .
_________
(1) صحيح مسلم ( 2670 ) .
(2) ( 7 / 12 -13 ) .

(1/246)


فهذا خبر عن هلاك من وقع في التنطع الذي هو ضرب من الغلو في الكلام ونحوه ، فدل على أن عقوبة الغالين من المتقدمين والمتأخرين هو : الهلاك ، ولهذا لا يقوم لأهل الغلو دولة ، ولا تجتمع الأمة عليهم ، كما قال الإمام وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - في الخوارج كنموذج للغلو ، عند مناصحته لمن وقع في رأيهم : ( فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم ، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه ، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج .
ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض ، وقطعت السبل ، وقطع الحج إلى بيت الله الحرام ، وإذن لعاد أمر الإسلام جاهلية ، حتى يعود الناس يستعينون برءوس الجبال كما كانوا في الجاهلية ، وإذن لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلا ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة ، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا ، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله ، لا يدري أين يسلك أو مع من يكون .

(1/247)


غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة فأحسن النظر لهم ، فجمعهم وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج . . ) الخ (1) .
وكل ما ذكره هذا الإمام واقع ملموس في هذه الفئة ومن نحا نحوها في الغلو ، ذلك بأن كل خير يحصل للأمة إنما هو بسبب اجتماعها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن هنا فسر حبل الله تعالى الوارد قي قوله جل وعلا { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } بالجماعة في قول ابن مسعود رضي الله عنه وغيره (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية أكثر اتفاقا وائتلافا من المعتزلة ، فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا ، حتى ليكفر التلميذ أستاذه ، من جنس ما بين الخوارج ، وقد ذكر من صنف في فضائح المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه .
ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث وما تبع ذلك ، ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك ، وقدم غيره عليه ، قال تعالى : { ولا يزالون مختلفين }{ إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم }
_________
(1) رسالة مناصحة الإمام وهب بن منبه لرجل تأثر بمذهب الخوارج ، ص 17 .
(2) المحرر الوجيز لابن عطية ( 3 / 182 ) .

(1/248)


فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون ، وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولا وفعلا ، وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة ، فمن خالفهم في شيء فاته من الرحمة بقدر ذلك . . اهـ . (1) .
ومن هذا المنطلق جعل أهل العلم : من علامات المبتدعة : الغلو ، فليس مع من ركبه أي حجة ، ومن عباراتهم في ذلك ، ما سطره العلامة الشيخ سليمان بن سحمان في كتابه الذي رفض فيه الغلو ، وأنكر على أهله ، وفند ما يظنونه حجة لهم ، وهو كتاب : " منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع " قال رحمه الله : ومن علامات صاحب البدعة : التشديد ، والغلظة ، والغلو في الدين ، ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي ، وطلب ما يعنت الأمة ويشق عليهم ويحرجهم ويضيق عليهم في أمر دينهم ، وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي إلى غير ذلك مما هو مشهود مذكور من أحوال أهل البدع " . اهـ .
وقد كشف الشيخ ابن سحمان ضلال طائفة من الغالين في كتابه هذا بما يحسن تلخيصه ، إذ البلية تتكرر بمثل هذه الطائفة في كل زمن .
_________
(1) مجموع الفتاوى 4 / 52 .

(1/249)


وقد قام الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن رحمه الله بمنع هؤلاء الغالين من الذهاب إلى البادية للدعوة مما أثار حفيظة بعضهم ، فذم الولاية ، وذم العلماء ، قال الشيخ ابن سحمان رحمه الله (1) : قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن الذي منع هؤلاء من الذهاب إلى هذه الأماكن المذكورة في السؤال هو الإمام - أعزه الله بطاعته وأحاطه بحياطته - لأمرين :
أحدهما : أنهم افتاتوا على منصب الإمامة ، فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن تحت يده وفي ولايته ، من غير إذن منه ، ولا أمر لهم بذلك . وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله .
الثاني : ما بلغه عنهم من الغلو والمجازفة والتجاوز للحد في المأمورات والمنهيات وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله ، فمن ذلك : أنهم كفروا البادية بالعموم .
ومنها : أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه ، ويسمونها : العمامة ، وأنها من السنة .
ومنها : أنهم لا يسلمون إلا على من يعرفون وتميز بالعمامة . وهم مع ذلك يزعمون أنهم هم على السنة ، وأن المشايخ يميتون السنن .
_________
(1) ص 87 - 88 .

(1/250)


ومنها : أنهم لا يدعون أحدا صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس .
ومنها : أنهم أدخلوا في دين الله ما ليس منه ، فزعموا أن تدوية البدو للإبل عند ورودها وصدورها بدعة .
ومنهم من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة ، فضربوا رجلا منهم حتى مات . .
فلما اشتهر هذا الأمر عنهم ، وهذا الغلو والتجاوز للحد ، خاف الإمام أن يسيروا بسيرة الخوارج ، فيمرقون من الدين بعد أن دخلوا فيه ، كما مرق منه من غلا في الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثرهم تهليلا ، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم ، وهم تعلموا العلم من الصحابة . . إلى أن قال الشيخ : وأما سبهم المشايخ وثلبهم إياهم وإساءة الظن بهم ، وكذلك ما نسبوه إلى ولي الأمر من الأقوال التي لا تروج على عاقل ، ويغتر بها كل مغرور جاهل ، فهذا كله مما يرفع الله به درجات الإمام ، والمشايخ ، وحسابهم على الله ، وسيجازيهم بما جازى به المفترين ؛ لأن الإمام والمشايخ لم يمنعوهم إلا خوفا على من دخل هذا الدين أن يسلك مسلك الخوارج ، الذين مرقوا من دين الإسلام وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .

(1/251)


وأما قول بعضهم : ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم . فنقول : وهل يدور في عقل عاقل أن المشايخ يحسدونهم على ما أحدثوه من البدع والغلو والمجازفة والتجاوز للحد !!
وأما قولهم : إن المشايخ داهنوا في دين الله ، والإخوان أمروا وأنكروا . فنقول : ما أشبه الليلة بالبارحة ، فلا جرم قد قالها الذين من قبلهم لما نهاهم أهل الحق عن الغلو في الدين ، قالوا لمن نهاهم : يا أعداء الله قد داهنتم في الدين (1) . وهم يزعمون أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، تشابهت قلوبهم .
وأما قولهم : الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها ، والمشايخ كتموها ودفنوها . فنقول : إن كان هذا حقا فسيجازيهم الله على ذلك . لكنهم مع ذلك قد سلكوا بهم مسلك أهل البدع ، وتجاوزوا بهم الحد في الأقوال والأفعال ، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ، فإن كان هذا هو ملة إبراهيم فقد أعظموا على الله الفرية وعلى ملة إبراهيم .
وأما قولهم : ما أطاع الإمام المشايخ إلا لسكوتهم عنه للمآكل والأغراض . فنقول : هذا - أيضا - من جنس ما قبله من الطعن على الإمام وعلى المشايخ بالزور والبهتان . . اهـ .
_________
(1) مقولة الخوارج لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه .

(1/252)


فصل
والغلو في العمل : تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة من غير ورود الشرع بذلك : كالذي يجعل حبلا يتعلق به إذا فتر عن قيام الليل ، ونحوه ، فإن هذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة ، وإنما قد يظن المكلف أن ذلك زيادة خير .
فإن صاحب هذا العمل عقيدة فاسدة فهو الغلو الاعتقادي الذي تقدم ذكره ، كحالة بعض المنتسبين إلى التصوف ، ممن يعتقد أن تعذيب النفس في الطاعة مطلقا من أفعال الخير والهدى .
ولما كان هذا النوع من الغلو قد يدخل في نفس بعض المجتهدين في العبادة ، عالجه صلى الله عليه وسلم بأساليب متعددة ، تارة بالعموم ، وتارة بتوجيه من وقع فيه إلى خطأ فعله ، وما كان من الصحابة رضي الله عنهم إلا التسليم المطلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

(1/253)


ففي سنن الترمذي (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء ، وأخذتني شهوتي ، فحرمت علي اللحم ، فأنزل الله { ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }»
قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . اهـ .
وحسنه الشاطبي في " الاعتصام " (2) : ومثل هذه الحادثة كثير ، فيوجه النبي صلى الله عليه وسلم من وقع منه ذلك إلى البعد عنه ، والحذر منه .
_________
(1) أبواب التفسير ، باب في تفسير سورة المائدة 5 / 255 .
(2) 2 / 196 .

(1/254)


وقد روى ابن جرير الطبري في " تفسيره " (1) عن أبي قلابة قال : « أراد أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ، ويتركوا النساء ويترهبوا . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة ، ثم قال : إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، أولئك بقاياهم في الديار والصوامع ، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وحجوا واعتمروا ، واستقيموا يستقم لكم " قال : ونزلت فيهم { ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }» .
قال الشاطبي رحمه الله في " الاعتصام " (2) : الاقتصار على البشع في المأكول من غير عذر تنطع . والاقتصار في الملبوس على الخشن من غير ضرورة ، من قبيل التشديد والتنطع المذموم ، وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه .
_________
(1) 8 / 608 ط دار هجر .
(2) 2 / 228 .

(1/255)


وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي : أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : اعدني على أخي عاصم . قال : ما باله ؟ قال : لبس العباء يريد النسك . فقال علي رضي الله عنه : علي به . فأتى به مؤتزرا بعباءة ، مرتديا بالأخرى ، شعث الرأس واللحية . فعبس في وجهه ، وقال : ويحك ! أما استحييت من أهلك ؟ أما رحمت ولدك ؟ أترى الله أباح لك الطيبات ، وهو يكره أن تنال منها شيئا ؟ بل أنت أهون على الله من ذلك ، أما سمعت الله يقول في كتابه { والأرض وضعها للأنام } إلى قوله { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } أفترى الله أباح لعباده إلا ليبتذلوه ، ويحمدوا الله عليه ، فيثيبهم عليه ؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول . اهـ .

(1/256)


وأدلة الشرع في النهي عن الغلو العملي كثيرة جدا ، فالوقوع فيه : ارتكاب للنهي ، ومعارضة لمقاصد الشريعة التي بنيت على التيسير والتخفيف . وإذا تأمل المسلم ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومراجعته ربه جل وعلا في تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات ؛ علم يقينا أن الشارع الحكيم لا يقصد في تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت بهم . فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو في جزئيات الشريعة حجة . وكل ما تقدم في ذم من غلا في جزئية أو جزئيتين ، أما من كثر غلوه في الجزئيات فلا ريب أن غلوه هذا يلحق بالغلو الاعتقادي .
وقد جرت سنة الله تعالى في هؤلاء الغالية في العمل : أن ينقطعوا عن العمل بالكلية ، إلا من أراد هدايته فوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم . وهذا بينه صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري (1) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه « إن هذا الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا » .
_________
(1) صحيح البخاري كتاب الإيمان ، باب الدين يسر 1 / 15 .

(1/257)


قال الحافظ ابن حجر - رحمه الل ه- في " الفتح " (1) : المشادة بالتشديد المغالبة ، والمعنى : لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع ؛ فيغلب .
قال ابن المنير : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع . اهـ .
وتلافيا للوقوع في هذا المزلق الخطير : أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل .
فقد بوب البخاري - رحمه الله - في صحيحه (2) : باب القصد والمداومة على العمل ، في كتاب الرقاق . وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : " أدومها وإن قل " وقال : " اكلفوا من الأعمال ما تطيقون » .
_________
(1) 1 / 94 .
(2) 7 / 114 .

(1/258)


فصل
وأما الغلو في الحكم على الناس : فهو مجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق . فإن الحكم بهذه الأمور على أحد من الناس إنما هو إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن دل الدليل القاطع على إلحاق هذه الأحكام به ؛ ألحقت به ، ومن لم يدل الدليل على لحوقها به ؛ فإن تنزيلها عليه من تعدي حدود الله تعالى ، والقول عليه بغير علم ، وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة ونخر في جسمها ، وفرق جماعتها . بل إن أول الغلو في الأمة إنما هو هذا ، يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين ، وحكام المسلمين بالكفر والخروج من الإسلام ، فترتب على فعلهم هذا : إراقة دماء طاهرة مسلمة ، وتمزق الجماعة ، وانتشار التباغض والشحناء بين أهل الإسلام .
ومثل هذا يقال في التبديع بغير حق ، والتفسيق بغير حق ، فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض ، وهو سبيل إلى التكفير بغير حق .

(1/259)


وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري - منع من تنزيل الحكم العام على شارب الخمر بأن تحل عليه لعنة الله ، على الشخص المعين لما قام به من إيمان بالله ورسوله ، فكيف يتسارع الغالون إلى تنزيل أحكام الكفر والفسق العامة على الأشخاص المعينين دونما روية وتؤدة ؟!
ونص الحديث كما في صحيح البخاري (1) عن عمر بن الخطاب « أن رجلا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب ، فأتي به يوما ، فأمر به ، فجلد . فقال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله » .
_________
(1) كتاب الحدود ، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة ( 12 / 75 ) « فتح » .

(1/260)


فتنزيل هذه الأحكام على الشخص المعين لا بد لها من شروط تتوفر ، وموانع تنتفي ، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة .
ومن هذا المنطلق تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع : من ذلك قول الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - : والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع . اهـ (1) .
وقد بلينا في هذه الأزمان ببعض المنتسبين إلى السلفية ممن يغلون في الحكم على الناس بالبدعة ، حتى بلغ الأمر إلى التعميم في التبديع على كل المجتمع ، وأن الأصل في غيرهم البدعة حتى يتبينوا في شأنهم . وهؤلاء جهال بالشريعة ، جهال بفهم عبارات العلماء في البدع وأهلها ، فلا عبرة بقولهم ، بل هو هباء لا وزن له . وقد أجاد العلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد في نصحهم والتحذير من منهجهم في كتابه : رفقا يا أهل السنة بأهل السنة .
نسأل الله تعالى السلامة من الغلو كله . وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
_________
(1) ميزان الاعتدال 3 / 46 .

(1/261)


المحور الثالث الغلو مظاهره وأسبابه أسباب الغلو العلمية والمنهجية
وعلاجها
( الخوارج أنموذجا )
للدكتور
عبد الرحمن بن معلا اللويحق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد : فقد تفاوتت استجابات الناس لدعوات الرسل : - فمنهم المستقيم المتمسك بالحق . - ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحدود الله . - ومنهم الغالي المتجاوز لحدود الله . وكل أولئك وجدوا فيمن سبق أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهم في أمته متوافرون ، فجاءت النصوص ناهية عن سلوك سبل أهل الزيغ ، كما جاءت ناهية عن الغلو ، ولست بصدد بيان ذلك ، وإنما تمحضت هذه الورقة للكلام عن : أسباب الغلو العلمية والمنهجية ( الخوارج أنموذجا) .
وفاتحة القول في ذلك أن أقدم بمقدمة حول الأسباب : معناها ، ومنهج استخراجها ، وملاحظ عامة حول أسباب الغلو .
لقد جعل الله لكل شيء سببا ، وجعل الظواهر والمشكلات التي يقع فيها الناس راجعة إلى أسباب سائقة إليها ، وهذه سنة من سنن الله - عز وجل - في الخلق والكون .
ومشكلة الغلو ليست بدعا من المشكلات إذ لها أسباب لإيجادها ، وأسباب لإمدادها .

(1/262)


والأسباب هي : العوامل المؤدية إلى الوقوع في الغلو سواء أكانت متعلقة بالجانب الذاتي للغالي أو الجماعة الغالية ، أم كانت متعلقة بالبيئة المحيطة به .
وهذه الأسباب قد يكون تأثيرها في إحداث الغلو ابتداء ، وقد يكون تأثيرها في إمداده واستمراره ونشر مظاهره .
ولقد اجتهدت في دراسة أسباب الغلو العلمية والمنهجية عند الخوارج عبر عدة وسائل أهمها :
1- قراءة آراء الخوارج العقدية ، ومحاولة استنتاج الأسباب التي دفعتهم إلى غلوهم ، والمداخل المنهجية التي أدت بهم إلى الغلو .
2- دراسة تاريخ الخوارج ، وذلك بتتبع أحوالهم منذ بداية التكوين ثم دراسة تطور عقائدهم ، وتتبع حالات المد والجزر في تاريخهم ، ومعرفة التحولات والافتراق في تاريخهم ؛ إذ من شأن تلك الدراسة أن توقف على الأسباب والمواقف الدافعة للغلو .
3- قراءة المؤلفات التي درست الخوارج : تاريخا ومعتقدا ؛ لمعرفة أسباب غلو الخوارج من وجهة نظر أصحاب تلك المؤلفات ، وتلك الاستفادة لا تعني أن ذكر الأسباب نابع من رأي الآخرين ، بل هو جهد شخصي ناتج عن تتبع واستقراء ، وإنما وقع الاستئناس بآراء الآخرين وتحليلاتهم فهي مؤكدة ، لا مؤسسة .

(1/263)


وليس المراد هنا حصر الأسباب إذ الإحاطة الشاملة بجميع الأسباب غير ممكنة إذ طرق الشر والانحراف غير منحصرة في الأصل ، قال أبو بكر الطرطوشي - رحمه الله - : ( والخطأ لا تنحصر سبله ، ولا تتحصل طرقه ، فاخط كيف شئت ، وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه فهو الحق ؛ لأنه أمر واحد مقصود يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه ، وما مثل هذا إلا كالرامي للهدف ، فإن طرق الإصابة تنحصر ، وتتحصل من إحكام الآلات ، وأسباب النزع وتسديد السهم . فأما من أراد أن يخطئ الهدف فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط إلا أن نذكر من ذلك حسب الإمكان ) (1) .
وهنا أنبه على أن دراسة الأسباب يجب ألا تتجه إلى أن تكون تبريرا للغلو ، وإيجادا للعذر عند الغلاة ، فهذا المنهج التبريري لا يولد في المآل إلا مزيدا من الغلو ؛ ويجعل الغالي يسقط غلوه وجرمه على الناس .
وكم من متكلم في بعض قضايا الغلو يذكر بعض الأسباب ويجعلها مبررا للغلو ، وهذا يهون الأمر في النفوس بل قد يجمع بعض الناس بذلك مزيدا من الأدلة ووسائل الإقناع للغلاة أو الجمهور المتلقين .
_________
(1) الحوادث والبدع : ( 22 ) .

(1/264)


إن الغلو قد يوجد في البيئة السليمة لكن لأن وجهة النظر المبنية على الجهل والظلم تجعل ما ليس بخطأ خطأ وقد وقع ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال « بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم - يعني الغنائم - جاء رجل فقال : اعدل يا رسول الله ! فقال : ويلك من يعدل إذا لم أعدل ، قال عمر بن الخطاب : دعني أضرب عنقه ، قال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » (1)
فهذا ظن لسوء طويته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جار فقال قولته الشنيعة ، وكذلك فعل الخوارج حين رفعوا دعوى إبطال التحكيم ، فاستدلوا بقوله سبحانه { إن الحكم إلا لله } . فالقول الذي قالوه حق ، ولكن زعمهم أن عليا حكم بغير شرع الله باطل .
_________
(1) رواه البخاري ( 6 / 2540 ) برقم : ( 6532 ) باب قتال الخوارج والملحدين كتاب استتابة المرتدين المعاندين وقتالهم ، ومسلم ( 2 / 741 ) كتاب الزكاة ، باب : ذكر الخوارج وصفاتهم .

(1/265)


ولذلك قال علي - رضي الله عنه - ( كلمة حق أريد بها باطل ) (1) قال الحافظ ابن حجر : ( وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم : لا حكم إلا لله ، انتزعوها من القرآن ، وحملوها على غير محملها ) (2) فنحن وإن ذكرنا بعض الأسباب وأنها من العوامل التي أوقعت في الغلو لا نفتح بابا للعذر للخوارج وإنما نشخص الواقع ؛ لتكون المعالجة على أصل قوي .
***
_________
(1) رواه مسلم : ( 2 / 749 ) برقم : ( 1066 ) كتاب : الزكاة باب : التحريض على قتل الخوارج .
(2) فتح الباري : ( 6 / 619 ) .

(1/266)


إن أظهر أسباب غلو الخوارج هو : ( الجهل ) وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عن الخوارج : « " يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم » . أي : أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون معانيه ومقاصده (1) .
قال الإمام النووي - رحمه الله - : ( المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم [ هكذا ] لا يصل إلى حلوقهم فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم ؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب ) (2) .
وألوان جهل الخوارج كثيرة ، منها :
أولا : الجهل بالقرآن فلقد كان عدم فهمهم للكتاب العزيز سببا في انحرافهم ، فقد أخذوا آيات نزلت في الكفار فحملوها على المسلمين ، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما - في الخوارج : ( إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ) (3) .
ومن عدم فهمهم للقرآن استشهادهم على إبطال التحكيم بقوله تعالى : { إن الحكم إلا لله } [ الأنعام : 57 ، ويوسف : 40 ، و67 ] فالمعنى المأخوذ من الآية صحيح في الجملة ، وأما على التفصيل فيحتاج إلى بيان ؛ ولذلك رد عليهم علي - رضي الله عنه - فقال : ( كلمة حق أريد بها باطل ) (4) .
_________
(1) ينظر الشاطبي : الاعتصام ( 2 / 226 ) .
(2) نقلا عن ابن حجر : فتح الباري ( 12 / 293 ) .
(3) ذكره البخاري معلقا ( 9 / 20 ) كتاب : استتابة المرتدين وقتالهم : باب : قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم ، وأفاد الحافظ في الفتح ( 1 / 282 ) أن الطبري وصله في تهذيب الآثار من مسند علي بإسناد صحيح .
(4) رواه مسلم ( 2 / 749 ) كتاب : الزكاة ، باب : التحريض على قتل الخوارج .

(1/267)


قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : ( وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم : لا حكم إلا لله انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها ) (1) .
يقول الشاطبي - رحمه الله - : ( ألا ترى أن الخوارج كيف خرجوا من الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفهم بأنهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يعني - والله أعلم - أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم ؛ لأن الفهم راجع إلى القلب ، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل به فهم على حال ، وإنما يقف عند محل الأصوات والحروف المسموعة فقط ، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم ) (2) .
ومن أظهر دلالات جهلهم بالقرآن أنهم أخذوا عمومات الوعيد فقالوا : إن معصية واحدة كافية للخلود في النار ؛ استدلالا بمثل قوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } [ سورة النساء : آية 14 ] .
_________
(1) فتح الباري ( 6 / 619 ) .
(2) الاعتصام ( 2 / 691) .

(1/268)


ثانيا : الجهل بالسنة فلقد أتي الخوارج من جهة جهلهم بالسنة بل وإعراضهم عنها وزعمهم الاقتصار على الكتاب مع اطراح أدلة السنة ، فأداهم ذلك إلى جعل ما ليس بسيئة سيئة ، وما ليس بحسنة حسنة ، فهم إنما يصدقون الرسول فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن (1) .
وما كان اعتراض الرجل على قسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا القبيل فقد خرج عن السنة ، وجعل ما ليس بسيئة سيئة ( وهذا القدر [ أي تحسين القبيح وتقبيح الحسن ] قد يقع فيه بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل ؛ لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة ) (2) .
ولذلك كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يحض على إلزام المبتدعة والغلاة وأخذهم بالسنن ؛ لأنها قاطعة في الدلالة على زيف أقوالهم وآرائهم فقد قال : ( سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ) . (3) .
_________
(1) ينظر ابن تيمية : ( الفتاوى 19 / 73 ) .
(2) المصدر نفسه ( 19 / 72 ) .
(3) رواه الدارمي في سننه : المقدمة ( 1 / 47 ) باب : التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة .

(1/269)


ولقد بين عبد القاهر البغدادي أن الخوارج ينكرون السنة وذلك من أسباب انحرافهم فقال : ( والثاني مع الخوارج في إنكارها حجية الإجماع والسنن الشرعية ، وقد زعمت أنه لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن ، ولذلك أنكروا الرجم والمسح على الخفين ، لأنهما ليسا في القرآن ، وقطعوا السارق في القليل والكثير ؛ لأن الأمر بقطع السارق في القرآن ومطلق ولم يقبلوا الرواية في نصاب القطع ولا الرواية في اعتبار الحرز فيه (1) ولقد أتوا من ظنهم مناقضة هذه الأحاديث الصحيحة للقرآن ، أو مناقضة بعضها لبعض ، أو فساد معانيها ، أو مخالفتها للمعقول . (2) .
ومن أمثلة ذلك : استدلال الخوارج بعمومات الوعيد من القرآن على تكفير العصاة وأنهم مخلدون في النار ، فقد أخذوا تلك العمومات ، وقطعوها عن نصوص السنة المبينة لها من مثل :
1- قول الله - عز وجل - في الحديث القدسي الذي يرويه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - : « يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة » (3) .
_________
(1) أصول الدين ( 19 ) .
(2) ينظر الشاطبي : الاعتصام : ( 1 / 313 ) .
(3) رواه الترمذي ( 3540 ) كتاب الدعوات : باب فضل التوبة والاستغفار ، وقال : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وله شاهد من حديث أبي ذر رواه أحمد ( 5 / 172 ) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم : 127 .

(1/270)


2- وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : « أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه ، فقال : " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت : وإن زنى وإن سرق ، قال : " وإن زنى وإن سرق " ثلاثا ، ثم قال في الرابعة : " على رغم أنف أبي ذر » ، وفي رواية البخاري : « أن جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ( بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : يا جبريل وإن سرق وإن زنى ؛ قال : نعم ، قلت : وإن سرق وإن زنى ؟ قال : نعم ) » (1) .
_________
(1) رواه البخاري في مواضع من صحيحه منه ( 2 / 89 ، 90 ) ، كتاب الجنائز ، باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ، و( 8 / 116 ) كتاب الرقاق : باب المكثرون هم المقلون ، و( 9 / 174 ) كتاب التوحيد ، باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة ، ومسلم ( 1 / 94 ) كتاب الإيمان ، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، والترمذي ( 4 / 164 ) ، كتاب الإيمان : باب ما جاء في افتراق هذه الأمة .

(1/271)


ثالثا : الجهل بقدر السلف وأهل العلم إن من أصول الدين رعاية قدر الصحابة - رضي الله عنهم - والاقتداء بهديهم والاستنان بسننهم فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » . (1) .
والاهتداء رهن بالاقتداء بهم - رضي الله عنهم - يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ( من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأقومها هديا ، وأحسنها حالا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ) (2) .
_________
(1) رواه أبو داود ( 5 / 10 - 11 ) رقم ( 4604 ) كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ، والترمذي ( 5 / 37- 38 ) رقم ( 2663 ) ، كتاب العلم ، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحمد ( 4 / 131 ، 132 ) .
(2) رواه ابن عبد البر : جامع بيان العلم وفضله ( 2 / 97 ) .

(1/272)


ولقد كان من الأسباب الرئيسة لانحراف الخوارج اعتدادهم بأهوائهم في مقابل النصوص ، واعتدادهم بأنفسهم في مقابل الأجلة من أهل العلم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل كان أول خارج ذو الخويصرة المعترض على قسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - القائل : ( اعدل يا رسول الله ! ) ثم تتابع سير الخوارج على هذا النهج ، فكانوا يعترضون على أجلة العلماء صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرفضون أقوالهم بل ويتبرءون منهم ويكفرونهم ، ويستحلون دماءهم ؛ لما رأوا من مخالفتهم إياهم فيما يعتقدون وعلى ذات المنهج ساروا في معاملة أهل العلم من التابعين . لقد دخل الخوارج قرية فخرج عبد الله بن خباب - رحمه الله - ذعرا يجر رداءه ، فقالوا : لم ترع ؟ قال : والله لقد رعتموني ، قالوا : أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، قالوا : فهل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحدثناه ؟ قال : نعم سمعته يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه « ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، " قال : فإن أدركت ذلك

(1/273)


فكن عبد الله المقتول " . قال أيوب : ولا أعلمه إلا قال " : ولا تكن عبد الله القاتل » . قالوا : أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، قال : فقدموه على ضفة النهر ، فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل ما ابدقر ، وبقروا أم ولده عما في بطنها (1) .
_________
(1) رواه أحمد ( 5 / 110 ) .

(1/274)


رابعا : الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال لقد عرف أهل السنة والجماعة الإيمان بأنه : قول القلب واللسان ، وعمل القلب والجوارح (1) . قال الإمام البخاري - رحمه الله - : ( لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أن أحدا منهم يختلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) (2) .
وقد عقد الإمام الآجري - رحمه الله - بابا سماه : ( القول بأن الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح ، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث ) . ثم قال - رحمه الله - : ( اعلموا - رحمنا الله وإياكم - : أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق ، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح ، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا ، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح ، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا . دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين . . ) (3) .
_________
(1) ينظر ابن تيمية : العقيدة الواسطية بشرح الهراس : ( 161 ) .
(2) صحيح البخاري مع الفتح ( 1 / 47 ) .
(3) الشريعة ( 119 ) .

(1/275)


وهذا الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وقد جاءت الآيات والأحاديث دالة دلالة صريحة على زيادة الإيمان : ( وكل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يتضمن الدلالة على نقصه وبالعكس ؛ لأن الزيادة والنقصان متلازمان لا يفعل أحدهما بدون الآخر ) (1) .
وقد ضل الضالون الغالون من الخوارج وغيرهم في أبواب الأسماء والأحكام بأسباب من جملتها : جهلهم بحقيقة الإيمان ، وعلاقته بالأعمال ، فقد ( قالت الخوارج والمعتزلة : قد علمنا يقينا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان ، وإذا زال بعضه زال جميعه ؛ لأن الإيمان لا يتبعض ، ولا يكون في العبد إيمان ونفاق ، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار ، إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء ) (2) .
ومنشأ ضلالهم : ( أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب ، والوعد والوعيد ، والحمد والذم ، بل إما لهذا وإما لهذا ، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها ، وقالوا : الإيمان هو الطاعة ، فيزول بزوال بعض الطاعة ) (3) .
_________
(1) الشيخ : محمد بن عثيمين : فتح رب البرية بتلخيص الحموية ( 113 ) .
(2) شيخ الإسلام ابن تيمية : الفتاوى ( 13 / 48 ) .
(3) شيخ الإسلام ابن تيمية : شرح العقيدة الأصفهانية ( 137 - 138 ) .

(1/276)


وقد زعموا أن الإيمان إذا كان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها كما يزول اسم العشرة عنها إذا زال أحد أفرادها ( وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله ) (1) .
والصحيح أنه ( ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق ، حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته ، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله - عز وجل - « ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة » (2) وبين كفر منكر الإثبات ) (3) .
_________
(1) شيخ الإسلام ابن تيمية : الفتاوى ( 7 / 223 ) .
(2) رواه مسلم ( 1 / 88 رقم 135 ) كتاب الإيمان : باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة .
(3) شيخ الإسلام : الاقتضاء ( 1 / 70 ) .

(1/277)


وقد رد شيخ الإسلام على شبهة الخوارج - هذه - بما ملخصه : أن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت في الأعيان أو الأعراض - إذا زال بعض تلك الأمور فقد - يزول سائرها وقد لا يزول ، ولا يلزم في زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها ، سواء سميت مركبة أو مؤلفة ، أو غير ذلك وما مثل به الخوارج من العشرة مطابق لهذا ، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة ، فإذا زال أحد جزئي المركب فلا يلزم زوال الجزء الآخر ، ولكن أكثر ما يقولون : إنه قد زالت الهيئة الاجتماعية ، وزال الاسم الذي استحقته الهيئة لذلك الاجتماع والتركيب .
فالمركبات على قسمين :
القسم الأول : ما يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم مثل : العشرة ، فإن الواحد المكمل لعدد عشرة شرط في إطلاق اسم العشرة على هذه الأعداد .
والقسم الثاني : ما لا يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم ومثاله : البحر والنهر ، فإن التركيب ليس شرطا في إطلاق الاسم ، ولذلك لو نقص جزء من البحر لا يزول الاسم بل هو باق .

(1/278)


ومعظم المركبات من هذا النوع : ( ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : « الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول : لا إله إلا الله وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان » ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان ) (1) .
ولكن قد يزول اسم الإيمان بزوال جزء أساسي تزول به حقيقة الإيمان كما إذا زالت الشهادتان ، أو تركت الصلاة على الراجح من أقوال العلماء . فإذا زال اسم الإيمان زال وصف الإيمان ، واعتبار جزء من الأجزاء يزول به حقيقة الإيمان يختلف باختلاف الأحوال ، فليس ( للإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى مسلم في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار ، مثل حقيقة السواد والبياض ؛ بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف ، وبلوغ التكليف له وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك ) (2) .
_________
(1) ينظر الفتاوى ( 7 / 514 - 517 ) .
(2) شيخ الإسلام ابن تيمية : الفتاوى ( 7 / 98 ) .

(1/279)


خامسا : الجهل بمراتب الأحكام يظهر لكل من نال قدرا من الفقه في الدين أن الله - عز وجل - جعل أحكاما لأفعال العباد ، تتدرج هذه الأحكام وتتنوع ، فمنها ما هو طلب للفعل المسمى ب ( المأمورات ) ومنها ما هو طلب للترك وذلك المسمى ب ( المنهيات ) ومنها ما المكلف مخير فيه بين الفعل والترك وهي ( المباحات ) ومن جهل الخوارج الجهل بمراتب الأحكام ، وأمثل من ذلك على مراتب المنهيات .
فالمنهيات على مرتبتين : فالله - عز وجل - إما أن ينهى عن الفعل على سبيل الحتم والإلزام فذلك الحرام ، وإما أن ينهى عن الفعل لا على سبيل الحتم والإلزام فذلك المكروه .
والحرام درجات في ذاته ، إذ يختلف باعتبارات عدة منها : درجة التحريم فإن أعظم المحرمات : الشرك بالله - عز وجل - والشرك والكفر متفاوت المراتب فهو على نوعين :
( 1 ) كفر اعتقادي . ( 2 ) كفر عملي .
ويعبر عنهما بالكفر الأكبر والكفر الأصغر أو بالشرك الأكبر والشرك الأصغر .
فالكفر الاعتقادي هو : الموجب للخلود في النار ، ويأتي في النصوص مقابلا للإيمان ، من مثل قوله تعالى { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } ( آل عمران : 86 ) .

(1/280)


والكفر العملي هو : الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود في النار ، وهذا النوع يتناول جميع المعاصي ؛ لأنها من خصال الكفر وشعبه وخصوصا ما سمي من المعاصي في النصوص كفرا ، من مثل قول النبى - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن مسعود : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » (1) .
فإن الكفر هنا ليس مرادا به الكفر المخرج من الملة بدليل قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات : آية : 9 ] فسماهم مؤمنين مع كونهم متقاتلين (2) .
ثم بعد الكفر تأتي المحرمات ، وقد قسمها العلماء على سبيل الإجمال إلى كبائر وصغائر ، ودلت بعض النصوص على هذا التقسيم من مثل قوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } [ النجم : آية 32 ] .
وقد أجمع على ذلك السلف : قال ابن القيم - رحمه الله - : ( والذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف وبالاعتبار ) (3) .
_________
(1) رواه البخاري في صحيحه ( 7 / 84 ) كتاب الأدب : باب ما ينهى عن السباب واللعن ، وفي ( 8 / 91 ) كتاب الفتن : باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ومسلم في صحيحه ( 1 / 81 رقم 64 ) ، كتاب الإيمان ، باب بيان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .
(2) ينظر البخاري : صحيح البخاري مع الفتح ( 1 / 85 ) .
(3) مدارج السالكين ( 1 / 315 ) .

(1/281)


وكل واحد من هذه المحرمات يتفاوت ؟ فالكفر يتفاوت وبعضه أغلظ من بعض ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : ( اعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض ؛ فالكافر المكذب أعظم جرما من الكافر غير المكذب ، فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به وبين التكذيب المنهي عنه ، ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرما ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب ، ومن كفر وقتل وزنى وسرق وصد وحارب كان أعظم جرما ) (1) .
وللعلم بمراتب الأحكام أثره في الحكم على الناس فالمنهيات مراتب ، ومرتكب الحرام ليس كمرتكب المكروه لتفاوت مرتبتي هذين الحكمين ، والكافر ليس كالعاصي ؛ لتفاوت ما بين حكم العمل الذي هو كفر ، والعمل الذي هو معصية ، فقد دلت النصوص - مثلا - على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار ، وأنهم تحت مشيئة الله ، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم حتى يمحصون ، ومن تلك النصوص قول الله - عز وجل - { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : آية 48 ] .
_________
(1) مجموع الفتاوى ( 20 / 87 ) .

(1/282)


قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : ( فجعل ما دون ذلك الشرك معلقا بمشيئته ، ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب ؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره ، كما قال سبحانه : { قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } [ الزمر : 53 ] . فهنا عمم وأطلق ؛ لأن المراد به التائب ، وهناك خص وعلق ) (1) .
وأما الخوارج فقد جهلوا هذا ، وأعرضوا عن النصوص المبينة لمراتب الأحكام فكفروا مرتكب الكبيرة ، قال الإمام ابن أبي العز الحنفي - رحمه الله - : ( إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية ، كما قالت الخوارج ؛ إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة لكان مرتدا يقتل على كل حال ، ولا يقبل عفو ولي القصاص ، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر ، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام ، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر ، ولا يستحق الخلود مع الكافرين ) (2) .
_________
(1) رسالة الحسبة : ( 77 ) .
(2) شرح العقيدة الطحاوية ( 2 / 442 ) .

(1/283)


سادسا : الجهل بمراتب الناس لقد اختلف الناس في موقفهم من دعوة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - فكانوا فرقا شتى ، فانقسم الناس في الجملة إلى :
( 1 ) مؤمن . ( 2 ) منافق . ( 3 ) كافر .
وفي كل فرقة تتفاوت مراتب الناس باعتبارات مختلفة .
يقول الحافظ ابن كثير - رحمه الله - مبينا بعضها : ( إن المؤمنين صنفان : مقربون وأبرار ، وإن الكافرين صنفان : دعاة ومقلدون ، وإن المنافقين أيضا صنفان : منافق خالص ، ومنافق فيه شعبة من النفاق ) . (1)
ولو ذهبت أتتبع طبقات المكلفين ، ومراتب كل طبقة وأحوالها لطال الأمر ولكني أقتصر على : مرتبة الفسق ( الفساق ) ذلك أن جهل الخوارج بهذه المرتبة أفضى بهم إلى ألوان من الغلو في التكفير .
إن الفسق هو : العصيان ومخالفة أمر الله - عز وجل - بما لا يصل إلى الكفر والمروق من الدين .
_________
(1) تفسير القرآن العظيم ( 1 / 98 ) .

(1/284)


ولقد أمر الله - عز وجل - بأوامر هي من شعب الإيمان ، ونهى عن أمور هي من شعب الكفر ، وليس كل من ترك شعبة من شعب الإيمان زال إيمانه و( ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر ، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا ، حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته ) (1) .
ففي الناس إذا قوم تركوا شيئا من شعب الإيمان أو فعلوا شيئا من شعب الكفر ( الكبائر ) ومعهم من الإيمان ما يمنع خلودهم في النار ، فليسوا من المنافقين أو المرتدين وليسوا من المؤمنين حقا ، فصاروا في مرتبة الفسق أو ما يسميه بعض العلماء : الفاسق الملي (2) .
وأما الخوارج فإنهم يكفرونه بالمعصية ، ويحكمون عليه بالخلود في النار لجهلهم بمراتب الناس ومسائل الأسماء والأحكام في ضوء نصوص الشريعة .
***
_________
(1) شيخ الإسلام : الاقتضاء ( 1 / 208 ) .
(2) ينظر شيخ الإسلام : الفتاوى : ( 7 / 478 - 479 ) .

(1/285)


وأما في الجانب المنهجي فقد ضل الخوارج لأسباب منها : أولا : عدم الجمع بين الأدلة إن من سمات هذا الدين التي أبان عنها القرآن الكريم : اتساقه وتصديق بعضه بعضا ، وعدم تناقضه ؛ لأنه واحد المصدر : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [ النساء : 82 ] .
والنظر في آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة وفقهها وتدبر ما فيها يظهر القارئ على ذلك الاتساق ، فالتدبر إذا وقع صدق القرآن بعضه بعضا في فهم القارئ كما هو مصدق بعضه بعضا في واقع الأمر . وإذا أعرض الإنسان عن التدبر ولم يأخذ بالقرآن كله وضرب الأدلة بعضها ببعض اختلفت عليه فكان ذلك سببا في انحرافه عن الحق .

(1/286)


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مبينا أصلا جامعا في رد ما تنازع فيه الناس من فهم النصوص : ( والمقصود هنا ذكر أصل جامع تبنى عليه معرفة النصوص ، ورد ما تنازع فيه الناس إلى الكتاب والسنة ، فإن الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى الإيمان والإسلام لكثرة ذكرهما ، وكثرة كلام الناس فيهما ، والاسم كلما كثر التكلم فيه فتكلم به مطلقا ، ومقيدا بقيد آخر في موضع آخر كان هذا سببا لاشتباه بعض معناه ، ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك . ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه ، ويكون ما سمعه مقيدا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى ، فيظن معناه في سائر موارده كذلك ، فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة ، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه ، وعلم أن خير الكلام كلام الله ، وأنه لا بيان أتم من بيانه ، وأن ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف ما تنازعوا فيه ) (1) .
_________
(1) الفتاوى ( 7 / 356 - 357 ) .

(1/287)


ولقد كان عدم الجمع بين الأدلة ، والاقتصار على بعضها وضرب القرآن بعضه ببعض سببا من أسباب انحراف الفرق ومنهم الخوارج . يتضح هذا من النظر في استدلالاتهم . واعتبر ذلك بالنظر إلى هاتين المجموعتين من النصوص : 1- يقول الله - عز وجل - : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } [ النساء : آية 14 ] وقال : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } [ الجن : آية 23 ] . 2- يقول الله تعالى : { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم } [ النساء : آية 13 ] ويقول سبحانه : { ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } [ الأحزاب : آية 71 ] .
فهاتان مجموعتان من النصوص يلحق بهما ما في معناهما : تسمى الأولى : نصوص الوعيد . وتسمى الثانية : نصوص الوعد .
وقد صار فهم هذه النصوص سببا لانحراف طائفتين : الخوارج والمرجئة .

(1/288)


فالخوارج أخذوا بعموم آيات الوعيد وقالوا : المعصية الواحدة كافية للخلود في النار .
والمرجئة أخذوا بعموم نصوص الوعد وقالوا : الإيمان هو التصديق ، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة .
وبهذا المنهج يتعارض القرآن وينقض بعضه بعضا ، والحق جمع هذه النصوص وفهمها بمجموعها و : ( لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد . . . والعبد عليه أن يصدق بهذا وبهذا ، لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، فهؤلاء ( المشركون ) أرادوا أن يصدقوا بالوعد ، ويكذبوا بالوعيد .
والحرورية والمعتزلة : أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد ، وكلاهما أخطأ .
والذي عليه أهل السنة والجماعة : الإيمان بالوعد والوعيد فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب قد بين سبحانه أنه بشروط : بأن لا يتوب ، فإن تاب تاب الله عليه ، وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه ، فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وبأن لا يشاء الله أن يغفر له : ف { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : الآية 48 ] .

(1/289)


فهكذا الوعد له تفسير وبيان ، فمن قال بلسانه : لا إله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين ، وكذلك إن جحد شيئا مما أنزل الله . فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول ، ثم إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ، فإن ارتد عن الإسلام ومات مرتدا كان في النار ، فالسيئات تحبطها الردة ، ومن كان له حسنات وسيئات فإن الله لا يظلمه ، بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مقال ذرة شرا يره ، والله قد يتفضل عليه ويحسن إليه بمغفرته ورحمته . ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار ) (1) .
ومن الجمع بين النصوص الرد إلى النصوص المحكمة والأصول الجامعة التي ترد إليها النصوص العامة ، وهناك أصل جامع محكم ترد إليه نصوص الوعيد ، وبالرجوع إليه يندفع التعارض المتوهم ، فالقرآن ليس فيه تناقض ولا اختلاف : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : الآية 48 ] .
_________
(1) ابن تيمية : الفتاوى ( 8 / 270 - 271 ) .

(1/290)


ثانيا : اتباع المتشابه يقول الله عز وجل : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } [ آل عمران : آية 7 ] فربط سبحانه بين أهل الزيغ واتباع المتشابه ، وجعل اتباع المتشابه من شأن أهل الزيغ والابتداع ، وهم إنما يفعلون ذلك ابتغاء إحداث الفتنة وتتبعا لما لا يمكنهم العلم به ، مما استأثر الله عز وجل بعلمه أو خص بعلمه أهل العلم البصراء بدين الله .

(1/291)


ولقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من اتباع المتشابه ومن متبعي المتشابه ، فعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت : تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب } [ آل عمران : الآية 7 ] قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم » (1) .
_________
(1) رواه البخاري ( 5 / 166 ) كتاب تفسير القرآن ، باب منه آيات محكمات ، ومسلم ( 3 / 2053 ) رقم 2665 كتاب العلم ، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن .

(1/292)


ولخطورة اتباع المتشابه كان السلف يردعون متبعه ، ويؤدبونه تأديبا بليغا ، فعن سليمان ين يسار - رحمه الله - أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر ، وقد أعد له عراجين النخل ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبيغ ، فقال عمر : وأنا عبد الله عمر ، ثم أخذ عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه . (1) .
_________
(1) رواه الآجري في الشريعة ( 73 ) والدارمي في السنن ( 1 / 51 ) رقم ( 146 ) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ( 4 / 634 ) وذكر له الحافظ ابن حجر إسنادا صحيحا عن ابن الأنباري : الإصابة ( 3 / 458 - 460 ) .

(1/293)


وما وصف متبعو المتشابه بالزيغ ، والتحذير منهم وتأديبهم إلا لما يجره اتباع المتشابه من انحراف عن الحق وضلال ، واعتبر ذلك بالخوارج ؛ لتعلم كيف انحرفوا ؟ بسبب اتباع المتشابه ، فقد أخذوا - مثلا - قوله تعالى : { إن الحكم إلا لله } [ يوسف : الآية 40 ] على ظاهره ، وقطعوه عن بيانه ، وزعموا أن ذلك يعنى ألا يحكم البشر وألا يطلب منهم الحكم بشرع الله بين المتخاصمين فنقموا على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه حكم الحكمين ، وهذا - بزعمهم - حكم بغير ما أنزل الله ، وقد رد عليهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بجملة آيات منها : قوله تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } [ النساء : آية 35 ] فأمر الله - عز وجل - بتحكيم حكمين في أمر امرأة ورجل ، قال علي - رضي الله عنه - : ( فأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل ) (1) .
_________
(1) رواه أحمد ( 1 / 86 - 87 ) .

(1/294)


قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في بيان أول زيغ الخوارج : ( كان أول كلمة خرجوا بها قولهم : { إن الحكم إلا لله } انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها ) (1) .
_________
(1) الفتح ( 6 / 619 ) وينظر في هذا الموضوع الشاطبي : الاعتصام ( 1 / 303 ) .

(1/295)


ثالثا : التعامل المباشر مع النص والفهم الحرفي له إن فهم الكتاب العزيز والسنة المطهرة يحتاج إلى أمرين :
الأول : معرفة اللغة التي تكلم بها الشارع .
الثاني : معرفة مقصوده من اللفظ .
وهذا متقرر حتى في فهم كلام الناس أنفسهم ؛ فلا بد من معرفة ما عناه المتكلم وقصده .
ويعرف مقصود الشارع سبحانه بمعرفة سنته في الخطاب فتجمع النصوص ليخرج من مجملها بفهم مراد الشارع كما يفهم أيضا المقصود بالرجوع إلى السنة وأقوال الصحابة .
والألفاظ الشرعية وإن كانت عربية في الأصل إلا أنه لا بد من معرفة مراد الشارع الذي نقل تلك الألفاظ عن مدلولاتها الأصلية إلى معان بينها وبين المعنى الأصلي نوع اشتراك إذ ( جنس ما دل عليه القرآن ليس من جنس ما يتخاطب به الناس ، وإن كان بينهما قدر مشترك فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاءهم بمعان غيبية لم يكونوا يعرفونها ، فإذا عبر عنها بلغتهم كان بين معناه وبين معاني تلك الألفاظ قدر مشترك ولم تكن مساوية بها ، بل تلك الزيادة التي هي من خصائص النبوة لا تعرف إلا منه ) (1) .
_________
(1) ابن القيم : مختصر الصواعق : ( 2 / 347 ) .

(1/296)


ولقد أعرض الخوارج عن هذا المنهج الرشيد فصاروا إلى الأخذ بظواهر النصوص من غير تدبر ولا نظر في مقاصدها ومعاقدها ، فبادروا إلى تفسيرها بمجرد ظاهر اللغة وفهم العربية وبهذا يكثر غلطهم في فهم التنزيل .
ومن أمثلة ذلك : اعتمادهم على قول الله - عز وجل - { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [ البقرة : آية 81 ] ولو جمع هؤلاء النصوص لفقهوا معنى ( السيئة ) و( الخطيئة ) ذلك أنه عند التأمل في الكتاب العزيز نجد أن السيئة والخطيئة تطلقان على الشرك فما دونه من السيئات والخطايا .
فمن إطلاقها على الشرك قوله تعالى : { مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } [ نوح : الآية : 25 ] . وقوله سبحانه : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [ البقرة : آية 81 ] .

(1/297)


ومن إطلاقها على ما دون الشرك قوله سبحانه : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } [ النساء : آية 31 ] . وقوله سبحانه على لسان إبراهيم : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } [ سورة الشعراء : آية 82 ] .
وعليه فليست الآية كما يظهر لأول وهلة من ظاهرها أنها دالة على أن مرتكب السيئة كافر ، خصوصا إذا رجعنا إلى الآية المحكمة من مثل قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : آية 48 ] .

(1/298)


المحور الرابع استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو لمحات عن منهج القرآن الكريم
في
البناء التربوي ومعالجته
للدكتور
إبراهيم بن سعيد الدوسري
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن العظيم بالحق نورا وهدى للعالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وصفوته من خلقه أجمعين ، سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :
فإن القرآن الكريم هداية الله للعالمين ، وهو منهج كريم يسمو بالإنسان وينظم حياته من جميع أبعادها ، سواء أكان من جهة صلته بربه ، أم من جهة علاقته بالكون وما حواه ونفسه التي بين جنبيه ومجتمعه وأمته والناس أجمعين .
ومن ثم كان القرآن الكريم المصدر الأساس للتربية لدى المسلمين ، حيث كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، يتخلق بأخلاقه ، ويؤدب أمته بآدابه .

(1/299)


فكتاب الله العظيم قد تضمن منهجا كاملا وشافيا في الوسطية ، والكشف عن معالمه يعد من الأمور الضرورية والملحة ، ولا سيما في الظروف الراهنة التي بلغت خطورة بالغة طالت الأمة الإسلامية والعالم بأسره ، بسبب خروج بعض الناس عن منهج القرآن الكريم أو البعد عنه ، والتأثر بالأفكار المنحرفة والهدامة ، والسير وراء كل ناعق ، فأفرز ذلك خروجا عن طاعة ولي الأمر ، وسعيا في الأرض فسادا وقتل النفس المعصومة ، وغير ذلك من التبعات المخالفة لمنهج الوسطية منهج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .
وإذا كان من عادة القرآن في روافد البناء التحذير مما يعوقه ، وحمايته مما يهدمه ، وصيانته مما يقلل من قيمته فإن معالجة القرآن لما يخرج ذلكم البناء عن حد الاعتدال قد حوت حيزا كبيرا من آياته .
ويأتي هذا البحث إسهاما يسيرا من أجل إبراز لمحات موجزة عن منهج القرآن الكريم في بعض الجوانب التربوية والاجتماعية وسبل معالجتها ، راجيا من الله العلي القدير العون والتسديد .

(1/300)


ولا يفوتني أن أرفع جزيل الشكر إلى صاحب المعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على عنايته بهذه الموضوعات الحيوية ، وعلى إتاحته الفرصة لي للمشاركة بهذا البحث في الندوة العلمية التي تعقدها الوزارة عن ( أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو ) .
هدف البحث : يهدف هذا البحث إلى الإشارة إلى إبراز بعض لمحات منهج القرآن الكريم في البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي ، والتنويه بالوسائل الكفيلة ، بتفعيل التعاليم التربوية ذات الطابع الإصلاحي من خلال القرآن الكريم .
خطة البحث : تتكون خطة البحث من تمهيد ومقصد وخاتمة ، وذلك على النحو التالي : المقدمة : تتضمن أهمية الموضوع - كما تقدم - وهدفه وخطته .
التمهيد : منهج التربية في القرآن الكريم .
المقصد : البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي ، وفيه مطلبان :
المطلب الأول : الجانب التربوي الأخلاقي .
المطلب الثاني : الجانب التربوي الاجتماعي .
الخاتمة : تتضمن خلاصة البحث وأهم النتائج التي انتهى إليها .

(1/301)


التمهيد
نبذة موجزة عن منهج التربية في القرآن الكريم
التربية في اللغة : إصلاح الشيء والقيام عليه حالا فحالا إلى حد التمام ، ويقال : ترببه وارتبه ، ورباه تربية (1) .
وهي في الاصطلاح تؤول إلى هذا المعنى وهو الرعاية والتنمية ، إذ التربية وسيلة إصلاحية بناءة .
ولقد حوى القرآن الكريم منهاجا فريدا في إصلاح الأمور والقيام عليها بالرعاية والتنمية ، على أحسن وجه وأكمل حالة ، فتلك هي التربية الربانية التي من صنع الله الذي أتقن كل شيء ، وهو الذي خلق كل شيء ، فهو أعلم بما يصلحه ، وهو سبحانه أحق من يرعاه ، قال الله تعالى : { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ( سورة الملك : 14 ) .
ومفردات التربية في القرآن كثيرة جدا ، تشكل قاعدة تشمل الإنسان وسائر الكائنات ، فصفة الشمول والكمال تحيط بهذه التربية من كل جانب ، وفي كل مفردة منظومة عجيبة من الكمال التربوي الذي أودعه الله جل وعلا في كتابه الكريم .
فلو نظرنا إلى تربية الإنسان في القرآن الكريم لوجدنا نظاما محكما يبدأ مع الإنسان منذ أول خلقه حتى يلقى الله جل وعلا ويواجه مصيره الذي ينتظره .
_________
(1) انظر مادة ( رب ) في معجم مقاييس اللغة 3 / 381 وبصائر ذوي التمييز 2 / 29 ومادة ( ريب ) في لسان العرب 1 / 401 .

(1/302)


إن منهج التربية في القرآن الكريم ينبثق من كمال هذا الدين ومعجزة هذا الكتاب المجيد ، فتربيته تسع كل المجالات ، كما أنها باقية وصالحة لكل عصر وجيل ، حيث إن إعجاز القرآن الكريم لا ينحصر في ألفاظه ومبانيه ، ولكنه يمتد إلى معانيه ومناهجه الحياتية والحيوية .

(1/303)


الجانب التربوي الأخلاقي
حقيقة التربية الأخلاقية في نظر الإسلام تنشئة الإنسان وتكوينه متكاملا من الجانب الخلقي ، بحيث يصبح مفتاحا للخير ومغلاقا للشر في كل الظروف والأحوال (1) .
وهي تستهدف ملكة استعداد النفس لتهذيبها وتنمية نزعات الخير لديها ، فهي من الأهمية بمكان ، لأنها ترجمة عملية للأخلاق النظرية المتمثلة في الإلزام والمسئولية والجزاء (( ذلك أنه إذا لم يعد هناك إلزام فلن تكون هناك مسئولية ، وإذا عدمت المسئولية فلا يمكن أن تكون العدالة ، وحينئذ تتفشى الفوضى ويفسد النظام )) (2) .
حقا إن التربية الأخلاقية أحد الدعائم الأساسية في بناء الفرد المسلم ، إذ هي عملية تؤدي إلى بناء فكر وفعل أخلاقي بما حوته من وسائل كفيلة يمكن من خلالها تطبيق دستور الأخلاق في القرآن الكريم ، وهذه الوسائل تؤول إلى مجموعتين :
_________
(1) انظر دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإسلامية ص 22 .
(2) دستور الأخلاق في القرآن الكريم ص 21 .

(1/304)


وسائل دافعة ووسائل مانعة ، أما الوسائل الدافعة فهي التي تنمي الاستعداد النفسي لفعل الخيرات مثل القدوة الصالحة والموعظة والصحبة ، والمجموعة الثانية هي الوسائل المانعة وهي التي تحول بين المرء ورغبته في سيئ الأخلاق ، وتعطل إرادته واستعداده من الوقوع فيها ومن بين تلك الوسائل المانعة الاعتبار والترهيب والعقوبة (1) .
إن التربية الأخلاقية في نظرة الإسلام تتسم بالعمق والشمول ، حيث إنها تتناول جميع الجوانب الإيجابية للتربية المتكاملة ، من أهمها تكوين البصيرة عند المرء ليميز بين سلوكي الخير والشر وتلقي المبادئ التربوية ب افعل ولا تفعل وتطهير النفس من نوازع الشر وتحذير الغير منها ، وتحليها بفضائل الخير ، والدلالة إليها (2) .
والحق أن القرآن العظيم قد زود نظامه الأخلاقي بقاعدة تربوية غاية في الكمال (3) ، وقد انتظم في هذه القاعدة جملة من الوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم الأخلاقية ، وإيجاد العلاج والحلول المناسبة لكل انحراف أو تسيب في الأخلاق ، ومعنى هذا أنها ذات طابع إصلاحي ودعوي ، فالحاجة إلى إبرازها وإعمالها ضرورة اجتماعية .
_________
(1) انظر الأخلاق بين النظرية والتطبيق ص 79 .
(2) انظر دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإسلامية ص 29 .
(3) انظر دستور الأخلاق 677 .

(1/305)


أولا - الوسائل الدافعة وهي الوسائل التي تنمي الاستعداد لفعل الخيرات والمداومة عليها والترقي في معارج الفضيلة ، ومنها :

(1/306)


الموعظة : وهي التذكير بالخير فيما يرق له القلب (1) ، وتعد الموعظة من أقوى الأساليب وأنجع الوسائل ، ولهذا سمى الله القرآن الكريم موعظة كما في قوله تعالى : { ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } ( سورة يونس : 57 ) وقد استعمل القرآن الكريم الموعظة في السياق التربوي في كثير من المناسبات ، ويظهر ذلك جليا في مواعظ الحكيم لقمان لابنه : { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم }{ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير }{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون }{ يابني إنها إن تك مثقال حبة من
_________
(1) انظر مادة ( وعظ ) في العين للخليل 2 / 228 والمفردات للراغب ص 527 .

(1/307)


خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير }{ يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور }{ ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور }{ واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } ( سورة لقمان : 13 - 19 ) .

(1/308)


والموعظة تأتي في القرآن الكريم صريحة كما في الآيات السابقة ، وتأتي من خلال الاعتبار بمن سبق ، قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : (( وقوله { ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } ( سورة النساء : 171 ) وقوله { فما رعوها حق رعايتها } ( سورة الحديد : 27 ) فإن ذلك متعلق بأهل الكتاب ابتداء ، ومراد منه موعظة هذه الأمة لتجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وسقوطها )) (1) ، وتصديق ذلك في القرآن الكريم حيث يقول الحق تبارك وتعالى : { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين }{ فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين } ( سورة البقرة : 65 - 66 ) .
الصحبة : لا يخفى ما للصحبة من أثر فاعل في اكتساب الأخلاق سلبا أو إيجابا ، ومسارقة الطبع تؤدي في ذلك دورا كبيرا ، (( إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا )) (2) .
_________
(1) مقاصد الشريعة ص 268 .
(2) إحياء علوم الدين للغزالي 3 / 60 .

(1/309)


وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم شاهد حي على ما للصحبة من أهمية في استمداد القرناء بعضهم من بعض الطاقات الأخلاقية حيث يقول الله تبارك وتعالى : { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين }{ ولا يستثنون }{ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون }{ فأصبحت كالصريم }{ فتنادوا مصبحين }{ أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين }{ فانطلقوا وهم يتخافتون }{ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين }{ وغدوا على حرد قادرين }{ فلما رأوها قالوا إنا لضالون }{ بل نحن محرومون }{ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون }{ قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين }{ فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون }{ قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين }{ عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون }{ كذلك العذاب ولعذاب

(1/310)


الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ( سورة القلم : 17 - 33 ) .

(1/311)


أوسطهم أي : (( أعدلهم قولا وعقلا وخلقا )) (1) ، والآية تدل على أن هذا الأوسط حذرهم من الوقوع في المعصية قبل وقوع العذاب فلم يطيعوه ، فلما رأوا العذاب ذكرهم ذلك الكلام (2) ، { قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين } ، فكان تذكير أوسطهم أحد أسباب توبتهم ، ولو استجابوا له أولا لانتفعوا ببستانهم ، بيد أنهم استطاعوا أن يؤثروا عليه ، حتى أزرى به بخله فأصابه ما أصابهم . وقد جاء التنويه بالصحبة وما لها من أثر فاعل في آيات كثيرة ، ومنها قوله تعالى : { ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ( سورة الفرقان : 27 ) ، وقوله تعالى : { قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ( سورة الأنعام : 71 ) .
_________
(1) المحرر الوجيز لابن عطية 15 / 42 .
(2) انظر مفاتيح الغيب للرازي 29 / 90 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18 / 244 .

(1/312)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية