صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الدر المصون في علم الكتاب المكنون

وأما نصبهما فبإضمار "أن" بعد الواو التي بمعى مع، كقولك: "ليت ليس مالا وأنفق منه" فالفعل منصوب بإضمار "أن" و"أن" مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدر، والواو حرف عطف فيستدعى معطوفا عليه، وليس قبلها في الآية إلا فعل فكيف يعطف اسم على فعل؟ فلا جرم أنا نقدر مصدرا متوهما يعطف هذا المصدر المنسبك من "أن" وما بعدها عليه، والتقدير: يا ليتنا لنا رد وانتفاء تكذيب بآيات ربنا وكون من المؤمنين، أي: ليتنا لنا رد مع هذين الشيئين، فيكون عدم التكذيب والكون من المؤمنين متمنيين أيضا، فهذه الثلاثة الأشياء: أعني الرد وعدم التكذيب والكون من المؤمنين متمناة بقدي الاجتماع، لا أن كل واحد متمنى وحده؛ لأنه كما قدمت لك: هذه الواو شرط إضمار "أن" بعدها: أن تصلح "مع" في مكانها، فالنصب يعين أحد محتملاتها في قولك "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" وشبهه، والإشكال المتقدم وهو إدخال التكذيب على التمني وارد هنا، وقد تقدم جواب ذلك، إلا أن بعضه يتعذر ههنا: وهو كون لا نكذب، ونكون" متسأنفين سيقا لمرجد الإخبار، فبقي: إما لكون التمني دخله معنى الوعد، وإما أن قوله تعالى: {وإنهم لكاذبون} ليس راجعا إلى تمنيهم، وإما لأن التمني يدخله التكذيب، وقد تقدم فساده.
(6/177)
---

(1/2340)


وقال ابن الأنباري: "أكذبهم فيم عنى التمني؛ لأن منيهم راجع إلى معنى: "نحن لا نكذب إذا رددنا" فغلب عز وجل تأويل الكلام فأكذبهم، ولم يستعمل لفظ التمني" وهذا الذي قاله ابن الأنباري تقدم معناه بأوضح من هذا. قال الشيخ: "وكثيرا ما يوجد في كتب النحو أن هذه الواو المنصوب بعدها هو على جواب التمني، كما قال الزمخشري: "وقرئ: ولا نكذب ونكون بالنصب بإضمار أن على جواب التمني، ومعناه: إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين". قال: "وليس كما ذكر، فإن نصب الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب؛ لأن الواو لا تقع [في] جواب الشرط فلا ينعقد مما قبلها ولا مما بعدها شرط وجواب، وإنما هي واو "مع" يعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها، وهي واو العطف يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة: وهي المعية ويميزها من الفاء تقدير "مع" موضعها، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميزها تقدير شرط قبلها أو حال مكانها. وشبهة من قال إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهم أنها جواب. وقال سيبويه: "الواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء، والواو والفاء معناهما مختلفان، ألا ترى:
1895- لا تنه عن خلق وتأتي مثله * .......................
(6/178)
---

(1/2341)


لو دخلت الفاء هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد: لا تجمع النهي والإتيان وتقول: "لا تأكل السمك وتشرب اللين" لو أدخلت الفاء فسد المعنى" قال الشيخ: "ويوضح لك أنها ليست بجواب انفراد الفاء دونها بأنها إذا حذفت انجزم الفعل بعدها بما قبلها لما تضمنه من معنى الشرط إلا في النفي، فإن ذلك لا يجوز". قلت: قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزجاج شيخ الجماعة. قال أبو إسحاق: "نصب على الجواب بالواو في التمني كما تقول: "ليتك تصير إلينا ونكرمك" المعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، ويكون المعنى: ليت ردنا وقع وأن لا نكذب".
وأما كون الواو ليست بمعنى الفاء فصحيح، على ذلك جمهور النحاة. إلى أني رأيت أبا بكر ابن الأنباري خرج النصب على وجهين، أحدهما: أن الواو بمعنى الفاء. قال أبو بكر: "في نصب "نكذب" وجهان، أحدهما: أن الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب ونكون، فتكون الواو هنا بمنزلة الفاء في قوله: {لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} يؤكد هذا قراءة ابن مسعود وابن أبي إسحاق: "يا ليتنا نرد فلا نكذب" بالفاء منصوبا. والوجه الآخر: النصب على الصرف ومعناه الحال، أي: يا ليتنا نرد غير مكذبين.
(6/179)
---

(1/2342)


وأما قراءة ابن عامر - برفع الأول ونصب الثاني - فظاهرة بما تقدم؛ لأن الأول يرفتع على حد ما تقدم من التأويلات، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم، ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو استأنفه، إلا أن المنصوب يحتمل أن يكون من تمام قوله "نرد" أي: تمنوا الرد مع كونخم من المؤمنين، وهذا ظاهر إذا جعلنا ولا نكذب" معطوفا على "نرد" أي: تمنوا الرد مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظاهر إذاجعلنا "ولا نكذب" معطوفا على "نرد" أو حالا منه. وأما إذا جعلنا "ولا نكذب" مستأنفا فيجوز ذلك أيضا ولكن على سبيل الاعتراض، ويحتمل أن يكون من تمام "ولا نكذب" أي: لا يكون منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين، ويكون قوله "ولا نكذب" حينئذ على حاله، أعني من احتماله العطف على "نرد" أو الحالية أو الاستئناف، ولا يخفى حينئذ دخول كونهم مع المؤمنين في التمني وخروجه منه بما قررته لك.
وقرئ شاذا عكس قراءة ابن عامر، أي: بنصب "نكذب" ورفع "نكون" وتخريجها على ما تقدم، إلا أنها يضعف فيها جعل "ونكون من المؤمنين" حالا لكونه مضارعا مثبتا إلا بتأويل بعيد كقوله:
1896- ....................... * نجوت وأرهنهم مالكا
أي: وأنا أرهنهم، وقولهم: "قمت وأصك عينه"، ويدل على حذف هذا المبتدأ قراءة أبي: "ونحن نكون من المؤمنين".

* { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }
(6/180)
---

(1/2343)


قوله تعالى: {بل بدا}: "بل" هنا لانتقال من قصة إلى أخرى وليست للإبطال، وعبارة بعضهم توهم أن فيها إبطالا لكلام الكفرة فإنه قال: "بل" رد لما تمنوه، أي: ليس الأمر على ما قالوه لأنهم لم يقولوا ذلك رغبة في الإيمان، بل قالوه إشفاقا من العذاب وطمعا في الرحمة. قال الشيخ: "ولا أدري ما هذا الكلام؟". قلت: ولا أدري ما وجه عدم الدراية منه؟ وهو كلام صحيح في نفسه، فإنهم لما قالوا: يا ليتنا كأنهم قالوا تمنينا، منه؟ وهو كلام صحيح في نفسه، فإنهم لما قالوا: يا ليتنا كأنهم قالوا تمنينا، ولكن هذا التمني لسيس بصحيح، لأنهم إنما قالوه تقية، فقد يتمنى الإنسان شيئا بلسانه وقلبه فارغ منه. وقال الزجاج "بل" هنا استدراك وإيجاب نفي كقولهم: ما قام زيد بل قام عمرو". قال الشيخ: "ولا أدري ما النفي الذي سبق حتى توجبه "بل"؟ قلت: الظاهر أن النفي الذي أراده الزجاج هو الذي في قوله: {ولا نكذب بآيات ربنا} إذا جعلناه مستأنفا على تقدير: ونحن لا نكذب، والمعتنى: بل إنهم مكذبون.

وفاعل "بدا" قوله: {ما كانوا} و"ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية وهو الظاهر، أي: ظهر لهم الذي كانوا يخفونه. والعائد محذوف. ويجوز أن تكون مصدرية، أي ظهر لهم إخفاؤهم، أي: عاقبته، أو أطلق المصدر على اسم المفعول، وهو بعيد، والظاهر أن الضميرين: أعني المجرور والمرفوع في قوله {بدا لهم ما كانوا يخفون} عائدان على شيء واحد، وهم الكفار أو اليهود والنصارى خاصة، وقيل: المجرور للإتباع والمرفوع للرؤساء، أي: بل بدا للإتباع ما كان الوجهاء المتبعون يخفونه.
(6/181)
---

(1/2344)


قوله: {ولو ردوا} قرأ الجمهور بضم الراء خالصا. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وإبراهيم: "ردوا" بكسرها خالصا. وقد عرفت أن الفعل الثلاثي المضاعف العين واللام يجوز في فائه إذا بني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في فاء المعتل العين إذا بني للمفعول نحو: قيل وبيع، وقد تقدم ذلك. وقال الشاعر:
1897- وما حل من جهل حبا حلمائنا * ولا قائل المعروف فينا يعنف
بكسر الحاء.
قوله: {وإنهم لكاذبون} تقدم الكلام على هذه الجملة: هل هي مستأنفة أو راجعة إلى قوله {يا ليتنا}؟

* { وقالواا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين }

قوله تعالى: {وقالواا}: هل هذه الجملة معطوفة على جواب "لو" والتقدير: ولو ردوا لعادوا ولقالوا، أو هي مستأنفة ليست داخلة في حيز "لو"، أو هي معطوفة على قوله: {وإنهم لكاذبون}؟ ثلاثة أوجه، ذكر الزمخشري الوجهين الأول والآخر فإنه قال: "وقالوا عطف على "لعادوا" أي: لو ردوا لكفروا ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يعطف على قوله: {وإنهم لكاذبون} على معنى: وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء". والوجه الأول منقول عن ابن زيد، إلا أن ابن عطية رده فقال: "وتوقيف الله لهم في الآية بعدها على البعث والإشارة إليه في قوله {أليس هاذا بالحق} يرد على هذا التأويل". وقد يجاب عن هذا باختلاف حالين: فإن إقرارهم بالبعث حقيقة إنما هو في الآخرة، وإنكارهم ذلك إنما هو الدنيا بتقدير عودهم إلى الدنيا، فاعترافهم به في الدار الآخرة غير مناف لإنكارهم إياه في الدنيا.
(6/182)
---

(1/2345)


قوله: {إن هي إلا حياتنا} "إن" نافية و"هي" مبتدأ، و"حياتنا" خبرها، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات، و"هي" ضمير مبهم يفسره خبره، أي: ولا نعلم ما يراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة، وقد قدمت ذلك عند قوله: {فسواهن سبع سماوات} وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظا ورتبة فيه نظر، إذ لقائل أن يقول "هي" تعود على شيء دل عليه سياق الكلام، كأنهم قالوا: إن العادة المستمرة أو إن حالتنا وما عهدنا إلا حياتنا الدنيا، واستند هذا القائل إلى قول الزمخشري: "هذا ضمير لا يعلم ما يراد به إ بذكر ما بعده" ومثل الزمخشري بقول العرب: "هي النفس تتحمل ما حملت" و"هي العرب تقول ما شاءت".

وليس فيما قاله الزمخشري دليل له؛ لأنه يعني أنه لا يعلم ما يعود عليه الضمير إلا بذكر ما بعده، وليس في هذا ما يدل على أن الخبر مفسر للضمير، ويجوز أن يكون المعنى: إن الحياة إلا حيتاتنا الدنيا، فقوله {إلا حياتنا الدنيا} دال على ما يفسر الضمير وهو الحياة مطلقا، فصدق عليه أنه لا يعمل ما يراد به إلا بذكر ما بعده من هذه الحيثية لا من حيثية التفسير، ويدل على ما قلته قول أبي البقاء: "هي كناية عن الحياة، ويجوز أن يكون ضمير القصة".
(6/183)
---

(1/2346)


قلت: أما أول كلامه فصحيح، وأما آخره وهو قوله: "إن هي ضمير القصة" فليس بشيء؛ لأن ضمير القصة لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها. فإن قلت: الكوفي يجوز تفسيره بالمفرد فيكون نحا نحوهم. فالجواب أن الكوفي إنما يجوزه بمفرد عامل عمل الفعل نحو: "إنه قائم زيد" "وظنته قائما زيد" لأنه في صورة الجملة، إذ في الكلام مسند ومسند إليهز أما نحو "هو زيد" فلا يجيزه أحد، على أن يكون "هو" ضمير شأن ولا قصة، والدنيا صفة الحياة، وليست صفة مزيلة اشتراكا عارضا، يعني أن ثم حياة غير دنيا يقرون بها، لأنهم لا يعرفون إلا هذه، فهي صفة لمجرد التوكيد، كذا قيل، ويعنون بذلك أنها لا مفهوم لها، وإلا فحقيقة التوكيد غير ظاهرة بخلاف {نفخة واحدة} والباء في قوله "بمبعوثين" زائدة لتأكيد الخبر ال منفي، ويحتمل مجرورها أن يكون منصوب المحل على أن "ما" حجازية، أو مرفوعة على أنها تميمية.

* { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هاذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }

قوله تعالى: {على ربهم}: فيه وجهان، أحدهما: أنه من باب الحذف، تقديره: على سؤال ربهم أما ربهم أو جزاء ربهم. والثاني: أنه من باب المجاز؛ لأنه كناية عن الحبس للتوبيخ، كما يوقف العبد بين يدي سيده ليعاتبه، ذكر ذلك الزمخشري، ورجح المجاز على الحذف لأنه بدأ بالمجاز، ثم قال: "وقيل [وقفوا] على جزاء ربهم". وللناس خلاف في ترجيح أحدهما على الآخر. وجملة القول فيه أن فيه ثلاثة مذاهب، أشهرها: ترجيح المجاز على الإضمار، والثاني عكسه، والثالث: هما سواء.
(6/184)
---

(1/2347)


قوله: {قال أليس} في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها استفهامية أي: جواب سؤال مقدر، قال الزمشخري: "قال" مردود على قول قائل قال: ماذا قال لهم ربهم إذا وقفوا عليه؟ فقيل: قال لهم: أليس هذا بالحق". والثاني: أن تكون الجملة حالية، وصاحب الحال "ربهم" كأنه قيل: وقفوا عليه قائلا: أليس هذا بالحق. والمشار إليه قيل: هو ما كانوا يكذبون به من البعث. وقيل: هو العذاب يدل عليه {فذوقوا العذاب}.

وقوله: {بما كنتم} يجوز أن تكون "ما" موصولة اسمية والتقدير: تكفرونه، والأصل: تكفرون به، فاتصل الضمير بالفعل بعد حذف الواسطة، ولا جائز أن يحذف وهو مجرور بحاله، وإن كان مجرورا بحرف جر بمثله الموصول لاختلاف المتعلق، وقد تقدم إيضاحه غير مرة. والأولى أن تجعل "ما" مصدرية ويكون متعلق الكفر محذوفا، والتقدير: بما كنتم تكفرون بالعبث أو بالعذاب أي بملاقاته أي بكفركم بذلك.

* { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما يزرون }

قوله تعالى: {بغتة}: في نصبها أربعة أوجه، أحدها: أنها مصدر في موضع الحال من فاعل "جاءتهم" أي: مباغتة، وإما من مفعوله أي: مبغوتين. الثاني: أنها مصدر على غير المصدر؛ لأن معنى "جاءتهم" بغتتهم بغتة، فهو كقولهم: "أتيته ركضا". الثالث: أنها منصوبة بفعل محذوف من لفظها، أي: تبغتهم بغتة. الرابع: بفعل من غير لفظها، أي: أتتهم بغتة.
والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير اعتداد به ولا جعل بال منه حتى لو استشعر الإنسان به ثم جاءه بسرعة لا يقال فيه بغتة، ولذلك قال الشاعر:
(6/185)
---

(1/2348)


1898- إذا بغتت أشياء قد كان قبلها * قديما فلا تعتدها بغتات
والألف واللام في "الساعة" للغلبة كالنجم والثريا، لأنها غلبت على يوم القيامة، وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها على الباري تعالى. وقوله "قالوا" هو جواب "إذا".
قوله: {ياحسرتنا} هذا مجاز، لأن الحسرة لا يتأتضى منها الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحر، وكأنهم نادوا التحسر، وقالوا: إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك. ومثله: "يا ويلتا"، والمقصود التنبيه على خطأ المنادي حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء.
قوله: {على ما فرطنا} متعلق بالحسرة، و"ما" مصدرية، أي: على تفريطنا. والضمير في "فها" يجوز أن يعود على الساعة، ولا بد من مضاف أي: في شأنها والإيمان بها، وأن يعود على الصفقة المتضمنة في قوله: {قد خسر الذين} قاله الحسن، أو يعود على الحياة الدنيا وإن لم [يجر] لها ذكر لكونها معلومة، قاله الزمخشري. وقيل: يعود على مازلهم في الجنة إذا رأوها. وهو بعيد.

والتفريط: التقصير في الشيء مع القدرة على فعله. وقال أبو عبيد: "هو التضييع" وقال ابن بحر: "هو السبق، منه الفارط أي السابق للقوم، فمعنى فرط بالتشديد خلى السبق لغيره، فالتضعيف فيه للسلب كجلدت البعير ومنه {فتهجد به نافلة
(6/186)
---

(1/2349)


}. قوله: {وهم يحملون} الواو للحال، وصاحب الحال الواو في "قالوا" أي: قالوا: يا حسرتنا في حالة حملهم أوزارهم. وصدرت هذه الجملة بضمير مبتدأ ليكون ذكره مرتين فهو أبلغ، والحمل هنا قيل: مجاز عن مقاساتهم العذاب الذي سببه الأوزار، وقيل: هو حقيقة. وفي الحديث: "إنه يمثل له عمله بصورة قبيحة منتنة الريح فيحملها" وخص الظهر لأنه يطيق من الحمل ما لا يطيقه غيره من الأعضاء كالرأس والكاهل، وهذا كما تقدم في {فلمسوه بأيديهم} لأن اليد أقوى في الإدراك اللمسي من غيرها.
الأوزار: جمع وزر كحمل وأحمال وعدل وأعدال. والوزر في الأصل الثقل، ومنه: وزرته أي: حملته شيئا ثقيلا، ووزير الملك من هذا لأنه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمته، ومنه أوزار الحرب لسلاحها وآلاتها، قال:
1899- وأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكروا
وقيل: الأصل في ذلك الوضزر بفتح الواو الزاي، وهو الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى: {كلا لا وزر} ثم قيل للثقل وزر تشبيها بالجبل، ثم استعير الوزر للذنب تشبيها به في ملاقاة المشقة منه، والحاصل أن هذه المادة تدل على الرزانة والعصمة.
قوله: {ألا سآء ما يزرون} "ساء" هنا تحتمل أوجها ثلاثة، أحدها: أنها "ساء" المتصرفة المتعدية، ووزنها حينئذ فعل فتح العين، ومفعولها حينئذ محذوف، وفاعلها "ما"، و"ما" تحتمل ثلاثة أوجه: أن تكون موصلة اسمية أو حرفية أو نكرة موصوفة وهو بعيد، وعلى جعلها اسمية أو نكرة موصوفة تقدر لها عائدا، والحرفية غير محتاجة إليه عند الجمهور. والتقدير: ألا ساءهم الذي يزرونه أو شيء يزرونه أو وزرهم. وبدأ ابن عطية بهذا الوجه قال: "كما تقول: ساءني هذا الأمر، والكلام خبر مجرد كقوله:
(6/187)

(1/2350)


---
1900- رضيت خطة خسف غير طائلة * فساء هذا رضى يا قيس عيلانا
قال الشيخ: "ولا يتعين أن تكون "ما" فيا لبيت خبرا مجردا بل تحتمل الأوجه الثلالثة" انتهى وهو ظاهر.

الثاني: أن تكون للتعجب فتنتقل من فعل بفتح العين إلى فعل بضمها، فتعطى حكم فعل التعجب: من عدم التصرف والخروج من الخبر المحض إلا الإنشاء، إن قلنا: إن التعجب إنشاء وهو الصحيح، والمعنى: ما أسوأ - أي أقبح- الذي زرونه أو شيئا يزرثونه أو وزرهم، الثالث: أنها بمعنى بئس فتكون للمبالغة في الذم فتعطى أحكامها أيضا، ويجري الخلاف في "ما" الواقعة بعدها حسبما ذكر في {بئسما اشتروا} وقد ظهرالفرق بين هذه الأوجه الثلاثة فإنها في الأول متعدية متصرفة والكلام معها خبر محض، وفي الأخيرين قاصرة جامدة إنشائية. والفرق بين الوجهين الأخيرين أن التعجبية لا يشترط في فاعلها ما يشترط في فاعل بئس. وقال الشيخ: "والفرق بين هذا الوجه - يعني كونها بمعنى بئس - والوجه الذي قبله - يعني كونها تعجبية - أنه لا يشترط فيه ما يشترط في فاعل "بئس" من الأحكام ولا هو جملة منعقدة من مبتدأ وخبر، وإنما هو منعقد من فعل وفاعل". انتهى.
وظاهر لا يظهر إلا بتأويل وهو أن الذم لا بد فيه من مخصوص بالذم وهو مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره فانعقد من هذه الجملة متبدأ وخبر، إلا أن لقائل أن يقول: إنما يتأتى هذا على أحد الأعاريب في المخصوص، وعلى تقدير التسليم فلا مدخل للمخصوص بالذم في جملة الذم بالنسبة إلى كونها فعلية فحينئذ لا يظهر فرق بينهم وبين التعجبية في أن كلا منها منعقدة في فعل وفاعل.

* { وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون }
(6/188)
---

(1/2351)


قوله تعالى: {وما الحياة الدنيآ إلا لعب}: يجوز أن يكون من المبالغة جعل الحياة نفس اللعب واللهو كقولهم:
1901- .............. * فإنما هي إقبال وإدبار
وهذا أحسن، ويجوز أن يكون في الكلام حذف أي: وما أعمال الحياة، وقال الحسن البصري: "وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب" فقدر شيئين محذوفين.
والهو: صرف النفس عن الجد إلى الهزل. ومنه لو يلهو. وأما لهي عن كذا فمعناه صرف نفسه، والمادة واحدة انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها نحو: شقي ورضيي. وقال المهدوي: "الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم لهيان، ولام الأول واو". قال الشيخ: "وليس بشيء؛ لأن الواو في التثنية انقلبت ياء فليس أصلها الياء، ألا ترى إلى تثنية شج: شجيان وهو مشن الشجو" انتهى. يعني أنقلبت في المفرد فلتنقلب في المثنى [ولنا فيه بحث أودعناه في "التفسير الكبير" ولله الحمد] وبهذا يظهر فساد رد المهدوي على الرماني، فإن الرماني قال: "اللعب عمل يشغل النفس عما تنتفع به، واللهو صرف النفس من الجد إلى الهزل، يقال: لهيت عنه أي صرفت نفسي عنه" قال المهدوي: "وفيه ضعف وبعد؛ لأن الذي فيه معنى الصرف لامه ياء، بدليل قولهم في التثنية ليهان" انتهى. وقد تقدم فساد هذا الرد وقال الراغب: "اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، يقال: لهوت بكذا أو ليهت عن كذا اشتغلت عنه بلهو" وهذا الذي ذكره الراغب هو الذي حمل المهدوي على التفرقة بين المادتين.
(6/189)
---

(1/2352)


قوله: {وللدار الآخرة} قرأ الجمهور بلامين، الأولى لام الابتداء، والثانية للتعريف، وقرؤوا "الآخرة" رفعا على أنها صفة للدار، و"خير" خبرها. وقرأ ابن عامر: "ولدار" بلام واحدة هي لام الابتداء، و"الآخرة" جر بالإضافة. وفي هذه القراءة تأويلان أحدهما قول البصريين وهو انه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، والتقدير: ولدار الساعة الآخرة، أو لضدار الحياة الآخر، يدل عليه "وما الحياة الدنيا" ومثله قولهم: "حبة الحمقاء ومسجد الجامع وصلاة الأولى ومكان الغربي" التقدير: حبة البقلة الحمقاء، ومسجد المكان الجامع، وصلاة الساعة الأولى، ومكان الجانب الغربي. وحسن ذلك أيضا في الآية كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيرا، وكذلك كل ما جاء مما توهم فيه إضافة الموصوف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع؛ لأن الإضافة: إما للتعريف أو للتخصيص، والشيء لا يعرف نفسه ولا يخصصها.
والثاني: وهو قول الكوفيين - أنه إذا اختلف لفظ الموصوف وصفته جازت إضافته إليها، وأوردوا ما قدمته من الأمثلة قال الفراء: "هي إضافة الشيء إلى نفسه كقولك: بارحة الأولى ويوم الخميس وحق اليقين، وإنما يجوز عد اختلاف اللفظين". وقراءة ابن عامر موافقة لمصحفه؛ فإنها رسمت في مصاحف الشاميين بلام واحدة، واختارها بعضهم لموافقتها لما أجمع عليه في يوسف: {ولدار الآخرة خير} وفي مصاحق الناس بلامين.
(6/190)
---

(1/2353)


و"خير" يجوز أن يكون للتفضيل، وحذف المفضل عليه للعلم به أي: خير من الحياة الدنيا، ويجوز أن يكون لمجرد الوصف بالخيرية كقوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا} و{للذين يتقون} متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لـ "خي" والذي ينبغي - أو يتعين- أن تكون اللام للبيان، أي: أعني للذين، وكذا كل ما جاء من نحوه، نحو: {خير لك من الأولى
}. قوله: {أفلا تعقلون} قد تقدم الكلام في مثل هذه الهمزة الداخلة على الفاء وأختها الواو ثم وقرأ ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم: {تعقلون} خطابا لمن كان بحضرته عليه السلام وفي زمانه. والباقون بياء الغيبة ردا على ما تقدم من الأسماء الغائبة، وحذف مفعول "تعقلون" للعلم به، أي: فلا تعقلون أن الأمر كما ذرك فتزهدوا في الدنيا، أو أنها خير من الدنيا.

* { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولاكن الظالمين بآيات الله يجحدون }

قوله تعالى: {قد نعلم}: "قد" هنا حرف تحقيق. وقال الزمخشري والتبريزي: "قد نعلم: بمعنى ربما التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته نحو قوله:
1902- ................ *............. قديهلك المال نائله
قال الشيخ: "وهذا القول غير مشهور للنحاة، وإن قال به بعضهم مستدلا بقوله:
1903- قد أترك القرن مصفرا أنامله * كأن أثوابه مجت بفرصاد
وقول الآخر:
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله * ولكنه قد يهلك المال نائله
(6/191)
---

(1/2354)


والذي يظهر أن التكثير لا يفهم من "قد" إنما من سياق الكلام؛ إذ التمدح بقتل قرن واحد غير طائل، وعلى تقدير ذلك هو متعذر في الآية؛ لأن علمه تعالى لا يقبل التكثير". قلت: قد يجاب عنه بأن التكثير في متعلقات العلم لا في العلم، ثم قال: "وقوله بمعنى "ربما" التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته المشهور أن "رب" للتقليل لا للتكثير، وزيادة "ما" عليها لا يخرجها عن ذلك بل هي مهيئة لدخولها على الفعل، و"ما" المهيئة لا تزيل الكلمة عن معناها الأصلي، كما لا تزيل "لعل" عن الترجي ولا "كأن" عن التشبيه ولا "ليت" عن التمني. وقال ابن مالك" "قد" كـ "ربما" في التقليل والصرف إلى منى المضي، وتكون حينئذ للتحقيق والتوكيد نحو: {قد نعلم إنه ليحزنك} {وقد تعلمون أني رسول الله} وقوله:
1904- وقد تدرك الإنسان رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
وقد تخلو من التقليل وهي صارفة لمعنى المضي نحو قوله: {قد نرى تقلب وجهك
}. وقال مكي: "قد" هنا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه. و"نعلم" بمعنى علمنا، وقد تقدم الكلام في هذا الحرف وأنها مترددة بين الحرقية والاسمية. وقال الشيخ هنا: "قد حرف توقع، إذا دخلت على مستقبل الزمان كان التوقع من المتكلم كقولك: "قد ينزل المطضر شهر كذا"، وإذا كان ماضيا أو فعل حال بمعنى المضي كان التوقع عند السامع، وأم المتكلم فهو موجب ما أخبر به، وعبر هنا بالمضارع إذا المراد الاتصاف بالعلم واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان كقولهم: "هو يعطي ويمنع".
(6/192)
---

(1/2355)


و{إنه ليحزنك} ساد مسد المفعولين فإنها معلقة عن العمل، وكسرت لدخول اللام في خبرها. وتقدم الكلام في "ليحزنك" وأنه قرئ بفتح الياء وضمها من حزنه وأحزنه في آل عمران. "والذي يقولون" فاعل وعائده محذوف، أي: الذي يقولونه من نسبتهم إلى ما لا يليق به، والضمير في "إنه" ضمير الشأن والحديث، والجملة بعده خبر مفسرة له، ولا يجوز في هذا المضارع أن يقدر باسم فاعل كما يقدر في قولك: "إن زيدا يقوم أبوه" لئلا يلزم تفسير ضمير الشأن بمفرد، وقد تقدم أنه ممنوع عند البصريين.

قوله: {لا يكذبونك} قرأ نافع والكسائي: {لا يكذبونك} مخففا من أكذب، والباقون مثقلا من كذب، وهي قارءة علي وابن عباس. واختلف الناس في ذلك، فقيل: هما بمعنى واحد مثل: أكثر وكثر ونزل وأنزل، وقلي: بينهما فرق، قال الكسائي: العرب تقول "كذبت الرجل" بالتشديد، إذا نسبت الكذب إليه، و"أكذبته" إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه، ويقولون أيضا: أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا كأحمدته إذا وجدته محمودا، فمعنى "لا يكذبونك" مخففا: لا ينسبون الكذب إليك ولا يجدونك كاذبا، وهو واضح.
(6/193)
---

(1/2356)


وأما التشددي فيكون خبرا محضا عن عدم تكذيبهم إياه. فإن قيل: هذا محال؛ لأن بعضهم قد وجد منه تكذيب ضرورة. فالجاب أن هذا وإن كان منسوبا إلى جمعيهم، أعني عدم التكذيب فهو إنما يارد به بعضهم مجازا كقوله: {كذبت قوم نوح} {كذبت قوم لوط} وإن كان فيهم من لم يكذبه فهو عام يراد به الخاص. والثاني: أنه نفى التكذيب لانتقاء ما يترت عليه من المضار، فكأنه قيل: فإنهم لا يكذبونك تكذيبا يبالى به ويضرك لأنك لست بكاذب، فتكذيبهم كلا تكذيب، فهو من نفي السبب لانتفاء مسببه. وقال الزمخشري: "والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق، فهو لا يكذبونك في الحقيقة، إنما يكذبون الله بجحود آياته فانته عن حزنك كقول السيد لغلامه: - وقد أهانه بعض الناس- لن يهينوك وإنما أهانوني، وعلى هذه الطريقة: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله
}. قوله: {بآيات الله} يجوز في هذا الجار وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ "يجحدون"، وهو الظاهر الذي لاينبغي أن يعدل عنه وجوز أبو البقاء أن يتعلق بالظالمين، قال: "كقوله تعالى : {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} وهذا الذي قاله ليس بجيد، لأن الباء هناك سببية، أي: ظلموا بسببها، والباء هنا معناها التعدية، وهنا شيء يتعلق به تعلقا واضحا، فلا ضرورة تدعو إلى الخروج عنه. وفي هذه الآية إقامة الظاهر مقام المضر، إذ الأصل: ولكنهم يجحدون بآيات الله، ولكنه نبهخ على أن الظلم هو الحامل لهم على الجحود.
والجحود والجحد نفي ما في القلب ثباته أو إثبات ما في القلب نفيه. وقيل: الجحدك إنكار المعرفة فليس مرادفا للنفي من كل وجه.
(6/194)
---

(1/2357)


* { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين }

قوله تعالى: {من قبلك}: متعلق بـ "كذبت" ومنه أبو البقاء أن يكون صفة لرسل لأنه زمان، والزمان لا يوصف به الجثث، وقد تقدم البحث في ذلك غير مرة وأتقنته في البقرة وذكرته قريبا هنا في قوله: {وأنشأنا من بعدهم قرنا
}. قوله: {وأوذوا} يجوز فيه أربعة أوجه أظهرها: أنه عطف على قوله "كذبت" أي: كذبت الرسل وأوذوا فصبروا على كل ذلك. والثاني: أنه معطوف على "صبروا" أي: فصبروا وأوذوا. والثالث: - وهو بعيد- أن يكون معطوفا على "كذبوا" فيكون داخلا في صلة الحرف المصدري والتقدير: فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم. والرابع: أن يكون مستأنفا قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون القف تم على قوله "كذبوا" ثم استأنف فقال: "أوذوا".
وقرأ الجمهور: {وأوذوا} بواو بعد الهمزة من آذى يؤذي رباعيا. وقرأ ابن عامر في رواية شاذة: "وأذوا" من غير واو بعد الهمزة، وهو من أديت الرجل ثلاثيا لا من "آذيت" رباعيا.
قوله: {حتى أتاهم نصرنا} الظاهر أن هذه الغاية متعلقة بقوله: "فصبروا" أي: كان غاية صبرهم نصر الله إياهم، وإن جعلنا "وأوذوا" عطفا عليه كانت غاية لهما، وهو واضح جدا. وإن جعلناه مستأنفا كانت غاية له فقط، وإن جعلناه معطوفا على "كذبت" فتكون الغاية للثلاثة. والنصر مضاف لفاعله ومفعوله محذوف، أي: نصرنا إياهم. وفيه التفات من ضمير الغيبة إلى التكلم، إذ قلبه "بآيات الله" فلو جاء على ذلك لقي: نصره. وفائدة الالتفات إسناد النصر إلى ضمير المتكلم المشعر بالعظمة.
(6/195)
---

(1/2358)


قوله: {ولقد جآءك من نبإ المرسلين} في فاعل "جاء" وجهان، أحدهما: هو مضمر، واختلفوا فيما يعود عليه هذا الضمير، فقال ابن عطية: "الصواب عندي أن يقدر: "جلاء، و بيان". وقال الرماني: "تقديره: ولقد جاءك نبأ" وقال الشيخ: "الذي يظهر لي أنه يعود على ما دل عليه المعنى من الجملة السابقة، أي: ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع الرسل للرسل والصبر والإيذاء إلى أن نصروا". وعلى هذه الأقوال يكون "من نبأ المرسلين" في محل نصب على الحال من ذلك الضمير، وعاملها هو "جاء" لأنه عامل في صاحبها. والثاني: أن "من نبأ" هو الفاعل، ذكره الفارسي، وهذا إنما يتمشى له على رأي الأخفش؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا وهذا - كما رأيت - كلام موجب، والمجرور بـ "من" معرفة. وضعف أيضا من جهة المعى بأ،ه لم يجئه كل نبأ للمرسلين لقوله: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} وزيادة "من" تؤدي إلى أنه جاءه جميع الأنباء؛ لأنه اسم جنس مضاف، والأمر بخلافه.

ولم يتعرض الزمخشري للفاعل إلا أنه قال: "ولقد جاءك من نبأ المرسلين بعض أبنائهم وقصصهم" وهذا تفسير لا تفسير إعراب، إذ "من" لا تكون فاعلة، ولا يجوز أن يكون "من نبأ" صفة لمحذوف هو الفاعل، أي: ولقد جاءك نبأ المرسلين، لأن الفاعل لا يحذف بحال إلا في مواضع ذكرت، كذا قالوا. قال أبو البقاء: "ولا يجوز عند الجميع أن تكون "من" صفة لمحذوف، لأن الفاعل لا يحذف، وحرف الجر إذا لم يكن زائدا لم يصح أن يكون فاعلا لأن حرف لاجر يعدي، وكل فعل يعمل في الفاعل من غير تعد" يعني بقوله "لم يصح أن يكون فاعلا" لم يصح أن يكون المجرور بذلك الحرف، وإلا فالحرف لا يكون فاعلا البتة.
(6/196)
---

(1/2359)


* { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }

قوله تعالى: {وإن كان كبر}: هذا شرط، جوابه الفاء الداخلة على الشرط الثاني، وجواب الثاني محذوف تقديره: فإن استطعت أن تبتغي فافعل، ثم جعل الشرط الثاني وجوابه جوابا للشرط الأول، وقد تقدم مثل ذلك في قوله: {فإما يأتينكم..... فمن تبع هداي فلا خوف} وتقدم تحرير القول فيه، إلا أن جواب الثاني هناك مظهر. و"كان" في اسمها وجهان، أحدهما: أنه "إعراضهم" و"كبر" جملة فعلية في محل نصب خبرا قدما على الاسم، وهي مسألة خلاف: هل يجوز تقديم خبر كان على اسمها إذا كان فعلا رافعا لضمير مستتر أم لا؟ وأما إذا كان خبرا لملتبدأ فلا يجوز البتة، لئلا يلتبس بباب الفاعل واللبس هنا مأمون. ووجه المنع استصحاب الأصل. و"كبر" إذا قيل: إنه خبر "كان فهل يحتاج إلى إضمار "قد" أم لا؟ والظاهر أنه لا يحتاج، لأنه كثر وقع الماضي خبرا لها من غير "قد" نظما ونثرا بعضهم يخص ذلك بـ"كان" ويمنعه في غيرها من أخواتها إلا بـ"قد" ظاهرة أو مضمةر ومن مجيء ذلك في خبر أخواتها قول النابغة:
1905- أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد
(6/197)
---

(1/2360)


والثاني: أن يكون اسمها ضمير الأمر والشأن، والجملة الفعلية مفسرة له في محل نصب على الخبر، فإعراضهم مرفوع بـ"كبر" وفي الوجه الأول بـ "كان"، ولا ضمير في "كبر" على الثاني، وفيه ضمير على الأول. ومثل ذلك في جواز هذين الوجهين قوله تعالى: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون} {وأنه كان يقول سفيهنا} ففرعون يحتمل أن يكون اسما، وأن يكون فاعلا وكذلك "سفيهنا" ومثله أيضا قول امرئ القيس.

1906- وإن تك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
فخليقة يحتمل الأمرين. وإظهار "قد" هنا يرجح قول من يشترطها، وهل يجوز في مثل هذا التركيب التنازع؟ وذلك أن كلا من "كان" وما عبدها من الأفعال المذكورة في هذه الأمثلة يطلب المرفوع من جهة المعنى، وشروط الإعمال موجودة. وكنت قديما سألت الشيخ عن ذلك فأجاب بالمنع، محتجا بأن شرط الإعمال أن لا يكون أحد المتنازعين مفتقرا إلى الآخر، وأن يكون من تمام معناه، و"كان" مفتقرة إلى خبرها وهو من تمام معناها. وهذا الذي ذكره من المنع وترجيحه ظاهر، إلا أن النحويين لم يذكروه في شرط الإعمال.
وقوله: {وإن كان كبر} مؤول بالاستقبال وهو التبين والظهور فهو كقوله: {إن كان قميصه قد من قبل} أي: إن تبين وظهر، وإلا فهذه الأفعال قد وقعت وانقضت فكيف تقع شرطا؟ وقد تقدم أن المبرد يبقي "كان" خاصة على مضيها في المعنى مع أدوات الشرط، وليس بشيء. وأما: "فإن استطعت" فهو مستقبل معنى لأنه لم يقع بخلاف كونه كبر عليه إعراضهم وقد القميص "وأن تبتغي" مفعول الاستطاعة. "ونفقا" مفعول الابتغاء.
(6/198)
---

(1/2361)


والنفق: السرب النافذ في الأرض وأصله في جحرة اليربوع ومنه النافقاء والقاصعاء، وذلك أن اليربوع يحفر [في] الأرض سربا ويجعل له بابين، وقيل: ثلاثة؛ النافقاء والقاصعاء والدابقاء، ثم يرق بالحفر ما تقارب وجه الأرض، فإذا نابه أمر دفع تلك القشرة الرقيقة وخرج، وقد تقدم لك استيفاء هذه المادة عند ذكر {ينفقون} و {المنافقين
}. وقوله {في الأرض} ظاهره أنه متعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يكون صفة لـ "نفقا" فيتعلق بمحذوف، وهي صفة لمجرد التوكيد إذ النفق لا يكون إلا في الأرض. وجوز أبو البقاء مع هذين الوجهين أن يكون حالا من فاعل "تبتغي" أي: وأنت في الأرض، قال: "وكذلك في السماء" يعني من جواز الأوجه الثلاثة، وهذا الوجه الثالث ينبغي أن لا يجوز لخلوه عن الفائدة.
والسلم: قي: المصعدن وقيل: الدرج، وقيل: السبب، تقول العرب: اتخذني سلما لحاجتك أي: سببا، قال كعب بن زهير:
1907- ولا لكما منجى من الأرض فابغيا * بها نفقا أو في السموات سلما
وهو مشتق من السلامة، قالوا: لأنه يسلم به إلى المصعد. والسلم مذكر، وحكى الفراء تأنيثه، قال بعضهم، ليس ذلك بالوضع، بل لأنه بمعنى المرقاة كما أنث بعضهم الصوت في قوله:

1908- .................... * سائل بني أسد ما هذه الصوت
لما كان في معنى الصرخة.

* { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون }
(6/199)
---

(1/2362)


قوله تعالى:{والموتى يبعثهم الله}: فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها جملة من مبتدأ وخبر سيقت للإخبار بقدرته، وأن من قدر على بعث الموتى يقدر على إحياء قلوب الكفرة بالإيمان فلا تتأسف على من كفر. والثاني: أن "الموتى" منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، ورجح هذا الوجه على الرفع بالابتداء لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها فو نظير: {والظالمين أعد لهم عذابا أليما} بعد قوله: {يدخل} والثالث: أنه مرفوع نسقا على الموصول قبله، والمراد الموتى الكفار أي: إنما يستجيب المؤمنون السامعون من أول وهلة، والكافرون الذين يجيبهم الله تعالى بالإيمان يوفقهم له، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله: {يبعثهم الله} في محل نصب على الحال، إلا أن هذا القول يبعده قوله تعالى: {لله ثم إليه يرجعون} إلا أن يكون من ترشيح المجاز. وتقدمت له نظائر.
وقرئ {يرجعون} من رجع اللازم.

* { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولاكن أكثرهم لا يعلمون }

قوله تعالى: {من ربه}: فيها وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بـ "نزل" والثاني: أنها متعلقة محذوف لأنها صفة لـ "آية" أي: آية كائنة من ربه. وتقدم الكلام على "لولا" وأنها تحضيضية.

* { وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون }

قوله تعالى: {وما من دآبة}: "من" زائدة لوجود الشرطين وهي مبتدأ، و"إلا أمم" خبروها مع ما عطف عليها. وقوله "في الأرض" صفة لدابة، فيجوز لك أن تجعلها في محل جر باعتبار اللفظ، وأن تجعلها في محصل رفع باعتبار الموضع.

(1/2363)


(6/200)
---
قوله: {ولا طائر} الجمهور على جرره نسقا على لفظ "دابة"، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه نسقا على موضعها. وقرأ ابن عباس: "ولا طير" من غير ألف. وقد تقدم الكلام فيه: هل هو جمع أو اسم جمع؟ وقوله: {يطير} في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون في محل جر باعتبار لفظه، ويحتمل أن يكون في محل رفع باعتبار موضعه. وأما على قراءة ابن أبي عبلة ففي محل رفع ليس إلا. وفي قوله "ولا طائر" ذكر خاص بعد عام، لأن الدابة تشمل كل ما دب من طائر وغيره فهو كقوله: {وملاائكته..... وجبريل} فيه نظر إذ المقابلة هنا تنفي أن تكون الدابة تشمل الطائر.

قوله: {بجناحيه} فيه قولان، أحدهما: أن الباء متعلقة بـ"يطير"وتكون الباء للاستعانة. والثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها حال وهي حال مؤكدة، وفيها رفع مجاز يتوهم؛ لأن الطيران يستعار في السرعة قال:
1909- قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانا
ويطلق الطير على العمل، قال تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
}. وقوله: {إلا أمم} خبر المبتدأ، وجمع وإن لم يتقدمه إلا شيئان، لأن المراد بها الجنس. و"أمثالكم" صفة لأمم، يعني أمثالهم في الأزراق والآجال والموت والحياة والحشر والاقتصاص لمظلومها من ظالمها. وقيل: في معرفة الله وعبادته.
(6/201)
---

(1/2364)


قوله: {من شيء} فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن "من" زائدة في المفعول به والتقدير: ما فرطنا شيئا، وتضمنه "فرطنا" معنى تركنا وأغفلنا، والمعنى: ما أغفلنا ولا تركنا شيئا. ثم اختلفوا في الكتاب: ما المراد به؟ فقيل: اللوح المحفوظ، وعلى هذا فالعموم ظاهر لأن الله تعالى أثبت ما كان وما يكون فيه. وقيل: القرآن، وعلى هذا فهل العموم باق؟ منهم من قال: نعم، وأن جميع الأشياء مثبتة في القرآن. إما بالصريح وإما بالإيماء، ومنهم من قال: إنه يراد به الخصوص، والمعنى: من شيء يحتاج إليه المكلفون. والثاني: أن "من" بتعيضية أي: ما تركنا ولا أغفلنا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المكلف. الثالث: أن "من شيء" في محل نصب على المصدر و"من" زائدة فيه أيضا. ولم يجز أبو البقاء غيره، فإن قال: "من" زائدة، و"شيء" هنا واقع موقع المصدر أي تفريطا. وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا. ونظير ذلك: {لا يضركم كيدهم شيئا}، ولا يجوز أن يكون مفعولا به لأن "فرطنا" لا يتعدى بنفسه بل بحرف الجر، وقد عديت إلى الكتاب بـ "في" فلا يتعدى بحرف آخر، ولا يصح أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على خلاف فبان التأويل بما ذكرنا" انتهى. قوله: "ويحتوي على ذكر كل شيء صريحا" لم يقل به أحد لأنه مكابرة في الضروريات. وقرأ الأعرج وعلقمة: "فرطنا" مخففا، فقيل: هما بمعنى. وعن النقاش: فرطنا: أخرنا كما قالوا: "فرط الله عنك المرض" أي: أزاله.

* { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم }
(6/202)
---

(1/2365)


قوله تعالى: {والذين كذبوا}: مبتدأ وما بعده الخبر. ويجوز أن يكون "صم" خبر مبتدأ محذوف، والجملة خبر الأول، والتقدير: والذين كذبوا بعضهم صم وبعضهم بكم، وقال أبو البقاء: "صم وبكم الخبر، مثل حلو حامض، والواو لا تمنع من ذلك". قلت: هذا الذي قاله لا يجوز من وجهين، أحدهما: أن ذلك إنما يكون إذا كان الخبران في معى خبر واحد لأنهما في معنى مز، وهو أعسر يسر بمعنى أضبط، وأما هذان الخبران فكل منهما مستقل بالفائدة. والثاني: أن الواو لا تجوز في مثل هذا إلا عند أبي علي الفارسي وهو وجه ضعيف.
قوله: {في الظلمات} فيه أوجه، أحدها: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: {والذين كذبوا} ويكون ذلك عبارة عن العمضى، ويصير نظير الآية الأخرى: {صم بكم عمي} فعبر عن العمى بلازمه، والمراد بذلك عمى البصيرة. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في لخبر تقديره: ضالون حال كونهم مستقرين في الظلمات. الثالث: أنه صفة لـ "بكم" فيتعلق أيضا بمحذوف أي بكم كائنون في الظلمات. الرابع: أن يكون ظرفا على حقيقته وهو ظرف لـ "صم" أو لـ "بكم" قال أبو البقاء: "أو لما ينوب عنهما في الفعل" أي: لأن الصفتين في قوة التصريح بالفعل.
(6/203)
---

(1/2366)


قوله: {من يشإ الله يضلله} في "من" وجهان، أحدهما: أنها مبتدأ وخبرها ما بعدها، وقد عرف غير مرة. ومفعول "يشأ" محذوف أي: من يشأ الله إضلاله. والثاني: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده من حيث المعنى، ويقدر ذلك الفعل متأخرا عن اسم لئلا يلزم خروجه عن الصدر، وقد تقدم التنبيه على ذلك وأن فيه خلافا، والتقدير: من يشق الله يشأ إضلاله ومن يسعد يشأ هدايته. فإن قلت: هل يجوز أن تكون "من" مفعولا مقدما لـ "يشأ"؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز لفساد المعنى. فإن قلت: أقدر مضافا هو المفعول حذف وأقيمت "من" مقامه تقديره: إضلال من يشاء وهداية من يشاء، ودل على هذا المضاف جواب الشرط. فالجواب أن الأخفش حكى عن العرب أن اسم الشرط غير الظرف والمضاف إلى سام الشرط لا بد أن يكون في الجزاء ضمير يعود عليه أو على ما أضيف إليه، فالضمير في "يضلله" و"يجعله" إما أن يعود على المضاف المحذوف ويكون كقوله: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه} فالهاء في "يغشاه" تعود على المضاف أي: كذي ظلمات يغشاه، وإما أن يعود على اسم الشرط، والأول ممتنع، إذ يصير التقدير: إضلال من يشأ الله يضلله أي: يضل الإضلال، وهو فاسد. والثاني: أيضا ممتنع لخلو الجواب من ضمير يعود على المضاف إلى اسم الشرط. فإن قيل: يجوز أن يكون المعنى: من يشأ الله بالإضلال وتكون "من" مقدما؛ لأن "شاء" بمعنى أراد، و"أراد" يتعدى بالباء قال:

1910- أرادت عرارا بالهوان ومن يرد * عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
(6/204)
---

(1/2367)


قيل: لا يلزم من كون "شاء" بمعنى "أراد" أن يتعدى تعديته، ولذلك نجد اللفظ الواحد تختلف تعديته باختلاف متعلقه تقول: دخلت الدار ودخلت في الأمر، ولا تقول: دخلت الأمر، فإذا كان ذلك في اللفظ الواحد فما بالك بلفظين؟ ولم يحفظ عن العرب تعدية "شاء" بالباء وإن كانت في معنى أراد.

* { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين }

قوله تعالى: {قل أرأيتكم}: يجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام "قل" وتحذف الهمزة تخفيفا وهي قراءة ورش، وهو تسهيل مطرد، وأرأيتكم هذه بمعنى أخبرني، ولها أحكام تختص بها، اضطربت أقوال الناس فيها، وانتشر خلافم فلا بد من التعرض لذلك فأقول:
"أرأيت" إن كانت البصرية أو العلمية الباقية على معناها أو التي لإصافبة الرئة كقولهم: "رأيت الطائر" أي: أصبت رئته، لم يجز فها تخفيف الهمزة التي هي عينها، بل تحقق ليس إلا، أو تسهل بين بين من غير إبدال ولا حذف، ولا يجوز أن تلحقها كاف على أنها حرف خطاب، بل إن لحقها كاف كانت ضميرا مفعولا أول ويكون مطابقا لما يراد به من تذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع، وإذا اتصل‍ت بها تاء خطاب لزم مطابقتها لما يراد بها مما ذكر، ويكون ضميرا فاعلا نحو: أرأيتم، أرأيتما أرأيتن، ويدخلها التعليق والإلغاء.
(6/205)
---

(1/2368)


وإن كانت العلمية التي ضمنت معنى "أخبرني" اختصت بأحكام أخر منها: أنه يجوز تسهيل همزتها بإبدالها ألفا، وهي مروية عن نافع من طريق ورش، والنحاة يستضعفون إبدال هذه الهمزة ألفا، بل المشهور عندهم تسهيلها بين بين، وهي الرواية المشهورة عن نافع، لكنه قد نقل الإبدال المحض قطرب وغيره من اللغويين. قال بعضهم: "هذا غلط غلط عليه" أي على نافع. وسبب ذلك أن يؤدي إلى الجمع بين ساكنين فإن الياء بعدها ساكنة. ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي جعفر ونافع وغيرهما من أهل المدينة أنهم يسقطون الهمزة، ويدعون أن الألف خلف منها. قلت: وهذه العبارة تشعر أن هذه الألف ليست بدلا عن الهمزة، بل جيء با عوضا عن الهمزة الساقطة.
وقال مكي، بن أبي طالب: "وقد روي عن ورش إبدال الهمزة ألفا، لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية، والمد لا يتمكن، إلا مع البدل، وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن أن الأول حرف مدولين، فإن هذا الذي يحدث مع السكون يقوم مقام حركة يتوصل بها إلى النطق بالساكن" وقد تقدم لك شيء من هذا عند قوله "أأنذرتهم". ومنها: أن تخذف الهمزة التي هي عين الكلمة، وبها قرأ الكسائي، وهي فاشية نظما ونثرا، فمن النظم قوله:

1911- أريت ما جاءت به أملودا * مرجلا ويلبس البرودا
أقائلن أحضروا الشهودا
وقال آخر:
1912- أريتك إذ هنا عليك الم تخف * رقيبا وحولي من عدوك حضر
وأنشد الكسائي لأبي الأسود:
1913- أريت امرأ كنت لم أبله * أتاني فقال اتخذني خليلا
(6/206)
---

(1/2369)


وزعم الفراء أن هذه اللغة لغة أكثر العرب، قال: "في أرأيت لغتان ومعنيان، أحدهما: أن يسأل الرجل: أرأيت زيدا، أي: أعلمت، فهذه مهموزة، وثانيهما: أن تقول: أرأيت بمعنى أخبرني، فههنا تترك الهمزة إن شئت وهو اكثر كلام العرب، تومئ إلى ترك الهمز للفرق بين المعنيين" انتهى.
وفي كيفية حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه، أحدها: - وهو الظاهر - أنه استثقل الجمع بين همزتين في فعل اتصل به ضمير، فخففه بإسقاط إحدى الهمزتين، وكانت الثانية أولى لأنها حصل بها الثقل، ولأن حذفها ثابت في مضارع هذا الفعل نحو أرى، ويرى، ونرى، وترى، ولأن حذف الأولى يخل بالتفاهم إذ هي للاستفهام والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفا كما فعلأ نافع في رواية ورش فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الألف، والثالث: أنه أبدلها ياء ثم سكنها ثم حذفها لالتقاء الساكنين، قال أبو البقاء، وفيه بعد، ثم قال: "وقرب ذلك فيها حذفها فيم مستقبل هذا الفعل" يعني في يرى وبابه. ورجح بعضهم مذهب الكسائي بأن الهمزة قد اجترئ عليها بالحذف، وأنشد:
1914- إن لم أقاتل فالبسوني برقعا
وأنشد لأبي الأسود:
1915- يابا المغيرة رب أمر معضل * فرجته بالمكر مني والدها
وقولهم: {ويلمه} وقوله:
1916- ويلمها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وأخلاف وتبديل
وأنشد أيضا:
1917- ومن را مثل معدان بن سعد * إذا ما النسع طال على المطية
أي: ومن رأى
(6/207)
---

(1/2370)


ومنها: أنه لا يدخلها تعليق ولا إلغاء لأنها بمعنى أخبرني، و"أخبرني" لا يعلق عند الجمهور. قال سيبويه: "وتقول: أرأيتك زيدا أو من هو؟ لا يحسن فيه إلا النصب في "زيد" ألا ترى أنك لو قلت: "أرأيت أو من انت؟" لم يحسن، لأن فيه معنى أخبرني عن زيد، وصار الاستفهام في موضع المفعول الثاني" وقد خالف سيبويه غيره من النحويين وقالوا: كثيرا ما تعلق "أرأيت" وفي القرآن من ذلك كثير، واستدلوا بهذه الآية التي نحن فيها، وبقوله: {أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم} وبقوله:

1918- أريت ما جاءت به أملودا
وهذا لا يرد على سيبويه، وسيأتي تأويل ذلك قريبا .
ومنها: أنها تلحقها التاء فيلتزم إفرادها وتذكيرها ويستغنى عن لحاق علامة الفروع بها بلحاقها بالكاف بخلاف التي لم تضمن معنى "أخبرني" فإنها تطابق فيها - كما تقدم - ما يراد بها.
ومنها: أنه يلحقها كاف هي حرف خطاب تطابق ما يراد بها من إفراد وتذكير وضديهما. وهل هذه التاء فاعل والكاف حرف خطاب تبين أحوال التاء، كما تبينه إذا كانت ضميرا، أو التاء حرف خطاب والكاف هي الفاعل، واستغير ضمير النصب في مكان ضمير الرفع، أو التاء فاعل أيضا، والكاف ضمير في مضوع المفعول الأول؟ ثلاثة مذاهب مشهورة، الأول قول البصريين، والثاني قول الفراء، والثالث قول الكسائي. ولنقتصر على بعض أدلة كل فريق.
(6/208)
---

(1/2371)


قال أبو علي: "قولهم": "أرأيتك زيدا ما فعل" بفتح التاء في جمع الأحوال، فالكاف لا يخلو أن يكون للخطاب مجردا، ومعنى الاسمية مخلوع منه، أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب، ولو كان اسما لوجب أن يكون الاسم الذي بعده هو هو، لأن هذه الأفعال مفعولها الثاني هو الأول في المعنى، لكنه ليس به، فتعين أن يكون مخلوعا منه الاسمية، وإذا ثبت أنه للخطاب معرى من الاسمية ثبت أن التاء لا تكون لمجرد الخطاب. ألا ترى أنه ينبغي أن يلحق الكلمة علامتا خطاب، كا لا يلحقها علامتا تأنيث ولا علامتا استفهام، فلما لم يجز ذلك أفردت التاء في جميع الأحوال لما كان الفعل لا بد له من فاعل، وجعل في جميع الأحوال على لفظ واحد استغناء بما يلحق الكاف، ولو لحق التاء علامة الفروع لاجتمع علامتان للخطاب مما كان يحلق التاء، ومما كان يلحق الكاف، فلما كان ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له رفض وأجري على ما عليه سائر كلامهم".
(6/209)
---

(1/2372)


وقال الزجاج عبد حكايته مذهب الفراء: "وهذا القول لم يقبله النحويون القدماء وهو خطأ؛ لأن قولك: "أرأيتك زيدا ما شأنه" لو تعدت الرؤية إلى الكاف وإلى زيد لصار المعنى: أرأت نفسك زيدا ما شأنه، وهذا محال" ثم ذكر مذهب البصريين. وقال مكي بن أبي طالب بعد حكايته مذهب الفراء: "وهذا محال؛ لأن التاء هي الكاف في أرأيتكم، فكان يجب أن تظهر علامة جمع التاء، وكان يجب أن يكون فاعلا لفعل واحد وهما لشيء واحد، ويجب أن يكون معنى قولك أرأيتك زيدا ما صنع: أرأيت نفسك زيدا ما صنع، لأن الكاف هو المخاطب، وهذا محال في المعنى ومتناقض في الإعراب والمعنى، لأنك تستفهم عن نفسه في صدر السؤال، ثم ترد السؤال إلى غيره في آخره وتخاطبه أولا، ثم تأتي بغائب آخر، أو لأنه يصير ثلاثة مفعولين لرأيت، وهذا كله لا يجوز، ولو قلت: "أرأيتك عالما بزيد" لكان كلاما صحيحا وقد تعدى "رأى" إلى مفعولين".
(6/210)
---

(1/2373)


وقال ابو البقاء بعدما حكى مذهب البصرين: "والدليل على ذلك أنها - أي الكاف - لو كانت اسما لكانت: إما مجرورة - وهو باطل، إذ لا جار هنا - وإما مرفوعة، وهو باطل أيضا لأمرين، أحدهما: أن الكاف ليست من ضمائر الرفع، والثاني: أنها لا رافع لها، إذ ليست فاعلا لأن التاء فاعل، ولا يكون لفعل واحد فاعلان، وإما أن تكون منصوبة وذلك باطل لثلاثة أوجه، أحدها: أن هذا الفعل يتعدى إلى مفعلين كقولك: "أرأيت زيدا ما فعل" فلو جعلت الكاف مفعولا لكان ثالثا. والثاني: أنه لو كان مفعوللا لكان هو الفاعل في المعنى، وليس المعنى على ذلك، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك، بل أرأيت غيرك. ولذلك قلت: أرأيت زيدا، وزيدا غير المخاطب ولا هو بدل منه. والثالث: أنه لو كان منصوبا على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء فكنت تقول: أرأيتماكما، أرأيتموكم، أرأيتكن" ثم ذكر مذهب الفراء ثم قال: "وفيما ذكرنا إبطال لمذهبه".
وقد انتصر أبو بكر بن الأنباري لمذهب الفراء بأن قال: "لو كانت الكاف توكيدا لوقعت التثنية والجمع بالتاء، كما يقعان بها عند عدم الكاف، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ووقع ميسم الجمع لغيرها كان ذلك دليلا على أن الكاف غير توكيد. ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: أرأيت، فوضح بهذا انصراف الفعل إلى الكاف وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها". وهذا الذي قاله أبو بكر باطل بالكاف اللاحقة لاسم الإشارةن فإنها يقع عليها ميسم الجمع، ومع ذلك هي حرف.
(6/211)
---

(1/2374)


وقال الفراء: "موضع الكاف نصب، وتأويلها رفع؛ لأن الفعل يتحول عن التاء إليها، وهي بمنزلة الكاف في "دونك" إذا أغري بها، كما تقول: "دونك زيدا" فتجد الكاف في اللفظ خفضا وفي المعنى رفعا، لأنها مأمورة، فكذلك هذه الكاف موضعها نصب وتأويلها رفع". قلت: وهذه الشبهة باطلة مما تقدم، والخلاف في "دونك" وإليكط وبابهما مشهور تقدم التنبيه عليه غير مرة.
وقال الفراء أيضا كلاما حسنا رأيت أن أذكره فإنه مبين نافع، قال: "للعرب في "أرأيت" لغتان ومعنيان، أحدهما رؤية العين، فإذا أردت هذا عديت الرؤية بالضمير إلى المخطاب ويتصرف سائر الأفعال، تقول للرجل: "أرأيتك على غير هذه الحال" تريد: هل رأيت نفسك، ثم تثني وتجمع فتقول: أرأيتماكما، أرأيتموكم، أرأيتكن، والمعنى الآخر: أن تقول "أرأيتك" وأنت تريد معنى أخبرني، كقولك: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل أي: أخبرني، وتترك التاء - إذا أردت هذا المعنى - موحدة على كل حال يقول: أرأيتكما، أرأيتكم، أرأيتكن، وإنما تركت العرب التاء واحدة؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعا من المخاطب على نفسه فاكتفوا من علامة المخاطب بذكره في المكان، وتركوا التاء على التذكير والتوحيد إذا لم يكن الفعل واقعا"؟

قال: والرؤية من الأفعال الناقصة التي يعديها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل: ظنتني وأريتني، ولا يقولون ذلك في الأفعال التامة، لا يقولون للرجل: قتلتك بمعنى: قتلت نفسك، ولا أحسنت إليك، كما يقولون: متى تظنك خارجا؟ وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يلغى وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: "أنا أظن خارج" فتلغي "أظن" وقال الله تعالى: {أن رآه استغنى} ولم يقل: رأى نفسه. وقد جاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص:
قال جران العود:
(6/212)
---

(1/2375)


1919- لقد كان لي عن ضرتين عدمتني * وعما ألاقي منهما متزحزح
والعرب تقول: عدمتني ووجدتني وفقدتني وليس بوجه الكلام" انتهى.
واعلم أن الناس اختلفوا في الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب بأرأيتك نحو: أرأيتك زيدا ما صنع؟ فالجمهور على أن "زيدا" مفعول أول، والجملة بعده في محصل نصب سادة مسد المفعول الثاني. وقد تقدم أنه لا يجوز التعليق فيه هذه وإن جاز في غيرها من أخواتها نحو: علمت زيدا أبو من هو؟ وقال ابن كيسان: "إن الجملة الاستفهامية في رأيتك زيدا ما صنع بدل من أرأيتك" وقال الأخفش: "إن لا بد بعد "أرأيت" التي بمعنى أخبرني من الاسم المستخبر عنه، ويلزم الجملة التي بعده الاستفهام لأن "أخبرني" موافق لمعنى الاستفهام" وزعم أيضا أنها تخرج عن بابها فتكون بمعنى "أما" أو "تنبه"، وحينئذ لا يكون لها مفعولان ولا معفول واحد، وجعل من ذلك: {أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت}. وهذا ينبغي أن لا يجوز لأنه إخراج للفظة عن موضوعها من غير داع إلى ذلك.
إذا تقرر هذا فليرجع إلى الآية الكريمة فنقول وبالله التوفيق: اختلف الناس في هذه الآية على ثلاثة أقوال، أحدها: أن المفعول الأول والجملة الاستفهامية لاتي سدت مسد الثاني محذوفان لفهم المعنى، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم" أو اتخاذكم غير الله إلها هل يكشف ضركم؟ ونحو ذلك: فعبادتكم أو اتخاذكم مفعول أول، والجملة الاستفهامية سادة مسدة مسد الثاني: والتاء هي الفاعل، والكاف حرف خطاب.
(6/213)
---

(1/2376)


الثاني: أن الشرط وجوابه - سيأتي بيانه - قد سدا مسد المعفولين لأنهما قد حصلا المعنى المقصود، فلم يحتج هذا الفعل إلى مفعول، وليس بشيء؛ لأن الشرط وجوابه لم يعهد فيهما أن يسدا مسد مفعوليس ظن، وكون الفعل غير محتاج لمفعول إخراج له عن وضعه، فإن عنى بقوله: "سدا مسده" أنهما دالان عليه فهو المدعى.

والثالث: أن المفعول الأول محذوف، والمسألة من باب التنازع بين أرأيتكم وأتاكم، والمتنازع فيه هو لفظ "العذاب". وهذا اختيار الشيخ، ولنورد كلامه ليظهر فإنه كلام حسن قال: "فنقول: الذي نختاره: أنها باقية على حكمها في التعدي إلى اثنين، فالأول منصوب والثاني لم نجده بالإستقراء إلا جلمة استفهامية أو قسمية. فإذا تقرر هذا فنقول: المفعول الأول في هذه الآية محذوف، والمسألة من باب التنازع، تنازع "أرأيتكم" والشرط على "عذاب الله"، فأعمل الثاني وهو "أتكاكم" فارتفع "عذاب" به، ولو أعمل الأول لكان التركيب: "عذاب" بالنصب، ونظير ذلك: "اضرب إن جاءك زيد" على إعمال "جاءك" ولو نصب لجاز، وكان من إعمال الأول. وأما المفعول الثاني فهو الجملة من الاستفهام: "أغير الله تدعون" والرابط لهذه الجملة بالمفعول الأول المحذوف محذوف تقديره: أغير الله تدعنن لكشفه، والمعنى: قل أرأيتكم عذاب الله إن أتاكم - أو الساعة إن أتتكم - أغير الله تدعون لكشفه أو لكشف نوازلها" انتها. والتقدير الإعرابي الذي ذكره يحتاج إلى بعض إيضاح، وتقديره: قل أرأيتكموه أو أرأيتكم إياه إن أتاكم عذاب الله، فلذلك الضمير هو ضمير العذاب لما عمل الثاني في ظاهره أعطي الملغى ضميره، وإذا أضمر في الأول حذف ما لم يكن مرفوعا أو خبرا في الأصل، وهذا الضمير ليس مرفوعا ولا خبرا في الأصل، فلأجل ذلك حذف ولا يثبت إلا ضرورة.
(6/214)
---

(1/2377)


وأما جواب الشرط ففيه خمسة أوجه، أنه محذوف، فقدره الزمخشري: "إن أتاكم عذاب الله من تدعون" قال الشيخ: "وإصلاحه أن يقول: "فمن تدعون" بالفاء، لأن جواب الشرط إذا وقع جملة استهامية فلا بتد فيه من الفاء. الثاني: أنه "أرأيتكم"، قاله الحوفي، وهو فاسد لوجهين، أحدهما: أن جواب الشرط لا يتقدم عند جمهور البصريين، إنما جوزه الكوفيون وأبو زيد والمبرد والثاني: أن الجملة المصدرة بالهمزة لا تقع جوابا للشرط البتة، إنما يقع من الاستفهام ما كان بـ"هل" أو اسم من أسماء الاستفهام، وإنما لم تقع الجملة المصدر بالهمزة جوبا لأنه لا يلخو: أن تأتي معها بالفاء أو لا تأتي بها، لا جائز أن لا تأتي بها؛ لأن كل ما لا يصلح شرطا يجب اقترانه بالفاء إذا وقع جوابا، ولا جائز أن تأتي بها لأنك: إما أن تأتي بها قبل الهمزة نحو: إن قمت فأزيد منطلق"، أو بعدها نحو: "أفزيد منطلق"، وكلاهما ممتنع، أما الأول فلتصدر الفاء على الهمزة، وأما الثاني فلأنه يؤدي إلى عدم الجواب بالفاء في موضع كان يجب فيه الإتيان بها، وهذا بخلاف "هل" فإنك تأتي بالفاء قبلها فتقول: إن قمت فهل زيد قائم، لأنه ليس لها تام التصدير الذي تستحقه الهمزة، ولذلك تصدرت على بعض حروف العطف وقد تقدم مشروحا غير مرة.
(6/215)
---

(1/2378)


الثالث: أنه "أغير الله" وهو ظاهر عبارة الزمخشري فإنه قال: "ويجوز أن يتعلق الشرط بقوله: {أغير الله تدعون} كأنه قيل: أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله" قال الشيخ: "ولا يجوز أن يتعل الشرط بقوله: "أغير الله"؛ لأنه لو تعلق به لكان جوابا له، لكنه لا يقع جوابا؛ لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما بالحرف لا يقع إلا بـ"هل" وذكر ما قدمته إلى آخره، وعزاه الأخفش عن العرب ثم قال: "ولا يجوز أيضا من وجه آخر، لأنا قد قررنا أن "أرأيتك" متعدية إلى اثنين، أحدهما في هذه الاية محذوف، وأنه من باب التنازع،والآخر وقعت الجملة الاستفهامية موقعة، فلو جعلتها جواب الشرط لبقيت "أرأيتكم" متعدية إلى واحد وذلك لا يجوز" قلت: وهذا لا يلزم الزمخشري فإنه لا يرتضى ما قاله من الإعراب المشار إليه. قوله "يلزم تعديها لواحد" قلنا: لا نسلم بل يتعدى لاثنين محذوفين ثانيهما جملة استفهام، كما قدره غيره: بأرأيتكم عبادتكم هل تنفعكم، ثم قال: "وأيضا التزام العرب في الشرط الجائي بعد "أرأيت" مضي الفعل دليل على أن جواب الشرط محذوف، لأنه لا يحذف جواب الشرط إلا عند مضي فعله، قال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} {قل أرأيتم إن أخذ الله} {قل أرأيتم إن جعل الله} {قل أرأيتم إن جعل الله} {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه} {أفرأيت إن متعناهم سنين} {أرأيت إن كذب وتولى} إلى غير ذلك من الآيات. وقال الشاعر:
1920- أريت إن جاءت به أملودا
وأيضا مجيء الجملة الاستفهامية مصدرة بهمزة الاستفهام دليل على أنها ليست جواب الشرط، إذ لا يصح وقوعها جوابا للشرط". انتهى.
(6/216)
---

(1/2379)


ولما جوز الزمشخري أن الشرط متعلق بقوله: {أغير الله} سأل سؤالا وأجاب عنه، قال:"فإن قلت: إن علقت الشرط به فما تصنع بقوله: "فيكشف ما تدعون إليه" مع قوله: {أو أتتكم الساعة} وقوارع الساعة لا تكشف عن المشركين؟ قلت: قد اشترط في الشكف المشيئة وهو قوله "إن شاء" إيذانا بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة، إلا أنه لا يفعل لوجه آخر من الحكمة أرجح مه" قال الشيخ: "وهذا مبني على أن الشرط متعلق بـ "أغير الله". وقد استدللنا على أنه لا يجوز" قلت: ترك الشيخ التبنيه على ماهو أهم من ذلك وهو قوله: "إلا أنه لا يفعل لوجه آخر من الحكمة أرجح منه" وهذا أصل فاسد من أصول المعتزلة يزعمون أن أفعاله تعالى تابعة لمصالح وحكم يترجح مع بعضها الفعل ومع بعضها الترك، ومع بعضها يجب الفعل أو الترك، تعالى الله عن ذلك بل أفعلاه لا تعلل بغرض من الأغراض، لا يسأل عما يفعل، وموضوع هذه المسألة غير هذا الموضوع، ولكني نبهتك علهيا إجمالا.

الرابع: أن جواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة دعوتم، ودل عليه قوله: {أغير الله تدعون} الخامس: أن محذوف أيضا، ولكنه مقدر من جنس ما تقدم في المعنى، تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فأخبروني عنه أتدعون غير الله لكشفه كما تقول: "أخبرني عن زيد إن جاءك ما تصنع به" أي: إن جاءك فأخبرني عنه، فحذف الجواب لدلالة "أخبرني" عليه، ونظيره: أنت ظالم إن فعلت، أي: فأنت ظالم، فحذف "فأنت ظالم" لدلالة ما تقدم عليه. وهذا ما اختاره الشيخ. قال: "وهو جار على قواعد العربية" وادعى أنه لم يره لغيره.
(6/217)
---

(1/2380)


قوله: {أغير الله تدعون} "غير" مفعول مقدم لـ "تدعون" وتقديمه: إما للاختصاص كما قال الزمشخري: "بكتهم بقوله: أغير الله تدعون، بمعنى، أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أم تدعون الله دونها، وإما للإنكار عليهم في دعائهم للأصنام؛ لأن المنكر إنما هو دعاء الأصنام لا نفس الدعاء، ألا ترى أنك إذا قلت "أزيدا تضرب" إنما تنكر كون "زيد" محلا للضرب ولا تنكر نفس الضرب، وهذا من قاعدة بيانية قدمت التنبيه عليها عند قوله تعالى: {أأنت قلت للناس اتخذوني
}. قوله: {إن كنتم صادقين} جوابه محذوف لدلالة الكلام عليه وكذلك معمول "صادقين" والتقدير: إن كنتم صادقين في دعواكم أن غير الله إله فهل تدعونه لكشف ما يحل بكم من العذاب؟

* { بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما تشركون }

قوله تعالى: {بل إياه تدعون}: "بل" حرف إضراب وانتقال لا إبطال، لما عرفت غير مرة من أنها في كلام الله كذلك. و"إياه" مفعول مقدم للاختصاص عند الزمخشري، ولذلك قال: "بل تخصونه بالدعاء، وعند غيره للاعتناء، وإن كان ثم حصر واختصاص فمن قرينة أخرى. "وإياه" ضمير منصوب منفصل تقدضم الكلام عليه مشبعا في الفاتحة وقال ابن عطية: "هنا "إيا" اسم مضم أجري مجرى المظهران في أنه مضاف أبدا" قال الشيخ: "وهذا خلاف مذهب سيبويه، فإن مذهب سيبويه أن ما بعد "إيا" حرف يبين أحوال الضمير، وليس مضافا لما بعده، لئلا يلزم تعريف الإضافة، وذلك يستدعي تنكيره، والضمائر لا تقبل التنكير فلا تقبل الإضافة.
(6/218)
---

(1/2381)


قوله: {ما تدعون} يجوز في "ما" أربعة أوجه، أظهرها: أنها موصلة بمعنى الذي أي: فتكشف الذي تدعون، والعائد محذوف لاستكمال الشروط أي: تدعونه. الثاني: أنها ظرفية، قال ابن عطية. وعلى هذا فيكون مفعول "يشكف" محذوفا تقديره: فيكشف العذاب مدة دعائكم أي: ما دمتم داعيه.
قال الشيخ: "وهذا ما الا حاجة إليه مع أن فيه وصلها بمضارع، وهو قليل جدا تقول: "لا أكلمك ما طلعت الشمس" ويضعف: ما تطلع الشمس" قلت: قوله بمضارع" كان ينبغي أن يقول مثبت؛ لأنه متى كان منفيا بـ "لم" كثر وصلها به نحون قوله:
1921- ولن يلبث الجهال أن يتهضوا * أخا الحلم ما لم يستعن بجهول
ومن وصلها بمضارع مثبت قوله:
1922- أطوف ما أطوفث ثم آوي * إلى أما ويرويني النقيع
وقول الآخر:
1923- أطوف ما أطوف ثم أوي * إلى بيت قعيدته لكاع
فـ "أطوف" صلة لـ "ما" الظرفية.
الثالث: أنها نكرة موصوفة ذكره أبو البقاء، والعائد أيضا محذوف أي: فيكشف شيئا تدعونه أي: تدعون كشفه، والحذف من الصفة أقل منه من الصلة. الرابع: أنها مصدرية، قال ابن عطية: "ويصح أن تكون مصدرية على حذف في الكلام" قال الزجاج: "وهو مثل: {وسئل القرية} قلت: والتقدير: فيكشف سبب دعائكم وموجبه قال الشيخ "وهذه دعوى محذوف غير معين وهو خلاف الظاهر" وقال أبو البقاء: "وليست مصدريةإلا أن تجعلها مصدرا بمعنى المفعول" يعني يصير تقديره: فيكشف مدعوكم أي: الذي تدعون لأجله، وهو الضر ونحوه.
قوله: {إليه} فيما يتعلق به وجهان، أحدهما: أن يتعلق بـ "تدعون"، والضمير حينئذ بالنسبة إلى متعلق الدعاء يتعدى بـ "إلى" أو اللام. قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله} {وإذا دعواا إلى الله} وقال:
(6/219)
---

(1/2382)


1924- وإن أدع للجلى أكن من حماتها *........................
وقال:
1925- وإن دعوت إلى جلى ومكرمة * يوما سراة كرام الناس فادعينا
وقال:
1926- دعوت لما نابني مسورا * فلب‍ي فلبي يدي مسور
والثاني: أن يتلعق بـ "يكشف" قال أبو البقاء: "أي: يرفعه إليه" انتهى. والضمير على هذا عائد على الله تعالى، وذكر ابو البقاء وجهي التعلق ولم يتعرض للضمير وقد عرفته. وقال ابن عطية: "والضمير في "إليه" يحتمل أن يعود إلى الله تقدير: فيكشف ما تدعون فيه إليه" قال الشيخ: "وهذا ليس بجيد؛ لأن "دعا" يتعدى لمفعول به دون حرف جر: {ادعونيا أستجب لكم} {إذا دعان} ومن كلام العرب: "دعوت الله سميعا" قلت: ومثله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا} {ادعوا ربكم تضرعا} قال: ولا تقول بهذا المعنى: "دعوت إلى الله" بمعنى: دعوت الله، إلا أنه يمكن أن يصحح كلامه بمعنى التضمين، ضمن "تدعون" معنى "تلجؤون فيه إلى الله" إلا أن التضمين ليس بقياس، لا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة تدعو إليه هنا".

قلت: ليس التضمين مقصورا على الضرورة، وهو في القرآن أكثر من أن يحصر، تقدم لك منه جملة صالحة، وسيأتي لك إن شاء الله مثلها، على أنه قد يقال تجويز أبي محمد عود الضمير إلى الله تعالى محمول على أن "إليه" متعلق بيكشف، كما تقدم نقله عن أبي البقاء وأن معناه "يرفعه" فلا يلزم المحذور المذكور، لولا أنه يعكر عليه تقديره بقوله "تدعون فيه إليه" فتقديره "فيه" ظاهره أنه يزعم تعلقه بـ "تدعون".
(6/220)
---

(1/2383)


قوله: {إن شآء} جوابه محذوف لفهم المعنى، ودلالة ما قبله عليه، أي: إن شاء أن يكشف كشف، وادعاء تقديم جواب الشرط هنا واضح لاقترانه بالفاء، فهو أحسن من قوله: "أنت ظالم إن فعلت" لكن يمنع من كونها جوابا هنا أنها سببية مرتبة أي: أنها أفادت ترتب الكشف على الدعاء، وأن الدعاء سبب فيه، على أن لنا خلافا في فاء الجزاء: هل تفي السببية أولا؟
قوله: {وتنسون ما تشركون} الظاهر في "ما" أن تكون موصولة اسمية، والمراد بها ما عبد من دون الله مطلقا: العقلاء وغيرهم، إلا أنه غلب غير العقلاء عليهم كقوله: {ولله يسجد ما في السماوات} والعائد محذوف أي ما تشركونه مع الله في العبادة. وقال الفارسي:"الأصل: وتنسون دعاء ما تشركون، فحذف المضاف" ويجوز أن تكون مصدرية، وحينئذ لا تحتاج إلى عائد عند الجمهور. ثم هل هذا المصدر باق على حقيقته؟ أي: تنسون الإشراك نفسه لما يلحقكم من الدهشة والحيرة، أو هو واقع موقع المعفول به، أي: وتنسون المشرك به وهي الأصنام وغيرها، وعلى هذا فمعناه كالأول وحينئذ يحتمل السياق أن يكون على بابه من الغفلة، وأن يكون بمعنى الترك، وإن كانوا ذاكرين لها أي للأصنام وغيرها.

* { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون }

وقوله تعالى: {ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم}: في الكلام حذف تقديره: أرسلنا رسلا إلى أمم فكذبوا فأخذناهم، وهذا الحذف ظاهر جدا، و"من قبلك" متعلق بأرسلنا، وفي جعله صفة لأمم كلام تقدم غير مرة، وتقدم تفسير البأساء والضراء، ولم يلفظ لهما بمذكر على أفعل.
(6/221)
---

(1/2384)


* { فلولاا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولاكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون }

قوله تعالى: {فلولاا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا}: "إذ" منصوب بـ "تضرعوا" فصل به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، وهو جائز حتى في المفعول به، تقول: "لولا زيدا ضربت" وتقدم أن حرف التحضيض مع الماضي يكون معناه التوبيخ.
والتضرع: تفعل من الض‍‍راعة، هي الذلة والهيئة المسببة عن الانقياد إلى الطاعة يقال: ضرع يضرع ض{اعة فهو ضارع وضرع قال:
1927- ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح
وللسهولة والتذلل المهفهومة من هذه المادة اشتقوا منها للثدي اسما فقالو له "ضرعا"
قوله: {ولاكن قست قلوبهم} "لكن" هنا واقعة بين ضدين، وهما اللين والقسوة؛ وذلك أن قوله "تضرعوا" مشعر بالين والسهولة، وكذلك إذا جعلت الضراعة عبارة عن الإيمان، والقسوة عبارة عن الكفر، وعبرت عن السبب بالمسبب وعن المسبب بالسبب، ألا ترى أنك تقول: "آمن قلبه فتضرع، وقسا قلبه فكفر" وهذا أحسن من قول أبي البقاء: "ولكن" استدراك على المعنى، أي ما تضرعوا ولكن" يعني أن التحضيض في معنى النفي، وقد يترجح هذا بما قاله الزمشخري فإنه قال: "معناه نفي التضرع كأنه قيل: لم يتضروعا إذ جاءهم بأسنا، ولكنه جاء بـ "لولا" ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم".
(6/222)
---

(1/2385)


وقوله: {وزين لهم} هذه الجملة تحتلمل وجهين، أحدهما: أن تكون استنافية، أخبر تعالى عنهم بذلك. "والثاني: وهو الظاهر -: أنها داخلة في حيز الاستدارك فهي نسق على قوله: {قست قلوبهم} وهذا رأي الزمخشري فإنه قال: "لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم" وقد تقدم ذلك. و"ما" في قوله: {ما كانوا} يحتمل أن تكون موصولة اسمية أي: الذي كانوا يعملونه وأن تكون مصدرية، أي: زين لهم عملهم، كقوله: {زينا لهم أعمالهم} ويبعد جعلها نكرة موصوفة.

* { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتواا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون }

قوله تعالى: {فتحنا}: قرأ الجمهور "فتحنا" مخففا، وابن عامر "فتحنا" مثقلا، والتثقيل مؤذن بالتكثير؛ لأن بعده "أبواب" فناسب التكثير، والتخفيف هو الأصل. وقرأ ابن عامر أيضا في الأعراف: {لفتحنا} وفي القمر: {ففتحنآ أبواب} بالتشديد أيضا، وشدد أيضا {فتحت يأجوج} والخلاف أيضا في {فتحت أبوابها} في الزمر في الموضعين، {وفتحت السمآء} في النبأ، فإن الجماعة وافقوا بان عامر على تشديدها، ولم يقرأها بالتخفيف إلا الكوفيون، فقد جرى ابن عامر على نمط واحد في هذا الفعل، والباقون شددوا في المواضع الثلاثة المشار إليها، وخففوا في الباقي جمعا بين اللغتين.

قوله: {فإذا هم مبلسون} "إذا" هي الفجائية وفيها ثلاثة مذاهب مذهب سيبويه أنها ظرف مكان، ومذهب جماعة منهم والرياشي أنها ظرف زمان، ومذهب الكوفيين أنها حرف. فعلى تقدير كونها ظرفا مكانا أو زمانا الناصب لها خبر المبتدأ، أي أبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها.
(6/223)
---

(1/2386)


والإبلاس: الإطراق، وقيل: هو الحزن المعترض من شدة البأس، ومنه اشتق "إبليس" وقد تقدم في موضعه وأنه هل هو أعجمي أم لا؟
قوله: {فقطع دابر} الجمهور على "فقطع" مبنيا للمفعول. "دابر" مرفوع به. وقرأ عكرمة: "قطع" مبنيا للفاعل وهو الله تعالى، "دابر" مفعول به، وفيه التفات، إذ هو خروج من تكلم في قوله: "أخذناهم" إلى غيبة. والدابر: التابع من خلف، يقال: دبر الولد والده، ودبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا. وقيل: الدابر: الأصل، يقال: قطع الله دابره أي: أصله، قال الأصمعي. وقال أبو عبيد: "دابر القوم آخرهم"، وأنشدوا لأمية بن ابي الصلت:
1928- فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم * فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا
ومنه: دبر السهم الهدف أي: سقط خلفه.

* { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إلاه غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون }

قوله تعالى: {أرأيتم إن أخذ الله}: المفعول الأول محذوف تقديره: أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذها الله، والجملة الاستفهامية في موضع الثاني، وقد تقدم أن الشيخ يجعله من التنازع، وجواب الشرط محذوف على نحو ما مر. وقال الحوفي: "وحرف الشرط وما اتصل به في موضع نصب على الحال، والعالم في الحال "أرأيتم" كقولك: "اضربه إن خرج" أي خارجا، وجواب الشرط ما تقدم مما دخلت عليه همزة الاستفهام" وهذا إعراب لا يظهر. ولم يؤت هنا بكاف الخطاب وأتي به هناك؛ لأن التهديد هناك أعظم فناسب التأكيد بالإتيان بكاف الخطاب، ولما لم يؤت بالكاف وجب بروز علامة الجمع في التاء يلتبس، ولو جيء معها بالكاف لا ستغني بها كما تقدم، وتوحيد السمع وجمع الأبصار مفهوم مما تقدم في البقرة.

(1/2387)


(6/224)
---
قوله: {من إلاه} مبتدأ وخبر، و"من" استفهامية، "وغير الله" صفة بـ "إله" و"يأتيكم" صفة ثانية، والهاء في "به" على سمعكم. وقيل: تعود على الجمع. ووحد ذهابا به مذهب اسم الإشارة وقيل: تعود على الهدي المدلول عليه بالمعنى. وقيل: يعود على المأخوذ والمختوم المدلول عليهما بالأخذ والختم. والاستفهام هنا للإنكار.

قوله: {انظر كيف نصرف} "كيف" معمولة لنصرف، ونصبها: إما على التشبيه بالحال أو التشبيه بالظرف، وهي معلقة لـ "انظر" فهي في محل نصب بإسقاط حرف الجر، وهذا كله ظاهر مما تقدم. "ويصدفون" معناه يعرضون، يقال: صدف عن الشيء صدفا وصدوفا وصدافية قال عدي بن الرقاع:
1929- إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه * وهن عن كل سوء يتقى صدف
"صدف" جمع صدوف كـ صبر في جمع صبور، وقيل: معنى صدف: مال، مأخوذ من الصدف في البعير وهو أن يميل خفه من اليد إلى الرجل من الجانب الوحشي. والصدف جمع صدفة وهي المحارة التي تكون فيها الدرة قال:
1930- وزادها عجبا أن رحت في سبل * وما درت دوران الدر في الصدف
والصدف والصدف بفتح الصاد والدال وضمهما، وضم الصاد وسكون الدال ناحية الجبل المترتفع، وسيأتي لهذا مزيد بيان.
والجمهور: "به انظر" بكسر الهاء على الاصل، وروى المسيبي عن نافع: "به انظر" بضمها نظرا إلى الأصل: وقرأ الجمهور أيضا: {نصرف} مضعفا، وقرئ شاذا: "نصرف" بكسر الراء من صرف ثلاثيا.
(6/225)
---

(1/2388)


قوله: {هل يهلك} هذا استفهام بمعنى النفي؛ ولذلك دخلت "إلا"، وهو استنثناء مفرغ، والتقدير: ما يهلك إلا القوم الظالمون. وهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لـ "أرأيتكم" والأول محذوف، وهذا من التنازع على رأي الشيخ كما تقدم تقريره. وقال أبو البقاء:"الاستفهام ههنا بمعنى التقرير، فلذلك ناب عن جواب الشرط أي: إن أتاكم هلكتم، والظاهر ما قدمته، ويجيء هنا قول الحوفي المتقدم في الآية قبلها من كون الشرط حالا. وقرأ ابن محيصن: {هل يهلك} مبنيا للفاعل. وتقدم الكلام أيضا على "بغتة" اشتقاقا وإعرابا".

* { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }

قوله تعالى: {إلا مبشرين ومنذرين}: حال من "المرسلين" وفي هذه الحال معنى الغلبة أي: لم نرسلءهم لأن تقترح عليهم الآيات، بل لأن يبشروا وينذروا. وقرأ إبراهيم ويحيى: "مبشرين" بالتخفيف وقد تقدم أن "أبشر" لغة في "بشر".
قوله: {فمن آمن} يجوز في "من" أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، وعلى كلا التقديرين فمحلها رفع بالابتداء والخبر: "فلا خوف": فإن كانت شريطة فالفاء جواب الشرط، وإن كانت موصولة فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون محل الجملتين الجزم، وعلى الثاني لا محل للأولى، ومحل الثانية الرفع، وحمل على اللفظ فأفرد في "آمن" و"اصلح"، وعلى المعنى فجمع في {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ويقوي كونها موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله: {والذين كذبوا}.

* { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون }
(6/226)
---

(1/2389)


وقرأ علقمة: {نمسهم}: بنون مضمومة من "أمسه كذا" "العذاب" نصبا، والأعمش ويحيى بن وثاب: "يفسقون" بكسر السين، وقد تقدم أنها لغة. و"ما" مصدرية على الأظهر، أي: بفسقهم.

* { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولاا أعلم الغيب ولاا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون }

قوله: {ولاا أعلم الغيب} في محل هذه الجملة وجهان، أحدهما: النصب عطفا على قوله "عندي خزائن الله" لأنه من جملة المقول، كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول، قاله الزمشخري، وفيه نظر من حيث إنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير: ولا أقول لكم لا أعلم الغيب، وليس بصحيح. والثاني: أنه معطوف على "لا أقول" لا معمول له، فهو أمر أن يخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو "قل"، وهذا تخريج الشيخ، قال بعد أن حكى قول الزمخشري: "ولا يتعين ما قاله، بل الظاهر أنه معطوف على "ألا أقول" إلى آخره".

* { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين }
(6/227)
---

(1/2390)


قوله: {بالغداة}: قرأ الجمهور: "بالغداوة" هنا وفي الكهف وابن عامر: {بالغدوة} بضم الغين وسكون الدال وفتح الواو في الموضعين، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري ومالك بن دينار وأبو رجاء العطاردي ونصر بن عاصم الليثي. والأشهر في "الغدوة" أنها معرفة بالعلمية، وهي علمية الجنس كأسامة في الأشخاص ولذلك منعت من الصرف قال الفراء: "سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيت كغدوة الألف ولالام، إنما يقولون: جئتك غداة الخميس" وقال الفراء في كتاب "المعاني" في سورة الكهف: "قرأ عبد الرحمن السلمي: {بالغدوة والعشي} ولا أعلم أحدا قرأ بها غيره، والعرب لا تدخل الألف واللام في "الغدوة" لأنها معرفة بغير ألف ولام" فذكره إلى آخره.
(6/228)
---

(1/2391)


وقد طعن أبو عبيد القاسم بن سلام على هذه القراءة فقال: "إنما نرى ابن عامر والسلمي قرآ تلك القراءة إتباعا للخط، وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها، لأنهم كتبوا الصلاة والزكاة بالواو ولظهما على تركها، وكذلك الغداة، على هذا وجدنا العرب". وقال الفارسي: "الوجه قراءة العامة بالغداة، لأنها تستعمل نكرة ومعرفة بالام، فأما "غدوة" فمعرفة وهو علم وضع للتعريف، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف واللام للتعريف، كما لا تدخل على سائر الأعلام، وإن كانت قد كتبت بالواو لأنها لا تدل على ذلك. ألا ترى الصلاة والزكاة بالواو ولا تقرآن بها، فكذلك الغداة. قال سيبويه: "غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسما للحين، كما جعلوا "أم حبين" اسما لدابة معروفة". إلا أن هذا الطعن لا يلتفت إليه، وكيف يظن بمن تقدم أنهم يلحنون، والحسن البصري ممن يستشهد بكلامه فضلا عن قراءته، نصر بن عاصم شيخ النحاة أخذ هذا العلم عن أبي الأسود ينبوع الصناعة، وابن عامر لا يعرف اللحن لأنه عربي، وقرأ على عثمان بن عفان وغيره من الصحابة، ولكن أبا عبيد - رحمه الله - لم يعرف أن تنكير "غدو" لغة ثانية عن العرب حكاها سيبويه والخليل.

قال سيبويه: "زعم الخيل أنه يجوز أن تقول: "أتيتك اليوم غدوة وبكرة" فجعلها مثل ضحوة، قال المهدوي: "حكى سيبويه والخليل أن بعضهم ينكر فيقول "غدوة" بالتنوين، وبذلك قرأه ابن عامر، كأنه جعله نكرة، فأدخل عليها الألف واللام" وقال أبو الفارسي: "وجه دخول الألف واللام عليها أنه يجوز وإن كانت معرفة أن تنكر، كما حكى أبو زيد "لقيته فينة" غير مصروفة "والفينة بعد الفينة" أي: الحين بعد الحين، فألحق لام التعريف ما استعمل معرفة، ووجه ذلك أنه يقدر فيه التنكير والشيوع كما يقدر فيه ذلك إذا بني".
(6/229)
---

(1/2392)


وقال أبو جعفر النحاس: "قرأ أبو عبد الرحمن ومالك بن دينار وابن عامر: "بالغدوة" قال: "وباب غدوة أن يكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تنكر الأسماء الأعلام، فإذا نكرت دخلتها الألف واللام للتعريف" وقال مكي بن أبي طالب: "إنما دخلت الألف واللام على "غداة" لأنها نكرة، وأكثر العرب يجعل "غدوة" معرفة لا ينونها، وكلهم يجعل "غداة" نكرة فينونها، ومنهم من يجعل "غدوة" نكرة وهم الأقل" فثبت بهذه النقول التي ذكرتها عن هؤلاء الأئمة أن قراءة ابن عامر سالمة من طعن أبي عبيد، وكأنه - رحمه الله - لم يحفظها لغة.
وأما "العشي" فنكرة وكذلك "عشية" وهل العشي مرادف لعشية؟ أي: إن هذا اللفظ فيه لغتان: التذكير والتأنيث أو أن عشيا جمع عشية في المعنى على حد قمح وقمحة وشعير وشعيرة، فيكون اسم جنس، خلاف مشهور، والظاهر الأول لقوله تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات} إذ المراد هنا عشية واحدة، واتفقت مصاحف الأمصار على رسم هذه اللفظة "الغدوة" بالواو وقد تقدم لك أن قراءة ابن عامر ليست مستندة إلى مجرد الرسم بل إلى النقل، وثم ألفاظ اتفق ايضا على رسمها بالواو، واتفق على قراءتها بالألف وهي: الصلاة والزكاة ومناة ومشكاة والربا والنجاة والحياة، وحرف اتفق على رسمه بالواو واختلف في قراءة بالألف والواو وهو "الغداة". وأصل غداة: غدوة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا. وقرأ ابن أبي عبلة "بالغدوات والعشيات" جمع غداة وعشية، وروي عن أبي عبد الرحمن أيضا "بالغدو" بتشديد الواو من غير هاء.
قوله: {يريدون} هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل "يدعون" أو من مفعلوله، والأول هو الصحيح، وفي الكلام حذف أي: يريدون بدعائهم في هذين الوقتين وجهه.
(6/230)
---

(1/2393)


قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء} "ما" هذه يجوز أن تكون الحجازية الناصبة للخبر فيكون "عليك" في محل النصب على أنه خبرها، عند من يجوز إعمالها في الخبر المقدم إذا كان طرفا أو حرف جر، وأما إذا كانت تميمية أو متعينا إهماله في الخبر المقدم مطلقا كان "عليك" في محصل رفع خبرا مقدما، والمبتدأ هو "من شيء" زيدت فيه "من".
وقوله: {من حسابهم} قالوا: "من" بتعيضية وهي في محل نصب على الحال، وصاحب الحال هو "من شيء" لأنها لو تأخرت عنه لكانت صفة له، وصفة النكرة متى قدمت انتصبت على الحال، فعلى هذا تتعلق بمحذوف، والعامل في محل رفع بالفاعلية ورافعه "عليك" لاعتماده على النفي، و"من حسابهم" حال أيضا من "شيء" العمل فيها الاستقرار، والتقدير: ما استقر عليك شيء من حسابهم. وأجيز أن يكون "من حسابهم" هو الخبر: إما لـ "ما" وإما للمبتدأ، "وعليك" حال من "شيء"، والعامل فيها الاستقرار، وعلى هذا فيجوز أن يكون "من حسابهم" هو الرافع للفاعل على ذاك الوجه، و"عليك" حال أيضا كما تقدم تقريره، وكون "من حسابهم" هو الخبر، و"عليك" هو الحال غير واضح لأن محط الفائدة إنما هو "عليك".
(6/231)
---

(1/2394)


وقوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} كالذي قبله، إلا أن هنا يتمنع بعض ما كان جائزا هناك، وذلك أن قوله "من حسابك" لا يجوز أن ينصب على الحال لأنه يلزم تقدمه على عامله المعنوي، وهو ضعيف أو ممتنع، لا سيما وقد تقدمت هنا على العامل فيها وعلى صاحبها، وقد تقدم لك أن الحال إذا كانت ظرفا أو حرف جر كان تقديمها على العامل المعنوي أحسن منه إذا لم يكن كذلك، فحينئذ لك أن تجعل قوله "من حسابك" بيانا لا حالا ولا خبرا حتى تخرج من هذا المحذور، وكون "من" هذه تبعيضية غير ظاهر، وقدم خطابه عليه السلام في الجملتين تشريفا له، ولو جاءت الجملة الثاينة على نمط الأولى لكان التركيب: {وما من حسابك عليهم من شيء} فتقدم المجرور بـ "على" كما قدمه في الأولى، لكنه عدل عن ذلك لما تقدم.
وفي هاتين الجملتين ما يسميه أهل البديع: رد الأعجاز على الصدور، كقولهم: "عادات السادات سادات العادات"، ومثله في المعنى قول الشاعر:
1931- وليس الذي حللته بمحلل * وليس الذي حرمته بمحرم
(6/232)
---

(1/2395)


وقال الزمخشري: - بعد كلام قدمه في معنى التفسير - "فإن قلت أما كفى قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء} حتى ضم إليه {وما من حسابك عليهم} قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعني بقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا كأنه قيل: لا تؤاخد أنت ولا هم بحساب صاحبه". قال الشيخ: "قوله: لا تؤاخذ أنت إلى آخره" تركيب غير عربي، لا يجوز عود الضمير هنا غائبا ولا مخاطبا، لأنه إن غائبا فلم يتقدم له اسم مفرد غائب يعود عليه، إنما تقدم قوله "هم" ولا يمكن العود عليه على اعتقاد الاستغناء بالمفرد عن الجمع، لأنه يصير التركيب بحساب صاحبهم، وإن أعيد مخاطبا فلم يتقدم مخاطب يعود عليه، إنما تقدم قوله "لا تؤاخذ أنت" ولا يمكن العود إليه، فإنه ضمير مخاطب فلا يعود عليه غائبا، ولو أبرزته مخاطبا منك ولا منهم بحساب صاحبه، أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك، أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم" فتغلب الخطاب على الغيبة كما تقول: "أنت وزيد تضربان" والذي يظهر أن كلام الزمخشري صحيح، ولكن فيه حذف وتقديره: لا يؤاخذ كل واحد: أنت ولا هم بحساب صاحبه، وتكون "انت ولا هم" بدلا من كل واحد، والضمير، في "صاحبه" عائد على قوله "كل واحد"، ثم إنه وقع في محذور آخر مما أصلح به كلام أبي القاسم، وذلك أنه قال: "أولا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم" وهذا التركيب يحتمل أن يكون المراد - بل هو الظاهر - نفي المؤاخذة بحساب كل واحد بالنسبة إلى نفسه هو، لا أن كل واحد غير مؤاخذ بحساب غيره، والمعنى الثاني هو المقصود.
(6/233)
---

(1/2396)


الضمائر الثلاثة، أعني التي في قوله: {من حسابهم} و"عليهم" و"فتطردهم" الظاهر عودها على نوع واحد وهم الذين يدعون ربهم، وبه قال الطبري، إلا أنه فسر الحساب بالرزق الدنيوي. وقال الزمخشري وبان عطية: "إن الضميرين الأولين يعودان على المشركين، والثالث يعود على الداعين". قال الشيخ: "وقيل: الضمير في "حسابهم" و"عليهم" عائد على المشركين وتكون الجملتان اعتراضا بين النهي وجوابه"، وظاهر عبارته أن الجملتين لا تكونان اعتراضا إلا على اعتقاد كون الضميرين "في حسابهم" و"عليهم" عائدين على المشركين، وليس الأمر كذلك، بل هما اعتراض بين النهي وهو "لا تطرد" وبين جوابه وهو فتكون" وإن كانت الضمائر كلها للمؤمنين، ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك في "فتكون": "وجوزوا أن يكون جوابا للنهي في قوله {ولا تطرد} وتكون الجملتان وجواب الأول اعتراضا بين النهي وجوابه" فجعلهما اعتراضا مطلقا من غير نظر إلى الضميرين. ويعين بالجملتين "وما عليك من حسابهم من شيء" و"ما من حسابك عليهم من شيء" وبجواب الأول قوله {فتطردهم}.
(6/234)
---

(1/2397)


قوله تعالى: {فتطردهم} فيه وجهان، أحدهما: منصوب على جواب النهي بأحد معنين فقط، وهو انتفاء الطرد لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم، لأنه يفنتقي المسبب بانتفاء سببه، ويتوضح ذلك في مثال وهو "ما تأتينا فتحدثنا" بنصب "فتحدثنا" وهو يحتمل معنيين، أحدهما: انتفاء الإتيان وانتفاء الحديث، كأنه قيل: ما يكون منك إتيان فكيف يقع منك حديث؟ وهذا المعنى هو مقصود الآية الكريمة أي: ما يكون مؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه فيكف يقع طرد؟ والمعنى الثاني: انتفاء الحديث وثبوت الإتيان كأنه قيل: ما تأتينا محدثا بل تأتينا غير محدث. وهذا المعنى لا يليق بالآية الكريمة، والعملماء - رحمهم الله - وإن أطلقوا قولهم إنه منصوب على جواب النفي، فإنما يريدون المعنى الأول دون الثاني: أن يكون منصوبا على جواب النهي.
وأما قوله "فتكون" ففي نصبه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب عطفا على "فتطردهم" والمعنى: الإخبار بانتفاء حسابهم، والطرد والظلم المسبب عن الطرد. قال الزمخشري: "ويجوز أن تكون عطفا على "فتطردهم" على وجه السبب، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم".
والثاني من وجهي النصب: أنه منصوب على جواب النهي في قوله: "ولا تطرد" ولم يذكر مكي ولا الواحدي ولا أبو البقاء غيره. قال الشيخ: "وجوزوا أن يكون "فتكون" جوابا للنهي في قوله "لا تطرد" كقوله: {لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} وتكون الجملتان وجواب الأول اعتراضا بين النهي وجوابه" قلت: قد تقدم أن كونهما اعتراضا لا يتوقف على عود الضميرين في قوله "من حسابهم" و"عليهم" عل المشركين كما هو المفهوم من قوله ههنا، وإن كان كلامه قبل ذلك كما حكيته عنه يشعر بذلك.
(6/235)
---

(1/2398)


* { وكذالك فتنا بعضهم ببعض ليقولواا أهاؤلااء من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم بالشاكرين }

قوله تعالى: {وكذالك فتنا}: الكاف في محصل نصب على أنها نعت لمصرد محذوف والتقدير: ومثل ذلك الفتون المتقدم الذي فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمة ببعض، فالإشارة بذلك إلى الفتون المدلول عليه بقوله: {فتنا} ولذلك قال الزمخشري: "ومثل ذلك الفتن العظيم فتين بعض الناس ببعض" فجعل الإشارة لمصدر "فتنا"، وانظر كيف لم يتلفظ هو بإسناد الفتنة إلى الله تعالى في كلامه، وإن كان الباري تعالى قد أسندها، بل قال: "فتن بعض الناس" فبناه للمفعول على قاعدة المعتزلة.
وجعل ابن عطية الإشارة إلى طلب الطرد فإنه قال بعد كلام يتعلق بالتفسير: "والإشارة بذلك إلا ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة". قال الشخ: "ولا ينتظم هذا التشبيه، إذ يصير التقدير: مثل طلب الطرف فتنا بعضهم [ببعض]، والمتبادر إلى الذهن من قولك: "ضربت مثل ذلك" المماثلة في الضرب لا أن تقع المماثلة في غير الضرب، وقد تقدم غير مرة أن سيبويه يجعل مثل ذلك حالا من ضمير المصدر المقدر.
قوله: {ليقولواا} في هذه اللام وجهان، أظهرهما: - وعليه أكثر المعربين والمفسرين - أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا. والثاني: أنها لام الصيرورة أي العاقبة كقوله:
1932- لدوا للموت وابنوا للخراب * .....................
{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا} ويكون قولهم "أهؤلاء" إلى آخره، صادرا على سبيل الاستخفاف.
(6/236)
---

(1/2399)


قوله: {أهاؤلااء} يجوز في وجهان، أظهرهما: أنه منصوب المحل على الاشتغال بفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر، العامل في ضمير بوساطة "على"، ويكون المفسر من حيث المعنى من عليهم، ولا محل لقوله: {من الله عليهم} لكونها مفسرة، وإنما رجح هنا إضمار الفعل لأنه وقع بعد أداة يغلب إيلاء الفعل لها. والثاني: أنه مرفوع لامحل على أنه مبتدأ والخبر: من الله عليهم، وهذا وإن كان سالما من الإضمار الموجود في الوجه الذي قبله، إلا أنه مرجوح لما تقدم، و"عليهم" متعلق بـ "من".
و{من بيننآ} يجوز أن يتعلق به أيضا، قال أبو البقاء: "أي: ميزهم علينا، ويجوز أن يكون حالا" قال أبو البقاء أيضا: "أي: من عليهم منفردين، وهذان التفسيران تفسيرا معنى لا تفسيرا إعراب، إلاأنه لم يسقهما إلا تفسيري إعراب، والجملة من قوله: {أهاؤلااء من الله} في محل نصب بالقول.

وقوله: {بأعلم بالشاكرين} الفرق بين التاءين أو الأولى لا تعلق لها لكونها زائدة في خبر ليس، والثانية متعلقة بأعلم، وتعدي العلءم بها لما ضمن من معنى الإحاطة، وكثيرا ما يقع ذلك في عبارة العلماء فيقولون: علم بكذا، والعلم بكذا، لما تقدم.

* { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سواءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم }
(6/237)
---

(1/2400)


قوله تعالى: {وإذا جآءك}: "إذا" منصوب بجوابه أي: فقل: سلام عليكم وقت مجيئهم أي: أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح. وقال أبو البقاء: "العامل في "إذا" معنى الجواب أي: إذا جاؤوك سلم عليهم" ولا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى، لأن كونه يبلغهم السلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرحمة،وأنه من عمل سوءا بجهالة غفر له، لا يقوم مقامه السلام فقط، وتقديره يفضي إلى ذلك.
وقوله: {سلام} مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأنه دعاء، والدعاء من السموغات. وقال أبو البقاء: "لما فيه من معنى الفعل" وهذا ليس من مذهب جمهور البصريين إنما هو شيء نقل عن الأخفش: أنه إذا كانت النكرة في معنى الفعل جاز الابتداء بها ورفعها الفاعل وذلك نحو: قائم أبواك، ونقل ابن مالك أن سيبويه أومأ إلى جوازه، واستدل الأخفش بقوله:
1933- خبير بنو لهب فلاتك ملغيا * مقالة لهبي إذا الطير مرت
ولا دليل فيه؛ لأن فعيلا يقع بلفظ واحد للمفرد وغيره، فـ "خبير" خبر مقدم، واستدل له أيضا بقول الآخر:
1934- فخير نحن عند الناس منكم * إذا الداعي المثوب قال يالا
فخير مبتدأ، و"نحن" فاعل سد مسد الخبر،
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون "خير" خبرا مقدما، "ونحن" مبتدأ مؤخر؟ قيل: لئلا يلزم الفصل بين أفعل و"من" بأجنبي بخلاف جعله فاعلا، فإن الفاعل كالخبر بخلاف المبتدأ، وهذا القدر في هذا الموضع كاف والمسألة قد قررتها في غير هذا الموضوع، و"عليكم" خبره، و"سلام عليكم" أبلغ من "سلاما عليكم". بالنصب، وقد تقرر هذا في أول الفاتحة عند قراءة "الحمد" و"الحمد".
وقوله: {كتب ربكم} في محل نصب بالقول لأنه كالتفسير لقوله {سلام عليكم}.
(6/238)
---

(1/2401)


قوله {أنه، فأنه} قرأ ابن عامر وعاصم بالفتح فيهما، وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالكسر فيهما، ونافع بفتح الأولى وكسر الثاينة، وهذه القاراءت الثلاث في المتواتر، والأعرج بكسر الأولى وفتح الثانية عكس قراءة نافع، هذه رواية الزهراوي عنه وكذا الداني. وأما سيبويه فروى قراءته كقراءة نافع، فيحتمل أن يكون عن روايتان. فأما القراءة الأولى ففتح الأولى فيها من أربعة أوجه، أحدها: أنها بدل من الرحمة بدل شيء من شيء والتقدير: كتب على نفسه أنه من عمل إلى آخره، فإن نفس هذه الجمل المتضمنة للإخبار رحمة. والثاني: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ، والخبر محذوف أي: عليه أنه من عمل إلى آخره. والثالث: أنها فتحت على تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: لأنه من عمل، فلما حذفت اللام جرى في محلها الخلاف المشهور. الرابع: أنها مفول بـ "كتب" و"الرحمة" مفعول من أجله، أي: كتب أنه من عمل لأجل رحمته إياكم. قال الشيخ: "وينبغي أن لا يجوز لأن فيه تهيئة العامل للعمل وقطعه منه".
(6/239)
---

(1/2402)


وأما فتح الثانية فمن خمسة أوجه، أحدها: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ والخبر محذوف أي: فغفرانه ورحمته حاصلان أو كائنان، أو فعليه غفرانه ورحمته. وقد أجمع القراء على فتح ما بعد فاء الجزاء في قوله: {ألم يعلمواا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم} {كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله} كما أجمعوا على كسرها في قوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} الثاني: أنها في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: فأمره أو شأنه أنه غفور رحيم. الثالث: أنها تكرير للأولى كررت لما طال الكلام وعطفت عليها بالفاء، وهذا منقول عن أبي جعفر النحاس. وهذا وهم فاحش لأنه يلزم منه أحد محذورين: إما بقاء مبتدأ بلا خير أو شرط بلا جواب، وبيان ذلك أن "من" في قوله: {أنه من عمل} لا تخلو: إما أن تكون موصولة أو شرطية، وعلى كلا التقديرين فهي في حل رفع بالابتداء، فلو جعلنا "أن" الثانية، معطوفة على الأولى لزم عدم خبر المبتدأ وجواب الشريط، وهو لا يجوز.
(6/240)
---

(1/2403)


قد ذكر هذا الاعتراض وأجاب عنه الشيخ شهاب الدين أو شامة فقال: "ومنهم من جعل الثانية تكريرا للأولى لأجل طول الكلام على حد قوله: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} ودخلت الفاء في "فأنه غفور" على حد دخولها في {فلا تحسبنهم بمفازة} على قول من جعله تكريرا لقوله: {لا تحسبن الذين يفرحون} إلا أن هذا ليس مثل "أيعدكم أنكم"؛ أن هذه لا شرط فيها وهذه فيها شرط، فيبقى بغير جواب. فقيل: الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفر لهم" انتهى. وفيه بعد، وسيأتي هذا الجواب أيضا في القراءة الثانية منقولا عن أبي البقاء، وكان ينبغي أن يجيب به هنا لكنه لم يفعل، ولم يظهر فرق في ذلك.

الرابع: أنها بدل من "أن" الأولى، وهو قول الفراء والزجاج وهذا مردود بشيئين، أحدهما: أن البدل لا يدخل فيه حرف عطف، وهذا مقترن بحرف العطف، فامتنع أن يكون بدلا. فإن قيل: نجعل الفاء زائدة. فالجواب أن زيادتها غير جائزة، وهي شيء قال به الأخفش، وعلى تقدير التسليم فلا يجوز ذلك من وجه آخر: وهو خلو المبتدأ أو الشرط غن خبر أو جواب. والثاني من الشيئين: خلو المبتدأ أو الشرط عن الخبر أو الجواب، كما تقدم تقريره: فإن قيل: نجعل الجواب محذوفا - كما تقدم نقله عن أبي شامة - قيل: هذا بعيد عن الفهم.
الخامس: أنها مرفوعة بالفاعلية، تقديره: فاستقر له أنه غفور أي: استقر له وثبت غفرانه، ويجوز أن نقدر في هذا الوجه جارا رافعا لهذا الفاعل عند الأخفش تقديره: فعليه أنه غفور، لأنه يرفع به وإن لم يعتمد، وقد تقدم تحقيقه غير مرة.
(6/241)
---

(1/2404)


وأما القراءة الثانية: فكسر الأولى من ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفة وأن الكلام تام قبلها، وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} والثاني: أنها كسرت بعد قول مقدر أي: قال الله ذلك، وهذا في المعنى كالذي قبله. والثالث: أنه أجرى "كتب" مجرى "قال" فكسرت بعده كما تكسر بعد القول الصريح، وهذا لا يتمشى على أصول البصيريين. وأما كسر الثانية فمن وجهين، أحدهما: أنها على الاستئناف، بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبرا لـ "من" الموصولة، أو جوابا لها إن كانت شرطا. والثاني: أنها عطف على الأولى وتكرير لها، ويعترض على هذا يأنه يلزم بقاء المبتدأ بلا خبر و الشرط بلا جزاء، كا تقدم ذلك في المتفوحتين.
وأجاب أبو البقاء هنا عن ذلك بأن خبر "من" محذوف دل عليه الكلام، وقد قدمت لك أنه كان ينبغي أن يجيب بهذا الجواب في المفتوحتين عند من جعل الثانية تكريرا للأولى أو بدلا منها، ثم قال: "ويجوز أن يكون العائد محذوفا أي: فإنه غفور له" قلت: قوله "ويجوز" ليس بجيد، بل كان ينبغي أن يقول ويجب، لأنه لا بد من ضمير عائد على المبتدأ من الجملة الخبرية، أو ما يقوم مقامه إن لك يكن نفس المبتدأ.
وأما القراءة الثالثة: فيؤخذ فتح الأولى وكسر الثانية مما تقدم من كسرها وفتحها بما يليق من ذلك، وهو ظاهر.
وأما القراءة الرابعة فكذلك وقال أبو شامة: "وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح الثانية وإن لم يقرأ به" قلت: قد قدمت أن هذه قراءة الأعرج وأن الزهراوي وأبا عمرو الداني نقلاها، عنه فكأن الشيخ لم يطلع عليها وقدمت لك أيضا أن سيبويه لم يرو عن الأعرج إلا كقراءة نافع، فهذا مما يصلح أن يكون عذرا للزجاج، وأما أبو شامة فإنه متأخر، فعدم اطلاعه عجيب.
(6/242)
---

(1/2405)


والهاء في "أنه" ضمير الأمر والقصة. و"من" يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة، وعلى كل تقدير فهي مبتدأة، والفاء وما بعدها في محل جزم جوابا إن كانت شرطا، وإلا ففي محل رفع خبرا إن كانت موصولة، والعائد محذوف أي: غفول له. والهاء في "بعده" يجوز أن تعود على "السوء" وأن تعود على العمل المفهوم من الفعل كقوله: {اعدلوا هو أقرب} والأولى أولى لأنه أصرح، و"منكم" متعلق بمحذوف إذ هو حال من فاعل "عمل"، ويجوز أن تكون "من" للبيان فيعمل فيها "أعني" مقدرا.
وقوله {بجهالة} فيه وجهان، أحدهما: أنه يتعلق بـ "عمل" على أن الباء للسببية أي: عمله بسبب الجهل. وعبر أبو البقاء في هذا الوجه عن ذلك بالمفعول به وليس بواضح. والثاني - وهو الظاهر - أنها للحال أي: عمله مصاحبا للجهالة. "ومن" في "من بعده" لا بتداء الغاية.

* { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين }

قوله تعالى: {وكذلك نفصل}: الكاف أمرها واضح من كونها نعتا لمصدر محذوف أو حالا من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي سيبويه، والإشارة بـ "ذلك" إلى التفصيل السابق، تقديره: مثل ذلك التفصيل البين، وهو ما سبق من أحوال الأمم نفصل آيات القرآن. وقال ابن عطية: "والإشارة بقوله "وكذلك" إلى ما تقدم، من النهي عن طرد المؤمنين وبيان فساد منزع المعارضين لذلك، وتفصيل الآ يات تبيينها وشرحها". وهذا شبيه بما تقدم له في قوله: {وكذالك فتنا} وتقدم أنه غير ظاهر.
(6/243)
---

(1/2406)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية