صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أسباب نزول القرآن
المؤلف : الواحدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قوله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) الآية. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن النحوي قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري قال: أخبرنا أبو يعلى قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن ثملة الأنصاري، حدثنا خلف بن تميم، عن عبد الجبار بن عمر الأبلى، عن عبد الله بن عطاء، عن جدته أم عطاء مولاة الزبير قالت: سمعت الزبير بن العوام يقول: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان سخر له الريح، وأن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله تعالى أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا في الأرض أنهارا فنتخذها محارث ومزارع ونأكل، وإلا فادع أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم، فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سري عنه قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا في باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة، فاخترت باب الرحمة، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه معذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فنزلت (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) ونزلت (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) الآية.
قوله تعالى (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا) قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما نرى لهذا الرجل مهمة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
سورة الحجر
بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) أخبرنا نصر بن أبي نصر الواعظ قال: أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن محمد بن نصير الرازي قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدثنا نوح بن قيس الطائي قال: حدثنا عمر بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء في آخر النساء، وكان بعضهم يتقدم إلى الصف الأول لئلا يراها، وكان بعضهم يتأخر في الصف الآخر، فإذا ركع قال هكذا ونظر من تحت إبطه، فنزلت (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين).
وقال الربيع بن أنس: حرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه وكان بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد، فقالوا نبيع دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى (ونزعنا ما في صدورهم) أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني محمد بن سليمان بن خالد الفحام قال: حدثنا علي بن هاشم عن كثير النوا قال: قلت لأبي جعفر: إن فلانا حدثني عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) قال: والله إنها لفيهم نزلت وفيهم نزلت الآية، قلت: وأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية، إن بني تيم وعدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية، فلما أسلم هؤلاء القوم وأجابوا أخذ أبا بكر الخاصرة، فجعل علي رضي الله عنه يسخن يده فيضمخ بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى (نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم) روى ابن المبارك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي دخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال: لا أراكم تضحكون ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى، فقال: إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد يقول الله تعالى عز وجل: لم تقنط عبادي (نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم).

(1/99)


قوله تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) قال الحسين بن الفضل: إن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات وليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز وأوعية الطيب والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها فأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل، ويدل على صحة هذا قوله على أثرها (لا تمدن عينيك) الآية.
سورة النحل
بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى (أتى أمر الله) الآية. قال ابن عباس، لما أنزل الله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال الكافر بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة: قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نرى شيئا، فأنزل الله تعالى (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فأنزل الله تعالى (أتى أمر الله) فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رءوسهم، فنزل (فلا تستعجلوه) فاطمأنوا، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعه إن كادت لتسبقني، وقال الآخرون: الأمر ها هنا العذاب بالسيف وهذا جواب للنضر بن الحرث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، يستعجل العذاب فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) نزلت الآية في أبي بن خلف الجمحي حين جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم نظيرة هذه الآية، قوله تعالى في سورة يس (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) إلى آخر السورة، نازلة في هذه القصة.
قوله عز وجل (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) الآية. قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك لتبعث بعد الموت، فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله عز وجل (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) الآية. نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بلال وصهيب وخباب وعامر وجندل بن صهيب أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم وآذوهم، فبوأهم الله تعالى بعد ذلك المدينة.
قوله عز وجل (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) الآية. نزلت في مشركي مكة، أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا.
قوله تعالى (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا) الآية. أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: أخبرنا أبو بكر الأنباري قال: حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر قال: حدثنا عفان قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سرا وجهرا ومولاه أبو الجوزاء الذي كان ينهاه فنزلت (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء) فالأبكم منهما الكل - على مولاه - هذا السيد أسد بن أبي العيص، والذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.

(1/100)


قوله عز وجل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية. أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة عن عبد الحميد بن بهرام قال: حدثنا شهر بن حوشب قال: حدثنا عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته بمكة جالسا، إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ألا تجلس؟ فقال: بلى، فجلس إليه مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص بصره إلى السماء، فنظر ساعة وأخذ يضع بصره حتى وضع على عتبة في الأرض، ثم تحرف عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنه يستنقه ما يقال له، ثم شخص بصره إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء، وأقبل على عثمان كجلسته الأولى، فقال: يا محمد فيما كنت أجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل فعلتك الغداة، قال: ما رأيتني فعلت؟ قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته حتى وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستنقه شيئا يقال لك، قال أوفطنت إلى ذلك؟ قال عثمان نعم، قال: أتاني رسول الله جبريل عليه السلام وسلم آنفا وأنت جالس، قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) فذاك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى (وإذا بدلنا آية مكان آية) نزلت حين قال المشركون: إن محمدا عليه الصلاة والسلام سخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، أو يأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفترى يقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية - والتي بعدها.
قوله تعالى (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) الآية. أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمدان الزاهد قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو هاشم الرفاعي قال: حدثنا أبو فضيل قال: حدثنا حصين عن عبيد الله بن مسلم قال: كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر اسم أحدهما يسار والآخر خير، وكانا يقرآن كتبا لهم بلسانهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهما فيسمع قراءتهما، وكان المشركون يقولون يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى فأكذبهم (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين).
قوله عز وجل (من كفر بالله من بعد إيمانه) الآية. قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرا وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن عمارا كفر، فقال: كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام يمسح عينيه، وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت، فأنزل الله هذه الآية.
وقال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم المسلمون المدينة أن هاجروا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم مكرهين، وفيهم نزلت هذه الآية.

(1/101)


قوله تعالى (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) الآية. قال قتادة: ذكر لنا أنه لما أنزل الله تعالى قبل هذه الآية أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم، فنزلت (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)، فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا، فإن لحقهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجو ويلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله عز وجل (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا).
قوله عز وجل (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة) الآية. أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا إسماعيل بن عباس، عن عبد الملك بن أبي عيينة، عن الحكم بن عيينة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى منظرا ساءه، ورأى حمزة قد شق بطنه واصطلم أنفه وجدعت أذناه، فقال: لولا أن يحزن النساء أو يكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله تعالى من بطون السباع والطير، لأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم، ثم دعا ببردة فغطى بها وجهه، فخرجت رجلاه، فجعل على رجليه شيئا من الإذخر، ثم قدمه وكبر عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) إلى قوله (واصبر وما صبرك إلا بالله) فصبر ولم يمثل بأحد.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى الحافظ قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا يعقوب الوليد الكندي قال: حدثنا صالح المري قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة فرآه صريعا، فلم ير شيئا كان أوجع لقلبه منه، وقال: والله لأقتلن بك سبعين منهم، فنزلت (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) أخبرنا أبو حسان المزكي قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا قيس عن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل حمزة ومثل به: لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلا منهم، فأنزل الله عز وجل (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نصبر يا رب.
قال المفسرون: إن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة، قالوا حين رأوا ذلك: لئن ظفرنا الله سبحانه وتعالى عليهم لنزيدن على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ولنفعلن ولنفعلن، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة، وقد جدعوا أنفه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطتها لتأكلها، فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها، فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إنها لو أكلته لم تدخل لنار أبدا، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئا من جسده النار، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء كان أوجع لقلبه منه، فقال رحمة الله عليك: إنك ما علمت كنت وصولا للرحم فعالا للخيرات، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، أما والله لئن أظفرني الله تعالى بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فأنزل الله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى نصبر، وأمسك عما أراد، وكفر عن يمينه.

(1/102)


قال الشيخ الإمام الأوحد أبو الحسن: ونحتاج أن نذكر ههنا مقتل حمزة. أخبرنا عمرو بن أبي عمرو المزكي قال: أخبرنا محمد بن مكي قال: أخبرنا محمد بن يوسف قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الجعفي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله، حدثنا حجين بن المثنى قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وأخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: أخبرنا والدي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن الفضل بن عياش بن ربيعة، عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار، فمررنا بحمص، فلما قدمناها قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك أن نأتي وحشيا نسأله كيف كان قتل حمزة؟ قلت له: إن شئت، فقال لنا رجل: أما إنكما ستجدانه بفناء داره وهو رجل قد غلب عليه الخمر، فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا عنده بعض ما تريدان، فلما انتهينا إليه سلمنا عليه، فرفع رأسه، قلنا: جئناك لتحدثنا عن قتلك حمزة رحمة الله عليه، فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة عم محمد عليه الصلاة والسلام بعمي طعيمة فأنت عتيق، قال: فخرجت وكنت حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطيء بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة رحمة الله عليه حتى رأيته في عرض الجيش مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شيء، فوالله إني لأتهيأ له وأستتر منه بحجر أو شجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة رحمة الله عليه قال: ها يا ابن مقطعة البظور، قال: ثم ضربه فوالله ما أخطأ رأسه، وهززت حربتي حتى إذ رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فذهب لينافحني فغلب، فتركته حتى مات رضي الله عنه، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى الناس، فقعدت في العسكر ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت فأقمت بها حتى نشأ فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا وقيل لي: إن محمدا عليه الصلاة والسلام لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال: أنت وحشي؟ قلت: نعم، قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر ما قد بلغك، قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج الناس إلى مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة الكذاب لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان.
سورة بني إسرائيل
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله عز وجل (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) الآية. أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن علي بن عمران قال: أخبرنا أبو علي أحمد الفقيه قال: أخبرنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل المحاملي. قال: حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير قال: حدثنا سليمان بن سفيان الجهني قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: جاء غلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا، فقال: ما عندنا اليوم شيء، قال: فتقول لك اكسني قميصك، قال: فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاسرا، فأنزل الله سبحانه وتعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) الآية.
وقال جابر بن عبد الله: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعدا فيما بين أصحابه أتاه صبي فقال: يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعا ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه، فقال للصبي من ساعة إلى ساعة يظهر، يعد وقتا آخر، فعاد إلى أمه، فقالت له: إن أمي تستكسيك القميص الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا، فأذن بلال للصلاة فانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب الصحابة، فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية.

(1/103)


قوله عز وجل (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أن رجلا من العرب شتمه، فأمره الله تعالى بالعفو. وقال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، فشكو ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى (وما منعنا أن نرسل بالآيات) الآية. أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا زاهر بن أحمد قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي، قال عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش عن جعفر بن ياسر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا نجتبي منهم، وإن شئت نؤتهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: لا بل أستأني بهم، فأنزل الله عز وجل (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون).
وروينا قول الزبير بن العوام في سبب نزول هذه الآية عند قوله (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال).
قوله عز وجل (والشجرة الملعونة في القرآن) الآية. أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الواعظ قال: أخبرنا محمد بن محمد الفقيه قال: أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن زريق قال: حدثنا حفص بن عبد الرحمن عن محمد بن إسحاق، عن حكيم بن عباد بن حنيف، عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لما ذكر الله تعالى الزقوم خوف به هذا الحي من قريش، فقال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: لا، قال: الثريد بالزبد، أما والله لئن أمكننا منها لنتزقمنها تزقما، فأنزل الله تبارك وتعالى (والشجرة الملعونة في القرآن) يقول المذمومة (ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا).
قوله تعالى (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) الآية. قال عطاء عن ابن عباس: نزلت في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا شططا وقالوا: متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم، فأقبلوا يكثرون مسألتهم وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل الله أمرني بذلك، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن جوابكم كراهية لما تجيئون به، وقد هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال سعيد بن جبير: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك إلا أن تلم بآلهتنا ولو بطرف أصابعك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما علي لو فعلت والله يعلم أني بار، فأنزل الله تعالى هذه الآية (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) إلى قوله (نصيرا).
وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا يا سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله تعالى عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض) الآية. قال ابن عباس: حسدت اليهود مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام، فإن كنت نبيا فالحق بها، فإنك إن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من الإسلام، فرحل من المدينة على مرحلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عثمان: إن اليهود أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر والمنشر وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا وغزا غزوة تبوك لا يريد بذلك إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض).

(1/104)


وقال مجاهد وقتادة والحسن: هم أهل مكة بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فأمره الله تعالى بالخروج وأنزل عليه هذه الآية إخبارا عما هموا به.
قوله تعالى (وقل رب أدخلني مدخل صدق) الآية. قال الحسن: إن كفار قريش لما أرادوا أن يوثقوا النبي صلى الله عليه وسلم ويخرجوه من مكة أراد الله تعالى بقاء أهل مكة، وأمر نبيه أن يخرج مهاجرا إلى المدينة، ونزل قوله تعالى (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق).
قوله تعالى (ويسئلونك عن الروح) الآية. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن النحوي قال: أخبرنا محمد بن بشر بن العباس قال: أخبرنا أبو لبيد محمد بن أحمد بن بشر قال: حدثنا سويد، عن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله قال: إني مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة وهو متكيء على عسيب، فمر بنا ناس من اليهود فقالوا: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون، فأتاه نفر منهم فقالوا: يا أبا القاسم ما تقول في الروح؟ فسكت ثم ماج، فأمسكت بيدي على جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه، فأنزل الله عليه (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) رواه البخاري ومسلم جميعا عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، عن الأعمش.
وقال عكرمة عن ابن عباس: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت هذه الآية.
وقال المفسرون: إن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمد وحاله: سلوا محمدا عن الروح، وعن فتية فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها، فإن أصاب في ذلك كله فليس بنبي، وإن لم يجب في ذلك فليس نبيا، وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك عن بعضه فهو نبي فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى في شأن الفتية (أم حسبت أن أصحاب الكهف) إلى آخر القصة، ونزل في الروح قوله تعالى (ويسئلونك عن الروح).

(1/105)


قوله تعالى (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآية. روى عكرمة عن ابن عباس أن عتبة وشيبة وأبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا البختري والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف ورؤساء قريش اجتمعوا على ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا به، فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم سريعا وهو يظن أنه بدا في أمره بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه تعنتهم حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت أن ما جئت به لتطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الرئى الذي يأتيك تراه قد غلب عليك، وكانوا يسمون التابع من الجن الرئى بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله عز وجل بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم، قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا، سل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا ويجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول حق هو، فإن صنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولا كما تقول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله سبحانه بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه أصبر لأمر الله، قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك، وسله فيجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك، فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس المعاش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت بهذا إليكم، ولكن الله تعالى بعثني بشيرا ونذيرا. قالوا: فأسقط علينا كسفا من السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، وقال عبد الله بن أمية المخزومي، وهو ابن عاتكة بنت عبد المطلب ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم: لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما وترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا بما فاته من متابعة قومه، ولما رأى من مباعدتهم منه، فأنزل الله تعالى (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآيات.
أخبرنا سعيد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد قال: حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا هشام، عن عبد الملك بن عمير عن سعيد بن جبير قال: قلت له قوله (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) أنزلت في عبد الله بن أبي أمية قال: زعموا ذلك.
قوله تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) الآية. قال ابن عباس: تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده: يا رحمن يا رحيم، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلها واحدا فهو الآن يدعو إلهين اثنين الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

(1/106)


وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في أول ما يوحى إليه: باسمك اللهم حتى نزلت هذه الآية (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) فكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه، فما الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الضحاك: قال أهل التفسير: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله عز وجل (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) الآية. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: حدثنا عبد الله بن مطيع وأحمد بن منيع قالا: حدثنا هشيم قال: حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة وكانوا إذا سمعوا القرآن سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (ولا تخافت بها) عن أصحابك فلا يسمعون (وابتغ بين ذلك سبيلا). رواه البخاري عن مسدد. ورواه مسلم عن عمرو الناقد، كلاهما عن هشيم.
وقالت عائشة رضي الله عنها: نزلت هذه الآية في التشهد، كان الأعرابي يجهر فيقول: التحيات لله والصلوات الطيبات يرفع بها صوته، فنزلت هذه الآية.
وقال عبد الله بن شداد: كان أعراب بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قالوا: اللهم ارزقنا مالا وولدا ويجهرون، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو علي الفقيه قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر الواسطي قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن حرب قال: حدثنا مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام بن عروة، عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قالت: إنها نزلت في الدعاء.
سورة الكهف
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (واصبر نفسك) الآية. حدثنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري إملاء في دار السنة يوم الجمعة بعد الصلاة في شهور سنة عشر وأربعمائة قال: أخبرنا أبو الحسن بن عيسى بن عبد ربه الحيري قال: حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي قال: حدثنا الوليد بن عبد الملك بن مسرح الحراني قال: حدثنا سليمان بن عطاء الحراني، عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه ابن مشجعة بن ربعي الجهني، عن سلمان الفارسي قال: جاءت المؤلفة القلوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وذووهم، فقالوا: يا رسول الله إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لامبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا. واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) حتى بلغ (إنا أعتدنا للظالمين نارا) يتهددهم بالنار، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى قال: الحمد الله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات.
قوله تعالى (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) الآية. أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدثنا أبو يحيى الرازي قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا أبو مالك، عن جوهر، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه من تحرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله تعالى (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد (واتبع هواه) يعني الشرك.

(1/107)


قوله تعالى (ويسئلونك عن ذي القرنين) الآية. قال قتادة: إن اليهود سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) الآية. قال ابن عباس: قالت اليهود لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، كيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) الآية.
قوله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه) الآية. قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير الغامدي، وذلك أنه قال: إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا يقبل ما روئي فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال طاوس: قال رجل: يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى مكاني، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله سبحانه وتعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه، فيسرني ذلك، وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا صالحا فأنزل الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)
سورة مريم
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله عز وجل (وما نتنزل إلا بأمر ربك) الآية. أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن حمويه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن معمر الشامي قال: أخبرنا إسحاق بن محمد بن إسحاق الرسغي قال: حدثني جدي قال: حدثنا المغيرة قال: حدثنا عمر بن ذر عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: فنزلت (وما نتنزل إلا بأمر ربك) الآية كلها. قال: كان هذا الجواب لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري عن أبي نعيم، عن ذر.
وقال مجاهد: أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال لعلي: أبطأت، قال: قد فعلت، قال: ولم لا أفعل وأنتم لا تتسوكون ولا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم، قال: وما نتنزل إلا بأمر ربك، قال مجاهد: فنزلت هذه الآية.
وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: احتبس جبريل عليه السلام حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فلم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل عليه السلام بجواب فسألوه فأبطأ عليه فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة فلما نزل جبريل عليه السلام، قال له أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك، فقال جبريل عليه السلام: إني كنت إليك أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فأنزل الله تعالى، (وما نتنزل إلا بأمر ربك).
قوله تعالى (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا) الآية. قال الكلبي: نزلت في أبي بن خلف حين أخذ عظاما بالية يفتها بيده ويقول: زعم لكم محمد أنا نبعث بعد ما نموت.
قوله تعالى (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) الآية. أخبرنا أبو إسحاق الثعالبي قال: أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا مكي بن عبدان؟ قال: حدثنا عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب بن الأرت قال: كان لي دين على العاص بن وائل فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد، قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: إني إذا مت ثم بعثت جئتني، وسيكون لي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله تعالى هذه الآية.

(1/108)


أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد الزاهد، قال: أخبرنا البغوي قال: حدثنا أبو خيثمة، وعلي بن مسلم قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى عن مسروق عن خباب قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام، فقلت: لا أكفر حتى تموت وتبعث، فقال: وإني لمبعوث بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مالي قال: فنزلت فيه (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا) رواه البخاري عن الحميدي، عن سفيان، ورواه مسلم، عن الأشج، عن وكيع كلاهما، عن الأعمش.
وقال الكلبي ومقاتل: كان خباب بن الأرث قينا، وكان يعمل للعاص بن وائل السهمي، وكان العاص يؤخر حقه فأتاه يتقاضاه، فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال: لست بمفارقك حتى تقضيني، فقال العاص: يا خباب مالك ما كنت هكذا وإن كنت لتحسن الطلب، فقال خباب: ذاك أني كنت على دينك، فأما اليوم فأنا على الإسلام مفارق لدينك، قال: أولستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال خباب: بلى، قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة، استهزاء، فوالله لئن كان ما تقول حقا إني لأفضل فيها نصيبا منك، فأنزل الله تعالى (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) يعني العاص الآيات.
سورة طه
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله عز وجل (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) قال مقاتل: قال: أبو جهل، والنضر بن الحرث للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لتشقى بترك ديننا، وذلك لما رأياه من طول عبادته واجتهاده، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: أخبرنا أبو يحيى قال: حدثنا العسكري قال: حدثنا أبو مالك، عن جرير، عن الضحاك قال: لما نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم قام هو وأصحابه فصلوا، فقال كفار قريش: ما أنزل الله تعالى هذا القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام إلا ليشقى به، فأنزل الله تعالى (طه) يقول: يا رجل (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى).
قوله تعالى (ولا تمدن عينيك) الآية. أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي قال: أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح، عن موسى بن عبيدة الزبدي قال: أخبرني يزيد بن عبد الله بن فضيل، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضيفا نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني فأرسلني إلى رجل من اليهود يبيع طعاما يقول لك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل بنا ضيف ولم يلق عندنا بعض الذي نصلحه، فبعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب، فقال اليهودي: لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، قال: فرجعت إليه فأخبرته، قال: والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي، ونزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) الآية.
سورة الأنبياء

(1/109)


بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) أخبرنا عمر بن أحمد بن عمر الأوردي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد نصير الرازي قال: أخبرنا محمد بن أيوب قال: أخبرنا علي بن المديني قال: أخبرنا يحيى بن نوح قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش عن عاصم قال: أخبرني أبو زرين، عن يحيى، عن ابن عباس قال: آية لا يسألني الناس عنها، لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها؟ قال: وما هي؟ قال: لما نزلت (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) شق على قريش، فقالوا: أيشتم آلهتنا؟ فجاء ابن الزبعري فقال: ما لكم؟ قالوا يشتم آلهتنا، قال فما قال؟ قالوا قال: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) قال: ادعوه لي فلما دعي النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله؟ قال: بل لكل من عبد من دون الله، فقال ابن الزبعري: خصمت ورب هذه البنية، يعني الكعبة، ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح، وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى عليه السلام، وهذه اليهود يعبدون عزيرا، قال: فصاح أهل مكة، فأنزل الله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام (أولئك عنها مبعدون).
سورة الحج
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف) الآية. قال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرين من باديتهم، وكان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح بها ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله وماشيته أمن به واطمأن وقال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا، وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا، فينقلب عن دينه، فأنزل الله تعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف) الآية.
وروى عطية عن أبي سعيد الخدري قال: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده وتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال: إن الإسلام لا يقال، فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا، أذهب بصري ومالي وولدي، فقال: يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب، قال: ونزلت (ومن الناس من يعبد الله على حرف).
قوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) الآية. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكي قال: أخبرنا عبد الملك بن الحسن بن يوسف قال: أخبرنا يوسف بن يعقوب القاضي قال: أخبرنا عمر بن مرزوق قال: أخبرنا شعبة عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يقول: أقسم بالله لنزلت (هذان خصمان اختصموا في ربهم) في هؤلاء الستة حمزة وعبيد وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة والوليد بن ربيعة، رواه البخاري عن حجاج بن منهال، عن هشيم بن هاشم.
أخبرنا أبو بكر الحرث قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: أخبرنا محمد بن سليمان قال: أخبرنا هلال بن بشر قال: أخبرنا يوسف بن يعقوب قال: أخبرنا سليم التيمي عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي قال: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر (هذان خصمان اختصموا) إلى قوله (الحريق).
قال ابن عباس: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون، نحن أحق بالله آمنا بمحمد عليه الصلاة والسلام وآمنا بنبيكم وبما أنزل من كتاب، فأنتم تعرفون نبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا، وكانت هذه خصومتهم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وهذا قول قتادة.

(1/110)


قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) الآية. قال المفسرون كان مشركوا أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون يجيئون من مضروب ومشجوج، فشكوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس لما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر رضي الله: إنا لله لنهلكن، فأنزل الله تعالى (أذن للذين يقاتلون) الآية. قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال.
قوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) الآية. قال المفسرون: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب به بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذ أن يأتيه من الله تعالى شيء ينفر عنه، وتمنى ذلك، فأنزل الله تعالى (واالنجم إذا هوى) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ (أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه وتمناه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها، وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبا أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها، لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق لكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإن جعل لها محمدا نصيبا فنحن معه، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال: ماذا صنعت! تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله سبحانه وتعالى، وقلت ما لم أقل لك، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالت قريش: ندم محمد عليه الصلاة والسلام على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه.
أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو بكر بن حيان قال: أخبرنا أبو يحيى الرازي قال: أخبرنا سهل العسكري قال: أخبرنا يحيى عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى) فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى، ففرح بذلك المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اعرض علي كلام الله، فلما عرض عليه فقال: أما هذا فلم آتك به هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته).
سورة قد أفلح
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله عز وجل (قد أفلح المؤمنون) الآية. أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري إملاء قال: أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي قال: أخبرنا محمد بن حماد الأبيوردي قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا يونس بن سليمان قال: أملى يونس الإيلي عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: كان إذا أنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا، ثم قال: لقد أنزلت علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ (قد أفلح المؤمنون) إلى عشر آيات، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أبي بكر القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن عبد الرزاق.

(1/111)


قوله عز وجل (الذين هم في صلاتهم خاشعون) الآية. أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد العطار قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن نعيم قال: حدثني أحمد بن يعقوب الثقفي قال: أخبرنا أبو شعيب الحراني قال: أخبرنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزل (الذين هم في صلاتهم خاشعون).
قوله تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين) الآية. أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيان قال: أخبرنا محمد بن سليمان قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سويد بن منجوف قال: أخبرنا أبو داود، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي في أربع، قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله تعالى (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتنتهن أو ليبدلنه الله سبحانه أزواجا خيرا منكن، فأنزل الله (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) الآية، ونزلت (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) إلى قوله تعالى (ثم أنشأناه خلقا آخر) فقلت: (فتبارك الله أحسن الخالقين).
قوله تعالى (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم) الآية. أخبرنا أبو القاسم بن عبدان قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله بن محمد الضني قال: أخبرنا أبو العباس السياري قال: أخبرنا محمد بن موسى بن حاتم قال: أخبرنا علي بن الحسن بن شقيق قال: أخبرنا الحسين بن واقد قال: حدثني يزيد النحوي أن عكرمة حدثه، عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ننشدك الله والرحم لقد أكلنا العلهز، يعني الوبر بالدم فأنزل الله تعالى (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) قال ابن عباس: لما أتى ثمامة بن أثال الحنفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو أسير، فخلي سبيله، فلحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من يمامة وأخذ الله تعالى قريشا بسني الجدب حتى أكلوا العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك الله والرحم إنك تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
سورة النور
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله عز وجل (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) الآية. قال المفسرون: قدم المهاجرون إلى المدينة وفيهم فقراء ليست لهم أموال، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين، فقالوا: لو أنا تزوجنا منهن فعشنا معهن إلى أن يغنينا الله تعالى عنهن، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فنزلت هذه الآية وحرم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك.
وقال عكرمة: نزلت الآية في نساء بغايا متعالجات بمكة والمدينة وكن كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفونها: أم مهدون جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحية القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية ابن مالك بن عمثلة بن السباق، وجلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية زمعة بن الأسود، وقرينة جارية هشام بن ربيعة، وفرتنا جارية هلال بن أنس، وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن ليتخذوهن مأكلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن ذلك وحرمه عليهم.

(1/112)


أخبرنا أبو صالح منصور بن عبد الوهاب البزاز قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا ابن الحسن بن عبد الجبار قال: أخبرنا إبراهيم بن عروة بن معتم، عن أبيه، عن الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر أن امرأة يقال لها أم مهدون كانت تسافح، وكانت تشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة، وأن رجلا من المسلمين أراد أن يتزوجها، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية (الزانية لا ينكحها إلا زان).
قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) الآية. أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن المؤذن قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحيري قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) إلى قوله تعالى (الفاسقون) قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسمعون يا معشر الأنصار إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله إنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، وما امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله، ولكن قد تعجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهيجه حتى أصبح وغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله فقال إني جئت أهلي عشيا فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه، فقال سعد بن عبادة: الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: إني والله لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما قد اشتد عليك مما جئتك به، والله يعلم إني لصادق، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل الوحي، وكان إذا نزل عليه عرفوا ذلك في تربد جلده فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) الآيات كلها، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا، فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي، وذكر باقي الحديث.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد الفقيه قال: أخبرنا محمد بن محمد بن سنان المقري قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: أخبرنا أبو خيثمة قال: أخبرنا جرير عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: أنا ليلة الجمعة في المسجد إذ دخل رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، فإن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) الآية. فابتلي به الرجل من بين الناس فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلتعن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه فلعنت، فلما أدبرت قال: لعلها أن تجيء به أسودا جعدا، فجاءت به أسود جعدا، رواه مسلم عن أبي خيثمة.

(1/113)


قوله تعالى (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الآيات. أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن علي المقري قال: أخبرنا أبو يعلى قال: أخبرنا أبو الوسيع الزهراني قال: أخبرنا فليح بن سليمان المدني، عن الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى منه. قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأتيت اقتصاصا ووعيت عن كل واحد الحديث الذي حدثني. وبعض حديثهم يصدق بعضا. ذكروا أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد ما نزلت آية الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وقفل ودنونا من المدينة أذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون، فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، قالت عائشة: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعوا إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني.

(1/114)


فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، فوطيء على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، وهلك من هلك في، وكان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمتها شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذلك يحزنني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت، أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف تيكم؟ قلت: تأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي فقلت: يا أماه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قالت: فقلت سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال: يا رسول الله هم أهلك وما نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: يا بريرة هل رأيت شيئا يريبك من عائشة؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، فقالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قال: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية.

(1/115)


فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر قتله، فقام أسيد بن الحضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها وجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: والله لقد عرفت أنكم سمعتم هذا وقد استقر في نفوسكم فصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال أبو يوسف (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) قالت: ثم تحولت واضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله تعالى في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية يبرئني الله تعالى بها، قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام، وأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال: البشرى يا عائشة، أما والله لقد برأك الله، فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله سبحانه تعالى هو الذي برأني، قالت: فأنزل الله سبحانه وتعالى (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) العشر آيات. فلما أنزل الله تعالى هذه الآية في براءتي قال الصديق، وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى) إلى قوله (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) فقال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كانت عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا، رواه البخاري ومسلم كلاهما عن أبي الربيع الزهراني.
قوله تعالى (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) الآية. أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل قال: أخبرنا أبو بكر بن زكريا قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة قال: أخبرنا الهيثم بن خارجة قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: سمعت عطاء الخراساني، عن الزهري، عن عروة أن عائشة رضي الله عنها حدثته بحديث الإفك، وقالت له: وكان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته وقالت: يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ قال: وما يتحدثون؟ فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، قالت: فأنزل الله عز وجل (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم).

(1/116)


أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن حمدان قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي مليكة، عن ذكوان مولى عائشة أنه استأذن لابن عباس على عائشة وهي تموت، وعندها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، فقال: هذا ابن عباس يستأذن عليك وهو من خير بنيك، فقالت: دعني من ابن عباس ومن تزكيته، فقال لها عبد الله بن عبد الرحمن: إنه قاريء لكتاب الله عز وجل فقيه في دين الله سبحانه فأذني له فليسلم عليك وليودعك، فقالت: فأذن له إن شئت، فأذن له، فدخل ابن عباس ثم سلم وجلس، فقال: البشرى يا أم المؤمنين ما بينك وبين أن يذهب عنك كل أذى ونصب أو قال وصب فتلقي الأحبة محمدا عليه الصلاة والسلام وحزبه، أو قال وأصحابه، إلا أن يفارق الروح جسده، كنت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن يحب إلا طيبا، فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سموات فليس في الأرض مسجد إلا وهو يتلى فيه آناء الليل والنهار، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فاحتبس النبي صلى الله عليه وسلم في المنزل والناس معه في ابتغائها، أو قال طلبها حتى أصبح الناس على غير ماء، فأنزل الله تعالى (فتيمموا صعيدا) الآية. فكان في ذلك رخصة للناس عامة في سببك، فوالله إنك لمباركة، فقالت: دعني يا ابن عباس من هذا، فوالله لوددت أني كنت نسيا منسيا.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم) الآية. أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي قال: أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري قال: أخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: أخبرنا الحسين بن سحتويه قال: أخبرنا عمرة بن ثور وإبراهيم بن سفيان قالا: حدثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدثنا قيس عن أشعث بن سوار، عن ابن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل علي، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) الآية. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن، فأنزل الله تعالى (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة) الآية.
قوله تعالى (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم) الآية. نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبيح، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها دينارا فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب.
قوله تعالى (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) الآية. أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي قال: أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي قال: أخبرنا محمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئا، فأنزل الله عز وجل (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) إلى قوله (غفور رحيم) رواه مسلم عن أبي كريب، عن أبي معاوية.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عمر بن ثابت أن هذه الآية (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) نزلت في معاذة جارية عبد الله بن أبي ابن سلول. وبهذا الإسناد عن محمد بن يحيى قال: أخبرنا عباس بن الوليد قال: أخبرنا عبد الأعلى قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عمر بن ثابت قال: كانت معاذة جارية لعبد الله بن أبي وكانت مسلمة، وكان يستكرهها على البغاء، فأنزل الله تعالى (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) إلى آخر الآية.

(1/117)


أخبرنا سعيد بن محمد المؤذن قال: أخبرنا أبو علي الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي قال: أخبرنا داود بن عمرو قال: أخبرنا منصور بن الأسود عن الأعمش، عن أبي نضرة، عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبي جارية يقال لها مسيكة، فكان يكرهها على البغاء، فأنزل الله عز وجل (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) إلى آخر الآية.
وقال المفسرون: نزلت في معاذة ومسيكة جاريتي عبد الله بن أبي المنافق كان يكرههما على الزنا لضريبة يأخذها منهما وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل نزلت في ست جوار لعبد الله بن أبي كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن، وهن: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، فجاءت إحداهن ذات يوم بدينار وجاءت أخرى بدونه، فقال لهما ارجعا فازنيا، فقالتا والله لا نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكيتا إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا الحاكم أبو عمرو محمد بن عبد العزيز فيما كتب إلي أن أحمد بن الفضل الحواري أخبرهم عن محمد بن يحيى قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري أن رجلا من قريش أسر يوم بدر، وكان عند عبد الله بن أبي أسيرا، وكانت لعبد الله جارية يقال لها معاذة، وكان القرشي الأسير يراودها عن نفسها، وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان ابن أبي يكرهها على ذلك ويضربها لأجل أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده، فقال الله تعالى (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) إلى قوله (غفور رحيم) قال أغفر لهن ما أكرهن عليه.
قوله تعالى (وإذا دعوا إلى الله ورسوله) الآية. قال المفسرون: هذه الآية والتي بعدها في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف ويقول: إن محمدا يحيف علينا، وقد مضت هذه القصة عند قوله (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) في سورة النساء.
قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) الآية. روى الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعد ما أوحى الله إليه خائفا هو وأصحابه يدعون إلى الله سبحانه سرا وعلانية، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا بها خائفين، يصبحون في السلاح ويمسون في السلاح، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تلبثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محبيا ليست فيهم حديدة، وأنزل الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) إلى آخر الآية، فأظهر الله تعالى نبيه على جزيرة العرب، فوضعوا السلاح وأمنوا ثم قبض الله تعالى نبيه فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف، وغيروا فغير الله بهم.
أخبرنا إسماعيل بن الحسن بن محمد بن الحسين النقيب قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن النصراباذي قال: أخبرنا أحمد بن سعيد الدارمي قال: أخبرنا علي بن الحسين بن واقد قال: أخبرنا أبي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحد، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا في لأمتهم، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل، فأنزل الله تعالى لنبيه (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) إلى قوله (ومن كفر بعد ذلك فألئك هم الفاسقون) يعني بالنعمة. رواه الحاكم في صحيحه عن محمد بن صالح بن هانيء، عن أبي سعيد بن شاذان، عن الدارمي.

(1/118)


قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) الآية. قال ابن عباس: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فقال: يا رسول الله وددت لو أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حال الاستئذان، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية.
قوله تعالى (ليس على الأعمى حرج) الآية. قال ابن عباس: لما أنزل الله تبارك وتعالى (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي الطعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال سعيد بن جبير والضحاك كان العرجان والعميان يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يتقذرونهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية ترخيصا للمرضى والزمنى في الأكل من بيوت من سمى الله تعالى في هذه الآية، وذلك أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا لم يكن عندهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله تعالى في هذه الآية. وكان أهل الزمانة يتحرجون من أن يطعموا ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكيه، ويقولون إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول في هذه الآية: أنزلت في أناس كانوا إذا خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) الآية. قال قتادة والضحاك: نزلت في حي من كنانة يقال لهم بنو ليث بن عمرو، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، والشول حفل والأحوال منتظمة تحرجا من أن يأكل وحده، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عكرمة: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا جميعا متحلقين أو أشتاتا متفرقين.
سورة الفرقان

(1/119)


بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك) الآية. أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقرئ قال: أخبرنا أحمد بن أبي الفرات قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري قال: أخبرنا محمد بن حميد بن فرقد قال: أخبرنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا جوهر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل عليه السلام من عند ربه معزيا له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، رب العزة يقرئك السلام ويقول لك (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) أي يبتغون المعاش في الدنيا. قال: فبينا جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدثان إذ ذاب جبريل عليه السلام حتى صار مثل الهدرة، قيل: يا رسول الله وما الهدرة؟ قال: العدسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك ذبت حتى صرت مثل الهدرة؟ قال: يا محمد فتح باب من أبواب السماء ولم يكن فتح قبل ذلك اليوم، وإني أخاف أن يعذب قومك عند تعييرهم إياك بالفاقة، وأقبل النبي وجبريل عليهما السلام يبكيان، إذ عاد جبريل عليه السلام إلى حاله، فقال: أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك، فأقبل رضوان حتى سلم ثم قال: يا محمد رب العزة يقرئك السلام، ومعه سفط من نور يتلألأ ويقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع مالا ينتقص لك مما عنده في الآخرة مثل جناح بعوضة، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير به، فضرب جبريل بيده إلى الأرض فقال: تواضع لله، فقال: يا رضوان لا حاجة لي فيها، الفقر أحب إلي وأن أكون عبدا صابرا شكورا، فقال رضوان عليه السلام: أصبت أصاب الله بك، وجاء نداء من السماء فرفع جبريل عليه السلام رأسه، فإذا السموات قد فتحت أبوابها إلى العرش، وأوحى الله تعالى إلى جنة عدن أن تدلي غصنا من أغصانها عليه عذق عليه غرفة من زبرجدة خضراء لها سبعون ألف باب من ياقوتة حمراء، فقال جبريل عليه السلام: يا محمد ارفع بصرك، فرفع فرأى منازل الأنبياء وغرفهم، فإذا منازله فوق منازل الأنبياء فضلا له خاصة، ومناد ينادي: أرضيت يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رضيت، فاجعل ما أردت أن تعطيني في الدنيا ذخيرة عندك في الشفاعة يوم القيامة. ويرون أن هذه الآية أنزلها رضوان (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا).
قوله تعالى (ويوم يعض الظالم على يديه) الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء الخراساني: كان أبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ويجالسه ويستمع إلى كلامه من غير أن يؤمن به، فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فنزلت هذه الآية. وقال الشعبي: وكان عقبة خليلا لأمية بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا عليه الصلاة والسلام وكفر وارتد لرضا أمية، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية.

(1/120)


وقال آخرون: إن أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط كانا متحالفين، وكان عقبة لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا إليه أشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعاما فدعا الناس، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه، فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بآكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان أبي بن خلف غائبا، فلما أخبر بقصته قال: صبأت يا عقبة، فقال: والله ما صبأت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحيت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت فطعم، فقال أبي: ما أنا بالذي رضي منك أبدا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ عنقه، ففعل ذلك عقبة، فأخذ رحم دابة فألقاها بين كتفيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد في المبارزة، فأنزل الله تعالى فيهما هذه الآية. وقال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاد بزاقه في وجهه فتشعب شعبتين، فأحرق خديه وكان أثر ذلك فيه حتى الموت.
قوله تعالى (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى آخر الآيات. أخبرنا أبو إسحاق الثعالبي قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المخلدي قال: أخبرنا المؤمل بن الحسن بن عيسى قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: أخبرنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير سمعه يحدث، عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا عليه الصلاة والسلام فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنا لما عملنا كفارة، فنزلت (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) الآيات إلى قوله (غفورا رحيما) رواه مسلم عن إبراهيم بن دينار عن حجاج.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن حجي قال: أخبرنا والدي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: أخبرنا إبراهيم الحنظلي ومحمد بن صباح قالا: حدثنا جرير، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن أبي ميسرة، عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قال: قلت ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت ثم أي قال: أن تزاني حليلة جارك، فأنزل الله تعالى تصديقا لذلك (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون) رواه البخاري ومسلم عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير.
أخبرنا أبو بكر بن الحرث قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق قال: أخبرنا الحرث بن الزبير قال: أخبرنا أبو راشد مولى المهرس، عن سعد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله، قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله تعالى وزنيت، هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون) إلى آخر الآية، فتلاها عليه فقال: أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فدعا به فتلاها عليه، فقال: ولعلي ممن لا يشاء أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) فقال: الآن لا أرى شرطا فأسلم.
سورة القصص

(1/121)


بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت) الآية. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن خمرويه قال: أخبرنا علي بن محمد الخزاعي قال: أخبرنا أبو اليمان الحكم بن رافع قال: أخبرني شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله سبحانه وتعالى، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) الآية، وأنزل في أبي طالب (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) رواه البخاري عن أبي اليمان، ورواه مسلم، عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري.
أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن علي الشيباني قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن بن بشر قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان قال: حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني نساء قريش يقلن أنه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) رواه مسلم، عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أبا عثمان الحيري يقول: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول في هذه الآية: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب.
قوله تعالى (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) نزلت في الحرث بن عثمان بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا من اتباعك أن العرب تخطفنا من أرضنا لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه) أخبرنا أبو بكر الحرث قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: أخبرنا محمد بن سليمان قال: أخبرنا عبد الله بن حازم الأبلي قال: أخبرنا بلال بن المحبر قال: أخبرنا شعبة، عن أبان، عن مجاهد في هذه الآية قال: نزلت في علي وحمزة وأبي جهل. وقال السدي: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة، وقيل: نزلت النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل.
قوله تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار) قال أهل التفسير: نزلت جوابا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختياره.
سورة العنكبوت
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (الم ، أحسب الناس) الآيتان: قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فآذوهم، فنزلت فيهم هذه الآية وكتبوا إليهم أن قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله تعالى فيهم (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) الآية. وقال مقاتل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر رماه عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة، فجزع عليه أبواه وامرأته، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وأخبر أنه لا بد لهم من البلاء والمشقة في ذات الله تعالى.

(1/122)


قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) الآية. قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص. وذلك أنه لما أسلم قالت له أمه جميلة: يا سعد بلغني أنك صبوت فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام وترجع إلى ما كنت عليه، وكان أحب ولدها إليها، فأبى سعد فصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل حتى خشي عليها، فأتى سعد النبي صلى الله عليه وسلم وشكا ذلك إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي في لقمان والأحقاف.
أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر الغازي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو يعلى قال: أخبرنا أبو خيثمة قال: أخبرنا الحسن بن موسى قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا سماك بن حرب قال: حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال: نزلت هذه الآية في قال: حلفت أم سعد لا تكلم أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب ومكثت ثلاثة أيام حتى غشي عليها من الجهد، فأنزل الله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) رواه مسلم عن أبي خيثمة.
قوله تعالى (وإن جاهداك لتشرك بي) الآية. أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو يعلى قال: أخبرنا أحمد بن أيوب بن راشد الضبي قال: أخبرنا مسلمة بن علقمة قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن أبي عثمان النهدي أن سعد بن مالك قال: أنزلت في هذه الآية (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) قال: كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعن عن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء، قال: فمكثت يوما لا تأكل فأصبحت قد جهدت، قال، فمكثت يوما آخر وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدها، قال: فلما رأيت ذلك قلت تعلمين والله يا أمه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فأنزلت هذه الآية (وإن جاهداك) الآية.
قوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله) قال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في أناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة عن ابن عباس: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون عن الدين فارتدوهم والذين نزلت فيهم (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) الآية.
قوله تعالى (وكأين من دابة لا تحمل رزقها) الآية. أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد التميمي قال: أخبرنا أبو محمد بن حيان قال: أخبرنا أحمد بن جعفر الجمال قال: أخبرنا عبد الواحد بن محمد البجلي قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الحجاج بن منهال، عن الزهري، عن عبد الرحيم بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلقط من التمر ويأكل، فقال: يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله، فقال: لكني أشتهيه، وهذه صبيحة رابعة ما ذقت طعاما، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين؟ قال: فوالله ما برحنا حتى نزلت (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم).
سورة الروم

(1/123)


بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (الم غلبت الروم) الآية. قال المفسرون: بعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليهم رجلا يسمى شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم، فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع زيتونهم، وكان قيصر بعث رجلا يدعى يحنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب، فغلب فارس الروم، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة، فشق ذلك عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من أهل المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح كفار مكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله تعالى (الم ، غلبت الروم في أدنى الأرض) إلى آخر الآيات.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حامد العطار قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا الحرث بن شريح قال: أخبرنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن الأعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب المؤمنون بظهور الروم على فارس.
سورة لقمان
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث. وذلك أنه كان يخرج تاجرا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشا ويقول لهم: إن محمدا عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية.
وقال مجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات.
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقرئ قال: أخبرنا محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا علي بن حجر قال: أخبرنا مشمعل بن ملحان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) إلى آخر الآية. وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله تعالى عليه شيطانين، أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت.
وقال ثور بن أبي فاختة عن أبيه، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا ونهارا.
قوله تعالى (وإن جاهداك على أن تشرك بي) نزلت في سعد بن أبي وقاص على ما ذكرناه في سورة العنكبوت.
قوله تعالى (واتبع سبيل من أناب إلي). نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد أبا بكر، وذلك أنه حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير فقالوا: لأبي بكر رضي الله عنه: آمنت وصدقت محمدا عليه الصلاة والسلام؟ فقال أبو بكر: نعم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا وصدقوا، فأنزل الله تعالى يقول لسعد (واتبع سبيل من أناب إلي) يعني أبا بكر رضي الله عنه.

(1/124)


قوله تعالى (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام) قال المفسرون: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد بلغنا عنك أنك تقول (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) أفتعنينا أم قومك؟ فقال: كلا قد عنيت، قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله سبحانه قليل، ولقد آتاكم الله تعالى ما إن عملتم به انتفعتم به، فقالوا: يا محمد كيف تزعم هذا أنت تقول (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) وكيف يجتمع هذا؟ علم قليل وخير كثير، فأنزل الله تعالى (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام) الآية.
قوله تعالى (إن الله عنده علم الساعة) نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن حفصة من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها، وقال: إن أرضنا أجدبت، فمتى ينزل الغيث، وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد المؤذن قال: أخبرنا محمد بن حمدون بن الفضل قال: أخبرنا أحمد بن الحسين الحافظ قال: أخبرنا حمدان السلمي قال: حدثنا النضر بن محمد قال: حدثنا عكرمة قال: حدثنا إياس بن سلمة قال: حدثني أبي أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل بفرس له يقودها عقوق ومعها مهرة له يبيعها، فقال له: من أنت؟ قال: أنا نبي الله، قال: ومن نبي الله؟ قال: رسول الله، قال متى تقوم الساعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، قال: ما في بطن فرسي هذه؟ قال: غيب ولا يعلم الغيب إلا الله قال: أرني سيفك، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سيفه فهزه الرجل ثم رده إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنك لم تكن تستطيع الذي أردت، قال: وقد كان الرجل، قال: أذهب إليه فأسأله عن هذه الخصال، ثم أضرب عنقه.
أخبرنا أبو عبد الله بن إسحاق قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر قال: أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي سويد قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهم إلا الله تعالى، لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم: ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله. رواه البخاري، عن محمد بن يوسف عن سفيان.
سورة السجدة
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) قال مالك بن دينار: سألت أنس بن مالك عن هذه الآية فيمن نزلت، فقال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.

(1/125)


أخبرنا أبو إسحاق المقري قال: أخبرني أبو الحسين بن محمد الدينوري قال: أخبرنا موسى بن محمد قال: أخبرنا الحسين بن علوية قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى قال: أخبرنا المسيب، عن سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: فينا نزلت معاشر الأنصار (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) الآية. كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن ومجاهد: نزلت في المتهجدين الذين يقومون الليل إلى الصلاة، ويدل على صحة هذا ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخشاب قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السراج قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: أخبرنا جدي عن الأعمش، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقد أصابنا الحر فتفرق القوم، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقربهم مني، فقلت: يا رسول الله أنبئني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير، فقال: قلت أجل يا رسول الله، قال: الصوم جنة الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله تعالى، قال: ثم قرأ هذه الآية (تتجافى جنوبهم عن المضاجع).
قوله تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) الآية: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة. أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأصفهاني قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ قال: أخبرنا إسحاق بن بيان الأنماطي قال: أخبرنا حبيش بن مبشر الفقيه قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزل " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " قال: يعني بالمؤمن عليا، وبالفاسق الوليد بن عقبة.
سورة الأحزاب
بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) الآية. نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السلمي قدموا المدينة بعد قتال أحد، فنزلوا على عبد الله بن أبي، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومنات، وقل إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر بن الخطاب: رضي الله عنه ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم، فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
قوله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) نزلت في جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد عليه الصلاة والسلام، فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقاه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، وعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده.
قوله تعالى (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) نزلت في زيد بن حارثة كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد عليه الصلاة والسلام امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

(1/126)


أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن نعيم الاشكابي قال أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن مخلد قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن سالم عن عبد الله يزعم أنه كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيدا بن محمد حتى نزلت في القرآن (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) رواه البخاري، عن معلى بن أسد، عن عبد الرحمن بن المختار، عن موسى بن عقبة.
قوله تعالى (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الله بن خالد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم قال: أخبرنا بهز بن أسد قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر وبه سميت أنسا عن قتال بدر، فشق عليه لما قدم وقال: غبت عن أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لئن أشهدني الله سبحانه قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون وأعتذر إليك فيما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال: أي سعد، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتلهم حتى قتل، قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة من بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح ورمية بالسهم، وقد مثلوا به، وما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه، ونزلت هذه الآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله) قال: وكنا نقول: أنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه. رواه مسلم عن محمد بن حاتم، عن بهز بن أسد.
أخبرنا سعد بن أحمد بن جعفر المؤذن قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الزيارجي قال: أخبرنا بندار قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي ثمامة، عن أنس بن مالك قال: نزلت هذه الآية في أنس بن النضر (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) رواه البخاري، عن بندار.
قوله تعالى (فمنهم من قضى نحبه) نزلت في طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى أصيبت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أوجب لطلحة الجنة.
أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله التميمي قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر الرازي قال: أخبرنا العباس بن إسماعيل الرقي قال: أخبرنا إسماعيل بن يحيى البغدادي، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي قال: قالوا: أخبرنا عن طلحة قال ذلك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل.
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: أخبرنا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عيسى بن طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه طلحة فقال: هذا ممن قضى نحبه.
قوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية. أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو محمد بن حيان قال: أخبرني أحمد بن عمرو بن أبي عاصم قال: أخبرنا أبو الربيع الزهراني قال: أخبرني عمار بن محمد الثوري قال: أخبرنا سفيان عن أبي الحجاف، عن عطية، عن أبي سعيد (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال: نزلت في خمسة، في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

(1/127)


أخبرنا أبو سعد النضوي قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: أخبرنا ابن نمير قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بن أبي رباح قال: حدثني من سمع أم سليم تذكر النبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي لي زوجك وابنيك، قالت: فجاء علي وحسن وحسين، فدخلوا فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له، وكان تحته كساء حبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله تعالى هذه الآية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ثم أخرج يديه فألوى بهما إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قال: فأدخلت رأسي البيت وقلت: أنا معكم يا رسول الله، قال: إنك إلى خير إنك إلى خير.
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الحسن بن علي بن عفان قال: أخبرنا أبو يحيى الحماني، عن صالح بن موسى القرشي، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية في نساء النبي صلى الله عليه وسلم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت).
أخبرنا عقيل بن محمد الجرجاني فيما أجاز لي لفظا قال: أخبرنا المعافى بن زكريا القاضي قال: أخبرنا محمد بن جرير قال: أخبرنا ابن حميد قال: أخبرنا يحيى بن واضح قال: أخبرنا الأصبغ، عن علقمة، عن عكرمة في قوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: ليس الذين يذهبون إليه إنما هي أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، قال: وكان عكرمة ينادي هذا في السوق.
قوله تعالى (إن المسلمين والمسلمات) الآية. قال مقاتل بن حيان: بلغني أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة معها زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن لا، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسارة، قال: ومم ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن في الخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله تعالى (إن المسلمين والمسلمات) إلى آخرها.
وقال قتادة: لما ذكر الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم دخل نساء من المسلمات عليهن فقلن: ذكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير لذكرنا، فأنزل الله تعالى (إن المسلمين والمسلمات).
قوله تعالى (ترجي من تشاء منهن) الآية. قال المفسرون: حين غار بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم وآذينه بالغيرة وطلبن زيادة النفقة، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا حتى نزلت آية التخيير، وأمر الله تعالى أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من اختارت الله سبحانه ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين ولا ينكحن أبدا، وعلى أن يؤوي إليه من يشاء ويرجي منهن من يشاء، فرضين به قسم لهن أو لم يقسم، أو فضل بعضهن على بعض بالنفقة والقسمة والعشرة، ويكون الأمر في ذلك إليه يفعل ما يشاء، فرضين بذلك كله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما جعل الله تعالى له من التوسعة يسوي بينهن في القسمة.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكي قال: أخبرنا عبد الملك بن الحسن ابن يوسف السقطي. قال: أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني قال: أخبرنا يحيى بن معين قال: أخبرنا عباد بن عباد، عن عاصم الأحول عن معاذة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا، قالت: معاذة: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذلك إلي لم أوثر أحدا على نفسي. رواه البخاري، عن حيان بن موسى، عن ابن المبارك. ورواه مسلم، عن شريح بن يونس، عن عباد، كلاهما عن عاصم.
وقال قوم: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقن، فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا، فنزلت هذه الآية.

(1/128)


أخبرنا عبد الرحمن بن عبدان قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن نعيم قال: محمد بن يعقوب الأخرم قال: أخبرنا محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا محاضر بن المودع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تقول لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) فقالت عائشة أرى ربك يسارع لك في هواك، رواه البخاري عن زكريا بن يحيى، ورواه مسلم عن أبي كريب كلاهما عن أبي أسامة عن هشام.
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي) الآية. قال أكثر المفسرون: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش أولم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، قال أنس: وبعثت إليه أمي أم سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدعو أصحابه إلى الطعام، فجعل القوم يجيئون فيأكلون فيخرجون، ثم يجيء القوم فيأكلون فيخرجون، فقلت: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه فقال: ارفعوا طعامكم، فرفعوا وخرج القوم وبقي ثلاثة أنفار يتحدثون في البيت، فأطالوا المكث، فتأذى منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحياء، فنزلت هذه الآية، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينه سترا.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الفقيه قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال: أخبرنا عبد الأعلى بن حماد النرسي قال: أخبرنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون. قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من قام وقعد ثلاثة وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فدخل فإذا القوم جلوس وأنهم قاموا وانطلقوا، فجئت واخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، قال: فجاء حتى دخل قال: وذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام) الآية إلى قوله (إن ذلكم كان عند الله عظيما) رواه البخاري، عن محمد بن عبد الله الرقاشي، ورواه مسلم عن يحيى بن حبيب الحارثي، كلاهما عن المعتمر.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ قال: أخبرنا أبو عمرو بن نجيد قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل قال: أخبرنا هشام بن عمار قال: أخبرنا الخليل بن موسى قال: أخبرنا عبد الله بن عوف، عن عمرو بن شعيب، عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ مر على حجرة من حجره فرأى فيها قوما جلوسا يتحدثون، ثم عاد فدخل الحجرة وأرخى الستر دوني، فجئت أبا طلحة فذكرت ذلك له، فقال: لئن كان ما تقول حقا لينزلن الله فيه قرآنا، فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي) الآية.
أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري قال: أخبرنا حاجب بن أحمد قال: أخبرنا عبد الرحيم بن منيب قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حميد عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب. رواه البخاري عن مسدد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن حميد. أخبرني أبو حكم الجرجاني فيما أجازني لفظا قال: أخبرنا أبو الفرج القاضي قال: أخبرنا محمد بن جرى قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: هشيم، عن ليث، عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم معه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وكانت معهم، فكره النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية الحجاب.
قوله تعالى (ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا). قال ابن عباس في رواية عطاء: قال رجل من سادة قريش: لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة، فأنزل الله تعالى ما أنزل.

(1/129)


قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي). أخبرنا أبو سعيد عن ابن عمر النيسابوري قال: أخبرنا الحسن بن أحمد الخلدي قال: أخبرنا المؤمل بن الحسين بن عيسى قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا أبو حذيفة قال: أخبرنا سفيان، عن الزبير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم قد عرفنا السلام عليك وكيف الصلاة عليك، فنزلت (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشا قال: اخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: أخبرنا الرياشي، عن الأصمعي قال: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته، فقال (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) آثره صلى الله عليه وسلم بها من بين الرسل واختصكم بها من بين الأنام، فقابلوا نعمة الله بالشكر.
سمعت الأستاذ أبا عثمان الواعظ يقول: سمعت الإمام سهل بن محمد بن سليمان يقول هذا التشريف الذي شرف الله تعالى به نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله (إن الله وملائكته يصلون على النبي) أبلغ وأتم من تشريف آدم بأمر الملائكة بالسجود له، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، وقد أخبر الله تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي، ثم عن الملائكة بالصلاة عليه، فتشريف صدر عنه عنه أبلغ من تشريف تختص به الملائكة من غير جواز أن يكون الله معهم في ذلك، والذي قاله سهل منتزع من قول المهدي، ولعله رآه ونظر إليه، فأخذه منه وشرحه وقابل ذلك بتشريف آدم، وكان أبلغ وأتم منه، وقد ذكر في الصحيح ما أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه قال: أخبرنا إبراهيم بن سفيان قال: أخبرنا مسلم قال: أخبرنا قتيبة وعلي بن حجر قالا: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا.
قوله تعالى (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) قال مجاهد: لما نزلت (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية قال أبو بكر: ما أعطاك الله تعالى من خير إلا أشركنا فيه، فنزلت (هو الذي يصلي عليكم وملائكته).
قوله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) قال عطاء: عن ابن عباس رأى عمر رضي الله عنه جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها فذهبت إلى أهلها تشكو عمر، فخرجوا إليه فآذوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب، وذلك أن أناسا من المنافقين كانوا يؤذونه ويسمعونه. وقال الضحاك والسدي والكلبي: نزلت، في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيرون المرأة فيدنون منها فيغمزونها، فمن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن لم يكن يومئذ تعرف الحرة من الأمة إنما يخرجن في درع وخمار، فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية الدليل على صحة هذا.
قوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) الآية. أخبرنا سعيد بن محمد المؤذن قال: أخبرنا أبو علي الفقيه قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد قال: أخبرنا زياد بن أيوب قال: أخبرنا هشيم بن حصين، عن أبي مالك قال: كانت نساء المؤمنين يخرجن بالليل إلى حاجاتهن، وكان المنافقون يتعرضون لهن ويؤذونهن، فنزلت هذه الآية، وقال السدي: كانت المدينة ضيقة المنازل، وكان النساء إذا كان الليل خرجوا، فقضين الحاجة وكان فساق من فساق المدينة يخرجون، فإذا رأوا المرأة عليها قناع قالوا هذه حرة فتركوها، وإذا رأوا المرأة بغير قناع قالوا هذه أمة، فكانوا يراودونها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
سورة يس

(1/130)


بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) الآية. قال أبو سعيد الخدري: كان بنو سلمة في ناحية من نواحي المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن آثاركم تكتب فلم تنتقلون؟.
أخبرنا الشريف إسماعيل بن الحسن بن محمد بن الحسن الطبري قال: حدثني جدي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الشرقي قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن سعد بن الظريف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: شكت بنو سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد، فأنزل الله تعالى (ونكتب ما قدموا وآثارهم) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم منازلكم فإنما تكتب آثاركم.
قوله تعالى (قال من يحيي العظام وهي رميم) قال المفسرون: إن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم، ويبعثك ويدخلك في النار، فأنزل الله تعالى هذه الآية (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم).
أخبرنا سعيد بن محمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد قال: حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا حصين عن أبي مالك، أن أبي بن خلف الجمحي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففتته بين يديه، وقال: يا محمد يبعث الله هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم، يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت هذه الآيات.
سورة ص
بسم الله الرحمن الرحيم. أخبرنا أبو القاسم بن أبي نصر الخزامي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حمدويه قال: أخبرنا أبو بكر بن دارم الحافظ قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فجاءت قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه من ذلك، فشكوه إلى أبي طالب فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم، قال: كلمة واحدة، قال ما هي؟ قال: لا إله إلا الله، فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ قال فنزل فيهم القرآن (ص، والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق) حتى بلغ (إن هذا إلا اختلاق).
قال المفسرون: لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون، قال الوليد بن المغيرة لهلاص قريش وهم الصناديد والأشراف: امشوا إلى أبي طالب، فأتوه فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا قد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك ذا السؤال فلا تمل كل الميل على قومك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله، فنفروا من ذلك، فقاموا فقالوا (أجعل الآلهة إلها واحدا) كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات (كذبت قبلهم قوم نوح).
؟؟
سورة الزمر
بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى (أمن هو قانت آناء الليل) الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقال ابن عمر: نزلت في عثمان بن عفان. وقال مقاتل: نزلت في عمار بن ياسر.
قوله تعالى (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) الآية. قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة أنفار كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله وهم زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

(1/131)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية