صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الدر المصون في علم الكتاب المكنون

قوله: "قاصفا" القاصف يحتمل أن يكون من قصف متعديا، يقال: قصفت الريح الشجر تقصفها قصفا. قال أبو تمام:
3085- إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت * عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم
فالمعنى: أنها لا تلفي شيئا إلا قصفته وكسرته. والثاني: أن يكون من قصف قاصرا، أي: صار له قصيف يقال: قصفت الريح تقصف، أي: صوتت. و {من الريح} نعت.

قوله: {بما كفرتم} يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى الذي، والباء للسببية، أي: بسبب كفركم، أو بسبب الذي كفرتم به، ثم اتسع فيه فحذفت الباء فوصل الفعل إلى الضمير، وإنما احتيج إلى ذلك لاختلاف المتعلق.
وقرأ أبو جعفر ومجاهد "فتغرقكم" بالتاء من فوق أسند الفعل لضمير الريح. وفي كتاب الشيخ" "فتغرقكم بتاء الخطاب مسندا إلى "الريح". والحسن وأبو رجاء بياء الغيبة وفتح الغين وشد الراء، عداه بالتضعيف والمقرئ لأبي جعفر كذلك إلا أنه بتاء الخطاب". قلت: وهذا: إما سهو، وإما تصحيف من النساخ عليه؛ كيف يستقيم أن يقول بتاء الخطاب وهو مسند إلى ضمير الريح، وكأنه أراد بتاء التأنيث فسبقه قلمه أو صحف عليه غيره.
وقرأ العامة "الريح" بالإفراد، وأبو جعفر: "الرياح" بالجمع.
قوله: {به تبيعا} يجوز في "به" أن يتعلق بـ "تجدوا"، وأن يتعلق بتتبيع، وأن يتعلق بمحذوف لأنه حال من تبيع. والتبيع: المطالب بحق، الملازم، قال الشماخ:
3086- ..................... * كما لاذ الغريم من التبيع
وقال آخر:
3087- غدوا وغدت غزرنهم فكأنها * ضوامن من غرم لهن تبيع
(9/376)
---

(1/3831)


* { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا }

قوله تعالى: {كرمنا بني آدم}: عداه بالتضعيف، وهو من كرم بالضم كشرف، وليس المراد من الكرم في المال.

* { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولائك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا }

قوله تعالى: {يوم ندعوا}: فيه أوجه، أحدها: أنه منصوب على الظرف، والعامل "فضلناهم"، أي: فضلناهم بالثواب يوم ندعو. قال ابن عطية في تقريره: "وذلك أن فضل البشر على سائر الحيوان يوم القيامة بين؛ إذ هم المكلفون المنعمون المحاسبون الذين لهم القدر. إلا أن هذا يرده أن الكفار [يومئذ] أخسر من كل حيوان، لقولهم: {ياليتني كنت ترابا
}. الثاني: أنه منصوب على الظرف، والعامل فيه اذكر، قاله الحوفي وابن عطية. قلت: وهذا سهو؛ كيف يعمل فيه ظرفا؟ بل هو مفعول.
(9/377)
---

(1/3832)


الثالث: أنه مرفوع المحل على الابتداء، وإنما بني لإضافته إلى الجملة الفعلية، والخبر الجملة بعده. قال ابن عطية في تقريره: "ويصح أن يكون "يوم" منصوبا على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعا بالابتداء، وخبره في التقسيم الذي أتى بعده في قوله {فمن أوتي كتابه بيمينه} إلى قوله {ومن كان}. قال الشيخ: "قوله منصوب على البناء" كان ينبغي أن يقول: مبنيا على الفتح، وقوله "لما أضيف إلى غير متمكن" ليس بجيد؛ لأن المتمكن وغير المتمكن إنما يكون في الأسماء لا في الأفعال، وهذا أضيف إلى فعل مضارع، ومذهب البصريين فيه أنه معرب، والكوفيون يجيزون بناءه. وقوله: "والخير في التقسيم" إلى آخره، التقسيم عار من رابط يربط جملة التقسيم بالابتداء". قلت: الرابط محذوف للعلم به، أي: فمن أوتي كتابه فيه.
الرابع: أنه منصوب بقوله "ثم لا تجدوا" قاله الزجاج. الخامس: أنه منصوب بـ "يعيدكم يوم ندعو. السادس: أنه منصوب بما دل عليه {ولا يظلمون} بعده، أي: ولا يظلمون يوم ندعو، قاله ابن عطية وأبو البقاء. السابع: أنه منصوب بما دل عليه {متى هو} الثامن: أنه منصوب بما تقدمه من قوله تعالى: {فتستجيبون بحمده} التاسع: أنه بدل من {يوم يدعوكم} وهذان القولان ضعيفان جدا لكثرة الفواصل. العاشر: أنه مفعول به بإضمار "اذكر"، وهذا -وإن كان أسهل التقادير- أظهر مما تقدم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثير.
وقرأ العامة "ندعو" بنون العظمة، ومجاهد "يدعو" بياء الغيبة، أي: الله تعالى أو الملك. و "كل" نصب مفعولا به على القراءتين.
(9/378)
---

(1/3833)


وقرأ الحسن فيما نقله الداني عنه "يدعة" مبنيا للمفعول، "كل" مرفوع لقيامه الفاعل، وفيما نقله عنه غيره "يدعو" بضم الياء وفتح العين، بعدها واو. وخرجت على وجهين، أحدهما: أن الأصل: يدعون فحذفت نون الرفع كما حذفت في قوله عليه السلام: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا حتى تحابوا" وقوله:
3088- أبيت أسري وتبيتي تدلكي * وجهك بالعنبر والمسك الذكي
و "كل" مرفوع بالبدل من الواو التي هي ضمير، أو بالفاعلية والواو علامة على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة
". والتخريج الثاني: أن الأصل "يدعى" كما نقله عنه الداني، إلا أنه قلب الألف واوا وقفا، وهي لغة لقوم، يقولون: هذه أفعو وعصو، يريدون: أفعى وعصا، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. و "كل" مرفوع لقيامه مقام الفاعل على هذا ليس إلا.

قوله: "بإمامهم" يجوز أن تكون الباء متعلقة بالدعاء، أي: باسم إمامهم، وأن تكون للحال فيتعلق بمحذوف، أي: نضدعوهم مصاحبين لكتابهم. والإمام: من يقتدى به. وقال الزمخشري" "ومن بدع التفاسير: أن الإمام جمع "أم" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، وأن الحكمة فيه رعاية حق عيسى، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفضح فيه رعاية حق عيسى، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفضح أولاد الزنى" قال: "وليت شعري أيهما أبدع: أصحة لفظه أم بهاء معناه؟".
(9/379)
---

(1/3834)


قلت: وهو معذور لأن "أم" لا يجمع على "إمام"، وهذا قول من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب، وأما ما ذكروه من المعنى فإن الله تعالى نادى عيسى باسمه مضافا لأمه في عدة مواضع من قوله {ياعيسى ابن مريم} وأخبرعنه كذلك نحو: {وإذ قال عيسى ابن مريم} وفي ذلك غضاضة من أميرالمؤمنين علي رضي الله عنه وكرم وجهه.
قوله: {فمن أوتي} يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، والفاء لشبهه بالشرط. وحمل على اللفظ أولا في قوله {أوتي كتابه بيمينه} فأفرد، وعلى المعنى ثانيا في قوله: "فأولئك" فجمع.

* { ومن كان في هاذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا }

قوله تعالى: {ومن كان في هاذه}: يجوز في "من" ما جاز في "من" قبلها. وأمال الأخوان وأبو بكر "أعمى" في الموضعين من هذه السورة، وأبو عمرو أمال الأول دون الثاني، والباقون فتحوهما، فالإمالة لكونهما من ذوات الياء، والتفخيم لأنه الأصل. وأما أبو عمرو فإنه أمال الأول لأنه ليس أفعل تفضيل فألفه متطرفة لفظا وتقديرا، والأطراف محل التغيير غالبا، وأما الثاني فإنه للتفضيل ولذلك عطف عليه "وأضل" فألفه في حكم المتوسطة؛ لأن "من" الجارة للمفضول كالملفوظ بها، وهي شديدة الاتصال بأفعل التفضيل فكأن وقعت حشوا فتحصنت عن التغيير.
قلت: كذا قرره الفارسي والزمخشري، وقد رد هذا بأنهم أمالوا {ولا أدنى من ذلك} مع التصريح بـ "من" فلأن يميلوا "أعمى" مقدرا معه "من" أولى وأحرى.
(9/380)
---

(1/3835)


وأما "أعمى" في طه فأماله الأخوان وأبو عمرو، ولم يمله أبو بكر، وإن كان يمليه هنا، وكأنه جمع بين الأمرين وهو مقيد باتباع الأثر. وقد فرق بعضهم: بأن "أعمى" فيه طه من عمى البصر، وفي الإسراء من عمى البصيرة؛ ولذلك فسروه هنا بالجهل فأميل هنا، ولم يمل هناك للفرق بين المعنيين. قلت: والسؤال باق؛/ إذ لقائل أن يقول: فلم خصصت هذه بالإمالة، ولو عكس الأمر كان الفارق قائما.

* { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا }

قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك}: "إن" هذه فيها المذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين "إن" النافية، ولهذا دخلت على فعل ناسخ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى "ما" النافية، واللام بمعنى "إلا". وضمن "يفتنونك" معنى يصرفونك" فلهذا عدي بـ "عن" تقديره: ليصرفونك بفتنتهم. و "لتفتري" متعلق بالفتنة.
قوله: {وإذا لاتخذوك} "إذن" حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع أداة الشرط موقعها، و "لاتخذوك" جواب قسم محذوف تقديره: إذن والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى، لأن "إذن" تقتضي الاستقبال؛ إذ معناها المجازاة. وهذا كقوله: {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا} أي: ليظلن. وقول الزمخشري: "أي: ولو اتبعت درادهم لاتخذوك" تفسير معنى لاإعراب، لا يريد بذلك أن "لاتخذوك" جواب لـ "لو" محذوفة إذ لا حاجة إليه.

* { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا }
(9/381)
---

(1/3836)


قوله تعالى: {تركن}: العامة على فتح الكاف مضارع ركن بالكسر، وقتادة وابن مصرف وابن أبي إسحاق "تركن" بالضم مضارع ركن بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر هود.
وقوله: "شيئا": منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي: شيئا قليلا من الركون.

* { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا }

قوله تعالى: {ضعف الحياة}: قال الزمخشري: فإن قلت" كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله: لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات؛ لأن العذاب عذابان، عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار، والضعف يوصف به، نحو قوله تعالى: {فآتهم عذابا ضعفا من النار} يعني عذابا مضاعفا، فكأن أصل الكلام: لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف، ثم أضفت الصفة إضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، كما لو قيل: أليم الحياة، وأليم الممات". والكلام في "إذن" و "لأذقناك" كما تقدم في نظيره.

* { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا }
(9/382)
---

(1/3837)


قوله تعالى: {وإذا لا يلبثون}: قرأ العامة برفع الفعل بعد "إذن" ثابت النون، وهي مرسومة في مصاحف العامة. ورفعه وعدم إعمال "إذن" فيه ثلاثة أوجه، أنها توسطت بين المعطوف والمعطوف عليه. قال الزمخشري: "فإن قلت" ما وجه القراءتين؟ قلت: أما الشائعة -يعني برفع الفعل- فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد، وخبر "كاد" واقع موقع الاسم". قلت: فيكون "لا يلبثون" عطفا على قوله "ليستفزونك".
الثاني: أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه، فألغيت لذلك، والتقدير: ووالله إذن لا يلبثون.
الثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم إذن لا يلبثون.
وقرأ ابي بحذف النون، فنصبه بإذن عند الجمهور، وبـ "أن" مضمرة بعدها من غيرهم، وفي مصحف عبد الله "لا يلبثوا" بحذفها. ووجه النصب أنه لم يجعل الفعل معطوفا على ما تقدم ولا جوابا ولا خبرا. قال الزمخشري: "وأما قراءة ابي ففيها الجملة برأسها اليت هي: إذا لا يلبثوا، عطف على جملة قوله {وإن كادوا ليستفزونك}.
وقرأ عطاء {لا يلبثون} بضم الياء وفتح اللام والباء، مشددة مبنيا للمفعول، من لبثه بالتشديد. وقرأها يعقوب كذلك إلا أنه كسر الباء، جعله مبنيا للفاعل.
قوله: "خلافك" قرأ الأخوان وابن عامر وحفص: "خلافك" بكسر الخاء وألف بعد اللام، والباقون بفتح الخاء وسكون اللام. والقراءتان بمعنى واحد. وأنشدوا في ذلك:
3089- عفت الديار خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا
وقال تعالى: {خلاف رسول الله} والمعنى: بعد خروجك. وكثر إضافة قبل وبعد ونحوهما إلى أسماء الأعيان على حذف مضاف، فيقدر من قولك: جاء زيد قبل عمرو: أي: قبل مجيئه.
(9/383)
---

(1/3838)


قوله: {إلا قليلا} يجوز أن تكون صفة لمصدر أو لزمان محذوف، أي: لبثا قليلا، أو إلا زمانا قليلا.

* { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا }

قوله تعالى: {سنة}: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ينتصب على المصدر المؤكد، أي: سن الله ذلك سنة، أو سننا ذلك سنة. الثاني: -قاله الفراء- أنه على إسقاط الخافض، أي: كسنة الله، وعلى هذا لا يوقف على قوله "إلا قليلا". الثالث: أن ينتصب على المفعول به، أي: اتبع سنة.

* { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا }

قوله تعالى: {لدلوك}: في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها بمعنى "بعد"، أي: بعد دلوك الشمس، ومثله قول متمم بن نويرة:
3090- فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ومثله قولهم: "كتبته لثلاث خلون". والثاني: أنها على بابها، أي: لأجل دلوك. قال الواحدي: "لأنها إنما تجب بزوال الشمس".
والدلوك: مصدر دلكا الشمس، وفيه ثلاثة أقوال، أشهرها: أنه الزوال، وهو نصف النهار. والثاني: أنه من الزوال إلى الغروب. قال الزمخشري: "واشتقاقه من الدلك؛ لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها". قلت: وهذا يفهم أنه ليس بمصدر؛ لأنه جعله مشتقا من المصدر. والثالث: أنه الغروب، وأنشد الفراء عليه قوله:
3091- هذا مقام قدمي رباح * ذبب حتى دلكت براح
أي: غربت براح، وهي الشمس. وأنشد ابن قتيبة على ذلك قول ذي الرمة:
3092- مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك
(9/384)
---

(1/3839)


أي: الغاربات: وقال الراغب: دلوك الشمس ميلها للغروب، وهو من قولهم: دلكت الشمس: دفعتها بالراح، ومنه: دلكت الشيء في الراحة، ودلكت الرجل: ماطلته، والدلوك: ما دلكته من طيب، والدليك: طعام يتخذ من زبد وتمر".
قوله: {إلى غسق الليل} في هذا الجار وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ أقم" فهي لانتهاء غاية الإقامة، وكذلك اللام في "لدلوك" متعلقة به أيضا. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من "الصلاة"، أي: أقمها ممدودة إلى غسق الليل، قاله أبو البقاء. وفيه نظر: من حيث إنه قدر المتعلق كونا مقيدا، إلا أن يريد تفسير المعنى لا الإعراب.
والغشق: دخول أول الليل، قاله ابن شميل. وأنشد:
3093- إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والأرقا
وقيل: هو سواد الليل وظلمته، وأصله من السيلان: غسقت العين، أي: سال دمعها فكأن الظلمة تنصب على العالم وتسيل عليهم قال:
3094- ظلت تجود يداها وهي لاهية * حتى إذا هجم الإظلام والغسق
ويقال: غسقت العين: امتلأت دمعا، وغسق الجرح: امتلأ دما، فكأن الظلمة ملأت الوجود. والغاسق في قوله: {ومن شر غاسق} قيل: المراد به القمر إذا كسف واسود. وقيل: الليل. والغساق بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار. ويقال: غسق الليل وأغسق، وظلم وأظلم، ودجى وأدجى، وغبش وأغبش، نقله الفراء.
(9/385)
---

(1/3840)


قوله: {قرآن الفجر} فيه أوجه، أحدها: أنه عطف على "الصلاة"، أي: وأقم قرآن الفجر، والمراد به صلاة الصبح، عبر عنها ببعض أركانها. والثاني: أنه منصوب على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجر، كذا قدره الأخفش وتبعه أبو البقاء، وأصول البصريين تأبى هذا؛ لأن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: كثر قرآن أو الزم قرآن الفجر.

* { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }

قوله تعالى: {ومن الليل}: في "من" هذه وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بـ "تهجد"، أي: تهجد بالقرآن بعض الليل، والثاني: أنها متعلقة بـ بمحذوف تقديره: وقم قومة من الليل، أو اسهر من الليل، ذكرهما الحوفي. وقال الزمخشري: "وعليك بعض الليل فتهجد به" فإن كان أراد تفسير المعنى فقريب، وإن أراد تفسير الإعراب فلا يصح لأن المغرى به لا يكون حرفا، وجعله "من" بمعنى لا يقتضي اسميتها، بدليل أن واو "مع" ايست اسما بإجماع، وإن كانت بمعنى اسم صريح وهو "مع"./
والضمير في "به" الظاهر عوده على القرآن من حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر. والثاني: أنها تعود على الوقت المقدر، أي: وقم وقتا من الليل فتهجد بذلك الوقت، فتكون الباء بمعنى "في".
(9/386)
---

(1/3841)


قوله "نافلة" فيها أوجه، أحدها: أنها مصدر، أي: تتنفل نافلة لك على الصلوات المفروضة. والثاني: أنها منصوبة بـ "تهجد" لأنه في معنى تنفل، فكأنه قيل: تنفل نافلة. والنافلة، مصدر كالعاقبة والعافية. الثالث: أنها منصوبة على الحال، أي: صلاة نافلة، قاله أبو البقاء وتكون حالا من الهاء في "به" إذا جعلتها عائدة على القرآن لا على وقت مقدر. الرابع: أنها منصوبة على المفعول بها، وهو ظاهر قول الحوفي فإنه قال: "ويجوز أن ينتصب "نافلة" بتهجد، إذا ذهبت بذلك على معنى: صل به نافلة، أي: صل نافلة لك".
والتهجد: ترك الهجود وهو النوم، وتفعل للسلب نحو: تحرج وتأثم، وفي الحديث: "كان يتحنث بغار حراء". وفي الهجود خلاف بين أهل اللغة فقيل: هو النوم. قال:
3095- وبرك هجود قد أثارت مخافتي * ..............................

وقال آخر:
3096- ألا طرقتنا والرفاق هجود * ................................
وقال آخر:
3097- ألا زارت وأهل منى هجود * وليت خيالها بمنى يعود
فهجود: نيام، جمع "هاجد" كساجد وسجود. وقيل: الهجود: مشترك بين النائم والمصلي. قال ابن الأعرابي: "تهجد: صلى من الليل، وتهجد: نام"، وهو قول أبي عبيدة والليث.
قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما} في نصب "مقاما" أربعة أوزجه، أحدها: أنه منصوب على الظرف، أي: يبعثك في مقام. الثاني: أن ينتصب بمعنى "يبعثك" لأنه في معنى يقيمك، يقال: أقيم من قبره وبعث منه، بمعنى فهو نحو: قعد جلوسا. الثالث: أنه منصوب على الحال، أي: يبعثك ذا مقام محمود. الرابع: أنه مصدر مؤكد، وناصبه مقدر، أي: فيقوم مقاما.
(9/387)
---

(1/3842)


و "عسى" على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعين فيها أن تكون التامة، فتكون مسندة إلى "أن" وما في حيزها إذ لو كانت ناقصة على أن يكون {أن يبعثك} خبرا مقدما، و "ربك" اسما مؤخرا، لزم من ذلك محذور: وهو الفصل بأجنبي بين صلة الموصول ومعمولها، فإن "مقاما" على الأوجه الثلاثة الأول منصوب بـ "يبعثك" وهو صلة لـ "أن" فإذا جعلت "ربك" اسمها كان أجنبيا من الصلة فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلا لم يكن أجنبيا فلا يبالى بالفصل به. وأما على الوجه الرابع فيجوز أن تكون التامة والناقصة بالتقديم والتأخير لعدم المحذور؛ لأن "مقاما" معمول لغير الصلة، وهذا من محاسن صناعة النحو، وتقدم لك قريب من هذا في سورة إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {أفي الله شك فاطر}.

* { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا }

قوله تعالى: {مدخل صدق}: يحتمل أن يكون مصدرا، وأن يكون ظرف مكان وهو الظاهر. والعامة على ضم الميم فيهما لسبقهما فعل رباعي. وقرأ قتادة وأبو حيوة وإبراهيم بن أبي عبلة وحميد بفتح الميم فيهما: إما لأنهما منصوبان بمقدر موافق لهما تقديره: فادخل مدخل واخرج مخرج. وقد تقدم هذا مستوفى في قراءة نافع في سورة النساء، وأنه قرأ كذلك في سورة الحج.
ومدخل صدق ومخرج صدق من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته، لأنه يوصف به مبالغة.

قوله: "سلطانا" هو المفعول الأول للجعل، والثاني أحد الجارين المتقدمين، والآخر متعلق باستقراره. و "نصيرا" يجوز أن يكون محولا من فاعل للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول.
(9/388)
---

(1/3843)


* { وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا }

والزهوق: الذهاب والاضمحلال قال:
3098- ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * إقدامه بمزالة لم يزهق
يقال: زهقت نفسي تزهق زهوقا بالضم. وأما الزهوق بالفتح فمثال مبالغة كقوله:
3099- ضروب بنصل السيف سوق سمانها * .........................

* { وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا }

قوله تعالى: {من القرآن}: في "من" هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطية وأبو البقاء. ورد الشيخ عليهم: بأن التي للبيان لا بد أن يتقدمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقديمها عليه.
الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي قال: "لأنه يلزم أن لا يكون بعضه شفاء". وأجيب عنه: بأن إنزاله إنما هو مبعض. وهذا الجواب ليس بظاهر. وأجاب أبو البقاء بأن منه ما يشفي من المرض. قلت: وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيد الحي الذي لدغ، بالفاتحة فشفي.
الثالث: أنها لابتداء الغاية وهو واضح.
والجمهور على رفع "شفاء/ ورحمة" خبرين لـ "هو"، والجملة صلة لـ "ما" وزيد بن علي بنصبهما، وخرجت قراءته على نصبهما على الحال، والصلة حينئذ "للمؤمنين" وقدمت الحال على عاملها المعنوي كقوله {والسماوات مطويات بيمينه} في قراءة من نصب "مطويات". وقول النابغة:
3100- رهط ابن كوز محقبي أدراعهم * فيهم ورهط ربيعة بن حذار
(9/389)
---

(1/3844)


وقيل: منصوبان بإضمار فعل، وهذا [عند] من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي. وقال أبو البقاء: "وأجاز الكسائي: "ورحمة" بالنصب عطفا على "ما". فظاهر هذا أن الكسائي بقى "شفاء" على رفعه، ونصب "رحمة" فقط عطفا على "ما" الموصولة كأنه قيل: وننزل من القرآن رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآنا. وتقدم الخلاف [في] "وننزل" تخفيفا وتشديدا. والعامة على نون العظمة. ومجاهد "وينزل" بياء الغيبة، أي: الله.

* { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا }

قوله تعالى: {ونأى}: قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة من النأي وهو البعد. وابن ذكوان -ونقلها الشيخ عن ابن عامر بكماله-: "ناء" بتقديم الألف على الهمزة. وفيها تخريجان, أحدهما: أنها من ناء ينوء أي نهض. قال الشاعر:
3101- حتى إذا ما التأمت مفاصله * وناء في شق الشمال كاهله
والثاني: أنه مقلوب من نأى، ووزنه فلع كقولهم في "رأى" راء، إلى غير ذلك، ولكن متى أمكن عدم القلب فهو أولى. وهذا الخلاف جار أيضا في سورة حم السجدة.
وأمال الألف إمالة محضة الأخوان وأبو بكر عن عاصم، وبين بين بخلاف عنه السوسي، وكذلك في فصلت، إلا أبا بكر فإنه لم يمله.
وأمال فتحة النون في السورتين خلف، وأبو الحارث والدوري عن الكسائي.

* { قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا }
(9/390)
---

(1/3845)


قوله تعالى: {على شاكلته}: متعلق بـ "يعمل". والشاكلة: أحسن ما قيل فيها ما قاله الزمخشري: أنها مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم: "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تشعبت منه، والدليل عليه قوله {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا}. وقيل: على دينه. وقيل: خلقه. وقال ابن عباس: "جانبه". وقال الفراء: "هي الطريقة والمذهب الذي جبل عليه".
وهو من "الشكل" وهو المثل، يقال: لست على شكلي ولا شاكلتي. وأما "الشكل" بالكسر فهو الهيئة. يقال: جارية حسنة الشكل. وقال امرؤ القيس:
3102- حي الحمول بجانب العزل * إذ لا يلائم شكلها شكلي
أي: لا يلائم مثلها مثلي.
قوله: "أهدى" يجوز أن يكون من "اهتدى"، على حذف الزوائد، وأن يكون من "هدى" المتعدي. وأن يكون من "هدى" القاصر بمعنى اهتدى. و "سبيلا" تمييز.

* { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }

قوله تعالى: {من العلم}: متعلق بـ "أوتيتم"، ولا يجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال من "قليلا"؛ لأنه لو تأخر لكان صفة؛ لأن ما في حيز "إلا" لا يتقدم عليها.

وقرأ عبد الله والأعمش "وما أوتوا" بضمير الغيبة.

* { إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا }

قوله تعالى: {إلا رحمة}: فيها قولان، أحدهما: أنها استثناء متصل لأنها تندرج في قوله "وكيلا". والثاني: أنها استثناء منقطع فتتقدر بـ "لكن" عند البصريين، و "بل" عند الكوفيين. و "من ربك": يجوز أن يتعلق بـ "رحمة" وأن يتعلق بمحذوف، صفة لها.
(9/391)
---

(1/3846)


* { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا }

قوله تعالى: {لا يأتون}: فيه وجهان، أظهرهما: أنه جواب للقسم الموطأ له باللام. والثاني: أنه جواب الشرط، واعتذروا به عم رفعه بأن الشرط ماض فهو كقوله:
3103- وإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول لا غائب مالي ولا حرم
واستشهدوا عليه بقول الأعشى:
3104- لئن منيت بنا عن غب معركة * لا تلفنا من دماء القوم نننتفل
فأجاب الشرط مع تقدم لام التوطئة، وهو دليل للفراء ومن تبعه على ذلك. وفيه رد على البصريين، حيث يحتمون جواب القسم عند عدم تقدم ذي خبر.
وأجاب بعضهم بأن اللام في البيت للتوطئة بل مزيدة، وهذا ليس/ بشيء لأنه لا دليل عليه. وقال الزمخشري: "ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون جوابا للشرط كقوله:
3105- ......................... * يقول غائب ..................
لأن الشرط وقع ماضيا. وناقشه الشيخ: بأن هذا ليس مذهب سيبويه ولا الكوفيين والمبرد؛ لأن مذهب سيبويه في مثله أن النية به التقديم، ومذهب الكوفيين والمبرد أنه على حذف الفاء، وهذا مذهب ثالث قال بعض الناس.
قوله: {ولو كان} جملة حالية، وقد تقدم تحقيق هذا، وأنه كقوله عليه السلام "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" و "لبعض" متعلق بـ "ظهير".

* { ولقد صرفنا للناس في هاذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا }

قوله تعالى: {ولقد صرفنا}: مفعوله محذوف. وقيل: "من" زائدة في {من كل مثل} وهو المفعول، قاله ابن عطية وهو مذهب الكوفيين والأخفش.
وقرأ الحسن "صرفنا" بتخفيف الراء، وقد تقدم نظيره.
(9/392)
---

(1/3847)


قوله: {إلا كفورا} مفعول به، وهو استثناء مفرغ لأنه في قوة: لم يفعلوا إلا الكفور.

* { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا }

قوله تعالى: {حتى تفجر}: قرأ الكوفيون "تفجر" بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم خفيفة، مضارع "فجر". والباقون بضم التاء وفتح الفاء وكسر الجيم شديدة، مضارع فجر للتكثير. ولم يختلفوا في الثانية أنها بالتثقيل للتصريح بمصدرها. وقرأ الأعمش "تفجر" بضم التاء وسكون الفاء وكسر الجيم خفيفة، مضارع أفجر بمعنى فجر، فليس التضعيف ولا الهمزة معديين.
و "ينبوعا" مفعولق به، ووزنه يفعول لأنه من النبع، والينبوع: العين تفور من الأرض.

* { أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا }

قوله تعالى: {خلالها} نصب على الظرف، وتقدم تحقيقه أول السورة.

* { أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملاائكة قبيلا }

قوله تعالى: {أو تسقط}: العامة على إسناد الفعل للمخاطب. و "السماء" مفعول بها. ومجاهد على إسناده إلى "السماء" فرفعها به.
قوله: "كسفا" قرأ نافع وابن عامر وعاصم هنا بفتح السين، وفعل ذلك حفص في الشعراء وفي سبأ. والباقون بسكونها في المواضع الثلاثة. وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم بلا خلاف، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها.
فمن فتح السين جعله جمع كسفة نحو: قطعة وقطع، وكسرة وكسر، ومن سكن جعله جمع كسفة أيضا على حد سدرة وسدر، وقمحة وقمح.
(9/393)
---

(1/3848)


وجوز أبو البقاء فيه وجهين آخرين، أحدهما: أنه جمع على فعل بفتح العين، وإنما سكن تخفيفا، وهذا لا يجوز لأن الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها فكيف بالحرف الصحيح؟. قال: "والثاني: أنه فعل بمعنى مفعول" كالطحن بمعنى مطحون، فصار في السكون ثلاثة أوجه.
وأصل الكسف القطع. يقال: كسفت الثوب قطعته. وفي الحديث في قصة سليمان مع الصافنات الجياد: أنه "كسف عراقيبها" أي: قطعها. وقال الزجاج" كسف الشيء بمعنى غطاه". وقيل: ولا يعرف هذا لغيره.
وانتصابه على الحال، فإن جعلناه جمعا كان على حذف مضاف، أي: ذات كسف، وإن جعلناه فعلا بمعنى مفعول لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ فيقال: لم لم يؤنث؟ ويجاب: بأن تأنيث السماء غير حقيقي، أو بأنها في معنى السقف.

قوله: "كما زعمت" نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطا مثل مزعومك، كذا قدره أبو البقاء.
قوله: "قبيلا" حال من "الله والملائكة" أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي: بالله والملائكة قبيلا. كقوله:
3106- .............. كنت منه ووالدي * بريئا ....................
[وكقوله]
3107- ..................... * فإني وقيار بها لغريب ذكره الزمخشري، هذا إذا جعلنا "قبيلا" بمعنى كفيلا، أي: ضامنا، أو بمعنى معاينة كما قاله الفارسي. وإن جعلناه بمعنى جماعة كان حالا من "الملائكة".
وقرأ الأعرج "قبلا" من المقابلة.

* { أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا }
(9/394)
---

(1/3849)


قوله تعالى: {أو ترقى}: فعل مضارع منصوب تقديرا، لأنه معكةف على "تفجر"، أي: أو حتى ترقى في السماء، أي: في معارجها، والرقي: الصعود. يقال: رقي بالكسر يرقى بالفتح رقيا على فعول، والأصل رقوي، فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقيا بزنة ضرب. قال الراجز:
3108- أنت الذي كلفتني رقي الدرج * على الكلال والمشيب والعرج
قوله: "نقرؤه" يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يكون نعتا لـ "كتابا". والثاني: أن يكون [حالا] من "نا" في "علينا" قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة، لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله لا في حال إنزاله.
قوله: {قل سبحان} قرأ ابن كثير وابن عامر "قال" فعلا ماضيا إخبارا عن الرسول عليه السلام بذلك، والباقون "قل" على الأمر/ أمرا منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: "قال" بألف، وفي مصاحف غيرهم "قل" بدونها، فكل وافق مصحفه.
قوله: {إلا بشرا رسولا} يجوز أن يكون "بشرا" خبر "كنت" و "رسولا" صفته، ويجوز أن يكون "رسولا" هو الخبر، و "بشرا" حال مقدمة عليه.

* { وما منع الناس أن يؤمنواا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالواا أبعث الله بشرا رسولا }

قوله تعالى: {أن يؤمنواا}: "أن يؤمنوا" مفعول ثان لـ "منع"، أي/ ما منعهم إيمانهم أو من إيمانهم، و "أن قالوا" هو الفاعل، و "إذ" ظرف لـ "منع"، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إياهم إلا قولهم" أبعث الله.

وهذه الجملة المنفية يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول فتكون منصوبة المحل لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتين.
(9/395)
---

(1/3850)


قوله: {بشرا رسولا} كما تقدم من الوجهين في نظيره، وكذلك قوله {لنزلنا [عليهم] من السمآء ملكا رسولا}.

* { قل لو كان في الأرض ملاائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا }

قوله تعالى: {لو كان في الأرض}: يجوز في "كان" هذه التمام، أي: لو وجد وحصل، و "يمشون" صفة لـ "ملائكة" و {في الأرض} متعلق به، و "مطمئنين" حال من فاعل "يمشون". ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و "يمشون" و "مطمئنين" على ما تقدم. وقيل: الخبر "يمشون" و {في الأرض} متعلق به. وقيل: الخبر "مطمئنين" و "يمشون" صفة. وهذان الوجهان ضعيفان لأن المعنى على الأول.

* { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا }

قوله تعالى: {ومن يهد الله}: يجوز أن تكون هذه الجملة مندرجة تحت المقول، فيكون محلها نصبا، وأن تكون من كلام الله، فلا محل لها لاستئنافها، ويكون في الكلام التفات؛ إذ فيه خروج من غيبة إلى تكلم في قوله "ونحشرهم".
(9/396)
---

(1/3851)


وحمل على لفظ "من" في قوله "فهو المهتد" فأفرد، وحمل على معنى "من" الثانية في قوله {ومن يضلل فلن تجد لهم}. فجمع. ووجه المناسبة في ذلك -والله أعلم-: أنه لما كان الهدي شيئا واحدا غير متشعب السبل ماسبه التوحيد، ولما كان الضلال له طرق نحو: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ. قال الشيخ: "وهو قليل في القرآن". يعني بالنسبة إلى غيره. ومثله قوله: {ومنهم من يستمعون إليك} ويمكن أن يكون المحسن لهذا كونه تقدمه حمل على اللفظ وإن كان في جملة أخرى غير جملته.

وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات ياء "المهتدي" وصلا وحذفها وقفا، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالين.
قوله: {على وجوههم} يجوز أن يتعلق بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم.
قوله: "عميا" يجوز أن تكون حالا ثانية، أو بدلا من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه تظهر أنواع البدل وهي: كل من كل، ولا بعض من كل، ولا اشتمال، وأن تكون حالا من الضمير المرفوع في الجار لوقوعه حالا، وأن تكون حالا من الضمير المجرور في "وجوههم".
قوله: {مأواهم جهنم} يجوز في هذه الجملة الاستئناف والحالية: إما من الضمير المنصوب أو المجرور.
قوله: {كلما خبت} يجوز فيها الاستئناف والحالية من "جهنم"، والعامل فيها معنى المأوى.
وخبت النار تخبو: إذا سكن لهبها، فإذا ضعف جمرها قيل: خمدت، فإذا طفئت بالجملة قيل: همدت. قال:
3019- وسطه كاليراع أو سرج المجـ * ـدل حينا يخبو وحينا ينير

(1/3852)


(9/397)
---
وقال آخر:
3100- لمن نار قبيل الصبـ * ـح عند البيت ما تخبو
إذا ما أخمدت الي عليها المندل الرطب
وأدغم التاء في زاي "زدناهم" وأبو عمرو والأخوان وورش، وأظهرها الباقون.

* { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا }

قوله تعالى: {ذلك جزآؤهم بأنهم}: يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا، و "بأنهم" متعلق بالجزاء، أي: ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنهم، ويجوز أن يكون "جزاؤهم" مبتدأ ثانيا، والجار خبره، والجملة خبر "ذلك"، ويجوز أن يكون "جزاؤهم" بدلا أو بيانا، و "بأنهم" الخبر.

* { أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا }

قوله تعالى: {وجعل لهم}: معطوف على قوله {أولم يروا} لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلا في حيز الإنكار، بل معطوفا على جملته برأسها.
قوله: {لا ريب فيه} صفة لـ "أجلا"، أي: أجلا غير مرتاب فيه. فإن أريد به يوم القيامة فالإفراد واضح، وإن أريد به الموت فهم اسم جنس/ إذ لكل إنسان أجل يخصه.

قوله: {إلا كفورا} قد تقدم قريبا.

* { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا }
(9/398)
---

(1/3853)


قوله تعالى: {لو أنتم تملكون}: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: -وإليه ذهب الزمخشري والحوفي وابن عطية وأبو البقاء ومكي -أن المسألة من باب الاشتغال، فـ "أنتم" مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر، لأن "لو" لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا، فهي كـ "إن" في قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين} وفي قوله:
3111- وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها * فليس إلى حسن الثناء سبيل
والأصل: لو تملكون، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه فانفصل الضمير وهو الواو؛ إذ لا يمكن بقاؤه متصلا بعد حذف رافعه. ومثله: "وإن هو لم يحمل" الأصل: وإن لم يحمل، فلما حذف الفعل انفصل ذلك الضمير المستتر وبرز، ومثله فيما نحن فيه قول الشاعر: لو ذات سوار لطمتني"، وقول المتلمس:
3112- ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي * ............................
فـ "ذات سوار" مرفوعة بفعل مفسر بالظاهر بعده.
الثاني: أنه مرفوع بـ "كان" وقد كثر حذفها بعد "لو" والتقدير: لو كنتم تملكون، فحذفت "كان" فانفصل الضمير، و "تملكون" في محل نصب بـ "كان" وهو قول ابن الصائغ. وقريب منه قوله:
3113- أبا خراشة أما أنت ذا نفر * ..............................
فإن الأصل: لأن كنت، فحذفت "كان" فانفصل الضمير إلا أن هنا عوض من "كان" "ما"، وفي "لو" لم يعوض منها.
الثالث: أن "أنتم" توكيد لاسم "كان" المقدر معها، والأصل "لو كنتم أنتم تملكون" فحذفت "كان" واسمها وبقي المؤكد، وهو قول ابن فضال المجاشعي. وفيه نظر من حيث إنا نحذف ما في التوكيد، وإن كان سيبويه يجيزه.
(9/399)
---

(1/3854)


وإنما أحوج هذين القائلين إلى ذلك: كون مذهب البصريين في "لو" أنه لا يليها إلا الفعل ظاهرا، ولا يجوز عندهم أن يليها مضمرا مفسرا إلى في ضرورة أو ندور كقوله: "لو ذات سوار لطمتني". فإن قيل: هذان الوجهان: أيضا فيهما إضمار فعل. قيل: ليس هو الإضمار المعني؛ فإن الإضمار الذي أبوه على شريطة التفسير في غير "كان"، وأما "كان" فقد كثر حذفها بعد "لو" في مواضع كثيرة. وقد وقع الاسم الصريح بعد "لو" غير مذكور بعده فعل، أنشد الفارسي:

3114- لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري
إلا أنه خرجه على أنه مرفوع بفعل مقدر يفسره الوصف من قوله "شرق". وقد تقدم تحقيق القول في "لو" فلنقتصر على هذا.
قوله: {لأمسكتم} يجوز أن يكون لازما لتضمنه معنى بخلتم، وأن يكون متعديا، ومفعوله محذوف، لأمسكتم المال، ويجوز أن يكون كقوله {يحيي ويميت
}. قوله: {خشية الإنفاق} فيه وجهان، أظهرهما: أنه مفعول من أجله.
والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، قاله أبو البقاء، أي: خاشين الإنفاق. وفيه نظر؛ إذ لا يقع المصدر المعرف موقع الحال إلا سماعا نحو: "جهدك" و "طاقتك" و [كقوله:]
3115- وأرسلها العراك ........... * .............................
ولا يقاس عليه. والإنفاق مصدر أنفق، أي: أخرج المال. وقال أبو عبيدة: "وهو بمعنى الافتقار والإقتار".

* { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا }

قوله تعالى: {تسع آيات بينات}: يجوز في "بينات" النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود.
(9/400)
---

(1/3855)


قوله: {إذ جآءهم} فيه أوجه، أحدها: أن يكون معمولا لـ "آتينا"، ويكون قوله {فسئل بني إسرائيل} اعتراضا. والثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر. والثالث: أنه منصوب بـ يخبرونك مقدرا. الرابع: أنه منصوب بقول مضمر، إذ التقدير: فقلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم. وقد ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبل ذلك فلنذكرها. قال: {فسئل بني إسرائيل}، أي: فقلنا له: سل بني [إسرائيل]، أي: سلهم عن فرعون، وقل/ له: أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وحال دينهم، أو سلهم أن يعاضدوك، وتدل عليه قراءة رسول الله "فسال" على لفظ الماضي بغير همز وهي لغة قريش.
وقيل: فسل يا رسول الله المؤمن من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات ليزدادوا يقينا وطمأنينة كقوله: {ولكن ليطمئن قلبي} ثم قال: "فإن قلت بم تعلق "إذ جاءهم"؟ قلت: أما على الوجه الأول فبالقول المحذوف، أي: فقلنا له: سلهم حين جاءهم، أو بـ "سال" في القراءة الثانية. وأما على الأخير فبـ "آتينا" أو بإضمار اذكر، أو بيخبرونك. ومعنى إذ جاءهم: إذ جاء آباءهم". انتهى.
(9/401)
---
الدر المصون في علم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
( 10 )
نسخ وتنسيق مكتبة مشكاة الإسلامية
قال الشيخ: "ولا يتأتى تعلقه بـ "اذكر" ولا بـ يخبرونك لأنه ظرف ماض". قلت: إذا جعله معمولا لـ "اذكر"، أو لـ يخبرونك لم يجعله ظرفا بل مفعولا به، كما تقرر ذلك غير مرة.

(1/3856)


الخامس: أنه مفعول به والعامل فيه "فسل". قال أبو البقاء: "فيه وجهان، أهدهما: هو مفعول به باسأل على المعنى لأن المعنى: اذكر لبني إسرائيل [إذ جاءهم] وقيل: التقدير اذكر إذ جاءهم وهي غير "اذكر" الذي قدرت به اسأل". يعني أن اذكر المقدرة غير "اذكر" الذي فسرت "اسأل" بها، وهذا يؤيد ما ذكرته لك من أنهم إذا قدروا "اذكر" جعلوا "إذ" مفعولا به لا ظرفا.
إلا أن أبا البقاء ذكر حال كونه ظرفا ما يقتضي أن يعمل فيه فعل مستقبل فقال: "والثاني: أن يكون ظرفا. وفي العامل فيه أوجه، أحدها: "آتينا". والثاني: "قلنا" مضمرة. والثالث: "قل"، تقديره قل لخصمك: سل. والمراد به فرعون، أي: قل يا موسى، وكان الوجه أن يقال: إذ جئتهم بالفتح، فرجع من الخطاب إلى الغيبة".
قلت" فظاهر الوجه الثالث أن العامل فيه "قل" وهو ظرف ماض، على أن هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى قل لفرعون: سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إشرائيل، وليس المراد ذلك قطعا، وعلى التقدير الذي قدمته عن الزمخشري -وهو أن المعنى: يا موسى سل بني إسرائيل، أي: اطلبهم من فرعون -يكون المفعول للسؤال محذوفا، والثاني هو "بني إسرائيل"، والتقدير: سل فرعون بني إسرائيل، وعلى هذا فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني، إذ التقدير: سل فرعون فقال فرعون، فأعمل الثاني فرفع بع الفاعل، وحذف المفعول من الأول وهو المختار من المذهبين.
(10/1)
---
والظاهر غير ذلك كله، وأن المأمور بالسؤال إنما هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه، وبنو إسرائيل كانوا معاصريه.
والضمير في {إذ جآءهم}: إما للآباء، وإما لهم على حذف مضاف، أي: جاء آباءهم.

(1/3857)


قوله: "مسحورا" فيه وجهان، أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك سحرت، فمن ثم اختل كلامك، قال ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة. الثاني: أنه بمعنى فاعل كميمون ومشؤوم، أي: أنت ساحر؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلاب عصاه حية وغير ذلك.

* { قال لقد علمت مآ أنزل هاؤلااء إلا رب السماوات والأرض بصآئر وإني لأظنك يافرعون مثبورا }

قوله تعالى: {لقد علمت}: قرأ الكسائي بضم التاء أسند الفعل لضمير موسى عليه السلام، أي: إني متحقق أني ما جئت به هو منزل من عند الله. والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون، أي: أنت متحقق أن ما جئت به هو منزل من عند الله وإنما كفرك عناد، وعن علي رضي الله عنه أنه أنكر الفتح، وقال: "ما علك عدو الله قط، وإنما علم موسى"، والجملة المنفية في محل نصب لأنها معلقة للعلم قبلها.
قوله: "بصائر" حال وفي عاملها قولان، أحدهما قولان، أحدهما: أنه "أنزل" هذا الملفوظ به، وصاحب الحال هؤلاء، وإليه ذهب الحوفي وابن عطية وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل "إلا" فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعا له. والثاني: وهو مذهب الجمهور أن ما بعد "إلا" لا يكون معمولا لما قبله، فيقدر لها عامل تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدم نظير هذه في "هود" عند قوله {إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي
(10/2)
---
}. قوله: "مثبورا" "مثبورا" مفعول ثان، واعترض بين المفعولين بالنداء. والمثبور: المهلك. يقال: ثبره الله، أي: أهلكه، قال ابن الزبعرى:
3116- إذ أجاري الشيطان في سنن الغي * ي ومن مال ميله مثبور

(1/3858)


والثبور: الهلاك قال تعالى: {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا}.

* { وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا }

قوله تعالى: {لفيفا}: فيه وجهان، أحدهما: أنه حال، وأن أصله مصدر لف يلف لفيفا نحو: النذير والنكير، أي: جئنا بكم منضما بعضكم إلى بعض، من لف الشيء يلفه لفا، والألف: المتداني الفخذين، وقيل: العظيم البطن. والثاني: أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعا فهو في قوة التأكيد.

* { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا }

قوله تعالى: {وبالحق أنزلناه}: في الجار ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بأنزلناه، والباء سببية، أي: أنزلنا بسبب الحق. والثاني: أنه حال من مفعول "أنزلناه"، أي: ومعه الحق. والثالث: أنه حال من فاعله، أي: ملتبسين بالحق. وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف.
(10/3)
---
والضمير في "أنزلناه" الظاهر عوده للقرآن: إما الملفوظ به في قوله قبل ذلك {على أن يأتوا بمثل هاذا القرآن} ويكون ذلك جريا على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلم في ذكر شيء لم يسبق له كلامه أولا، ثم يعود إلى كلامه الأول، وإما للقرآن غير الملفوظ أولا؛ لدلالة الحال عليه كقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وقيل: يعود على موسى كقوله: {وأنزلنا الحديد} وقيل: على الوعد. وقيل: على الآيات التسع، وذكر الضمير وأفرده حملا على معنى الدليل والبرهان.

(1/3859)


قوله: {وبالحق نزل} فيه الوجهان الأولان دون الثالث لعدم ضمير آخر غير ضمير القرآن. وفي هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها للتأكيد، وذلك أنه يقال: أنزلته فنزل، وأنزلته فلا ينزل، فجيء بقوله {وبالحق نزل} دفعا لهذا الوهم. وقيل: ليست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد والأمر والنهي. وقال الزمخشري: "وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين". و "مبشرا ونذيرا حالان من مفعول أرسلناك".

* { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا }
(10/4)
---
قوله تعالى: {وقرآنا فرقناه}: في نصبه أوجه، أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: وآتيناك قرآنا" يدل عليه قوله {ولقد آتينا موسى} الثاني: أنه منصوب عطفا على الكاف في "أرسلناك". قال ابن عطية: "من حيث كان إرسال هذا وإنزال هذا معنى واحدا".
الثالث: أنه منصوب عطفا على {مبشرا ونذيرا} قال الفراء: هو منصوب بـ "أرسلناك"، أي: ما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا، كما تقول: ورحمة لأن القرآن رحمة". قلت: يعين أنه جعل نفس القرآن مرادا به الرحمة مبالغة، ولو ادعى ذلك على حذف مضاف كان أقرب، أي: وذا قرآن. وهذان الوجهان متكلفان.

(1/3860)


الرابع: أن ينتصب على الاشتغال، أي: وفرقنا قرآنا فرقناه. واعتذر الشيخ عن ذلك، أي: عن كونه لا يصح الابتداء به لو جعلناه مبتدأ لعدم مسوغ؛ لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء، بأن ثم محذوفة، تقديره: وقرآنا أي قرآن، بمعنى عظيم. و "فرقناه" على هذا لا محل له بخلاف الأوجه المتقدمة؛ فإن محله النصب لأنه نعت لـ "قرآنا".

والعامة "فرقناه" بالتخفيف، أي: بينا حلاله وحرامه، أو فرقنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وابي وعبد الله وابن عباس والشعبي وقتادة وحميد في آخرين بالتشديد. وفيه وجهان، أحدهما: أن التضعيف فيه للتكثير، أي: فرقنا آياته بين أمر ونهي وحكم وأحكام ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دال على التفريق والتنجيم.
قال الزمخشري: "وعن ابن عباس أنه قرأ مشددا، وقال: لم ينزل في يومين ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة، يعني أن "فرق" بالتخفيف يدل على فصل متقارب".
(10/5)
---
قال الشيخ: "وقال بعض من اختار ذلك -يعني التنجيم- لم ينزل في يوم ولا يومين ولا شهر ولا شهرين، ولا سنة ولا سنتين. قال ابن عباس: كان بين أوله وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشري عن ابن عباس". قلت: وظاهر/ هذا أن القول بالتنجيم ليس مرويا عن ابن عباس ولا سيما وقد فصل قوله "قال ابن عباس" من قولع "وقال بعض من اختار ذلك"، ومقصوده أنه لم يسنده لابن عباس ليتم له الرد على الزمخشري في أن فعل بالتشديد لا يدل على التفريق، وقد تقدم له معه هذا المبحث أول هذا الموضوع.

(1/3861)


قوله: "لتقرأه" متعلق بـ "فرقناه". و "على مكث" فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بمحذوف، على أنه حال من الفاعل أو المفعول في "لتقرأه"، أي: متمهلا مترسلا. والثاني: أنه بدل من "على الناس" قاله الحوفي، وهو وهم، لأن قوله "على مكث" من صفات القارئ أو المقروء من جهة المعنى، لا من صفات الناس حتى يكون بدلا منهم. الثالث: أنه متعلق بـ "فرقناه".
وقال الشيخ: "والظاهر تعلق "على مكث" بقوله "لتقرأه"، ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنس واحد لأنه اختلف معنى الحرفين؛ لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال، أي: متمهلا مترسلا".
قلت: قوله أولا إنه متعلق بقوله "لتقرأه" ينافي قوله في موضع الحال؛ لأنه متى كان حالا تعلق بمحذوف. لا يقال: أراد التعلق المعنوي لا الصناعي لأنه قال: ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنس [واحد"]، وهذا تفسير إعراب لا تفسير معنى.
والمكث: التطاول في المدة وفيه ثلاثة لغات: الضم والفتح -ونقل القراءة بهما الحوفي وأبو البقاء -والكسر، ولم يقرأ به فيما علمت. وفي فعله الفتح والضم وسيأتيان إن شاء الله تعالى في النمل.
(10/6)
---
* { قل آمنوا به أو لا تؤمنواا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا }

قوله تعالى: {للأذقان} في هذه اللام ثلاثة أوجه، أحدها: أنها بمعنى "على"، أي: على الأذقان كقولهم: خر على وجهه. والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: "فإن قلت: حرف الاستعلاء ظاهر المعنى إذا قلت: خر على وجهه وعلى ذقنه فما معنى اللام في "خر لذقنه ولوجهه"؟ قال:
3117- ........................... * فخر صريعا لليدين وللفم

(1/3862)


قلت: معناه: جعل ذقنه ووجهه للخرور، واختص به؛ لأن اللام للاختصاص. وقال أبو البقاء: "والثاني هي متعلقة بـ "يخرون" واللام على بابها، أي: مذلون للأذقان".
والأذقان: جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين. قال الشاعر:
3118- فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم * سباع من الطير العوادي وتنتف
و "سجدا" حال. وجوز أبو البقاء في "للأذقان" أن يكون حالا. قال: "أي: ساجدين للأذقان" وكأنه يعني به "للأذقان" الثانية؛ لأنه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سجدا، ولذلك قال: "والثالث: أنها -يعني اللام- بمعنى "على"، فعلى هذا تكون حالا من "يبكون" و "يبكون" حال".

* {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا }

قوله تعالى: {ويزيدهم}: فاعل "يزيد": إما القرآن، أو البكاء أو السجود أو المتلو، لدلالة قوله: "إذ يتلى". وتكرر الخرور لاختلاف حالته بالبكاء والسجود، وجاءت الحال الأولى اسما لدلالته على الاستقرار، والثانية فعلا لدلالته على التجدد والحدوث.
(10/7)
---
* { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذالك سبيلا }

قوله تعالى: {أيا ما تدعوا}: "أيا" منصوب بـ "تدعوا" على المفعول به، والمضاف إليه محذوف، أي: أي الاسمين. و "تدعوا" مجزوم بها فهي عاملة معمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من قوله {فله الأسمآء الحسنى}. وقيل: هو محذوف تقديره: جاز، ثم استأنف فقال: فله الأسماء الحسنى". وليس بشيء.

(1/3863)


والتنوين في "أيا" عوض من المضاف إليه. وفي "ما" قولان، أحدهما: أنها مزيدة للتاكيد. والثاني: أنها شرطية جمع بينهما تأكيدا كما جمع بين حرفي الجر للتاكيد، وحسنه اختلاف اللفظ كقوله:

3119- فأصبحن لا يسألنني عن بما به * ........................
ويؤيد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرف "أيا من تدعوا" فقيل: "من" تحتمل الزيادة على رأي الكسائي كقوله في قوله:
310- يا شاة من قنص لمن حلت له * ............................
واحتمل أن تكون شرطية، وجمع بينهما تأكيدا لما تقدم. و "تدعوا" هنا يحتمل أن يكون من الدعاء وهو النداء فيتعدى لواحد، وأن يكون بمعنى التسمية فيتعدى لاثنين، إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجر، ثم يتسع في الجار فيحذف كقوله:
3121- دعتني أخاها أم عمرو ......... * ..............................
والتقدير: قل: ادعوا معبودكم بالله أو بالرحمن/ بأي الاسمين سميتموه. وممن ذهب إلى كونها بمعنى "سمى" الزمخشري.
(10/8)
---
ووقف الأخوان على "أيا" بإب دال التنوين ألفا، ولم يقفا على "ما" تبيينا لانفصال، "أي" من "ما". ووقف غيرهما على "ما" لامتزاجها بـ "أي"، ولهذا فصل بها بين "أي" وبين ما أضيفت إليه في قوله تعالى {أيما الأجلين} وقيل: "ما" شرطية عند من وقف على "أيا" وجعل المعنى: أي الاسمين دعوتموه به جاز ثم استأنف {ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى} يعني أن "ما" لا تطلق على آحاد أولي العلم، وبأن الشرط يقتضي عموما، ولا يصح هنا، وبأن فيه حذف الشرط والجزاء معا.

* { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا }

(1/3864)


قوله تعالى: {من الذل} فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها صفة لـ "ولي"، والتقدير: ولي من أهل الذل، والمراد بهم: اليهود والنصارى؛ لأنهم أذل الناس. والثاني: أنها تبعيضية. الثالث: أنها للتعليل، أي: من أجل الذل. وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشري فإنه قال: "ولي من الذل: ناصر من الذل، ومانع له منه، لاعتزازه به، أو لم يوال أحدا لأجل مذلة به ليدفعها بموالاته".
وقد تقدم الفرق بين الذل في أول هذه السورة.
والمخافتة: المسارة بحيث لا يسمع الكلام. وضربته حتى خفت، أي: لم يسمع له حس.

و لم يوال أحدا لأجل مذلة به ليدفعها بموالاته".
وقد تقدم الفرق بين الذل في أول هذه السورة.
والمخافتة: المسارة بحيث لا يسمع الكلام. وضربته حتى خفت، أي: لم يسمع له حس.

(1/3865)


سورة الكهف
* { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا }
(10/9)
قوله: {ولم يجعل}: في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها معطوفة على الصلة قبلها. والثاني: أنها اعتراضية بين الحال وهي "قيما" وبين صاحبها وهو "الكتاب", والثالث: أنها حالق من "الكتاب"، ويترتب على الأوجه القول في "قيما".

* { قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا }

قوله: {قيما}: فيه أوجه، أحدها: أنه حال من "الكتاب". والجملة من قوله "ولم يجعل" اعتراض بينهما. وقد منع الزمخشري ذلك فقال: "فإن قلت: بم انتصب "قيما"؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر، ولم يجعل حالا من "الكتاب" لأن قوله "ولم يجعل" معطوف على "أنزل" فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالا فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة". وكذلك قال أبو البقاء. وجواب هذا ما تقدم من أن الجملة اعتراض لا معطوفة على الصلة.
الثاني: أنه حال من الهاء في "له". قال أبو البقاء: "والحال موكدة. وقيل: منتقلة". قلت: القول بالانتقال لا يصح.
الثالث: أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره: جعله قيما. قال الزمخشري: "تقديره: ولم يجعل له عوجا، جعله قيما، لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة". قال: "فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر؟. قلت: فائدته التأكيد فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدى عوج عند السير والتصفح".
الرابع: أنه حال ثانية، والجملة المنفية قبله حال أيضا، وتعدد الحال لذي حال واحد جائز. والتقدير: أنزله غير جاعل له عوجا قيما.
(10/10)
الخامس: أنه حال أيضا، ولكنه بدل من الجملة قبله لأنها حال، وإبدال المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز. والتقدير: وهذا كنا أبدلت الجملة من المفرد في قولهم: "عرفت زيدا أبو من هو".
والضمير في "له" فيه وجهان، أحدهما: أنه للكتاب، وعليه التخاريج المتقدمة. والثاني: أنه يعود على "عبده"، وليس بواضح.
وقرأ العامة بتشديد الياء. وأبان بن تغلب بفتحها خفيفة. وقد تقدم القول فيها.

(1/3866)


ووقف حفص على تنوين "عوجا" يبدله ألفا، [ويسكت] سكتة لطيفة من غير قطع نفس، إشعارا بأن "قيما" ليس متصلا بـ "عوجا"،وإنما هو من صفة الكتاب. وغيره لم يعبأ بهذا الوهم فلم يسكت اتكالا على فهم المعنى.
قلت: قد يتأيد ما فعله حفص بما في بعض مصاحف الصحابة: "ولم يجعل له عوجا، لكن جعله قيما". وبعض القراء يطلق فيقول: يقف على "عوجا"، ولم يقولوا: يبدل التنوين ألفا، فيحتمل ذلك، وهو أقرب لغرضه فيما ذكرت.
ورأيت الشيخ شهاب الدين أبا شامة قد نقل هذا عن ابن غلبون وأبي علي الأهوازي، أعني الإطلاق. ثم قال: "وفي ذلك نظر -أي على إبدال التنوين ألفا- فإنه لو وقف على التنوين لكان أدل على غرضه، وهو أنه واقف بنية الوصل". انتهى.
وقال الأهوازي: "ليس هو وقفا مختارا، لأن في الكلام تقديما وتأخيرا، معناه: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا". قلت: دعوى التقديم والتأخير وإن كان قاله به غيره، إلا أنها مردودة بأنها على خلاف الأصل، وقد تقدم تحقيقه.
(10/11)
---
وفعل حفص في مواضع من القرآن مثل فعله هنا من سكتة لطيفة نافية لوهم مخل. فمنها: أنه كان يقف على "مرقدنا"، ويبتدئ: {هذا ما وعد الرحمان} صفة لـ "مرقدنا" فالوقف يبين أن كلام الكفار انقضى، ثم ابتدئ بكلام/ غيرهم. قيل: هم الملائكة. وقيل: هم المؤمنون. وسيأتي في يس ما يقتضي أن يكون "هذا" صفة لـ "مرقدنا" فيفوت ذلك.
ومنها: {وقيل من راق} كان يقف على نون "من" ويبتدئ "راق" قال: لئلا يتوهم أنها كلمة واحدة على فعال اسم فاعل للمبالغة من مرق يمرق فهو مراق.

(1/3867)


ومنها: {بل ران} كان يقف على لام بل، ويبتدئ "ران" لما تقدم.
قال المهدوي: "وكان يلزم حفصا مثل ذلك، فيما شاكل هذه المواضع، وهو لا يفعله، فلم يكن لقراءته وجه من الاحتجاج إلا اتباع الأثر في الرواية". قال أبو شامة: "أولى من هذه المواضع بمراعاة الوقف عليها: "ولا يحزنك قولهم. {إن العزة لله جميعا} الوقف على "قولهم" لئلا يتوهم أن ما بعده هو المقول"، وكذا {أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش} ينبغي أن يعتنى بالوقف على "النار" لئلا تتوهم الصفة".

قلت: وتوهم هذه الأشياء من أبعد البعيد. وقال أبو شامة أيضا: "ولو لزم الوقف على اللام والنون ليظهرا للزم ذلك في كل مدغم". قلت: يعني في "بل ران" وفي "من راق".
قوله: "لينذر" في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بـ "قيما" قاله الحوفي. والثاني: -وهو الظاهر- أنها تتعلق بـ "أنزل". وفاعل "لينذر" يجوز أن يكون "الكتاب" وأن يكون الله، وأن يكون الرسول.
(10/12)
---
و "أنذر" يتعدى لاثنين: {إنآ أنذرناكم عذابا قريبا} {فقل أنذرتكم صاعقة} ومفعوله الأول محذوف، فقدره الزمخشري: "لينذر الذين كفروا، وغيره: "لينذر العباد"، أو "لينذركم"، أو لينذر العالم. وتقديره أحسن لأنه مقابل لقوله {ويبشر المؤمنين}، وهو ضدهم.

(1/3868)


وكما حذف المنذر وأتى بالمنذر به هنا، حذف المنذر به وأتى بالنذر في قوله {وينذر الذين قالوا} فحذف الأول من الأول لدلالة ما في الثاني عليه، وحذف الثاني من الثاني لدلالة ما في الأول عليه، وهو في غاية البلاغة، ولما تتكرر البشارة ذكر مفعوليها فقال: {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا}.
قوله: {من لدنه} قرأ أبو بكر عن عاصم بسكون الدال مشمة الضم وكسر النون والهاء موصلة بياء، فيقرأ "مشن لدنهي" والباقون يضمون الدال، ويسكنون [النون] ويضمون الهاء، وهم على قواعدهم فيها: فابن كثير يصلها بواو نحو: منهو وعنهو، وغيره لا يصلها بشيء.
ووجه أبي بكر: أنه سكن الدال تخفيفا كتسكين عين "عضد" والنون ساكنة، فالتقى ساكنان فكسر النون لالتقاء الساكنين، وكان حقه أن يكسر الأول على القاعدة المعروفة إلا أنه يلزم منه العود إلى ما فر منه، وسيأتي لتحقيق هذا بيان في قوله {ويخش الله ويتقه} في سورة النور، فهناك نتكلم فيه، ولما كسر النون لما ذكرته لك كسر الهاء إتباعا على قاعدته ووصلها بياء. وأشم الدال إشارة إلى أصلها في الحركة.
(10/13)
---

(1/3869)


والإشمام هنا عبارة عن ضم الشفتين من غير نطق، ولهذا يختص به البصير دون الأعمى، هكذا قرره القراء وفيه نظر، لأن الإشمام المشار إليه إنما يتحقق عند الوقف على آخر الكلمة فلا يليق إلا بأن يكون غشارة إلى حركة الحرف الأخير المرفوع إذا وقف عليه نحو: "جاء الرجل"، وهكذا ذكره النحويون. وأما كونه يؤتى به في وسط الكلمة فلا يتصور إلا أن يقف المتكلم على ذلك الساكن ثم ينطق بباقي الكلمة. وإذا جربت نطقك في هذا الحرف الكريم وجدت الأمر كذلك، لا تنطق بالدال ساكنة مشيرا إلى ضمها إلا حتى تقف عليها، ثم تأتي بباقي الكلمة.

فإن قلت: إنما اتي بالإشارة إلى الضمة بعد فراغي من الكلمة بأسرها. قيل لك: فاتت الدلالة على تعيين ذلك الحرف المشار إلى حركته. ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يصلح ان يشار إلى حركته إلا الدال. وقد تقدم في "يوسف" أن الإشمام في {لا تأمنا} إذا فسرناه بالإشارة إلى الضمة: منهم من يفعله قبل كمال الإدغام، ومنهم من يفعله بعده، وهذا نظيره. وتقدم أن الإشمام يقع بإزاء معان أربعة تقدم تحقيقها.
و {من لدنه} متعلق بـ "لينذر"/. ويجوز تعلقه بمحذوف نعتا لـ "بأسا" ويجوز أن يكون حالا من الضمير في "شديدا".
وقرئ "ويبشر" بالرفع على الاستئناف.

* { ماكثين فيه أبدا }
(10/14)
---

(1/3870)


قوله: {ماكثين}: حال: إما من الضمير المجرور في "لهم"، أو المرفوع المستتر فيه، أو من "أجرا" لتخصصه بالصفة، إلا أن هذا لا يجيء إلا على رأي الكوفيين: فإنهم لا يشترطون بروز الضمير في الصفة الجارية على غير من هي له إذا أمن اللبس، ولو كان حالا منه عند البصريين لقال: ماكثين هم فيه. ويجوز على رأي الكوفيين أن يكون صفة ثانية لـ "أجرا". قال أبو البقاء: "وقيل: هو صفة لـ "أجرا"، والعائد: الهاء من "فيه". ولم يتعرض لبروز الضمير ولا لعدمه بالنسبة إلى المذهبين.
و "أبدا" منصوب على الظرف بـ "ماكثين".

* { ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا }

قوله: {ما لهم}: أي: بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول المدلول عليه "اتخذ" وبـ "قالوا"، أو بالله.
وهذه الجملة المنفية فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. والثاني: أنها صفة للولد، قال المهدوي. ورده ابن عطية: بأنه لا يصفه بذلك إلا القائلون، وهم لم يقصدوا وصفه بذلك. الثالث: أنها حال من فاعل "قالوا"، أي: قالوه جاهلين.
و {من علم} يجوز أن يكون فاعلا، وأن يكون مبتدأ. والجار هو الرافع، أو الخبر. و "من" مزيدة على كلا القولين.
قوله: {كبرت كلمة} في فاعل "كبرت" وجهان، أحدهما: أنه مضمر عائد على مقالتهم المفهومة من قوله: "قالوا: اتخذ الله"، أي: كبر مقالهم، و "كلمة" نصب على التمييز، ومعنى الكلام على التعجب، أي: ما أكبرها كلمة. و "تخرج" الجملة صفة لـ "كلمة". ودل استعظامها لأن بعض ما يهجس بالخاطر لا يجسر الإنسان على إظهاره باللفظ.
(10/15)
---

(1/3871)


والثاني: أن الفاعل مضمر مفسر بالنكرة بعد المنصوبة على التمييز، ومعناها الذم كـ "بئس رجلا"، فعلى هذا: المخصوص بالذم محذوف تقديره: كبرت هي الكلمة كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء.
وقرأ العامة "كلمة" بالنصب، وفيها وجهان: النصب على التمييز، وقد تقدم تحقيقه في الوجهين السابقين. والثاني: النصب على الحال. وليس بظاهر.
وقوله: "تخرج" في الجملة وجهان، أحدهما: هي صفة لكلمة. والثاني: أنها صفة للمخصوص بالذم المقدر تقديره: كبرت كلمة خارجة كلمة.
وقرأ الحسن وابن محيصن وابن يعمر وابن كثير -في رواية القواس عنه -كلمة" بالرفع على الفاعلية، "وتخرج" صفة لها أيضا. وقرئ "كبرت" بسكون الباء وهي وهي لغة تميم.
قوله: "كذبا" فيه وجهان، أحدهما: هو مفعول به لأنه يتضمن معنى جملة. والثاني: هو نعت مصدر محذوف، أي: قولا كذبا.

* { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهاذا الحديث أسفا }

قوله: {إن لم يؤمنوا}: العامة على كسر "إن" على أنها شرطية، والجواب محذوف عند الجمهور لدلالة قوله: "فلعلك"، وعند غيرهم هو جواب متقدم. وقرئ: "أن لم" بالفتح على حذف الجار، أي: لأن لم يؤمنوا".
(10/16)
---

(1/3872)


وقرئ "باخع نفسك" بالإضافة، والأصل النصب. وقال الزمخشري: "وقرئ "باخع نفسك" على الأصل، وعلى الإضافة. أي: قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ "إن لم يؤمنوا"، وللمضي فيمن قرأ "أن لم تؤمنوا" بمعنى: لأن لم يؤمنوا". قلت: يعني أن باخعا للاستقبال في قراءة كسر "إن" فإنها شرطية، وللمضي في قراءة فتحها، وذلك لا يجئ إلا في قراءة الإضافة إذ لا يتصور المضي مع النصب عند البصريين. وعلى هذا يلزم أن لا يقرأ بالفتح إلا من قرأ بإضافة "باخع"، ويحتاج في ذلك إلى نقل وتوقيف.
ولعلك" قيل: للإشفاق على بابها. وقيل: للاستفهام، وهو رأي الكوفيين. وقيل: للنهي أي: لا تبخع.
والبخع: الإهلاك. يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها بخعا وبخوعا، أهلكها وجدا. قال ذو الرمة:
3122- ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه * لشيء نحته عن يديه المقادر
يريد: نحته بالتشديد، فخفف./ قال الأصمعي: "كان ينشده: "الوجد" بالنصب على المفعول له، وأبو عبيدة رواه بالرفع على الفاعلية بـ "الباخع".

وقيل: البخع: أن تضعف الأرض بالزراعة. قاله الكسائي: وقيل: هو جهد الأرض، وفي حديث عائشة رضي الله عنها، عن عمر: "بخع جهد الأرض" تعني جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال ملوكها، وهذا استعارة، ولم يفسره الزمخشري: هان بغير القتل والإهلاك. وقال في سورة الشعراء: "والبخع". أن يبلغ بالذبح البخاه بالباء، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حد الذابح". انتهى. وسمعت شيخنا علاء الدين القوني يقول: "تتبعت كتب الطب والتشريح فلم أجد لها أصلا". قلت: يحتمل أنهم لما ذكروه سموه باسم آخر لكونه أشهر فيما بينهم.
(10/17)
---

(1/3873)


وقال الراغب: "البخع: قتل النفس عما". ثم قال: "وبخع فلان بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقر به وأذعن مع كراهة شديدة، تجري مجرى بخع نفسه في شدته".
وقوله: "على آثارهم" متعلق بـ "باخع"، أي: من بعد هلاكهم.
قوله: أسفا" يجوز أن يكون مفعولا من أجله والعامل فيه "باخع"، وأن يكون مصدرا في موضع الحال من الضمير في "باخع".

* { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا }

قوله تعالى: {زينة}: يجوز أن ينتصب على المفعول له، وأن يتنصب على الحال إن جعلت "جعلنا" بمعنى خلقنا، ويجوز ان يكون مفعولا ثانيا إن كانت "جعل" تصييرية و "لها" متعلق بـ "زينة" على العلة، ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول، ويجوز أن تتعلق بمحذوف صفة لـ "زينة".
قوله: "لنبلوهم" متعلق بـ "جعلنا" بمعنييه.
قوله: "أيهم أحسن" يجوز في "أيهم" وجهان، أحدهما: أن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، و "أحسن" خبرها. والجملة في محل نصب معلقة لـ "نبلوهم" لأنه سبب العلم كالسؤال والنظر. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي "وأحسن" خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة لـ "أيهم"، ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من مفعول "لنبلوهم" تقديره: لنبلو الذي هو أحسن. وحينئذ تحتمل الضمة في "أيهم"، ان تكون للبناء كهي في قوله تعالى: {لننزعن من كل شيعة أيهم أشد} على أحد الأقوال، وفي قوله:
3123- إذا ما أتيت بني مالك * فسلم على أيهم أفضل
(10/18)
---

(1/3874)


وشرط البناء موجود، وهو الإضافة لفظا، وحذف صدر الصلة، وهذا مذهب سيبويه، وأن تكون للأعراب لأن البناء جائز لا واجب. ومن الإعراب ما قرئ به شاذا {أيهم أشد على الرحمان} وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا في مريم.

والضمير في "لنبلوهم" و "أيهم" عائد على ما يفهم من السياق، وهم سكان الأرض. وقيل: يعود على ما على الأرض إذا أريد بها العقلاء. وفي التفسير: المراد بذلك الرعاة: وقيل: العلماء والصلحاء والخلفاء.

* { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا }

قوله تعالى: {صعيدا}: مفعول ثان، لأن الجعل هنا تصيير ليس إلا، والصعيد. التراب: والجزر: الذي لا نبات به. يقال: سنة جزر، وسنون أجراز: لا مطر فيها. وأرض جزر وأرضون أجزار: لا نبات بها. وجزرت الأرض: إذا ذهب نباتها بقحط أو جراد وجزر الأرض الجراد: أكل ما فيها. والجروز: المرأة الأكولة: قال:
3124- إن العجوز خبة جروزا * تأكل كل ليلة قفيزا

* { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا }

قوله تعالى: {أم حسبت}: "أم" هذه منقطعة فتقدر بـ "بل" التي للانتقال لا للإبطال، وبهمزة الاستفهام عند جمهور النحاة، و "بل" وحدها، أو بالهمزة وحدها عند غيرهم. وتقدم تحقيق القول فيها.
و "ان" وما في حيزها سادة [مسد] المفعولين أو أحدهما على الخلاف المشهور.
والكهف: قيل: مطلق الغار. وقل: هو ما اتسع في الجبل، فإن لم يتسع فهو غار. والجمع "كهوف" في الكثرة، و "أكهف" في القلة.
والرقيم: قيل: بمعنى مرقوم. وقيل: بمعنى راقم. وقيل: هو اسم للكلب الذي لأصحاب الكهف. وأنشدوا لأمية بن أبي الصلت:
(10/19)
---

(1/3875)


3125- وليس بها إلا الرقيم مجاورا * وصيدهم، والقوم بالكهف همد
/قوله: "عجبا" يجوز أن تكون خبرا، و {من آياتنا} حال منه، وأن يكون خبرا ثانيا، و {من آياتنا} خبرا أول، وأن يكون "عجبا" حالا من الضمير المستتر في {من آياتنا} لوقوعه خبرا. ووحد وإن كان صفة في المعنى لجماعة لأن أصله المصدر. وقيل: "عجبا" في الأصل صفة لمحذوف تقديره: آية عجبا. وقيل: على حذف مضاف، أي: آية ذات عجب.

* { إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا }

قوله تعالى: {إذ أوى}: يجوز أن ينتصب بـ "عجبا" وأن ينتصب بـ "اذكر".

قوله: "وهيئ" العامة على همزة بعد الياء المشددة، وأبو جعفر وشيبة والزهري بياءين: الثانية خفيفة، وكأنه أبدل الهمزة ياء، وإن كان سكونها عارضا. وروي عن عاصم "وهي" بياء مشددة فقط. فيحتمل أن يكون حذف الهمزة من أول وهلة تخفيفا، وأن يكون أبدلها كما فعل أبو جعفر، ثم أجرى الياء مجرى حرف العلة الأصلي فحذفه، وإن كان الكثير خلافه، ومنه:
3126- جريء متى يظلم يعاقب بظلمه * سريعا وإلا يبد بالظلم يظلم
وقرأ أبو رجاء "رشدا" بضم الراء وسكون الشين، وتقدم تحقيق ذلك في الأعراف. وقراءة العامة هنا أليق لتوافق الفواصل.

* { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا }

قوله تعالى: {فضربنا}: مفعوله محذوف، أي: ضربنا الحجاب المانع. و {على آذانهم} استعارة للزوم النوم. كقول الأسود:
3127- ومن الحوادث لا أبالك أنني * ضربت علي الأرض بالأسداد
وقال الفرزدق:
3128- ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزل

(1/3876)


(10/20)
---
ونص على الآذان لأن بالضرب عليها خصوصا يحصل النوم.
وأمال "آذانهم"....
و "سنين" ظرف لـ "ضربنا". و "عددا" يجوز فيه أن يكون مصدرا، وأن يكون فعلا بمعنى مفعول كالقبض والنقص. فعلى الأول يجوز نصبه من وجهين: النعت لـ "سنين" على حذف، أي: ذوات عدد، أو على المبالغة، والنصب بفعل مقدر، أي: تعد عددا. وعلى الثاني: نعت ليس إلا، اي: معدودة.

* { ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا }

قوله تعالى: {لنعلم}: متعلق بالبعث. والعامة على نون العظمة جريا على ما تقدم. وقرأ الزهري "ليعلم" بياء الغيبة، والفاعل الله تعالى. وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة. ويجوز أن يكون الفاعل {أي الحزبين} إذا جعلناها موصولة كما سيأتي.
وقرئ "ليعلم" مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل: قال الزمخشري: "مضمون الجملة، كما أنه مفعول العلم". ورده الشيخ بأنه ليس مذهب البصريين. وتقدم تحقيق هذه أول البقرة.
وللكوفيين في قيام الجملة مقام الفاعل أو المفعول الذي لم يسم فاعله: الجواز مطلقا، والتفصيل بين ما يعلق كهذه الآية فيجوز، فالزمخشري نحا نحوهم على قوليهم. وإذا جعلنا {أي الحزبين} موصولة جاز أن يكون الفعل مسندا إليه في هذه القراءة أيضا كما جاز إسناده إليه في القراءة قبلها.

وقرئ "ليعلم" بضم الياء، والفاعل الله تعالى، والمفعول الأول محذوف، تقديره: ليعلم الله الناس. و {أي الحزبين} في موضع الثاني فقط، إن كانت عرفانية، وفي موضع المفعولين إن كانت يقينية.
(10/21)
---

(1/3877)


قوله: "أحصى" يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه أفعل تفصيل. وهو خبر لـ "أيهم"، و أيهم" استفهامية. وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها. و "لما لبثوا" حال من "أمدا"، لأنه لو تأخر عنه لكام نعتا له. ويحوز أن تكون اللام على بابها من العلة، أي: لأجل أبو البقاء. ويجوز أن تكون زائدة، و "ما" مفعولة: إما بـ "أحصى" على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به، وإما بإضمار فعل. و "أمدا" مفعول "لبثوا" أو منصوب بفعل مقدر يدل عليه أفعل عند الجمهور، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك.
والوجه الثاني: أن يكون "أحصى" فعلا ماضيا. و "أمدا" مفعوله، و "لما لبثوا" متعلق به، أو حال من "أمدا" أو اللام فيه مزيدة، وعلى هذا: فأمدا منصوب بـ لبثوا. و "ما" مصدرية أو بمعنى الذي. واختار الأول -أعني كون "أحصى" للتفضيل -/ الزجاج والتبريزي، واختار الثاني أبو علي والزمخشري وابن عطية. قال الزمخشري: "فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي ليس بقياس، ونحو "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق" شاذ، والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به؟ ولأن "أمدا": إما أن ينتصب بأفعل وأفعل لا يعمل، وإما أن ينتصب بـ "لبثوا" فلا يسد عليه المعنى: فإن زعمت أني أنصبه بفعل مضمر كما أضمر في قوله:
3129 ....................... * وأضرب منا بالسيوف القوانسا
فقد أبعدت المتناول، حيث أبيت أن يكون ["أحصى"] فعلا ثم رجعت مضطرا إليه".
(10/22)
---

(1/3878)


وناقشه الشيخ قال: "أما دعواه أنه شاذ فمذهب سيبويه خلافه، وذلك أن أفعل فيه ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا، ويعزى لسيبويه، والمنع مطلقا، وهو مذهب الفارسي، والتفصيل: بين أن تكون همزته للتعدية فيمتنع، وبين أن لا تكون فيجوز، وهذا ليست العمزة فيه للتعدية. وأما قوله: "أفعل لا يعمل" فليس بصحيح لأنه يعمل في التمييز، و "أمدا" تمييز لا مفعول به، كما تقول: زيد أقطع الناس سيفا، وزيد أقطع للهام سيفا".

قلت: الذي أحوج الزمخشري إلى عدم جهله تمييزا مع ظهوره في بادئ الرأي عدم صحة معناه. وذلك أن التمييز شرطه في هذا لاباب أن تصح نسبة ذلك الوصف الذي قبله إليه ويتصف به، ألا ترى إلى مثاله في قوله: "زيد أقطع الناس سيفا" كيف يصح أن يسند إليه فيقال: زيد قطع سيفه، وسبفه قاطع، إلى غير ذلك. وهنا ليس الإحصاء من صفة الأمد، ولا تصح نسبته إليه، وإنما هو صفات الحزبين، وهو دقيق.
وكان الشيخ نقل عن أبي البقاء نضبه على التمييز، وأبو البقاء لم يذكر نصبه على التمييز حال جعله "أحصى" أفعل تفصيل، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فهل ماض. قال أبو البقاء: "في أحصى وجهان، أحدهما: هو فعل ماض، "وأمدا" مفعوله، و "لما لبثوا" نعت له، قدم فصار حالا أو مفعولا له، أي: لأجل ابثهم. وقيل: اللام زائدة و "ما" بمعنى الذي، و "أمدا" مفعول "لبثوا" وهو خطأ، وإنما الوجه أن يكون تمييزا والتقدير: لما لبثوه. والوجه الثاني: هو اسم و "أمدا" منصوب بفعل دل عليه الاسم" انتهى. فهذا بفعل مقدر، وأنه جعله تمييزا عن "لبثوا" كما رأيت.
(10/23)
---

(1/3879)


ثم قال الشيخ: "وأما قوله "وأما قوله "وإما أن ينصب بـ "لبثوا" فلا يسد عليه المعنى، أي: لا يكون معناه سديدا، فقد ذهب الطبري إلى أنه منصوب بـ "لبثوا". قال ابن عطية: "وهو غير متجه" انتهى. وقد يتجه: وذلك أن الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عم المدة من حيث إن المدة غاية هي أمد المدة على الحقيقة، و "ما" بمعنى الذي، و "أمدا" منصوب على إسقاط الحرف، وتقديره: لما لبثوا من أمد، من مدة، ويصير "من أمد" تفسيرا لما أبهم من لفظ "ما" كقوله: {ما ننسخ من آية} {ما يفتح الله للناس من رحمة} ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل".
قلت: يكفيه أن مثل ابن عطية جعله غير متجه، وعلى تقدير ذلك فلا نسلم أن الطبري عنى نصبه بلبثوا مفعولا به بل يجوز أن يكون على نصبه تمييزا كما قاله أبو البقاء.
ثم قال: "وأما قوله: "فإن زعمت إلى آخره فتقول: لا يحتاج إلى ذلك، لأن لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين في أنه ينصب "القوانس" بنفس "أضرب" ولذلك جعل بعض النحاة أن "أعلم" ناصب لـ "من" في قوله: "أعلم من يضل"، وذلك لأن أفعل مضمن لمعنى المصدر إذ التقدير: يزيد ضربنا القوانس على ضرب غيرنا".

قلت: هذا مذهب مرجوح، وأفعل التفصيل ضعيف ولذلك قصر عن الصفة المشبهة باسم الفاعل، حيث لم يؤنث ولم يثن ولم يجمع.
(10/24)
---

(1/3880)


وإذا جعلنا "أحصى" اسما فجوز الشيخ في "أي" أن تكون الموصولة، و"أحصى" خبر لمبتدأ محذوف هو عائدها، وأن الضمة للبناء على مذهب سيبويه لوجود / شرط البناء وهو أضافتها لفظا، وحذف صدر صلتها، وهذا إنما يكون على جعل العلم بمعنى العرفان، لأنه ليس في الكلام إلا مفعول واحد، وتقدير آخر لا حاجة إليه. إلا أن في إسناد "علم" بمعنى عرف إلى الله تعالى إشكالا تقدم تحريره في الأنفال وغيرها. وإذا جعلناه فعلا امتنع أن تكون موصولة إذ لا وجه لبنائها حينئذ وهو حسن.

* { نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى }

قوله تعالى: {آمنوا بربهم}: فيه التفات من التكلم إلى الغيبة إذ لو جاء على نسق الكلام لقيل: إنهم فتية آمنوا بنا. وقوله: "وزدناهم" "وربطنا" التفات من هذه الغيبة إلى التكلم أيضا.

* { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلاها لقد قلنا إذا شططا }

قوله تعالى: {إذ قاموا}: منصوب بـ "ربطنا" والربط استعارة لتقوية قلوبهم في ذلك المكان الدحض.
(10/25)
---

(1/3881)


قوله: "إذن" جواب وجزاء، أي: لقد قلنا قولا شططا إن دعونا من دونه إلها. وشططا في الأصل مصدر، يقال: شط شططا وشطوطا، أي: جار وتجاوز حدضه، ومنه: شط في السوم، وأشط، أي: جاوز القدر. وشط المنزل: يعد، من ذلك. وشطت الجارية شطاطا، طالت، من ذلك. وفي انتصابه ثلاثة أوجه، مذهب سيبويه النصب على الحال من ضمير مصدر "قلنا". الثاني: نعت لمصدر، أي: قولا ذا شطط، أو هو الشطط نفسه مبالغة. الثالث: أنه مفعول بـ "قلنا" لتضمنه معنى الجملة.

* { هاؤلااء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا }

قوله تعالى: {هاؤلااء قومنا اتخذوا}: يجوز في "قومنا" أن يكون بدلا أو بيانا، و "اتخذوا" هو عبر "هؤلاء"، ويجوز أن يكون "قومنا" هو الخبر، و "اتخذوا: حالا. و "اتخذ" يجوز أن يتعدى لواحد بمعنى عملوا؛ لأنهم نحتوها بأيديهم، ويجوز أن تكون متعدية لاثنين بمعنى صيروا، و "من دونه" هو الثاني قدم، و "آلهة" هو الأول. وعلى الوجه الأول يجوز في "من دونه" أن يتعلق بـ "اتخذوا"، وأن يتعلق بمحذوف حالا من "آلهة" إذ لو تأخر لجاز أن يكون صفو لـ "آلهة".

قوله: {لولا يأتون} تخصيص فيه معنى الإنكار. و "عليهم"، أي: على عبادتهم أو على اتخاذهم، فحذف المضاف للعلم به. ولا يجوز أن تكون هذه الجملة التخصيصية صفة لـ "آلهة" لفساده معنى وصناعة، لأنها جملة طلبية. فإن قلت: أضمر قولا كقوله:
3130- جاؤوا بمذق عل رأيت الذئب قط
لم يسعدك المعنى لفسادع عليه.
(10/26)
---

(1/3882)


* { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا }

قوله تعالى: {وإذ اعتزلتموهم}: "إذا" منصوب بمحذوف، أي: وقال بعضهم لبعض وقت اعتزالهم. وجوز بعضهم أن تكون "إذ" للتعليل، أي: فأووا إلى الكهف لاعتزالكم إياهم، وهو قول مقول لكنه لا يصح.
قوله: {وما يعبدون} يجوز في "ما" ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون بمعنى الذي، والعائد مقدر، أي: واعتزلتم الذي يعبدونه. و "إلا الله" يجوز فيه أن يكون استثناء متصلا، فقد روي أنهم كانوا يعبدون الله ويشركون به غيره، ومنقطعا، فقد روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. والمستثنى منه يجوز أن يكون الموصول، وأن يكون عائده، والمعنى واحد.
والثاني: أنها مصرية، أي: واعتزلتم عبادتهم، أي: تركتموها. و "إلا الله" على حذف مضاف، أي: إلا عبادة الله. وفي الاستثناء الوجهان المتقدمان.
الثالث: أنها نافية، وأنه من كلام الله تعالى، وعلى هذا فهذه الجملة معترضة بين أثناء القصة وإليه ذهب الزمخشري. و {إلا الله} استثناء مفرغ أخبر الله عن الفتنة أنهم لا يعبدون غيره. وقال أبو البقاء: "والثالث: أنها حرف نفي فيخرج في الاستثناء وجهان، أحدهما: هو منقطع، والثاني: هو متصل، والمعنى: وإذ اعتزلتموهم إلا الله وما يعبدون إلا الله" قلت: فظاهر هذا الكلام: أن الانقطاع والاتصال في الاستثناء مترتبان على القول بكون "ما" نافية، وليس الأمر كذلك.
(10/27)
---

(1/3883)


قوله: "مرفقا" قرأ بكسر الميم وفتح الفاء الجمهور. ونافع وابن عامر بالعكس، وفيهما اختلاف بين أهل اللغة، فقيل: هما بمعنى واحد وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر. وقيل: هو بالكسر في الميم لليد، وبالفتح للأمر، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، حكاه الأزهري عن ثعلب. وأنشد الفراء جمعا بين الغتين في الجارحة:

3131- بت أجافي مرفقا عن مرفق
/وقيل: يستعملان معا في الأمر وفي الجارحة، حكاه الزجاج.
وحكى مكي، عن الفراء أنه قال: "لا أعرف في الأمر ولا في اليد ولا في كل شيء إلا كسر الميم".
قلت: وتواتر قراءة نافع والشاميين يرد عليه. وأنكر الكسائي كسر الميم في الجارحة، وقال: لا أعرف فيه إلا الفتح وهو عكس قول تلميده، ولكن خالفه أبو حاتم، وقال: "هو بفتح الميم: الموضع كالمسجد. وقال أبو زيد: هو بفتح الميم حصدر جاء على مفعل" وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأما الجارحة فبكسر الميم فقط. وحكي عن الفراء أنه قال: "أهل الحجاز يقولون: "مرفقا" بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به، ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب بعد يكسرون الميم منهما جميعا". وأجاز معاذ فتح الميم والفاء، وهو مصدر كالمضرب والمقتل.
و {من أمركم} متعلق بالفعل قبله، و "من" لابتداء الغاية أو للتعيض. وقيل: هي بمعنى بدل، قاله ابن الأنباري وأنشد:
3132- فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان
أي: بدلا. ويجوز أن يكون حالا من "مرفقا" فيتعلق بمحذوف.
(10/28)
---

(1/3884)


* { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذالك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا }

قوله تعالى: {تزاور}: قرأ ابن عامر "تزور" بزنة تحمر، والكوفيون "تزاور" بتخفيف الزاي، والباقون بتثقيلها. فـ "تزور" بمعنى تميل من الزور وهو الميل، وزاره بمعنى مال إليه، وقول الزور: ميل عن الحق، ومنه الأزور وهو المائل بعينه وبغيرها. قال عمر بن أبي ربيعة:
3133- .......................... * وجنبي خيفة القوم أزور
وقيل: تزور بمعنى تنقبض من ازور، أي: انقبض. ومنه قول عنترة:
3134- فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلي بعبرة وتحمحم
وقيل: مال. ومثله قول بس~ر بن أبي خازم:
3135- يؤم بها الحداة مياه نخل * وفيها عن أبانين ازورار
أي: ميل.
وأما "تزاور" و "توازر" فأصلهما تتزاور بتاءين، فالكوفيون حذفوا إحدى التائين، وغيرهم أدغم، وقد تقدم تحقيق هذا في "تظاهرون" و "تساءلون" ونحوهما. ومعنى ذلك الميل أيضا.

وقرأ أبو رجاء والجحدري وابن أبي عبلة وأيوب السختياني "تزوار" بزنة تحمار. وعبد الله وأبو المتوكل "تزوئر" بهمزة مكسورة قبل راء مشددة، وأصلها "تزوار" كقراءة أبي رجاء ومن معه، وإنما كره الجمع بين الساكنين، فأبدل الألف همزة على حد إبدالها في "جأن" و "الضألين". وقد تقدم تحقيقه أول هذا التصنيف أخر الفاتحة.
(10/29)
---

(1/3885)


و {إذا طلعت} معمول لـ "ترى" أو لأ "تزاور"، وكذا {إذا غربت} معمول للأول أو للثاني وهو "تقرضهم". والظاهر تمحضه للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية.
ومعنى "تقرضهم" تقطعهم لا تقربهم، لأن القرض القطع، من القطيعة والصرم. قال ذو الرمة:
3136- إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف * شمالا، وعن أيمانهن الفوارس
والقرض: القطع. وتقدم تحقيقه في البقرة. وقال الفارسي: "معنى تقرضهم: تعطيهم من ضوئها شيئا ثم تزول سريعا كالقرض يسترد". وقد ضعف قوله بأنه كان ينبغي أن يقرأ "تقرضهم" بضم التاء لأنه من أقرض.
وقرئ "يقرضهم" بالياء من تحت، أي: الكهف، وفيه مخالفة بين الفعلين وفاعلهما، فالأولى أن يعود على الشمس ويكون كقوله:
3137- ............................... * ولا أرض أبقل إبقالها
وهو قول ابن كيسان.
و "ذات اليمين" و "ذات الشمال" ظرفا مكان بمعنى جهة اليمين وجهة الشمال.
قوله: {وهم في فجوة منه} جملة حالية، أي: نفعل هذا مع اتساع مكانهم، وهو أهجب لحالهم، إذ كان ينبغي أن تصيبهم الشمس لاتساعه. والفجوة: المتسع، من الفجا، وهو تباعد ما بين الفخذين. يقال: رجل أفجى وامرأة فجواء، وجمع الفجوة فجاء كقصعة وقصاع.
قوله: "ذلك" مبتدأ مشار به إلى جميع ما تقدم من حديثهم. و "من" آيات الله" الخبر. ويجوز أن يكون "ذلك" خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. و {من آيات الله} حال.

* { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا }
(10/30)
---

(1/3886)


قوله تعالى: {أيقاظا}: جمع "يقظ" بضم القاف، ويجمع على يقاظ. ويقظ وأيقاظ كعضد وأعضاد، ويقظ ويقاظ كرجل ورجال. وظاهر كلام الزمخشري أنه يقال: "يقظ" بالكسر، لأنه قال: "وأيقاظ جمع "يقظ" كأنكاد في "نكد". واليقظة: الانتباه ضد النوم.

والرقود: جمع راقد كقاعد وقعود، ولا حاجة إلى إضمار شيء كما قال بعضهم: إن التقدير: لو رأيتهم لحبستهم أيقاظا.
قوله: "ونقلبهم" قرأ العامة "نقلبهم" مضارعا مسندا للمعظم نفسه. وقرئ كذلك بالياء من تحت، أي: الله أو الملك. وقرأ الحسن: "يقلبهم" بالياء من تحت ساكن القاف مخفف اللام، وفاعله كما تقدضم: إما الله أو الملك. وقرأ أيضا "وتقلبهم" بفتح التاء وضم اللام مشددة مصدر تقلب"، كقوله: "وتقلبك في الساجدين" ونصب الباء. وخرجه أبو الفتح على إضمار فعل، أي: ونرى تقلبهم أو نشاهد. وروي عنه أيضا رفع الباء على الابتداء، والخبر الظرف بعده. ويجوز أن يكون محذوفا، أي: آية عظيمة./ وقرأ عكرمة "وتقلبهم" بتاء التأنيث مضارع "قلب" مخففا، وفاعله ضمير الملائكة المدلول عليهم بالسياق.
قوله: "وكلبهم" العامة على ذلك. وقرأ جعفر الصادق "كالبهم"، أي: صاحب كلبهم، كلابن وتامر. ونقل أبو عمر الزاهد غلام ثعلب "وكالئهم" بهمزة مضمومة اسم فاعل من كلأ يكلأ: أي: حفظ يحفظ.
و "باسط" اسم فاعل ماض، وإنما همل على حكاية الحال. والكسائي يعمله ويستشهد بالاية.
والوصيد: الباب. وقيل: العتبة. وقيل: الصعيد والتراب. وقيل: الفناء. وأنشد:
3138- بأرض فضاء لا يسد وصيدها * علي ومعروفي بها غير منكر
(10/31)
---

(1/3887)


والعامة على كسر الواو من {لو اطلعت} على أصل التقاء الساكنين. وقرأها مضمومة أبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش تشبيها بواو الضمير، وتقدم تحقيقه.
قوله: فرارا" يجوز أن يكون مصنوبا على المصدر من معنى الفعل قبله، لأن التولي والفرار من واد واحد. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، أي: فارا، وتكون حالا مؤكدة، ويجوز أن يكون مفعولا له.
قوله: "رعبا" مفعول ثان. وقيل: تمييز. وقرأ ابن كثير ونافع "لملئت" بالتشديد على التكثير. وأبو جعفر وشيبة كذلك إلا أنه بإبدال الهمزة ياء. والزهري بتخفيف اللام والإبدال، وهو إبدال قياسي. وتقدم الخلاف الرعب في آل عمران.

* { وكذالك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هاذه إلى المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا }

قوله تعالى: {وكذالك بعثناهم}: الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: كما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم ادكارا بقدرته.
والإشارة بـ "ذلك" إلى المصدر المفهوم من قوله "فضربنا"، أي: مثل جعلنا إنامتهم هذه المدة المتطاولة آية جعلنا بعثهم آية. قاله الزجاج والزمخشري.
قوله: "ليتساءلوا" اللام متعلقة بالبعث، فقيل: هي للصيرورة، لأن البعث لم يكن للتساؤل. قاله ابن عطية. والصحيح أنها على بابها من السببية.
(10/32)
---

(1/3888)


قوله: {كم لبثتم} "كم" منصوبة على الظرف، والمميز محذوف، تقديره: "بورقكم" حال من "أحدكم"، أي: مصاحبا لها، وملتبسا بها. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر بفتح الواو وسكون الراء والفك. وباقي السبعة بكسر الراء، والكسر هو الأصل، والتسكين تحفيف كـ "نبق" في نبق. وحكى الزجاج كسر الواو وسكون الراء وهو نقل، وهذا كما يقال: كبد وكبد وكبد.
وقرأ أبو رجاء وابن محيصن كذلك، إلا أنه بإدغام القاف. واستضعفوها من حيث الجمع بين ساكنين على غير حديهما وقد تقدم لك في المتواتر ما يشبه هذه من نحو {فنعما} {لا تعدوا في السبت} وروي عن ابن محيصن أنه أدغم كسر الراء فرارا مما ذكرت.
وقرأ أمير المؤمنين "بوارقكم" اسم فاعل، أي: صاحب ورق كـ "لابن". وقيل: هو اسم جمع كجامل وباقر.
والورق: الفضة المضروبة. وقيل: الفضة مطلقا. ويقال لها: "الرقة" بحذف الفاء. وفي الحديث: "في الرقة ربع العشر" وجمعت شذوذا جمع المذكر السالم، قالوا: "حب الرقين يغطي أفن الأفين".
قوله: أيها أزكى: يجوز في "أي" أن تكون استفهامية، وأن تكون موصولة. وقد عرفت ذلك مما تقدم لك في قوله: {أيهم أحسن عملا} فالعمل واحد. ولا بد من حذف: "أي أهلها أزكى". وطعاما: تمييز. وقيل: لا حذف، والضمير على الأطعمة المدلول عليها من السياق.
قوله: "وليتلطف" قرأ العامة بسكون لام الأمر، والحسن بكسرها على الأصل. وقتيبة الميال "وليتلطف" مبنيا للمفعول. وأبو جعفر وأبو صالح وقتيبة "ولا يشعرن" بفتح الياء وضم العين، "أحد" فاعل به.

* { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحواا إذا أبدا }

(1/3889)


(10/33)
---
قوله: {إنهم} هذا الضمير يجوز أن يعود على "أحد" لأنه في معنى الجمع، وأن يكون عائدا على "أهل" المضاف لضمير المدينة، قاله الزمخشري. ويجوز أن يعود على قومهم لدلالة السياق عليهم. وقرأ زيد بن علي "يظهروا" مبنيا للمفعول و "إذن" جواب وجزاؤ، أي: إن ظهروا فلن تفلحوا.

* { وكذالك أعثرنا عليهم ليعلمواا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا }

قوله: {وكذالك أعثرنا}: أي: وكما أنماهم وبعثناهم أعثرنا، أي: أطلعنا. وقد تقدم الكلام على مادة "عثر" في المائدة و "ليعلموا" متعلق بأعثرنا. والضمير: قيل: يعود على مفعول "أعثرنا" المحذوف تقديره: أعثرنا الناس. وقيل: يعود على أهل الكهف.
قوله: {إذ يتنازعون} يجوز أن يعمل فيه "أعثرنا" أو "ليعلموا" أو لمعنى "حق" أو لـ "وعد" عند من "يتسع في الظرف. وأما من لا يتسع، فلا يجوز الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته.
قوله: "بنيانا" يجوز أن مفعولا به، جمع ينيانه، وأن يكون مصدرا.
قوله: {ربهم أعلم بهم قال} يجوز أن يكون من كلام الباري تعالى، وأن يكون من كلام المتنازعين فيهم.
قوله: "غلبوا" قرأ الثقفي والحسن بضم الغين وكسر اللام.
(10/34)
---

(1/3890)


* { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا }

قوله: {سيقولون}: قيل: إنما أتتي بالسين في هذا لأن في الكلام طيا وإدماجا تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف فسلهم عددهم فإنهم سيقولون. ولم يأت بها في باقية الأفعال لأنها معطوفة على ما فيه السين فأعطيت حكمه من الاستقبال.
وقرأ ابن محيصن "ثلاث" بإدغام الثاء المثلثة في تاء التأنيث لقرب مخرجيهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساكن معتل.

قوله: {رابعهم كلبهم} الجملة في محل رفع صفة لـ "ثلاثة".
قوله: "خمسة" قرأ ابن كثير في رواية بفتح الميم، وعي لغة كعشرة. وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم، وبإدغام التاء في السين، يعني تاء "خمسة" في سين "سادسهم" وعي قراءة ثقيلة جدا، تتوالى كسرتان وثلاث سينات، ولا أظن مثل هذا إلا غلطا على مثله. وروي عنه إدغام التنوين في السين من غير غنة.
و "ثلاثة" و "خمسة" و "سبعة" إخبار لمبتدأ مضمر، أي: هم ثلاثة، وهم خمسة، وهم سبعة. وما بد "ثلاثة" و "خمسة" من الجملة صفة لهما، كما تقدم. ولا يجوز أن تكون الجملة حالا لعدم عامل فيها، ولا يجوز أن يكون التقدير: هؤلاء ثلاثة، وهؤلاء خمسة، ويكون العامل اسم الإشارة أو التنبيه. قال أبو البقاء: "لأنها إشارة إلى حاضر، ولم يشيروا إلى حاضر".
(10/35)
---

(1/3891)


قوله: {رجما بالغيب} فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله؛ يقولون ذلك لأجل الرمي بالغيب. والثاني: أنه في موضع الحال، أي: ظانين. والثالث: أنه منصوب بـ "يقولون" لأنه بمعناه. والرابع: أنه منصوب بمقدر من لفظه، أي: يرجمون بذلك رجما.
والرجم في الأصل: الرمي بالرجام وهي الحجارة الصغار، ثم عبر به عن الظن. قال زهير:
3139- وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجم
أي: المظنون.
قوله: "وثامنهم" في هذه الواو أوجهـ أحدها: أنها عاطفة، عطفت عذع الجملة على جملة قوله "هم سبعة" فيكونون قد أخبرو بخبرين، أحدهما: أنهم سبعة رجال على البت. والثاني أن ثامنهم كلبهم، وهذا يؤذن بأن جملة قوله {وثامنهم كلبهم} من كلام المتنازعين فيهم. الثاني: أن الواو للاستئناف، وأنه من كلام الله تعالى أخبر عنهم بذلك. قال هذا القائل: وجيء بالواو لتعطي انقطاع هذا مما قبله. الثالث: أنها الواو الداخلة على الصفة تأكيدا، ودلالة على لصق الصفة بالموصوف. وإليه ذهب الزمخشري، ونظره بقوله: {من قرية إلا ولها كتاب معلوم
}. ورد الشيخ عليه: بأن أحدا من النحاة لم يقله، وقد تقدم القول في ذلك.
الرابع: أن هذه تسمى واو الثمانية، وأن لغة قريش إذا عدوا يقولون: خمسة ستة سبعة تسعة، يدخلون الواو على عقد الثمانية خاصة. ذكر ذلك ابن خالويه وأبو بكر راوي عاصم. قلت: وقد قال ذلك بعضهم في قوله تعالى: {وفتحت أبوابها} في الزمر فقال: دخلت في أبواب الجنة لأنها ثمانية، ولذلك لم يجأ بها في أبواب جهنم لأنها سبعة وسيأتي هذا إن شاء الله.
(10/36)
---

(1/3892)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية