صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : العزف على أنوار الذكر
معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآني
في سياق السورة
إعداد:محمود توفيق محمد سعد
أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم
في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف
شبين الكوم

« الأول نور على نور ، والثانى ظلمات بعضها فوق بعض ، وفوق ذلك التقابل تقارب فى البناء اللغوى لهما:
إحتشد الأول لبيان وهج النور ، فذكر المشكاة ( ... مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور .... ) (النور: من الآية35)
وإحتشد المثل الثانى لتداخل الظلمات وأطباقها وتكاثفها حاذيا فى الصياغة حذو الأول تأمل ( ... يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ...) (النور: من الآية40)
ثم إن كل صورة من الصورتين لها مدد يمدها ، ولا ينضب ، ففى الأولى شجرة مباركة يوقد منها ، وفى الثانية سحاب مطبق فوق موج من تحته موج وكما قال هناك أيضا (... يهدي الله لنوره من يشاء...) (النور: من الآية35) قال هنا(... ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور...) (النور: من الآية40)(1)
وهذا المثل أقوى فى الدلالة على مقصود السورة الذى أشرنا إليه من قبل ، فأعمال الفجور والقذف به وحب إشاعة الفاحشة فى الذين آمنوا مما لا يطمع فى نفعه، فهى ظلمات فى بحر لجي معصوم منها الذين هداهم الله - عز وجل - لنوره،المسبحون له فى بيوته بالغدو والآصال لا يليهم عن ذكره - جل جلاله - وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عرض من الدنيا فضلاعن أعمال الفجور.
__________
(1) - السابق : 330

(1/203)


وإذا كانت معرفة معاني الكلمات والصيغ الجارية فى هذه التشبيهات متوقفة على معرفة السياق الذى جرت فيه ؛ لأن السياق هو الجذر الذى أمدها بالحياه والأسرار وهو الأرومة والمعدن الذى اليه يرد الأمر فان تحرير المقصود الأعظم للسورة متوقف على معرفة معاني الكلمات والصيع الجارية فيها من خلال سياقها فالمقصود الأعظم له سلطان على السياق وما يدرج عليه من كلمات وتراكيب وصور إلا أن معرفته وتحريره ينبثقان من معرفة السياق والكلمات والتراكيب والصور ؛ لأن ذلك أجلى مظهرا وأقرب إدراكا. ولذلك لا يتأتى تحرير "المقصود الأعظم" من بادئ النظر والتأمل ، بل يكون ذلك من بعد ترديد للنظر ، وكلما ازداد المرء نظرا في السياق والتراكيب ، وانماط التصوير وفنون التحبيرازداد قربا من تحرير "المقصود الأعظم"
وهذا وأن كان غير يسير فان طول الصحبة وإخلاصها استبصار وامتلاك بعض من ذلك.
***
وأنت إذا ما نظرت فيما جاءنا عن أبي الحسن :علي بن عيسى الرماني " (ت: 386هـ) مثلا في تدبر التشبيه في القرآن الكريم في رسالته (النكت في إعجاز القرآن ) (1)
__________
(1) - نشرت الرسالة ضمن كتاب : (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ) بتحقيق الدكتور :محمد خلف الله ، والدكتور :زغلول سلام – دار المعارف بمصر .

وقد عني أهل العلم بالنظر فيما جاء فيها ، فكان لشيخنا " أبو موسى " تحليل ضمنه كتابه ( الإعجاز البلاغي : دراسةتحليلة اتراث أهل العلم ) نشرته مكتبة وهبة : 1405،(ص:81-153). وكان من قبل قد توفر على دراسة جهود الرماني في بلاغة القرآن الكريم "الصديق عبده زايد سنة :1975، فنال درجة التخصص من كلية اللعة العربية بالقاهرة ، وقد نشرها بعد أكثر من خمس وعشرين سنة في مجلة الكلية نفسها العدد التاسع عشر والعشرين : (ص 558 –ج1 – ع:20- سنة1422 ) و كان أستاذنا الشيخ " كامل الخولى" قد تناول هذه الرسالة بالتحليل في سفره القيم ( أثر القرآن في تطور البلاغة العربية )(ص:79-109) ط:1381ومن قبل تناولها بالدرس :الدكتور محمد زغلول سلام في كتابه ( اثر القرآن في تطور النقد العربي ) (ص: 234-255) ط: دار المعرف :1968وما يزال في الرسالة ما يمكن لطالب العلم أن يستنبطه ، فكم ترك الأول للآخر من الخير في معادن العلم ومكانزه .

(1/204)


رأيت عنايته بتبيان منهاج القرآن الكريم في التصوير البياني للمعاني ، ودلالته عليها ، ولذا يكثر من التصريح بأن هذا بيان قد أخرج كذا إلى كذا .
وقد يحسب العجل أن هذا مما قرب إدراكه وقل نفعه ، ولو أنه تمهل وتبصر لرأى أن "الرماني" يهدينا إلى مناط العناية الرئيسية في قراءة الصورة البيانية : العناية بالنظر في منهاج التصوير وطريق الدلالة .
فانظر قوله : « فبلاغة التشبيه الجمع بين شيئين بمعنى يجمعهما يكسب بيانا فيهما . والأظهر الذي يقع فيه البيان بالتشبيه به على وجوه: (1)
- منها إخراج ما لاتقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة .
-ومنها إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به عادة .
-ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما لا يعلم بالبديهة .
-ومنها إخراج ما قوة له في صفة إلى ما له قوة في صفة »(2)
قوله ( إخراج ...) بيان منهاج ، وهذا الإخراج ليس سبيلا مطرقا ،لأنه إخراج مرتهن بالسياق والمقصد الأعظم الذي يساق إليه البيان.
وهو يبين لنا شيئا من ذلك: يعرض لقول الله - عز وجل - في سورة (النور:39) :
{ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب }
فيبرز لنا منهاج البيان فيه بأن « هذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه.
__________
(1) - يغرينا الرماني بقوله ( الأظهر) بأن هنالك ما قد لطف ، وشرف ، فإذا كان هذا هو الأظهر ، وهو كما ترى جودا وكرما ، فكيف بما لطف ، إنه طلبة الأشراف عقلا وقلبا وهما . وقليل ما هم .أما أشراف الأحساب زعما فهم اليوم كثر .
(2) - الرماني : النكت في إعجاز القرآن:81- ضمن:( ثلاث رسائل في إعجاز القرآن )

(1/205)


وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قيل : يحسبه الرائي ماء ، ثم يظهر أنه على خلاف ما قدر لكان بليغا .
وأبلغ منه لفظ القرأن ؛ لأن الظمآن أشد حرصا عليه وتعلق قلب به ،ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذي يصيره إلى عذاب الأبد في النار – نعوذ بالله من هذه الحال
وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه ، فكيف إذا تضمن مع ذلك حسن النظم
وعذوبة اللفظ
وكثرة الفائدة
وصحة الدلالة »(1)
الرماني كما ترى عني أولا بلفتك إلى المقصد المرمي بالتشبيه إليه لتعرف موقعه في طرفي التشبيه ، وهي معرفة تبين لك منهاج الدلالة ، ومنهاج اختيار صورة الطرفين أيضا ، فأفادك أن المشبه ، والمشبه به قد اجتمعا ، لم يجمعهما جامع قسرا بل تعارفا ، فاجتمعا ، وهو يحرر لك مناط الاجتماع : بطلان المتوهم ، وهذه كلمة تبين لك امتلاء النفس بما بطل ، وتبين لك عظيم جهالة من يملأ نفسه بمثل هذا ، ولو أنه لم يكن مفتقرا إليه لكان له في أن يملأها بذلك ما يغفر له ، ولكنه يبين لك أنه توهم باطلا ، وهو شديد الحاجة وعظيم الفاقة. فكشف لك بهذه الكلمات القليلة مبلغ ما هو آخذ بالنفس حينذاك .
وانظر كيف أنه أبرز أثرين : الشدة والعظم .
في الشدة نفوذ وحركة رأسية للأثر ، وفي العظم إحاطة وحركة أفقية له ، فإن العظيم ما أحاط بالأشياء وجمعها.
ثم يترقى بك إلى أفق أعلى من النظر : يقيمك أمام منزلين من البيان : بيان عار من التصوير :(يحسبه الرائي ماء ...) عبارة دالة ولكنها لا تملأ النفس بالشعور بشديد الخيبة وعظيمه .
__________
(1) - السابق : 81-82

(1/206)


وبيان مصور ( يحسبه الظمآن ماء) أرأيت إلى تلك الكلمة المصورة ما هو آخذ بخناق الحاسب (1).
وهذا منهج عال من مناهج إدراك الفروق بين نمطين من البيان .
الرماني لم يجرد هذا البيان العاري من البلاغة،فإنه ناظر إلى قوله ( يحسبه) وهي كلمة لا تقال إلا في مقام الدلالة على أن هذا من ظلمات الخطأ او الخطيئة ،وكذلك هي في البيان القرآني لا تأتي إلا دالة على أن ما كان ليس بحق أو ليس بنافع . وناظر إلى قوله ( ثم يظهر أنه...)
يقول :« لو قيل : يحسبه الرائي ماء ، ثم يظهر أنه على خلاف ما قدر لكان بليغا »
وكأنه يهدينا إلى أن البيان العاري من التصوير لا يفقد كل عناصر بلاغته ، فإن عناصرها كثيرة . وهذا منهج في التقويم دقيق .
__________
(1) - يقول شيخنا أعزه الله تعالى :« لاريب أن هناك فرقا بين أن تفيض الكلمات بالمعاني والمقاصد، وأن تفيض بها الأحداث والصور . فرق بين ما يدل عليه لفظ الشجاعة ، وما تدل عليه صورة الأسد ببطشه وإقدامه وبأسه وشدته .
المعاني التي تفيض بها الأحداث والصور أغزر وأبين وأمكن ، ولا بد أن يكون هذا القدر الزائد مقصودا ، وأن لا يكون هناك سبيل إلى الإبانة عنه إلا هذا الطريق ؛ لأن كل وسيلة من وسائل البيان لا يصار إليها إلا لضرورة ... وإنما كل شيء في كلام أهل الطبع ركن فيه لاينهض إلا به ، فإذا رأينا تشبيها أو مجازا أو كناية ليس موقعه في الكلام موقع ما لا يتحصل الشيء إلا به فهو تكلف ساقط » ( التصوير البياني : دراسة تحليلية لمسائل البيان : 7)

(1/207)


وهو يقرن بهذا البيان العاري ذلك البيان القرآني العلي ، فيبين أنه الأبلغ: « أبلغ منه لفظ القرآن(1) ؛لأن الظمآن أشد حرصا عليه وتعلق قلب به، ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذي يصيره إلى عذاب الأبد في النار »
بين لنا أن كلمة « الظمأن» في نظمها هنا قد صورت لنا ما هو آخذ بالحاسب ، فالصورة قد قامت على كلمة ساندتها كلمات ، فهي أساس الصورة .
كذلك يرسم "الرماني" لنا منهاج النظر ، ويقيم المعالم على طريق فقه الصورة البيانية في القرآن الكريم .
ثم يضيف إلى هذا أن هذا التشبيه لأعمال الكافرين بالسراب من حسن التشبيه.
وكلمة (حسن) من كثرة ما مرت على الآذان كادت بعض القلوب تغفل عن مدلولها .
الحسن ما فاض عليه من نافلة العطاء من بعد أن توفى لك فريضة العطاء ، ومنه الإحسان ، فهذا شيء "حسن " أي جاءك بما هو فوق حقك ، فأحسن إليك ، ومن قدم إليك حقك عنده أحسن إلى نفسه أولا إذ عتقها من التبعة ، ومن قدم لك ما فوق حقك فقد أحسن إلى نفسه وإليك معا ، فافترقا (2)
__________
(1) - أي نظمه وتصويره ، فإن ائمة البلاغيين لا يريدون باللفظ مفردات القول بل الصورة النظمية التركيبية للمعنى . فهذا هو المناط الرئيس لبلاغة البيان ومناط المفاضلة .
(2) - من الكلمات التي كادت القلوب تغفل عن مدلولها كلمة ( جيد) فقولنا: «وهذا قول جيد » قد يظن أنه نعت له بما لايبين عن علي منزله ، ولكنك إذا ما نظرت في معدن المدلول ومكنزه ، وهو «الجود » رأيت أن الجيد هو ما كان بين الجود ، وما جاد عليك وأفاض ، فهو المليء القادر الحميد، ومنه الجواد من الخيل : ما يعطيك من عدوه فوق ما تطلب ومن غير ما تطلب ، فعلينا أن نحيي مدلول الكلمات في قلوبنا ، فإن إحياءها ، ولا سيما الكلمات القرآنية والنبوية من الخير الذي أظن أنه من العمل الصالح

(1/208)


كلمة ( من حسن التشبيه) دالة على أن هذا التصوير قد أفاض عليه فوق ما جاءك من البيان العاري عن التشبيه . ثم يلفتك إلى أن روافد الإحسان إليك من الصورة التشبيهية في الآية قد تكاثرت فقال « فكيف إذا تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة وصحة الدلالة »
هذا الاستفهام التعظيمي يرسم في قلبك شيئا من فخامة العطاء وعظمته حين تتضام الروافد وتتلاقى : حسن النظم ، عذوبة اللفظ ، كثرة الفائدة ، صحة الدلالة .
أربعة روافد اجتمعت إلى حسن التشبيه ، فقوله ( حسن النظم) دلك على أن حسن التشبيه هنا ليس قائما من حسن النظم وحده وإن كانا متمازجين : حسن التشبيه آتيك من منهاج الإخراج : إخراج ما تقع عليه الحاسة إلى ماتقع عليه .
وحسن النظم آتيك من منهاج التعالق والتآلف والتآخي .
وعذوبة اللفظ تبين لك مبلغ ما يقوم في فمك وأذنك من الترتيل فينساب العطاء إلى قلبك ، كأني به ينظر إلى ما يحمل عطاء الحسنين إلى قلبك : إنها عذوبة اللفظ فتناغي الألفاظ في إيقاعاتها وجرسها يفجر نهر العذوبة في فم التالى وأذن المستمع ، فلا يمل التالى من ترتيله ، ولا السامع من إصغائه ، وذلك هو شرف التواصل والاجتماع والتعاون على البر والتقوى (1)وهذا وجه من وجوه المعنى في قوله ( إنما المؤمنون إخوة ...) (الحجرات:10) فشأن الأخوة التلاقى على البر لا التدابر والتخاصم لعرض من الدنيا ،وخير التلاقي ما كان على تلاوة القرآن واستماعه .
ويأتيك قوله ( كثرة الفائدة ) مؤسسا على قوله:«حسن التشبيه وحسن النظم وعذوبة اللفظ»
والكثرة تقال لما نما وزاد مما شأنه النماء ، أما إن بقي على حاله وجمد فلا يقال له كثير، وإن تعدد ، فلم يحص .
__________
(1) - وهذا كما ترى منسول من حقيقة البلاغة عند "أبي الحسن" فهي عنده « إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ »

(1/209)


وكأنه يلمح إلى أن عطايا هذا التشبيه تنمو بما يتردد فيه النظر المتأمل ، وهذا يثمر صحة دلالتك على علي معاني الهدى إلى الصراط المستقيم ، ومن ثم رتب عليه قوله ( وصحة الدلالة)
وفي الصحة براءة من المعابة والعجز ، فالصحيح نقيض السقيم أي لاشائبة ولا معابة فيه ، وهذا يدلك على أن تشبيه القرآن الكريم يحقق لك النظر الناصح فيه شيئا مما تطلبه في ابتهالك في أم الكتاب : { اهدنا الصراط المستقيم } (الفاتحة:6) .(1)
نقلت لك ما جاءك به " الرماني" منذ عشرة قرون مضت لترى المعالم التي أقامها أسلافك على طريق فقه المعنى القرآني ، فتهتدي كمثل ما اهتدى شيخنا " أبو موسى" فلم يقف جواده عند ما وقفت جياد الأسلاف بل أغذ في السير ، فكان منه الذي بدأت بذكره ليملأ قلبك ، فتعلم أنه مبني على حركة عالم مضى منذ عشرة قرون ، وأن لك أن تبني على ما بنى عليه شيخنا ، فيتصاعد السفر إلى منازل الشرفاء .(2)
__________
(1) - يجمل بك أن تراجع تحليل شيخنا مقالة الرماني في هذا التشبيه في كتابه :( الإعجاز البلاغي : 101- 103) ط:1405- مكتبة وهبة بالقاهرة ، وما كتبه الصديق " عبده زايد" في مجلة كلية اللغة العربية بالقاهرة العشرين : (ص 558 –ج1 – سنة1422 )
(2) - دلنا شيخنا "أبو موسى" في سفره الجواد( الإعجاز البلاغي : 99-100) على قيام مقالة "الرماني" هنا في مقالة " عبد القاهر " في شأن التشبيه ، وهذا منه بيان لتناقل المعرفة في قلوب العلماء تناقل الأبناء في أصلاب الأباء ، فيحمل كل من ذات أبيه ما يميزه عن أخيه .

(1/210)


وليس يخفى عليك أني لست هنا إلى دراسة التصوير البياني في القرآن الكريم فاستقصى لك القول في أنماطه ، وإنما أنا إلى الإشارة إلى معالم تقوم على جنبات الطريق إلى فقه المعنى القرآني في سياق السورة ،وهذا ما عنيت به ، فبينت لك شيئا من تلك المعالم قائمة في بيان شيخنا أبي موسى ، وفي بيان أبي الحسن الرماني " لتهتدي بهما ، فيكون منك إحسان كما كان منهما .

-..رابعا:التحليل البياني لجرس والايقاع..
...جماع الأثر في البيان القرآني...
ليس متوقفا في التسليم به أن البيان القرآني الكريم يحمل أثرين جليلين ممتزجين في بنائه اللساني المعجز :
الأثر الأول: موضوعي متعفل يمكن إدراكه وتعقله وضبطه والإبانة عنه الأثر الآخر :انطباعي نشعر به وندركه ونتبينه في قلوبنا وأرواحنا ، ولكن الجمهرة لا تضبطه ، ومن ثم لا نكاد نملك الاقتدار على وصفه وتبين معالمه وملامحه ، بل قد يتعذر على كثير منا أن يحيط بمبعثه ومصدره
- الأثر الأول عنيت الدراسات البيانية به فيما عرف بأصول النظر في نظم البيان ومناهج تركيبه وأنماط تصويره ، وفنون تحبيره ، وقد قام بكثير من حقوق ذلك علم بلاغة العربية.
وهذا ما قرر عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الأعجاز " فريضة الإحاطة به ، والوقوف على تعليل الحسن فيه والإبانة عنه ، وقد جعلت بين يديك نص بيانه في هذا من قبل (1)
- والأثر الأخر النفسي الانطباعي ندركه من خلال جرس البيان وإيقاعه (2)
__________
(1) - ينظر دلائل الإعجاز - تح شاكر ص 41
(2) - الجرس والإيقاع من المفردات العربية التي لم يغفلها أهل العلم ، وقد سمى الخليل بن أحمد أحد كتبه ( الإيقاع) ، وهو مصطلح يشيع في مؤلفات النغم عند علماء العربية .
انظر كتاب : كمال أدب الغناء للحسن بن أحمد الكاتب ص 92

وكثير من مصطلحات البلاغيين وعلماء تأويل البيان القرآني منسولة من معنى الجرس والإيقاع ، وإن يكن مصطلح الإيقاع غير شائع في استخدامهم .
ويتورع بعض أهل العلم من استعمال تلك الكلمات في تدبر البيان القرآني كمثل تورعهم من استخدام كلمة (السجع)، والحق أن غير قليل من مصطلحاتنا البلاغية إنما نستعملها لا لأنها الكاشفة ع حقيقة ما في البيان القرآني ، بل لأنها أقرب المصطلحات إلى قدرتنا على الإبانة عما تدركه قلوبنا ، ولا نجد له من أنفسنا أسماء أو مصطلحات تناسب جلال البيان القرآني ، والله عز وجل قد خاطبنا بأسماء لأفعال منه بنفس أسماء أفعالنا ، لا لأنهما سواء بل لأن هذا==? ? === ما يمكن أن نفقهه . ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سمى حسن الترتيل وتجويده تغنيا ، وهي كلمة من جنس قولنا : إيقاع ونغم وجرس .
نحن نستخدم هذه الكلمات عجزا ، ونحن نؤمن أن القرآن كلام الله عز وجل ، ليس بمخلوق ولا حادث ، و { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } (فصلت:42) وأن فضله على كل بيان كمثل فضل الله - سبحانه وتعالى - على كل خلقه .،وقد قال الله - عز وجل - عن نفسه : { ... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:11)

(1/211)


، وهو لايقل أهمية عن الأثر الآخر في تحقيق مقصد القرآن الأعظم وتقريره في النفوس ، لتنبعث إلى ما يراد منها ولها .
بغير هذا الأثر قد لا يتسارع إلى النفس توغل الأثر الموضوعي القائم برسالة الإعلام بما يريده الله - سبحانه وتعالى - – منا ولنا .
وهذا الأثر قد يكون أظهر وأسرع إدراكا من الأثر الموضوعي المتعقل ، كما نراه في موقف غير قليل من أصحاب الفطر والحس المتيقظ ممن لا يفقهون أصول البيان بالعربية،وهم يستمعون ترتيل القرآن الكريم ، فيتأثرون بما يسمعون ، ولا يفقهون أثره الموضوعي المتعقل .
يقول " جان جاك روسو "( 1712-1778 م) في كتابه ( محاولة في أصل اللغات ):
« ...إنك لترى الذي له بعض معرفة باللغة العربية يبتسم إذ يتصفح القرآن ، ولعمري ، إنه لو أنصت إلى محمد يقرأه بنفسه في تلك اللغة البليغة الموقعة ، وبذلك الصوت الجهوري المقنع الذي كان يستهوي الأذن قبل أن يستهوي القلب ، ولو أنصت إليه إذ لاينفك ينفث في حكمه نبرة وحماسا لسجد على الأرض من الرهبة ، ثم لناداه : ألا ، أيها النبي الأعظم ، ألا ، يارسول الله خذنا إلي المجد والشهادة : نريد أن نغلب أو نموت في سبيلك » (1)
هذا الذي يحدثك عنه " روسو" أثر انطباعي " قائم في البيان القرآني يزيدك إدراكا له ، ويسارع به إلى قلبك ترتيل القاري وتغنيه مما يبعث فيضا من الاستحسان للبيان القرآني إلى قلبك ، وكأنك قد فقهت بما قاله " روسو" شيئا مما جاء عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا – مرفوعا من الأمر بتزيين القرآن الكريم بأصواتنا .
عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"زينوا القرآن بأصواتكم.( البخاري تعليقا- كتاب:التوحيد )
__________
(1) - محاولة في أصل اللغات – تعريب محمد محجوب ص71 –دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1986

(1/212)


وقد حث الحق - سبحانه وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ترتيله (...ورتل القرآن ترتيلا) (المزمل:4) وحث النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته على حسن التغنى به:
روى الشيخان بسنديهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « لم يأذن الله لشىء ما أذن للنبى - صلى الله عليه وسلم - يتغنى بالقرآن » . (البخاري : حديث: 5023 ، ومسلم: صلاة المسافرين - حديث : 1881
وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :« لله أشد أذنا إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته».( سنن ابن ماجة: إقامة الصلاة – إمامة )
و عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:« إن هذا القرآن نزل بحزن ، فاذا قرأتموه ، فابكوا، فان لم تبكوا، فتباكوا، وتغنوا ، فمن لم يتغن به ، فليس منا » (ابن ماجة: إقامة )
و عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :« تعلموا كتاب الله ، وتعاهدوه ، وتغنوا به » (مسند أحمد: 4/136)
فهذه الأحاديث وكثير غيرها تهدى إلى سنة أداء القرآن الكريم أداء حسنا ، فان فيه تزينه فى قلوب سامعيه ، فيقبلون عليه يتعلمونه ، ويتدبرونه ، ويلتزمون بهداه، فإن حسن تلاوته وترتيله هو أول الطريق الرئيسي إلى فقه معناه المؤدي إلى حسن التزام هديه أمرا ونهيا ، ولن يتحقق لبيان أن يرتل وأن يتغنى به إلا إذا كان نسقه ونظمه وجرس كلماته وموقع معانيه غنيا بمقومات الإيقاع وأنواعه وألوانه المتعددة وهذا ما تحقق للقرآن الكريم ،فلا يشاركه فيه بيان آخر.

(1/213)


الجرس والإيقاع فيه عنصر رئيس من عناصر البيان المنتج المعنى القرآني فى قلب المتلقي لا يقل عن أى عنصر آخر أثرا وقيمة ، بل هو أظهر عناصر ذلك البيان وأقربها إلى الادراك إجمالا ، وأن يكن إدراكه على التفصيل والتحليل والتفسير غير قريب ، ولا يسير فى كثير من صوره مما يجعل المرء يحتاج في إدراكه إلى لقانية وحس مرهف وأذن واعية.

عناية القرآن في العهد المكي بالقيم الصوتية .
تنزل القرآن الكريم في ثلاث وعشرين سنة ، منها ثلاث عشرة سنة في مكة يقرر أصول العقيدة بالقصد الأول ، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ، ومنها عشر سنوات في المدينة النبوية يقيم فيها أصول التشريع وما يضبط حركة الحياة المسلمة ، وما يحقق للأمة عزها وسلطانها .
اتسم البيان القرآني النازل في العهد المكي بظهور القيم الصوتية من الجرس والإيقاع في تكوين وتشكيل صورة المعنى ؛ لما يملكه الجرس والإيقاع من قدرة على النفوذ في حنايا القلوب ، وذلك مرده إلى الميل الفطري للإنسان للإيقاع ، فقد جبلت النفوس الناطقة على إدراكه ،والارتياح والطرب بإدراكه (1)، ففي ما تسمعه أذنه منغوما تجاوب مع حركته وحركة الحياة في داخله وخارجه ، ذلك أن هنالك تلازما بين الحياة والإيقاع ، فليست هناك حياة لا إيقاع فيها .
وهذا أمر لايكاد يغيم على كل من ألقى السمع لما نزل من آيات الذكر الحكيم في العهد المكي .
وليس معنى ذلك افتقار ما نزل من الآيات في العهد المدني إلى الإيقاع بل هو قائم فيه ، ولكن قد يكون لطيفا , وأقل ظهورا مما هو في نظيره من التنزل في العهد المكي .
__________
(1) - ينظر المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع - ابو محمد السجلماسي ص :502 - تح: علال الغازي – ط : مكتبة المعارف – المغرب : 1401

(1/214)


وهذه الحقيقة التي لايمكن التوقف في التسليم بها فضلا عن إنكارها وجحدها دليل على ما للقيم الصوتية : جرسا وإيقاعا من أثر في إيصال المعنى إلى القلب وتقريره فيه ليبعث صاحبه إلى ما يراد منه ، وهذا ما جعل المكذبين بالقرآن الكريم في مكة يتناصحون بألا يستمعوا إليه ، وأن يحرصوا على أن يلغوا فيه لعلهم يغلبون .
{ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } (فصلت:26)
{ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } (هود:5)
ونحن نسمع الحق - عز وجل - يهدي عبده ونبيه سيدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يجير من يستجير به حتى يسمع كلام الله - جل جلاله - :
(وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) (التوبة:6)
فإن مجرد استماعه كلام الله - جل جلاله - فيه الحجة عليه (1)
__________
(1) - يصح أن تؤول (حتى) بـ (لام التعليل) أي من أجل أن يسمع كلام الله - جل جلاله - وهو في جوارك آمن لا يخشى على نفسه ، فيكون له ما يعينه من قرار النفس وطمأنينة القلب ما يجعله يستشعر ما في القرآن بمجرد السمع .

ويصح أن تؤول ( حتى) بـ (إلى) أي إلى أن يتمكن من أن يسمع كلام الله - عز وجل - ، فذلك كاف في إقامة الحجة عليه ، وهذا من إبلاغ الرسالة له ، ومن بعد أن يسمع كلام الله أبلغه مامنه .

(1/215)


، وإن لم يفهم ما فيه إن كان أعجميا ، لأن في الصورة الصوتية لبيانه ما يدل دلالة قطعية على أنه ليس من كلام البشر ، وأن ما فيه من تلك القيم الصوتية جرسا وإيقاعا ، وما يتحقق فيه من التناغي والتناغم لا يمكن أن يأتي في كلام أحد من البشر، وإن كان نبيا رسولا على نحو ما سبق أن نقلته لك من كلام " جان جاك روسو" (1)
القرآن الكريم في العهد المكي إذن طابق بين مكونات صورة المعنى ومقتضيات السياق والأغراض التي يساق لها الكلام ، وطبيعة القوم النازل فيهم القرآن الكريم في ذلك العهد ، فجعل للجرس والإيقاع مكانا عليا في تكوين صورة المعنى وتشكليه فيما تنزل من القرآن في ذلك العهد المكي.(2)
***
. بيان الجرس والإيقاع .
__________
(1) - من الأدلة القوية القريبة الباهرة القاهرة على أن للقرآن الكريم إيقاعه الذي لايمكن أن تجده في غيره من الكلام ، وإن كان كلام نبي مرسل أن تعمد إلى أي بيان غير القرآن الكريم ، وتطلب ممن تراه الإمام في أصول التغني بالبيان القرآني أن يتغنى بذلك البيان غير القرآني على أصول التغني بالبيان القرآني ، وإن كان حديثا نبويا بل ، وإن كان حديثا قدسيا ، فإنه لا محالة عاجز عن أن يفعل ، وإن حمل على نفسه وقسرها على أن تتكلف بان عواره وشناره ، و بدا منه ما يضحك .
(2) - لعل هذا مما يمكن أن يسترشد به في ترجيح القول بمكية آية أو مدنيتها حين يتفارب المنقول عن أهل العلم ، فإذا ما غلب عنصر التصويت والتوقيع على صورة المعنى ، مضافا إلى طبيعة المضمون وعلاقته بما كان القصد الأعظم للتنزل في العهد المكي، فالأقرب القول بمكية التنزيل .

(1/216)


(الجرس) هو الأثر السمعى الناتج عن الذبذبات الفرعية المتوائمة مع الذبذبات الأصلية الناتجة من الأوتار الصوتية عند نطق الأصوات المجهورة (1).
" فاذا كانت الكلمة مكونة من حروف قوية الإسماع حسن جرسها وإلا ، فلا، أضف إلى ذلك أن حسن الجرس يرتبط أيضا بحسن التأليف"(2)
وهذا الجرس يمكنك أن تلاحظه في بناء الكلمة – إذ تصغي إليها - ولهذا حرصت العرب في بناء كلم بيانها على أن توفر لها مزيدا من التناغم والتناسب ، وأجلت خفة الأداء ، فأحدثت ضروبا من التغيير والتحول في أصوات الحروف ، وكثيرا من الاستغناء والحذف تحقيقا للانسجام الصوتي للكلمات ، وهذا ما يلحظه الناظر فيما قام له علم التصريف ، وهو علم بأصول صناعة الكلمة في لسان العربية .(3)
__________
(1) - الأصوات المجهورة هي التى يهتز معها الوتران الصوتيان لانقباض فتحة المزمار وضيق مجرى الهواء واقتراب الوترين اقترابا يسمح للهواء بهز الوترين. وهي متفاوتة في الجهر أعلاها أصوات المد الثلاثة ( الصائة الطويلة:حروف المد ) ثم الحركات الثلاثة .
(2) - قراءة جديدة لتراثنا النقدي : مقال" موقف النقد العربي التراثي من دلالات ما وراء الصياغة اللغوية لتمام حسان : المجلد الثاني ص 786
(3) - علم تصريف بناء الكلمات من العلم الجليل الدقيق الكاشف عن منهاج العربية في تأثير أصوات العربية وتأثرها في وجودها النظمي ليبنى من ذلك كلمة متسقة الأصوات تجرى على اللسان فتستقبلها الأذن وتنفذ في القلب .
وقد ضاق طلاب العلم بما يكلفون به من النظر فيما جرى لبعض الكلمات من الإعلال والإبدال والتصورات الفرضية التي كانت عليها الكلمة ، والمراحل التي تنقلت فيها حتى بلغت ما بلغت .
وكأني بعلماء تصريف بناء المفردات في العربية يشيرون بهذا إلى شبيه بما يجري في علم تصريف بناء الكلام من الكلم من تأثر وتأثير ، وإن كان هذا في علم تصريف بناء المفردات أقرب وأيسر إدراكا .

وكأني لمنهاج بناء الأمة المسلمة من أفرادها نسب من منهاج بناء مفرداتها وجملها وفقرها تناسق وتناسب وتآخي وتناغى لتبنى أمة مسلمة ، كل من فيها مؤثر في غيره ومتأثر به ، فالأمة بيانا والأمة بناء على نهج سواء ، فمن فقه منهاج بناء بيانها ، فقه منهاج بناء وجودها المسلم .فدراسة لسان الأمة هي دراسة للأمة نفسها .مبنى ومعنى .

(1/217)


وهي في منهاجها التصريفي قد لا حظت العلاقة بين طبيعة أثر الصورة الصوتية للكلمة ، والمعنى الذي تقوم الكلمة بحمله في سياقها الذي تدرج عليه ،فهى لغة موسيقية موزونة فى حروفها ومفرداتها وتراكيبها فحروفها موزعة المخارج الصوتية توزيعا موسيقيا وافيا ، فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص فى الحروف العربية التى قسمت على حسن موقعها من أجهزة النطق المستخدمة أحسن استخدام يهدى إليه الافتنان فى الإيقاع الموسيقي ، فاذا هى لغة شاعرة فى حروفها قبل أن تتألف منها كلمات .
والوزن والانسجام هما دعامة بناء الكلمة المفردة فى العربية ، فاذا التوازن بين العناصر الصوتية للكلمة وافر باهر من جهة وهو يبين صورة المبنى ومافيه من المعنى كذلك ، وكثيرا ما يسترشد بالمبنى فى نسقه الصوتي على فقه المعنى ولا نجد لغة كالعربية تناسقت منها أصوات كلماتها من جهة وتناسقت تلك الهيئة الصوتية المركبة فى كلمة مع معناها ، فاذا الأحداث بادية فى الأصوات وإذا الأرواح تنم عنها الأجساد ،أو يشي المظهر بالمخبر (1)
__________
(1) - راجع في هذا ما قال " العقاد" في " اللغة الشاعرة " في فصول :" الحروف ، والمفردات ، والإعراب.
وقد كتب من قبله " ابو فهر" ثلاث مقالات في مجلة " المقتطف" بعنوان :( علم معاني أصوات الحروف) في المجلد 96،97 - مارس ،أبريل ومايو 1940 ، وأعيد نشر المقالات في كتاب ( جمهرة مقالات الاستاذ محمود محمد شاكر ) ج2 ص 708-735- جمع : د/ عادل سليمان جمال – مكتبة الخانجي سنة 1424 هـ
يقول الشيخ أبو فهر – رحمه الله - :" أريد بقولي " معاني أصوات الحروف " ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف – لا الحرف نفسه – من المعاني النفسية التي يمكن أن تنهض بها موجة اندفاع من مخرجه ...وما يتصل بكل هذه من مقومات نعت الحرف المنطوق .

وليست المعاني النفسية – أو العواطف أو الإحساس – هي كل ما يستطيع أن يتحمله صوت الحرف بل هو يستطيع أن يحتمل – أيضا – صورا عقلية معبرة عن الطبيعة وما فيها من المادة ، وما يتصل بذلك من أحداثها أو حركاتها أوأصواتها أو أضوائها أو غير ذلك ...." ( الجمهرة :2/708)
وهذا المذهب الذي يغدو فيه أبو فهر مبعثه الإيمان بالعلاقة الوطيدة بين الصوت والمعنى ، وأن أصوات الكلم ليست إشارات إلى معان زنيمة لا علاقة لها بها ، وأن تشكيل كلمة (ضرب) على هذا النحو له علاقة بالمعنى النفسي والعقلي للحدث، وأنه لا يكون في طبيعة اللغة أن يدل على ذلك المعنى النفسي للحدث قولنا ( ربض ) أو(رضب) أو غيره من التقليبات الصوتية للحروف ،أو أن يدل عليه كلمة من مادة أخرى.
وكلام ابن جني في هذا الباب قائم بين يدي طلاب العلم حتى غدا مما اشتهر من العلم ، وهو باب لطيف طريف دال على حكمة العربية في وضعها الأول سواء قلنا إن مبدأها توقيف أو مواضعة توفيقية اصطلاحية .

(1/218)


ولما كانت المعاني متنوعة وجدنا في العربية كلمات ما تزال تحمل في بنائها الصوتي آثار الحزونة والصعوبة التنغيمية بغية إعانتها على الوفاء بحق تصوير معناها بصوتها ، فيكون منها عون للمتلقى على أن يدرك المعنى الذي قد يجد من نفرة النفس عنه ما يعيقه بعض الشيء عن إدراكه وتعقله ، فيبقى الأثر الصوتي معينا على إدراك المعنى الغريب الذي لاتأنس النفس بوقوعه وصحبته ، كمثل ما تراه في اصطفاء الله - سبحانه وتعالى - كلمة: ( ضيزى) في قوله- عز وجل - : (تلك إذا قسمة ضيزى)(النجم:22) وكلمة: ( طغواها) في قوله - جل جلاله -: (كذبت ثمود بطغواها) (الشمس:11)
المهم أن جرس الكلمة رافد رئيسي من روافد الدلالة على معناها .
ونحن بحاجة إلى ملاحظة انتشار الأصوات الجهرية التى هي معدن جرس البيان القرآني وتوزيعها ؛ لتتبين لنا سنة القرآن الكريم فى التنسيق الصوتي بين الجهر والهمس الذى هما رافد الايقاع.(1)
__________
(1) - إذا ما نظرت في سورة (أم الكتاب) وجدت الحروف المجهوره هي الغالب عليها ، وقد اشتملت على الحروف المجهورة كلها خلا ثلاثة أحرف ( ج – ز – ظ ) وقد كثر فيها أقوى الحروف جهرا وهي ما يسمى بالحروف المتوسطة ( ر.- ل – م – ن ). وقد غلب تكرارها على غيرها من الحروف المجهورة .
وليس فيها من المهموس إلا ثلثا الحروف المهموسة : ستة أحرف:(ت- ح.- س.- ص –ك –هـ) ، ولم يأت فيها ( ث – ش – ف ) وما جاء تكرر كل حرف منها ثلاث مرات إلا (الحاء) و(الهاء) خمس مرات لكل ، وهذا إذا ما عددنا (البسملة) آية من السورة .
وقد شاع في السورة الأصوات الصائتة الطويلة : " حروف المد ". فقد تكررت إحدى وعشرين مرة : ( الله – الرحمن – الرحيم - لله – العالمين – الرحمن – الرحيم - مالك – الدين - إياك – إياك – نستعين - إهدنا – الصراط – المستقيم - صراط – الذين – المغضوب – لا - الضالين )
وكانت الغلبة لتكرر الألف ، وهي أمدها ثلاث عشرة مرة : ( الله – الرحمن – لله – العالمين – الرحمن – مالك – إياك – إياك – إهدنا – الصراط – صراط –لا - الضالين )
ثم للياء : ثماني مرات : (الرحيم - العالمين –– الرحيم - الدين -نستعين - المستقيم - الذين –الضالين )
ولم تأت واو المد إلا مرة واحدة في ( المغضوب )
وكان أكثر حروفها متحركا ، وهذا يجعل السورة ذات جرس صوتي ورنين يملأ الأذن .
وأضاف إلى جرسها مزيدا من الحسن تباعد مخارج الحروف المجهورة في بناء الكلمات، فمن البين أن قوة الإسماع للحروف مع تباعد مخارجها وتنوع صفاتها يزيدها حسنا واتساقا .
? وهذا يعين على حسن التغني والترتيل ، فتقبل النفس على الاستماع إليها ، وعلى ترتيلها ، ولا سيما حين تمتلئ النفس بالمشاعر، فتجد في رنينها وجرسها ما يلائم ما يعتمل في تلك النفس ، فتستريح بالاستماع أو التلاوة
وكان من فيض الرحمانية العلية المقدسة أن فرضت قراءتها على كل مصل في كل ركعة يركعها، ليملأ نفسه بمغانيها ومعانيها ، فكانت بحق سيدة وأعظم سورة في القرآن الكريم

(1/219)


***
(الايقاع) هو التواتر والتتابع بين كل متقابلين فى عالم المحسوسات ، بل وفى عالم المعنويات.
وهو فى عالم اللغة توالى الصوائت والصوامت وانتظامها وأطرادها على نسق خاص، فأساسه كما يقول أهل العلم رجوع الظاهرة الصوتية على مسافات زمنية متساوية أو متجاوبة (1)
والعربى بفطرته يعشق الإيقاع ،ونشأته فى الصحارى الفسيحة جعلته معتمدا على أدراكه السمعي ، فأصوات الرياح حين تهب إيقاع تتلقفه أذنه الرهيفة، وحين يسكن الكون من حوله، يسمع خفق القلوب ووجيبها ، ويسمع وقع الأقدام على الأرض وتوقيعها وهى على أميال عديدة ، فهو ذو أذن واعية خفايا الهمس ، فكان منطوق ألسنتهم متناغيا مع ما فطرت عليه آذانهم التى عشقت توقيع الأصوات، فاذا العربية لغة موزونة فى حروفها ومفرداتها وتراكيبها الفنية والموسيقية « فهى فى جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات لا تنفصل من الشعر فى كلام تألفت منه ولو لم يكن من كلام الشعراء.
__________
(1) - ينظر : في الميزان الجديد لمندور : 223،
كثرت عبارات أهل العلم وتنوعت في بيان مفهوم الإيقاع ، وما يميزه عن الوزن الشعري من ذلك قولهم :
هو " توظيف خاص للمادة الصوتية في الكلام يظهر في تردد وحدات صوتية في السياق على مسافات متقايسة بالتساوي أو بالتناسب لإحداث الانسجام ، وعلى مسافات غير متقايسة لتجنب الرتابة..." (في مفهوم الإيقاع – محمد الهادي الطرابلسي ص 12 حولية الجامعة التونسية - العدد - :32 – سنة 1991) نقلا عن 0 شعر غازي القصيبي : دراسة فنية – لمحمد الصفراني : 370-371- كتتاب الرياض العدد 107
« ويتسع مفهوم الإيقاع ليشمل كلا الأمرين :
التناوب الصحيح المنضبط لعناصر متشابهة ، أو التكرار الدقيق لنفس العناصر ...)(ص 116 – الروافد المستطرقة بين جدليات الإبداع والتلقي لمحمد فتوح أحمد – مطبوعات جامعة الكويت1998

(1/220)


وهذه الخاصة فى اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها على حدة ، إلى تركيب مفرداتها على حدة ، إلى تركيب قواعدها وعباراتها ، إلى تركيب أعرضها وتفعيلاتها فى بنية القصيد ». (1)
فالعربى ذو نفس طروب فى جوهرها تتجلى مطامحها وإنفعالاتها وإندفاعاتها فى تعبير موسيقى موزون(2)
فإذا ما كانت العربية لغة موسيقية موزونة فى حروفها ومفرداتها فحروفها موزعة المخارج الصوتية توزيعا موسيقيا وافيا فإنها فى نظم كلمات جملها أكثر اعتناء بالوزن والإيقاع ، لأنهما دعامة البناء التركيبى للجملة فاذا التوازن بين العناصر الصوتية للجملة وافر باهر أيضا على نحو لا تغفل عنه أذن واعية وقلب معافى ..
فالعربية فى أى أفق من آفاق البيان بها هى لغة الايقاع الحى المتجدد.
***
قوانين الايقاع .
يذهب أهل العلم بذلك إلى أن الايقاع تحكمه سبعة قوانين هى:
النظام
التغير
التساوى
التوازي
التوازن
التلازم
التكرار.(3)
هذه القوانين السبعة تعمل مجتمعة متلازمة لا متعاقبة فى انتاج الايقاع سواء كان صوتيا أو معنويا، وهى قوانين تجتمع فى باب الانتظام والانسجام ، فلن يكون هناك إيقاع لشىء إلا إذا تكون من أشياء عديدة منظمة منسجمة سواء كان هذا الانتظام تقابليا أو توافقيا ، فإن الانسجام والانتظام ينبثقان من بين المختلفات مثلما ينبثقان من بين المتفقات
__________
(1) - العقاد اللغة الشاعرة للعقاد: 9
(2) - مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية- ص : 183- ترجمة : عبد الصبور شاهين –ط :1405- دمشق – دار الفكر .
(3) - الأسس الجمالية في النقد العربي : عز الدين إسماعيل ص 122 – ط: (3) سنة 1974- دار الفكر العربي . بالقاهرة

(1/221)


وهذه القوانين السبعة مجملة فى بابين: ( الانتظام والانسجام : تقابلا وتوافقا). الأشياء لا تكون منسجمة الا اذا كانت منتظمة أما الاضطراب والتهوش ، فهو جرثومة القبح فى كل شىء ، وحين يكون الانتظام بين وحدات متكررة بينهما وجوه تناظر عديدة وبعض وجوه التغاير يتحقق الانسجام ، فالتكرار المطرد المتلازم بين الأشياء المتنوعةالمتلاقية من وجوه عديدة متساوية متوازية متوازنة يخلق فيها الانسجام والتناسب الذى هو معدن الجمال فى الأشياء.
فكل جميل إنما جماله من انسجام عناصره (مبنى ومعنى)فيما بينها ومن انسجامه هو مع وظيفته ومن ثم لا ترى شيئا جميلا فى كل مقام وحال وسياق .(1)

. مجال الايقاع اللغوي .
البناء اللغوي القائم في سياقه الممتد يرتكز على أساس من علاقة التناظر والتقابل بين عناصره الجزئية ووحداته الكلية ، وهذا الأساس هو روح (الإيقاع) لأنه كما تبين نظام يعتمد التناوب بين العناصر والوحدات المتناسبة والمتشابهة مما يحقق لها خاصية التردد المتطهر من عوامل الملل .
وهنالك نوعان كليان للإيقاع :
إيقاع صوتي ، وإيقاع معنوي .
الإيقاع الصوتي ينشأ من أصوات الحروف والحركات فى الكلمة ، ومن اختيار الكلمات ومن تنضييد الجملة من كلمات ، وما فيها من حركات ومدات منسوقة ، ومن منهج التركيب ، ومواقع الكلمات ، ومن طول الكلمات والجمل وقصرها ، ومن مقاطع الجمل وفواصلها كل ذلك روافد رئيسية يستجمع منها الإيقاع الصوتي .
. وقد هدى " عبد القاهر" إلى أثر اختيار مواقع الكلمات فى عزف إيقاعات البيان وهو بصدد التقديم لباب "التقديم والتأخير" يقول:
__________
(1) - تظاهرت أقوال كثير من أهل النظر والذوق على أن التناسب بين الأشياء هو اساس حسنها وجمالها ، وذلك في الثقافات المختلفة :

(1/222)


« هو باب كثير الفوائد جم المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية لا يزال يفتر لك عن بديعة ويقضى بك إلى لطيفة ، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ، ثم تنظر ، فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شىء وحول اللفظ عن مكانه إلى مكان." (1)
فى قوله:« يروقك مسمعه » آية على أن التقديم والتأخير رافد من روافد الايقاع الصوتى للعبارة.
وأبين من هذا ما تراه من تحليله لقول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العدا
... لتجمح مني نظرة تم أطرف
وقول سبيع بن الحطيم :
سالت عليه شعاب الحي حين دعا
أنصاره بوجوه كالدنانير
فأبان أن ما تراه من الطلاوة والظرف والحسن والحلاوة والأريحية والنشوة إنما يأتيك من مواقع الألفاظ واختيارها واختيار هيأتها وما الطلاوة والحلاوة إلا من حسن إيقاع الكلام . (2)
__________
(1) - دلائل الإعجاز : 106- ط: شاكر
(2) - السابق: 99
يمكنك أن تصغي إلى أصوات الغنة في البيت الأول ( النون والميم) وتوزيع صوت العين في الشطر الأول منه ، مضافا إلى ذلك أصوات المد في هذا الشطر مما يحدث رنينا وتصويتا عليا في الأذن، يتلاءم مع ما يموج في صدر الشاعر
وفي البيت الآخر تصغي إلى أصوات الحاء والعين والمد ، مما يبعث جهارة الرنين ،وقد وزعت الأصوات توزيعا متساوقا ، فاستمع إلى المد وموقعه في ( سالت ، شعاب، حين ، دعا ، انصاره ، بوجوه ، كالدنير ، وهذا المد يمنح نفس المترنم امتدادا كامتداد سيلان أنصاره ===? ? === المشرق في النفس بهجة ، وهذه العين الموغلة بجهارتها في الحلق والأذن أيضا تمكن النغم في نفس المتلقي ، وقد وزعت على مساحة الترنم في الشطر الأول ، فالسكون الذي في (تاء) سالت ، وما فيها من همس يمهد لانطلاق العين في ( عليه ) ، ثم الكسرة بما فيها من جهارة وخفض تستريح النفس معه تمهد لصوت العين المردف بالامتداد ، وكأنه يصور لك امتداد هذه الشعاب ، وتأتى كذلك الفتحة من قبل العين المردوفة بما هو من جنس ما قبلها (الفتحة والألف ) في ( دعا) كل ذلك حين تصغي إليه يقيم في قلبك تناغما مبهجا يصور لك بهجة إقبال أنصاره عليه بوجوه كالدنانير ، وقد ساعد على ذلك نظم البيت ، فانظر كيف قدم قوله( عليه) ، وقدم الظرف ( حين) وأخر المتعلق بسال (بوجوه..) ، وكيف أنه أسند الفعل ( سال) إلى الشعاب ،وكيف أنه أضاف الشعاب إلى الحي ، بكل ما تحمله هذه الكلمة من فيض الحركة المتساوقة مع الحركة في سالت ، وهي حركة حياة اشتق منها قوله :( الحي) وغير هذا لا يخفى عليك في البيت.

(1/223)


فاذا أنت نسجت كلمات البيت نسجا آخر لا يخرج على قواعد النحو من نحو (سالت شعاب الحى عليه بوجوه كالدنانير حين دعا أنصاره ) كما يقتضى ظاهر البناء اللغوي ، فقد ذهب الذى كنت تجد من حسن وحلاوة وأريحية ونشوة ، وفى هذا دلالة على أن النظم وإن كان عمود بلاغة الكلام ، فإنه أيضا معه إيقاع جالب حسنا وحلاوة ونشوة واريحية.
وأنت تجد مثل هذا ظاهرا في القرآن الكريم :
{ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر* حكمة بالغة فما تغن النذر * فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر) (القمر:4-7)
تدبر هذا النسق الصوتي البادي في فواصل الآيات ، وكيف أن فواصل الآيات معتلقة تركيبيا بما قبلها وما بعدها ،ولو أنك أردت في غير القرآن أن تنسقها كما يقضي ظاهر النظم لقلت : ( يخرجون من الأجداث خشعا أبصارهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر كأنهم جراد منتشر) وستجد أن فيضا من المعاني النفسية قد ضاع ، وفقد البيان رونقه وبهاءه ، وأنت لم تفعل غير أنك أقمت الكلمات والجمل مقاماتها التي يقتضيها ظاهر أصل النظم ، فحق أنك وجدت سبب أن راقك ما في النظم القرآني ولطف عندك أن قدم فيه شىء وحول اللفظ عن مكانه إلى مكان،كما يقول الإمام .

(1/224)


ومن ثم يجمل بنا ألا نقصر أثر نظم البيان العالي فضلا عن العلي على الأثر الموضوعي المتعقل الذي يمكن إدراكه وضبطه ووصفه والإبانة عنه ، بل علينا – فريضة تدبرية تذوقية – أن نجمع إليه الأثر الانطباعي الذي نشعر به وندركه ، ولا نضبطه، ولا نتمكن من وصفه، والإبانة عنه كالأثر النفسي الذي ندركه من خلال جرس الكلام وإيقاعه ، وهو لا يقل أهمية في تحقيق التثقيف النفسي للمتلقي الأثر الموضوعي المتعقل .
وهذا ما يمكن أن تدركه من العدول الموقعي لبعض عناصر البنية اللغوية للخطاب كما سبق بيانه ، فليس بلازم حصر أثر ذلك العدول في الأثر الموضوعي المتعقل من نحو توكيد أو تخصيص ...إلخ بل قد يصاحب هذا أثر نفسي انطباعي قد يكون أظهر وأسرع إدراكا من الأثر الموضوعي المتعقل .
وإذا ما كان علينا الأ نرغب عن القول به لأنه حقيقة قائمة في البيان ، فعلينا ألا نجزم بأنه أثر أجرد ، لايصاحب أثرا موضوعا متعقلا ، لأن البيان الذي نحن بصدده بيان وصفه المكتلم به بأنه كريم مجيد.
وقد جاء عن "الزمخشري " فيما نقل عن كشافه القديم قوله : « لاتحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سردها ، على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتآمه ، فأما أن تهمل المعاني ،ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤداه ، فليس من قبيل البلاغة » (1)
__________
(1) - الإتقان في علوم القرآن للجلال السيوطي – تح :محمد أبو الفضل إبراهيم ج3/ 313-314 – ط: المشهد الحسيني بالقاهرة

(1/225)


وهذا ليس تقليلا من شأن الأثر النفسي الذي يتولد من مراعاة الفواصل بل هو تعظيم لمكان البيان القرآني العلي ، فالأعلى أن نشير إلى أن إدراكنا للأثر النفسي للجرس والإيقاع أظهر وأقرب وآنس للنفس، وأنه قد يكون لمتفرس نفوذ إلى ما لم ندرك من الأثر الموضوعي المتعقل المصاحب له في لطف .
ومن هنا ندرك أيضا وجها من مقال غير قليل من أهل العلم بالبيان بأن الحذف لمراعاة الفاصلة ، وأن التقديم لذلك على نحو ما جاء عن " الشمس بن الصائغ " في كتابه " إحكام الراي في أحكام الآي " من أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية ، يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول (1)
__________
(1) - السابق : 3/ 296
لست هنا بصدد دراسة بلاغة الفواصل القرآنية ختى أستوعب لك كثيرا مما جاء عن أهل العلم في هذا ونقده : تفسيرا وتقويما ، وإنما قمت لأشير إلى بعض المعالم على الطريق لتبصر فتغدو ، ولولا هذا لكان للقول متسعا ، وثم دراسات غير قليلة في شأن الفواصل القرآنية والسجع ، ولاسيما ما يتعلق بذلك من التنغيم والتوقيع
من تلك الدراسات ما جاد به الأستاذ على الجندي في سفره الجامع النافع ( صور البديع : فن الأسجاع ) طبعة دار الفكر العربي، ولا سيما الجزء الثاني منه ، ومقال الشيخ " عبد الرحمن تاج " : ( السجع وتناسب الفواصل ) في مجلة مجمع اللغة العربية العدد (36) 1395 ، وكذلك كتاب ( الفاصلة في القرآن ) لمحمد الحسناوي : ط: المكتب الإسلامي بيروت ، فقد عقد فصلا لإيقاع الفاصلة القرآنية ، وبسط القول في هذا ، وكتاب (الفواصل القرآنية : دراسة بلاغية ) للدكتور السيد خضر- نشر مكتبة الإيمان بالمنصورة

(1/226)


وقد جاء عن ابن الأثير أن التقديم في قول الله - عز وجل - : { إياك نعبد وإياك نستعين } (الفاتحة:5) لمكان نظم الكلام ولمراعاة حسن النظم السجعي (1)
الاقتصار على هذا الأثر النفسي للقيم الصوتية في البيان القرآني غير علي القول به بل هنالك ما يصاحبه من الأثر الموضوعي المتعقل الذي لا يخحسن البتة الغفلة عن صحبته له ،وغن كان لطيفا في بعض المقامات .
***
وأما النوع الثانى : إيقاع المعاني فإن ذلك باد فيما يكون بين معانى المفردات فى العبارة وبين أنماط التراكيب فى الجمل ، وما بين الفصول والمعاقد من تواز وتقابل، وترديد ، وذلك فى العربية ظاهرة شائع ، وهو فى القرآن الكريم جد بديع ، فقد وصفه الله - سبحانه وتعالى - بأنه كتاب متشابه مثان :
{ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد } (الزمر:23) (2)
__________
(1) - المثل السائر لابن الأثير – تح : محيي الدين عبد الحميد :2/36- المكتبة العصرية بيروت
(2) - بنيت هذه الآية على نهج بديع رفيع :
بني الخبر الجملة الفعلية (نزل أحسن الحديث ) على اسم الجلالة فدل على تأكيد وقوع الخبر من المخبر به عنه، ودل على أن السياق للحديث عن المخبر عنه - جل جلاله - ، وأن من جليل ما يخبر عنه إنزال أحسن الحديث ، فهذا الخبر مناط عناية منسولة من العناية بالإخبارعن الله ==? ? === ولو أنه قيل : نزل الله أحسن الحديث ، لكانت العناية منوطة بغير ما هي منوطة به فيما جاء به البيان القرآني .

ويأتي قوله ( أحسن الحديث ) مبرزا وصف الإحسان الحامل إلى القلب معنى الأفضلية من جهة صيغته ، ومعنى التفضل من جهة مادته ، كما سبق أن أشرت إلى معنى الحسن .
ويهدي البيان بقوله (الحديث) إلى تلاحظ هذا النعت مع قوله ( نزل) ، وهذا ما يكشفه لك ويقربه إلى قلبك أو يودعه فيه قول الله - عز وجل - :(وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) (الاسراء:106) فانظر قوله ( فرقناه) وقوله (على مكث) وقوله ( نزلناه تنزيلا)
سماه (حديثا) لا من أنه محدث القول به ، بل هو حديث إنزال من السماء الدنيا إلى الأرض كلما نزل بالناس في عصر المبعث نازلة نزل فيها بيان الهدى من القرآن الكريم ، فجاء قوله : ( كتابا) كانه احتراس مما قد تضل بعض القلوب ، فتحسب أنه لا يجمعه جامع يقيم آياته وسوره المنزلة على مكث ، فإذا هوأمشاج وأخلاط ، لا تنتسب ، فقال ( كتابا) ، ونعت هذا الكتاب بالذي هو أحسن الحديث بنعوت مهمة جدا تكشف عن حقيقة ونعت هذا الكتاب الذي هوأحسن الحديث : متشابها - مثاني - تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم - ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله
هذه النعوت الأربعة الأول والثاني منها:( متشابها مثاني) كالسبب ، والثالث والرابع : (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) كالمسبب ، كونه متشابها ومثاني يثمر اقشعرار قلوب الذين يخشون ربهم ، ولين قلوبهم وجلودهم .
التشابه يشير لى نعت التوازن والتوازي الحسي والمعنوي في البيان القرآني ، وهذا ركن عظيم من أركان الإيقاع الحسي والمعنوي الذي نشعربه في ترتيلنا ، وإن عجزنا أحيانا كثيرة عن عقل وضبط ما نشعر به ، فيملأ قلوبنا بجلاله مما يفيض على جوارحنا وجلودنا ، فتقشعر رهبة من جلاله الذي أثمرته الخشية ( الخوف عن علم ) فإذا ما قمنا في تلك المنزلة العلية من استشعار الجلال والرهبة أنشرحت الصدور ، ففاض النور من ربنا ، فتلذذت قلوبنا وجورحنا وجلودنا ، فلانت من قسوتها التي كانت عليها من قبل.
والتثنية المقرونة بالتشابه تشير إلى نعت التصريف المبني على التنوع المقيم حجازا بين النفس والملل ، فلا تشبع منه العلماء ، فالتثنية التي لا تقوم على التكرار الأجرد ركن عظيم من أركان الإيقاع الحسي والمعنوي الذي نستشعره في البيان القرآني .
ومما يقوله أهل العلم في معنى (مثاني ) أن التثنية أن « تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام والحكم ، مختلفة البيان في وجوه من الحكم ، متفاوتة الطرق ففي وضوح الدلالات ، من غير اختلاف أصلا في أصل المعنى ، ولا يمل من تكرار ، وترداد قراءته وتأمله واعتباره مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده :
المؤمن والكافر ، و المطيع والعاصي ، والرحمة العامة والرحمة الخاصة ، والجنة والنار ، والنعيم والشقاء ، والضلال والهدى ، والسراء والضراء ، والبشارة والنذارة ، فلا ترتب على شيء من ذلك جزاء صريحا إلا ثني بإفهام ما لضده تلويحا ، فكان مذكورا مرتين ، ومرغبا فيه أو مرهبا منه كرتين ...»( نظم الدرر للبقاعي : 6 / 438)
الآية زاخرة بالمعاني الإحسانية ، ومما يزيدك اقترابا من الشعور بها أن تنظر في الآية السابقة عليها ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين) (الزمر:22) وعلاقتها بها .

(1/227)


يمثل الترديد وتصريف المعاني مظهرا من مظاهر إيقاع المعاني في القرآن الكريم ،وهو يحدث في القلب نشوة وبهجة كالتي تحدث من سماع الإيقاع الصوتي ، وأكثر ما ترى هذا في تصريف الدلالة على المعنى الواحد كما تراه في الدلالة عليه بالمنطوق حينا وبالمفهوم والتلويح حينا والتصريح حينا آخر ، فيعرض عليك المعنى أكثر من مرة في أكثر من معرض ليتمكن في قلب المتلقى وهذا يكثر في المعاني الرئيسة في باب العقيدة والشريعة.(1)
__________
(1) - عقد " أبو الحسن الحرالي "(ت:638) الباب الثاني من كتابه القيم ( مفتاح الباب المقفل لفهم الكتاب المنزل ) لبيان منهج القرآن الكريم (في الجمع لنبأي الإفصاح والإفهام) مقررا :" أن الله - سبحانه وتعالى - أنزل القرآن مثاني بين إجمال وتفصيل ، وبين إفصاح وإفهام يفهم نبؤه عنه – تعالى – إفصاحا نبأه عن عبده إفهاما ، لمقابلة ما بين العبد والرب ، ويفهم نبؤه عن عبده إفصاحا نبأه عنه – تعالى – إفهاما ، وكذلك فيما بين دنيا العبد العاجلة، والأخرى الآجلة ، وكذلك فيما بين هداه وإضلاله ، وفتنته ورحمته ، وكل متقابلين من خلقه وأمره ، وكذلك فيما بين آيات الاعتبار من أمر الخلق ، ومعتبراتها من أمر الحق ، ولا يكاد هذا النحو من البيان يقع شيء منه في بيان الخلق ولا بلاغتهم إلا نادرا لمقصد اللحن به والإلغاز بإفهامه "

(1/228)


ومن إيقاع المعاني ماتراه فى ما بينها من تقابل وتناظر وتوازن وتكافؤ ورد عجز على صدر معنوي وجمع وتفريق وتقسيم إلى آخر تنسيق المعاني ومراعاة النظائر ونسج المتقابلات في إطار الجملة والمعقد والسورة ، بل إن سورا كاملة قامت على نهج التوقيع المعنوي التقابلي على نحو ما تراه فى سورة (محمد) وفى سورة (الحديد) أو منهج التوقيع المعنوي التناظري كما تراه فى ما بين معاقد سورة (النحل) ، وما تراه من العموم الخصوص بين سورتي ( النحل) و( الإسراء) فإن العلاقة بينهما كمثل العلاقة بين اسمية - جل جلاله - :(الرحمن ، الرحيم)، فالنحل منسولة من اسمه (الرحمن) و(الإسراء) منسولة من اسمه (الرحيم)
التحليل البيانى لإيقاع السورة القرآنية يعمد إلى النظر فى نوعى الإيقاع الصوتي والمعنوي على السواء فان أحدهما ليس أضعف أثرا من الآخر فى إنتاج المعني القرآني فى قلب المتلقي ، وإن يكن إدراك أثر الإيقاع الصوتي فى ذلك أسرع من إدراك أثر الإيقاع المعنوي فإنه قد يكون ألطف حين يدق ، فيحتاج المرء معه إلى مزيد إعتناء ولقانية وخبرة ودربة.

. الجرس والايقاع في الأساليب البلاغية .

الناظر فى أساليب البيان العربى يدرك فيها جليا قوانين الإيقاع المدرجة فى باب الانسجام ، وأكثر ما تجد هذا فى ما يعرف بضروب البديع سواء ما كان منها معنويا أو لفظيا.
ترى ذلك فى أسلوب المطابقة بنوعيها: (الإفرادية:الطباق) و (والتركيبية:المقابلة) فهو أسلوب يعتمد على الإيقاع بين المعانى سواء بين المفردات أو الجمل أو الآيات أو المعاقد والفصول بل إنك لترى توقيعا تقابليا بين سور القرآن الكريم كما بين سورة (النساء) وسورة (المسد).

(1/229)


وترى ذلك فى أسلوب مراعاة النظائر والتناسب وهو فى القرآن الكريم كثير لا تراه فى الكلمات ، فحسب بل يمتد إلى الجمل والآيات فى السورة بل بين المعاقد فى السورة الواحدة ، كماتراه بين المعقد الأول والثالث من سورة (النحل) (1) بل تراه بين السورتين كما تراه بين سورة (آل عمران) و(البقرة) من وجه وبين (آل عمران) (الاخلاص) من وجة آخر ، وما تراه بين (الطواسيم) وبين سور (الحواميم)
__________
(1) - الآيتان الأوليان هما مطلع التلاوة في سورة النحل، ليبدأ المعقد الأول من الآية الثالثة : ( خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون) (النحل:3) وينتهي بقوله - عز وجل - : (إلهكم إله واحد ) (النحل: من الآية22)
ويبدأ المعقد الثالث بالآية الخامسة والستين :(والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (النحل:65) لينتهي بالآية التاسعة والثمانين : (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل:89) فالايقاع المعنوي بين المعقدين قائم على التناظر والتشابه ، والنظرة و العجلى تكاد تحسب أن آيات المعقد الثالث كأنها تكرار لما جاءت به آيات المعقد الأول ، ولكن التبصر يهدي إلى أن ذلك من قبيل تصريف البيان ، وليس من التكرار ، وتصريف البيان هو من قبيل إيقاع المعاني ، والتكرير من قبيل إيقاع الأصوات .

(1/230)


وتراه جليا فى أساليب المزاوجة والجمع والتفريق واللف والنشر وفى التقسيم وفى المشاكلة وغير ذلك كثير من ضروب البديع فى المعانى فهى قائمة على دعائم الانتظام والتكرار والتماثل أو التغاير أو هما معا من وجهين مختلفين..........الخ
بل أنت لا ترى هذا الإيقاع المعنوى فى أساليب البديع المعنوية فحسب بل تراه أيضا فى كثير من قضايا النظم وبناء المعنى:
تراه كما سبقت الإشارة فى التقديم والتأخير وتراه فى الفصل والوصل ولا سيما تتابع الصفات أو الجمل والآيات، فهو فى صورته المعنوية واللفظية جد ظاهر، وتراه فى التكرار وفى تصريف الآيات.
والايقاع الصوتى تراه جليا فى كثير من أساليب البديع اللفظى: تراه فى الجناس بجميع صوره، وما هى إلا صور لتغاير إيقاع الكلمات سواء التام والمحرف والناقص واللاحق والمضارع والمزدوج والمقلوب وتراه فى السجع بجميع صوره التي لا تتناهى ، وتراه جد ظاهر فى فواصل الآيات وفى رد المقاطع على المطالع .
فريضة – إذن - على المتدبر البيان القرآني الساعي إلى فقه المعنى القرآني في سياق السورة أن يكون مهموما بالنظر والتبصر والتدبر لمعالم الإيقاع المعنوي والصوتي في كل تلك الأساليب .
وجملة الأمر أن التحليل البياني للايقاع يتناول كثيرا من أساليب البيان فى القرآن الكريم سواء ما أدرجه العلماء فى ما سمى بعلم المعانى أو البيان أو علم البديع.(1)
__________
(1) - مما ينفع طالب العلم في هذا ما جاء نا به الدكتور : تمام حسان في كتابه :( البيان في روائع القرآن : دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني) ط: عالم الكتب - 1413 – القاهرة ،ولاسيماالفصل الأول : ( القيم الصوتية في القرآن الكريم وأثرها في المعنى ) من القسم الثاني من الكتاب : ( دراسات أسلوبية) فقد نظر في الإيقاع والفاصبلة والحكاية والمناسبة الصوتية وحسن التأليف ، وهو خبير بذلك ، وذو حسن مرهف بإيقاع الأصوات وحركته في نسيج العبارة
وكذلك مما ينفع طالب العلم ما جاءت به الدكتورة: ابتسام أحمد حمدان في كتابها ( ألأسس الجمالية للإيقاع البلاغي في العصر العباسي) ط: دار القلم العربي سوريا 1418 وهي دراسة في إيقاع الشعر في كافة الأساليب، وقد جعلت كتابها من خمسة فصول : الإيقاع – الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي – إيقاع علم المعاني – إيقاع علم البيان – إيقاع علم البديع .

(1/231)


فكما أن التحليل يتناول قيمة هذه الأساليب فى بناء المعنى وتصويره ، فإنه يتناولها فى تحبيرها بما فيها من توقيع صوتى أو معنوى يتناغى مع توقيع خفقات القلوب والأنفاس ودفقات الدماء فى العروق.

. التفكير البلاغي والصورة الصوتية للمعنى . (1)
يحسن أن نستهل ذلك بكلمة علية قالها " أبو زكريا : يحيي بن زياد الفراء" (ت: 207) عند نظره في قول الله - عز وجل -: في سورة " النازعات " { يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون أئنا لمردودون في الحافرة (10) أئذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) .
جاء قوله - جل جلاله -: { أئذا كنا عظاما نخرة } متفردا في قراءة أهل المدينة والحجاز والبصرة بزنة ( فعلة) ، وجاءت قراءة عامة قراء الكوفة على زنة :( فاعلة : ناخرة) مشاكلة للفواصل قبلها .
__________
(1) - أريد بالتفكير البلاغي هنا منهج التدبرالبلاغي ، وليس بلازم أن يكون صاحبه من البلاغيين المختصين بذلك العلم كعبد القاهر والسكاكي وتلاميذه .
منهج التدبر البلاغي المعنى بالبحث عن المعنى في صورته ومنهاج تركيب مبانيها ومغانيها وسياقاتها القولية والمقامية تجده – أيضا - في غير أسفار البلاغة كمثل ما تراه في كتب التفسير وعلوم القرآن الكريم .

(1/232)


يبين "الفراء" أن "عمر بن الخطاب " - رضي الله عنه - قرأ ( ناخرة )، وأن بن عباس - رضي الله عنه - قرأ ( نخرة) و (ناخرة) ثم يقول عن ( ناخرة ) إنها" أجود الوجهين في القراءة ؛ لأن الآيات بالألف . ألا ترى أن (ناخرة) مع (الحافرة)و(الساهرة) أشبه بمجيء التنزيل ، و(الناخرة) و(النخرة) سواء في المعنى بمنزلة "الطامع" و" الطمع" و"الباخل" و"البخل" وقد فرق بعض المفسرين بينهما ، فقال :(النخرة) : البالية ، و(الناخرة ) : العظم المجوف الذي تمر فيه الريح ، فينخر " (1)
لتنظر في قوله : « أجود الوجهين في القراءة ؛ لأن الآيات بالألف...» فهذا منه إعلاء لعطاء التوافق في إيقاع النغم في الصورة الصوتية للآيات
وقد يحسب ناظر أن هذا من رد القراءات أو المفاضلة بينهما والقول بالتفاوت في بلاغة القرآن الكريم .
لو نظرت في مقال " الفراء" لرأيت أنه يقول : « أجود الوجهين » فهو لم يحكم بصحة أحدهما هنا دون الأخر بل قرر أن قراءة ( ناخرة) أجود بفيوض المعنى على القلب من قراءة (نخرة) أي أن الصورة الصوتية لقراءة (ناخرة) يتوافد منها على القلب من المعاني أجودها بما حملته من الانسجام في الجرس والإيقاع . وهذا ما لا يمكن أن تدفعه ، ولا سيما أنه يذهب إلى أن المعنى المتعقل من ( ناخرة ) و( نخرة) سواء ، فلم يبق إلا ما يتوافد عليك من الأثر الانطباعي من الصورة الصوتية المتناغية مع ما سبقها وما تلاها .
***
والتفكير البلاغي قد ظهر تدوينه المصنف على يدي " ابن المعتز " .
__________
(1) - الفراء : معاني القرآن : تح عبد الفتاح إسماعيل شلبي ج 3 ص231 – 232 – ط : دار السرور . وانظر معه تفسير الطبري ( جامع البيان ) ج 12 ص 461- دار الغد العربي .

(1/233)


وكان مبعثه إلى ذلك ما شاع في عصره من العناية بالقيم الصوتية : جرسا وإيقاعا ، حسبان بعض طلاب العلم أن ذلك مستحدث لم يكن لأهل البيان من قبل عناية به أو عرفان، فخشي "ابن المعتز" من قيام ذلك الحسبان أن ينصرفوا عنه تذوقا وعرفانا فأقام كتابه ( البديع) وهي تسمية عالية ذات دلالة على مضمون الكتاب وغايته ، صدره بالنظر في خمسة فنون بديعية : اثنان هما أصل عظيم من أصول التصوير الصوتي للمعاني عن طريق الجرس والإيقاع : الجناس ورد الأعجاز ، ولو أن كتابه في الشعر والنثر معا لجعل السجع ضميم الجناس
ومن قبله الجاحظ كانت عنايته بالتصوير الصوتي ، وأثر الجرس والإيقاع في الإبانة العلية عن المعاني ظاهرة في تفكيره البلاغي والنقدي:
تسمعه في شأن اللفظ وما به يتحقق له قدره في بناء البيان العالي :
« متى كان اللفظ كريما في نفسه متخيرا من جنسه ، وكان سليما من الفضول بريئا من التعقيد حبب إلى النفوس واتصل بالأذهان والتحم بالعقول ، وهشت إليه الأسماع ، وارتاحت له القلوب ، وخف على ألسن الرواة ، وشاع في الآفاق ذكره ، وعظم في الناس خطره...» (1)
وإذا ما جاء " الرماني " فإنه يجعل من الأقسام العشرة للبلاغة عنده ثلاثة من التصوير الصوتي : التلاؤم والفواصل والتجانس .
والتلاؤم عنده " تعديل الحروف في التأليف "
« والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله،وذلك بين لمن تأمله... والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ،وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة » (2)
__________
(1) - الجاحظ : البيان والتبيين– تح : هارون : 2 / 8
(2) - الرماني : النكت في إعجاز القرآن ص94-96 ( ضمن : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ) تح: خلف الله و زغلول سلام – ط: دار المعارف 1387

(1/234)


وهذا يزداد قدره عندك باستحضارك معنى البلاغة عنده :" إنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ " (1)
وهو يوجوب مشاكلة الحروف في مقاطع الكلام ليتحقق حسن إفهام المعاني ، فتكون المشاكلة حينئذ بلاغة ، وإلا كانت عيبا ، ولذلك يقرر أن تشاكل الحروف في مقاطع الكلام في القرآن الكريم كله بلاغة وحكمة ؛ لأن هذه المشاكلة طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها(2)
وهذا الذي نص عليه " الرماني " أصل في القيم الصوتية لأي بيان عال بله البيان العلي المعجز .
وقد يترامى إلى غير متفرس أن " عبد القاهر" معرض نافر من النظر في هذا الأثر ، أو أنه مستخف به ،ولكن الأمر على غير هذا يقول شيخنا :
" عبد القاهر لم ينف أن يكون السجع والجناس من القيم البلاغية مع أنهما مؤسسان على الأصوات،والأنغام ، وإنما أكد ضرورة أن تكون الأصوات والأنغام هي أصوات وأنغام المعاني ساقت إلى الجناس والسجع ، وحينئذ تكون القيم الصوتية داخلة في صلب الصياغة والدلالة ، وأنه لاسبيل إلى الإبانة عن المعنى إلا بهذا السجع أو هذا الجناس ...
ولا أتصور أن يكون عبد القاهر وهو من هو في الحس باللمحة الدالة قد أنكر هذه القيم الصوتية في بيان العربية ؛ لأنها جزء من جوهر بلاغة هذا اللسان ، ليس في الشعر فحسب ، وإنما في النثر أيضا ...وأهم من كل هذا القرآن الكريم الذي ذكر "الرماني" أن التلاؤم فيه وهو النسق الصوتي لا غير وجه من وجوه إعجازه » (3)
__________
(1) - السابق : 75
(2) - السابق : 97-98
(3) - شيخنا : مدخل إلى كتابي عبد القاهر: 70 - 71 - ط: ثانية – مكتبة وهبة .

(1/235)


وقد يستحضر وعيك قول " عبد القاهر" في تعيين مناط مزية البيان البليغ : « إنها ليست له حيث تسمع بأذنك ، بل حيث تنظر بقلبك وتستعين بفكرك وتعمل رويتك ، وتراجع عقلك ، وتستنتجد في الجملة فهمك » (1) فيقوم فيه أن الإمام ينفى أن تكون القيم الصوتية في بناء البيان مناطا لمزيته.
يعصمك من ذلك الحسبان أن تعيد النظر في مقال عبد القاهر :
هو يقول « إنها ليست لك حيث تسمع بأذنك ، بل حيث تنظر بقلبك »
يبين لك أن وسيلة إدراك المزية ليس الأذن فمن سمع فقه ، فيتساوى السامعون في إدراك المزية متى تساووا في السمع، وإن تفاوتوا في الطبع والثقافة ، كلا . لايكون .
هو يبين لك أن المزية تظهر لك حيث تنظر بقلبك ، وهذا لايتساوى الناس فيه والقلب إذ ينظر لا ينظر إلا في المعاني وفي صورها وما تشكلت منه تلك الصور ،ومنها القيم الصوتية على تنوعها ، وفي مناهج دلالة الصور على معانيها، وليس حسنا التغافل حينئذ عن ما قرره في(إسرار البلاغة ) من العلاقة بين السجع والجناس في تشكيل صورة المعنى ، واقتضاء المقام والغرض المنصوب له الكلام لهما ، فإذا لم ينزل البيان على ما اقتضاه المقام والغرض كان ذلك من عقوق المعنى .
فعبد القاهر كما يقول " شيخنا " :
« لما ذكر "الجناس" اجتهد في أن يستخرج له سريرة معنوية يرجع إليها حسنه ، ولم أعرف أحدا قبل " عبدالقاهر" حاول أن يجد تفسيرا معنويا لهذا الفن الذي هو صوت وجرس ، ولكن " عبد القاهر" بتغلغله وإيغاله حاول أن يلتقط أطياف معاني هذا الرنين ، ولم يذكر ذلك أحد بعده إلا من شاموا كلامه ، وراموا رومه» (2)
__________
(1) - دلائل الإعجاز : 64
(2) مدخل إلى كتابي عبد القاهر : 116

(1/236)


إنك إذا ما استرجعت تبيان عبد القاهر مقومات تمام بلاغة الخطاب ، وتقريره أنها حسن دلالة الكلام على معناه وتمام هذه الدلالة وتبرجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحق بأن تستولي على هوى النفس وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب ، وأولى بأن تطلق لسان الحامد وتطيل رغم الحاسد" فإنه لا يبقى لديك شك في إعلاء " عبد القاهر" القيم الصوتية في تشكيل الصورة الدالة على المعنى دلالة حسنة تامه، ولهذا تراه يعنى كثيرا بأمر اللفظ الذي هو لبنة بناء الصورة الدالة على المعنى دلالة حسنة تامة ، فيوجب أن تختار اللفظ الذي هو أخص بالمعنى ، وأكشف عنه، وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا ، ويظهر فيه مزية.(1)
وأنت إذ تنظر في معجم المصطلحات البلاغية التي نشأت في التفكير البلاغي المتقدم فضلا عن المتأخر تجد أن غير قليل منها منسول من منهاج العلاقات الصوتية بين مكونات مباني المعاني، فلم يكن أولئك العلماء قديما وحديثا يكتفون بأن تكون مباني المعاني جرداء بل يعلون استحالة المباني إلى مغان حسنة الدلالة على المعاني وحسن دلالتها ذو روافد عديدة منها حسن نسقها الصوتي،ولست أحسب أني مفتقر إلى أن أعدد هنا شيئا من تلك المصطلحات وما يندرج من تحتها من البيان العألي البديع شعرا ونثرا والبيان العلي المبلس والمعجز: قرآنا وسنة ، فالأمر أجلى ظهورا من الشمس المشرقة .
مجمل القول:
إن التفكير البلاغي قديما وحديثا قد كانت له عناية كريمة بالقيم الصوتية المكونة من الجرس والإيقاع على اختلاف مساحتهما ومنهاجهما ، وكانت عنايتهم به منسولة من عنايتهم بالمعاني وصورها ومناهج الدلالة عليها ومسالكها إلى النفوس حاملة إليها تلك المعاني ، ولعل تبيان "الرماني" جوهر البلاغة بقوله :" إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ" يسلك تلك الحقيقة في قلبك ويقررها فيه .
__________
(1) ينظر دلائل الإعجاز :42

(1/237)


***
ومن أشياخ عصرنا من غير البلاغيين الذين عنوا بتقرير أهمية التناسق النغمي وأثره في بلاغة القرآن الكريم وإعجازه " مصطفى صادق الرافعي" فيما بثه في سفره القيم ( إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ):
وهو في تدبره وتأويله ينزع من حقيقة أن القرآن الكريم " وجود لغوي ركب كل ما فيه على أن يبقى خالدا مع الإنسانية ، فهو يدفع عن هذه اللغة العربية النسيان الذي لا يدفع عن شيء، وهذا وحده إعجاز، ثم هو لن يكون كفاء ذلك ،ولن يقوم به إلا إذا كان معجزا أهل اللغة جميعا ، فتذكر به اللغة ، ولا يذكر هو بها ، وبذلك يحفظها ؛ إذ يكون في إعجازه مشغلة العقل البياني العربي في كل الأزمنة ، يأتي الجيل من الناس ،ويمضي ،وهو باق بحقائقه ينتظر الجيل الذي يخلفه ..."(1)
وهذه الحقيقة الكبري توجب على العقل البياني في كل جيل أن يمنح أول ما تركب منه البيان القرآني إدراكا ( جرس وإيقاع كلماته في إفرادها ونظمها ) بعضا من عنايته تدبرا وتذوقا .
وهذا ما قام بشيء منه الرافعي فعقد بابا لنظم القرآن بأبعاده الثلاثة : نظم الحروف ،ونظم الكلم ، ونظم الجمل فإن " سر الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلها بحيث خرجت من جميعها تلك الطريقة المعجزة التي قامت به ، فليس لنا بد في صفته من الكلام في ثلاثتها جميعا " (2)
يعمد إلى الحروف وأصواتها ،وهو يبين أن العرب حين سمعت القرآن الكريم لفتها أول ما لفتها إليه جرس حروف كلمه وإيقاعها « رأوا حروفه في كلماته ، وكلماته في جمله ألحانا لغوية رائعة ، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة قراءتها هي توقيعها " (3)
__________
(1) - الرافعي :إعجاز القرآن والبلاغة النبوية : 12 ط: 1389- المكتبة التجارية الكبري بالقاهرة
(2) - السابق:238
(3) السابق : 243

(1/238)


فالجرس والإيقاع هو أول ما يسترعي انتباه المستمع ، وإن لم يستطع لظلمة جهالة أو عجمة أن يدرك شيئا من المعنى المتعقل ، ولها تجد العامة ممن لا يعرفون من علم العربية شيئا يرغبون في الإصغاء إلى الترتيل الحسن،وقد ينفعلون لتوقيعه انفعالا قد لا يتجاوب مع ما يحمل هذا الإيقاع من المعنى المتعقل ، فتراه يهتف بكلمة الإعجاب في مقام ترهيب وإنذار تنخلع له قلوب العارفين ،وما هو بالذي هتف إعجابا لما تضمنه من ترهيب وإنذار ، فهو به جهول ، وإنما هتف لجرسه وإيقاعه ، وذلك ما يدركه حسه الفطري .
فهذا من وجوه الحسن في النظم القرآني لأصوات حروفه وكلمه ، وفوق هذا يدرك من يملك نصيبا من العرفان بأسرار البيان أن القرآن الكريم قد : تألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو بدل بغيره أو أقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللا بينا أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة ،وفي حس السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة ، وبراعة المخرج ،وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض ، ولرأيت لذلك هجنة في السمع كالذي تنكره من كل مرئي لم تقع أجزاؤه على ترتيبها ، ولم تتفق علىطبقاتها ، وخرج بعضها طولا ، وبعضها عرضا ، وذهب ما بقي منها إلى جهات متناكرة » (1)
يترامي إلى قلبك أنها منسول من عبارة " الخطابي" في " بيان إعجاز القرآن " إذا ما اتسعت قراءتها : قضى بأن وضع الكلمة في غير موضعها قد ينتج منه تبدل المعنى المتعقل الذي يكون منه فساد الكلام ، وقد ينتج ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة (2)
__________
(1) - السابق : 247
(2) - الخطابي : بيان إعجاز القرآن : 29 – (ضمن : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن )

(1/239)


رونق الكلام - كما لايخفى عليك – صفاؤه ، وصفاء الكلام يبدو في ما يلقاك من جرسه وإيقاعه في نظم حروف كلمه ونظم كلم جمله (1)
فذهاب صفاء الصورة الصوتية : جرسا وإيقاعا من تبدل حرف أو كلمة قد ينتج منه سقوط بلاغة الكلام ، وهذا ما يتبين لك منه أن " الحرف الواحد من القرآن معجز في موضعه ؛ لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها ليمسك بها الآية والآيات الكثيرة .
وهذا هو السر في إعجاز جملته إعجازا أبديا ، فهو فوق الطبيعة الإنسانية ، وفوق ما ينتسب إليه الإنسان ..." (2)
وهو إذ يبين لك نسق أجراس الكلم وإيقاعها في نظم الجملة يرشد إلى أن المعنى في بيان البشر يقوم في النفس ، فيصطفي الطبع لها من الكلم ما هو من جنس المعنى ، فيتسحيل الكلم الجاري على لسان المبين والساري في أذن المستمع صوت نفس المتكلم يحمل معناه إلى قلب المتلقى .
ويبين لما أن نسق الكلام البليغ من ثلاثة أصوات أولها ما أسماه « صوت النفس » وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ،ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة ،وعلى نضد متساو بحيث تكون الكلمة كأنها خطوة للمعنى في سبيله إلى النفس إن وقف عندها هذا المعنى قطع عنها .
والصوت الثاني : « صوت العقل » وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب من جملة الكلام ، ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى ، لايخطئ طريق النفس من أي الجهات انتحى إليها .
__________
(1) - الرزنق : ماء السيق وصفاؤه وحسن صقاله نورونق السباب: أوله وماؤه نورونق الضحى : أوله ،وهي أولية تمثل كمال الشيء في صفته الرئيسة ، فرونق الكلام صفاء صفحته وصقاله ، وفلا تحس فيه بشائبة ، وهذا لا يظهر لك إلى من جرسه وإيقاع ونظم حروف كلمه وكام جمله .
(2) - الرافعي : إعجاز القرآن : 240

(1/240)


وهذان النوعان تراهما في كلماء البلغاء لا يستعصي عليهم التبريز فيهما ، وكلام " الرافعي" فيهما مجمل ،
والصوت الثالث : « صوت الحس» وهو لا يكون إلا من دقة التصوير المعنوي ، والإبداع في تلوين الخطاب ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة ، واستيلائها على محض بما يورد عليها من وجوه البيان أو يسوق إليها من طرائف المعاني .
وهذ الصوت أبلغ الأصوات شأنا وعلى مقدارما يكون في الكلام البليغ منه يكون فيه من روح البلاغة .
وهذا الصوت قد خلت لغة العرب في لسانهم من صريحه وانفرد به القرآن الكريم . وهذا ما يجعلك ، وانت تقرأ القرآن الكريم « تحس من حروفه وأصواتها وحركاتها ومواقع كلماتها وطريقة نظمها ومداورتها للمعنى بأنه كلام يخرج من نفسك وبأن هذه النفس قد ذهبت مع التلاوة أصواتا واستحال كل ما فيها من قوة الفكر والحس إليها ،وجرى فيها مجرى البيان ، فصرت كأنك على الحقيقة مطوي في لسانك (1) ،
__________
(1) - ينظر : إعجاز القرآن : 249-252
وقوله (كلام يخرج من نفسك) وما بعده فيه من الإبهام كان يجمل بالرافعي أن يزيله ، وقد تشغل النفس بغرابة منطق الرافعي ونسق بيانه ، فلا تلتفت إلى ما ينبغي أن يحمله القلب من هذا الكلام ، وهو إذا ما انعتق من ألق كلامه ، وقتش عما حمله القلب من المعنى عاد إليه يفتش ، فيقع في الحيرة . وكأني بالذي يحدثنا عنه الرافعي من (صوت الحس) أمر غائم في نفسه هو لم يتبين له تبينا يعينه على أن يبينه لنا بيانا يقينا ظلمة التحير . وراجعت غير قليل ممن كتبوا في هذه المسألة عند الرافعي لعلى أجد في كلامهم ما يفتح الطريق إلى فقه ما يريده الرافعي من كلامه هذا ، فلم أوفق إلى شيء ، وما يزال القلب في ظلمة التحير من مراده بهذا الكلام . أقول هذا غير متهيب من أن أنعت بالعجز عن الفهم ، فإعلان الحق أجل من التظاهر بالفهم الكاذب .

(1/241)


وكلامه في أنواع أصوات البيان ، واختصاص البيان القرآني بصوت الحس هو المفتقر إلى مزيد تبيين افتقارنا نحن إلى ذلك التبيين ، وما أشار إليه من أن صوت الحس يتبين لك فيما تلحظه من نفسك مع القرآن الكريم من أنضها لا تضيق به ولا تنفر منه ، ولا يتخونها الملال ..." لأن طريقة نظمه قد جعلت في تلاوته قوة الانبعاث للنفس المكدودة ..." إنما هو وصف للشيء بما يحس من أثره ، فلا يكشف عن حقيقته ، ولا عن منبعه وروافده .
المهم أنه ينتهي إلى تقرير أنك « لو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة ، فيهيئ بعضها لبعض ويساند بعضا ، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقي حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان ، فلا تعذب ، ولا تساغ ، وربما كانت أوكس النصبين في حظ الكلام من الحرف والحركة ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا ، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان ، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء ، وأرفه ، وجاءت متمكنة في موضعها ، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة » (1)
__________
(1) - راجع إعجاز القرآن : 247-258

(1/242)


وهذا منه يهدي إلى أن الكلمات لا تتسم في وجدها الانفرادي بقبح أو حسن أو ثقل أو خفة ، فتلك صفات تكتسبها من وجودها الاجتماعي ، فهي أشبه بنعت التقوى في الإنسان ، لاسبيل إلى نعته به مفردا عن قومه محجوزا عن الترابط بأمور حياتهم ، فإقامة الكلمة مقامها الآنس بها يحجز النفس عن أن ترى فيها ثقلا أو نفرة بل ترى ما فيها من حزونة مبعث أنس بها ، وهذا لا يكون من الكلمة نفسها وإنما مما يصنعه المتكلم بها إذ يقيم من قبلها ما يوطئ لها السبيل إلى مقامها الشريف ، فتتناغى أصوات مبناها مع ما قبلها وما بعدها مثلما يتآخى معناها مع معنى جاراتها وأخواتها .
كلامه هنا بسط لأبعاد نظرية النظم عند "عبد القاهر"، ومد لها ، وإحاطة لما منه يكون البيان مبنى ومعنى .
وأنت تراه يصحبك في تدبره وتذوقه البيان بكلمة ( النذر) في قول الله - سبحانه وتعالى - : { ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر } (القمر:36) وأشارإلى ما تحسه من ثقل الضمة لتواليها على " النون" و" الذال " معا ، مضافا إلى ذلك جسأة حرف " الذال " وصلابته وخشونته ونبوه في اللسان وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام ، فكل ذلك مما يكشف عنه ، ويفصح عن موضعه الثقل فيه ، ولكنه جاء في في هذه الآية على العكس من ذلك.
تأمل موقع القلقة في "دال" "لقد" وفي "الطاء" من " بطشتنا" ،وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء " الطاء" إلى "واو" " تماروا" مع الفصل بالمد ، كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا جرت على اللسان ؛ ليكون ثقل الضمة عليها مستخفا بعد ، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة . ثم ردد نظرك في " الراء" من " تماروا" فإنها ما جاءت إلا مساندة لـ" راء " " النذر" حتى إذا انتهى إليها مثلها ، فلا تجف عليه ولا تغلظ ، ولا تنبو فيه .

(1/243)


ثم اعجب لهذه الغنة التي سبقت " الطاء " في " نون " " انذرهم " وفي ميمها ، وللغنة الأخرى التي سبقت " الذال " في " النذر " (1)
ويتبر معك بعضا آخر من الكلمات هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع مما قد يسمها بالاستثقال طبيعة وضع أو تركيب ، ولكنها في نظمها القرآني خرجت مخرجا سريا من نحو قول الله - عز وجل - :
{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } (النور:55)
فقوله { ليستخلفنهم } كلمة واحدة [ إملائيا لا نحويا ] من عشر ة أحرف ، وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها ، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات إذ تنطق على أربعة مقاطع » (2)
ويجرى القول منه في ذلك ، فينتهى بنا إلى أن « طريقة نظم القرآن تجري على استواء واحد في تركيب الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها ،وفي التمكين بحس الكلمة وصفتها ، ثم الافتنان فيه بوضعها من الكلام ،وباستقصاء أجزاء البيان ،وترتيب طبقاته على حسب مواقع الكلمات لا يتفاوت ذلك ولا يختل» (3)
***
وممن عنى بذلك – أيضا - "العلامة : محمد عبدالله دراز" في كتابه القيم الذي أخرجه لطلاب العلم سنة (1933) فسبق كثيرا.
وذلك ما تراه من نظره في خصائص الأسلوب القرآني ، جاعلا الخاصية الأولى " خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره، (4)
__________
(1) - السابق : 258
(2) - السابق : 260
(3) - السابق : 275
(4) - دراز :النبأ العظيم : نظرات جديدة في القرآن : ص 103- ط: دار القلم الكويت - 1397

(1/244)


ويأتي قرينه الشيخ " محمد عبد العظيم الزرقاني " ليزيد الأمر بيانا في سفره القيم " مناهل العرفان في علوم القرآن"، جاعلا الخاصة الأولى من خصائص أسلوب القرآن الكريم تبعا للشيخ " دراز " خاصة " مسحة القرآن اللفظية" (1)
وقد بين أن جمال البيان القرآني أول ما يتجلى لك حين تصغي إليه يتجلى في" تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن في رصف حروفه وترتيب كلماته ترتيبا دونه كل ترتيب ونظام تعاطاه الناس في كلامهم .
وبيان ذلك : أنك إذا استمعت إلى حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة تشعر بلذة جديدة في رصف هذه الحروف بعضها بجانب بعض في الكلمات والآيات هذا ينقر وذاك يصفر ، وهذا يخفى وذاك يظهر وهذا يهمس وذاك يجهر إلى غير ذلك مما هو مقرر في باب مخارج الحروف وصفاتها في علم التجويد ، ومن هنا يتجلى لك جمال لغة القرآن حين خرج إلى الناس في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة الجامعة بين اللين والشدة والخشونة والرقة والجهر والخفية على وجه دقيق محكم ، وضع كلا من الحروف وصفاتها المتقابلة في موضعه بميزان حتى تألف من المجموع قالب لفظي مدهش وقشرة سطحية أخاذة امتزجت فيها جزالة البداوة في غير خشونة برقة الحضارة من غير ميوعة ، وتلاقت عندها أذواق القبائل العربية على اختلافها بكل يسر وسهولة .
ولقد وصل هذا الجمال اللغوي إلى قمة الإعجاز بحيث لو داخل في القرآن شيء من كلام الناس لاعتل مذاقه في أفواه قارئيه واختل نظامه في آذان سامعيه .
__________
(1) - ينظر : مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني : 2/ 205- الطبعة الثانية :1373-عيسى الحلبي – القاهرة

(1/245)


ومن عجيب أمر هذا الجمال اللغوي ، وذاك النظام الصوتي أنهما كما كانا دليل إعجاز من ناحية كانا سورا منيعا لحفظ القرآن من ناحية أخرى ،وذلك أن من شأن الجمال اللغوي والنظام الصوتي أن يسترعي الأسماع ، ويثير الانتباه ، ويحرك داعية الإقبال في كل إنسان إلى هذا القرآن الكريم ،وبذلك يبقى أبد الدهر سائدا على ألسنة الخلق ، وفي آذانهم ، ويعرف بذاته ومزاياه بينهم ، فلا يجرؤ أحد على تغييره ، وتبديله مصداقا لقوله سبحانه : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } » (1)
***
__________
(1) - الزرقاني : مناهل العرفان : 208-209

(1/246)


وممن كانت عنايتة بتدبر وتذوق القيم الصوتية : جرسا وإيقاعا في البيان القرآني على نحو متميز " سيد قطب" ولا سيما في كتابه " التصوير الفني في القرآن " (1) وتفسيره " في ظلال القرآن " وهو يقرر أن " التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن " ، وأن هذا يستوجب أن ندرك حقيقة التصوير ومجالاته ، وأن نتوسع في معناه " حتى ندرك آفاق التصوير الفني في القرآن ، فهو تصوير باللون ، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل(2)، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل، وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات ، ونغم العبارات ، وموسيقى السياق،
__________
(1) - حرص " سيد قطب" في خاتمة كتابه أن يبين مراده بنعت التصوير القرآني بأنه " فني" فقرر أنه حين فعل ذلك لم تكن كلمة " فن" قد ساء استخدامها وحملت من المدلول الاجتماعي ما لا يليق ، ، فهو لم يكن يعلم من الكلمة إلا ( جمال العرض وتنسيق الأداء وبراعة الإخراج ) ولم يكن يرمي إلى معنى التلفيق والاختراع والتخيل لما ليس له حقيقة ، ولما لا يسنده الواقع ، وانتهى إلى أن (الفن في القرآن إبداع في العرض [أي إتيان بما لم يسبق إليه ] وجمال في التنسيق ، وقوة في الأداء) ومن ثم لا يقوم ما جابهه به بعض النقاد واعترضوا به على كلمة (التصوير الفني)
(2) - التخييل هو إقامة المتلقي مقاما يستحضر في بصيرته ما يصوره البيان له ، فتسمع أذنه صورة المعنى ويستحضر قلبه واقع المعنى كأنه يبصره ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصور للصحابة ما غاب عن إدراكهم تصويرا كأنهم يرونه رأي عين كما جاء في صحيح السنة، فذلك من تخييل الحقيقة للسامع وتقريبها إليه أو تقريبه منها ، أما البيان فليس مصورا ما ليس بواقع بل هو واقع وإن كان غير منظور بعين الرأس . وعلى هذا فالتصوير القرآني لايقوم من التخيل لما ليس بواقع ، بل يقوم بتخييل الحقيقة وتقريبها للمتلقين .

(1/247)


في إبراز صورة من الصور ، تتملاها العين ، والأذن، والحس، والخيال، والفكر والوجدان "(1)
فالجرس والنغم والموسيقى رافد من روافد تكوين الصورة ، ومن ثم كانت العناية بهذا الرافد من العناية بفقه الصورة الحاملة معاني الهدى إلى الصراط المستقيم ، والتقصير في فقهها تقصير فيما يحقق ضربا من ضروب الهدى. ...
ولهذا تكاثرت وتوافرت عناية " سيد قطب " بهذا الرافد وأثره في التصوير القرآني ، سواء كان هذا الرافد قائما في الصورة الصوتية لكلمة أو جملة أو معقد أو سورة . تراه يعقد فصلا للتناسق الفني في القرآن ، ويبين أن هذا التناسق ألوان ودرجات ، ومن" ذلك الإيقاع الموسقي الناشئ من تخير الألفاظ ونظمها في نسق خاص "(2)
تأتي كلمة في بناء تعبيري ممتد فيكون لجرسها من الأثر ما يغني عن عديد من الكلمات كما تراه في قول الله - سبحانه وتعالى - في سورة(آل عمران:117) :
{ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون }
جاءت كلمة (صر) في هذا السياق المصور نفقة الذين كفروا، وما يحيط به من هلاك لا يبقى ولا يذر ، فرتسم كلمة ( صر) بجرسها هول ما يحيط بالحرث من الريح المهلكة ، ولو استبدلت بها كلمة أخرى بل كلمات لما استطاعت بدلالتها المباشرة الصريحة أن تقوم بما قام به هذا الجرس المالئ سمعك وقلبك بصوت الريح المهلكة المفزعة التي تخلع القلوب قبل أن تخلع الحرث وتهلكه (3)
وتسمع قول الله - عز وجل - :
__________
(1) - التصوير الفني في القرآن لسيد قطب :ص37- ط:1987 – دار الشروق – القاهرة
(2) - السابق :87
(3) - ينظر : التصوير الفني : 41، وفي ظلال القرآن : 445

(1/248)


{ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } (التوبة:38) (1)
فيملأ سمعك وقلبك بهذا السؤال الاستنكاري التوبيخي الكاشف عن ضلال الحركة النفسية المضطربة في داخلهم ، وقد نودوا إلى الجنة أن ادخلوا فتثقالوا.
روى البخاري في صحيحه من كتاب (الاعتصام بالكتاب ) بسنده عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال « كل أمتى يدخلون الجنة ، إلا من أبى ». قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال « من أطاعنى دخل الجنة ، ومن عصانى فقد أبى ».(حديث: 7280)
ينادي عليهم : انفروا في سبيل الله إلى مرضاته وجناته ، فيتثاقلون.
« تسمع الأذن كلمة ( اثاقلتم) ... فيتصور الخيال [ أي يبصر القلب الحقيقة النفسية ] ذلك الجسم المتثاقل ، يرفعه الرافعون في جهد ، فيسقط من أيديهم في ثقل .
__________
(1) - في التأويل البياني لهذه الآية راجع كتابي :( شذرات الذهب - ص 71-86 )

(1/249)


إن في هذه الكلمة "طنا" على الأقل من الأثقال، ولو أنك قلت :" تثاقلتم"(1) لخف الجرس ، ولضاع الأثر المنشود ، ولتوارت الصورة المطلوبة التي رسمها هذا اللفظ واستقل برسمها »(2)
أن الإصغاء إلى جرس هذه الكلمة في صحبة استحضار معنى النداء عليهم بهذه الصفة ( آمنوا) وهذا السؤال المرعب كل قلب ذاق طعم الإيمان ، وهذا الحذف للمراد النفرة إليه ( انفروا في سبيل الله ) وكأنه قيل : انفروا في سبيل إلله إلى رضوانه وجناته حيث ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ، إلى لقائه والنظر إليه ...واستحضار ما يفيض من السؤال المفعم بالتنبيه على الضلالة ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) أيفعلها من ذاق قلبه طعم الإيمان؟!! فالرضا لا يكون إلا عن علم واطمئنان قلب إلى ما رضي به .
كل ذاك في صحبة جرس هذه الكلمة الذي يملأ القلب المعافى من الغفلة فزعا ، فلا يرضى إلا بأن ينفر في سبيل الله - سبحانه وتعالى - إلى حيث يرضى ويتجلى بأنواره ومحبته .
__________
(1) - الثقل : نقيض الخفة ، وتثاقل : تكلف الثقل أي تظاهر بأنه ثقيل غير قادر على أن ينهض إلى ما يدعى إليه ، وهو ثمرة انفعال نفسي كاره لما يدعى إليه، واثاقل أصلها تثاقل قلبت (التاء) (ثاء) لقرب المخرج ، وادغما ، وجاءت همزة الوصل ليمكن إدغام المثلين ، وهذا الإدغام هو الذي حقق لهذه الكلمة جرسا صوتيا ويميزها عن ( تثاقل ) ولك أن تتأمل تعدية الفعل ( اثاقلتم ) بـ(إلى) وما تصوره لك من حركة التساقط السريع المديد إلى الأرض كأنما يلقى بنفسه في عجلة فرارا مما يدعى إليه : دخول الجنة ‍
(2) - التصوير الفني في القرآن :91- 92 ، في ظلال القران : 1655

(1/250)


ويعرض" سيد قطب" لفيض من الكلمات التي يرسم جرسهاصورة تملأ الأذن وتفعم القلب ، بما تعجز جيوش من الكلم أن تقوم بما قام به جرسها.(1)
ويبين لنا « أن هناك نوعا من الموسيقى الداخلية يلحظ ، ولا يشرح ...وهو كامن في نسيج المفردة ، وتركيب الجملة ، وهو يدرك بحاسة خفية وهبة لدنية » (2)
***
وهو لايتوقف تدبره أثر الجرس والإيقاع قائمين في الكلمة بل يتجاوز ذلك إلى ما فوقه ، فيقرر حقيقة أدركها من ترتيله وتدبره القرآن الكريم قائلا :« حيثما تلا الإنسان القرآن أحس بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه يبرز بروزا واضحا في السور القصار والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة...» (3)
ينظر في بعض الصور الصوتية في بناء بعض السور القرآنية فيدرك ما في بناء آياتها على فواصل متحدة في حرف التقفية تماما مع تساوي كثير من الآيات فيها في الطول والقصر ، وتساوى الفواصل في الوزن والقافية ، وهذا ما أشار إلى تحققه جليا في سورة (النجم:1-22)
__________
(1) - يحسن بك التبصر فيما قاله في تصوير جرس الكلمات التالية : ( ليبطئن ) و( أنلزمكموها) ، و( يصطرخون)، و(عتل) ، و(كبكبوا) ، و(الطامة)... لفيض من المعاني مما يحقق للصورة القرآنية إعجازها في إيجازها .
(2) - التصوير الفني في القرآن : 106
(3) - التصوير الفني في القرآن : 103

(1/251)


{ بسم الله الرحمن الرحيم . والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى* إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى * أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى * }
فيلحظ التالى والمستمع أن « الإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعا لتوسط الجملة الموسيقية في الطول ، متحد لتوحد الأسلوب الموسيقي ، مسترسل الروي كجو الحديث الذي يشبه التسلسل القصصي ،وهذا كله ملحوظ .
وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جليا مثل: { أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى } فلو أنك قلت : " أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة " لاختلت القافية ، ولتأثر الإيقاع ، وكذلك في قوله : { ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى } فلو قلت : ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ضيزى ، لاختل الإيقاع المستقيم بكلمة (إذن) »

(1/252)


ويحترس " سيد قطب " من أن تحسب أن كلمة " أخرى" و" إذن" تجردتا لتعديل النغم ، وليس من وراء ذلك ما يسدي إلى المعنى المتعقل فائدة ، فيقرر:" لايعني هذا أن كلمة (الأخرى) وكلمة( إذن) زائدتان لمجرد القافية والوزن ، فهما ضروريتان في السياق لنكت معنوية خاصة ، وتلك ميزة فنية أخرى : أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى السياق ، وتؤدي تناسبا في الإيقاع ، دون أن يطغى هذا على ذاك أو يخضع النظم للضرورات " (1)
وهويقرر مثل هذا في مفتتح تدبره السورة قائلا :
« هذه السورة في عمومها كأنها منظومة موسيقية علوية ، منغمة ، يسري التنغيم في بنائها اللفظي كما يسري في إيقاع فواصلها الموزونة المقفاة ،ويلحظ هذا التنغيم في السورة بصفة عامة .
ويبدو القصد فيه واضحا في بعض الموضع ، وقد زيدت لفظة، أو اختيرت قافية لتضمن سلامة التنغيم ودقة إيقاعه – إلى جانب المعنى المقصود الذي تؤديه في السياق كما هي عادة التعبير القرآني – مثل ذلك قوله : { أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى } قلو قال :" ومناة الأخرى" ينكسر الوزن ، ولو قال : " ومناة الثالثة " فقط يتعطل إيقاع القافية ، ولكل كلمة قيمتها في معنى العبارة ، ولكن مراعة الوزن والقافية كذلك ملحوظة، ومثلها كلمة (إذن) في وزن الآيتين بعدها : { ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى } فكلمة (إذن ) ضرورية للوزن ، وإن كانت – مع هذا – تؤدي غرضا فنيا في العبارة " (2)
ويؤكد هذا في تدبره قول الله - جل جلاله - في السورة نفسها : { أم للإنسان ما تمنى * فلله الآخرة والأولى } فينظر تقديم (الآخرة) على (الأولى) فيقرر أنه تقديم يحمل عطاءين : المعنى المتعقل ، والإيقاع :
__________
(1) - التصوير الفني في القرآن : 104
(2) - في ظلال القرآن : 3404

(1/253)


« ولا ننسى أن نلحظ هنا تقديم (الآخرة) على (الأولى) لمراعاة قافية السورة وإيقاعها، إلى جانب النكتة المعنوية المقصودة بتقديم الآخرة على الأولى،كما هي طبيعة الأسلوب القرآني في الجمع بين أداء المعنى وتنغيم الإيقاع دون إخلال بهذا على حساب ذاك...» (1)
وهو لم يصرح لنا بالنكتة المعنوية من إقامة هاتين الكلمتين: (الأخرى) و(إذن) في سياقهما،ولا النكتة المعنوية من تقديم الأخرى على الأولى،وكأنه يراهما من الظهور، فلايفتقرأحد إلى التصريح له بهما .(2)
__________
(1) - السابق : 3409
(2) - يذهب " ابن عطية الأندلسي "(ت:546) إلى أن مناة " كانت أعظم هذه الأوثان قدرا وأكثرها عابدا ، وكانت الأوس والخزرج تهل لها ، ولذلك قال تعالى " الثالثة الأخرى" فأكدها بهاتين الصفتين كما تقول : رأيت فلانا وفلانا ، ثم تذكر ثالثا أجل منهما ، فتقول : وفلانا الآخر الذي من أمره وشأنه " (المحرر الوجيز:15/266- ط: المغرب )
و"الزمخشري " يرى في النعت بالأخرى معنى غير ما عند " ابن عطية" يرى أن المعنى على الذم أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله تعالى:" (...قالت أخراهم لآولاهم) (الأعراف: من الآية38) أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم ، ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم لللات والعزى )( الكشاف :4/30)
ويستحن " الطاهر بن عاشور " أن يكون قوله تعالى :( الثالثة الأخرى ) جرى على أسلوب العرب إذا أخبروا عن متعدد ،وكان فيه من يظن أنه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس بمثل ما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر ، فيقولوا :" وفلان هو الآخر"
ووجهه هنا أن عباد " مناة" كثيرون في قبائل العرب ، فنبه على أن كثرة عبدتها لا يزيدها قوة على بفية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها ، وكل ذلك جار مجرى التهكم والتسفيه" ( التحرير والتنوير : 27/ 105 ) وهو كما ترى ينزع مما نزع منه " ابن عطية"

أما مجيئ كلمة (إذن) فإنه مفيد ترتب الحكم على ما قبله : " أي يترتب على ما زعمتم أن ذلك قسمة ضيزى" (التحرير والتنوير: 27/106) ولو نزعت كلمة (إذن) لم يتبيذن ما يفيد ترتب الحكم بجور القسمة على ما كان منهم .
وتقديم (الأخرى على الأولى) فإن "البقاعي" يذهب إلى أنه تقديم يفيد أنهم مربوبون لايملكون من أمرهم شيئا بدليل أن ما يتمنونه في دار ما يتمنى من النعيم لا يكون لهم من ذلك شيء لأأنه كله لله ، وليس لهم منه شيء، فظهور كمال الملك في الآخرة أقوى ، فإنه يومئذ لا يكون لأحد أي شيء على أي وجه ، فكان تقديم الآخرة أدل على افتقارهم وعجزهم ( ينظر: نظم الدرر : 7/ 325 - بيروت )
ويذهب الطاهر بن عاشور إلى أنه " إنما قدمت الآخرة للاهتمام بها والتنبيه إلى أنها التي يجب أن يكون اعتناء المؤمنين بها لأن الخطاب في هذه الآية للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا - والمسلمين مع ما في هذا التقديم من الرعاية للفاصلة .(التحرير والتنوير : 27/112)

(1/254)


***
و" سيد قطب " يلفت بصائرنا إلى أن أسلوب الموسيقى وإيقاعها في السورة القرآنية يتنوع " بتنوع الأجواء التي تنطلق فيها ...
في سورة (النازعات) اسلوبان موسيقيان ، وإيقاعان ينسجمان مع جوين فيهما تمام الانسجام.
أولهما يظهر في هذه المقطوعة السريعة الحركة القصيرة الموجة القوية المبنى تنسجم مع جو " مكهرب " سريع النبض شديد الارتجاف على النحو التالي (النازعات : 1-15):
{ بسم الله الرحمن الرحيم *والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * فالمدبرات أمرا * يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة * أبصارها خاشعة * يقولون أئنا لمردودون في الحافرة * أئذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة * فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة }
والثاني يظهر في هذه المقطوعة الوانية الحركة الرخية الموجة المتوسطة الطول تنسجم مع الجو القصصي الذي يلي مباشرة في السورة حديث الكرة الخاسرة والزجرة الواحدة وحديث الساهرة على النحو التالي: { هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى * اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى *....إلخ (الآيات : 15- 19)
أظن أننا لسنا في حاجة إلى قواعد " موسيقية " ولا إلى اصطلاحات فنية ، لندرك الفرق بين الأسلوبين والإيقاعين ، فهو واضح لايخفى ، وهو كذلك منسجم في كل حالة مع الجو الذي تطلق فيه الموسيقي .
ولهذه الموسيقى وظيفة أساسية في مصاحبة المشهد المعروض في المرتين الأولى والأخرى " (1)
__________
(1) - التصوير الفني في القرآن :110-112

(1/255)


وهذا يجلي موقف " سيد قطب " من العلاقة بين الصورة الصوتية للبيان وما هو مكنون في هذا البيان من معاني الهدى ، وما أقيم عليه النظم من السياق ، فيتحقق لنظم السورة التناسب والتآخي بين معانيها المتعقلة ، والتناغم والتناغي بين القيم الصوتية المتمثلة في جرسها وإيقاعاتها . و كأن هذا ناظر إلى ما أخذ فيه بعض علماء نقد الكلمة الشاعرة من تبين العلاقة بين الأوزان والإيقاعات الشعرية والمعاني والأغراض ، وهي مسألة نقدية اتسع القول فيها واشتجر .
ولا أظن أن ما قام من مجالات في ميدان نقد الكلمة الشاعرة يقوم مثله بين أهل العلم بالبيان القرآني ، فإن القلوب المعافاة من داء الغفلة لتستشعر وثيق الاعتلاق بين القيم الصوتية في القرآن الكريم ومعانيه وأغراضه ومقاصده ، ومن هنا أكدوا ان هذه القيم الصوتية – في غير البيان القرآني - إذا لم تكن منسولة من المعاني ، واقتضاها المقام فإنه ليست من البلاغة في شيء ، مثلما أن تركها حين يقتضيها المقام هو ضرب من عقوق المعنى ،أما هي في البيان القرآني فإنها لا تكون إلا منسولة من الغرض والمعنى المساق إليه الكلام ، ومما اقتضاه المقام اقتضاء مكينا.
مجمل الأمر أنه " تتكشف للناظر في القرآن – كما يقول سيد قطب – آفاق وراء آفاق من التناسق والاتساق : فمن نظم فصيح إلى سرد عذب إلى معنى مترابط إلى نسق متسلسل إلى لفظ معبر إلى تعبير مصور إلى تصوير مشخص إلى تخييل مجسم إلى موسيقى منغمة إلى اتساق الأجزاء إلى تناسق في الإطار إلى توافق في الموسيقى إلى افتنان في الإخراج ... وبهذا كله يتم الإبداع ويتحقق الإعجاز " (1)
***
__________
(1) السابق : 142

(1/256)


وممن كانت له عناية بارزة بتدبر الإيقاع في البيان القرآني ،وأثره في تكوين وتشكيل صورة المعنى القرآني الدكتور " نعيم اليافي " فقد كان له في ذلك مقالات منها : قواعد تشكل النغم في موسيقى القرآن" (1)ومقال: ثلاث قضايا حول الموسيقى في القرآن " ومقال :" عودة إلى موسيقى القرآن "
يهمنا هنا تعريفه الإيقاع بأنه " حركة النص الداخلية الحيوية المتنامية التي تمنح نسق الرموز المؤلفة للعبارة الدفق والثراء"(2)
يبرز فيه طبيعة الإيقاع في استبطانه ولطفه وحيوته وتناميه ، وأثره في العبارة بما يحقق لها ثراءها واندفاعها إلى قلب المتلقى بما لا يملك إعاقته أو التوقف في تلقيها .
ويرى الإيقاع في البيان القرآني نابعا " من اندماج عنصرين :
من نغمة خاصة تناسب الفكرة ،وتقوم القافية فيها بدور المفتاح .
ومن لحن ينتظم النغمات جميعا على اختلاف درجاتها، وفي شكل منسجم ومتناسب يخلف في روح المتلقي شعورا ما .
بالنغمات يوقع القرآن إيقاعات تشي على أوتار النفس ، وباللحن المتساوق يترك وحدة الأثر ..."(3)
__________
(1) - نشره في مجلة التراث العربي الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق العدد ( 15) - نيسان :1984 ، ولما يتيسر لي الاطلاع عليه .
(2) - مقال:ثلاث قضايا حول الموسيقى في القرآن :ص 90- مجلة التراث العربي – العدد 17- السنة الخامسة – محرم : 1405المجلد :
(3) - مقال: عودة إلى موسيقى القرآن لنعيم اليافي ص 64- مجلة التراث العربي العدد الخامس والعشرين السنة السابعة

(1/257)


وهو لا يرى حرجا من استعمال مصطلح ( الموسيقى ) في تدبر البيان القرآني(1)
وهو في تدبره أثرالإيقاع في تصوير المعنى ودفقه في قلب المتلقي يتناول جملا وآيات كما في قول الله - سبحانه وتعالى -: { أفرأيتم اللات والعزى*ومناة الثالثة الأخرى*ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى) (النجم:19-22)
وقول الله تعالى في سورة(الشعراء ) :
{ قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) }
__________
(1) - ومجمل ما يوجه به عدم تحرجه أن ، فالقرآن الكريم وإن كان ينأى عن وزن الشعر ولو تلاحمت فيه بعض أشطره وأبياته ، فإنه لاينأى عن "الإيقاع" بل يتوسل به في نسقه العالي الجميل حقيقة لا ادعاء ،واستعمال مصطلح (الموسيقى) قد دخل معجمنا ولغتنا – كما يقول – وأصبح جزءا من فكرنا التراثي ،ونحن في زمن يعنينا فيه أن نوضح خصوصية القرآن الكريم ومبلغ إعجازه ...
فكان عنده من الخير أن نستعمل مصطلحا عالميا هو من خصائص التعبير السامي الرفيع ، فثبت أن أسلوب القرآن يتوسط به ويتوسل ويبدع في هذا التوسط والتوسل ...
إن الكتاب الكريم في تعبيره وطريقة أدائه يسعى نحو الموسيقى ويتوخاها بدقة كبرى ، ويتغياها عن فصد وهدف حتى يكون في أسلوبه أوقع وأحكم ،وفي تعبيره أكثر أناقة وأشد إشراقا وتأثيرا. ( ص: 58 مقال: عودة إلى موسيقى القرآن – نعيم اليافي – مجلة التراث العربي – العدد 25- السنة السابعة – 1407هـ

(1/258)


وقوله - سبحانه وتعالى - : { فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر * مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر) (القمر:6-8)
فالذي يهمنا منه هنا عنايته بتدبر أثر الإيقاع في بناء السورة ،كما نراه في تدبره إيقاع سورة (الزلزلة) و(النازعات) و(المسد )
يقول في إيقاع سورة الزلزلة :
{ بسم الله الرحمن الرحيم *إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها * يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره }
" تبدأ حركة النص عنيفة قوية غنه يوم القيامة حيث ترجف الأرض وتزلزل ، وتنفض ما في جوفها ... مشهد مروع ...ويقف الإنسان دهشا ضائعا مذعورا ...هنا والإنسان مشدود يكاد لا يلتقط أنفاسه خائف يترقب في لمحة سريعة يعرض مشهد القيامة من البعث حتى الحساب ...
إيقاع النص يساوق هذا المعنى ، ويحمله ، فهو مثله لاهث سريع يوجف ، كالأرض وكالإنسان فرقا واضطرابا ...كل ما فيه متحرك بارز ماثل ، الكلمات في جرسها في طباقها وتوافقها ، فيما تنشره من أفياء وظلال ..الزلزلة .. أثقال .. مثقال .. ذرة .. أشتاتا .. ليروا ..يره تشي بالموقف وتعبر عنه
ومع ذلك فهذه الكلمات وسائر ما في المعجم من أمثالها لا تبلغ في وصف المشهد قدر ما يبلغه الخيال السمعي والبصري حين يتملى النص ، فالسورة هزة ،وهزة عنيفة للقلوب الغافلة هزة يشترك فيها الموضوع والمشهد والإيقاع اللفظي ....

(1/259)


هذه الموسقى في القرآن تأخذ مجراها ،وتفعل فعلها تهز القلوب والنفوس والأرض والسماء ، تصور ، وتوحي ، تؤثر ، تميز ، تحكم ... (1)
كان حريصا في تدبره على ملاحظة العلاقة بين القيم الصوتية للسورة: جرساوإيقاعاوالجوالعام الذي يلف السورة،والمعاني التي جاء البيان القرآني فيها مصورا لها ، والغرض المسوق له بيان السورة.
***
وإذا ماكنا قد سمعنا " سيد قطب " يبين ما اشتملت عليه سورة (النازعات) من النغم المتنوع تنوع الجو الذي تطلق فيه معاقد السورة فاشتملت على أسلوبين موسيقيين ،وإيقاعين ينسجمان مع جوين فيها تمام الانسجام ، فإن" نعيم اليافي" يتابع ما جاء به " سيد قطب" في هذا فيقسم سورة (النازعات) ستة أقسام وفقا لطبيعة الإيقاع في كل قسم ، ويرى أن القسم الأول (ي: 1-5)والثاني(6 – 14) طابع الإيقاع فيهما واحدا: إيقاع سريع واجف والقسم الثالث (ي :150 26) يتغير الإيقاع فيهدأ وينساب ،وتمتد العبارة ،وتطول الجملة فالمجال مجال عرض قصصي .
وفي القسم الرابع (ي: 27-33) يتحول الإيقاع إلى القوة والأسر حيث التحول من سرد التاريخ والعظة إلى تأمل الكون المفتوح ومشاهده الهائلة ،ولم تبلغ القوة فيه ما بلغته في القسم الأول والثاني .
وفي القسم الخامس (ي :34-41 ) تعود النغمة إلى حدتها وقوتها وعنفها لأن مجال المعنى كذلك لأنه مشهد الطامة الكبرى .
وفي القسم الأخير ( ي: 42-46 ) يأتي الإيقاع سريعا رائعا فخما يصور هول الساعة وفخامتها.
__________
(1) - مقال : عودة إلى موسيقىالقرآن لنعيم اليافي – ص : 63 - مجلة التراث العربي العدد الخامس والعشرين – السنة السابعة

(1/260)


وإيقاع السورة تشكل من أنغام القافية واللحن المتساوق مع الجو العام للسورة ولكل قسم من اقسامها . فقامت القافية في السورة" بدور المفتاح ، فتلون النغمة وتمنحها درجتها ،وتعددت القوافي بتعدد النغمات حتى بدت كأنها النهايات الطبيعية التي كانت تصل إليها كل موجة متدفقة من موجات التعبير الزاخر بالحركة والجشيان .
أما لحن السورة مجموع النغمات بمفاتيحها وقوافيها في ارتفاعاتها وانخفاضاتها،فإنه يعتمد على لونيين من الإيقاع : هادئ بطيء هو اللون الثانوي...وإيقاع شديد بارز هو نغمة القرار الرئيسية،ويبدو في حدى نقراته وشدة نبراته...»(1)
لا يخفى عليك تأثره بما جاء به " سيد قطب" وإن كنت تراه غير ماكث فيما ورث ، بل أضاف إليه ما فصله وأبرزه ونماه .
***
وأنت إذ تنظرمعي في سورة (القمر ) وقد جاءت جميع فواصلها على حرف واحد ( حرف الراء) مسبوق بحرف متحرك تجد ان اتساقها على فاصلة ذات روي واحد إنما مرده إلى أنها ذات موضوع واحد ، فلم تتنوع معاني معاقدها.
ليس يخفى أن معاني السورة إنماء لما جاء في آخر (النجم: 57- 58) من قول الله - سبحانه وتعالى - : { أزفت الآزفة * ليس لها من دون الله كاشفة }
__________
(1) - مقال : عودة إلى موسيقى القرآن لنعيم اليافي – ص: 65- 66

(1/261)


فهذا مما تنخلع له القلوب ، ولا تكاد النفوس تقر وتأمن ، فتأتي الآيات في سورة (القمر) وقد ألقت مبانيها الهول والفزع والعنف في القلوب المنكرة المكذبة بالنذر وما جاءت به ، وقررت أنه لم يبق ما يمكن لهم أن ينتفعوا به (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) ومن ثم كان البلاغ الرهيب : ( فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر * مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر) (القمر:6-8)
فقد حم الأمر.
وتصورالسورة نماذج مما حل بمن سبقهم ممن كذبوا بالرسل ( ي: 9-42) حكى لهم ما كان من قوم نوح - عليه السلام - ومن قوم هود - عليه السلام - ،و من قوم صالح - عليه السلام - ،ومن لوط - عليه السلام - ومن فرعون وقومه وما كان لهؤلاء جميعا من الهلاك والبوار .
ثم يلقى في وجوههم هذا السؤال المرعب : { أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر } (القمر:43) ويأتي القرار { ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر } (القمر:51) بنيت الكلمات من أصوات : حروفا وحركات تقرع الآذان بصوت الرعب والهلع ، وتملأ القلوب بالرهبة والوجل ،وجاءت الكلمات في صيغ يندر استخدامها أو يقل في البيان القرآن ليتناغى صوتها مع ما تسوقه السورة إلى القلويب ، ولتتآخى ندرتها مع فظاعة الموقف من المكذبين بالنذر .
وقد ظهر في السورة حذف بعض حروف مباني الكلمات لغير ما وجه إعرابي أو صرفي من نحو ( تغن )(يدع) (الداع) ليتناغى ما يحدثه حذف الحرف من إسراع في النغم مع ما يكون من إسراع في دعوة الداعي ،ويتآخى مع الإشارة إلى انتفاء الإغناء في ( فما تغن النذر)

(1/262)


وتجد العناية بالقيم الصوتية ظاهرة في في اختيار كلمات ذات جرس خاص يملأ الأذن مثلما لها قدرة على التصويرواستحضارالهيئة المرهبة من نحو قوله ( مهطعين)و(منهمر) و(صرصر) و(منقعر)،و(المحتظر) و(حاصبا) و(تماروا) و (طمسنا)
لتنظر موقع كلمة (النذر) بجرسها هذا تجد أنها جاءت في القرآن الكريم أربع عشرة مرة ، كان لسورة (القمر) منها إحدى عشرة مرة ، مما يجعل لهذه الكلمة مبنى ومعنى خصوصية في الدلالة على ما تساق السورة إليه وتقام لتصويره في القلوب .
إذا نظرت في فواصل هذه السورة ألفيت أن جميع فواصلها قد بنيت على حرف الراء المسبوقة بحرف متحرك، وأن فواصلها مما لم يكثر ذكره في غيرها في مواقع الفاصلة أو موضع آخر ،تجد فواصلها على النحو التالي : ( القمر – مستمر – مستقر – مزدجر –النذر – نكر – منتشر – عسر – ازدجر – انتصر- منهمر – قدر – دسر – كفر – مدكر – مستمر – منقعر – سعر – أشر – اصطبر- محتضر – عقر – محتظر- سحر – شكر – مقتدر – الزبر –منتصر – الدبر – أمر- سقر – قدر – البصر – مستطر – نهر )
كثير من هذه الكلمات لم يأت إلا في سورة القمر مثل :(مزدجر – نكر – منتشر – منهمر – دسر – مدكر – مستمر – منفعر – سعر – أشر – محتضر – المحتظر – منتصر – الدبر – مستطر – نهر )
وقد غلب على الفاصلة وزن : (مفتعل – فعل -منفعل ) مما يمنح الفواصل مزيدا من التوازي الذي يزيد إيقاع البيت تناسبا وتماثلا.
ترى العناية بالقيم الصوتية في نظم الكلمات وفي بناء الايات من نحو قوله تعالى :( فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر * مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر) (القمر:6-8)

(1/263)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية