صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : بحوث ندوة أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو
المؤلف : مجموعة من العلماء
الطبعة : الثانية
الناشر : وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
تاريخ النشر : 1425هـ
عدد الصفحات : 354
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة
مفهوم الوسطية والاعتدال
الدكتور / ناصر بن عبد الكريم العقل
أدلة الوسطية في القرآن والسنة
الدكتور / محمد بن عمر بازمول
مظاهر الوسطية في الإسلام
الدكتور / سليمان بن إبراهيم العايد
المحور الثاني دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره
مفهوم السماحة واليسر في الكتاب والسنة وأدلتها
الدكتور / ناصر بن عبد الله الميمان
سماحة الإسلام في التعامل مع المخالف
الدكتور / حمزة بن حسين الفعر
سماحة الشريعة في التعامل مع الواقع للدول والأفراد
الدكتور / عبد الرحمن بن زيد الزنيدي
المحور الثالث الغلو : مظاهره وأسبابه
مفهوم الغلو في الكتاب والسنة
الدكتور / صالح بن غانم السدلان
مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس
الدكتور / عبد السلام بن برجس العبد الكريم
أسباب الغلو العلمية والمنهجية وعلاجها
الدكتور / عبد الرحمن بن معلا اللويحق
المحور الرابع استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو
معالجة القرآن لظواهر الانحراف والغلو
الدكتور / إبراهيم بن سعيد الدوسري

(1/1)


أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال
الدكتور / عبد الله بن علي بصفر
مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية
الدكتور / حمد بن موسى السهلي

(1/2)


المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة مفهوم الوسطية والاعتدال
للدكتور
ناصر بن عبد الكريم العقل
الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وبعد :
فإن الله تعالى ميز هذه الأمة (أمة الإسلام) بالوسطية بين الأمم فقال سبحانه { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة : 143] ، والوسطية هنا تعني : العدل والخيار وسائر أنواع الفضل ، فهي أفضل الأمم .
ثم ميز الله أهل السنة والجماعة بالوسطية بين فرق المسلمين ، فقال صلى الله عليه وسلم « لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين . . . » الحديث .
فأهل السنة هم في جملتهم (العدول الخيار) أهل التوسط والاعتدال في كل أمور الدين : عقيدة وعلما وعملا وأخلاقا ومواقف . وسط بين الغلو والتقصير وبين التفريط والإفراط في سائر الأمور .

(1/3)


وسأتحدث في هذه المقالة عن مفهوم الوسطية والاعتدال في اللغة والاصطلاح ، وهو موضوع الفرع الأول من المحور الأول في ندوة ( أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو ) .
مفهوم الوسطية والاعتدال :
أ - مفهوم الاعتدال : الاعتدال لغة : قال في القاموس المحيط : ( العدل : ضد الجور ، وما قام في النفس أنه مستقيم ) ، و( عدل الحكم تعديلا : أقامه ، و( عدل ) فلانا : زكاه ، و( عدل ) الميزان ( سواه ) ، و( الاعتدال توسط حال بين حالين في كم أو كيف ، وكل ما تناسب فقد اعتدل ، وكل ما أقمته فقد عدلته وعدلته ) ، والعدول : هم الخيار .
وذكر في القاموس المحيط (1) : من معاني العدل والاعتدال : الحكم بالعدل ، والاستقامة ، والتقويم ، والتسوية ، والمماثلة ، والموازنة ، والتزكية ، والمساواة ، والإنصاف ، والتوسط .
أما اصطلاحا فالاعتدال : هو التزام المنهج العدل الأقوم ، والحق الذي هو وسط بين الغلو والتنطع ، وبين التفريط والتقصير ، فالاعتدال والاستقامة وسط بين طرفين هما : الإفراط والتفريط .
والاعتدال هو : الاستقامة والتزكية ، والتوسط والخيرية .
_________
(1) انظر : ( عدل ) ( 2 / 594 ) .

(1/4)


فالاعتدال يرادف الوسطية التي ميز الله بها هذه الأمة ، قال تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم } .
وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا بقوله : ( والوسط : العدل ) (1) ، ومن معاني العدل والوسط : الخيار .
ولا يتحقق الاعتدال في الاعتقاد والعمل والعلم والدعوة وغيرهما إلا بالتزام الكتاب والسنة وسبيل المؤمنين .
ب - مفهوم الوسطية : الوسطية في اللغة : قال في المعجم الوسيط الصحيح :
( وسط ) الشيء - ( يسطه ) وسطا ، وسطة : صار في وسطه ويقال : وسط القوم ، ووسط المكان . فهو واسط . و - القوم ، وفيهم وساطة : توسط بينهم بالحق والعدل .
( وسط ) الرجل - ( يوسط ) وساطة ، وسطة : صار شريفا وحسيبا . فهو وسيط .
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ، الحديث رقم (4487) .

(1/5)


( أوسط ) القوم : صار في وسطهم .
( توسط ) فلان : أخذ الوسط بين الجيد والرديء . و - بينهم : وسط فيهم بالحق والعدل . و- الشيء : صار في وسطه . يقال : توسط القوم .
( الأوسط ) : المعتدل من كل شيء ، وأوسط الشيء : ما بين طرفيه . وهو من أوسط قومه : من خيارهم .
( الوسط ) وسط الشيء : ما بين طرفيه ، وهو منه . والمعتدل من كل شيء . يقال : شيء وسط : بين الجيد والرديء . وما يكتنفه أطرافه ولو من غير تساو . والعدل . والخير : ( يوصف به المفرد وغيره ) . وفي التنزيل العزيز : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } : عدولا أو خيارا . وهو من وسط قومه : من خيارهم .
والصلاة الوسطى : العصر ، لتوسطها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل ، وقيل الصلاة الوسطى : الفضلى ، وفسرها بعضهم بالجمعة . ( ج ) وسط .
(الوسوط) : المتوسط . وبيت من بيوت الشعر أكبر من المظلة وأصغر من الخباء أو هو أصغرها . ( ج ) وسط .
الوسوط : وسوط الشمس ، توسطها السماء .

(1/6)


( الوسيط ) : المتوسط بين المتخاصمين ، و- المتوسط بين المتبايعين أو المتعاملين . و- المعتدل بين شيئين . وهي وسيطة . ( ج ) وسطاء ، ويقال هو وسيط فيهم : أوسطهم نسبا وأرفعهم مجدا .
فالوسطية تأتي بمعنى : التوسط بين شيئين ، وبمعنى العدل ، والخيار ، والأجود ، والأفضل ، وما بين الجيد والرديء ، والمعتدل ، وبمعنى الحسب والشرف .
ونجد أهل السنة والسلف الصالح - بحمد الله - تحققت فيهم هذه المعاني الفاضلة ، كما سيأتي بيانه .
الوسطية في الشرع والاصطلاح : وردت الوسطية في القرآن الكريم في أكثر من آية وفي السنة في أكثر من حديث على المعاني التالية :
( 1 ) بمعنى العدل والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط ، ومن ذلك قوله عز وجل { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } أي ، عدلا [ سورة البقرة - آية 143 ] . وبهذا المعنى فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري فقال : ( الوسط : العدل ) ( صحيح البخاري ك التفسير ح 4487 ) .
( 2 ) وفسرها ابن جرير الطبري ( 3 / 242 ) بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط .
( 3 ) وكذلك ابن كثير ( 1 / 275 ) فسرها : بالخيار الأجود .

(1/7)


( 4 ) وتأتي الوسطية في السنة كذلك بمعنى الأوسط والأعلى كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الفردوس بأنه « أوسط الجنة وأعلى الجنة » - [ البخاري ك الجهاد ح 2790 ] .
( 5 ) ويأتي معنى الوسطية على اعتبار الشيء بين الجيد والرديء ، كما قال ابن عباس - في رواية عنه - « كان الرجل يقوت أهله قوتا دونا ، وبعضهم قوتا فيه سعة ، فقال الله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } [ المائدة : 89 ] . الخبز والزيت » .
( 6 ) وفسر بعضهم : ( أوسط ) في الآية بأنه : الأعدل والأمثل ، فتكون الآية على هذا التفسير مندرجة تحت المعنى الأول الذي هو ( العدالة والخيار والأجود ) .
( 7 ) كما تأتي الوسطية بمعنى : ما بين طرفي الشيء وحافتيه .
ومن ذلك قوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } [ البقرة : 238 ] ، والصلاة الوسطى صلاة العصر ، وسميت الوسطى ؛ لأن قبلها صلاتين ، على اختلاف في تحديد أي الصلوات هي (1) .
_________
(1) ( ابن كثير 1 / 291 ) .

(1/8)


ومن ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أنه خط خطا مربعا ، وخطا وسط الخط المربع ، وخطوطا إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع ، وخطا خارجا من الخط المربع ، وقال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا الإنسان الخط الأوسط ، وهذه الخطوط إلى جانبه الأعراض تنهشه » (1) .
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « وسطوا الإمام وسدوا الخلل » (2) .
( 8 ) وتأتي الوسطية بمعنى التوسط الظرفي . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « لعن الله من جلس وسط الحلقة » (3) ، ضعفه الألباني : ضعيف سنن أبي داود ( 393 ) .
وتأتي الوسطية مقابل :
الغلو : وهو مجاوزة الحد . قال تعالى : { لا تغلوا في دينكم } [ النساء : 171 ، المائدة : 77 ] . وقال صلى الله عليه وسلم : « إياكم والغلو في الدين » .
_________
(1) ( ابن ماجه ح 4231 ) .
(2) ( أبو داود ح 681 ) .
(3) ( أبو داود ح 4886 ) .

(1/9)


- والإفراط : وهو بمعنى الغلو ، وهو تجاوز القدر في الأمور .
- والتفريط : وهو بمعنى التقصير .
فمنهج أهل السنة وسط في ذلك بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة .
- والجفاء : خلاف البر والصلة . قال صلى الله عليه وسلم في حق القرآن : « ولا تجفوا عنه » . أي : لا تنقطعوا عن تلاوته .
فأهل السنة وسط بين جفاء الأعراب ، وتقعر العجم .
- والظلم : وهو مجاوزة الحق . ولذلك سمى الله الشرك ظلما { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] .
فأهل السنة هم الوسط في العدل والإنصاف . وعليه ؛ فالوسطية ، والاعتدال معنيان مترادفان في المفهوم اللغوي ، والشرعي الاصطلاحي ، فهما : العدل والاستقامة والخيرية والاعتدال والقصد والفضل والجودة .
فالاعتدال والوسطية منهج الحق ومنهج الأنبياء وأتباعهم ، ويتمثل ذلك بالإسلام بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبالسنة ، ومنهج السلف بعد ظهور الأهواء والافتراق ، فأهل السنة والجماعة هم العدول الأخيار في العقيدة والعبادة والأخلاق والمواقف .

(1/10)


هذا ، ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الحق والعدل والاستقامة ، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى ، ويقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والله حسبنا ونعم الوكيل .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

(1/11)


المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة أدلة الوسطية في القرآن والسنة
للدكتور
محمد بن عمر بازمول
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .
{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [ آل عمران : 102 ] .
{ ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } [ النساء : 1 ] .
{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا }{ يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } [ الأحزاب : 70- 71 ] .
أما بعد :

(1/12)


فإن أصدق الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
ثم أما بعد : فهذه ورقات أفردتها في تقرير بعض من أدلة الوسطية من القرآن العظيم والسنة النبوية ، أتقدم بها في ندوة " أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو " ، التي ستنعقد في مكة المكرمة ، ضمن فعاليات مسابقة الملك عبد العزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته ، وتفسيره في 3 - 11 / 8 / 1424 هـ .
سائلا الله المزيد من التوفيق والهدى والرشاد للقائمين على هذه الندوة ، وأن يجعل سبحانه وتعالى جهودهم في موازين حسناتهم ، إنه سميع مجيب .

(1/13)


مدخل
الإسلام وسط بين الأديان
من خصائص الإسلام الوسطية والتوازن (1) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( ت 728 هـ ) رحمه الله : " قد خص الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين ، وجعل له شرعة ومنهاجا أفضل شرعة ، وأكمل منهاج مبين .
كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس ؛ فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها ، وأكرمها على الله من جميع الأجناس .
هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم . وجعلهم وسطا عدلا خيارا ؛ فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته ، وفي الإيمان برسله ، وكتبه ، وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام .
فأمرهم بالمعروف ، ونهاهم عن المنكر ، وأحل لهم الطيبات ، وحرم عليهم الخبائث ، لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات كما حرم على اليهود ، ولم يحل لهم شيئا من الخبائث كما استحلتها النصارى .
_________
(1) انظر : الإسلام مقاصده وخصائصه / د . محمد العقلة / ص 50 .

(1/14)


ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيق على اليهود ، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى ، فلا يوجبون الطهارة من الجنابة ، ولا الوضوء للصلاة ، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة ، بل يعد كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات ، حتى يقال في فضائل الراهب : " له أربعون سنة ما مس الماء " ! ولهذا تركوا الختان ، مع أنه شرع إبراهيم الخليل عليه السلام وأتباعه .
واليهود إذا حاضت المرأة عندهم ، لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ، ولا يقعدون معها في بيت واحد ، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض ، وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة ، بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض ، والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله ، أو تحرم الصلاة معه .
وكذلك المسلمون وسط في الشريعة فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسوخ ، كما فعلت اليهود . ولا غيروا شيئا من شرعه المحكم ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله ، كما فعلت النصارى .
ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى ، ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود .

(1/15)


ولا جعلوا الخالق سبحانه متصفا بخصائص المخلوق ، ونقائصه ، ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود ، ولا المخلوق متصفا بخصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى .
ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود .
ولا أشركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى .
وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل ، فهم وسط في باب صفات الله عز وجل بين أهل الجحد والتعطيل ، وبين أهل التشبيه والتمثيل ، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله من غير تعطيل ولا تمثيل ، إثباتا لصفات الكمال ، وتنزيها له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال ، إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل ، كما قال تعالى : { ليس كمثله شيء } [ الشورى : 11 ] رد على الممثلة ، { وهو السميع البصير } [ الشورى : 11 ] رد على المعطلة .
وقال تعالى : { قل هو الله أحد }{ الله الصمد }{ لم يلد ولم يولد }{ ولم يكن له كفوا أحد } [ الإخلاص : 1 - 4 ] .
فالصمد : السيد المستوجب لصفات الكمال .
والأحد : الذي ليس له كفو ولا مثال .

(1/16)


وهم وسط في باب أفعال الله عز وجل بين المعتزلة المكذبين للقدر ، والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله ، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه .
وفي باب الوعد والوعيد ، بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار ، وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار .
وهم وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الغالي في بعضهم الذي يقول فيه بإلهية أو نبوة أو عصمة ، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار هذه الأمة " اهـ (1) .
وقال - رحمه الله - : " وكذلك في سائر أبواب السنة ، هم وسط ؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان " اهـ (2) .
_________
(1) الجواب الصحيح ( 1 / 6 - 8 ) .
(2) مجموع الفتاوى ( 3 / 375) .

(1/17)


أدلة الوسطية
من القرآن العظيم والسنة النبوية
الأدلة على وسطية أمة الإسلام فلا إفراط ولا تفريط ، لا غلو ولا جفاء ، كثيرة من القرآن العظيم ، والسنة النبوية ، أذكر منها الأدلة التالية :
أولا : الأدلة من القرآن العظيم ( 1 ) قول الله تبارك وتعالى : { اهدنا الصراط المستقيم }{ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } [ الفاتحة : 6 - 7 ] .

(1/18)


ووجه دلالة الآية : أنه سبحانه وصف الصراط المستقيم بأنه غير صراط المغضوب عليهم ، وهم اليهود أهل الغلو في الدين ، وغير صراط النصارى ، وهم أهل الغلو في الرهبانية والتعبد ، حتى خرجوا عن حدود الشرع ، ليس فقط في العبادة بل حتى في الاعتقاد ، يقول تبارك وتعالى : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } ( النساء : 171 ) .
فإذا كان الصراط المستقيم غير صراط اليهود والنصارى ، وكان صراط اليهود والنصارى صراط غلو في الدين ، دل ذلك على أن الصراط المستقيم صراط لا غلو فيه ، فهو بين طرفين : إفراط وتفريط ، وهذا هو معنى الوسطية التي هي منهاج الدين الإسلامي .

(1/19)


( 2 ) قال الله تبارك وتعالى : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ( البقرة : 213 ) .
يمتن الله سبحانه على عباده المؤمنين أن هداهم إلى الصراط المستقيم ، الذي هو سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن يتبعه ، قال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ( الأنعام : 153 ) .

(1/20)


وللغواية والضلال سبل ، كما قال تبارك وتعالى : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } ( الأعراف : 86 ) .
وكل سبيل غير سبيل الحق فهو معوج ، كما قال تعالى : { قل ياأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون } ( آل عمران : 99 ) ، وقال تعالى : { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون } ( الأعراف : 45 ) .

(1/21)


وسبيل الحق هو سبيل الرشد ، وهو الصراط المستقيم ، كما قال تعالى : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } ( الأعراف : 146 ) ، وقال تعالى : { وقال الذي آمن ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد } ( غافر : 38 ) .
فالصراط المستقيم وسط بين السبل ، التي أشارت إليها الآيات السابقات . وعليه فإن هذه الأمة وسط بين الأمم .
فوصف الأمة بكونها هديت إلى صراط مستقيم ، وأنها على صراط مستقيم ، وصف يقتضي الوسطية لها في دينها ، بين السبل المعوجة ، ذات اليمين وذات الشمال .
( 3 ) قال الله تبارك وتعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) .

(1/22)


وقد تتابعت كلمة المفسرين في أن وصف الأمة بالوسط ، يراد به كونهم عدولا خيارا ، ويدل عليه الأمور التالية :
1 - أن الله سبحانه وتعالى وصف هذه الأمة في موضع آخر بالخيرية ، فقال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ( آل عمران : 110 ) (1) .
_________
(1) أضواء البيان / المدني / (1 / 75 ) .

(1/23)


2 - أن هذا التفسير جاء فيه حديث صحيح مرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يجاء بنوح يوم القيامة ، فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم يا رب . فتسأل أمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا من نذير . فيقول : من شهودك ؟ فيقول : محمد وأمته ، فيجاء بكم فتشهدون ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : عدلا { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا }» (1) .
3 - أن هذا التفسير هو الذي يطابق السياق ، فإن الله تعالى يقول : { لتكونوا شهداء على الناس } ، فالمناسب لكونهم شهداء على الناس أن يثبت لهم وصف الخيرية والعدالة .
فأمة الإسلام جعلت أمة وسطا : عدلا خيارا ؛ والعدل الخيار يتضمن الدلالة على كونهم بين الإفراط والتفريط .
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ، الحديث رقم ( 7349 ) .

(1/24)


قال الطبري ( ت 310 هـ ) رحمه الله : " وأرى أن الله تبارك وتعالى إنما وصفهم بأنهم وسط ؛ لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه - غلو النصارى الذين غلوا بالترهب ، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هم أهل تقصير فيه - تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله ، وقتلوا أنبياءهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به - ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك ، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها " اهـ (1) .
_________
(1) تفسير الطبري / هجر / ( 3 / 626 - 627 ) .

(1/25)


والمعنيان متداخلان ، ولا تمانع بينهما ، فلا مغايرة بين الحديث وبين ما دل عليه معنى الآية (1) ؛ وذلك أن [ الوسط في الأصل اسم لما يستوي نسبة الجوانب إليه كمركز الدائرة ، ثم استعير للخصال المحمودة البشرية ، لكن لا لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعواز والأوساط محمية محوطة ؛ فإن تلك العلاقة بمعزل من الاعتبار في هذا المقام ، إذ لا ملابسة بينها وبين أهلية الشهادة التي جعلت غاية للجعل المذكور ، بل لكون تلك الخصال أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط ؛ كالعفة التي طرفاها الفجور والخمود . وكالشجاعة التي طرفاها الظهور والجبن . وكالحكمة التي طرفاها الجربزة (2) والبلادة . وكالعدالة التي هي كيفية متشابهة حاصلة من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها ثم أطلق على المتصف بها مبالغة كأنه نفسها ، وسوى فيه بين المفرد والجمع ، والمذكر والمؤنث رعاية لجانب الأصل كدأب سائر الأسماء التي يوصف بها .
_________
(1) وهذا ما قرره ابن حجر في فتح الباري / السلفية / ( 8 / 173 ) .
(2) الخبث والمكر .

(1/26)


وقد روعيت هاهنا نكتة رائقة : هي أن الجعل المشار إليه عبارة عما تقدم ذكره من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبر عنه بالصراط المستقيم ، الذي هو الطريق السوي الواقع في وسط الطرق الجائرة عن القصد إلى الجوانب ، فإنا إذا فرضنا خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين متقابلتين ، فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية .
ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة كون الأمة المهدية إليه أمة وسطا بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفة بالخصال الحميدة خيارا وعدولا مزكين بالعلم والعمل (1) . والله أعلم (2) .
ومن فوائد هذه الآية الإرشاد إلى أن كل خير ينفع الناس ، فقد أمر الله به ، ودعا إليه ، وكل شر وفساد فقد نهى الله عنه وأمر بتركه ، وهذا ضرورة كون هذه الأمة موصوفة بالخيرية ، وأنها هديت إلى الصراط المستقيم .
وهذا الوصف بالوسطية ثبت في نصوص عديدة ، تؤكد معنى التوسط وعدم الغلو في مظاهر الدين ، من ذلك :
_________
(1) من كلام أبي السعود ، في تفسيره إرشاد العقل السليم / دار إحياء التراث / ( 1 / 172 ) .
(2) وبالتقرير السابق تعلم أن الاستشهاد بآية ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) على معنى وسطية الإسلام ، استدلال صحيح ، خلافا لمن منع الاستدلال بها على معنى وسطية الإسلام . انظر أحكام القرآن لابن العربي ( 1 / 50 ) ، وتابعه صاحب رسالة وسطية الإسلام / لعبد الرحمن حبنكة الميداني / مؤسسة الريان / ص 9 - 10 .

(1/27)


( 4 ) نهيه عن الغلو في الحكم بين الناس ، حيث أمر بالعدل ، والظلم خلاف العدل ، وهو ميل إلى أحد الطرفين على حساب الآخر ، قال الله تبارك وتعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } ( النساء : 58 ) ، وقوله تبارك وتعالى : { ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } ( المائدة : 8 ) .
والآيتان دليل على أمر الله تبارك وتعالى بما هو مقتض لخيرية هذه الأمة ، وكون أهلها عدولا ؛ فأمر بالحكم بالعدل ؛ ليس فقط في حكمهم بعضهم على بعض ، بل حتى في حكمهم على أعدائهم .
والعدل في الحكم مع الأعداء من مظاهر هذه الخيرية التي خص الله عز وجل بها هذه الأمة .

(1/28)


( 5 ) نهيه عن الغلو في دعاء الله عز وجل ، و « " الدعاء هو العبادة » ، حيث أمر بالتوسط فيه دون الجهر وفوق المخافتة ، فقال الله تبارك وتعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } ( الإسراء : 110 ) .
والأمر بابتغاء السبيل بين ذلك يعني أن يكون الدعاء تضرعا دون الجهر وفوق السر ، فهذا مظهر من مظاهر الأمر بالتوسط في العبادة ، التي هي الدعاء .

(1/29)


( 6 ) نهيه عن الغلو في طلب الدنيا ، فلم يأمر بترك الدنيا ، والخروج إلى الفيافي ، كما لم يأمر بالاستغراق فيها ، وكأن الإنسان لا محل له إلا هذه الحياة الدنيا ، إنما أمر بالتوسط ، فالدنيا بلغة يتبلغ بها الإنسان للآخرة ، يأخذ منها بما أحله الله سبحانه وتعالى ، ويعيش فيها فيما أباحه الله سبحانه وتعالى ، ويستعد بذلك للآخرة ، قال الله تبارك وتعالى : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } ( القصص : 77 ) .
وهذه الآية فيها دليل على أن ترك التوسط والاعتدال فساد في الأرض ، ألا تراه يقول : { وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } ، فإذا كان العمل في الدنيا وترك السعي للآخرة فسادا في الأرض ، فمن باب أولى ترك أمور الصراط المستقيم - وعنوانها تمام صالح الأخلاق - فساد في الأرض .

(1/30)


( 7 ) نهيه عن الغلو في النفقة بالمال ، حيث يقول تبارك وتعالى : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } ( الفرقان :67 ) ، وقوله تبارك وتعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } ( الإسراء : 29 ) .
قال ابن قيم الجوزية ( ت 751 هـ ) رحمه الله : " والفرق بين الاقتصاد والتقصير أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط .
وله طرفان هما ضدان له : تقصير ومجاوزة .
فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين ، قال تعالى : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } [ الفرقان : 67 ] ، وقال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } [ الإسراء : 29 ] ، وقال تعالى : { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } . [ الأعراف : 31 ] ، والدين كله بين هذين الطرفين .
بل الإسلام قصد بين الملل .
والسنة قصد بين البدع .
ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه .

(1/31)


وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر ، والغلو مجاوزته وتعديه .
وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان :
فإما إلى غلو ومجاوزة .
وإما إلى تفريط وتقصير .
وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به ، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم .
وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم ، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير ، وخوفوا من بلي بأحدهما بالهلاك .
وقد يجتمعان في الشخص الواحد ، كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه . والمهدي من هداه الله " اهـ (1) .
_________
(1) الروح ص 347 .

(1/32)


( 8 ) نهيه عن تحريم الطيبات ، وهو من الغلو في التزهد ، ونهيه عن الإسراف ، وهو من الغلو في الاستغراق في الدنيا وملذاتها ، والصراط المستقيم بينهما ، يقول تبارك وتعالى : { يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين }{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون }{ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ( الأعراف : 31 - 33 ) .

(1/33)


( 9 ) ومن الأدلة على وسطية الدين وسماحته ، قوله تبارك وتعالى : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } ( المائدة : 6 ) ، ويقول تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة من الآية 185 ) ، ويقول تعالى : { يريد الله أن يخفف عنكم } ( النساء من الآية 28 ) . ويقول تبارك وتعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } ( الحج : 78 ) .

(1/34)


ووجه الدلالة : أن وصف الله سبحانه وتعالى الدين بأنه يسر ، وبأن الله ما جعل علينا فيه من حرج ، وأن الله يريد أن يخفف عنا ، كل هذا يدل على أن الغلو في الدين غير مطلوب ، بل ليس هو من الدين ، وأن التوسط هو سمة الدين ومنهاجه ، والوسطية بين طرفين : تشدد وتساهل . وهل يؤخذ عند الاختلاف بأخف القولين أو بأثقلهما ؟ (1) .
ذهب بعض الناس إلى الأخذ بأخف القولين وأيسرهما استدلالا بهذه الأدلة .
وذهب آخرون إلى الأخذ بالأشد .
والذي يظهر أن المراد بهذه النصوص هو أن الدين يسر ، أي : ما جاء وثبت في الشرع ، فهو يسر ، وليس المراد أن اليسر هو الدين .
وأن سماحة الشريعة ويسرها إنما جاءت مقيدة بما هو جار على أصولها ، والقول باتباع الأيسر مطلقا إنما هو اتباع هوى النفس وما تشتهيه ، دون الرجوع إلى الدليل ، وذلك ينافي أصول الشريعة (2) . وهو مؤد إلى إسقاط التكاليف جملة ؛ لأن التكاليف كلها فيها ما يشق على النفس ، فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الأدلة ؛ لزم ذلك في جميع التكاليف ، فلم يبق للعبد تكليف ، وهذا محال ، فما أدى إليه مثله ، فإن رفع الشريعة مع فرض وضعها محال (3) .
_________
(1) الموافقات للشاطبي ( 4 / 148 ) .
(2) الموافقات ( 4 / 133 ، 131 - 134 ) .
(3) الموافقات ( 4 / 193 ) ، وانظر منه ( 4 / 141 ، 134 ) .

(1/35)


والذين قالوا : نأخذ بالأشد ؛ ذهبوا إليه لأنه الأحوط ، وهؤلاء خالفوا أدلة أصحاب القول الأول ، ثم الاحتياط هو : " الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة ، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، من غير غلو ومجاوزة ، ولا تقصير ولا تفريط ، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله " (1) .
وعليه فإن الاحتياط هو الترجيح عند الاختلاف ، فالمجتهد والمتبع والعامي يسلكون مسلك الترجيح عند الاختلاف لكل واحد منهم بحسبه ، فلا يرجح الأيسر ، ولا يرجح الأثقل ، وإنما يرجح ما جاء به الدليل ، فإن لم يتبين الدليل رجعوا جميعا إلى استفتاء النفس والقلب (2) .
_________
(1) الروح لابن القيم ص 346 ، وانظر إغاثة اللهفان ( 1 / 162 - 163 ) .
(2) الاختلاف وما إليه / لمحمد بازمول ص 103 - 104 .

(1/36)


ثانيا : الأدلة من السنة ( 1 ) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : « خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال : هذا سبيل الله . ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [ الأنعام : 153 ] » (1) .
وتقدم تقرير دلالة وصف ما كان عليه صلى الله عليه وسلم بأنه الصراط المستقيم ، وأنه يقتضي معنى الوسطية والخيرية ، التي بين طرفي التفريط والإفراط .
_________
(1) أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 465 ، 435 ) ، وأخرجه الدارمي في سننه في المقدمة ، باب في كراهة أخذ الرأي ، وابن أبي عاصم في كتاب السنة ( 1 / 13 ) ، وابن حبان ( الإحسان ) 1 / 180 - 181 تحت رقم ( 6 - 7 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 318 ) . وأخرجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ابن ماجه في المقدمة ، باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديث رقم ( 11 ) ، وابن أبي عاصم في كتاب السنة ( 1 / 13 ) . والحديث صححه ابن حبان ، والحاكم ، وحسن إسناده محقق الإحسان ، وصححه لغيره الألباني في ظلال الجنة ( 1 / 13 ) .

(1/37)


قال ابن تيمية رحمه الله : " أصل الدين أن الحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله ، ليس لأحد أن يخرج عن الصراط المستقيم ، الذي بعث الله به رسوله ، قال الله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ( الأنعام : 153 ) ، وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه خط خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذه سبيل الله ، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } .

(1/38)


وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ما ذم به المشركين ، حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة ، واستحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم وشرعوا دينا لم يأذن به الله ، فقال تعالى : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } ( الشورى : من الآية 21 ) ، ومنه أشياء هي محرمة جعلوها عبادات كالشرك والفواحش مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك " . اهـ (1) .
( 2 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق » (2) .
ووجه الدلالة في هذا الحديث : أن الوسطية هي الخيرية ، ومحاسن الأخلاق ومكارمها هي الوسط بين طرفين ؛ وكل ما يدعو إليه الدين هو من مكارم الأخلاق التي هي أوساط للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط (3) .
ولا ينازع في أن الغلو خلق ليس من مكارم الأخلاق ، فصح أن الدين لم يأت به ، لأنه إنما جاء لصالح الأخلاق ومكارمها .
_________
(1) مجموع الفتاوى ( 10 / 388 -389 ) .
(2) أخرجه أحمد ( الرسالة 14 / 512 - 513 ، تحت رقم 8952 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( صحيح الأدب المفرد 118 ، تحت رقم 207 / 273 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 191 - 192 ) ، والحاكم (2 / 613 ) . والحديث صححه الحاكم ، ومحققو مسند أحمد ، والألباني في صحيح الأدب المفرد ، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ( 45 ) .
(3) وقد توسع ابن قيم الجوزية في كتاب الروح / دار الفكر - الأردن / ص 314 إلى آخر الكتاب ، في بيان جملة من الفروق بين الأمور ، يتبين الناظر فيها حقيقة كون الحق والخير بين طرفين إفراط وتفريط .

(1/39)


(3) عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : « جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها . فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا .
وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر .
وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا .
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » (1) .
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب النكاح ، باب الترغيب في النكاح ، حديث ( 5063 ) ، ومسلم في كتاب النكاح ، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ، حديث رقم ( 1401 ) .

(1/40)


ووجه الدلالة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن التشدد في العبادة ليس من سنته ؛ فإذا كان التشدد في العبادة ليس من سنته ، فمن باب أولى التشدد والمبالغة والغلو في الأمور الأخرى .
قال ابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) رحمه الله : " قوله : « فمن رغب عن سنتي فليس مني » المراد بالسنة : الطريقة ، لا التي تقابل الفرض . والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره .
والمراد : من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى ، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه ، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة ، فيفطر ليتقوى على الصوم ، وينام ليتقوى على القيام ، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل .
وقوله : " فليس مني " إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه ، فمعنى : " فليس مني " أي : على طريقتي ، ولا يلزم أن يخرج عن الملة ، وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله ، فمعنى : " فليس مني " : ليس على ملتي ؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر .

(1/41)


وقال الطبري : فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس ، وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل .
قال عياض : هذا مما اختلف فيه السلف : فمنهم من نحا إلى ما قال الطبري ، ومنهم من عكس واحتج بقوله تعالى : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } [ الأحقاف : 20 ] . قال : والحق أن هذه الآية في الكفار ، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين .
قلت : لا يدل ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين ، والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر ، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات ؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا ، فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور كما أن منع تناول ذلك أحيانا يفضي إلى التنطع المنهي عنه ، ويرد عليه صريح قوله تعالى { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [ الأعراف : 32 ] .
كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها ، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا ، وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط " . اهـ (1) .
_________
(1) فتح الباري ( 9 / 105 - 106 ) .

(1/42)


( 4 ) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هلك المتنطعون . هلك المتنطعون . هلك المتنطعون » (1) .
والمتنطعون هم - كما قال شراح الحديث - المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم .
والحديث ظاهره خبر عن حال المتنطعين ، إلا أنه في معنى النهي عن التنطع وهو دليل على أن التوسط والاعتدال في الأمور هو سبيل النجاة من الهلاك ؛ فإنه إذ ذم التنطع وهو المغالاة والمجافاة وتجاوز الحد في الأقوال والأفعال ، فقد دل على أن المطلوب هو التوسط ، وذلك متصور في الطرفين ؛ فمثلا شأن الدنيا من تشدد في طلبه والسعي وراءه دون الآخرة ، فقد تنطع في طلبها ، وهلك ، ومن تشدد في مجافاتها والغلو في تركها والبعد عنها ، فقد تنطع ، وهلك ، والتوسط بينهما هو المطلوب .
( 5 ) وذكر أن الغلو في التعبد من سمات طائفة تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
_________
(1) أخرجه مسلم في كتاب العلم ، باب هلك المتنطعون ، حديث رقم ( 2670 ) .

(1/43)


عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم ، فقال : يا رسول الله اعدل !
فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل .
فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه !

(1/44)


فقال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ، ويخرجون على حين فرقة من الناس » .

(1/45)


قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم ، وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس ، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته (1) .
فهؤلاء غلوا في العبادات - والعبادات الدينية أصولها الصلاة والصيام والقراءة - بلا فقه ؛ فآل الأمر بهم إلى البدعة ، فقال : « يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية » ، وأمر بقتلهم ، فإنهم قد استحلوا دماء المسلمين وكفروا من خالفهم ، وجاءت فيهم الأحاديث الصحيحة (2) .
( 6 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة ، وشيء من الدلجة » (3) .
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المناقب ، باب علامات النبوة ، حديث رقم ( 3610 ) ، ومسلم في كتاب الزكاة ، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ، حديث رقم ( 1064 ) .
(2) انظر مجموع الفتاوى ( 10 / 392 - 393 ) .
(3) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان ، باب الدين يسر ، حديث رقم ( 39 ) ، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار ، حديث رقم ( 2816 ) .

(1/46)


[ والمشادة بالتشديد : المغالبة ، يقال : شاده يشاده مشادة إذا قاواه ، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب .
قوله : " فسددوا " أي : الزموا السداد ، وهو الصواب من غير إفراط ، ولا تفريط ، قال أهل اللغة : السداد التوسط في العمل .
قوله : " وقاربوا " أي : إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه .
قوله : " وأبشروا " أي : بالثواب على العمل الدائم وإن قل ، والمراد : تبشير من عجز عن العمل بالأكمل ، لأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره ، وأبهم المبشر به تعظيما له وتفخيما .
قوله : " واستعينوا بالغدوة " أي : استعينوا على مداومة العبادة لإيقاعها في الأوقات المنشطة .
والغدوة بالفتح : سير أول النهار ، وقال الجوهري : ما بين صلاة الغداة ، وطلوع الشمس .
والروحة بالفتح : السير بعد الزوال .

(1/47)


والدلجة : بضم أوله وفتحه وإسكان اللام : سير آخر الليل ، وقيل : سير الليل كله ، ولهذا عبر فيه بالتبعيض ؛ ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار . وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر ، وكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرا إلى مقصد فنبهه على أوقات نشاطه ، لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع ، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة . وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة ، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة ] (1) .
والحديث نص في أن الدين يسر ، وأن الدين قصد وأخذ بالأمر الوسط ، فلا يفرط المرء على نفسه ، ولا يفرط .
( 7 ) عن ابن عباس رضي الله عنه قال : « قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأديان أحب إلى الله ؟ قال : الحنيفية السمحة » (2) .
والحديث نص في أن الإسلام حنيفية سمحة ، والسماحة تتنافى مع الغلو والتشدد فيه .
_________
(1) من فتح الباري ( 1 / 94 - 95 ) ، وفيه : قال ابن المنير : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع . وليس المراد منها طلب الأكمل في العبادة ، فإنه من الأمور المحمودة ، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال ، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل ، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة ، أو إلى أن خرج الوقت المختار ، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة « اهـ .
(2) أخرجه أحمد في المسند ( الرسالة 4 / 17 ، تحت رقم 2107 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( صحيح الأدب المفرد ص 122 ، تحت رقم 220 / 287 ) ، وعبد بن حميد في مسنده ( المنتخب 1 / 497 ، تحت رقم 567 ) ، وعلقه البخاري في كتاب الإيمان ، باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة » . والحديث حسن إسناده ابن حجر في فتح الباري ( 1 / 94 ) ، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الأدب المفرد ، وكذا في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ( 881 ) ، وكذا محقق المنتخب ، وصححه لغيره محققو المسند .

(1/48)


( 8 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين » (1) .
والحديث يأمر بالتيسير وترك التنفير والتعسير ، مما يستلزم ترك الغلو وطلب الوسط ، إذ اليسر هو السماحة وترك التشدد ، وخير الأمور الوسط . وقد بوب البخاري على الحديث في كتاب الأدب " باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : « يسروا ولا تعسروا » ، وكان يحب التخفيف واليسر على الناس " .
وقد أخذ العلماء بهذا الأمر ، فقعدوا قاعدة فقهية هي من قواعد الفقه الكبرى (2) ، والتي عليها مدار الفقه الإسلامي ، وهي قاعدة : " المشقة تجلب التيسير ، ومن فروعها : " الضرورة تبيح المحظورة " ، " الرضى بأهون الضررين لدفع أعلاهما إذا لم يكن من أحدهما بد " (3) .
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب العلم ، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم ، حديث رقم ( 69 ) ، ومسلم في كتاب الجهاد والسير ، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير ، حديث رقم ( 1734 ) .
(2) انظر : الأشباه والنظائر للسيوطي ص 76 ، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية ص 157 ، القواعد الفقهية الخمس الكبرى ، والقواعد المندرجة تحتها ، من مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 233 - 239 .
(3) فتح الباري ( 10 / 525 ) . وهذه القاعدة الفرعية معدودة في كتب القواعد الفقهية ضمن فروع قاعدة : لا ضرر ولا ضرار ، أو الضرر يزال ، ولا تمانع فهي تدخل تحت القاعدتين ، فإن من التيسير الرضى بأهون الضررين إذا لم يكن من إحداهما بد ، ومن الضرر الذي يزال : دفع الضرر الأعلى بالأدنى ، ويدل على ما ذكرت أنه جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الوضوء ، باب صب الماء على البول ، حديث رقم ( 220 ) ، عن أبي هريرة قال : قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء ، أو ذنوبا من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر . والله الموفق .

(1/49)


( 9 ) عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته : « هات القط لي ، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف ، فلما وضعتهن في يده قال : بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » (1) .
الغلو هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد ، وفيه معنى التعمق (2) ، يقال : غلا في الشيء يغلو غلوا ، وغلا السعر يغلو غلاء إذا جاوز العادة ، والسهم يغلو غلوا ، بفتح ثم سكون ، إذا بلغ غاية ما يرمى .
والحديث نص صريح في النهي عن الغلو في الدين ، فمنهاج الدين وسبيله هو السماحة والتيسير وترك التشدد في حدود ما جاء في الشرع .
ومن فوائد الحديث تنبيهه على قضية خطيرة جدا ، وهي أن الغلو في الدين من أسباب هلاك الأمم قبلنا ، فالقصد القصد .
_________
(1) أخرجه أحمد في المسند ( الرسالة 3 / 351 ، تحت رقم 1851 ) ، والنسائي في كتاب مناسك الحج ، باب التقاط الحصى ، حديث رقم ( 3057 ) ، وابن ماجه في كتاب المناسك ، باب قدر حصى الرمي ، حديث رقم ( 3029 ) ، وابن خزيمة ( 4 / 274 ، تحت رقم 2867 ) ، وابن حبان ( الإحسان ( 9 / 183 ، تحت رقم 3871 ) ، والحاكم ( 1 / 466 ) . والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ، وصحح إسناده محققو مسند أحمد ، ومحقق الإحسان .
(2) التعمق هو بالمهملة وبتشديد الميم ثم قاف ، ومعناه : التشديد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه . فتح الباري ( 13 / 278 ) .

(1/50)


وتعظيم الأمر والنهي من الدين ، ومن التعظيم لهما ترك الغلو فيهما .
قال صاحب منازل السائرين رحمه الله : تعظيم الأمر والنهي : وهو أن لا يعارضا بترخص جاف ، ولا يعرضا لتشدد غال ، ولا يحملا على علة توهن الانقياد " .
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله : " هاهنا ثلاثة أشياء تنافي تعظيم الأمر والنهي :
أحدها : الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال .
والثاني : الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي .
فالأول تفريط والثاني إفراط .
[ ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط .
مثال ذلك : أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر ، فالترخيص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصا جافيا ، وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ويفعل العبادة بتكره وضجر ، فمن حكمة الشارع أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر فيصلي العبد بقلب حاضر ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى .

(1/51)


ومن هذا نهيه أن يصلي بحضرة الطعام أو عند مدافعة البول والغائط ، لتعلق قلبه من ذلك بما يشوش عليه مقصود الصلاة ، ولا يحصل المراد منها ، فمن فقه الرجل في عبادته أن يقبل على شغله فيعمله ثم يفرغ قلبه للصلاة ، فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونصب وجهه له وأقبل بكليته عليه ، فركعتان من هذه الصلاة يغفر للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه .
والمقصود أن لا يترخص ترخصا جافيا .
ومن ذلك أنه أرخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر ، وتعذر فعل كل صلاة في وقتها لمواصلة السير وتعذر النزول أو تعسيره عليه ، فإذا أقام في المنزل اليومين والثلاثة أو أقام اليوم فجمعه بين الصلاتين لا موجب له لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير مشقة ، فالجمع ليس سنة راتبة كما يعتقد أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع سواء وجد عذر أولم يوجد ، بل الجمع رخصة ، والقصر سنة راتبة ، فسنة المسافر قصر الرباعية سواء كان له عذر أولم يكن ، وأما جمعه بين الصلاتين فحاجة ورخصة فهذا لون وهذا لون .

(1/52)


ومن هذا أن الشبع في الأكل رخصة غير محرمة ، فلا ينبغي أن يجفو العبد فيها حتى يصل به الشبع إلى حد التخمة والامتلاء ، فيتطلب ما يصرف به الطعام فيكون همه بطنه قبل الأكل وبعده ، بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع ويدع الطعام وهو يشتهيه ، وميزان ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : « ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه » (1) ، ولا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده .
وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي ؛ فهو كمن يتوسوس الوضوء متغاليا فيه حتى يفوت الوقت أو يردد تكبيرة الإحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة . أو يتشدد في الورع حتى لا يأكل شيئا من طعام عامة المسلمين خشية دخول الشبهات عليه ، ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم حتى امتنع أن يأكل شيئا من بلاد الإسلام ، وكان يتقوت بما يحمل إليه من بلاد النصارى ، ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين ، وحسن الظن بالنصارى ، نعوذ بالله من الخذلان .
_________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل ، حديث رقم ( 2380 ) ، وابن ماجه في كتاب الأطعمة ، باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع ، حديث رقم ( 3392 ) . ولفظ الحديث عند الترمذي : « عن مقدام بن معدي كرب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه » . قال أبو عيسى الترمذي : هدا حديث حسن صحيح اهـ .

(1/53)


فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف ، ولا يعرضا لتشديد غال ، فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله عز وجل بسالكه ] (1) .
وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان :
إما إلى تفريط وإضاعة .
وإما إلى إفراط وغلو .
[ فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين ؛ فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه ، فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخيصا أخذه من هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك ، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة .
_________
(1) ما بين معقوفتين من كلام ابن القيم في كتابه الوابل الصيب ص 22 - 24 .

(1/54)


وإن وجد عنده حذرا وجدا وتشميرا ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له : إن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا ، وينبغي لك أن تزيد على العاملين ، وأن لا ترقد إذا رقدوا ، ولا تفطر إذا أفطروا ، وأن لا تفتر إذا فتروا ، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعا ، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها ، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي ، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم كما يحمل الأول على التقصير دونه ، وأن لا يقربه ، ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم هذا بأن لا يقربه ، ولا يدنو منه ، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه .
وقد فتن بهذا أكثر الخلق ، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط ، والله المستعان ] (1) .
ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له ؛ هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد .
_________
(1) ما بين معقوفتين من كلام ابن القيم في كتابه الوابل الصيب ص 25 .

(1/55)


وقد نهى الله عن الغلو بقوله : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق } ( المائدة : من الآية 77 ) . والغلو نوعان :
نوع يخرجه عن كونه مطيعا ، كمن زاد في الصلاة ركعة أو صام الدهر مع أيام النهي أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق أو سعى بين الصفا والمروة عشرا أو نحو ذلك عمدا .
وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار ، كقيام الليل كله ، وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي ، والجور على النفوس في العبادات والأوراد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : « إن [هذا] الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة » (1) ، يعني استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة ، فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسير فيها .
وقال : « ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر [ فليقعد ] » (2) رواهما البخاري .
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان ، باب الدين يسر ، حديث رقم ( 39 ) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة ، باب ما يكره من التشدد في العبادة ، حديث رقم ( 1150 ) ، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب ذلك ، حديث رقم ( 784 ) . ولفظ الحديث عند البخاري : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين ، فقال : ما هذا الحبل ؟ قالوا : هذا حبل لزينب ، فإذا فترت تعلقت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ، حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد .

(1/56)


وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « هلك المتنطعون قالها ثلاثا » (1) ، وهم المتعمقون المتشددون .
وفي صحيح البخاري عنه : « عليكم من الأعمال ما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا » (2) .
وفي السنن عنه أنه قال : « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغضن إلى نفسك عبادة الله » (3) أو كما قال .
وقوله : ولا يحملا على علة توهن الانقياد .
يريد : أن لا يتأول في الأمر والنهى علة تعود عليهما بالإبطال ، كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بإيقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه .
وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة . وقد حمل طائفة من العلماء أن جعلوا تحريم ما عدا شراب خمر العنب معللا بالإسكار ، فله أن يشرب منه ما شاء ما لم يسكر .
_________
(1) أخرجه مسلم في كتاب العلم باب هلك المتنطعون ، حديث رقم ( 2670 ) ، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة ، باب ما يكره من التشديد في العبادة ، حديث رقم ( 1151 ) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب ذلك ، حديث رقم ( 785 ) . ولفظ مسلم : « عن هشام قال : أخبرني أبي عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة فقال : من هذه ؟ فقلت : امرأة لا تنام تصلي . قال : عليكم من العمل ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا . وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه » .
(3) أخرجه أحمد في المسند ، ( 20 / 346 ، تحت رقم 13052 ، الرسالة ) ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وهو مما وجده عبد الله بخط أبيه في كتابه ، وفي سنده عمرو بن حمزة ، ضعفه الدارقطني ، وللمتن شواهد يرتقي بها إلى الحسن لغيره ، كما قال محققو المسند ، وذكروا من شواهده ما أخرجه البيهقي ( 3 / 19 ) من حديث أنس وزاد فيه :« ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك ، فإن المنبت لا سفرا قطع ، ولا ظهرا أبقى ، فاعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبدا ، واحذر حذرا تخشى أن تموت غدا في سنده مولى عمر بن عبد العزيز لا يعرف ، وبنحوه عند القضاعي في مسنده ( 2 / 184 ، تحت رقم 1147 ( عن جابر بن عبد الله ، وفي سنده يحيى بن المتوكل ، كذاب ، ولفظ حديث أنس عند أحمد في المسند : قال عبد الله وجدت في كتاب أبي بخط يده : حدثنا زيد بن الحباب ، قال أخبرني عمرو بن حمزة ، حدثنا خلف أبو الربيع إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة ، حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق .

(1/57)


ومن العلل التي توهن الانقياد : أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر ؛ فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم ، ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور .
وفي بعض الآثار القديمة : « " يا بني إسرائيل لا تقولوا : لم أمر ربنا ؟ ولكن قولوا : بم أمر ربنا ؟ » .
وأيضا فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر ، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له .
وأيضا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا ، وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله فقال : أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة ، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها ، وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده .
وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي ، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله ، فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله ، فكم عطلت لله من أمر ، وأباحت من نهي ، وحرمت من مباح ، وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها " اهـ (1) .
_________
(1) مدارج السالكين (2 / 496 - 498 ) .

(1/58)


الخاتمة
إن كل أمور الشرع تدل بوضوح أنه دين الحنيفية السمحة ، دين اليسر ؛ فلا غلو في الدين .
إلا أن هاهنا قضية مهمة يحسن أن أذكر بها في ختام هذه الرسالة ، وهي : أن هذه الأدلة تقرر سماحة الدين ويسره ووسطيته ، وأنه دين ينافي الغلو والتشدد ، بمعنى أن ما ثبت كونه من الدين فهذه صفته ، لا بمعنى أن يأتي شخص ما بعقله وتفكيره فما رآه وسطا قال : هو الدين !
فالوسطية في الدين ، أي ما ثبت أنه دين فهو يسر .
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : « إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » ، فما ثبت أنه من الدين فهو اليسر وهو الحنيفية السمحة ، وهو الذي لا تشدد في أخذه ، ولا غلو فيه ، ولا عسر فيه .
وقال صلى الله عليه وسلم : « إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة » ، فقال : الدين يسر فما ثبت أنه من الدين فهو يسر .

(1/59)


وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .

(1/60)


المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة مظاهر الوسطية في الإسلام
للدكتور
سليمان بن إبراهيم العايد
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وبعد :
الحديث عن مظاهر الوسطية في الإسلام حديث ذو شجون ، لأنها كثيرة متغلغلة في جميع عقائده ، وفرائضه ، وشرائعه ، ولو أردنا الحديث عنها حديثا شاملا لكتبنا كل ما كتب عن الإسلام من عقائد ، وأحكام ، عبادات ومعاملات ، علاقات وسياسات . . إلخ ، ولكنا في مقام لا يتسع إلا لقليل مما في شرائع الإسلام الواسعة ، وأحكامه الشاملة ، التي تشمل حياة الإنسان كلها .
إن الإسلام هو الدين الحق { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] ، { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [ آل عمران : 85 ] .
وهو الدين الخاتم الذي تكفل الله بحفظه ، وإظهاره . { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } [ التوبة : 33 ، الصف : 9 ] .

(1/61)


وقد اصطفى الله لخير الأديان وأكملها خير الأمم وأكملها على تفاوت في خيرية أفرادها { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } [ فاطر : 32 ] بعد قوله { والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير } [ فاطر : 31 ] .
فالأمة ثلاث فئات ، أو ثلاثة أصناف ، رتبت في الآية على حسب كثرتها وقلتها ، فالطائفة الأولى ( الظالمون لأنفسهم ) هم الأكثر ، ثم يأتي الأقل ، وهم - ما بين مقتصد إلى سابق - أفراد من هذه الأمة المصطفاة .

(1/62)


وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها على يد محمد صلى الله عليه وسلم { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة : 3 ] بعد أن أيأس الله ( عز وجل ) الكفار من أن يبطلوا هذا الدين أو يغلبوه { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون } [ المائدة : 3 ] . وانظر تفسير القاسمي ( 6 / 1829- 1830 ) . وجعل أمة هذا الدين خير أمة أخرجت للناس { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [ آل عمران : 110 ] .

(1/63)


وهذا كامن في سر دينها أكمل الأديان وأوفاها ، وهو دين رباني بعقائده ، وأصول شرائعه ، ترك للبشر الاجتهاد في تنفيذه ، وتطلب أفضل الطرق لتحقيقه واقعا في الأرض ، بحسب طاقتهم وما أمكنهم الله فيه من العلم ، وجعل هذا واجبا لازما في عنق هذه الأمة إلى قيام الساعة { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } [ يوسف : 108 ] .
وما جعله الله بهذه المنزلة ، وهذه المثابة إلا لما يحمله من مزايا ذاتية ، أهمها الوسطية ، والحديث عنها - كما أسلفنا - متشعب ، ذو فروع ، لا يمكن الإتيان عليها كلها في مقالة أو كلمة ، ولكن لنا أن نبرز أهم مظاهر الوسطية في الجوانب التالية : الفردية ، والاجتماعية ، والتشريعية :
( 1 ) الجانب الفردي
إذ حمل الإسلام الإنسان مسئولية عمله ، ولم يحمله مسئولية عمل غيره ، مهما بلغت القرابة ، ما لم يكن طرفا أو سببا .

(1/64)


{ أم لم ينبأ بما في صحف موسى }{ وإبراهيم الذي وفى }{ ألا تزر وازرة وزر أخرى }{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [ النجم : 36 - 39 ] ، { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا }{ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا }{ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } [ الإسراء : 13 - 15 ] .

(1/65)


وهذه القيمة لها أثرها في حياة الإنسان وسلوكه ، وتحمله المسئولية ، وتحقيق العدالة والمساواة بين الخلق ، وهي أصل ومبدأ من مبادئ الإسلام الراسخة ، تقصر دونه كل المبادئ والقيم الأخرى ، وقد رتب على هذا أن الجزاء مرتب على العمل ، فلا أحد يظلم بحمل وزر غيره { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } [ فاطر : 18 ] إلا إذا سلكت سبيل المضلين { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } [ العنكبوت : 13 ] . فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم ، وذلك كله من أوزارهم ، القاسمي ( 14 / 4979 ) .
ولا أحد يعطى ثمرة عمل غيره ليحرم منها العامل ، ولا يستحق أحد المكافأة إلا بعمل صالح ، لا ينفعه في ذلك نسب أو حسب أو جاه ، وهذه مبادئ لو طبقت في واقعنا العملي الحيوي لكان للمسلمين شأن آخر ، وإنما أتي المسلمون من الغفلة عنها .

(1/66)


ومما يتعلق بالمسئوليات التوزيع العادل للمسئولية الاجتماعية قال صلى الله عليه وسلم : « ألا كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ، وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسئولة عنهم ، والعبد راع على مال سيده ، وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته » . أخرجه البخاري ومسلم ، واللفظ لمسلم ( كتاب الإمارة ح 20 ) .
وقد دأب كثير من الناس على رمي غيرهم بالتقصير ونسيان أنفسهم تزكية لها ، وكأنهم غير مسئولين ، إن كل فرد في هذا المجتمع يحمل جزءا من المسئولية العامة فيه ، مهما صغر هذا الجزء ، إذ كل مسلم على ثغرة من ثغر الإسلام ، فلا يؤتين الإسلام من قبله .

(1/67)


ولو أصلح كل واحد نفسه ، وقام بالواجب عليه نحو غيره من نصح وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وسائر ما أمر به الشارع ، وحده من الحقوق ، لم يكن ثمة خلل ، لكن أكثر القوم يتخلون عن مسئوليتهم ، ويستبدلون بها كلاما في النقد ، يوزع على حملة المسئولية ، من ولاة وعلماء وأصحاب شأن ، وكأنهم المعنيون ب « من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم » . إن الذين لا يعملون ولا يشعرون بوطأة العمل ، وثقل المسئولية هم أجرأ الناس على النقد غير البصير ، وهم أجرأ الخلق على إدانة غيرهم ، وتبيان ما يظنون قصورا وعيبا فيهم ، لأن المشغول بالعمل الجاد معني بإتقان عمله ، وإصلاح نفسه ، ودرء عيوبها ، لا يشمت بمقصر ، ولا يفتات على محسن ، ولا يبهت بريئا ؛ لأن له من دينه وشغله صارفا عن الاشتغال بغيره وذمه ، ينظر إلى المحسنين فيدعو لهم بالتوفيق وأن يكون مثلهم ، وينظر إلى المقصرين ، فيدعو لهم بإقالة عثراتهم ، وأن يعافيهم مما ابتلاهم به ، في حين ينظر البطالون إلى المقصرين فيشمتون بهم ، ويشيعون عنهم قالة السوء .

(1/68)


وقد أتم الإسلام هذه القيمة بأحكام تتعلق بالغيبة والبهتان ، والحسد والضغينة والتحقير ، فعالج هذه علاجا خلقيا ، ليس هذا مقام بسطه .
قد يستغرب البعض إقحام المسئولية في مظاهر الوسطية ، وليته يذكر ما تنادي به بعض الطوائف من تقسيم الخلق إلى أصحاب الحقيقة وأصحاب الشريعة ، ومن إسقاط الواجبات الشرعية عن بعض ، ومن تحمل بعض آخر المسئولية عن آخرين ، ومن زعم البعض العصمة لمتبوعيهم .
ومن مظاهر الوسطية في مصادر العلم الشرعي غلو فئة حتى لا تقر بغير القرآن مصدرا ، ويجرها ذلك إلى إنكار السنة ، وعدم الانقياد لها ، أو جهلها وإهمالها ، وكان هذا مبدأ نشأة الخوارج الذين غلوا في القرآن حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تسمع لصوتهم دويا كدوي النحل » .

(1/69)


غير أنهم أهملوا سنته صلى الله عليه وسلم ، فكان أن عملوا بمتشابه القرآن ، وعموماته ومطلقاته التي تحتاج إلى سنته ترفع تشابهها ، أو تخصيص يخصص عمومها ، أو قيد يقيد مطلقها ، وهذه الطائفة تتكرر في كل زمان ، ولعلها الفئة التي أشار إليها عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) بقوله : (( إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن ، فخذوهم بالسنن ؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله )) ( شرح السنة للبغوي 1 / 192 تحقيق صقر ) . والمتأمل في كثير من مسائل الضلالة ، يجدها تعود إلى هذا الباب .
وهذا العمل يؤدي إلى غلو الإنسان بنفسه ، وأن يضعها في مكانة فوق ما تستحقه ، حتى إنه ليظن أنه أحاط بالشريعة علما ، وليس لديه إلا أقل القليل من نصوص لعله لم يحسن فهمها ، ولم يع فقهها ، ثم يحاكم الأمة إلى علمه هذا ، ويرفض كل فقه أو علم لدى من سبقوه في أبواب العلم والفقه لرجال أفنوا أعمارهم ، وأخلصوا تجاربهم له ، ظنا منه أن هؤلاء قد حيل بينهم وبين الفهم السليم والفقه الراشد .

(1/70)


{ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } [ النساء : 83 ] (( وفي هذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها ، فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة )) [ ابن كثير 2 / 321 ] .
وهذا نظير ما يفعله كثير من المبادرة والتسابق إلى نشر أشياء وأخبار وأقوال وإشاعات لم يتأكد من صحتها ، ولعلها نقلت على غير وجهها ، أو فصلت عن سياقها ، أولم تقع ، ومع ذلك يظنون معهم العلم كله ، وما معهم إلا ظنون وإشاعات وشيء من الأخبار ، الله أعلم بصحتها .
وكان اللائق بهم أن يضعوا أنفسهم موضع السائل سؤال التبين والتعلم فيما يحتاج إليه من أمر الدين { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [ النحل : 43 ] { فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } [ يونس : 94 ] وبالسؤال تتبين الحقيقة وتتأكد .

(1/71)


وكل هذا إنما يقع لمخالفة القصد والتوسط في تحصيل العلم ونشره وأيا كان هذا العلم .
لا أريد أن أدخل في صفات طالب العلم ، ولا في صفات العلم النافع ، ولا واجبات أهل العلم ، لأن هذا معروف مقرر ويخرج بنا عن أصل الكلام . وإنما أريد أن أؤكد ما يقوله أهل العلم من أن من (( أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقيق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام )) ( الموافقات 1 / 56 ) وما قيل من (( أن العلم كان في صدور الرجال ، ثم انتقل إلى الكتاب ، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال )) ( الموافقات ص 57 ) وهذا يفهم منه أن العالم لا بد (( أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم ، وملازمته لهم )) ( الموافقات 1 / 58 ) .
فالعلم لا يتكون من القراءة وحدها ، وإنما يتكون من الخلطة بأهل العلم ومجالستهم ، وهو ما يفقد لدى كثير من المنتسبين للعلم .
وكل انحراف أو زيغ في طريقة تحصيل العلم أو التأدب بآدابه ، أو أداء حقه وواجبه ، إنما مرده إلى شيء من الغلو في طريقة من طرق العلم ، تفقد نوره وبهاءه ، وتذهب ببركته .

(1/72)


( 2 ) الجانب الاجتماعي والإنساني
لا يمكن للإنسان مسلما كان أو غيره أن يعيش وحده منعزلا عن المجتمع ، مفردا لا يختلط بغيره ؛ لأن الإنسان مدني بالطبع ، ويتعين على المسلم أن يكون إيجابيا في هذه الحياة ، وعنصرا مؤثرا « الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم » كما جاء في بعض الآثار .
وقد أساء بعض من غلا مفهوم العزلة ، واستجاب لسلبية لم تأمر بها شرائع الإسلام ، بل فيها تحريف وسوء فهم ل (( بخاصة نفسك )) كما أن بعض الناس حاول أن يؤسس لعزلة نفسية ، من شأنها أن تشعر المعتزل بتميز ما عن سائر المجتمع ، وهي ذات آثار على النفس ، وعلى مفاهيم الشخص غير مستساغة ولا مقبولة ؛ لأنها تغرس لدى المعتزل استعلاء لا يليق بخلق المؤمن { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين } [ القصص : 83 ] .

(1/73)


ثم إن الإسلام نظم العلاقة بين أطراف المجتمع الحاكم والمحكوم ، فجعل للحاكم حق الطاعة ما لم يأمر بمعصية ، وحق النصح ، وحرم غشه . وجعل للمحكوم على الحاكم حق الرحمة والرأفة ، والنصح بأن يبحث ، ويتطلب له ما فيه خيره ومصلحته في الدنيا والآخرة ، فإذا قام كل طرف بما عليه استقامت الحياة وآتت ثمارها وأكلها بإذن ربها .
فحرم على المحكوم أن يخرج على حاكمه ، حتى إنه أمر بقتل من جاء المسلمين وهم مجمعون على رجل واحد يشق وحدتهم ، وينتزع الولاية ، وحرم على الحاكم غش الرعية ، حتى جاء الوعيد بحقه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم ، فارفق به » ( أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة ح 19 ) .
وقوله : « ما من عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة » ( أخرجه البخاري ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة ح 21 ) .

(1/74)


فجعل عقاب الحاكم إليه ، وعقابه أنكى ، ولئلا يتطاول الناس ، وجعل عقاب المحكوم إلى خلقه لئلا يتجرءوا على ولاتهم ، وبهذا تستقيم ، وتستقر الأوضاع .
وقد أتي المسلمون من خلل في هذا الجانب ، والإعراض عن ضوابطه الشرعية بمصائب كثيرة ابتداء من فتنة الدار إلى عصرنا الحاضر ، فتجد من لا يرى طاعة الحاكم بالمعروف من طاعة الله ، وتجد من يلتمس عيوبا وأوجه القدح ، ويتأول أشياء وأعمالا على ما تزينه له نفسه باسم الإسلام والإصلاح على نحو مما تعمله الأحزاب السياسية .

(1/75)


ومن العلائق الاجتماعية ما رتبه الإسلام بين المسلمين ، وما أوجبه من حقوق لبعضهم على بعض ، وهي حقوق متكافئة ، للمسلم مثل ما عليه ، وهي حقوق - لو أديت - تكفل استقرار المجتمع المسلم وتوازنه ، وتحفظ عليه الضروريات الخمس ( الدين ، النفس ، النسل ، المال ، العقل ) وتبني مجتمعا يسوده الحب والألفة ، يعرف كل فرد فيه مكانه وحدود مسئوليته ، وواجبه ، بحيث لا يتعدى ذلك أو يقصر عنه ، وقد حدد الإسلام مسئولية الفرد في المجتمع بمثال حي ، جاء في السنة النبوية : « مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا » ( أخرجه البخاري في كتاب الشركة ح 2493 والشهادات ح 2686 ) فليس في المجتمع

(1/76)


المسلم عنصر مهمل يخلى من المسئولية ، فكل موكل بألا يؤتى الإسلام من قبله . ولو وعى المسلمون هذه الحقيقة لتخلصنا من كثير مما نعاني منه في حياتنا الاجتماعية ، وهذه الصورة تحفظ المجتمع المسلم .
ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، بل يبني الإسلام علاقة متوازنة بين المسلمين وغيرهم من حيث الحقوق والواجبات ؛ إذ البشرية كلها فريقان { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } والمؤمنون بعضهم أولياء بعض ، غير أن هذه الولاية لا يلزم منها إعطاؤهم حق الظلم لغيرهم والكفار بعضهم أولياء بعض ، ولكن الكفار لا يجوز ظلمهم أو سلب حقوقهم ، بل لهم حقوق شرعت ، وطرائق في معاملتهم سنت ، ومظالم لو وقعت تعين رفعها { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } [ المائدة : 8 ] . بل نهينا عن الاعتداء مع منع الحقوق { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } [ المائدة : 2 ] .

(1/77)


إن كثيرا من الخطاب الإسلامي الشائع على ألسنة بعض الدعاة والشباب يفقد توازنه مع غير المسلمين ، وكأنه يوجب نمطا واحدا من المعاملة والخطاب ، وما من شك أنهم أصناف وفئات ، وللخطاب مقتضيات ومقامات ، وللمتكلم أحوال وصفات ، كلها توجب تعدد الخطاب وأن يكون مناسبا . لم يكلف محمد صلى الله عليه وسلم إرغام الناس على الدخول في الإسلام { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } [ يونس : 99 ] ، وفرق بين العرب في جزيرة العرب وغيرهم ، فلم يقر المشركين العرب في الجزيرة على شركهم ، وإن سوغ أخذ الجزية من عرب أهل الكتاب في غير الجزيرة ، وقد نظم الإسلام العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة ، والمعاهدين والمحاربين من أهل الكتاب وغيرهم تنظيما لا مزيد عليه ، غير أنه يحلو لكثير من المشتغلين بالدعوة أن يبرزوا وجها واحدا من هذه المعاملة ويدعوا الباقي ، مما يجعل المسلمين هدفا لأعدائهم ، وهم ليسوا مؤهلين لمعاداة أهل الأرض لأوضاع لا تخفى على أحد ، وهذا كله من غيبة الفقه ، ونزوع البعض إلى نمط واحد من الخطاب ، وكأنه المتعين ، على الرغم من اختلاف المقامات والمقتضيات .

(1/78)


إن الله حرم على المؤمنين موالاة الكفار ، لكنه لم يمنع البر والإحسان إليهم { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }{ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } [ الممتحنة : 8 - 9 ] وقد ترك أمر الإحسان إليهم ، واصطناع المعروف لديهم لتقدير المصلحة ، أما الصنف الأول فالبر به والإحسان إليه هو الأولى لظهور المصلحة وغلبة الظن بتحققها .
وقد تؤخذ آيات في طوائف من الكفار ، وتطبق على آخرين ، والأمر مختلف { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } [ التوبة : 5 ] .

(1/79)


هذا في مشركي العرب في جزيرة العرب ، أما أهل الكتاب ففيهم { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [ التوبة : 29 ] .

(1/80)


( 3 ) تفاوت الشرائع
ليست الشرائع على درجة واحدة ، فهناك ما هو ركن ، وما هو واجب ، وما هو مستحب . . الخ ، وكذلك المحظورات ذات درجات .
فالشرائع من شعب الإيمان ، والمحظورات من شعب الكفر ، ومن أصول أهل السنة أنه يمكن أن يجتمع في الشخص الواحد كفر وإيمان ، ويكون الشخص مؤمنا ، في حين يسوي أهل الغلو بين شرائع الإسلام ، فيكفرون بكل ذنب ولو كان دون الشرك ، في حين خالف المرجئة ، واكتفوا بمجرد التصديق ، وقالوا : لا يضر ذنب مع التصديق . والوسط : هو قول أهل السنة ، كما هو معلوم مفصل في موضعه .
ومن مظاهر الوسطية في الإسلام عدم إلزام الناس طريقة واحدة ، أو نمطا واحدا من أنماط البر ، فهناك الصائم ، والقائم ، والذاكر ، والعالم ، والمجاهد ، وفاعل المعروف ، والمتصدق . الخ ، وكلهم يؤدي شيئا من الإسلام ، ومجموع أعمالهم تمثل شريعة الإسلام الواسعة الشاملة ، وهذا التنوع ليس مسوغا لتنقص ، ولا يدل على تمايز عند الله ، وللجنة أبواب ثمانية ، كل باب لضرب من ضروب البر .

(1/81)


وهذا يفتح بابا واسعا في النظر والدعوة ؛ إذ علينا أن نفيد من جميع المسلمين ذكورهم وإناثهم ، محسنهم ومقصرهم ، كما كان يفعل سلف هذه الأمة ، ففي جيش سعد ، كان أبو محجن الثقفي ، وكان القصاص ، والقراء ، والفرسان . . الخ ، كل منهم يؤدي ما أقدره الله عليه ، والله يتولى جميع عباده .
إن ما يقال إن بعض المنتسبين للدعوة يفعله من رفض من لديه شيء من التقصير والإخلال أمر يجب أن نراجع فيه أنفسنا ، ليتوحد الصف الإسلامي بكافة شرائحه كل بإمكانه ، هذا بفكره ، وذاك ببدنه ، وآخر بماله ، ورابع برأيه ، وخامس بدعائه . . الخ ، ولنتخلص من تصنيف الناس إلى بر يصلح لكل عمل ، وفاجر لا يصلح مطلقا .
وبعد . إن الوسطية ليست شعارا يرفعه مدعوه بل هي ممارسة عملية في واقع الحياة . { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } [ النساء : 123 ] .

(1/82)


والمعنى - كما قال ابن كثير - (( إن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال : إنه هو الحق سمع قوله بمجرد ذلك ، حتى يكون له من الله برهان )) ( تفسيره 2 / 370 ) .
إن الوسطية هي سمة الإسلام في عقائده ، وشرائعه ، وأنظمته . وأخلاقه . فهو وسط بين الغلو والتقصير : في عقائده بين التشبيه والتعطيل ، والجبر والقدر مثلا ، وفي التربية والسلوك بين الأمن والإياس . ( ينظر شرح الطحاوية 586 - 588 ) .
فيعبد الله بالحب والخوف والرجاء ، وتلك عبادة المؤمنين . ( ينظر شرح الطحاوية 372 ) .
إن الوسطية في الإسلام مؤسسة تأسيسا محكما ، ولا تتم صورتها إلا بمراعاة ما يلي :
1 - الشمول الذي يجعل الإسلام مهيمنا على الحياة كلها بأنظمتها وأنشطتها المختلفة ، وبأعمال الإنسان المتنوعة ، فلا يشذ عن الدين أي عمل يعمله { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } [ الأنعام : 162 ] .
2 - التوازن بين الأطراف المختلفة ؛ بحيث لا يحصل حيف لطرف على طرف ، ولا لجانب على جانب .

(1/83)


3 - تحقيق المقاصد الشرعية بحسب مرتبتها وأولويتها من ضروري ، وحاجي ، وتحسيني بحسب التمايز المتحقق ، ولا تجوز التسوية بين هذه الدرجات إلا عند من لا فقه لديه ، وحديثي العهد بالعلم .
4 - اتساع الصدور لاستيعاب المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف ، خاصة المجتهد ، ومن يمكن التماس عذر له .
5 - وضوح الأصول الاعتقادية ، لتكون منطلقا لغيرها من الأعمال .
تم بحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين .

(1/84)


المحور الثاني دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره مفهوم السماحة واليسر في الكتاب
والسنة وأدلتها
للدكتور
ناصر بن عبد الله الميمان
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين ، أما بعد : فإن الدين الإسلامي اليوم يواجه تحديات كبيرة وهجمة شرسة على مبادئه ، وفي سبيل ذلك تلصق به التهم والشبهات التي هو بريء منها ، ومن ذلك : وصف أعداء الإسلام له بأنه دين العنف والإرهاب ومناوأة السلام والسلم الدوليين ، وأن لديه من القيم والمناهج ما يتناقض مع ما تقرره العقول السليمة .
والمنصف يعلم أن هذه التهم كلها من باب الزور والبهتان والقول بلا علم ، وأنها محض دعايات لا توجد عليها الأدلة والبراهين .
بل إن مبادئ الإسلام وأصوله قائمة على ما يحفظ السلم والسلام ، ويقيم العدل والأمن في العالم أجمع ، وبين أبناء البشر بلا تفرقة أو ميز ، ويوفق بين حاجاتهم وواجباتهم ، ويكفل لهم الحقوق الإنسانية التي تحفظ النسل البشري والعقل الإنساني ، ومقومات الحياة المادية والاجتماعية .

(1/85)


لذا أحببت في هذه العجالة المختصرة أن أشير إلى أصل عظيم ، وسمة بارزة من سمات هذا الدين ، ألا وهي : " السماحة واليسر في الإسلام " ، وقد سقت في ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على هذا الأصل ، ووضحت مفهوم السماحة من خلال كلام العلماء ، وذلك ضمن المباحث التالية :
* المبحث الأول - معنى اليسر والسماحة .
* المبحث الثاني - مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام .
* المبحث الثالث - أدلة اليسر والسماحة في الكتاب والسنة .
* المبحث الرابع - دلالات النصوص المذكورة ، وما شابهها .
وإن موضوع هذا البحث موضوع جليل القدر ، عظيم الشأن ، عميم الفائدة ، واسع المجال ، لا يمكن استيعابه في مثل هذه العجالة ، لكن حسبنا أن نشير هنا إلى ملامحه البارزة وخطوطه العريضة .
وأسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد ، وأن يكون هذا البحث مسهما في إزالة الشبهات ودرء الظلم عن الشريعة الإسلامية ، وأسأله جل وعلا أن ينفع به قارئه وكاتبه ، إنه سميع مجيب .

(1/86)


المبحث الأول
معنى اليسر والسماحة
أ - معنى اليسر لغة : اليسر - بضم الياء وسكون السين ، وبضمهما - : اللين والسهولة ، والانقياد ، ضد العسر . والتيسير : مصدر يسر الأمر ، إذا سهله ولم يعسره ، ولم يشق على نفسه أو غيره فيه (1) .
ومعناه في الاصطلاح : موافق لمعناه اللغوي ، وهو : عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم ، أو بعبارة أخرى : هو عمل فيه يسر وسهولة وانقياد (2) .
ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : « إن هذا الدين يسر » : قال ابن الأثير : " اليسر ضد العسر ، أراد أنه سهل سمح قليل التشديد " (3) .
ب - أما السماحة لغة - في هذا الموضع - : فهي مصدر سمح يسمح سماحة وسموحة : أي فعل شيئا فسهل فيه . والسمح : السهل ، والمسامحة : المساهلة (4) ، قال ابن فارس في مادة " سمح " السين والميم والحاء أصل يدل على سلاسة وسهولة (5) ، و" الحنيفية السمحة " : أي ليس فيها ضيق ولا شدة ؛ لكونها مبنية على السهولة (6) .
ومعنى السماحة في الاصطلاح مثل معناها اللغوي ، وقال بعضهم : " هي السهولة المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه . ومعنى كونها محمودة : أنها لا تفضي إلى ضرر أو فساد " (7) .
_________
(1) انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، ص 576 ؛ لسان العرب « يسر » .
(2) انظر : فيض القدير 2 / 326 ؛ ومحاسن التأويل ( تفسير القاسمي ) 3 / 427 .
(3) النهاية في غريب الحديث 5 / 295 .
(4) انظر : لسان العرب « سمح » ، والمصباح المنير 1 / 288 .
(5) معجم مقاييس اللغة 3 / 99 .
(6) انظر : لسان العرب « سمح » ؛ وفتح الباري 1 / 116 - 117 .
(7) مقاصد الشريعة الإسلامية : العلامة محمد الطاهر بن عاشور ، ص 269 .

(1/87)


ويتبين مما سبق أن اليسر والسماحة قريبان في المعنى ، يعنيان السهولة واللين والسعة ورفع الحرج والضيق والمشقة ونحو ذلك من المعاني الدالة على السلاسة والسهولة .

(1/88)


المبحث الثاني
مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام
إن الله جل شأنه وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة ، حفظ فيها على الخلق قلوبهم ، وحببها إليهم بذلك ، فلو عملوا على خلاف السماحة والسهولة لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } (1) فقد أخبرت الآية - كما يقول الإمام الشاطبي - أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله ، وزينه في قلوبنا بذلك ، وبالوعد الصادق بالجزاء عليه (2) .
فالتيسير صفة عامة للشريعة الإسلامية في أحكامها الأصلية ، وكذا في أحكامها الطارئة عند الأعذار ، فلا توجد فيها مشقة غير معتادة (3) ؛ لأن " الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه " (4) .
_________
(1) سورة الحجرات / الآية 7 .
(2) انظر : الموافقات 2 / 136 .
(3) قلنا غير معتادة ؛ لأن المشقة المعتادة والمألوفة لا تخلو منها الأحكام في الغالب ، بل وما سمي التكليف تكليفا إلا لوجود المشقة فيه ، كما قال الإمام الشاطبي في المرجع السابق 2 / 121 .
(4) المصدر نفسه 2 / 121 .

(1/89)


لكن ليس معنى اليسر والسماحة في الدين ترك العمل والتكاسل عن الطاعات والعبادات ، كما ليس معنى التشديد فيه الأخذ بالأكمل فيها ، كلا بل المراد الالتزام بالتوسط فيها ، بلا إفراط ولا تفريط .
نعم ، هذا هو المنهج الوسط ، وهو صراط الله المستقيم ، فلا ميل إلى جانب الإفراط والتعمق والتشديد على النفس وعلى الآخرين ، ولا إلى جانب التيسير الشديد والتساهل الذي يصل إلى حد التحلل والانسلاخ من الأحكام .
وكما نقل الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن بعض السلف :
" إن دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه " (1) .
وفي هذا الصدد أيضا كلام جميل للإمام الشاطبي حيث قال - رحمه الله تعالى - : " فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط ، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف ، فذلك في مقابلة واقع ، أو متوقع في طرف آخر .
فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين .
_________
(1) مدارج السالكين 2 / 392 ؛ وانظر أيضا مقاصد الشريعة الإسلامية ، ص 268 .

(1/90)


وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجي والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد ، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا ، ومسلك الاعتدال واضحا ، وهو الأصل الذي يرجع إليه ، والمعقل الذي يلجأ إليه " اهـ (1) .
_________
(1) الموافقات 2 / 167 - 168 .

(1/91)


المبحث الثالث
أدلة اليسر والسماحة في الكتاب والسنة
لقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ، وإجماع الأمة على أن التيسير ورفع الحرج أصل من أصول الشريعة الإسلامية ، فكما قال الإمام الشاطبي : إن الأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلغت مبلغ القطع " (1) ، لذلك فسأكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة منها :
أولا : من القرآن الكريم هناك آيات كثيرة أفادت بصريح اللفظ أو دلالته اليسر ورفع الحرج عن الأمة ، ويمكننا أن نقسم الآيات الصريحة في ذلك إلى المجموعات التالية :
( أ ) الآيات المصرحة بإرادة الله تعالى اليسر والتخفيف بهذه الأمة : ( 1 ) كقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (2) ، ولا يقال إن الآية نزلت في شأن الرخص في الصيام ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما هو مقرر عند أهل العلم ، قال أبو حيان : " وظاهر اليسر والعسر العموم في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية " (3) .
_________
(1) الموافقات 1 / 340 .
(2) سورة البقرة / الآية 185 .
(3) البحر المحيط 2 / 42 ؛ وانظر أيضا الجامع لأحكام القرآن 2 / 301 .

(1/92)


( 2 ) وقوله تعالى : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } (1) ، والآية في معرض إباحة نكاح الأمة عند عدم طول الحرة ، إلا أن أغلب المفسرين على أن ذلك عام في جميع أحكام الشرع ، ويؤيده آخر الآية (2) .
( 3 ) وقوله تعالى : { ونيسرك لليسرى } (3) أي نسهل عليك يا محمد أعمال الخير ، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا (4) .
( ب ) الآيات المصرحة برفع الحرج والعنت عن الأمة : ( 1 ) مثل قوله تعالى : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } . . الآية (5) والحرج المنفي هنا هو جميع أنواع الحرج ؛ لأنها نكرة في سياق النفي ، ثم أكد هذا العموم بدخول حرف " من " عليها .
( 2 ) ونحو ذلك قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } (6) ، قال الجصاص عند تفسير آية المائدة : " لما كان الحرج هو الضيق ، ونفى الله عن نفسه إرادة الحرج بنا ، ساغ الاستدلال بظاهره في نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما اختلف فيه من أحكام السمعيات ، فيكون القائل بما يوجب الحرج والضيق محجوجا بهذه الآية " (7) ونحو ذلك قال غير واحد من أهل العلم (8) .
_________
(1) سورة النساء / الآية 28 .
(2) انظر : تفسير الرازي 10 / 70 ؛ وتفسير ابن كثير 1 / 490 .
(3) سورة الأعلى / الآية 8 .
(4) انظر تفسير ابن كثير 4 / 535 .
(5) سورة المائدة / الآية 6 .
(6) سورة الحج / الآية 78 .
(7) أحكام القرآن 3 / 391 .
(8) انظر الجامع لأحكام القرآن 3 / 432 .

(1/93)


( 3 ) ومن ذلك أيضا ما وصف الله - عز وجل - به نبيه صلى الله عليه وسلم من أنه { عزيز عليه ما عنتم } (1) أي ما شق عليكم وآذاكم وجهدكم (2) .
( ج ) الآيات المصرحة بأن الله لا يكلف العباد إلا بما في وسعهم : ( 1 ) كقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } . . الآية (3) .
( 2 ) وقوله تعالى : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } (4) ونحوهما من الآيات .
والوسع : قال الزمخشري : هو ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه . أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقها ، ويتيسر عليها ، دون مدى الطاقة والمجهود " (5) . وقال الرازي : " إنه ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة ، لا في حال الضيق والشدة . . وأما أقصى الطاقة فيسمى جهدا ، لا وسعا ، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود " (6) .
وكذا قال الإمام الشوكاني عند تفسير هذه الآية : " الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه " (7) .
ومن هنا قرر الفقهاء أن ما عجز عن أدائه سقط وجوبه ، كما صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - في غير موضع من كتبه بأن الواجبات كلها تسقط بالعجز عن أدائها (8) .
_________
(1) سورة التوبة / الآية 128 .
(2) انظر تفسير الطبري 2 / 375 ، و 11 / 76 .
(3) سورة البقرة / الآية 286 .
(4) سورة الأنعام / الآية 152 ، وسورة الأعراف / الآية 42 .
(5) انظر : تفسير الكشاف 1 / 172 .
(6) تفسير الرازي 14 / 84 ؛ وانظر أيضا مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 14 / 137 - 138 .
(7) فتح القدير ، 1 / 307 .
(8) انظر : القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية في كتابي الطهارة والصلاة ، ص 268 ، وراجع أيضا مجموع الفتاوى 26 / 203 ، و 243 .

(1/94)


ثانيا : أدلة اليسر والسماحة من السنة النبوية المطهرة لما كان من الصعوبة بمكان استقصاء جميع الأحاديث الدالة على اليسر والسماحة في الشرع ، لذلك سأكتفي هنا بذكر أبرز الأمثلة ، ويمكن تقسيم هذه الأدلة إلى مجموعات - كما فعلنا في أدلة الكتاب - على النحو التالي :
أ - الأحاديث المصرحة بيسر الدين وسماحته ، ومنها : ( 1 ) قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : « إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة » (1) والمعنى : لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب ، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة ، فإنه من الأمور المحمودة ، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال ، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل ، " فسددوا " أي الزموا الصواب ، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط (2) .
_________
(1) رواه البخاري في : 2 - الإيمان ، 29 - باب الدين يسر ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة » 1 / 23 ( 39 ) .
(2) انظر : فتح الباري 1 / 117 .

(1/95)


( 2 ) وعن محجن بن الأدرع رضي الله عنه قال : « رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي في المسجد ، ويسجد ويركع ، ويسجد ويركع . . وجاء في آخره : " إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره » وفي رواية : « إنكم أمة أريد بكم اليسر » (1) .
( 3 ) وعن الأعرابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « خير دينكم أيسره » (2) .
( 4 ) وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا : « إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ، ولكن بعثني معلما ميسرا » (3) .
( 5 ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « إن أعرابيا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه ، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين » (4) .
_________
(1) رواه الطيالسي في مسنده ، ص 183 ؛ وأحمد في 4 / 338 ، و 5 / 32 ؛ والبخاري في الأدب المفرد ، ص 124 ؛ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 4 / 349 ؛ والطبراني في الكبير 20 / 296 ، وإسناده حسن .
(2) أخرجه أحمد في 3 / 479 ، وصحح الحافظ إسناده في الفتح 1 / 116 .
(3) رواه مسلم في : 18 - الطلاق ، 4 - باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية 2 / 1104 ( 1478 ) .
(4) أخرجه البخاري في : 81 - الأدب ، 80 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : « يسروا ولا تعسروا » وكان يحب التخفيف على الناس 5 / 2271 ( 5777 ) .

(1/96)


قال الباجي - رحمه الله تعالى - عند شرح هذا الحديث : هذه سنة من الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا سيما لمن قرب عهده بالإسلام ، ولم يعلم منه الاستهانة به ، فيعلم أصول الشرائع ، ويعذر في غيرها ، حتى يتمكن الإسلام من قلبه ؛ لأنه إن أخذ بالتشديد في جميع الأحوال خيف عليه أن ينفر قلبه عن الإيمان ، ويبغض الإسلام ، فيؤول ذلك إلى الارتداد والكفر الذي هو أشد مما أنكر عليه (1) .
( 6 ) وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا : « رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى » (2) .
( 7 ) وحديث عروة الفقيمي رضي الله عنه : « كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج يقطر رأسه من وضوء - أو غسل - فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : يا رسول الله ، أعلينا حرج في كذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أيها الناس ، إن دين الله عز وجل في يسر » ثلاثا يقولها (3) .
_________
(1) انظر : المنتقى 1 / 129 .
(2) أخرجه البخاري في : 39 - البيوع ، 16 - باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ، 2 / 730 ( 1970 ) .
(3) أخرجه أحمد في مسنده 5 / 69 ؛ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 2 / 397 ؛ والطبراني في الكبير 7 / 146 ؛ وأبو يعلى في 12 / 274 . وحسن الحافظ إسناده في الفتح 1 / 117 .

(1/97)


( 8 ) وحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا : « إن دين الله الحنيفية السمحة » (1) .
( 9 ) وحديث ابن عباس له مرفوعا : « قيل لرسول الله : أي الأديان أحب إلى الله ؟ قال : " الحنيفية السمحة » (2) .
( 10 ) وعن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا : « لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة ، إني أرسلت بحنيفية سمحة » (3) .
( 11 ) ونحوه في حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا : « بعثت بالحنيفية السمحة » (4) .
ومعنى " السمحة " : السهلة ، أي أنها مبنية على السهولة ، فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة ، فهي حنيفية في التوحيد سمحة في العمل ، كما قال الإمام ابن القيم (5) .
_________
(1) أخرجه الطبراني في الأوسط 1 / 242 ؛ والبيهقي في شعب الإيمان 3 / 30 ؛ والقضاعي في مسند الشهاب 2 / 104 . وعزاه الهيثمي إلى الطبراني ، وقال : « رجاله موثوقون » مجمع الزوائد 1 / 214 .
(2) أخرجه أحمد في 1 / 236 ؛ وعبد بن حميد في مسنده ، ص 199 (569) والبخاري في الأدب المفرد ، ص 108 ( 287 ) ؛ والطبراني في الكبير 11 / 227 . وحسن الحافظ إسناده في الفتح / 118 .
(3) أخرجه أحمد - واللفظ له - في 6 / 116 ، و 233 ؛ والحميدي في مسنده 1 / 123 . وإسناده حسن .
(4) أخرجه - من طرق فيها مقال - أحمد في 5 / 266 ؛ والطبراني في الكبير 8 / 170 ، و 8 / 170 ؛ والروياني في مسنده 2 / 317 ، وانظر مجمع الزوائد 5 / 279 .
(5) انظر : إغاثة اللهفان : 1 / 158 .

(1/98)


ب - الأحاديث الآمرة بالتيسير والناهية عن التشديد والتعمق ، ومنها : ( 1 ) حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذا إلى اليمن فقال لهما : « يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا » (1) .
( 2 ) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أيضا قال : كان رسول الله إذا بعث أحدا من أصحابه في أمره قال : « بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا » (2) .
( 3 ) وعن أنس رضي الله عنه مرفوعا : « يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا » (3) .
_________
(1) أخرجه البخاري في : 81 - الأدب 80 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : « يسروا ولا تعسروا » وكان يحب التخفيف على الناس 5 / 2296 ( 5773 ) . ومسلم في 36 - كتاب الأشربة ، 7 - باب بيان أن كل مسكر خمر 3 / 1586 ( 1733) .
(2) أخرجه مسلم في : 32 - كتاب الجهاد ، 3 - باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير 3 / 1358 ( 1732 ) .
(3) أخرجه البخاري في الموضع السابق ( 5774 ) .

(1/99)


( 4 ) وعن عائشة - رضي الله عنها - : « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي ويبسطه بالنهار فيجلس عليه ، فجعل الناس يثوبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيصلون بصلاته حتى كثروا ، فأقبل ، فقال : يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا » (1) .
( 5 ) وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : « كانت عندي امرأة من بني أسد فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من هذه ؟ قلت : فلانة ، لا تنام الليل - تذكر من صلاتها - فقال : مه ، عليكم ما تطيقون من الأعمال ، فإن الله لا يمل حتى تملوا » (2) .
_________
(1) أخرجه : البخاري في : 80 - كتاب اللباس ، 42 - باب الجلوس على الحصير ونحوه 5 / 2201 . ( 5523 ) ، ومسلم في : 6 - صلاة المسافرين وقصرها ، 30 - باب فضيلة العمل الصالح من قيام الليل وغيره 1 / 540 ( 782 ) .
(2) أخرجه البخاري في : 19 - كتاب التهجد ، 18- باب ما يكره من التشديد في العبادة 1 / 386 ( 1100 ) . ومسلم في : 6 - صلاة المسافرين وقصرها ، 31 - باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد حتى يذهب منه ذلك 1 / 542 ( 785 ) . وفي الباب أيضا حديث أنس رضي الله عنه ، أخرجاه قبل حديث عائشة رضي الله عنها .

(1/100)


( 6 ) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ فقلت : بلى يا رسول الله ، قال : فلا تفعل ، صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا ، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإن ذلك صيام الدهر كله . فشددت فشدد علي ، قلت : يا رسول الله ، إني أجد قوة ، قال : فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه . قلت : وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام ؟ قال : نصف الدهر . فكان عبد الله يقول بعد ما كبر : يا ليتني قبلت رخصة النبي

(1/101)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية