صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم
المؤلف : ابن سلامة
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي هدانا لدينه، وجعلنا من أهله، وفضلنا بما علمنا بتنزيله، وشرفنا بمحمد نبيه ورسوله، صلى الله عليه وسلم. وأنزل عليه كتابه الذي (لم يجعل له عوجا) وجعله (قيما. لينذر بأسا شديدا من لدنه) و (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والمقدم والمؤخر، والمطلق والمقيد، والأقسام والأمثال، والمجمل والمفصل، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم).
قال: فأول ما ينبغي لمن أحب أن يتعلم شيئا من علم هذا الكتاب - أي القرآن العظيم - الابتداء في علم الناسخ والمنسوخ، اتباعا لما جاء من أئمة السلف رضي الله عنهم أجمعين، لأن كل من تكلم في شيء من علم هذا الكتاب العزيز - ولم يعلم الناسخ والمنسوخ - كان ناقصا.
وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلا يعرف بعبد الرحمن بن داب، وكان صاحبا لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - وقد تحلق عليه الناس يسألونه، وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له علي رضي الله: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت، أبو من أنت؟ فقال: أبو يحيى، فقال له علي رضي الله عنه: أنت أبو اعرفوني. وأخذ أذنه ففتلها، فقال: لا تقصن في مسجدنا بعد.
وروي في معنى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس - رض الله عنهم - أنهما قالا لرجل آخر مثل قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، أو قريبا منه.
وقال حذيفة بن اليمان: لا يقصن على الناس إلا ثلاثة: أمير، أو: مأمور، ورجل عرف الناسخ والمنسوخ. والرابع: متكلف أحمق.
وقال أبو القاسم رحمه الله: وهذا هو الصحيح، لأنه يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر.
وقال: ولما رأيت المفسرين قد تهالكوا هذا العلم، ولم يأتوا منه وجه الحفظ، وخلطوا بعضه ببعض، ألفت هذا الكتاب، ليقرب على من أحب تعليمه، وتذكرا لمن علمه، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
باب الناسخ والمنسوخ
أعلم أن الناسخ والمنسوخ في كلام العرب هو: رفع الشيء، وجاء الشرع بما تعرف العرب، إذ كان الناسخ يرفع حكم المنسوخ.
والمنسوخ في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أضرب: فمنه: ما نسخ خطه وحكمه.
ومنه: ما نسخ خطه وبقي حكمه.
ومنه: ما نسخ حكمه وبقي خطه.
فأما ما نسخ حكمه وخطه: فمثل ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة تعدلها سورة التوبة، ما أحفظ منها غير آية واحدة: (ولو أن لابن آدم واديان من ذهب لا بتغى إليها ثالثا، ولو أن له ثالثا لابتغى إليها رابعا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
وروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم آية، فحفظتها وكتبتها في مصحفي، فلما كان الليل رجعت إلى مضجعي فلم أرجع منها بشيء، وغدوت على مصحفي فإذا الورقة بيضاء، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: (يا ابن مسعود، تلك رفعت البارحة).
وأما ما نسخ خطه وبقي حكمه: فمثل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لولا أكره أن يقول الناس: قد زاد في القرآن ما ليس فيه، لكتبت آية الرجم وأثبتها، فوالله لقد قرأناها على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإن ذلك كفر بكم. الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالا من الله والله عزيز حكيم).
فهذا منسوخ الخط ثابت الحكم.
وأما ما نسخ حكمه وبقي خطه: فهو في ثلاث وستين سورة، مثل: الصلاة إلى بيت المقدس، والصيام الأول، والصفح عن المشركين والإعراض عن الجاهلين.
قال أبو القاسم: فأول ما نبدأ به من ذلك: تسمية السور التي لم يدخلها ناسخ ولا منسوخ وهي ثلاث وأربعون سورة، والله أعلم.

(1/1)


منها: أم الكتاب ثم سورة يوسف ثم يس ثم الحجرات ثم سورة الرحمن ثم سورة الحديد ثم الصف ثم الجمعة ثم التحريم ثم الملك ثم الحاقة ثم نوح ثم الجن ثم الجمعة ثم التحريم ثم الملك ثم الحاقة ثم نوح ثم الجن ثم المرسلات ثم النبأ ثم النازعات ثم الانفطار ثم المطففين ثم الانشقاق ثم البروج ثم الفجر ثم البلد ثم الشمس وضحاها ثم والليل ثم والضحى ثم ألم نشرح ثم القلم ثم القدر ثم الانفكاك ثم الزلزلة ثم العاديات ثم القارعة ثم التكاثر ثم الهمزة ثم الفيل ثم القريش ثم أرأيت ثم الكوثر ثم النصر ثم تبت ثم الإخلاص ثم الفلق ثم الناس.
وهذه السور التي ليس فيها ناسخ ولا منسوخ: وهي السور التي ليس فيها أمر ولا نهي.
ومنها: سورة فيها نهي، وليس فيها أمر.
ومنها: فيها أمر، وليس فيها نهي.
وسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
فيكون عدد هذه السور ثلاثا وأربعين سورة، والله أعلم.
باب
تسمية السور التي فيها ناسخ وليس فيها منسوخ، وهي ستة سور: أولهم الفتح والحشر والمنافقين والتغابن والطلاق والأعلى.
باب
تسمية السور التي دخلها المنسوخ ولم يدخلها ناسخ، وهي أربعون سورة:
باب
تسمية السور التي دخلها المنسوخ ولم يدخلها ناسخ، وهي أربعون سورة: أولهن الأنعام ثم الأعراف ثم يونس ثم هود ثم الرعد ثم الحجر ثم النحل ثم بني إسرائيل ثم الكهف ثم طه ثم المؤمن ثم النمل ثم القصص ثم العنكبوت ثم الروم ثم لقمان ثم المصابيح ثم الملائكة ثم الصافات ثم ص ثم الزمر ثم الزخرف ثم الدخان ثم الجاثية ثم الأحقاف ثم محمد ثم الباسقات ثم النجم ثم القمر ثم الامتحان ثم نون ثم المعارج ثم المدثر ثم القيامة ثم الإنسان ثم عبس ثم الطارق ثم الغاشية ثم التين ثم الكافرون.
باب
السور التي دخلها الناسخ والمنسوخ، وهي: خمس وعشرون سورة.
أولها البقرة ثم آل عمران ثم المائدة ثم الأنفال ثم التوبة ثم إبراهيم ثم الكهف ثم مريم ثم الأنبياء ثم الحج ثم النور ثم الفرقان ثم الشعراء ثم الأحزاب ثم سبأ ثم مؤمن ثم الشورى ثم الذاريات ثم الطور ثم الواقعة ثم المجادلة ثم المزمل ثم الكوثر ثم العصر.
فذلك مائة وأربعة عشر سورة.
باب
في اختلاف المفسرين: على أي شيء يقع النسخ من كلام القرآن.
قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة بن عمار: لا يدخل النسخ إلا على الأمر والنهي فقط، أو: افعلوا أو: لا تفعلوا. واحتجوا على ذلك بأشياء، منها: قولهم: (إن خير الله على ما هو فيه).
وقال الضحاك بن مزاحم كما قال الأولون، وزاد عليهم فقال: يدخل النسخ على الأمر والنهي، وعلى الأخبار التي معناها الأمر والنهي، مثل قوله تعالى وعز اسمه: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك).
ومعنى قوله: لا تنكحوا زانية ولا مشركة.
وعلى الأخبار التي معناها الأمر، مثل قوله تعالى في سورة يوسف: (قال تزرعون سبع سنين دأبا) ومعنى ذلك: ازرعوا.
ومثل قوله تعالى: (ولولا أن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين) بمعنى: ارجعوها، يعني الروح.
ومثل قوله تعالى سبحانه: (ولكن رسول الله) الأحزاب: أي تعالوا له.
قال: فإذا كان هذا معنى الخبر كان الأمر والنهي على جميع الأخبار، ولم يفصل.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والسدي: قد يدخل النسخ على الأمر والنهي وجميع الأخبار، ولم يفصلا. وتابعهما على هذا القول جماعة.
ولا حجة لهما في ذلك من الرواية، وإنما يعتمدون على الرواية.
وقال آخرون: وكل جملة استثنى الله منها بإلا فإن الاستثناء ناسخ لها.
وقد قال قوم لا يعدون خلافا: ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ. وهؤلاء قوم عن الحق صدوا، وبإفكهم عن الله ردوا.
باب
ما رد الله تعالى ذكره على الملحدين والمنافقين، من أجل معارضتهم في تفصيل أحكام الكتاب المبين.
قال الله تعالى عز من قائل: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها).
قال أبو القاسم رضي الله عنه: وهذه الآية يحتاج مفسرها أن لا يقدرها قبل تفسيره لها، لأن فيها مقدما ومؤخرا، تقديره - هو أعلم - ما نرفع من حكم نأت بخير منها، أو ننساها - أي نتركها - فلا ننسخها.

(1/2)


وقد اعترض هذا التأويل، وقيل: ما في القرآن بعضه خير من بعض، أليس هو محكام واحد جل قائله.
والجواب: أن معنى (خير منها) أي أنفع منها، لأن الناسخ لا يخلو من أحد النعمتين: إما أن يكون أثقل في الحكم، فيكون أوفر في الأجر.
وإما أن يكون أخف في الحكم، فيكون أيسر في العمل.
وقد قرىء (ننسأها) أي نؤخر حكمها، فيعمل به حينا.
ثم قال تعالى: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) من أمر الناسخ والمنسوخ.
ومثل هذا قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل) والمعنى: حكم آية (قالوا إنما أنت مقتر) أي اختلقته من تلقاء نفسك. فقال سبحانه وتعالى ردا عليهم (بل أكثرهم لا يعلمون) النحل.
ولأن في إثبات الناسخ والمنسوخ في القرآن دلالة وحدانية الله تعالى ذكره بقوله: (ألا له الخلق والأمر).
وقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه صعد على المروة فقرأ (ألا له الخلق والأمر) وقال: يا غالب، من ادعى ثالثة فليقم، الخلق جميع ما خلق، والأمر جميع ما قضي، وليس في كتاب الله تعالى كلمتان تجمع الملك غيرهما.
باب
في ذكر ما جاء من الناسخ في الشريعة على التوالي.
اعلم أنه ليس في أم الكتاب شيء، لأن أولها ثناء، وآخرها دعاء.
سورة البقرة
مدنية، تحتوي على ثلاثين آية منسوخة.
الأولى: قوله عز وجل (ومما رزقناهم ينفقون).
اختلف أهل العلم في ذلك: فقال طائفة - وهم الأكثرون - هي الزكاة المفروضة.
وقال مقاتل وحيان وجماعة: كل ما فضل عن الزكاة نسخته الآية المفروضة.
وقال أبو جعفر بن زيد بن القعقاع: نسخت الزكاة المفروضة كل صدقة في القرآن، ونسخ شهر رمضان كل صيام في القرآن، ونسخ ذباحة الأضحى كل ذبح.
الآية الثانية: قوله عز وجل (إن الذين آمنوا والذين هادوا).
والناس فيها قائلان: فقالت - طائفة - منهم مجاهد والضحاك وابن مزاحم - وهي محكمة. ويقرؤونها بالمحذوف المقدر، فيكون التقدير على قولهما: إن الذين آمنوا ومن آمن من الذين هادوا والنصارى والصابئين.
وقال الأكثرون: هي منسوخة، وناسخها عندهم: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا) الآية.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنا) فيها قولان: قال عطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم أجمعين: هي محكمة. واختلفا بعد ما اجتمعا على إحكامها.
وقال محمد بن الحسن بن علي عليهم السلام: معنى قوله (وقولوا للناس حسنا) أي قولوا لهم: إن محمدا رسول الله.
وقال عطاء بن أبي رباح: وقولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: إن مجلسك هذا يحضره البر والفاجر، أفتجيزني أن أغلظ فيه على الفاجر؟ فقال: لا، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: (وقولوا للناس حسنا).
وقال جماعة: هي منسوخة. وناسخها عندهم قوله تعالى: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) الآية.
الآية الرابعة: قوله عز وجل: (فاعفوا واصفحوا).
نسخ ما فيها من العفو والصفح قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).
وباقي الآية محكمة.
الآية الخامسة: قوله عز وجل: (ولله المشرق والمغرب) هذا محكم.
والمنسوخ منها قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله).
وذلك: أن طائفة أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فعميت عليهم القبلة، فصلوا إلى غير جهتها، فلما تبينوا ذلك ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية (ولله المشرق والمغرب).
وقال قتادة والضحاك وجماعة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس مقدار سبعة عشر شهرا.
وهو قول الأكثرين من أهل التواريخ، منهم معقل بن يسار، والبراء بن عازب.
وقال قتادة: ثمانية عشر شهرا.
وفيها رواية أخرى عن إبراهيم الحراني: ثلاثة عشر شهرا إلى بيت المقدس.

(1/3)


وقال الآخرون: قالت اليهود بعد تحويل القبلة: لا يخلو محمد من أمرين: إما أن يكون كان على حق فقد رجع عنه، وإما أن يكون على باطل فما كان ينبغي أن يكون عليه. فأنزل الله تعالى (ولله المشرق والمغرب) الآية.
ثم نسخت بقوله تعالى: (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) البقرة.
واختلفوا: هل يعلم في أي صلاة وفي أي وقت؟ فقال الأكثرون: حولت يوم الإثنين، النصف من رجب، على رأس سبعة عشر شهرا، في وقت الظهر.
وقال قتادة: حولت يوم الثلاثاء، النصف من شعبان، على راس ثمانية عشر شهرا من مقدمه المدينة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يحول وجهه ويومىء إلى السماء بطرفه، ويقول: (يا جبريل، إلى متى أصلي إلى قبلة اليهود؟ يقول جبريل: إنما أنا عبد مأمور، فاسأل ربك).
قال: فبينما هو على ذلك إذ نزل عليه جبريل عليه السلام فقال: اقرأ يا محمد: (قد نرى تقلب وجهك في السماء) تنتظر الأمر، فحذف هذا من الكلام لعلم السامع به، ونزل: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) أي نحوه وتلقاءه. والشطر في كلام العرب النصف، وهذه ههنا لغة الأنصار، فصارت هذه ناسخة لقوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله).
وفي رواية أخرى رواها إبراهيم الحراني: قال: حولت القبلة في جمادي الآخر.
الآية السادسة: قوله تعالى: (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم).
نسخ هذا بآية السيف، على قول الجماعة.
الآية السابعة: قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) هذا محكم.
والمنسوخ قوله تعالى: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما).
وكان على الصفا صنم يقال له: إساف، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، وكان رجل وامرأة في الجاهلية، فدخلا الكعبة وزنيا فيها، فمسخهم الله تعالى صنمين، فوضعت المشركون الصنم الذي كان رجلا على الصفا، والصنم الذي كانت امرأة على المروة، وعبدوهما من دون الله. فلما أسلمت الأنصار تحرجوا أن يسعوا بينهما، فأنزل الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله).
ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفة نفسه) الآية الثامنة: قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) إلى قوله: (ويلعنهم اللاعنون).
نسخها عمن أسلم بالاستثناء، وهو قوله: (إلا الذين تابوا وأصلحوا.).
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا هذه الآية لما حدثتكم بشيء. ويقال: من ورع العالم العامل أن يتكلم، ومن ورع الجاهل العامل أن يسكت.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (إنما حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير..).
نسخ بالسنة بعض الميتة وبعض الدم، بقوله عليه السلام: (أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال).
وقال تعالى: (وما أهل به لغير الله) . ثم رخص للمضطر والجائع غير الباغي والعادي، وقال: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه).
الآية العاشرة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد..).
وذلك: أن حيين اقتتلا قبل الإسلام بقليل، وكان لأحدهما على الآخر طول، فلم يقتص أحدهما من الآخر حتى جاء الإسلام، فقال الأكثرون: لا نرضى أن نقتل بالعبد منا إلا الحر منهم، وبالمرأة منا إلا الرجل منهم. فسوى الله بينهما في أحكام القصاص، فنزل قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) . إلى ههنا موضع النسخ وباقي الآية محكم.
وأجمع المفسرون على نسخ ما فيها من المنسوخ، واختلفوا في ناسخها: فقال العراقيون وجماعة: ناسخها الآية التي في المائدة، وهي قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) هذه الآية.
فإن قال قائل: هذا كتب على بني إسرائيل، فكيف يلزمنا حكمه؟ فالجواب عن ذلك: أن آخر الآية ألزمنا، وهو قوله عز وجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون).

(1/4)


وقال الحجازيون: ناسخها الآية التي في بني إسرائيل وهي قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) وقتل المسلم بالكافر إسراف لا يجوز عند جماعة من الناس، وكذلك قتل الحر بالعبد.
وقال العراقيون: يجوز واحتجوا بحديث ابن سلمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بكافر معاهد، وقال: (أنا أحق من وفي بعهده).
الآية الحادية عشر: قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين).
نسخت بالكتاب والسنة: فالكتاب: قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) الآية.
وأما السنة: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث).
وقد ذهبت طائفة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن لم يوص بقرابته ختم عمله بمعصية).
وقال جماعة: الآية كلها محكمة.
يذهب إلى هذا القول الحسن البصري، وطاوس، والعلاء بن زيد، ومسلم بن يسار.
الآية الثانية عشر: قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم..) الآية.
اختلف الناس في الإشارة إلى من هي؟ فقالت طائفة: هي الأمم الخالية، وذلك أن الله تعالى ما أرسل نبيا إلا وفرض عليه وعلى أمته صيام شهر رمضان، فكفرت الأمم كلها وآمنت به أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فيكون التنزيل على هذا الوجه مدحا لهذه الأمة.
وقال الآخرون: الإشارة إلى النصارى، وذلك: أنهم إذا أفطروا أكلوا وشربوا وجامعوا النساء ما لم يناموا، وكان المسلمون كذلك، وعليهم زيادة: فكانوا إذا أفطروا أكلوا وشربوا وجامعوا النساء ما لم يناموا أو يصلوا العشاء الأخيرة، فوقع أربعون من الأنصار فجامعوا نساءهم بعد النوم، من جملتهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذلك: أنه راود امرأته عن نفسها، فقالت: إني كنت قد نمت. وكان أحد الزوجين إذا نام حرم على الآخر، فلم يلتفت إلى قولها وجامعها، فجاءت الأنصار فأقرت على أنفسها بفعالهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقر عمر رضي الله عنه على نفسه بفعله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد كنت يا عمر جديرا أن لا تفعل) فقام يبكي.
وكان النبي يمشي بالمدينة فرأى شيخا كبيرا من الأنصار يقال له صرمة بن قيس بن أنس، من بني النجار، وكان يهادي رجلين ورجلاه تخط الأرض خطا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما لي أراك يا أبا قيس طليحا) قال أبو القاسم: والطليح الضعيف. فقال: يا رسول الله، إني دخلت على امرأتي البارحة، فقالت لي: علي رسلك أبا قيس حتى أسخن لك طعاما قد صنعته لك. فمضت لإسخانه، فحملتني عيني فنمت، فجاءتني بالطعام، فقالت: الخيبة الخيبة، حرم والله عليك طعامك وشرابك، فأصبحت صائما، وعملت في أرضي، فقد غشي علي من الضعف. فرق له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عيناه.
وكانت قصة صرمة قبل قصة عمر رضي الله عنه والأنصار، فبدأ الله - تعالى ذكره - بقصة عمر والأنصار، لأن الجناح كان في الوطء أعظم من الأكل والشرب، فنزل قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) إلى قوله (فتاب عليكم وعفا عنكم) في شأن عمر والأنصار. ونزل في قصة صرمة قوله تعالى: (وكلوا واشربوا) إلى قوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) فصارت هذه الآية ناسخة لقوله: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم).
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين).
وهذه الآية نصفها منسوخ ونصفها محكم.
وقد قرىء (يطوقونه) فمن قرأ (يطيقونه) ومن قرأ (يطوقونه) يعني يكلفونه.

(1/5)


وكان الرجل في بدء الإسلام: إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم مكان يومه مسكينا، حتى قال الله تعالى: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) فاطعم بمكان يومه مسكينين كان أفضل - والإطعام مد من طعام على قول أهل الحجاز، وعلى قول أهل العراق: نصف صاع - حتى أنزل الله الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) . وهذا الظاهر يحتاج إلى كشف، ومعناه - والله أعلم - من شهد منكم الشهر حاضرا عاقلا بالغا صحيحا فليصمه.
فصار هذا ناسخا لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه).
والآية الرابعة عشر: قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).
هذه الآية جميعها محكم، إلا قوله: (ولا تعتدوا) أي فتقاتلوا من لا يقاتلكم. كان هذا في الابتداء، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة): .وبقوله عز اسمه: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
الآية الخامسة عشر: قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه).
فصارت هذه الآية منسوخة بآية السيف.
الآية السادسة عشر: قوله تعالى: (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم).
هذا من الأخبار التي معناها وتأويلها الأمر والنهي، وتقديريه: فاعفوا عنهم واصفحوا لهم، صار هذا العفو والصفح منسوخا بآية السيف.
الآية السابعة عشر: قوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله).
نزلت في كعب بن عجرة الأنصاري، وذلك أنه قال: لما نزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أطبخ قدرا لي، والقمل يتهافت على وجهي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا كعب بن عجرة، لعلك يؤذيك هوام رأسك). فنزلت: (فمن كان مريضا أو به أذى من رأسه) ففي الكلام محذوف، وتقديره: فحلق فعليه ما في قوله عز وجل: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك).
الآية الثامنة عشر: قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين).
كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت الزكاة نسخ الله بها كل صدقة في القرآن. فقال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين).
قال أبو جعفر يزيد بن القعقاع: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن، ونسخ شهر رمضان كل صيام، ونسخ ذباحة الأضحى كل ذبح.
فصارت هذه الآية ناسخة لما قبلها.
الآية التاسعة عشر: قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه).
وذلك: أنهم كانوا يمتنعون عن القتال في الجاهلية في الأشهر الحرم، حتى خرج عبد الله بن جحش، وأمره أن يخرج إلى بطن نخلة، ولقي فيها عمرو بن الحضرمي، فقاتله وقتله، فعير المشركون المسلمين بقتل هذا الرجل لعمرو بن الحضرمي، وكان قتله في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكان ذلك ابتداء الحرب، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ثم صارت منسوخة بقوله: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) التوبة: يعني في الحل والحرام.
الآية والعشرون: قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر).
والخمر: كل ما خامر العقل وغطاه. والميسر: القمار كله.
وذلك: أن الله تعالى حرم الخمر في مواطن خمسة: أولهن قوله تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) معناها: وتتركون رزقا حسنا، وهي تعبير لهم، وظاهرها التعدد للنعم، وليس كذلك.
فلما نزلت هذه الآية امتنع عن شربها قوم، وبقي آخرون، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فخرج حمزة بن عبد المطلب وقد شرب الخمر، فلقيه رجل من الأنصار وبيده ناهج له، والأنصاري يتمثل ببيتين لكعب بن مالك في مدح قومه، وهما: جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة.
اعلم أن الله تعالى ذكره (لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم) كما روي عنه صلى الله عليه وسلم.

(1/6)


والجواب عن الآية: أنهم كانوا يبتاعونها من الشام بثمن يسير، ويبيعونها في الحجاز بالغالي، وكانت المنافع هي التي من الأرباح. وكذا قال تبارك وتعالى: (قل فيهما إثم كبير) فانتهى عن شربها قوم، وبقي قوم، حتى دعا محمد بن عبد الله بن عوف الزهري قوما، فأطعمهم وسقاهم الخمر حتى سكروا، فلما حضرت وقت صلاة المغرب، فقدموا رجلا منهم يصلي بهم، وكان أقرأهم قرآنا، يقال له أبو بكر بن أبي جعفرة، حليف الأنصار، فقرأ فاتحة الكتاب، و(قل يا أيها الكافرون) فمن أجل سكره خلط، فقال في موضع لا أعبد أعبد وفي أعبد لا أعبد، فبلغ ذلك رسول الله ي فشق عليه، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون).
فكان الرجل يشرب الخمر بعد صلاة العشاء الأخيرة ثم يرقد، فيقوم عند صلاة الفجر وقد صحا، ثم يشربها إن شاء بعد صلاة الفجر فيصحو منها عند صلاة الظهر، فإذا جاء وقت الظهر لا يشربها البتة حتى يصلي العشاء الأخيرة. حتى دعا سعد بن أبي وقاص الزهري، وقد عمل وليمة له على رأس جزور، فدعا أناسا من المهاجرين والأنصار، وأكلوا وشربوا وافتخروا وعمد رجل من الأنصار فأخذ أحد لحيي الجزور، فضرب به أنف سعد فغرزه، فجاء سعد مستعديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبون) أي فاتركوه.
وهذه الآية دلت على تحريم الخمر في القرآن، لأن الله تعالى قرنها مع المحرمات.
وقال الآخرون: موضع تحريمه عند قوله تعالى: (فهل أنتم منتهون) المائدة: .لأن المعنى: انتهوا، كما قال تعالى في سورة الفرقان: (أتصبرون) والمعنى: اصبروا، وكما قال الله تعالى في سورة الشعراء في قوم فرعون: (ألا تتقون) والمعنى: اتقوا.
فقالوا: انتهينا يا رسول الله.
وأكد تحريمها بقوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق): والإثم الخمر، قال الشاعر:
تبوأت الإثم حتى ضل عقلي ... كذلك الإثم يلعب بالعقول
وقال آخر:
تشرب الإثم بالكؤوس جهارا ... وترى المثل بيتا مستعارا
ويروى: جهارا لا مثل إلا.
فهذا تحريم الخمر وانتقاله في مواطنه.
الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: (يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو).
ومعنى العفو: الفضل من المال.
وذلك: أن الله تعالى فرض عليهم قبل الزكاة: إذا كان للإنسان مال يمسك منه درهم أو قيمته من الذهب، ويتصدق بما بقي.
وقد قيل: يمسك ثلث ماله.
وقال الآخرون: إن كان من أهل زراعة الأرض وعمارتها أمرهم أن يمسكوا ما يقيتهم حولا، ويتصدقوا بما بقي. وإن كان ممن يلي ببدنه أمسك ما يقوته يومه، ويتصدق بما بقي.
فشق ذلك عليهم، فأمر الله تعالى بالزكاة، ففرض في الأموال التي هي الذهب والفضة - إذا حال عليها الحول - ربع عشر، إذا بلغ من الذهب عشرون دينارا نصف دينار، ومن الورق مائتي درهم فيكون من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وأسقط عنهم الفضل في ذلك.
فصارت آية الزكاة، وهي قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتركيهم بها).
وبينت السنة أعيان الزكاة، من الذهب والورق والزرع والماشية.
فصارت هذه الآية ناسخة لما قبلها.
الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن).
فنسخ الله تعالى بعض أحكامه من اليهوديات والنصرانيات بالآية التي في سورة المائدة، وهي قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) والطعام الذبائح فقط (والمحصنات من المؤمنات).
وهي من عموم الآية، لأن الشرك يعم الكتابيات والوثنيات، لأن المفسرين اجتمعوا على نسخ الآية التي في سورة المائدة، غير عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فإنه يقول: الآية التي في سورة البقرة محكمة، والآية التي في سورة المائدة منسوخة. وما تابعه على هذا القول أحد.

(1/7)


فإن كانت المرأة الكتابية عاهرة لم يجز نكاحها، وإن كانت عفيفة جاز. ثم شرط مع الإباحة عدتهن، فإن كن عواهر لم يجز.
الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء).
أجمع الناس على إحكام أولها وإحكام آخرها إلا كلاما في وسطها.
وذلك: أن الله تعالى جعل عدة المطلقة ثلاثة قروء إذا كانت ممن تحيض، وإن كانت آيسة من الحيض فثلاثة أشهر، وإن كانت ممن لم تحض فمثل ذلك، والحوامل وضع حملهن، فجميع ذلك محكم. وذلك قوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك).
وذلك: أن الرجل كان يطلق المرأة وهي حاملة، وكان يخير في مراجعتها ما لم تضع، فنزلت في رجل من غفار من أشجع، يعرف بإسماعيل بن عبد الله، حنق على امرأته فطلقها وهي حامل، ثم لم يبطل حكمها باطل كما حكم المنسوخ، فكان أحق برجعتها ما لم تضع.
يقال: إنها لم تضع حتى نسخت، فنسختها الآية التي تليها وبعض الثالثة، وهو قوله تعالى (الطلاق مرتان).
فإن قال قائل: وأين الثالثة؟ قيل: قوله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) البقرة: .يروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره).
الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا).
ثم استثنى بقوله تعالى: (إلا أن يخافا) يعني: يعلما (أن لا يقيما حدود الله) وهو أن تقول المرأة: والله لا أطأ لك مضجعا، ولا أغتسل لك من الجنابة، ولا أطيع لك أمرا. فإذا قالت ذلك فقد أحل الله له الفدية، ولا يجوز له أن يأخذ أكثر مما ساق إليها من الهر، فصارت هذه الآية ناسخة لحكمها بالاستثناء.
الآية الخامسة والعشرون: قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين).
نسخ الحولين في قوله: (فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما).
فصارت هذه الآية ناسخة للحولين الكاملين بالاتفاق.
الآية السادسة والعشرون: قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج).
وذلك: أن الرجل كان إذا مات عن امرأة أنفق عليها من ماله حولا، وهي في عدته ما لم تخرج، فإن خرجت انقضت العدة ولا شيء لها.
وكانوا إذا قاموا بعد الميت حولا عمدت المرأة إلى بعرة ألقتها في وجه كلب، تخرج بد ذلك من عدتها عندهم. فنسخ الله تعالى ذلك بالآية التي قبلها في النظم، وهي قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) فصارت الأربعة أشهر والعشر ناسخة للحول.
وليس في كتاب الله تعالى آية ناسخة والمنسوخ قبلها إلا هذه الآية، وآية أخرى في سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: (لا تحل لك النساء من بعد) نسختها الآية التي قبلها: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) الآية هذه الناسخة، والمنسوخة (لا تحل لك النساء من بعد).
ونسخ النفقة بالربع والثمن، فقال: (الذين يتوفون منكم) إلى آخر الآية.
الآية السابعة والعشرون: قوله تعالى: (لا إكراه في الدين). جميعها محكم غير أولها، نسخها الله تعالى بآية السيف.
وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخلى اليهود إلى أذرعات من الشام كان لهم في الأنصار رضاع، فقال أولاد الأنصار: نخرج مع أمهاتنا أين خرجوا. فمنعهم آباؤهم، فنزلت: (لا إكراه في الدين). ثم صار ذلك منسوخا بآية السيف.
الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم).
فأمر الله بالشهادة، وقد كان جماعة من التابعين يرون أنهم يشهدون في كل بيع وابتياع، فمنهم الشعبي وإبراهيم النخعي كانوا يقولون: إنا نرى أن نشهد ولو في جرزة بقل.
نسخت الشهادة بقوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته).
الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض).
هذا محكم.

(1/8)


والمنسوخ: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أضو تخفوه يحاسبكم به الله).
الآية.
اختلف المفسرون في معناها: فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن الله يخبر الخلق يوم القيامة بما عملوا في الدنيا سرا وجهرا، فيغفر للمؤمنين ما أسروا، ويعذب الكافرين.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هي عموم في سائر أهل القيامة.
وقال المحققون: لما نزلت هذه الآية فشق نزولها عليهم، وقالوا: إنه يجول الأمر في نفوسنا؟ لو سقطنا من السماء إلى الأرض لكان ذلك أهو علينا.
وقال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نطيق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا، ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا). فلما علم الله سبحانه وتعالى تسليمهم لأمره، فنزلت: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
الآية الثلاثون: قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
علم الله تعالى ذكره أن الوسع لا يطاق، فخفف الوسع بقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
وقد قيل: إن الله تعالى نسخها بآية آخرها.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قد تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
فهذا ما ورد من المنسوخ من سورة البقرة، والله تبارك وتعالى أعلم.
سورة آل عمران
مدنية، تحتوي من المنسوخ على عشر آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (فإن أسلموا فقد اهتدوا).
هذا محكم، والمنسوخ: (وإن تولوا فإنما عليك البلاغ). نسخها آية السيف.
الآية الثانية: قوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين).
هذا محكم، والمنسوخ قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) فنسخها آية السيف.
الآية الثالثة والرابعة والخامسة: أولهن قوله تعالى: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) إلى قوله ( ولا هم ينظرون).
نزلت في ستة رهط ارتدوا عن الإسلام، ثم استثنى الله عز وجل واحدا منهم يقال له: سويد بن الصامت من الأنصار، وذلك: أنه ندم على فعاله، وأرسل إلى أهله يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم فصارت فيه توبة وفي كل نادم إلى يوم القيامة.
الآية السادسة: قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت).
قال السدي: هذا على العموم، ثم استثنى الله تعالى بعدها، فصار ناسخا. وهو قوله: (من استطاع إليه سبيلا). فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السبيل؟ فقال: هو الزاد والراحلة.
الآية السابعة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته).
وذلك: أنه لما نزلت لم يعلموا تأويلها، حتى سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ما حق تقاته؟ قال: (أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر). فشق نزولها عليهم، فقالوا: يا رسول الله، لا نطيق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا).
ونزلت بعدها: (وجاهدوا في الله حق جهاده) . فكان هذا أعظم من الأول، ومعناها: اعملوا حق عمله. وكادت عقولهم تذهل.
فلما علم الله ما قد نزل بهم من هذا الأمر يسر الله ذلك وسهله، ونزلت: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن: فصارت ناسخة لما قبلها.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى).
نسختها: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر).
الآية التاسعة: قوله تعالى: (وضما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا).
هذا محكم.
والمنسوخ: قوله تعالى: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) نسخ ذلك بقوله: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء).
الآية العاشرة: قوله تعالى: قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم) إلى قوله (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور).
نسخ ذلك بقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر).

(1/9)


سورة النساء
وهي مدنية تحتوي من المنسوخ على أربع وعشرين آية.
الآية الأولى: قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون).
إلى قوله: (قولا معروفا).
نزلت في أم كجة الأنصارية وفي ابنتيها وابني عمها.
وذلك: أن بعلها مات وخلف مالا، فأخذه ابنا أخيه ولم يعطوا البنات منه شيئا، وكان ذلك سنتهم في الجاهلية، فجاءت أمهما تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية.
ثم نسخت بقوله: (يوصيكم الله في أولادكم): فتبين معناها، وحد القسم كما هو فيها.
الآية الثانية: قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا).
اختلف المفسرون في معنى ذلك: فقالت طائفة: أمروا أن يجعلوا لليتامى والمساكين شيئا من المال، يرخصون لهم ذلك.
وقال الآخرون: أمروا أن يعطوا من المال ذوي القربي، وأن يقولوا لليتامى والمساكين قولا معروفا.
وقالت طائفة: بل نسخها الله تعالى بأية المواريث، قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا).
وذلك: أن الله تعالى أمر الأوصياء بإمضاء الوصية على ما رسم الموصي ولا يغيروها.
ثم نسخها الله تعالى بالآية التي في سورة البقرة فقال جل وعلا: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما) أي علم من موص جورا وإثما (فأصلح بينهم فلا إثم عليه) لا حرج على الموصى إليه: يأمر الموصي بالعدل في ذلك.
وكانت هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله).
الآية الرابعة: قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما).
لما نزلت هذه الآية عزل الأنصار الأيتام، فلم يخالطوهم في شيء من أموالهم، فلحق الضرر بالأيتام، فأنزل الله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم) . في الدين، في ركوب الدابة وشرب اللبن، لأن اللبن إذا لم يحلب والدابة إذا لم تركب لحق الضرر.
ولم يرخص في أكل الأموال ظلما، فقال الله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف) عن الأكل من مال اليتيم (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) النساء: ههنا القرض، فإن أيسر رد، وإن مات وليس بموسر فلا شيء عليه. فصارت هذه ناسخة لقوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما).
الآية الخامسة: قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) إلى قوله: (أو يجعل الله لهن سبيلا). كان الرجل والمرأة في بدء الإسلام إذا زنيا حبسا في بيت، فلا يخرجان منه حتى يموتا.
وهذه الآية نسخت بالسنة لا بالكتاب. وكنى الله فيها بذكر النساء عن النساء والرجال، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما على أصحابه فقال: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر مائة جلدة وتغريب عام. والثيب بالثيب الرجم).
فصارت هذه السنة ناسخة لتلك الآية.
الآية السادسة: قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما).
كان البكران إذا زنيا عيرا وشتما، فجاءت الآية التي في سورة النور وهي: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فهذا منسوخ بالكتاب.
وعلى هذه الآية معارضة، لقائل يقول: كيف بدأ الله سبحانه وتعالى بالمرأة قبل الرجل في الزنا، وبالرجل قبل المرأة في السرقة؟ والجواب عن ذلك: أن فعل الرجل في السرقة أقوى، وحيلته فيها أغلب. وفعل المرأة في الزنا أقوى، وحيلتها فيه أسبق. لأنها تحتوي على إثم الفعل وإثم المواطأة.
الآية السابعة: قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب).

(1/10)


وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حد التائبين؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (من تاب قبل موته بسنه قبل الله تعالى توبته) ثم قال: (ألا وإن ذلك لكثير) ثم قال: (من تاب قبل موته بنصف سنة قبل الله تعالى توبته). ثم قال: (ألا وإن ذلك لكثير) ثم قال: (من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته) ثم قال: (ألا وإن الشهر كثير) ثم قال: (من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته) ثم قال: (ألا وإن ذلك لكثير) ثم قال: (من تاب قبل موته بساعة قبل الله توبته). ثم قال: (ألا وإن ذلك لكثير) ثم قال: (من تاب قبل أن يغرغر قبل الله توبته). ثم تلا قوله تعالى: (ثم يتوبون من قريب) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ما كان قبل الموت فهو قريب).
فكان خبره في هذه الآية عاما.
ثم احتجوا للتوبة في الآية التي بعدها على أهل المعصية، فقال تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) . فنسخت في أهل الشرك، وبقيت محكمة في أهل الإيمان.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف).
للناس أقاويل: قالت طائفة: هي محكمة، وقالت: معناها: لكن ما قد سلف فقد عفوت عنه.
ومن قال: إنها منسوخة، قال: يكون معناها: وإلا ما قد سلف فانزلوا عنه.
وعلى هذا العمل.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) . ثم استثنى بقوله تعالى: (إلا ما قد سلف).
الآية العاشرة: قوله تعالى في متعة النساء: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة).
وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلا في أسفاره، فشكوا فيه إليه بعد، فلما نزل خيبر حرم متعة النساء وأكل لحم الحمير الأهلية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني كنت أحللت لكم هذه المتعة، ألا وإن الله ورسوله قد حرماها عليكم، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب).
فنسخ هذه الآية ذكر ميراث الربع والثمن، ولم يكن لها نصيب في ذلك. وتحريمها موضع حرمان الربع والثمن.
وقال هذا ابن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: تحريمها في سورة المؤمنين، عند قوله: (والذين هم لفروجهم حافظن. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) إلى قوله تعالى: (فأولئك هم العادون) ثلاث آيات فنسخها الله تعالى بهذه الآية.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم).
وذلك: أن هذه الآية لما نزلت قالت الأنصار: إن الطعام من أفضل الأموال، لأن به تقوم الهياكل. فتحرجوا أن يؤاكلوا الأعمى والأعرج والمريض، ثم قالوا: إن الأعمى لا ينظر إلى أطايب الطعام، أي لا يتمكن في المجلس فيتهنى بأكله. وإن المريض لا يسبقنا في الأكل مع البلع، فامتنعوا من مواكلتهم، حتى أنزل الله تعالى ذكره في سورة النور (ليس على الأعمى حرج) ومعناها: ليس على من أكل مع الأعمى من حرج، والحرج مرفوع عنه، وهو في المعنى عن غيره (ولا على الأعرج حرج) أي ولا على من أكل مع الأعرج من حرج (ولا على المريض حرج) فصارت هذه الآية ناسخة لما وقع في حرجهم.
قال الشيخ رضي الله عنه: قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) اللفظ للأعمى والمراد لغيره.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم).
كان الرجل في الجاهلية في أول بدء الإسلام يعاقد الرجل فيقول: ديني دينك، وهديي هديك، فإن مت قبلك فلك من ماني كذا وكذا. شيئا يسميه، فكانت هذه سنتهم في الجاهلية، فإن مات ولم يسم أخذ من ماله سدسه، فأنزل الله في آية أخرى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) الأنفال: فنسخت هذه الآية كل معاقدة ومعاهدة كانت بينهم.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى).

(1/11)


وذلك: أن الله تعالى حرمها عليهم في أوقات الصلاة، وقد ذكر في سورة البقرة، ثم نسخ تحريمها في وقت دون وقت بقوله تعالى: (فاجتنبوه لعلكم تفلحون).
وقال الآخرون: نسخها بقوله: (فهل أنتم منتهون).
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: (فأعرض عنهم وعظهم).
هذا مقدم ومؤخر، معناه: فعظهم وأعرض.
كان هذا في بدء الإسلام، ثم صار الوعظ والإعراض منسوخا بآية السيف.
الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما).
نسخ ذلك بقوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأزيدن على السبعين).
فأنزل الله عز وجل: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). المنافقون: وصار ناسخا لما قبله.
الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا).
فالثبات: العصب المتفرقون.
صارت الآية التي في سورة التوبة ناسخة لها، وهي قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة).
الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) هذا محكم.
(ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) نسخت بآية السيف.
الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: (فأعرض عنهم) منسوخ.
(وتوكل على الله) هذا محكم.
نسخ المنسوخ بآية السيف.
الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك).
نسخة بآية السيف.
الآية العشرون: قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) إلى قوله: (فما جعل الله لكم عليهم سبيلا).
نسخ بآية السيف.
الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: (ستجدون آخرين).
نسخ أيضا بآية السيف.
الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن).
إلى قوله تعالى: (فما جعل الله لكم عليهم سبيلا).
نسخ ذلك بقوله عز وجل: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين.
الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا).
وذلك: أن مقيس بن أبي صبابة التيمي قتل قاتل أخيه بعد أخذ الدية، ثم ارتد كافرا، فلحق بمكة، فأنزل الله تعالى فيه الآية.
وأجمع المفسرون من الصحابة والتابعين على نسخ هذه الآية إلا عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، فإنهما قالا: إنها محكمة.
قال أبو القاسم المؤلف رحمه الله: والدليل على هذا تكاثف الوعيد فيها.
وروى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه ناظر ابن عباس فقال: من أين لك أنها محكمة؟ فقال ابن عباس: تكاثف الوعيد فيها. وكان ابن عباس مقيما على أحكامها، فقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: نسخها الله تعالى بآيتين: آية قبلها، وآية بعدها في النظم: قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) إلى قوله: (فقد افترى إثما عظيما).
وبآية بعدها في النظم، وهي قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) إلى قوله (فقد ضل ضلالا بعيدا).
وقال المفسرون: نسخها الله تعالى بقوله: (والذين لا يدعون مع الله إلاها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم) إلى قوله تعالى: (ويخلد فيه مهانا). ثم استثنى بقوله: (إلا من تاب).
الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).
إلى قوله: (نصيرا).
ثم استثناه فقال: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين).
وفي نسخة أخرى: (فما لكم في المنافقين فئتين) فنسخها بآية السيف.
سورة المائدة

(1/12)


نزلت في المدينة، إلا آية منها فإنها نزلت بمكة أو غيرها.
تحتوي من المنسوخ على تسع آيات.
أولهن: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ى تحلوا شعائر الله) إلى قوله: (ولا الهدي ملا القلائد) هذا محكم.
والمنسوخ: قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) إلى قوله (رضوانا) هذا منسوخ.
وباقي الآية محكم.
نسخ المنسوخ منها بآية السيف.
وذلك: أن الخطيم - واسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل البكري - جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا محمد، أعرض علي دينك. فعرض عليه الدين، فقال: أرجع إلى قولي فأعرض عليهم ما قلته، فإن أجابوني كنت معهم وأن أبوا علي كنت معهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر). فمر بسرح لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه، فخرج المسلمون في إثره فأعجزهم.
فلما كانت عمرة القضية وهي العام السابع، فسمع المسلون تلبية الكافرين، وكانت كل طائفة من العرب تلبي على حدتها، فسمعوا بني بكر بن وائل تلبي ومعهم الخطيم، فلما أراد النبي أن يغير عليه أنزل الله ذلك، وهو قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا) يعني الفضل في التجارة، ورضوانا: أي رضاه، وهو لا يرضى عنهم، فصار ذلك منسوخا بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاعف عنهم واصفح).
نزلت في اليهود، ثم نسخ العفو والصفح بقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).
الآية الثالثة: قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله).
نسخها الله تعالى بالاستثناء: (إلا الذين تابوا من قبل أضن تقدروا عليهم).
الآية الرابعة: قوله تعالى: (فإن جاؤوك فاحكم بينهم أضو أعرض).
اختلف المفسرون على وجهين: فقال الحسن البصري والنخعي: هي محكمة، خير بين الحكم والإعراض.
وقال مجاهد وسعيد: تنسخها الآية التي بعدها: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم).
الآية الخامسة: قوله تعالى: (ما على الرسول إلا البلاغ).
نسخ ذلك بآية السيف.
الآية السادسة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم).
فهذا منسوخ، وباقيها محكم.
وقال أبو عبد الله القاسم بن سلامة، أبو المؤلف: ليس في كتاب الله آية جمعت الناسخ والمنسوخ إلا هذه الآية.
قال الشيخ أبو القاسم المؤلف رحمه الله: ولي كما قال، هذه وغيرها.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية، فقال: (يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، والذي نفسي بيذه لتؤمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعقابه، أو: تدعون فلا يجاب لكم).
والناسخ منها قوله: (إذا اهتديتم) والهدى ههنا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الآية السابعة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) إلى قوله (ذوا عدل منكم).
والمنسوخ: (أو آخران من غيركم).
كان في أول الإسلام تقبل شهادة اليهود والنصارى سفرا ولا تقبل في الحضر. وذلك: أن تميما الداري وعدي بن زيد الأنصاريين أرادا أن يركبا البحر، فقال لهما قوم من أهل مكة: إنا نخرج معكما مولى لنا نعطيه بضاعة، وهم آل العاصي، وبضعوه بضاعة وأخرجوه معهما، فعمدا إلى ما معه فأخذاه منه وقتلاه، فلما رجعا إليهم قالوا: مولانا، ما فعل؟ قالوا: مات. قالوا: فما كان من ماله؟. قالوا: ذهب. فخاصموهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل اله هذه الآية: (أو آخران من غيركم) إلى آخر الآية.
ثم صار ذلك منسوخا بقوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم). فصارت شهادة الذميين ممنوعة في السفر والحضر.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (فإن عثر على أنهما) أي علم واطلع على أنهما (استحقا إثما) يعني الشاهدين الأولين (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان).

(1/13)


وذلك: أن عدي بن زيد - مولى عمرو بن العاص - وتميم بن أوس الداريين، عمدا إلى مولى لابن العاصي فقتلاه وأخذ ماله، ثم شهد لهما شاهدان أنهما ما أخذا شيئا، وظهر لهما بعد ذلك ثوب وجد بمكة يباع في السوق بالليل، فقبضوا على المنادي وقالوا: من أي لك هذا؟ فقال: دفعه تميم الداري وعدي بن زيد. فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشهد على الشاهدين الأولين شاهدان، فيبطل به شهادة الأولين.
وهذا في غير شهادة الإسلام.
ثم ذلك منسوخ بالآية التي في سورة النساء من قوله تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) . فبطلت شهادة الذميين في السفر والحضر.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها) أي على حقيقتها (أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) إلى ههنا منسوخ، والباقي محكم.
نسخ المنسوخ منها لقوله (وأشهدوا ذوي عدل منكم).
سورة الأنعام
نزلت بمكة، إلا تسع آيات منها.
تحتوي من المنسوخ على خمسة عشرة آية: الآية الأولى: قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم).
نسخت قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر).
الآية الثانية: قوله تعالى: (وكذب به قومك وهو الحق).
والمنسوخ قوله: (لست عليكم بوكيل) نسخ المنسوخ منها بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) إلى قوله: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون) كان ذلك في أول الأمر.
نسخ ذلك بقوله: (فلا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره).
الآية الرابعة: قوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا).
يعني اليهود والنصارى.
نسخها الله تعالى بقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر).
الآية الخامسة: قوله تعالى: (قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون).
منها محذوف وتقديره: قل الله أنزله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون.
فأمر الله بالإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف.
الآية السادسة: قوله تعالى: (فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ).
نسخت بآية السيف.
الآية السابعة: قوله تعالى: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إلى إلا هو).
نسخ ذلك بآية السيف.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل).
نسخ بآية السيف.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (ولا تسبوا الذي يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم).
نهاهم الله تعالى عن سب المشركين بما هو ظاهر الأحكام. وباطنها باطن المنسوخ، لأن الله تعالى أمر بقتلهم، والسب يدخل في جنب القتل، وهو أغلظ وأشنع.
نسخ ذلك بآية السيف.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه) هذا محكم، والمنسوخ: (فذرهم وما يفترون).
نسخ بآية السيف.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).
نسخ ذلك بقوله عز وجل في سورة المائدة: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم).
والطعام ههنا الذبح.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل) إلى قوله (إنه لا يفلح الظالمون).
نسخ ذلك بآية السيف.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: (فذرهم وما يفترون).
نسخ ذلك بآية السيف.
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: (قل انتظروا إنا منتظرون).
نسخ ذلك بآية السيف.
وقد اختلف المفسرون في قوله: (فذرهم وما يفترون): فقالت: هو على طريق التهديد.
وقالت الأخرى: بل هو منسوخ بآية السيف.
وآية السيف نسخت من القرآن مائة آية وأربعا وعشرين آية.
سورة الأعراف

(1/14)


نزلت بمكة إلا آية واحدة وهو قوله تعالى: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) إلى قوله (وإنه لغفور رحيم) نزلت في اليهود بالمدينة.
وهي تحتوي على آيتين منسوختين.
الآية الأولى: قوله تعالى: (وأملي لهم).
موضع (أملي) ههنا: أي خل عنهم ودعهم. وباقي الآية محكم.
نسخ منها ما نسخ بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (خذ العفو).
هذا منسوخ، يعني: الفضل من أموالهم، نسخ بآية الزكاة.
وهذا الآية أعجب المنسوخ، لأن أولها منسوخ، وأوسطها محكم، وآخرها منسوخ: قوله: (وأعرض عن الجاهلين) نسخ بآية السيف.
وأوسطها: (وأمر بالعرف): العرف: المعروف، فهذا محكم.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن جبريل آتاه فقال له: يا محمد، إني جئتك بمكارم الأخلاق من ربك، قال: وما ذلك؟ فقال: الله يأمرك أن تفيء: (خذ العفو) . قال: وما معنى ذلك يا جبريل؟ فقال جبرائيل عليه السلام: يقول: صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك).
وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قال: أمر أن يأخذ الأخلاق بالعفو عن الناس.
فهذا ما ورد فيها، والله أعلم.
سورة الأنفال
نزلت في المدينة إلا آيتين منها، وهما: قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك).
وقوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين).
وروي أن النضر بن الحرث دعا: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) فأنزل الله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين).
وهي تحتوي من المنسوخ على ستة آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال) والأنفال: الغنائم، و (عن) هذه صلة في الكلام، تقديره: يسألونك الأنفال، قال الله تعالى: (قل الأنفال لله والرسول).
وإنما سألوه أن ينفلهم الغنيمة، وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ضعفهم وقلة عدتهم يوم بدر، فقال مرغبا ومحرضا: (من قتل قتيلا فله سلبه، ومن أسر أسيرا فله فداؤه).
فلما وضعت الحرب أوزارها نظر في الغنيمة، فإذا هي أقل من العدد، فنزلت هذه الآية.
ثم صارت منسوخة بقوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول).
الآية الثانية: قوله تعالى: (وما كان ليعذبوك وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون).
ثم نزلت من بعدها آية ناسخة لها، وهي التي تليها، فقال (وما لهم ألا يعذبهم الله).
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها).
إلي ههنا منسوخ، وباقي الآية محكم.
نزلت في اليهود، ثم صارت منسوخة بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله: (وهم صاغرون).
الآية الرابعة: قوله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال).
هذا محكم، والمنسوخ: قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين) إلى آخر الآية. فكان فرضا على الرجل أن يقاتل عشرة، فمتى تنافر عمن دونها كان مولي الدبر، فعلم الله عجزهم، فيسر وخفف، فنزلت الآية التي بعدها، فصارت ناسخة لها، فقال الله فيسر وخفف، فنزلت الآية التي بعدها، فصارت ناسخة لها، فقال الله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا).
والتخفيف لا يكون إلا من ثقل، فصار فرضا على الرجل أن يقاتل.
رجلين، فإن هزم من أكثر لم يكن موليا، بدليل ظاهر الآية.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا).
وكانوا يتوارثون بالهجرة لا بالنسب، ثم قال: (إلا تفعلون تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فتوارثوا بالنسب.
الآية السادسة: قوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) إلى قوله تعالى: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض).

(1/15)


فكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحياء من العرب مواعدة: لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وإن احتاج إليهم عاونوه، وإن احتاجوا إليه عاونهم. فصار ذلك منسوخا بآية السيف.
وقد روي في قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) أنها منسوخة، نسخت بقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة).
وذهب آخرون: إلى أنها وعيد وتهديد.
سورة التوبة
نزلت بالمدينة، وهي آخر التنزيل.
تحتوي على أحدى عشرة آية منسوخة: الآية الأولى: قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله) إلى قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) الآية، والتي قبلها.
نزلت هذه الآية فيمن كان بينه وبينهم موادعة، جعل مدتهم أربعة أشهر، من يوم النحر إلى عشر من شهر ربيع الآخر، وجعل موادة من لم يكن بينهم وبينه عهد خمسين يوما، وهو من يوم النحر إلى آخر المحرم. وهو تفسير قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) يعني المحرم وحده. ثم صار منسوخا بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
الآية الثانية والثالثة: هي الآية الناسخة، ولكن نسخت من القرآن مائة آية وأربعا وعشرون آية.
ثم صار آخرها ناسخا لأولها، وهي قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم).
الآية الرابعة: قوله تعالى: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم).
نسخت بقوله: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
الآية الخامسة: قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم).
والآية السادسة: التي تليها.
نسخت بالزكاة المفروضة، فبينت السنة أعيانها.
الآية السابعة والثامنة: قوله تعالى: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما).
وقوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا).
نسخت جميعها بقوله: (وضما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) الآية.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (لا يستأذنوك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر).
نسخت قوله تعالى: (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم).
الآية العاشرة: قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم).
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأزيدن على السبعين).
فنسخها الله تعالى بقوله: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم).
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما).
وقد قيل: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا) نسخها الله تعالى بقوله: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر).
سورة يونس عليه السلام
نزلت بمكة، غير آيتين، ويقال: ثلاث آيات، والله أعلم، نزلت في أبي بن كعب.
وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبي بن كعب، إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن). فقال أبي: يا رسول الله، وقد ذكرت هنالك؟ فقال: (أي، عينك الوحي لي) فبكى، فنزلت فيه: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا). وهي فخر وشرف لأبي، وحكمها باق في غيره.
والآية التي تليها ذم لقوم، لأنهم حرموا ما أحل الله لهم، فصار حكمها فيمن يفعل مثل ذلك إلى يوم القيامة.
وهي أول ما نزلت من القرآن.
تحتوي على ثمان آيات من المنسوخ: الآية الأولى: قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم).
نسخت بقوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر).
الآية الثانية: قوله تعالى: (لولا أنزل عليه آية من ربه) إلى قوله: (من المنتظرين).
نسخت بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (فإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم).
الآية كلها نسخت بآية السيف.

(1/16)


الآية الرابعة: قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك).
نسختها آية السيف.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
نسخت بآية السيف.
الآية السادسة: قوله تعالى: (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم).
نسخت بآية السيف.
الآية السابعة: قوله تعالى: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم وما أنا عليكم بوكيل).
نسختها بآية السيف.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (واصبر حتى يحكم الله). نسخت بآية السيف.
سورة هود عليه السلام
نزلت بمكة، غير آية نزلت بالمدينة في نبهان التمار، وهي قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) والآية التي تليها.
وهي تحتوي من المنسوخ على أربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل).
نسخ معناها - لا لفظها - بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها).
نسخت بقوله: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد).
الآية الثالثة والرابعة: قوله تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون) والآية التي تليها.
نسخت بآية السيف.
سورة يوسف عليه السلام
نزلت بمكة، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الرعد
واختلف أهل العلم في تنزيلها: فقيل: بمكة.
وقال قتادة وجماعة: نزلت بالمدينة.
وهي - والله أعلم - إلى تنزيل المدينة أشبه، لأن فيها قصة أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل، وكان شأنهما بالمدينة، وقدومهما على النبي صلى الله عليه وسلم وما لحق أربد من الصاعقة، وكيف ابتلى الله عامر بن الطفيل بعده في علة، فمات وهو يقول: غدة كغدة البعير، ولم تزل به العلة حتى مات، وعجل الله بروحه إلى النار.
وكانا قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتله أحدهما، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، أتبعك على أنك تكون على المدر وأكون أنا على الوبر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا) قال: فتكون أنت على الخيل وأكون أنا على الرجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا). قال: فعلى ماذا أتبعك؟ قال: (تكون رجلا من المسلمين، لك ما لهم وعليك ما عليهم). قال: أكون كسلمان وعمار وابن مسعود فقراء أصحابك؟ قال له النبي صلى الله علي وسلم: (إن شئت). فقال عامر: واللات والعزى إلا ملأتها عليك خيلا ورجلا. ثم خرجا من عنده، فقال له أربد: لقد عجلت، ولكن ارجع إليه فحدثه أنت وتخدعه حتى تشغله، فأقتله أنا، وإلا أنا أحدثه وأشغله فتقتله أنت. قال: أفعل. فدخلا عليه ثانيا، فقال له عامر: أعرض علي أمرك ثانيا. فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أمره الأول، وحادثه طويلا، وعامر ينتظر أربد وهو لا يصنع شيئا. فلما طال على عامر ذلك قام فخرج، ولحقه أربد، فقال له عامر: ويحك، قلت لي حدثه حتى تشغله وأقتله أنا، وما رايتك صنعت شيئا؟ قال له: أخذني من مجامع قلبي، فشغلني عما أردت. ثم خرجا من عنده، فأما أربد فأصابته في البرية الصاعقة فهلك، وعاد عامر وبه غدة كغدة البعير، فلم يزل يصيح منها ويقول: يذهب سيد مثلي بهذا في بيت امرأة؟ ولم يزل كذلك حتى عجل الله بروحه إلى النار.
وهي تحتوي من المنسوخ على آيتين: آية مجمع عليها، وآية مختلف فيها: فالمختلف فيها: قوله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم).
نسخت بقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) والظلم ههنا الشرك.
وقال السدي: إنما هو إخبار من الله تعالى وتعطف على خلقه.
والآية المجمع عليها: قوله تعالى: (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب).
نسخت بآية السيف.
سورة إبراهيم عليه السلام
نزلت بمكة، غير آية، وهي قوله تعالى: (أل تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) إلى قوله تعالى: (فأن مصيركم إلى النار) نزلت في أهل بدر في قتالهم وأسراهم.

(1/17)


وهي محكمة عند الناس كلهم، إلا في قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال فيها: آية منسوخة، وهي قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). هذا محكم، والمنسوخ قوله تعالى: (إن الإنسان لظلوم كفار).
نسخت بقوله: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله غفور رحيم).
سورة الحجر
نزلت في مكة.
تحتوي من المنسوخ على خمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا).
نسخت بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل).
نسخت بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به).
هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم صار ذلك منسوخا بآية السيف.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (وقل إني أنا النذير المبين).
نسخ معناها - لا لفظها - بآية السيف.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) هذا محكم.
وهذه الآية نصفها منسوخ، فالمنسوخ قوله تعالى: (وأعرض عن المشركين).
نسخ المنسوخ منها بآية السيف.
سورة النحل
نزلت من أولها إلى رأس أربعين آية بمكة، ومن رأس الأربعين إلى آخرها نزلت بالمدينة.
وتحتوي من المنسوخ على أربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا). أي وتقولون عنه الرزق الحسن.
وهذه الآية ظاهرها ظاهر تعداد النعمة، وباطنها توبيخ وتعبير.
نسخت بالآية التي في سورة المائدة وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والإزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون).
وموضع التحريم قوله تعالى: (فاجتنبوه).
وقيل: موضع التحريم قوله: (فهل أنتم منتهون).
الآية الثانية: قوله تعالى: (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ). نسخت بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه) ثم استثنى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان).
نسخها آخرها، ويقال: آية السيف.
وقيل: نزلت في فقراء المسلمين، كان المشركون يعذبونهم، ثم نسخها بقوله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان).
الآية الرابعة: قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) . منسوخ، نسختها آية السيف.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (واصبر) نسخ الصبر بآية السيف.
سورة بني إسرائيل
نزلت بمكة، إلا أية منها فإنها نزلت بالمدينة.
وتحتوي من المنسوخ على ثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) إلى قوله (وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا) فإنها نسخ بعض معاني ألفاظها: فقال: بعض المفسرين: نسخ من دعائها أهل الشرك.
فقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) هذا محكم.
وقوله تعالى: (وبالوالدين إحسانا) هذا واجب، إلى قوله: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما).
هذا في أهل القبلة وفي غير أهل القبلة.
وكذلك قوله: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).
يقول: إذا بلغا من الكبر، فوليت من أمرهما ما كانا يليات من أمرك في حال الصغر، فلا تقل لهما عند ذلك: (أف ولا تنهرهما).
وذلك: أن جميع الآيتين معانيهما في أهل الشرك، إلا إذا مات الأبوان على الشرك، فليس للولد أن يترجم عليهما ولا يدعو لهما.
الآية الثانية: قوله تعالى: (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا).
نسختها آية السيف.
الآية الثالثة: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى) هذا محكم.

(1/18)


(ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا). وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة سمع المشركون قراءته، فيسبون القرآن، فنهاه الله تعالى أن يجهر بقراءة القرآن فلا يسمع.
ثم نسختها الآية التي في سورة الأعراف وهي قوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة).
سورة الكهف
نزلت بمكة بإجماعهم.
وأجمع أهل العلم أن ليس فيها ناسخ ولا منسوخ إلا قول السدي إذ قال: فيها آية منسوخة، وهي قوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) لأن عنده هذا تخيير.
وعند جماعة: هذا تهديد ووعيد.
نسخها عنده قوله تعالى: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
سورة مريم
نزلت بمكة إلا آيتين، وهما قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) والتي تليها: (إلا من تاب وآمن).
تحتوي من المنسوخ على خمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر).
نسخ الإنذار منها بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فسوف يلقون غيا).
الغي: واد في جهنم. ثم استثنى قوله: (إلا من تاب).
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها).
نسخت بقوله: (ثم ننجي الذين اتقوا).
الآية الرابعة: قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا).
نسخ معناها بآية السيف.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (فلا تعجل عليهم) وقوله: (إنما نعد لهم عدا) هذا محكم.
ونسخ المنسوخ بآية السيف، وهو (فلا تعجل عليهم).
؟سورة طه نزلت بمكة، والإحكام فيها كثير.
تحتوي من المنسوخ على ثلاث آيات: الأولى: قوله تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما).
هذا محكم، وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى بأصحابه وقرأ سورة النجم، وانتهت قراءته إلى قوله: (أفرأيتم اللات والعزى. ومنات الثالثة الأخرى) وأراد أن يقول: (ألكم الذكر وله الأنثى). فقال الشيطان: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجي. ثم مضى في قراءته حتى ختم السورة. فقالت قريش: قد صبأ إلى ديننا، فسجدوا حتى لمي بق بمكة متأخر غير الوليد بن المغيرة، فإنه أخذ كفا من خصا المسجد، فرفعه إلى وجهه، تكبرا. فأنزل الله عز وجل جبريل عليه السلام: ما هكذا أنزلت عليك. فقال: (وكيف أنزلت علي) فأخبره بالقرآن على حقيقته، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحزن لذلك، فأنزل الله عز وجل تسلية له: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) وبينها - والله أعلم - بإمرة حكيم بصنعه وتدبيره.
قال: ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بقوله: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أضن يقضى إليك وحيه) ونزل: (لا تحرك به لسانك لتجعل به. إن علينا جمعة وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) فبقي مرتين لا يقدر أن يقرأه مع جبريل عليه السلام، ولا يمكن أن يخالف الأمر، حتى أنزل الله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) فصار هذا ناسخا لما كان قبلها، فلم ينس شيئا حتى لقي ربه.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك).
وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض، ثم صار ذلك منسوخا بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (قل كل متربص فتربصوا).
كلها منسوخة بآية السيف.
سورة الأنبياء عليهم السلام
نزلت بمكة، حرسها الله تعالى.
تحتوي على ثلاث آيات منسوخات متصلات: فالمنسوخات: قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون حصب جهنم أنتم لها واردون) إلى قوله: (وهم فيها لا يسمعون).

(1/19)


فقالت قريش: لقد خصمنا محمد بالأمس، حيث تلا هذه الآية. فقال لهم ابن الزبعري: أنا أخاصم محمدا بهذه الآية. فقالوا: كيف تخصمه؟ فقال: قلت: إن اليهود قد عبدت عزيزا، والنصارى عبدت المسيح ومريم، وقالوا: ثالث ثلاثة، والمجوس عبدت النار والنور والشمس والقمر، والصابئات عبدت الكواكب، ويكون هؤلاء مع من عبدوهم في النار؟ فقد رضينا أن نكون مع أصنامنا في النار.
فأنزل الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) إلى قوله تعالى: (هذا يومكم الذي كنتم توعدون).
وفيها رواية أخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (عجبت من جهلكم بلغتكم، أن حملكم على كفركم؟ قال الله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) ولم يقل: ومن تعبدون).
لأن ما خطاب لما لا يعقل، ومن خطاب لمن يعقل، والله أعلم بالصواب.
سورة الحج
وهي من أعاجيب سور القرآن، لأن فيها ليليا ونهاريا، ومكيا، ومدنيا، وسفريا وحضريا، وحربيا وسلميا، وناسخا ومنسوخا، ومتشابها.
والعدد فيها مختلف: فعدها الشاميون: أربعا وسبعين آية.
وعدها المدنيون: ستا وسبعين آية.
وعدها البصريون: خمسا وسبعين آية.
وعدها المكيون: سبعا وسبعين آية.
وعدها الكوفيون: ثمانا وسبعين آية.
فأما المكي: فمن رأس خمس وعشرين آية إلى آخرها.
وأما المدني: فمن رأس خمس وعشرين إلى راس ثلاثين.
وأما الليلي: فمن أوله وآخرها خمس آيات.
وأما النهاري: فمن راس خمس إلى تسع آيات.
وأما السفري: فمن رأس تسع إلى اثني عشر آية.
وأما الحضري: فمن أولها إلى رأس العشرين، ينسب إلى المدنية لقرب مدته.
تحتوي من المنسوخ على ثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) . وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه بمكة، وقرأ بهم سورة والنجم، حتى انتهت قراءته إلى قوله: أفرأيتم اللات والعزى. ومنات الثالثة الأخرى. ألكم الذكر وله الأنثى) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى. فجاء جبريل عليه السلام وقال: ما هكذا نزلت عليك، فنسخها الله تعالى بقوله: (سنقرئكض فلا تنسى).
وقد بينا شرحها في سورة طه.
وجد في نسخة أخرى آية منسوخة، وهي قوله تعالى: (يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) بمعنى الإنذار، بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعلمون).
نسختها آية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده).
نسخها قوله: (فاتقوا الله ما استطعتم).
سورة المؤمنين
نزلت بمكة.
تحتوي من المنسوخ آيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين).
نسختها آية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن).
نسختها بآية السيف.
سورة النور
نزلت بالمدينة.
وفيها من المنسوخ سبع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة).
نسخت بالاستثناء، وهو قوله تعالى: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك).
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي بكرة: إن شئت قبلت شهادتك.
وقد ذهب آخرون إلى أن شهادة القاذف لا تقبل.
الآية الثانية: قوله تعالى: (الزاني لا ينكه إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك).
وقد اعترض على قوله (الزاني لا ينكح إلا زانية).
فقالت طائفة: قدم ذكر السارق على السارقة، لأن فعل الرجل في السرقة أقوى، وحكمه أغلب من الرجل. وقدم ذكر الزانية على الزاني، لأنها تحتوي إثم الفعل وإثم المواطأة.
نسختها الآية التي بعدها من قوله: (وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم).
وقد اختلف أهل العلم في الزانية إذا زنت: هل تحرم على زوجها أم لا؟ فقال الأكثرون: لا تحرم عليه.

(1/20)


وقال الآخرون: إذا وقع الزنى قبل العقد لم يزالا زانيين أبدا.
وقال الأكثرون من الصاحبة والتابعين: يجب لهما جميعا إذا زنيا قبل العقد أن يتوبا، بقوله تعالى: قوله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا).
وقال الضحاك بن مزاحم: مثلهما كمثل رجل دخل بستانا أخذ منه شيئا غصبا، ثم عاد ليبتاع منه شيئا بثمنه، وكان ما أخذه غصبا حراما وما ابتاعه حلالا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إذا فسد الأصلي فسد الفرع.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم).
نزلت في عاصم بن عدي الأنصاري، وكان مقدما في الأنصار، وذلك: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، الرجل يدخل بيته، فيجد مع امرأته رجلا، فإن عجل عليه فقتله قتل به، وإن شهد عليه أقيم عليه الحد، فما يصنع يا رسول الله؟ فما كان إلا أيام يسيرة حتى أبلي رجل من أهل عاصم بهذه البلية، فجاء عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هاربا، فقال: يا رسول الله، لقد ابتلي بهذه البلية رجل من أهل بيتي. فأنزلت هذه الآية. قال الله تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) فنزلت الملاعنة.
وصورتها: أن يجيء الرجل فيشهد على امرأته بالزنا، فيقعد بعد العصر في محفل من الناس، أو بعد صلاة من الصلوات، فيحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق فيما رماها به، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم ينزل من موضع ارتقى عليه، وتصعد امرأته، فتحلف أربعة أيمان بالله: أن زوجها كاذب فيما قذفها به ورماها به.
وإذا فعل ذلك فرق بينهما بغير طلاق، ولم يجتمعا بعد ذلك أبدا.
وإن جاءت بحمل لم يلحق الزوج منه شيء، وتكون هي أبا ولدها.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر أقيم الحد على الناكل.
وإن نكلا جميعا أقيم الحد عليهما جميعا.
والحد في مذهب أهل الحجاز: الرجم.
والحد في مذهب أهل العراق: الجلد.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها).
هذا مقدم ومؤخر، معناه: حتى تسلموا وتستأنسوا. والاستئناس ههنا الإذن بعد السلام.
ثم نسخت من هذه الآية البيوت الخليات، مثل: الربط، والخانات، والحوانيت. فقال: (ليس عليكم جناح أضن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم).
الآية الخامسة: قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن).
ثم نسخ من الآية بقوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا وليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة).
وهي التي تضع الجلباب والخمار. قال: (وأن يستعففن خير لهن).
الآية السادسة: قوله تعالى: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم).
نسختها آية السيف.
وباقي الآية محكم، والله أعلم.
الآية السابعة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لضم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات).
نسختها الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم).
سورة الفرقان
نزلت بمكة وفيها من المنسوخ آيتان متلاصقتان: قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى قوله: (ويخلد فيه مهانا).
ثم نسخها الله تعالى بالاستثناء، قال: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات(.
واختلف المفسرون في التبديل. أيقع في الدنيا أم في الآخرة؟ فقالت طائفة: التبديل في الدنيا، يصير مكان الإصرار على الذنب الإقلاع، ومكان المعصية التوبة، ومكان الإقامة على الذنب الاعتذار منه.
وقال الآخرون: التبديل يقع في الآخرة، وهو قول علي بن الحسن وجماعة.

(1/21)


وقد روي عن محمد بن واسع أنه قال: يستوي في أن ألقى الله عز وجل بقراب الأرض خطايا أكون منها تائبا، أو علي منها مغفرة، ثم تلا هذه الآية: (إلا من تاب).
سورة الشعراء
نزلت بمكة، إلا أربع آيات في أخرها نزلت بالمدينة في شعراء الجاهلية.
ثم استثنى منهم شعراء المسلمين، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، فقال تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا).
والذكر ههنا الشعر في الطاعة، فصار الاستثناء ناسخا له من قوله: (والشعراء يتبعهم الغارون).
سورة النمل
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، وهي قوله تعالى: (وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين). نسخ معناها - لا لفظها - بآية السيف.
سورة القصص
نزلت بمكة، إلا آية واحدة نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين).
نسخت بآية السيف.
وهذه السورة هي من السور التي تتوالى: نزلت في النصف الأول: يونس، وهود، ويوسف، متواليات.
ونزل في النصف الثاني: الشعراء، والنمل، والقصص، متواليات.
وليس في القرآن غير هذه متواليا إلا الحواميم، فإنها نزلت على التوالي.
وهي محكمة، غير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) هذا محكم.
والمنسوخ: قوله تعالى: (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) نسخت بآية السيف.
سورة العنكبوت
نزلت من أولها إلى رأس العشرة بمكة، ومن رأس العشرة إلى آخرها بالمدينة.
ففيها من المنسوخ آية واحدة، وهي قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم).
نسخها قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).
وفيها آية منسوخة معناها لا لفظها، وهي قوله تعالى: (إنما الآيات عند الله وإنما نذير مبين) فنسخ الله تعالى النذارة بآية السيف.
سورة الروم
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، قوله تعالى: (فاصبروا إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون).
نسخ آية السيف.
سورة السجدة
نزلت بمكة.
وفيها آية واحدة من المنسوخ، وهي قوله تعالى: (فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون).
نسختها آية السيف.
سورة الأحزاب
نزلت بالمدينة إلا آيتين، وهي قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا).
وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم).
نسختها آية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد) وهي من أعاجيب المنسوخ، نسخها الله بآية قبلها في النظم، وهي قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك).
سورة سبأ
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، وهي قوله تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعلمون).
منسوخة عندهم بآية السيف.
سورة الملائكة
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، نسخ معناها - لا لفظها - بآية السيف، وهي قوله تعالى: (إن أنت إلا نذير).
سورة يس
نزلت بمكة.
وهي لا منسوخ فيها.
وقد ذهب قوم: أن فيها آية واحدة من المنسوخ، وهي قوله تعالى: (فلا يحزنك قولهم).
نسخت بآية السيف.
والأولى الأول، والله أعلم.
سورة الصافات
نزلت بمكة.
وفيها أربع آيات منسوخات مدنيات، منها آيتان متصلتان وآيتان منفصلتان: قوله تعالى: (وتول عنهم حتى حين. وأبصر فسوف يبصرون) وبين الحينين فرقان كثير، فالحين الأول كناية عن وقت أمره بقتالهم.
فنسخ الأربع آيات بآية السيف.
سورة ص
وتسمى سورة داود عليه السلام.

(1/22)


نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (إن يوحى إلي ألا أنما أنا نذير مبين).
نسخ معناها - لا لفظها - بآية السيف.
الآية الثانية: مختلف فيها، وطائفة من أهل العلم يذهبون أن معنى قوله تعالى: (ولتعلمن نبأه بعد حين).
فمن يجعل الحين الدهر لا نسخ فيها عنده، ومن يجعل الحين يوم بدر يكون فيه النسخ عنده، والناسخ آية السيف.
سورة الزمر
نزلت بمكة، غير ثلاث آيات: قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا) إلى قوله تعالى: (وأنتم لا تشعرون).
تحتوي من المنسوخ على سبع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون).
نسخت بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم).
نسخت بقوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر).
الآية الثالية: قوله تعالى: (فاعبدوا ما شئتم من دونه).
نسخت بآية السيف.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعملون).
نسخت بآية السيف.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم).
نسخت بآية السيف.
الآية السادسة: قوله تعالى: (قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون).
نسخ معناها - لا لفظها - بآية السيف.
سورة حم المؤمن
نزلت بمكة.
وليس في كتاب الله سبع سور نزلت في التأليف واحدة بعد واحدة إلا الحواميم.
وفيها من المنسوخ آيتان، وفي نسخة أخرى: ثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (فالحكم لله العلي الكبير).
نسخ معنى الحكم في الدنيا بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أضو نتوفينك فإلينا يرجعون).
نسخ أولها آخرها.
سورة حم السجدة فصلت
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن).
نسخها آية السيف.
سورة الشورى
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ سبع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض).
نسخها قوله تعالى: (ويستغفرون للذين آمنوا) في المؤمن.
الآية الثانية: قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم).
(وما أنت عليهم بوكيل) نسختها آية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) هذا محكم. وكذلك قوله تعالى: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب).
وباقي الآية منسوخ إلى قوله تعالى: (الله يجمع بيننا) نسخ بآية السيف.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب).
نسخ بالآية التي في بني إسرائيل، وهي قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد).
الآية الخامسة: قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون).
نسخ ذلك بقوله: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور).
الآية السادسة: قوله تعالى: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ).
نسختها آية السيف.
والآية السابعة: مختلف فيها، وهي قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى).
اختلف المفسرون في هذه الآية: قال أبو صالح: هي محكمة.
وآخرون يجعلونها منسوخة.

(1/23)


فمن جعلها محكمة استدل بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أحسن الأنصار جواره وجوار الصحابة، حتى واسوهم بالمال والأنفس، وقال بعض الأنصار لبعض: لو واسيتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفينا من يقدم عليه الوفد وليس عنده شيء، فلو جمعتم له مما بينكم مالا، فكان إذا قدم الوفد عليه أنفقه عليهم. فقالوا: لا نفعل حتى نستأذن، فاستأذنوه في ذلك، فنزلت قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) يعني على بلاغ الرسالة جعلا: (إلا المودة في القربى) في قرابتي.
هذا قول من زعم أنها محكمة.
(قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم).
سورة الزخرف
نزلت بمكة.
وفيها آيتان منسوختان: الآية الأولى: قوله تعالى: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلافوا يومهم الذي يوعدون).
نسختها آية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون).
نسختها آية السيف.
سورة الدخان
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، وهي قوله تعالى: (فارتقب إنهم مرتقبون).
أي ارتقب بهم العذاب، إنهم مرتقبون مثل حكمها في الموت. والارتقاب الانتظار.
نسختها آية السيف.
سورة الجماثية
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، وهي قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله).
نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنه كان في مكة قد كلمة رجل من المشركين بهجيه، فهم به عمر، فنزلت فيه: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله).
واختلف المفسرون في معناها: فقالت طائفة: لا ينالون نعمة الله.
وقال الآخرون: لا يخافون نقمة الله.
الآية صارت منسوخة بآية السيف.
سورة الأحقاف
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (قل ما كنت بدعا من الرسل) أي أول الأنبياء بعثا. هذا محكم.
والمنسوخ: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم).
قال الشيخ: وليس في القرآن منسوخ طال حكمه كهذه الآية، لأنه عمل بها بمكة عشر سنين، وعيره المشركون، فهاجر إلى المدينة، فبقي ست سنين يعيرونه، وكان المشركون يقولون: كيف يجوز لنا اتباع رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه.
وقال المنافقون من أهل المدينة مثل ذلك، فلما كان عام الحديبية خرج على أصحابه ووجهه يتهلل فرحا، فقال: (لقد نزلت علي اليوم آية - أو قال: آيات - هي أحب إلي من حمر النعم. أو قال: مما طلعت عليه الشمس). فقال أصحابه: وما ذلك يا رسول الله؟ فقرأ عليهم: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) إلى قوله: (وكان الله عليما حكيما) . فقال أصحابه: ليهنك ما نزل فيك، أعلمك الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) . وأنزل الله تعالى: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات) إلى قوله: (فوزا عظيما).
فقالت المنافقون من أهل المدينة، والمشركون من أهل مكة: قد أعلمه ما يفعل به وما يفعل بأصحابه، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) أي من أهل مكة والمدينة فغيرهم ( الظانين بالله ظن السوء).
فقال عبد الله بن أبي: هبة غلب اليهود، فكيف له قدرة على فارس والروم؟ فنزلت: (ولله جنود السموات والأرض). هم أكثر من فارس والروم.
وليس في كتاب الله تعالى كلمات منسوخة نسختها سبع آيات إلا هذه الآية.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر): قال جماعة: ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر بعدها.
وقال الآخرون: ما تقدم من ذنبك وما تأخر من ذنوب أمتك، لأنه تيب به على آدم، وهو الشافع لأمته، فيمتن بذلك عليه.
وقال آخرون: ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنوب النبيين، فبه تيب أيضا عليهم.
وقال آخرون: ما تقدم من ذنبك يوم بدر، وما تأخر يوم هوازن.

(1/24)


وذلك: أنه قال يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا. فأوحى الله تعالى إليه: من أين لك أني لا أعبد في الأرض؟ وكان هذا الذنب المتقدم.
وأما المتأخر: فقال يوم هوازن - وقد انهزم أصحابه - فعمه العباس وابن عمه أبي سفيان بن الحارث: (ناولاني كفا من حصى الوادي). فناولاه، فاستقبل به وجوه المشركين وقال: (شاهت الوجوه، حم لا يبصرون) وكانوا أربعين ألفا، فما بقي منهم رجل إلا امتلأت عيناه من الرمل والحصى، وانهزم القوم عن آخرهم، فلما رجع أصحابه إليه قال لهم: (لو لم أرمهم لم ينهزموا) فنزلت: (وضما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).
وعلى هذا معارضة: لقائل أن يقول: أثبت الله لرمي ثم نفاه.
فالجواب عن ذلك أن الرمي يحتوي على أربعة أشياء: القبض، والإرسال، والتبليغ، والإصابة. فالقبض والإرسال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتبليغ والإصابة من الله عز وجل.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل).
نسخ الأمر من الصبر بآية السيف.
سورة محمد صلى الله عليه وسلم
وهي من السور المختلف في تنزيلها: فقالت طائفة: نزلت بمكة.
وقال آخرون: نزلت بالمدينة، وهي إلى تنزيل المدينة أشبه، والله أعلم.
تحتوي من المنسوخ على آيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها).
نسختها آية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (ولا يسألكم أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم).
نسخ بقوله: (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله).
سورة الفتح
نزلت بالمدينة.
وفيها نساخ وليس فيها منسوخ.
وهي إحدى السور الست، لأن فيها سبع آيات نسخت سبع كلمات.
سورة الحجرات
نزلت بالمدينة.
يقولون بأجمعهم: إنه ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة ق
وهي سورة الباسقات.
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون).
نسخ الصبر بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (وما أنت عليهم بجبار) أي متسلط.
نسخ ذلك بآية السيف.
سورة الذاريات
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) نسخ ذلك بآية الزكاة.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فتول عنهم فما أنت بملوم) نسخت بقوله: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).
سورة الطور
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (قل تربصوا فإني معكم من المتربصين) نسخ ذلك بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا).
نسخ الأمر بآية السيف.
وقد قيل - والله أعلم - إنه نسخ: فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون). نسخ بآية السيف.
؟؟سورة النجم
نزلت بمكة بإجماعهم.
وفيها من المنسوخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا).
نسخ الإعراض بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى).
نسخ ذلك قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) ولولا هذه الآية بطلت الشفاعة.
سورة القمر
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ آية واحدة، وهي قوله تعالى: (فتول عنهم).
نسخ التولي بآية السيف، وباقيها محكم.
سورة الرحمن عز وجل
وهي من السبع عشرة المختلف في تنزيلها.
قالت طائفة: نزلت بالمدينة، وهي إلى تنزيل مكة أشبه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد كانت الجن أحسن ردا منكم على ربهم حيث قالوا: ولا بنعمة من نعمك يا ربنا نكذب).

(1/25)


وبحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه قرأها على الحجر، ووثب به قريش، وكانت الصحابة ينهونه أن يعلن بالقرآن. فقالت الصحابة رضي الله عنهم بعد ما جرى عليه: أم ننهك عن ذلك؟ فقال: والله لئن عاد أعداء الله لأعودن.
فهذا دلالة على تنزيلها بمكة.
وليس فها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الواقعة
نزلت بمكة.
وقد اجتمع المفسرون كلهم أن: لا ناسخ فيها ولا منسوخ. إلا ما قال مقاتل بن سليمان، فإنه قال: فيها منسوخ، وهو قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين).
نسخها قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين).
سورة الحديد
وهي مما اختلف في تنزيلها: فقيل: نزلت بمكة.
والقائلون بهذا يحتجون: أنها القرآن الذي لقنه خباب بن الأرت لأخت عمر بن الخطاب وزوجها سعيد بن زيد.
وقال آخرون: نزلت بالمدينة.
وليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة المجادلة
نزلت بالمدينة بإجماعهم.
وفيها بآية منسوخة.
وهي إحدى الفضائل عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لأنه روي عنه أنه قال: في كتاب الله آية ما عمل بها أحد من قبلي ولا بعدي إلى يوم القيامة. فقيل: ما هي؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثر عليه المسائل فخاف أن تفرض على أمته، فعلم الله ذلك، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم). فأمسكوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علي رضي الله عنه: ولم أملك إذ ذاك إلا دينارا، فصرفته بعشرة دراهم، فكنت كلما أردت أسأله مسألة تصدقت بدرهم، حتى لم يبق معي غير درهم واحد، فتصدقت به وسألته، فنسخت الآية.
وناسخها قوله تعالى: (أأشفقتم أضن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعلمون).
فصارت ناسخة لها.
واختص بفضلها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
سورة الحشر
نزلت بالمدينة.
وفيها ناسخ ولي فيها منسوخ، وهي قوله تعالى: (ما أفاء الله علي رسوله من أهل القرى فلله وللرسول).
سورة الامتحان الممتحنة
نزلت بالمدينة بإجماعهم في شأن حاطب بن أبي بلتعة وقصته في ذلك، وفي شأن سبيعة بنت الحارث.
وفيها ثلاث آيات منسوخات: الآية الأولى: قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لضم يقاتلوكم في الدين).
نسخت بالآية التي تليها، وهي قوله تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين).
نسخ معنى الآيتين بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات).
وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرط لقريش: أن من جاءه من عندهم رده إليهم، ومن جاء إليهم لم يردوه إليه.
فكان هذا شرطا شديدا صعب على المسلمين، ولكن لطاعتهم لله ولرسوله صبرا على ما أمضاه من ذلك.
فلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بعد بيعة الرضوان إذا بامرأة من قريش - يقال لها: سبيعة بنت الحرث - تقول: يا رسول الله، قد جئتك مؤمنة بالله مصدقة ما جئت به. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم ما جئت به، ونعم ما صدقت به). فأنزل الله تعالى فيها: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات) الآية. فسماها الله تعالى مؤمنة، وأثبت لها الهجرة، ثم قال: (فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن).
وامتحانها: تحلف بالله ما أخرجها غيرة على زوج، ولا عداوة لبيت أحماء.
فإذا حلفت فقد امتحنت، فعلى المحلوف له أن يقبله.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حلف له فلم يصدق لم يرد علي الحوض).
وهو تأويل قوله: (الله أعلم بإيمانهن).
وقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات) إذا حلفن لكم (فلا ترجعوهن إلى الكفار) أي بين الكفار، قد انقطعت عصمتها عن زوجها (لا هن حل لهم) لا تحل لزوجها الكافر، ولا هو حل لها.

(1/26)


وقوله تعالى: (وآتوهم ما أنفقوا) يقول: إن أردتم نكاحها فادفعوا إلى زوجها الكافر بمقدار ما ساق إليها من المهر، فإن لم تريدوا فلا شيء عليكم. وهو معنى قوله تعالى: (ولا جناح عليكم أن تنكحونن إذا آييتموهن أجورهن ولا تثمسكوا بعصم الكوافر).
هذا محكم.
ثم قال: (ذلكم حكم الله يحكم بينكم) أي في الوقت والحال، (والله عليم حكيم) بصنعه وتدبيره.
فنسختها قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) إلى آخر القصة..أي فغنمتم.
ثم نزلت في عياض بن غنم وفي زوجته، حيث ذهبت منه إلى الكفار، فارتدت ولحقت بأهلها. وفي أم حكيم بنت أبي سفيان، فأمر الله تعالى أن يعطوا زوجها من الغنيمة بقدر ما ساق إليها من المهر.
ثم صار منسوخا قوله تعالى: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
سورة الصف
نزلت بالمدينة.
وليس فيها ناسخ ولا منسوخ، بل محكمة.
سورة الجمعة
نزلت بالمدينة.
وهي محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة المنافقون
نزلت بالمدينة وفيها ناسخ، وليس فيها منسوخ.
الناسخ قوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أضم لم تستغفر لهم).
سورة التغابن
نزلت بالمدينة.
فيها آية واحدة ناسخة، وليس فيها منسوخ.
الناسخ قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم).
وبعدها محكم.
سورة الطلاق
نزلت بالمدينة.
وفيها ناسخ، وليس فيها منسوخ.
فالناسخ قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم).
وقوله تعالى: (وأقيموا الشهادة لله) هذا محكم، وليس بناسخ ولا منسوخ.
سورة التحريم
نزلت بالمدينة.
وآيها محكم، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الملك
نزلت بمكة.
وهي سورة المانعة، تمنع عذاب القبر. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (في القرآن سورة ثلاثون آية، تمنع عذاب القبر عن صاحبها).
وهي محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة ن والقلم
مكية، وهي من أوائل ما نزل من القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجب بها.
وفيها آيتان منسوختان، وباقيها محكم.
والمنسوخ منها: قوله تعالى: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) . نصفها غير محكم، وباقيها محكم.
فالنصف منسوخ بآية السف، والنصف الباقي محكم.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك) هذا محكم.
والمنسوخ منها أمره بالصبر، نسخ الصبر بآية السيف.
سورة الحاقة
نزلت بمكة.
وجميعها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة المعارج
نزلت بمكة.
وفيها آيتان منسوختان: الآية الأولى: قوله تعالى: (فاصبر صبرا جميلا) نسخ الله الصبر من ذلك بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين).
الآية الثانية: قوله تعالى: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا).
نسخ الله ذلك النهي بآية السيف.
سورة نوح عليه السلام
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الجن
مكية، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة المزمل
نزلت بمكة.
وفيها من المنسوخ ست آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلا).
ثم نسخ القليل منه بنصفه، فقال: (نصفه أو انقص منه قليلا). إلى الثلث، فنسخ الله من الليل ثلثه.
ثم قال: (أو زد عليه) أي في نصف الثلث.
ونسخ الآية الثانية وهي قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) . ثم قال عز وجل: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا).
الآية الثالثة: قوله تعالى: (واهجرهم هجرا جميلا) نسخ ذلك بآية السيف.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (إن هذه تذكيرة) هذا محكم ثم قال: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا).
نسخ الله ذلك بقوله: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
وقال معظم المفسرين، نسخ آخر المزمل أولها.
سورة المدثر
نزلت بمكة.

(1/27)


وهي على قول جابر بن عبد الله الأنصاري: أول القرآن نزولا. وهي محكمة، وفيها من المنسوخ آية واحدة، نزلت خاصة ثم صار حكمها عاما، نزلت في شأن الوليد بن المغيرة المخزومي، وهي قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدا) أي خل بيني وبينه.
نسخ الله ذلك بآية السيف.
سورة القيامة
نزلت بمكة.
وهي محكمة، إلا قوله: (لا تحرك به لسانك).
نسخ الله ذلك بقوله: (سنقرئك فلا تنسى).
سورة الإنسان الدهر
نزلت بالمدينة، وقيل: بمكة. وهي إلى نزول المدينة أشبه، والله أعلم.
وهي إحدى السور السبعة عشرة المختلف في تنزيلها.
وهي محكمة إلا آيتين منها وبعض آية، وهي: الأولى: قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما) هذا محكم في أهل القبلة (وأسيرا) هذا منسوخ، وهو غير أهل القبلة، وهم المشركون.
نسخ ذلك بآية السيف.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أضو كفورا).
نسخ ذلك الصبر بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا).
نسخ الله ذلك بقوله: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
سورة المرسلات
نزلت بمكة.
وهي محكمة كلها، لم يدخلها ناسخ ولا منسوخ.
سورة النبأ
نزلت بمكة، وهي آخر المكي الأول، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر ثاني يوم نزلت.
والمكي الأول ما نزل قبل الهجرة، والمكي الآخر ما نزل بعد فتح مكة.
وهي محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة النازعات
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة عبس وتولى
وهي إحدى السور السبعة عشرة المختلف في تنزيلها.
وهي محكمة إلا آية واحدة: قوله تعالى: (كلا إنها تذكرة).
والمنسوخ: (فمن شاء ذكره).
نسخ ذلك بقوله: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) الإنسان:
سورة التكوير
نزلت بمكة.
وهي محكمة غير آية واحدة، وهي قوله تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم).
نسخها الله بما يليها، وهو قوله تعالى: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
سورة الانفطار
نزلت بمكة.
وهي محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة المطففين
نزلت في الهجرة بين مكة والمدينة.
وهي محكمة.
سورة الانشقاق
نزلت بمكة.
جميعها محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة البروج
نزلت بمكة.
جميعها محكمة، ليس فها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الطارق
نزلت بمكة.
محكمة، إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا).
نسختها آية السيف.
سورة الأعلى
نزلت بمكة.
وفيها ناسخ وليس فيها منسوخ.
الناسخ منها: (سنقرئك فلا تنسى)
سورة الغاشية
نزلت بمكة.
جميعها محكم إلا آية واحدة، فإنها منسوخة، وهي قوله تعالى: (لست عليهم بمسيطر. إلا من تولى وكفر).
نسختها آية السيف.
سورة الفجر
نزلت بمكة.
جميعها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
نزلت عام الفتح.
سورة البلد
نزلت بمكة.
جميعها محكم، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
نزلت عام الفتح.
سورة الشمس
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الليل
نزلت بمكة.
وهي إحدى السور المختلف في تنزيلها.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الضحى
نزلت بمكة في شأن رسل المشركين إلى اليهود، وفي ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستثناء.
جميعها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة ألم نشرح
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة التين
نزلت بمكة.
جميعها محكم إلا آية واحدة، نسخ معناها لا لفظها، وهو قوله تعالى: (أليس الله بأحكم الحاكمين).
نسخ منها المعنى بآية السيف، أي دعهم وخل عنهم.
سورة القلم
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
وهي من أول تنزيل القرآن على قول الأكثرين.
سورة القدر
نزلت بالمدينة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الانفكاك
نزلت بالمدينة.

(1/28)


ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الزلزلة
نزلت بالمدينة، وهي إحدى السور المختلف في تنزيلها.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة العاديات
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة القارعة
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة التكاثر
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة العصر
نزلت بمكة وقيل بالمدينة.
وفيها آية واحدة، وهي قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر).
فنسخها الله تعالى بالاستثناء.
سورة الهمزة
قيل: نزلت بمكة في شأن الأخنس بن شريق. وقيل: نزلت بالمدينة.
وليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وهي محكمة.
سورة الفيل
نزلت جميعها بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة قريش
نزلت بمكة.
ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الماعون
نزلت نصفها بمكة ونصفها بالمدينة.
الذي نزل بمكة: قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدعث اليتيم) . نزلت في شأن عاص بن وائل السهمي (ولا يحض على طعام المسكين) إلى ههنا.
ونزل باقيها في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق: (فويل للمصلين الذين هم) إلى آخر السورة.
سورة الكوثر
نزلت بمكة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الكافرون
نزلت بمكة.
جميعها محكم.
(ولي دين) نسخت بآية ل السيف
سورة النصر
نزلت بالمدينة، وقيل: بمكة.
وجميعها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة التبت
جميعها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الإخلاص
نزلت بالمدينة في شأن أربد بن ربيعة العامري، وفي شأن عامر بن الطفيل.
وقيل: بمكة، والله أعلم.
جميعها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الفلق
نزلت بالمدينة، وقيل: بمكة، والله أعلم.
جميعها بالمدينة محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة الناس
نزلت بالمدينة، وقيل: بمكة، والله أعلم.
وجميعها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم الكتاب بعون الله وحسن توفيقه.
قال المؤلف أبو القاسم هبة الله بن سلامة: استخرجت هذه الجملة من كتب الناسخ والمنسوخ التي سمعت من الشيوخ المفسرين والمحدثين من كتاب الكلبي عن أبي صالح.
قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمرو المروزي قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن سائب الكلبي، عن أبي صالح - وهو مولى أم هانىء بنت أبي طالب، أخت علي كرم الله وجهه - عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ومن كتاب مقاتل بن سليمان.
قال: حدثنا الهذيل بن حبيب عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس.
ومن كتاب مجاهد بن حبيب.
قال: حدثنا محمد بن الخضر المقرىء المعروف بابن أبي حزام، قال: حدثنا به الشيخ الصالح رحمة الله عليه قال: حدثنا جعفر بن أحمد قال: حدثنا أحد بن عيسى البرقي قال: حدثنا أبو حذيفة، عن شبل بن أبي نجيح، عن مجاهد.
ومن كتاب عكرمة بن عامر.
قال: حدثنا به أبو جعفر عمر بن أحمد الواعظ وأبو بكر أحمد بن إبراهيم الحساني الرازي، قال: حدثنا أبو جعفر بن أحمد الدوري قال: حدثنا محمد بن أحمد الواسطي قال: حدثنا النضر بن المقرىء، عن عكرمة، عن ابن عباس.
ومن كتاب محمد بن سعيد العوفي.
قال: حدثنا المطرف بن نصيف قال: حدثنا القاضي، عن جده عطية، عن ابن عباس.
ومن كتاب تفسير يحيى بن سلام.
قال: حدثنا أبو القاسم بن عبد الله، المعروف بابن خصيف الواعظ؟ قال: حدثنا الحسين بن علي، عن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن سعيد، عن قتادة.
قال استخرجته: من خمسة وسبعين تفسيرا، يطول ذكر الأسانيذ لها، وإنما قصدنا في هذه السلامة من الزيادة والنقصان، والثواب الجزيل من عند الملك الجليل، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

(1/29)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية