صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الدر المصون في علم الكتاب المكنون

قوله: {من كان في الضلالة}: "من" يجوز ان تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر لما تضمنه الموصول من معنى الشرط. وقوله: "فليمدد" فيه وجهان، أحدهما: أنه طلب على بابه، ومعناه الدعاء. والثاني: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر. قال الزمخشري: أي: مد له الرحمن، بمعنى أمعله فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك. أو فمد له في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته".
قوله: "حتى إذا" في "حتى" هذه ما تقدم في نظائرها من كونها: حرف جر أو حرف ابتداء، وإنما الشأن فيما هي غاية له على كلا القولين. فقال الزمخشري: "وفي هذه الآية وجهان: أن تكون موصولة، بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي: قالوا: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا، حتى إذا رأوا ما يوعدون، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون [به] لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدون الموعود رأي العين" وذكر كلاما حسنا.

ثم قال: "والثاني: أن تتصل بما يليها، والمعنى أن الذين في الضلالة ممدود لهم" وذكر كلاما طويلا. ثم قال: "إلى أن يعاينوا نصرة / الله للمؤمنين، أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها. فإن قلت: "حتى" هذه ما هي؟ قلت: هي التي تحكى بعدها الجمل، ألا ترى الجملة الشرطية واقعة بعدها، وهي {إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون}.
قال الشيخ: - مستبعدا للوجه الأول- "وهو في غاية البعد لطول الفصل بين قوله: "قالوا أي الفريقين" وبين الغاية، وفيه الفصل بجملتي اعتراس ولا يجيزه أبو علي". وهذا الاستبعاد قريب. وقال أبو البقاء: "حتى" يحكى ما بعدها ههنا، وليست متعلقة بفعل".
(10/161)
---

(1/4017)


قوله: {إما العذاب وإما الساعة} قد عرفت [ما] في "إما": من كونها حرف عطف أولا، ولا خلاف أن أحد معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و "العذاب" و "الساعة" بدلان من قوله: {ما يوعدون} المنصوبة بـ "رأوا" و "فسيعلمون" جواب الشرط.
و {من هو شر مكانا} يجوز أن تكون "من" موصولة بمعنى الذي، وتكون مفعولا لـ "يعلمون". ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، و "هو" مبتدأ ثان، و "شر" خبره، والمبتدأ والخبر خبر الأول. ويجوز أن تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية فالجملة في محل نصب على التعليق.

* { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا }

قوله: {ويزيد الله}: في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها لا محل لها لاستئنافها، فلإنها سيقت للإخبار بذلك. وقال الزمخشري: "إنها معطوفة على موضع "فليمدد" لأنه واقع موقع الخبر، تقديره: "من كان في الضلالة مد - أو يمد - له الرحمن ويزيد". قال الشيخ: ولا يصح أن يكون "ويزيد" معطوفا على "فليمدد" سواء كان دعاء أم خبرا بصورة الأمر؛ لأنه في موضع الخبر إن كانت "من" موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت "من" شرطية، وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله: "ويزيد الله الذين اعتدوا عدى عارية من ضمير يعود على "من" يربط جملة الخبر بالمبتدأ، أو جملة الشرط بالجزاء الذي هو "فليمدد" وما عطف عليه؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء جزاء. وإذا كانت اداة الشرط اسما لا ظرفا تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها".
(10/162)
---

(1/4018)


قلت: وقد ذكر أبو البقاء أيضا كما ذكر الزمخشري. وقد يجاب عما قالاه: بأنا نختار على هذا التقدير أن تكون "من" شرطية. قوله: "لا بد من ضمير يعود على اسم الشرط غير الظرف" ممنوع لأن فيه خلافا قدمت تحقيقه وما يستدل به عليه في سورة البقرة. فقد يكون الزمخشري وأبو البقاء من القائلين بأنه لا يشترط.

* { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا }

قوله: {أفرأيت}: عطف بالفاء إيذانا بإفادة التعقيب كأنه قيل: أخبر أيضا بقصة هذا الكافر عقيب أولئك. "و "أرأيت" بمعنى أخبرني كما قد عرفته. والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله {أطلع الغيب} و "لأوتين" جواب قسم مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول.
وقوله هنا: "وولدا" وفيها {قالوا اتخذ الرحمان ولدا} موضعان. وفي الزخرف {إن كان للرحمان ولد} وفي نوح {ماله وولده} قرأ الأربعة الأخوان بضم الواو وسكون اللام. وافقهما ابن كثير وأبو عمرو... على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرءوا ذلك كله بفتح الواو واللام.
فأما القراءة بفتحتين فواضحة وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: ولد وولد، كما يقال: عرب وعرب، وعدم وعدم. وقيل: بل هي جمع لولد نحو: أسد وأسد، وأنشدوا على ذلك:
3253- ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا
وأنشدوا شاهدا على أن الولد والولد مترادفان الآخر:
3254- فليت فلانا كان في بطن أمه * وليت فلانا كان ولد حمار
(10/163)
---

(1/4019)


وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر "وولدا" بكسر الواو، وهي لغة في الولد، ولا يبعد أن يكون هذا من باب الذبح والرعي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو: القبض بمعنى المقبوض.

* { أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمان عهدا }

قوله: {أطلع}: هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة الوصل. وقد قرئ بسقوطها درجا وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة "أم" عليها كقوله:
3255- لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمان

واطلع من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. قال جرير:
3256- ........................... * لا قيت مطلع الجبال وعورا
فـ "الغيب"، مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعمه بعضهم.

* { كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا }
(10/164)
---

(1/4020)


قوله: {كلا}: للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب. أحدها:- وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس - أنها حرف ردع وزجر، وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل/. والثاني: - وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فتكون جوابا، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظا أو تقديرا. وقد تستعمل في القسم. والثالث: - وهو مذهب الكسائي وأبي بكر بن الأنباري ونصير بن يوسف وابن واصل - أنها بمعنى حقا. والرابع - وهو مذعب أبي عبد الله محمد بن الباهلي- أنها رد لما قبلها وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى "إي" كذا قيل. وفيه نظر فإن "إي" حرف جواب ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح وهو قول أبي حاتم. ولتقرير هذه المواضع موضوع هو أليق بها قد حققتها بحمد الله تعالى فيه.
وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في "كلا" هذه، وتروى عن أبي نهيك. وسيأتي لك ان الزمخشري يحكي هذه القراءة ويعزيها لابن نهيك في قوله: {كلا سيكفرون} ويحكي أيضا قراءة بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضا. فأما قوله: "ابن نهيك" فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم ابو نهيك بالكنية.
(10/165)
---

(1/4021)


وفي قراءة الفتح والتنوين أربعة اوجه، أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل من لفظها تقديره: كلوا كلا، أي: أعيوا عن الحق إعياء، أو كلوا عن عبادة الله لتهاونهم بها، من قول العرب: "كل السيف" إذا نبا عن الضرب، وكل زيد، أي: تعب. وقيل: المعنى: كلوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعول به بفعل مقدر من معنى الكلام تقديره: حملوا كلا، والكل أيضا: الثقل. تقول: فلان كل على لاناس، ومنه قوله تعالى: {وهو كل على مولاه} والثالث: أن التنوين بدل من ألف "كلا" وهي التي يراد بها الردع والزجر، فيكون صرفا أيضا.

قال الزمخشري: "ولقائل أن يقول: إن صحت هذه الرواية فهي "كلا" التي للردع، قلب الواقف عليها ألفها نونا كما في قوله: "قواريرا". قال الشيخ: "وهذا ليس بجيد لأنه قال: "التي للردع" والتي للردع حرف ولا وجه لقلب ألفها نونا، وتشبيهه بـ "قواريرا" ليس بجيد لأن "قواريرا" اسم رجع به إلى أصله، فالتنوين ليس بدلا من ألف بل عو تنوين الصرف، وهذا الجمع مختلف فيه: أيتحتم منع صرفه أم يجوز؟ قولان ومنقول أيضا أن لغة بعض العرب يصرفون ما لا ينصرف فهذا القول: إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة".
والرابع: أنه نعت لـ "آلهة" قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك. وقد يظهر له وجه: أن يكون قد وصف الآلهة بالكل الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجو، كأنه قيل: آلهة كالين، أي: عاجزين منقطعين، ولما وصفهم بالمصدر وحده.

* { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا }
(10/166)
---

(1/4022)


وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ "كلا" بضم الكاف والتنوين. وفيها تأويلان، أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعا. كذا قدره أبو البقاء واستبعده. والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: يرفضون أو يجحدون أو يتركون كلا، قاله ابن عطية.
وحكى ابن جرير أن أبا نهيك قرأ "كل" بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ، والجملة الفعلية بعد خبره. وظاهر عبارة هؤلاس أنه لم يقرأ بذلك إلا في "كلا" الثانية.
وقرأ علي بن أبي طالب "ونمد" من أمد. وقد تقدم القول في مده وأمده:
قوله: {ونرثه ما يقول} يجوز في "ما" وجهان؛ أحدهما: أن تكون مفعولا بها. والضمير في "نرثه" منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرث منه ما يقةله. الثاني: أن تكون بدلا من الضمير في "نرثه" بدل الاشتمال. وقدر بعضهم مضافا قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول، أو مسمى ما يقول، وهو المال والولد؛ لأن نفس القول لا يورث.
و "فردا: حال: إما مقدرة نحو: {فادخلوها خالدين} أو مقارنة، وذلك مبني على اختلاف في معنى الآية مذكور في الكشاف.
والضمير في {سيكفرون} يجوز أن يعود على الآلهة لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في "يكونون" أيضا عائد عليهم فقط. {وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم} ثم قال: {فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون}. وقيل: يعود على المشركين". ومثله قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} إلا أن فيه عدم توافق الضمائر إذ الضمير في "يكونون" عائد على الآلهة، و "بعبادتهم" مصدر مضاف إلى فاعله إن عاد الضمير في "عبادتهم" على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد إلى الآلهة.
(10/167)
---

(1/4023)


وقوله: "ضدا" إنما وحده، وإن كان خبرا عن جمع، لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، والمصادر موحدة مذكرة، وإما لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري: "والضد: العون، وحد توحيد "وهم يد على من سواهم" لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم والضد: العون والمعاونة. ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم". قيل: وسمي العون ضدا لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانتك له عليه. وفي التفسير: أن الضد هنا الأعداء. وقيل: القرن. وقيل: البلاء وهذه تناسب معنى الآية.

* { ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا }

قوله: {أزا}: مصدر مؤكد والأز والأزيز والهز والاستفزاز. قال الزمخشري: "أخوات، وهو التهييج وشدة الإزعاج". والأز أيضا: شدضة الصوت، ومنه "أز المرجل أزا" وأزيزا: أي: غلا واشتد غليانه حتى سمع له صوت. وفي الحديث: "فكان له أزيز"، أي: للجذع حين فارقه النبي [صلى الله] عليه وسلم.

* { يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا }

قوله: {يوم نحشر}: منصوب بـ "سيكفرون" أو بـ {يكونون عليهم ضدا} أو بـ "نعد" تضمن معنى المجازاة، أو بقوله: "لا يملكون" الذي بعده، أو بمضمر وهو "اذكر" أو احذر. وقيل: هو معمول لجواب سؤال مقدر، كأنه قيل: متى يكون ذلك؟ فقيل: يكون يوم يحشر. وقيل: / تقديره: يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.
(10/168)
---

(1/4024)


قوله: "وفدا" نصب على الحال، وكذلك "وردا". والوفد: الجماعة الوافدون. يقال: وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة، أي: قدم على سبيل التكرمة، فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الأشخاص كالصف. وقال أبو البقاء: "وفد جمع وافد مثل راكب وركب وصاحب وصحب" وهذا الذي قاله ليس مذهب سيبويه لأن فاعلا لا يجمع على فعل عند سيبويه. وأجازه الأخفش. فأما ركب وصحب فأسماء جمع لا جمع بدليل تصغيرها على ألفاظها، قال:
3257- أخشى رجيلا وركيبا غاديا
فإن قلت: لعل أبا البقاء أراد الجمع اللغوي. فالجواب: أنه قال بعد قوله: "والورد اسم لجمع وارد" فدل على أنه قصد الجمع صناعة المقابل لاسم الجمع.

* { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا }

والورد: اسم للجماعة العطاش الواردين للماء، وهو في الأصل أيضا مصدر أطلق على الأشخاص يقال: ورد الماء يرده وردا وورودا. قال الشاعر:
3258- ردي ردي ورد قطاة صما * كدرية أعجبها برد الما
وقال أبو البقاء: "هو اسم لجمع وارد. وقيل: هو بمعنى وارد. وقيل هو محذوف من "وارد" وهو بعيد" يعني أنه يجوز أن يكون صفة على فعل.
وقرأ الحسن والجحدري "يحشر المتقون، ويساق المجرمون" على ما لم يسم فاعله.

* { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا }
(10/169)
---

(1/4025)


قوله: {لا يملكون}: في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. والثاني: أنها في محل نصب على الحال مما تقدم. وفي هذه الواو قولان، أحدهما: أنها علامة للجمع ليست ضميرا البتة، وإنما هي علامة كهي في لغة "أكلوني البراغيث" والفاعل "من اتخذ" لأنه في معنى الجمع. قاله الزمخشري. وفيه بهد، وكأنه قيل: لا يملك الشفاعة إلا المتخذون عهدا. قال الشيخ: "ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح الواو ضميرا. وقد قال الأستاذ بو الحسن ابن عصفور: إنها لغة ضعيفة".
قلت: قد قالوا ذلك في قوله تعالى: {عموا وصموا كثير منهم} {وأسروا النجوى الذين ظلموا} فلهذا الموضع بهما أسوة.
ثم قال الشيخ: "وأيضا فالألف والواو والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلا إلا بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف، أما أن يأتي بلفظ مفرد، ويطلق على جمع أو مثنى، فيحتاج في إثبات مثل ذلك إلى نقل. وأما عود الضمائر مثناة أو مجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب، على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر، ولكن الأحوط أن لا يقال إلا بسماع".
(10/170)
---

(1/4026)


والثني: أن الواو ضمير. وفيما تعود عليه حينئذ أربعة أوجه، أحدها: انها تعود على الخلق جميعهم لدلالة ذكر الفريقين - المتقين والمجرمين- عليهم، إذ هما قسماه. والثاني: أنه يعود على المتقين والمجرمين، وهذا لا تظهر مخالفته للأول أصلا لأن هذين الفسمين هما الخلق كله. والثالث: أنه يعود على المتقين فقط أو المجرمين فقط، وهو تحكم. قوله: {إلا من اتخذ} هذا الاستثناء يترتيب على عود الواو على ماذا؟ فإن قيل بأنها تعود على الخلق أو على الفريقين المذكورين أو على المتقين فقط فالاستثناء حينئذ متصل.

وفي محل المستثنى الوجهان المشهوران: وإما النصب على أصل الاستثناء. وإن قيل: إنه يعود على المجرمين فقط كان استثناء منقطعا، وفيه حينئس اللغتان المشهورتان: لغة الحجاز التزام النصب، ولغة تميم جوازه مع جواز البدل كالمتصل.
وجعل الزمخشري هذا الاستثناء من "الشفاعة" على حذف مضاف تقديره: لا يملكون الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ، فيكون نصبه على وجهي البدل وأصل الاستثناء، نحو: "ما رأيت أحدا إلا زيدا". وقال بعضهم: إن المستثنى منه محذوف والتقدير: لا يملكون الشفاعة لأحد لمن اتخذ عند الرحمن عهدا، فحذف المستثنى منه للعلم به فهو كقول الآخر:
3259- نجا سالم والنفس منه بشدقه * ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا
أي: ولم ينج شيء.
(10/171)
---

(1/4027)


وجعل ابن عطية الاستثناء متصلا وإن عاد الضمير في {لا يملكون} على المجرمين فقط على أن يراد بالمجرمين الكفرة والعصاة من المسلمين. قال الشيخ: "وحمل المجرمين على الكفار والعصاة بعيد". قلت: ولا بعد فيه، وكما استبعد إطلاق المجرمين على العصاة كذلك يستبعد غيره إطلاق المتقين على العصاة، بل إطلاق المجرم على العاصي أشهر من إطلاق المتقي عليه.

* { لقد جئتم شيئا إدا }

قوله:{شيئا إدا}: العامة على كسر الهمزة من "إدا" وهو الأمر العظيم المنكر المتعجب منه. وقرأ أمير المؤمنين والسلمي بفتحها. وخرجوه على حذف مضاف، أي: شيئا أدا، لأن الأد بالفتح مصدر يقال: أدع الأمر، وأدني يؤدني لأدا، أي: أثقلني. وكان الشيخ ذكر أن الأد والإد بفتح الهمزة وكسرها هو العجب. وقيل: هو العظيم المنكر، والإدة: الشدة/. وعلى قوله: "وإن الإد والأد بمعنى واحد" ينبغي أن لا يحتاج إلى حذف مضاف، إلا أن يريد أنه أراد بكونهما بمعنى العجب في المعنى لا في المصدرية وعدمها.

* { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا }

قوله تعالى: {تكاد}: قرأ نافع والكسائي بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، وهما واضحتان إذ التأنيث مجازي، وكذلك في سورة الشورى.
(10/172)
---

(1/4028)


وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة "ينفطرن" مضارع انفطر. والباقون "يتفطرن" مضارع تفطر بالتشديد في هذه السورة. وأما التي في الشورى فقرأها حمزة وابن عامر بالتاء والياء وتشديد الطاء والباقون على أصولهم في هذه السورة. فتلخص من ذلك أن أبا عرمو وأبا بكر يقرآن بالتاء والنون في السورتين، وأن نافعا وابن كثير والكسائي وحفصا عن عاصم يقرؤون بالتاء والياء وتشديد الطاء فيهما، وان حمزة وابن عامر في هذه السورة بالتاء والنون، وفي الشورى بالتاء والياء وتشديد الطاء.

فالانفطار من "فطره" إذا شقه، والتفطر من طفطره" إذا شققه، وكرر فيه الفعل. قال أبو البقاء: "وهو هنا أشبه بالمعنى". أي: التشديد. و "يتفطرن" في محل نصب خبرا لـ "تكاد" وزعم الأخفش أنها هنا بمعنى الإرادة وأنشد:
3260- كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من زمن الصبابة ما مضى
قوله: "هدا" فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مصدر في موضع الحال، أي: مهدودة وذلك على أن يكون هذا المصدر من هد زيد الحائط يهده هدا، أي: هدمه. والثاني: وهو قول أبي جعفر أنه مصدر على غير الصدر لما كان في معناه لأن الخرور السقوط والهدم، وهذا على أن يكون من هد الحائط يهد، أي: انهدم، فيكون لازما. والثالث: أني كون مفعولا من أجله. قال الزمخشري: "أي: لأنها تهد".

* { أن دعوا للرحمان ولدا }
(10/173)
---

(1/4029)


قوله: {أن دعوا}: في محله خمسة اوجه، أحدها: أنه في محل نصب على المفعول من أجله. قاله أبو البقاء والحوفي، ولم يبينا: ما العامل فيه؟ ويجوز أن يكون العامل "تكاد" أو "تحز" أو "هدا" أي: تهد لأن دعوا، ولكن شرط النصب فيها مفقود وهو اتحاد الفاعل في المفعول له والعامل فيه، فإن عنيا أنه على إسقاط اللام - وسقوط اللام يطرد مع أن - فقريب. وقال الزمخشري: "وأن يكون منصوبا بتقدير سقوط اللام وأفضاء الفعل، أي: هدا لأن دعوا، علل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد للرحمن". فهذا تصريح منه بأنه على إسقاط الخافض، وليس مفعولا له صريحا.
الوجه الثاني: أن يكون مجرورا بعد إسقاط الخافض، كما هو مذهب الخليل والكسائي.
والثالث: أنه بدل من الضمير في "منه" كقوله:
3261- على حالة لو أن في القوم حاتما * على جوده لضن بالماء حاتم
بجر "حاتم" الأخير بدلا من الهاء في "جوده". قال الشيخ: "وهو بعيد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه بجملتين".
الوجه الرابع: أن يكون مرفوعا بـ "هدا". قال الزمخشري أي: عدها دعاء الولد للرحمن". قال الشيخ: "وفيه بعد لأن الظاهر في "هدا" أن يكون مصدرا توكيديا، والمصدر التوكيدي لا يعمل، ولو فرضناه غير توكيدي لم يعمل بقياس إلا إن كان أمرا أو مستفهما عنه نحو: "ضربا زيدا" و "أضربا زيدا" على خلاف فيه. وأما إن كان خبرا، كما قدره الزمخشري "أي: عدها دعاء الولد للرحمن" فلا ينقاس، بل ما جاء من ذلك هو نادر كقول امرئ القيس:

3262- وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
أي: وقف صحبي.
الخامس: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: الموجب لذلك دعاؤهم، كما قدره أبو البقاء.
(10/174)

(1/4030)


---
و "دعا" يجوز أن يكون بمعنى سمى فيتعدى لاثنين، ويجوز جر ثانيهما بالباء. قال الشاعر:
3263- دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن * أخاها ولم أرضع بلبان
دهتني أخاها بعد ما كان بيننا * من الفعل ما لا يفعل الأخوان
وقول الآخر:
3264- ألا رب من يدعى نصيحا وإن يغب * تجده بغيب منك غير نصيح
وأولهما في الآية محذوف. قال الزمخشري: "طلبا للعموم والإحاطة بكل ما يدعى له ولدا. ويجوز أن يكون من "دعا" بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله عليه السلام "من ادعى إلى غير مواليه" وقول الشاعر:
3265- إنا بني نهشل لا ندعي لأب * عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
أي: لا ننتسب إليه.

* { وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا }

و {ينبغي}: مضارع انبغى. وانبغى مطاوع لبغى، أي: طلب، و {أن يتخذ} فاعله. وقد عد ابن مالك "ينبغي" في الأفعال التي لا تتصرف. وهو مردود عليه، فإنه قد سمع فيه في الماضي قالوا: انبغى.

* { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا }

قوله: {من في السماوات}: يجوز في "من" أن تكون نكرة موصوفة، وصفتها الجار بعدها. ولم يذكر أبو البقاء غير ذلك، وكذلك الزمخشري. إلا أن ظاهر عبارته يقتضي أنه لا يجوز / غير ذلك، فإنه قال: "من موصوفة؛ فإنها وقعت بعد كل نكرة وقوعها بعد "رب" في قوله:
3266- رب من أنضجت غيظا صدره * ....................................
انتهى. ويجوز أن تكون موصولة. قال الشيخ: "أي: ما كل الذي في السموات، و "كل" تدخل على "الذي" لأنها تأتي للجنس كقوله تعالى: {والذي جآء بالصدق وصدق به} ونحوه:
(10/175)
---

(1/4031)


3267- وكل الذي حملتني أتحمل * ..................................
يعني أنه لا بد من تأويل الموصول بالعموم حتى تصح إضافة "كل" إليه، ومتى أريد به معهود بعينه شخص واستحال إضافة "كل" إليه.
و {آتي الرحمان} خبر "كل" جعل مفردا حملا على لفظها ولو جمع لجاز وقد تقدم أول هذا الموضوع أنها متى أضيفت لمعفرة جاز الوجهان. وقد تكلم السهيلي في ذلك فقال: "كل" إذا ابتدئت، وكانت مضافة لفظا - يعني لمعرفة- فلا يحسن إلا إفراد الخبر حملا على المعنى. تقول: كلكم ذاهب، أي: كل واحد منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح. فإن قلت: في قوله: {وكلهم آتيه} إنما هو حمل على اللفظ لأنه اسم مفرد. قلنا: بل هو اسم للجمع، واسم الجمع لا يخبر عنه بإفراد. تقول: "القوم ذاهبون" ولا تقول: ذاهب، وإن كان لفظ "القوم" لفظ المفرد. وإنما حسن "كلكم ذاهب" لأنهم يقولون: كل واحد منكم ذاهب، فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى".

وقال أبو البقاء: "ووحد "آتي" حملا على لفظ "كل" وقد جمع في موضع آخر حملا على معناها". قلت: قوله في موضع آخر إن عنى في القرآن فلم يأت الجمع إلا "وكل" مقطوعة عن الإضافة نحو: {كل في فلك يسبحون} {وكل أتوه داخرين} وإن عنى في غيره فيحتاج إلى سماع عن العرب كما تقدم.
والجمهور على إضافة "آتي" إلى "الرحمن". وقرأ عبد الله بن الزبير وأبو حيوة وطلحة وجماعة بتنوينه ونصب "الرحمن".
وانتصب "عبدا" على الحال.

* { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا }
(10/176)
---

(1/4032)


قوله: {ودا}: العامة على ضم الواو. وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتحها، وجناح بن جيش بكسرها، فيحتمل أن يكون المفتوح مصدرا، والمضموم والمكسور اسمين.

* { فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا }

قوله: {بلسانك}: يجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال. واللسان هنا: اللغة، أي: نزلناه كائنا بلسانك. وقيل: هي بمعنى على، وهذا لا حاجة إليه بل لا يظهر له معنى.
و "لدا" جمع ألد" وهو الشديد الخصومة كالحمر جمع أحمر.

* { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا }

وقرأ الناس "تحس" بضم التاء وكسر الحاء من أحس. وقرأ أبو حيوة وأبو جعفر وابن أبي عبلة "تحس" بفتح التاء وضم الحاء. وقرأ بعضثهم "تحس" بالفتح والكسر، من حسه، أي: شعر به، ومنه "الحواس الخمس".
و "منهم" حال من "أحد" إذ هو في الأصل صفة له، و "من أحد" مفعول زيدت فيه "من".
وقرأ حنظلة "تسمع" مضموم التاء، مفتوح الميم مبنيا للمفعول، و "ركزا" مفعول على كلتا القراءتين إلا أنه مفعول ثان في القراءة الشاذة. والركز الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم، ومنه "ركز الرمح"، أي: غيب طرفه في الأرض وأخفاه، ومنه الركاز، وهو المال المدفون لخفائه واستتاره. وأنشدوا:
3268- فتوجست ركز الأنيس فراعها * عن ظهر غيب، والأنيس سقامها

(1/4033)


سورة طه
* { طه }
(10/177)
قد تقدم الكلام في الحروف المقطعة أول هذا الموضوع، و"طه" من ذاك، هذا هو الصحيح. وقيل: إن معنى "طه" يا رجل في لغة عك، وقيل: عكل، وقيل: هي لغة يمانية. وحكى الكلبي أنك لو قلت في عك: يا رجل، لم يجب حتى تقول: طه.

وقال الطبري: "طه في عك بمعنى: يا رجل"، وأنشد قول شاعرهم:
3269ـ دعوت بطه في القتال فلم يجب * فخفت عليه أن يكون موائلا
وقول آخر:
3270ـ إن السفاهة طه في خلائقكم * لا قدس الله أرواح الملاعين
قال الزمخشري: "وأثر الصنعة ظاهر في البيت المستشهد به" فذكره، وقال السدي: "معناه: يا فلان". وقال الزمخشري أيضا: "ولعل عكا تصرفوا في "يا هذا"، كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا: في يا: طا، واختصروا "هذا" فاقتصورا على "ها". يعني فكانه قيل في الآية الكريمة: يا هذا. وفيه بعد كبير.
قال الشيخ: "ثم تخرص وحزر على عك ما لم يقله نحوي: وهو أنهم يقلبون يا التي للنداء طاء، ويحذفون اسم الإشارة ويقتصرون منه على "ها" التي للتنبيه". قلت: وهذا وإن كان قريبا مما قاله عنه إلا أنه أنحى عليه في عبارته بقوله "تخرص".
وقيل: "طه" أصله طأها بهمزة "طأ" أمرا من وطىء يطأ، و"ها" ضمير مفعول يعود على الأرض، ثم أبدل الهمزة لسكونها ألفا، ولم يحذفها في الأمر نظرا إلى أصلها أي: طأ الأرض بقدميك. وقد جاء في التفسير: "أنه قام حتى تورمت قدماه".
(10/178)
---

(1/4034)


وقرأ الحسن وعكرمة وأبو حنيفة وورش في اختياره/ بإسقاط الألف بعد الطاء، وهاء ساكنة. وفيها وجهان، أحدهما: أن الأصل "طأ" بالهمز أمرا أيضا من وطىء يطأ، ثم أبدل الهمزة هاء كإبدالهم لها في "هرقت" و"هرحت" و"هبرت". والأصل: أرقت وأرحت وأبرت. والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفا، كأنه أخذه من وطي يطا بالبدل كقوله:
3271ـ .................... * ........... لا هناك المرتع
ثم حذف الألف حملا للأمر على المجزوم وتناسيا لأصل الهمز ثم ألحق هاء السكت، وأجرى الوصل مجرى الوقف. وقد تقدم في أول يونس الكلام على إمالة طا وها فأغنى عن أعادته هنا.

* { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى }

قوله: {أنزلنا}: هذه قراءة العامة. وقرأ طلحة "ما نزل" مبنيا للمفعول، و"القرآن" رفع لقيام مقام فاعله.
وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة إن جعلت "طه" تعديدا لأسماء الحروف، ويجوز أن تكون خبرا لـ طه إن جعلتها أسما للسورة ويكون القرآن ظاهرا واقعا موقع المضمر؛ لأن طه قرآن أيضا، ويجوز أن تكون جواب قسم، إن جعلت طه مقسما به، وقد تقدم تفصيل القول في هذا.

* { إلا تذكرة لمن يخشى }
(10/179)
---

(1/4035)


قوله: {إلا تذكرة}: في نصبه أوجه، أحدها: أن تكون مفعولا من أجله. والعامل فيه فعل الإنزال، وكذلك "تشقى" علة له أيضا، ووجب مجيء الأول مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل، ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، والثاني جاز قط اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط. هذا كلام الزمخشري، ثم قال: "فإن قلت: "هل يجوز أن تقول: ما أنزلنا، أن تشقى كقوله {أن تحبط أعمالكم}؟ قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في {واختار موسى قومه} وأما النصبة في "تذكرة" فهي كالتي في "ضربت زيدا" لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها".
قلت: قد منع أبو البقاء أن تكون "تذكرة" مفعولا له لأنزلنا المذكورة، لأنها قد تعدت إلى مفعول له وهو "لتشقى" فلا تتعدى إلى آخر من جنسه. وهذا المنع ليس بشيء؛ لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين فأكثر، وإنما هذا بناء منه على أنه لا يفضي العامل من هذه الفضلات إلا شيئا واحدا، إلا بالبدلية أو العطف.
الثاني: أن تكون "تذكرة" بدلا من محل "لتشقى" وهو رأي الزجاج، وتبعه ابن عطية، واستبعده أبو جعفر، ورده الفارسي بأن التذكرة ليست بشقاء. وهو ردذ واضح. وقد أوضح الزمخشري هذا فقال: "فإن قلت: هل يجوز أن تكون "تذكرة" بدلا من محل "لتشقى"؟ قلت: لا؛ لاختلاف الجنسين ولكنها نصبت على الاستثناء المنقطع الذي "إلا" فيه بمعنى "لكن".
(10/180)
---

(1/4036)


قال الشيخ: "يعني باختلاف الجنسين أن نصبة "تذكرة" نصبة صحيحة ليست بعارضة، والنصبة التي تكون في "لتشقى" بعد نزع الخافض نصبة عارضة. والذي نقول: إنه ليس له محل البتة فيتوهم البدل منه". قلت: ليس مراد الزمخشري باختلاف الجنسين إلا ما ذكرته عن الفارسي ردا على الزجاج، وأي أثر لاختلاف النصبين في ذلك؟
الثالث: أن يكون منصوبا على الاستثناء المنقطع أي: لكن أنزلناه تذكرة. الرابع: أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر، أي: لكن ذكرنا، أو تذكر به أنت تذكرة. الخامس: أنه مصدر في موضع الحال أي: إلا مذكرا. السادس: أنه بدل من "القرآن"، ويكون القرآن هو التذكرة، قاله الحوفي. السابع: أنه مفعول له أيضا، ولكن العامل فيه "لتشقى" ويكون المعنى كما قال الزمخشري: "إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم، وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون "تذكرة" حالا ومفولا له" انتهى.
(10/181)
---

(1/4037)


فإن قلت: من أين أخذت أنه لما جعله حالا ومفعولا له أن العامل فيه "لتشقى"؟ مال المانع أن يريد بالعامل فيه فعل الإنزال؟ فالجواب أن هذ الوجه قد تقدم له في قوله: "وكل واحد من "لتشقى" و"تذكرة" علة للفعل". وأيضا فإن تفسيره للمعنى المذكور منصب على تسلط "لتشقى" على "تذكرة". إلا أن أبا البقاء لما لم يظهر له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري منع من عمل "لتشقى" في "تذكرة" فقال: "ولا يصح أن يعمل فيها "لتشقى" لفساد المعنى" وجوابه ما تقدم. ولا غرو في تسمية التعب شقاء. قال الزمخشري: "والشقاء يجيء في معنى التعب. ومنه المثل: "أتعب من رائض مهر" و"أشقى من رائض مهر".
و{لمن يخشى} متصل بـ"تذكرة". وزيدت اللام في المفعول تقوية للعامل لكونه فرعا، ويجوز أني كون متعلقا بمحذوف على أنه صفة لـ"تذكرة".

* { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى }

قوله: {تنزيلا}: في نصبه أوجه، أحدها: أن يكون بدلا من "تذكرة" إذ جعل حالا لا إذا كان مفعولا [له] لأن الشيء لا يعلل بنفسه. قلت: لأنه يصير التقدير: ما أنزلنا القرآن إلا للتنزيل. الثاني: أن ينتصب بـ"نزل مضمرا. الثالث: أن ينتصب بـ"أنزلنا" لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلناه تذكرة. الرابع: أن ينتصب على المدح والاختصاص.
الخامس: أن ينتصب بـ"يخشى" مفعولا به أي: أنزله للتذكرة لمن يخشى تنزيل الله، وهو معنى حسن وإعراب بين.
قال الشيخ: ـ ولم ينصفه ـ "والأحسن ما قدمانه أولا من أنه منصوب بـ"نزل" مضمرة. وما ذكره الزمخشري من نصبه على غيره فمتكلف: أما الأول ففيه جعل تذكرة وتنزيلا حالين، وهما مصدران. وجعل المصدر/ حالا لا ينقاس.
(10/182)
---

(1/4038)


وأيضا فمدلول "تذكرة" ليس مدلول "تنزيل"، ولا "تنزيلا" بعض تذكرة. فإن كان بدلا فيكون بدل اشتمال على مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول؛ لأن التنزيل مشتمل على التذكرة وغيرها. وأما قوله: "لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلناه تذكرة" فليس كذلك لأن معنى الحصر يفوت في قوله أنزلناه تذكرة. وأما نصبه على المدح فبعيد. وأما نصبه بـ"يخشى" ففي غاية البعد لأن "يخشى" رأس آية وفاصل، فلا يناسب أن يكون "تنزيلا" منصوبا بـ"يخشى"، وقوله فيه "وهو حسن وإعراب بين" عجمة وبعد عن إدراك الفصاحة".

قلت: ويكفيه رده الشيء الواضح من غير دليل، ونسبة هذا الرجل إلى عدم الفصاحة ووجود العجمة.
قوله: {ممن خلق} يجوز في "من" أن تتعلق بـ:تنزيلا"، وأن تتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ"تنزيلا". وفي "خلق" التفات من تكلم في قوله "أنزلنا" إلى الغيبة. وجوز الزمخشري أن يكون "ما أنزلنا" حكاية لكلام جبريل وبعض الملائكة فلا التفات على هذا.
وقوله: {العلى} جمع عليا نحو: دنيا ودنا. ونظيره في الصحيح كبرى وكبر، وفضلى وفضل.

* { الرحمان على العرش استوى }

قوله: {الرحمان}: العامة على رفعه، وفيه أوجه، أحدهما: أنه بدل من الضمير المستكن في "خلق". ذكره ابن عطية. ورده الشيخ بأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو حل هنا محله لم يجز لخلو الجملة الموصول بها من رابط يربطها به. الثاني: أن يرتفع على خبر مبتدأ مضمر، تقديره: هو الرحمن. الثالث: أن يرتفع على الابتداء مشارا بلامه إلى من خلق، والجملة بعده خبره.
(10/183)
---

(1/4039)


وقرأ جناح بن حبيش "الرحمن" مجرورا. وفيه وجهان، أحدهما: أنه بدل من الموصول. لا يقال إنه يؤدي إلى البدل بالمشتق وهو قليل؛ لأن الرحمن جرى مجرى الجوامد الكثرة إيلائه العوامل. والثاني: أن يكون صفة للموصول أيضا.
قال الشيخ: "ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص كـ"من" و"ما" لا يوصف منها إلا "الذي" وحده، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون صفة". قال ذلك كالراد على الزمخشري.
والجملة من قوله {على العرش استوى} خبر لقوله "الرحمن" على القول بأنه مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر إن قيل: إنه مرفوع على خبر مبتدأ مضمر، وكذلك في قراءة من جره.
وفاعل "استوى" ضمير بعود على الرحمن، وقيل: بل فاعله "ما" الموصولة" بعده أي: استوى الذي له في السموات، قال أبو البقاء: "ويقال بعض الغلاة: "ما" فاعل "استوى". وهذا بعيد، ثم هو غير نافع له في التأويل، إذ يبقى قوله {الرحمان على العرش} كلاما تاما ومنه هرب". قلت: هذا يروى عن ابن عباس، وأنه كان يقف على لفظ "العرش"، ثم يبتدىء "استوى له ما في السموات" وهذا لا يصح عنه.

* { له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى }

قوله: {الثرى}: هو التراب الندي، ولامه ياء بدليل تثنية على ثريين، وقولهم ثريت الأرض تثرى ثرى. والثرى يستعمل في انقطاع المودة. قال جرير:

3272ـ فلا تنبشوا بيني وبينكم الثرى * فإن الذي بيني ونبينكم مثري
والثراء بالمد: كثرة المال قال:
3273ـ أماوي ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
وما أحسن قول ابن دريد:
3274ـ يوما تصير إلى الثرى * ويفوز غيرك بالثراء
فجمع في هذه القصيدة بين الممدود والمقصور باخلاف معنى.
(10/184)
---

(1/4040)


* { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى }

قوله: {وأخفى}: جوزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه أفعل تفضيل، أي: وأخفى من السر. والثاني: أنه فعل ماض أي: وأخفى الله عن عباده غيبه كقوله: {ولا يحيطون به علما
}.

* { الله لاا إلاه إلا هو له الأسمآء الحسنى }

والجلالة: إما متبدأ، والجملة المنفية خبرها، وإما خبر لمبتدأ محذوف أي: هو الله. "والحسنى" تأنيث الاحسن. وقد تقدم غير مرة أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة.

* { إذ رأى نارا فقال لأهله امكثواا إنيا آنست نارا لعليا آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى }

قوله: {إذ رأى}: يجوز أن يكون منصوبا بالحديث وهو الظاهر. ويجوز أن ينتصب بـ"اذكر" مقدرا، كما قاله أبو البقاء، أو بمحذوف بعده أي: إذ رأى نارا كان كيت وكيت، كما قاله الزمخشري.
و"هل" على بابها من كونها استفاهم تقرير، وقيل: بمعنى قد، وقيل: بمعنى النفي. وقرأ "لأهله امكثوا" بضم الهاء حمزة وقد تقدم أنه الأصل وهو لغة الحجاز، وقال أبو البقاء: "إن الضم للإتباع".
قوله: {آنست} أي: أبصرت. والإيناس: الإبصار البين، ومنه إنسان العين؛ لأنه يبصر به الأشياء، وقيل: هو الوجدان، وقيل: الإحساس فهو أعم من الإبصار، وأنشدوا للحارث بن حلزو:
3275ـ آنست نبأة وأفزعها القناص * عصرا وقد دنا الإمساء
(10/185)
---

(1/4041)


والقبس: الجذوة من النار، وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة ونحوهما. وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض. ويقال: أقبست الرجل علما وقبسته نارا، ففرقوا بينهما، هذا قول المبرد. وقال الكسائي: إن فعل وأفعل يقالان في المعنيين، فيقال: قبسته نارا وعلما، وأقبسته أيضا علما ونارا.

وقوله {منها} يجوز أن يتعلق/ بـ "آتيكم" أو بمحذوف على أنه حال من قبس. وأمال بعضهم ألف "وهدى" وقفا. والجيد أن لا تمال لأن الأشهر أنها بدل من التنوين.

* { فلمآ أتاها نودي ياموسى }

قوله: {نودي}: القائم مقام الفاعل ضمير موسى، وقيل: ضمير المصدر أي: نودي النداء. وهو ضعيف، ومنعوا أن يكون القائم مقامه الجملة من "يا موسى"؛ لأن الجملة لا تكون فاعلا.

* { إنيا أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى }

قوله: {إنيا}: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح، على تقدير الباء بأني؛ لأن النداء يوصل بها تقول: ناديته بكذا. قال الشاعر: ـ أنشده الفارسي ـ
3276ـ ناديت باسم ربعية بن مكدم * إن المنوه باسمه الموثوق
وجوز ابن عطية أن يكون بمعنى لأجل. وليس بظاهر. والباقون بالكسر: إما على إضمار القول كما هو رأي البصريين، وإما لأن النداء في معنى القول عند الكوفيين.
وقوله: {أنا} يجوز أن يكون مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة خبر "إن". ويجوز أن يكون توكيدا للمضير المنصوب، ويجوز أن يكون فصلا.
(10/186)
---

(1/4042)


قوله: {طوى} قرأ الكوفيون وبن عامر "طوى" بضم الطاء والتنوين. والباقون بضمها من غير تنوين. وقرأ الحسن والأعمش وأبو حيوة وابن محيصن بكسر الطاء منونا. وابو زيد عن أبي عمرو بكسرها غير منون.
فمن ضم ونون فإنه صرفه لأنه أوله بالمكان. ومنء منعه فيحتمل أوجها، أحدها: أنه منعه للتأنيث باعتبار البقعة والعلمية. الثاني: أنه منعه للعدل إلى فعل، وإن لم يعرف اللفظ المعدول عنه، وجعله كعمر وزفر. والثالث: أنه اسم أعجمي فمنعه للعلمية والعجمة.
ومن كسر ولم ينون فباعتبار البقعة أيضا. فإن كان اسما فهو نظير عنب، وإن كان صفة فهو نظير عدى وسوى. ومن نونه فباعتبار المكان. وعن الحسن البصري أنه بمعنى الثنى بالكسر والقصر، والثنى: المكرر مرتين، فيكون معنى هذه القراءة أنه ظهر مرتين، فيكون مصدرا منصوبا بلفظ "المقدس" لأنه بمعناه كأنه قيل: المقدس مرتين، من التقديس.
وقرأ عيسى بن عمر والضحاك "طاوي اذهب".
و"طوى": إما بدل من الوادي، أو عطف بيان له، أو مرفوع على إضمار مبتدأ، أو منصوب على إضمار أعني.

* { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى }
(10/187)
---

(1/4043)


قوله: {وأنا اخترتك}: قرأ حمزة في آخرين "وأنا اخترناك" بفتح الهمزة بضمير المتكلم المعظم نفسه. وقرأ السلمي والأعمش وابن هرمز كذلك، إلا أنهم كسروا الهمزة. والباقون "وأنا اخترتك" بضمير المتكلم وحده. وقرأ أبي "وأني اخترتك" بفتح الهمزة. فأما قراءة حمزة فعطف على قوله {إنيا أنا ربك}، وذلك أنه بفتح الهمزة هناك، ففعل ذلك لما عطف غيرها عليها. ومن كسرها فلأنه يقرأ "إني أنا ربك" بالكسر. وقراءة أبي كقراءة حمزة بالنسبة للعطف. وجوز أبو البقاء أن تكون الفتح على تقدير: ولأنا اخترناك فاستمع، فعلقه باستمع. والأول أولى. ومفعول "اخترتك" الثاني محذوف أي: اخترتك من قومك.
قوله {لما يوحى} الظاهر تعلقه بـ"استمع". ويجوز أن تكون اللام مزيدة في المفعول على حد قوله تعالى: {ردف لكم}. وجوز الزمخشري وغيره أن تكون المسألة من باب التنازع بين "اخترتك" وبين "استمع" كأنه قيل: اخترتك لما يوحى فاستمع لما يوحى. قال الزمخشري: "فعلق اللام بـ"استمع" أو بـ"اخترتك".
وقد رد الشيخ هذا بأن قال: "ولا يجوز التعليق بـ"اخترتك" لأنه من باب الإعمال، يجب ـ أو يختار ـ إعادة الضمير مع الثاني فكان يكون: فاستمع له لما يوحى، فدل على أنه من باب إعمال الثاني". قلت: الزمخشري عنى التعليق المعنوي من حيث الصلاحية، وأما تقدير الصناعة فلم يعنه.
و"ما" يجوز أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي أي: فاستمع للوحي أو للذي يوحى.

* { إننيا أنا الله لاا إلاه إلاا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكريا * إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى }
(10/188)
---

(1/4044)


قوله: {لذكريا}: يجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله أي: لأني ذكرتها في الكتب، أو لأني أذكرك. ويجوز أن يكون مضافا لمفعوله أي:لأن تذكرني. وقيل: معناه ذكر الصلاة بعد نسيانها كقوله عليه السلام: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". قال الزمخشري: "وكان حق العبارة: "لذكرها". ثم قال: "ومن يتمحل له أن يقول: إذا ذكر الصلاة فقد ذكر [الله]، أو على حذف مضاف أي: لذكر صلاتي، أو لأن الذكر والنيسان من الله تعالى في الحقيقة".

وقرأ أبو رجاء والسلمي "للذكرى" بلام التعريف وألف التأنيث. وبعضهم "لذكرى" منكرة، وبعضهم "للذكر" بالتعريف والتذكير.
قوله: {أكاد أخفيها} العام على ضم الهمزة من "أخفيها". وفيها تأويلات، أحدها: أن الهمزة في "اخفيها" للسلب والإزالة أي: أزيل خفاءها نحو: أعجمت الكتاب أي: أزلت عجمته. ثم في ذلك معنيان، أحدهما: أن الخفاء بمعنى الستر، ومتى أزال سترها فقد أظهرها. والمعنى: أنها لتحقق وقوعها وقربها أكاد أظهرها لولا ما تقتضيه الحكمة من التأخير. والثاني: أن الخفاء هو الظهور كما سيأتي. والمعنى: أني لشدة أبهامها أكاد أخفيها فلا أظهرها/ البتة، وإن كان لا بد من إظهارها؛ ولذلك يوجد في بعض المصاحف كمصحف أبي: أكاد أخفيهامن نفسي فكيف أظهركم عليها؟ وهو على عادة العرب في المبالغة في الإخفاء قال:
3277ـ أيام تصحبني هند وأخبرها * ما كدت أكتمه عني من الخبر
وكيف يتصور كتمانه من نفسه؟
والتأويل الثاني: أن "كاد" زائدة. قاله ابن جبير. وأنشد غيره شاهدا عليه قول زيد الخيل:
3278ـ سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه * فما إن يكاد قرنه يتنفس
وقال آخر:
(10/189)
---

(1/4045)


3279ـ وألا ألوم النفس فيما أصابني * وألا أكاد بالذي نلت أبجح
ولا حجة في شيء منه.
والتأويل الثالث: أن الكيدودة بمعنى الإرادة ونسبت للأخفش وجماعة، ولا ينفع فيما قصدوه.
والتأويل الرابع: أن خبرها محذوف تقديره: أكاد آتي به لقربها. وأنشدوا قول ضابىء البرمجي:
3280ـ هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله
أي: وكدت أفعل، فالوقف على "أكاد"، والابتداء بـ"أخفيها"، واستحسنه أبو جعفر.
وقرأ أبو الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد "أخفيها" بفتح الهمزة. والمعنى: أظهرها، بالتأويل المتقدم يقال: خفيت الشيء: أظهرته، وأخفيته: سترته، هذا هو المشهور. وقد نقل عن أبي أبي الخطاب أن خفيت وأخفيت بمعنى., وحكي عن أبي عبيد أن "أخفى" من الأضداد يكون مبعنى أظهر وبمعنى ستر، وعلى هذا تتحد القراءتان. ومن مجيء خفيت بمعنى أظهرت قول امرىء القيس:
3281ـ خفاهن من أنفاقهن كأنما * خفاهن ودق من عشي مجلب

وقول الآخر:
3282ـ فإن تدفنوا الداء لا نخفه * وإن توقدوا الحرب لا نقعد
قوله: {لتجزى} هذه لام كي، وليست بمعنى القسم أي: لتجزيضن كما نقله أبو البقاء عن بعضهم. وتتعلق هذه اللام بـ"اخفيها". وجعلها بعضهم متعلقة بـ"آتية" وهذا لا يتم إلا إذا قدرت أن "أكاد أخفيها" معترضة بين المتعلق والمتعلق به، أما إذا جعلتها صفة لآتية فلا يتجه على مذهب البصريين؛ لأن اسم الفاعل متى وصف لم يعمل، فإن عمل ثم وصف جاز.
وقال أبو البقاء: "وقيل بـ"آتية"، ولذلك وقف بعضهم عليه وقفة يسيرة إيذانا بانفصالها عن أخفيها".
(10/190)
---

(1/4046)


قوله: {بما تسعى} متعلق بـ"تجزى". و"ما" يجوز أن تكون مصدرية أو موصولة اسمية، ولا بد من مضاف أي: تجزى بعقاب سعيها أو بعقاب ما سعته.

* { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى }

قوله: {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها}: {من لا يؤمن} هو المنهي صورة، والمراد غيره، فهو من باب "لا أرينك ههنا". وقيل: إن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب، فذكر السبب ليدل على المسبب. والضميران في "عنها" و"بها" للساعة. وقيل: للصلاة. وقيل في "عنها" للصلاة، وفي "بها" للساعة.
قوله: {فتردى} يجوز فيه أن ينتصب في جواب النهي بإضمار "أن"، وأن يرتفع على خبر ابتداء مضمر تقديره: فأنت تردى. وقرأ يحيى "تردى" بكسر التاء.و قد تقدم أنها لغة. والردى: الهلاك يقال: ردي يردى ردى.
قال دريد بن الصمى:
3283ـ تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا * فقلت أعبد الله ذلكم الردي

* { وما تلك بيمينك ياموسى }

قوله: {وما تلك بيمينك}: "ما" مبتدأة استفهامية. و"تلك" خبره. و"بيمنيك" متعلق بمحذوف لأنه حال كقوله: {وهاذا بعلي شيخا}. والعامل في الحال المقدرة معنى الإشارة. وجوز الزمخشري أن تكون "تلك" موصولة بمعنى التي، و"بيمينك" صلتها. ولم يذكر ابن عطية غيره، وهذا ليس مذهب البصريين، لأنهم لم يجعلوا من أسماء الإشارة موصولا إلا "ذا" بشروط ذكرتها أول هذا الكتاب. وأما الكوفيون فيجيزون ذلك في جميعها، ومنه هذه الآية عندهم أي: "وما التي بيمينك" وأنشدوا أيضا:

3284ـ .................... * نجوت وهذا تحملين طليق
أي: والذي تحملين.
(10/191)
---

(1/4047)


* { قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى }

قوله: {هي عصاي} : "هي" تعود على المستفهم عنه. وقرأ العامة "عصاي" بفتح الياء، والجحدري وابن أبي إسحاق "عصي" بالقلب والإدغام. وقد تقدم في أول البقرة توجيه ذلك، ولمن تنسب هذه اللغة، والشعر المروي في ذلك. وروي عن أبي عمرو وابن أبي إسحاق أيضا "عصاي" بسكونها وصلا. وقد فعل ناقع مثل ذلك في "محياي" فجمع بين ساكنين وصلا، وتقدم الكلام هناك.
قوله: {أتوكأ} يجوز أن يكون خبرا ثانيا لـ"هي"، ويجوز أن يكون حالا: إما من "عصاي"، وإما من الياء. وفيه بعد؛ لأن مجيء الحال من المضاف/ إليه قليل، وله مع ذلك شروط ليس فيه شيء منها هنا. ويجوز أن تكمون جملة مستأنفة. وجوز أبو البقاء نقلا عن غيره أن تكون "عصاي" منصوبة بفعل مقدر، و"أتوكأ" هو الخبر، ولا ينبغي أن يقال ذلك.
والتوكؤ: التحامل على الشيء، وهو بمعنى الاتكاء. وقد تقدم تفسيره في يوسف فهما من مادة واحدة، وذكرته هنا لاختلاف وزنيهما.
والهمش ـ بالمعجمة ـ الخبط. يال: هششت الورق أهشه أي: خبطته ليسقط، وأما هش يهش بكسر العين في المضارع فبمعنى البشاشة، وقد قرأ النخعي بذلك فقيل: هو بمعنى أهش بالضم، والمفعول محذوف في القراءتين إذا مال. وقرأ الحسن وعكرمة "وأهس بضم الهاء والسين المهملة وهو السوق، ومنه الهس والهساس، وعلى هذا فكا ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضمن معنى ما يتعدى بـ"على" وهو أقوم. ونقل ابن خالويه عن النخعي أنه قرأ "وأهش" بضم الهمزة وكسر الهاء من "أهش" رباعيا وبالمهملة، ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة فيكون عنه قراءات.
(10/192)
---

(1/4048)


ونقل صاحب "اللوامح" عن مجاهد وعكرمة "وأهش" بضم الهاء وتخفيف الشين قال: "ولا أعرف لها وجها" إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي الشين فخفف، وهو بمعنى قراءة العامة.
وقرأ بعضهم "غنمي" بسكون النون ولا ينقاس. والمآرب: جمع مأربة وهي الحاجة وكذلك الإربة أيضا. وفي راء "المأربة" الحركات الثلاث.
و"أخرى" كقوله: {الأسمآء الحسنى} وقد تقدم قريبا. قال أبو البقاء: "ولو قيل "أخر" لكان على اللفظ" يعني: "أخر" بضم الهمزة وفتح الخاء، وباللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازي عن شيبة والزهري "مارب" قال "بغير همز" كذا أطلق. والمراد بغير همز محقق بل مسهل بين بين، وإلا فالحذف بالكلية شاذ.

* { فألقاها فإذا هي حية تسعى }

قوله: {تسعى}: يجوز أن يكون خبرا ثانيا عند من يجوز ذلك. ويجوز أن يكون صفة لـ"حية".

* { قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى }

قوله: {سيرتها}: في نصبها أوجه، أحدها: أن تكون منصوبة على الظرف أي: في سيرتها أي: طريقتها. الثاني: أنها منصوبة على أنها بدل من ها "سنعيدها" بدل اشتمال؛ لأن السيرة الصفة أي: سنعيدها صفتها وشكلها. الثالث: أنها منصوبة على إسقاط الخافش أي: إلى سيرتها. قال الزمخشري: "ويجوز أن يكمون معفولا، من عاد أي: عاد إليه، فيتعدى لمفعولين، ومنه بيت زهير:
3285ـ ................ * وعادك أن تلاقيها العداء
وهذا هو معنى قول من قال: إنه على إسقاط إلى، وكان قد جوز أن يكون ظرفا كما تقدم. إلا أن الشيخ رده بأ،ه ظرف مختص، ولا يصل إليه الفعل إلا بواسطة "في" إلا فيما شذ.
والسيرة: فعلة تدل على الهيئة من السير كالركبة من الركوب، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة. قال خالد الهذلي:
(10/193)
---

(1/4049)


3286ـ فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها * فأول راض سيرة من يسيرها
وجوز أيضا أن ينتصب بفعل مضمر أي: يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملة المقدرة في محل نصب على الحال أي: سنيعدها سائرة سيرتها.

* { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير سواء آية أخرى }

قوله: {واضمم}: لا بد من حذف، والتقدير: واضمم يدك تنضم، وأخرجها تخرج، فحذف من الأول والثاني، وأبقى مقابليهما ليدلا على ذلك إيجازا واختصارا، وإنما احتيج إلى هذا لأنه لا يترتب على مجرد الضم الخروج.
قوله: {بيضآء} حال من فاعل "تخرج".
قوله: {من غير سواء} يجوز أن يكون متعلقا بـ"تخرج"، وأن تكون متعلقة بـ"بيضاء" لما فيها من معنى الفعل نحو: ابيضت من غير سوء. ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف علىأنها حال من الضمير في "بيضاء". وقوله: {من غير سواء} يسمى عند أهل البيان "الاحتراس" وهو: أن يؤتى بشيء يرفع توهم من يتوهم غير المراد؛ وذلك أن البياض قد يراد به البرص والبهق، فأتى بقوله: {من غير سواء} نفيا لذلك.
قوله: {آية} فيها أوجه، أحدها: أن تكون حالا أعنى أنها بدل من "بيضاء" الواقعة حالا. الثاني: أنها حال من الضمير في "بيضاء". الثالث: أنها حل من الضمير في الجار والمجرور. الرابع: أنها منصوبة بفعل محذوف. فقدره أبو البقاء: جعلناها آية، أو آتيناك آية. وقدره الزمخشري: خذ آية، وقدذر أيضا: دنوك آية. ورد الشيخ هذا: بأن من باب الإغراء. ولا يجوز إضمار الظروف في الإغراء. قال: لأن العامل حذف، وناب هذا منابه فلا يجوز أن يحذف النائب أيضا. وأيضا فإن أحكامها تخالف العامل الصريح، فلا يجوز إضمارها، وإن جاز إضمار الأفعال.
(10/194)

(1/4050)


---
* { لنريك من آياتنا الكبرى }

قوله: {لنريك}: متعلق بما دلت عليه "آية" أي: دللنا بها لنريك، أو بجعلناها، أو بآتيناك المقدر. وقدره الزمخشري "لنريك فعلنا ذلك". وجوز الحوفي أن يتعلق بـ"اضمم". وجوز غيره أن يتعلق بـ"تخرج". ولا يجوز أن يتعلق بلفظ "آية" لأنها قد وصفت, وقدره الزمخشري أيضا: "لنريك خذ هذه الآية أيضا".
قوله: {من آياتنا الكبرى} يجوز أن يتعلق "من آياتنا" بمحذوف على أنه حال من "الكبرى" ويكون "الكبرى" على هذا مفعولا ثانيا لـ"نريك" والتقدير: لنريك الكبرى حال كونها من آياتنا، أي: بعض آياتنا. ويجوز أن يكون المفعول الثاني نفس "من آياتنا"، فتتعلق بمحذوف أيضا، وتكون "الكبرى" على هذا صفة لـ"آياتنا" وصفا لجمع المؤنث غير العاقل وصف الواحدة على حد {مآرب أخرى} و{الأسمآء الحسنى
}. وهذان الوجهان قد نقلهما الزمخشري والحوفي وأبو البقاء وابن عطية. واختاار الشيخ الثاني قال: "لأنه يلزم من ذلك أن تكون آياته كلها هي الكبر؛ لأن ما كان بعض [الآيات] الكبر صدق عليه أنه الكبرى، وإذا جعلت "الكبرى" مفعولا ثانيا لم تتصف الآيات بالكبر؛ لأنها هي المتصفة بأفعل التفضيل. وأيضا إذا جعلت "الكبرى" معفولا فلا يمكن أن تكون صفة للعصا واليد معا، إذ كان يلزم التثنية. ولا جائز أن يخص إحداهما بالوصف دون الأخرى؛ لأن التفضيل في كل منهما. ويبعد ما قاله الحسن: من أن اليد أعظم في الإعجاز من العصا؛ فإنه يجعل "الكبرى" مفعولا ثانيا لنريك، وجعل ذلك راجعا للآية القريبة، وقد ضعف قوله بأن منافع العصا أكبر. وهو غير خفي". انتهى ملخصا.

* { قال رب اشرح لي صدري }
(10/195)
---

(1/4051)


قوله: {لي صدري}: "لي" متعلق بـ"اشرح". قال الزمشخري: "فإن قلت: "لي" في قوله : {اشرح لي صدري ويسر ليا أمري} ما جدواه والأمر مستتب بدونه؟ قلت: قد أبهم الكلام أولا فقال: اشرح لي ويسر لي، فعلم أن ثم مشروحا وميسرا، ثم بين ورفع الإبهما بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير لأمره".

* { ويسر ليا أمري }

ويقال: يسرته لكذا، ومنه {فسنيسره لليسرى} ويسرت له كذا، ومنه هذه الآية.

* { واحلل عقدة من لساني }

قوله: {من لساني}: يجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "عقدة" أي: من عقد لساني. ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يتعلق بنفس "احلل" والأول أحسن.

* { واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي }

قوله: {واجعل لي وزيرا}: يجوز أن يكون "لي" مفعولا ثانيا مقدما، و"وزيرا" هو المفعول الأول. و"من أهلي" على هذا يجوز أن يكون صفة لـ"وزيرا". ويجوز أن يكون متعلقا بالجعل.
و"هارون" بدل من "وزيرا". وجوز أبو البقاء أن يكون "هارون" عطف بيان لـ"وزيرا". ولم يذكر الزمخشري غيره. ولما حكى الشيخ هذا لم يعقبه بنكير، وهو عجيب منه؛ فإن البيان يشترط فيه التوافق تعريفا وتنكيرا، وقد عرفت أن "وزيرا" نكرة و"هارون" معرفة، والزمخشري قد تقدم له مثل ذلك في قوله تعالى: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} وقد تقدم الكلام معه هناك وهو عائد هنا.
(10/196)
---

(1/4052)


ويجوز أن يكون "هارون" منصوبا بفعل محذوف كأنه قال: أخص من بينهم هارون أي: من بين أهلي. ويجوز أن يكون "وزيرا" مفعولا ثانيا، و"هارون" هو الأول، وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر الوزارة. وعلى هذا فقوله "لي: يجوز أن يتعلق بنفس الجعل، وأن يتعلق بمجذوف علىأنه حال من "وزيرا"؛ إذ هو في الأصل صفة له. و"من أهلي" على ما تقدم من وجهيه. ويجوز أن يكون "وزيرا" مفعولا أول، و"من أهلي" هو الثاني. وقوله "لي" مثل قوله {ولم يكن له كفوا أحد} يعنون أنه به يتم المعنى، ذكر ذلك أبو البقاء. ولما حكاه الشيخ لم يتعقبه بنكير، وهو عجيب؛ لأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية، وأنت لو ابتدأت بـ"وزير" وأخبرت عنه بـ"من أهلي" لم يجز إذ لا مسوغ للبتداء به.
و"أخي" بدل أو عطف بيان لـ"هارون". وقال الزمخشري: "وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن. قال الشيخ: "ويبعد فيه عطف البيان؛ لأن عطف اليان الأكثر فيه أن يكونت الأول دونه في الشهر وهذا بالعكس". قلت: لم يرد الزمخشري أن "أخي" عطف بيان لـ"هارون" حتى يقول الشيخ إن الأول ـ وهو "هارون" ـ أشهر من الثاني وهو "أخي"، إنما عنى الزمخشري أنه عطف بيان أيضا لـ"وزيرا" ولذلك قال:"آخر". ولا بد من الإتيان بلفظه ليعرف أنه لم يرد إلا ما ذكرته قال: "وزيرا وهارون مفعولا قوله "اجعل"، أو "لي وزيرا" مفعولاه، و"هارون" عطف بيان للوزير، و"أخي" في الوجهين بدل من "هارون"، وإن جعل عطف بيان أخر جاز وحسن". فقوله "آخر" تعين أن يكون عطف بيان لما جعله عنه عطف بيان قبل ذلك.
(10/197)
---

(1/4053)


وجوز الزمخشري في "أخي" أن يرتفع بالابتداء، ويكون خبره الجملة من قوله: "اشدد به"، وذلك على قراءة الجمهور له بصغية الدعاء، وعلى هذا فالوقف على "هارون".
وقرأ ابن عامر "أشدد" بفتح الهمزة للمضاعرة وجزم الفعل جوابا للأم، "وأشركه" بضم الهمزة للمضارعة وجزم الفعل نسقا على ما قبله. وقرأ الباقون بحذف همزة الوصل من الأول، وفتح همزة القطع الثاني، على أنهما دعاء من موسى لربه بذلك. وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة قد ترك فيها العطف خاصة دون ما تقدمها من جمل الدعاء.
وقرأ الحسن "أشدد" مضارع شدد بالتشديد.
والوزير: قيل: مشتق من الوزر وهو الثقل. وسمي بذلك لأنه يحمل أعباء الملك ومؤنه فهو معين على أمر/ الملك ويأتم بأمره. وقيل: بل هو من الوزر وهو الملجأ، كقوله تعالى: {لا وزر} وقال:
3287ـ من السباع الضواري دونه وزر *والناس شرهم ما دونه وزر
كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع * وما نرى بشرا لم يؤذهم بشر
وقيل: من المؤزرة وهي المعاونة. نقله الزمخشري عن الأصمعي قال: "وكان القياس أزيرا" يعني بالهمزة؛ لأن المادة كذلك. قال الزمخشري: "فقلبت الهمزة إلى الواو, ووجه قلبها إليها أن فعيلا جاء بمعنى مفاعل مجيئا صالحا كقولهم: عشير وجليس وخليط وصديق وخليل ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظرا إلى يوازر وأخواته وإلى الموازرة".
قلت: يعني أن وزيرا بمعنى موازر، وموازر تقلب فيه الهمزة واوا قلبا قياسيا؛ لأنها همزة مفتوحة بعد ضمه فهو نظير "موجل" و"يواخذكم" شبهه، فحمل "أزير" عليه في القلب، وإن لم يكن فيه سبب القلب.

* { كي نسبحك كثيرا }
(10/198)
---

(1/4054)


قوله: {كثيرا}: نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر، كما هو رأي سيبويه. وجوز أبو البقاء أن يكون نعتا لزمان محذوف أي: زمانا كثيرا.

* { قال قد أوتيت سؤلك ياموسى }

قوله: {سؤلك}: فعل هنا بمعنى مفعول نحو: أكل بمعنى مأكول، وخبر بمعنى مخبور. ولا ينقاس.

* { ولقد مننا عليك مرة أخرى }

و"مرة" مصدر، و"أخرى" تأنيث أخر بمعنى غير. وزعم بعضهم أنها بمعنى آخرة، فتكون مقابلة للأولى، وتحيل لذلك بأن قال: "سماها أخرى وهي أولى لأنها أخرى في الذكر".

* { إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى }

قوله: {إذ أوحينآ}: العامل في "إذ" "مننا" أي: مننا عليك في وقت إلجائنا إلى أمك، وأبهم في قوله {ما يوحى} للتعظيم كقوله تعالى: {فغشيهم من اليم ما غشيهم
}.

* { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عينيا }
(10/199)
---

(1/4055)


قوله: {أن اقذفيه}: يجوز أن تكون "أن" مفسرة؛ لأن الوحي بمعنى الوقل، ولم يذكر الزمخشري غيره، وجوز غيره أن تكون مصدرية. وحلها حينئذ النصب بدلا من "ما يوحى" والضمائر في قوله {أن اقذفيه} إلة آخرها عائدة على موسى عليه السلام لأنه المحدث عنه. وجوز بعضهم أن يعود الضمير في قوله {فاقذفيه في اليم} للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى عليه السلام. وعابه الزمخشري وجلعه تنافرا أو مخرجا للقرآن عن إعجازه فإنه قال: "والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظم. فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل. قلت: ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى به إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر".
قال الشيخ: "ولقائل أن يقول: إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحا, وقد نص النحويون على هذا فعوده على التابوت في قوله {فاقذفيه في اليم فليلقه اليم} راجح. والجواب: أن أحدهما إذا كان محذثا عنه والآخر فضلة، كان عوده على المحدث عنه أرجح. ولا يلتفت إلى القرب؛ ولهذا رددنا على أبي محمد ابن حزم في دعوان: أن الضمير في قوله تعالى: {فإنه رجس} عائد على "خنزير" لا على "لحم" لكونه أقرب مذكور، فيحرم بذلك شحمه وغضروفه وعظمه وجلده، فإن المحدث عنه هو "لحم خنزير" لا خنزير". قلت: قد تقدمت هذه المسألة في الأنعام وما تكلم الناس فيها.
(10/200)
---

(1/4056)


قوله: {فليلقه اليم} هذا أمر معناه الخبر، ولكنه أمرا لفظا جز جوابه في قوله: {يأخذه}. وإنما خرج بصغية الأمر مبالغة؛ إذ الأمر أقطع الأفعال وآكدها. وقال الزمخشري: "لما كانت مشيئة الله وإرادته أن لا تخطىء جربة ماء اليم الوصول به إلى الساحل، وألقاه إليه، سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه به إلى الساحل، وألقاه إليه، سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز، أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه".
و"بالساحل" يحتمل أن يتعلق بمحذوف على أن الباء للحال أي: ملتبسا بالساحل، وأن يتعلق بنفس الفعل على أن ظرفية بمعى "في".
قوله: {مني} فيه وجهان. قال الزمخشري: "لا يخلو: إما أن يتعلق بـ"ألقيت" فيكون المعنى: على إني أحببتك، ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لـ"محبة" أي: محبة حاصلة، أو واقعة مني، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها".
قوله: {ولتصنع} قرأ العامة بكسر اللام وضم التاء وفتح النون على البناء للمفعول، ونصب الفعل بإضمار أن بعد لام. وفيه وجهان، أحدهما: أن هذه العلة معطوفة على علة مقدرة قبلها. والتقدير: ليتلطف بك ولتصنع، أو ليعطف عليك و ترام ولتصنع. وتلك العلة المقدرة متعلقة بقوله: "والقيت" أي: ألقيت عليكم المحبة ليعطف عليك ولتصنع. ففي الحقيقة هو متعلق بما قبله من إلقاء المحبة.
والثاني: أن هذه اللام تتعلق بمضمر/ بعدها تقديره: ولتصنع على عيني فعلت ذلك ، أو كان كيت وكيت. ومعنى لتصنع أي: لتربى ويحسن إليك، وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قاله الزمخشري.
(10/201)
---

(1/4057)


وقرأ الحسن وأبو نهيك "ولتصنع" بفتح التاء. قال ثعلب: "معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني. وقال قريبا منه الزمخشري. وقال ابو البقاء:"أي لتفعل ما آمرك بمرأى مني".
وقرأ أبو جعفر وشيبة "ولتصنع" بسكون اللام والعين وضم التاء وهو أمر معناه: ليرب وليحسن إليك. وروي عن أبي جعفر في هذه القراءة كسر لام الأمر. قلت: ويحتمل مع كسر اللام أو سكونها حالة تسكين العين أن تكون لام كي، وإنم سكنت تشبيها بكتف وكبد، والفعل منصوب. والتسكين في العين لأجل الإدغام لا يقرأ في الوصل إلا بالإدغام فقط.

* { إذ تمشيا أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين فيا أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى }

قوله: {إذ تمشيا}: في عامل هذا الظرف أوج، أحدها: أن العامل في "ألقيت" أي: ألقيت عليكم محبة من في وقت مشي أختك.
الثاني: أنه منصوب بقوله "ولتصنع" أي: لتربى ويحسن إليك في هذا الوقت. قال الزمخشري: "والعالم في "إذ تشمي" "ألقيت" أو "لتصنع" وقال أبو البقاء: "إذ تمشي" يجوز أن يتعلق بأحد الفعلين". قلت: يعني بالفعلين ما تقدم من ألقيت أو لتصنع. وعلى هذا فيجوز أن تكون المسألة من باب التنازع؛ لأن كلا من هذين العاملين يطلب هذا الظرف من حيث المعنى، ويكون من إعمال الثاني للحذف من الأول. وهذا إنما يتجه كل الاتجاه إذا جعلت "ولتصنع" معطوفا على علة محذوفة متعلقة بـ"ألقيت"، أما إذا جعلته متعلقا بفعل مضمر بعده فيبعد ذلك أو يمتنع، لكون الثاني صار من جملة أخرى.
(10/202)
---

(1/4058)


الثالث: أن تكون "إذ تمشي" بدلا من "إذ أوحينا". قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح ـ وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه ـ أن يقول لك الرجل: لقيت فلانا سنة كذا فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك، وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها". قال الشيخ: "وليس كما ذكر لأن السنة تقبل الاتساع، فإذا وقع لقيهما فيها، بخلاف هذين الظرفين فإن كل واحد منهما ضيق ليس بمتسع لتخصصهما بما أضيفا إليه، فلا يمكن أن يقع الثاني في الظرف الذي وقع فيه الأول؛ إذ الأول ليس متسعا لوقوع الوحي فيه ووقع مشي الأخت، فليس وقت وقوع الفعل مشتملا على أجزاء وقع في بعضها المشي بخلاف السنة". قلت: وهذا تحمل منه عليه فإن زمن اللقي أيضا ضيق لا يسع فعليهما، وإنما ذلك مبني على التساهل؛ إذ المراد أن الزمان مشتمل على فعليهما.
وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون بدلا من "إذ" الأولى؛ لأن مشي أخته كان منة عليه" يعني أن قوله "إذ أوحينا" منصوب بقوله: "مننا" فإذا جعل "إذ تمشي" بدلا منه كان أيضا ممتنا به عليه.

الرابع: أن يكون العامل فيه مضمرا تقديره: اذكر إذ تمشي. وهو على هذا مفعول به لفساد المعنى على الظرفية.
وقرأ العامة "كي تقر" بفتح التاء والقاف. وقرأت فرقة "تقر" بكسر القاف، وقد تقدم أنهما لغتان في سورة مريم. وقرأ جناح بن جبيش "تقر" بضم التاء وفتح القاف على البناء للمفعول. "عينها" رفعا لما لم يسم فاعله.
(10/203)
---

(1/4059)


قوله: {فتونا} فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدر على فعول كالقعود والجلوس، إلا أن فعولا قليل في المتعدي. ومنه الشكور والكفور والثبور واللزوم. قال تعالى: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا}. الثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كـ"حجور" و"بدور" في حجرة وبدرة أي: فتناك ضروبا من الفتن. عن ابن عباس: أنه ولد في عام يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وقتل القبطي وأجر نفسه عشر سنين، وضل عن الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة. ولما سأل سعيد بن جبير عن ذلك أجابه بما ذكرته، وصار يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا بان جبير. قال معناه الزمخشري. وقال غيره: بفتون من الفتن ـ أي المحن ـ تخبر بها.
قوله: {على قدر} متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل "جئت" أي: جئت موافقا لما قدر لك. كذا قدره أبو البقاء، وهو تفسير معنى. التفسير الصناعي: ثم جئت مستقرا أو كائنا على مقدار معين. كقول الآخر:
3288ـ نال الخلافة أو جاءت على قدر * كما أتى ربه موسى على قدر

* { واصطنعتك لنفسي }

ومعنى "اصطنعتك" أي: أخلصتك. واصطفيتك افتعال من الصنع، فأبدلت التاء طاء لأجل حرف الاستعلاء، وهذا مجاز عن قرب منزلته ودنوه من أحدا لا يصطنع إلا من يختاره.

* { اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري }

قوله: {ولا تنيا}: يقال: ونى يني ونيا كوعد/ يعد وعدا إذا فترو ... والوزني الفتور. ومنه امرأة أناة، وصفوها بفتور القيام كناية عن ضخامتها قال:
3289ـ منا الأناة وبعض القوم يحسبنا * أنا بطاء وفي إبطائنا سرع
(10/204)
---

(1/4060)


والأصل وناة. فابدلوا الهمزة من الواو كأحد في وحد. وليس بالقياس، وفي الحديث: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة

". والواني: المقصر في أمره. قال الشاعر:
3290ـ ................ * فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
وونى فعل لازم لا يتعدى، وزعم بعضهم أنه يكون من أخوات زال وانفك فيعمل بشرط النفي أو شبهه عمل كان فيقال: "ما ونى زيد قائما" أي: مازال قائما. وأنشد الشيخ جمال الدين بن مالك شاهدا على ذلك قول الشاعر:
3291ـ لا يني الحب شيمة الحب ما دام * فلا تحسبنه ذا ارعواء
أي لا يزال الحب ـ أي بضم الحاء ـ شيمة الحب ـ أي بكسرها ـ وهو المحب. ومن منع ذلك يتأول البيت على حذف حرف الجر؛ فإن هذال الفعل يتعدى تارة بـ عن وتارة بـ في. يقال: ما ونيت عن حاجتك أو في حاجتك. فالتقدير: لا يفتر الحب في شيمة المحب وفيه مجاز بليغ. وقد عدي في الآية الكريمة بـ في.
وقرأ يحيى بن وثاب "ولا تنيا" بكسر التاء إتباعا لحركة النون. وسكن الياء من "ذكري".....

* { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى }

وذكر المذهوب إليه في قوله: {اذهبآ إلى فرعون} وحذفه في الأول في قوله: {اذهب أنت وأخوك} اختصار في الكلام. وقيل: أمرا أولا بالذهاب لعموم الناس ثم ثانيا لفرعون بخصوصه، وفيه بعد؛ بل الذهابان متوجهان لشيء واحد وهو فرعون بخصوصه، وفيه بعد؛ بل الذهابان متوجهان لشيء واحد وهو فرعون، وقد حذف من كل من الذهابين ما أثبته في الآخر: وذلك أنه حذف المذهوب إليه من الأول وأثبته في الثاني، وحذف المذهوب به وهو "بآياتي" من الثاني وأثبته في الاول.

* { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى }
(10/205)
---

(1/4061)


وقرأ أبو معاذ "قولا لينا" وهو تخفيف من لين كميت في متت.
وقوله: {لعله} فيه أوجه، أحدها: أن "لعل" على بابها من الترجي: وذلك بالنسبة إلى المرسل، وهو موسى وهارون أي: اذهبا على رجائكما وطمعكما في إيمانه، أذهبا مترجيين طامعين، وهذا معنى قول الزمخشري، ولا يستقيم أن يرد ذلك في حق الله تعالى إذ هو عالم بعواقب الأمور، وعن سيبويه: "كل ما ورد في القرآن من لعل وعسى فهو من الله واجب"، يعني أنه مستحيل بقاء معناه في حق الله تعالى. والثاني: أن لعل بمعنى كي فتفيد العلة. وهذا قول الفراء، قال: "كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك أي: كي تأخذ". والثالث: أنها استفهامية أي: هل يتذكر أو يخشى؟ وهذا قول ساقط؛ وذلك أنه يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى كما يستحيل الترجي. فإذا كان لابد من التأويل فجعل اللفظ على مدلوله باقيا أولى م، إخراجه عنه.

* { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى }

قوله: {أن يفرط}: "أن يفرط" مفعول "نخاف". ويقال: فرط: سبق وتقدم، ومنه الفارط. وهو الذي يتقدم الواردة إلى الماء وفرس فرط: يسبق الخبل، أي: نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها، قاله الزمخشري، ومن ورود الفارط بمعنى المتقدم على الواردة قول الشاعر:
3292ـ واستعجلونا وكانوا من صحابتنا * كما تقدم فراط لوراد
وفي الحديث: "أنا فرطكم على الحوض" أي: سابقكم ومتقدمكم.
وقرأ يحيى بن وثاب وابن محيصن وأبو نوفل "يفرط" بضم حرف المضارعة وفتح الراء على البناء للمفعول، والمعنى: خافا أن يسبق في العقوبة. أي: يحمله حامل عليها وعلى المعاجلة بها: إما قومه وإما حب الرئاسة، وإما ادعاؤه الإلهية.

(1/4062)


(10/206)
---
وقرأ ابن محيصن في رواية والزعفراني "أن يفرط" بضم حرف المضارعة وكسر الراء من أفرط. قال الزمخشري: "من أفرطهن غيره إذا حمله على العجلة، خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب". قال كعب ابن زهير.
3293ـ تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه * من صوب سارية بيض يعاليل
أي: سبقت إليه هذه البيض لتملأه. وفاعل "يفرط" ضمير فرعون. وهذا هو الظاهر الذي ينبغي أن لا يعدل عنه. وجعله أبو البقاء مضمرا لدلالة الكلام عليه فقال: "فيجوز أن يكون التقدير: أن يفرط علينا منه قول، فأضمر القول لدلالة الحال عليه كما تقول: فرط مني قول، وأن يكون الفاعل ضمير فرعون كما كان في "يطغى".

* { قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى }

ومفعول {أسمع وأرى} محذوف فقيل: تقديره: أسمع أقوالكما وارى أفعالكما، وعن ابن عباس: أسمع جوابه لكما وأرى ما يفعل بكما، أو يكون من حذف الاقتصار نحو: {يحيي ويميت
}.

* { فأتياه فقولاا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنيا إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى }
(10/207)
---

(1/4063)


قوله: {قد جئناك بآية من ربك}: قال الزمخشري: هذه الجملة جارية من الجملة الأولى وهي: {إنا رسولا ربك} مجرى البيان والتفسير؛ لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتها التي هي مجيء الآية. وإنما وحد بـ"آية" ولم تثن ومعه آيتان؛ لأن المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها، فكأنه قيل: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه/ من الرسالة، وكذلك قال: {قد جئتكم ببينة من ربكم} {فأت بآية إن كنت من الصادقين} {أولو جئتك بشيء مبين

}. و{على من اتبع الهدى} يحتمل أن يكون مأمورا بقوله: فيكون منصوب المحل كأنه قيل: فقولا أيضا: والسلام على من اتبع الهدى، ويحتمل أن يكون تسليما منهما لم يؤمرا بقوله، فتكون الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وزعم بعضهم أن "على" بمعنى اللام أي: والسلام لمن اتبع الهدى. وهذا لا حاجة إليه.

* { إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى }

قوله: {أن العذاب على من كذب}: "أن" وما في حيزها في محل الرفع لقيامها مقام الفاعل الذي حذف في {أوحي إلينآ}. وسبب بنائه للمفعول خوفا أن يبدر منء فرعون بادرة لمن أوحى لو سمياه، فطويا ذكره تعظيما له واستهانة بالمخاطب.

* { قال فمن ربكما ياموسى }
(10/208)
---

(1/4064)


قوله: {ياموسى}: نادى موسى وحده بعد مخاطبته لهما معا: إما لأن موسى هو الأصل في الرسالة، وهارون تبع وردء ووزير، وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي في لسان موسى، ويعلم فصاحة أخيه بدليل قوله {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} وقوله: {ولا يكاد يبين} فأراد استنطاقه دون أخيه، وإما لأنه حذف المعطوف للعلم به أي: يا موسى وهارون. قاله أبو البقاء، وبدأ به، ولا حاجة إليه، وقد يقال: حسن الحذف كون موسى فاصلة، لا يقال: كان يغني في ذلك أن تقدم هارون وتؤخر موسى فيقال: يا هارون وموسى فتحصل مجانسة الفواصل من حذف لأن البدء بموسى أهم فهو المبدوء به.

* { قال ربنا الذيا أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }

قوله: {أعطى كل شيء خلقه}: في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن يكون "كل شيء" مفعولا أول، و"خلقه" مفعولا ثانيا على معنى: أعطى كل شيء شكله وصورته، الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يطابق الاستماع ويوافقه، وكذلك اليد والرجل واللسان، أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل الحصان والحجر زوجين، والناقة والبعير، والرجل والمرأة، ولم يزاوج شيء منها غير جنسه، ولا ماهو مخالف لخلقه. وقيل: المعنى: أعطى كل شيء مخلوق خلقه أي: هو الذي ابتدعه. وقيل: المعنى: أعطى كل شيء مما خلق خلقته وصورته على ما يناسبه من الإتقان. ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا بالعكس، بل خلق كل شيء فقدره تقديرا.
(10/209)
---

(1/4065)


والثاني: أن يكون "كل شيء" مفعولا ثانيا، و"خلقه" هو الأول، فقدم الثاني عليه، والمعنى: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به.
وقرأ عبد الله والحسن والأعمش وأبو نهيك وابن أبي إسحاق ونصير عن الكسائي وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلقه" بفتح اللام فعلا ماضيا. وهذه الجملة في هذه القراءة تحتمل أن تكون منصوبة المحل صفة لـ"كل" أو في محل جر صفة لـ"شيء"، وهذا معنى قول الزمخشري: "صفة للمضاف ـ يعني "كل" ـ أو للمضاف إليه" ـ يعني "شيء" ـ. والمفعول الثاني على هذه القراءة مجذوف، فيحتمل أن يكون حذفه حذف اختصار للدلالة عليه أي: أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه ويصلحه أو كماله، ويحتمل أن يكون حذفه حذف اقتصار، والمعنى: أن كل شيء خلقه الله لم يخله من إنعامه وعطائه.

* { قال فما بال القرون الأولى }

والبال: الفكر. يقال: خطر بباله كذا، ولا يثنى ولا يجمع، وشذ جمعه على "بالات". ويقال للحال المكترث بها، ولذلك يقال: ما باليت بالة، والأصل ....... فحذف لامه تخفيفا.

* { قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى }

قوله: {قال علمها عند ربي} في خبر هذا المبتدأ أوجه، أحدها: أنه "عند ربي" وعلى هذا فقوله "في كتاب" متعلق بما تعلق به الظرف من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في الظرف، أو خبر ثان.
(10/210)
---

(1/4066)


الثاني: أن الخبر قوله "في كتاب" على هذا قوله "عند ربي" معمول للاستقرار الذي تعلق به "في كتاب" كا تقدم في عكسه، أو يكون حالا من الضمير المستتر في الجار الواقع خبرا. وفيه خلاف أعني تقديم الحال على عاملها المعنوي. والأخفش يجيزه ويستدل بقراءة {والسماوات مطويات بيمينه} وقوله:
3294ـ رهط ابن كوز محقبي أدراعهم * فيهم ورهط ربيعة بن حذار
وقال بعض النحويين: إنه إذا كان العامل معنويا، والحال ظرف أو عديله، حسن التقديم عند الأخفش وغيره، وهذا منه. أو يكون ظرفا للعلم نفسه، أو يكون حالا من المضاف إليه وهو الضمير في "عليها". ولا يجوز أن يكون "في كتاب" متعلقا بـ"علمها" على قولنا إن "عند ربي" الخبر كما جاز تعلق "عند: به لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وقد تقدم أنه لا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام صلته.

الثالث: أن يكون الظرف وحرف الجر معا خبرا واحدا في المعنى، فيكون بمنزلة "هذا حلو حامض" قاله أبو البقاء، وفيه نظر؛ إذ كل منها يستقل بفائدة الخبرية، بخلاف "هذا حلو حامض".
والضمير في "علمها" فيه وجهان، أظهرهما: عوده على القرون. والثاني: عوده على القيامة للدلالة ذكر القرون على ذلك؛ لأنه سأله عن بعث الأمم، والبعث يدل على القيامة.
(10/211)
---

(1/4067)


قوله: {لا يضل ربي} في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها في محل جر صفة لـ"كتاب"، والعائد محذوف، تقديره: في كتاب لا يضله ربي، أولا يضل حفظه ربي، فـ"ربي" فاعل "يضل" على هذا التقدير، وقيل: تقديره: الكتاب ربي. فيكون في "يضل" ضمير يعود على "كتاب"، وربي منصوب على التعظيم. وكان الأصل: عن ربي، فحذف الحرف اتساعا، يقال: ضللت كذا وضللته بفتح اللام وكسرها، لغتان مشهورتان وشهراهما الفتح. الثاني: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب ساقها تبارك وتعالى لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن موسى.
وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وعيسى الثقفي وابن محيصن وحماد بن سلمة "لا يضل" بضم الياء أي: لا يضل ربي الكتاب أي: لا يضيعه يقال: أضللت الشيء أي: . فـ"ربي" فاعل على هذا التقدير. وقيل: تقديره: لا يضل أحد ربي عن علمه أي: عن علم الكتاب، فيكون الرب منصوبا على التعظيم.
وفرق بعضهم بين ظللت وأضللت فقال: "ضللت منزلي"، بغير ألف، و"أضللت بعيري" ونحوه من الحيوان بالألف. نقل ذلك الرماني عن العرب، وقال الفراء: "يقال: ضللت الشيء إذا أخطأت في مكانه وضللت لغتان، فلم تهتد له، كقولك: ضللت الطريق والمنزل ولا يقال: أضللته إلا إذا ضاع منه كالدابة انفلتت، وشبهها.
قوله: {ولا ينسى} في فاعل "ينسى" قولان، أحدهما: أنه عائد على "ربي" أي: ولا ينسى ربي ما أثبته في الكتاب. والثاني: أن الفاعل ضمير عائد على الكتاب على سبيل المجاز، كما أسند إليه الإحصاء مجازا في قوله {إلا أحصاها} لما كان محلا للإحصاء.
(10/212)
---

(1/4068)


* { الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى }

قوله: {الذي جعل لكم}: في هذا الموصول وجهان، أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أو منصوب بإضمار "أمدح"، وهو على هذين التقديرين من كلام الله تعالى لا من كلام موسى، وإنما احتجنا إلى ذلك لأن قوله {فأخرجنا به}، وقوله: {كلوا وارعوا أنعامكم} وقوله {منها خلقناكم} إلى قوله {ولقد أريناه} لا يتأتى أن يكون من كلام موسى؛ فلذلك جعلناه من كلام الباري تعالى. ويكون فيه التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، فإن قلت: أجعله من كلام موسى، يعني أنه وصف ربه تعالى بذلك ثم التفت إلى الإخبار عن الله بلفظ المتكلم. قيل: إنما جعلناه التفاتا في الوجه الاول؛ لأن المتكلم واحد بخلاف هذا، فإنه لا يتأتى فيه الالتفات المذكور وأخواته من كلام الله.

والثاني: أن "الذي" صفة لـ"ربي" فيكون في محل رفع أو نصب على حسب ما تقدم من إعراب "ربي". وفيه ما تقدم من الإشكال في نظم الكلام من قوله "فأخرجنا" وأخواته من عدم جواز الالتفات، وإن كان قد قال بذلك الزمخشري والحوفي. وقال ابن عطية: "إن كلام موسى تم عند قوله {وأنزل من السمآء مآء} وإن قوله "فأخرجنا" إلى آخره من كلام الله تعالى" وفيه بعد.
(10/213)
---

(1/4069)


وقرأ الكوفيون "مهدا" بفتح الميم وسكون الهاء من غير ألف. والباقون "مهادا" بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها. و فيه وجهان: أحدهما: أنهما مصدران بمعنى واحد يقال: مهدته مهدا ومهادا، والثاني: أنهما مختلفان، فالمهاد هو الاسم والمهد هو الفعل، أو أن مهادا جمع مهد نحو: فرخ وفراخ وكعب وكعاب. ووصف الأرض بالمهد: إما مبالغة، وإما على حذف مضاف أي: ذات مهد.
قوله {شتى}: "شتى" فعلى. وألفه للتأنيث، وهو جمع لشتيت نحو: مرضى في جمع مريض، وجرحى في جمع جريح، وقتلى في جمع قتيل. يقال: شت الأمر يشت شتا وشتاتا فهو شت أي تفرق. وشتان اسم فعل ماض بمعنى افترق، ولذلك لا يكتفى بواحد.
وفي "شتى" أوجه، أحدها: أنها منصوبة نعتا لـ"أزواجا" أي: أزواجا متفرقة بمعنى: مختلفة الألوان والطعوم. والثاني: أنها منصوبة على الحال من "أزواجا" وجاز مجيء الحال من النكرة لتخصصها بالصفة وهي "من نبات". الثالث: أن تنتصب على الحال أيضا من فاعل الجار؛ لإنه لما وقع وصفا رفع ضميرا فاعلا. الرابع: أنه في محل جر نعتا لـ"نبات"، قال الزمخشري: "يجوز أن يكون صفة لنبات مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت، فاستوى فيه الواحد والجمع، يعني أنها شتى مخلتفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس، وبعضها للبهائم" ووافقه أبو البقاء أيضا. ولكن الظاهر الأول.

* { كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذالك لآيات لأولي النهى }

قوله: {كلوا}: منصوب بقول محذوف، وذلك القول منصوب على الحال من فاعل "أخرجنا" تقديره: فأخرجنا كذا قائلين: كلوا. وترك مفعول الأكل على حد تركه في قوله تعالى: {كلوا واشربوا
(10/214)
---

(1/4070)


}. "وارعوا" رعى يكون لازما ومتعديا يقال: رعى دابته/ رعيا فهو راعيها. ورعت الدابة ترعى رعيا فيه راعية، وجاء في الآية متعديا.

والنهى فيه قولان، أحدهما: أنه جمع نهية كغرف جمع غرفة. والثاني: أنها اسم مفرد وهو مصدر كالهدى والسرى. قاله أبو علي. وكنت قد قدمت أول هذا الموضوع أنهم قالوا: لم يأت مصدر على فعل من المعتل اللام إلا سرى وهدى وبكى، وأن بعضهم زاد "لقى" وأنشدت عليه بيتا ثمة، وهذا لفظ آخر فيكون خامسا. والنهى: العقل. قالوا: سمي بذلك لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح.

* { ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى }

قوله: {أريناه آياتنا}: هي من "رأى" البصرية فلما دخلت همزة النقل تعدت بها إلى اثنين أولهما الهاء، والثاني "آياتنا"، والمعنى: أبصرناه. والإضافة هنا قائمة مقام التعريف العهدي أي: الآيات المعروفة كالعصا واليد ونحوهما، وإلا فلم ير الله تعالى فرعون جميع آياته. وجوز الزمخشري أن يراد بها الآيات على العموم بمعنى: أن موسى عليه السلام أراه الآيات التي بعث بها وعدد عليه الآيات التي جاءت به الرسل قبله عليهم السلام، وهي نبي صادق، لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به".
(10/215)
---

(1/4071)


قال الشيخ: "وفيه بعد؛ لأن الإخبار بالشيء لا يسمى رؤية له إلا بمجاز بعيد. وقيل: بل الرؤية هنا رؤية قلبية، فالمعنى: أعلمناه" وأيد ذلك: بأنه لم يكن أراه إلا اليد والعصا فقط. ومن جوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو إعمال المشترك في معنييه يجيز يراد المعنيان جميعا. وتأكيده للآيات بـ"كلها" يدل على إرادة العموم لأنهم قالوا: فائدة التوكيد بـ"كل: وأخواتها رفع توهم وضع الأخص موضع الأعم، فلا يدعى أنه أراد بالآيات آيات مخصوصة، وهذا يتمشى على أن الرؤية قلبية، ويراد بالآيات ما يدل على وحدانية الله وصدق المبلغ. ولم يذكر معفول التكذيب والإباء تعظيما له، وهو معلوم.

* { فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى }

قوله: {فلنأتينك}: جواب قسم محذوف تقديره: والله لنأتينك., وقوله: "بسحر" يجوز أن يتعلق بالإتيان، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل الإتيان أي: ملتبسين بسحر.

قوله: {موعدا} يجوز أن يكون زمانا. ويرجحه قوله: {موعدكم يوم الزينة} والمعنى: عين لنا وقت اجتماع؛ ولذلك أجابهم بقوله: {موعدكم يوم الزينة}. وضعفوا هذا: بأنه ينبوا عنه قوله: {موعدكم يوم}، ، وبقوله: {لا نخلفه}. وأجاب عن قوله: {لا نخلفه} بأن المعنى: لا نخلف الوقت في الاجتماع. ويجوز أن يكون مكانا. والمعنى: بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت... ويؤيد بقوله: {مكانا سوى} قال: فهذا يدل على أنه مكان، وهذا ينبو عه قوله: {موعدكم يوم الزينة}.
(10/216)
---

(1/4072)


ويجوز أن يكون مصدرا، ويؤيد هذا قوله: {لا نخلفه نحن ولا أنت} لأن المواعدة توصف بالحلف وعدمه. وإلى هذا نحا جماعة مختارين له. ورد عليهم بقوله: {موعدكم يوم الزينة} فإنه لا يطابقه.
وقال الزمخشري: "إن جعلته زمانا نظرا في أن قوله: {موعدكم يوم الزينة} مطابق له لزمك شيئان: أن تجعل الزمان مخلفا، وأن يعضل عليك ناصب "مكانا"، وإن جعلته مكانا لقوله: {مكانا سوى} لزمك أيضا أن توقع الإخلاف على المكان ، وأن لا يطابق قوله موعدكم يوم الزنة، وقرءة الحسن غير مطابقة له زمانا ومكانا جميعا لأنه قرأ "يوم الزينة" بالنصب، فبقي أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف أي: مكان الوعد، ويجعل ضمير في "نخلفه" للموعد، و"مكانا"، بدل من المكان المحذوف. فإن قلت: فكيف طابقه قوله: {موعدكم يوم الزينة}، ولا بد من أن تجعله زمانا، والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى، وإن لم يطابقه لفظا؛ لأنهم لا بد لهم أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك الزمان. فبذكر الزمان علم المكان. وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير. والمعنى: إنجاز وعدكم يوم الزينة، وطابق هذا أيضا من طريق المعنى. ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه".
وقال أبو البقاء: "هو هنا مصدر لقوله: {لا نخلفه نحن ولا أنت}.
(10/217)
---

(1/4073)


والجعل هنا بمعنى التصيير. وموعدا مفعول أول والظرف هو الثاني. والجملة من قوله: "لا نخلفه" صفة لموعدا. و"نحن" توكيد مصحح للعطف على الضمير المرفوع المستتر في "نخلفه" و"مكانا" بدل من المكان المحذوف كما قرره الزمخشري. وجوز أبو علي الفارسي وأبو البقاء أن ينتصب "مكانا" على المفعول الثاني لـ"اجعل" قال: "وموعدا على هذا مكان أيضا، ولا ينتصب بـ موعد لأنه/ مصدر قد وصف" يعني أنه يصح نصبه مفعولا ثانيا، ولكن بشرط أن يكون الموعد بمعنى المكان؛ ليتطابق المبتدأ أو الخبر في الأصل. وقوله: "ولا ينتصب بالمصدر" يعني أنه لا يجوز أن يدعى انتصاب "مكانا" بـ"موعد". والمراد بالموعد المصدر وإن كان جائزا من جهة المعنى؛ لأن النصاعة تأباه وهو وصف المصدر، والمصدر شرط إعماله عدم وصفه قبل العمل عند الجمهور.

وهذا الذي منعه الفارسي وأبو البقاء، جوزه الزمخشري وبدأ به فقال: "فإن قلت: فبم ينتصب مكانا؟ قلت: بالمصدر، أو بما يدل عليه المصدر. فإن قلت: كيف يطابقه الجواب" قلت: أما على قراءة الحسن فظاهر، وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: وعدكم وعد يوم الزينة".
قال الشيخ: "وقوله: "إن مكانا ينتصب بالمصدر ليس بجائز؛ لأنه قد وصف قبل العمل بقوله: "لا نخلفه" وهو مصول، والمصدر إذا وصف قبل العمل لم يجز أن يعمل عندهم". قلت: الظروف والمجرورات يتسع فيها ما لم يتسع في غيرها. وفي المسالة خلاف مشهور وأبو القاسم نحا إلى جواز ذلك.
(10/218)
---

(1/4074)


وجعل الحوفي انتصاب "مكانا" على الظرف، وانتصابه بـ"اجعل". فتحصل في نصب "مكانا" خمسة أوجه، أحدها: أنه بدل من "مكانا" المحذوف. الثاني: أنه مفعول ثان للجعل. الثالث: أنه نصب بإضمار فعل. الرابع: أنه منصوب بنفس المصدر. الخامس: أنه منصوب على الظرف بنفس "اجعل".
وقرأ أبو جعفر وشيبة "لا نخلفه" بالجزم على جواب الأمر، والعامة بالرفع على الصفة لموعد، كما تقدم.
وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم والحسن "سوى" بضم السين منونا وصلا. والباقون بكسرها. فالكسر والضم على أنها صفة بمعنى مكان عدل، إلا أن الصفة على فعل كثيرة نحو: "لبد وحطم، وقليلة على فعل. وحكى سيبويه "لحم زيم" ولم ينون الحسن "سوى" أجرى الوصل مجرى الوقف.
ولا جائز أن يكون منع صرفه للعدل على فعل كعمر لأن ذلك في الأعلام. وأما فعلى في الصفات فمصورفة نحو: حطم ولبد.
وقرأ عيسى بن عمر "سوى" بالكسر من غير تنوين. وهي كقراءة الحسن في التأويل.
وسوى معناه "عدلا ونصفة". قال الفارسي: "كأنه قال: قربه منكم قربه منا". قال الأخفش: "سوى" مقصور إن كسرت سينه أو ضممت، وممدود إن فتحتها، ثلاث لغات، ويكون فيها جميعها بمعنى غير، وبمعنى عدل ووسط بين الفريقين. قال الشاعر:
3295ـ وإن أبانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
قال: "وتقول: مررت برجل سواك وسواك وسوائك أي: غيرك ويكون للجميع" وأعلى هذه اللغات الكسر، قاله النحاس. وزعم بعض أهل اللغة والتفسير أن معنى مكانا سوى: مستو من الأرض، لا وعر فيه ولا حزونة.

* { قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى }
(10/219)
---

(1/4075)


قوله: {موعدكم يوم الزينة}: العامة على رفع "يوم الزينة" خبرا لـ"موعدكم". فإن جعلت "موعدكم" زمانا لم تحتج إلى حذف مضاف؛ إذ التقدير: زمان الوعد يوم الزينة، وإن جعلته مصدرا احتجت إلى حذف مضاف تقديره: وعدكم وعد يوم الزينة.
وقرأ الحسن والأعمش وعيسى وعاصم في بعض طرقه وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقتادة والجحدري وهبيرة "يوم" بالنصب. وفيه أوجه، أحدها: أن يكون خبرا لـ"موعدكم" على أن المراد بالموعد المصدر أي: وعدكم كائن في يوم الزينة كقولك: القتال يوم كذا والسفر غدا.
الثاني: أن يكون "موعدكم" متبدأ، والمراد به الزمان، و"ضحى" خبره على نية التعريف فيه؛ لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه، قاله الزمخشري، ولم يبين ما النصب لـ"يوم الزنية"؟ ولا يجوز أن يكون منصوبا، بـ"موعدكم" على هذا التقرير؛ لأن مفعلا مرادا به الزمان أو المكان لا يعمل وإن كان مشتقا، فيكون الناصب له فعلا مقدرا. وواخذه الشيخ في قوله "على نية التعريف" قال: "لأنه وإن كان ضحى ذلك اليوم بعينه فليس على نية التعريف، بل هو نكرة، وإن كان من يوم بعينه؛ لأنه ليس معدولا عن الألف واللام كسحر ولا هو معرف بالإضافة, ولو قلت:"جئت يوم الجمعة بكرا" لم ندع أن بكرا معرفة وإن كنت تعلم أنه من يوم بعينه".
الثالث: أن يكون "موعدكم" مبتدأ، والمراد به المصدر و"يوم الزينة" ظرف له. "وضحى" منصوب على الظرف خبرا للموعد، كما أخبر عنه في الوجه الأول بيوم الزينة نحو: القتال يوم كذا".
قوله: {وأن يحشر} في محله وجهان، أحدهما: الجر نسقا على الزينة أي: موعدكم يوم الزينة ويوم يحشر. أي: ويوم حشر الناس. والثاني: الرفع: نسقا على "يوم" التقدير: موعدكم يوم كذا، وموعدكم أن يحشر الناس أي: حشرهم.

(1/4076)


(10/220)
---
وقرأ ابن مسعود والجحدري وأبو نهيك وعمرو بن فائد "وأن تحشر الناس" بتاء الخطاب في "تحشر"، وروي/ عنهم "يحشر" بياء الغيبة. و"الناس" نصب في كلتا القراءتين على المفعولية. والضمير في القراءتين لفرعون أي: وأن تحشر أنت يا فرعون، أو وأن يحشر فرعون. وجوز بعضهم أن يكون الفاعل ضمير اليوم في قراءة الغيبة؛ وذلك مجاز لما كان الحشر واقعا فيه نسب إليه نحو: نهاره صائم وليله قائم.

و"ضحى" نصب على الظرف، العامل فيه "يحشر" وتذكر وتؤنث. والضحاء بالمد وفتح الضاد فوق الضحى؛ لأن الضحى ارتفاع النهار، والضحاء بعد ذلك، وهو مذكر لا غير.

* { فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى }

قوله: {كيده}: فيه حذف مضاف أي: ذوي كيده.

* { قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى }

قوله: {فيسحتكم}: قرأ الأخوان وحفص عن عصام فيسحتكم" بضم الياء وكسر الحاء. والباقون بفتحهما. فقراءة الأخوين من أسحت رباعيا وهي لغة نجد وتميم. قال الفرزدق التميمي.
3296ـ وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف
وقراءة الباقين من سحته ثلاثيا وهي لغة الحجاز. وأصل هذه المادة الدلال على الاستقصاء والنفاد. ومنه سحت الحالق الشعر أي: استقصاه فلم يترك منه شيئا، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب. ونصبه بإضمار "أن" في جواب النهي. ولما أنشد الزمخشري قول الفرزدق "إلا مسحتا أو مجلف" قال بعد ذلك: "في بيت لم تزل الركب تصطك في تسوية إعرابه".
(10/221)
---

(1/4077)


قلت: يعني أن هذا البيت صعب الإعراب، وإذ قد ذكر فلأذكر ما ورد في هذا البيت من الروايات،وما قال الناس في ذلك على حسب ما يليق بهذا الموضوع، فأقول وبالله الحول : روي هذا البيت ثلاث روايات، كل واحدة لا تخلو من ضرورة" الأولى "لم يدع" بفتح الياء والدال ونصب "مسحت". وفي هذه خمسة أوجه:
الأول: أن معنى لم يدع من المال إلا مسحتا: لم يبق إلا مسحت، فلما كان هذا في قوة الفاعل عطف عليه قوله: "أو مجلف" بالرفع. وبهذا البيت استشهد الزمخشري على قراءة أبي والأعمش "فشربوا منه إلا قليل" برفع "قليل" وقد تقدم ذلك. الثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر دل عليه لم يدع، والتقدير: أو بقي مجلف. الثالث: "أن "مجلف" مبتدأ، وخبره مضمر تقديره: أو مجلف كذلك وهو تخريج الفراء. الرابع: أنه معطوف على الضمير المستتر في "مسحتا"، وكان من حق هذا أن يفصل بينهما بتأكيد أو فاصل ما. إلا أن القائل بذلك لا يشترط وهو الكسائي. وأيضا فهو جائز في الضرورة عند الكل.

الخامس: أن يكون "مجلف" مصدرا بزنة اسم المفعول كقوله تعالى: {كل ممزق} أي: تجليف وتمزيق، وعلى هذا فهو نسق علت "عض زمان" إذ التقدير: رمت بنا هموم المنى وعض زمان أو تجليف، فهو فاعل لعطفه على الفاعل، وهو قول الفارسي. وهو عندي أحسنها.
الرواية الثانية: فتح الياء وكسر الدال ورفع مسحت. وتخريجها واضح: وهو أن تكون من ودع في بيته فهو وداع، بمعنى: بقي يبقى فهو باق، فيرتفع مسحت بالفاعلية، ويرفع "مجلف" بالعطف عليه. ولا بد حينئذ من ضمير محذوف وتقديره: من أجله أو بسببه.... الكلام.
(10/222)
---

(1/4078)


الرواية الثالثة: "يدع" بضم الياء وفتح الدال على ما لم يسم فاعله، و"مسحت" بالرفع لقيامه مقام الفاعل، و"مجلف" عطف عليه. وكان من حق الواو أن لا تحذف، بل تثبت لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، وإنما حذفت حملا للمبني للمفعول على المبني للفاعل. وفي البيت كلام أطول من هذا تركته اختصارا وهذا لبه. وقد ذكرته في البقرة وفسرت معناه ولغته، ووصلته بما قبله فعليك بالالتفات إليه.

* { قالواا إن هاذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى }

قوله: {إن هاذان}: اختلف القراء في هذه الآية الكريمة: فقرأ ابن كثير وحده "إن هذان" بتخفيف إن، والألف، وتشديد النون. وحفص كذلك إلا أنه خفف نون "هذان". وقرأ أبو عمرو "إن" بالتشديد "هذين" بالياء وتخفيف النون. والباقون كذلك إلا أنهم قرؤوا/ "هذان" بالألف.
فأما القراءة الأولى ـ وهي قراءة ابن كثير وحفص ـ فأوضح القراءات معنى ولفظا وخطا؛ وذلك أنهما جعلا "إن" المخففة من الثقيلة فأهملت، ولما أهملت ـ كما هو الأفصح من وجهيها ـ خيف التباسها بالنافية فجيء باللام فارقة في الخبر. فـ"هذان" مبتدأ، و"لساحران" خبره، ووافقت خط المصحف؛ فإن الرسم "هذن" بدون ألف ولا ياء وسيأتي بيان ذلك.
وأما تشديد نون "هذان" فعلى ما تقدم في سورة النساء، وقد أتقنت ذلك هناك.
وأما الكوفيون فيزعمون أن "إن" نافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلا، وهو خلاف مشهور وقد وافق تخريجهم هنا قراءة بعضهم "ما هذان إلا ساحران".
(10/223)
---

(1/4079)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية