صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الدر المصون في علم الكتاب المكنون

والوصيلة هنا فعيلة بمعنى فاعله على ما سيأتيى تفسيره، فدخول التاء قياس. واختلف أهل اللغة فيها هل هي من جنس الغنم أو من جنس الإبل؟ ثم اختلفوا بعد ذلك أيضا، فقال الفراء: "هي الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين، فإذا ولدت في آخرها عناقاص وجديا قيل: وصلت أخاها فجرت مجرى السائبة" وقال الزجاج: "هي الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم" وقال ابن عباس: - رضي الله عنه- هي الشاة تنتج سبعة أبطن، فإذا كان السابع أنثى لم تنتفع النساء منها بشيء، إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإن كانت ذكرا ذبحوه وأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فيتركونها معه لا تذبح ولا ينتفع بها إلا الرجال دون النساء، فإنء ماتت اشتركن مع الرجال فيها". وقال ابن قتيبة: "إن كان السابع ذكرا ذبح وأكله الرجال دون النساء، وقالوا: "خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا" وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى فكقول ابن عبسا: وقيل: "هي الشاة تنتج عشر إناث متواليات في خمسة أبطن ثم ما ولضدت بعد ذلك فاللذكرو دون الإناث، وبهذا قال أبو اسحاق وأبو عبيدة، إلاان أبا عبيدة قال: "وإذا ولدت ذكرا وأنثى معا قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لمكانهاط. وقيل: هي الشاة تنتج خمسة أبطن أو ثلاثة، فإن كان جديا ذبحوه، وإن كان أنثى أبقوها، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها هذا كله عند من يخصها بجنس الغنم. وأما من قال إنها من الإبل فقال: "هي الناقة تبتكر فتلد أنهى ثم تثني بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم، ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر".
(6/40)
---

(1/2203)


والحامي: اسم فاعل من حمى يحمي أي: منع، واختلف فيه تفسير أهل اللغة، فعن الفراء: "هو الفحل يولد لولد ولده" فيقولون: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يستعمل ولا يطرد عن ماء ولا شجر" وقال بعضهم: "هوالفحل ينتج من يبن أولاده كذورها وإناثها عشر إناث" روى ذلك ابن عطية وقال بعضهم: "هوالفحل يولد من صلبه عشرة أبطن، فيقولون قد حمى ظهره، فيتركونه كالسائبة في فيما تقدم، وها قول ابن عباس وابن مسعود وإليه مال أبو عبيدة والزجاج وروي عن الشافعي أنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين. وقال ابن زيد: "هو الفحل ينتج له سبع إناث متواليات فيحمي ظهره فيفعل به ما تقدم. وقد عرفت منشأ خلاف أهل اللغة في هذه الأشياء أنه باعتبار اختلاف مذاهب العرب وآرائهم الفاسدة فيها. وقد أنشدوا في البحيرة قوله:
1845- محرمة لا يطعم الناس لحمها * ولا نحن في شيء كذاك البحائر
وأنشد في السائبة قوله:
1816- وسائبة لله مالي تشكرا * إن الله عافى عامرا أو مجاشعا
وأنشد في الوصيلة لتأبط شرا:
1817- أجدك أما كنت في الناس ناعقا * تراعي بأعلى ذي المجاز الوصايلا
وأنشدوا في الحامي قوله:
1818- حماها أبو قابوس في عز ملكه * كما قد حمى أولاد أولاده الفحل

* { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون }
(6/41)
---

(1/2204)


قوله تعالى:{حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ}: "حسبنا" مبتدأ وقد تقدم أنه في الأصل مصدر والمراد به اسم الفاعل أي: كافينا، وتفسير ابن عطية له بـ "كفانا" تفسير معنى لا إعراب. و"ما وجدنا" هو الخبر، و"ما" ظاهرها أنها موصولة اسمية، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة أي: كافينا الذي وجدنا، و"وجد" يجوز أن يكون بمعنى الصادقة، فـ "عليه" يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ "وجدنا" وأنه متعد لواحد. والثاني: أنه حال من "آباءنا" أي وجدناهم مستقرين عليه، ويجوز أن يكون بمعنى العلم فيتعدى لاثنين ثانيهما "عليه".
وقوله: {أولو كان} قد تقدم إعراب هذا في البقرة وما قالوا فيه: وأن "لو" هنا معناها الشرط وأن الواو للحال، وتقدم تفسير ذلك كله فأغنى عن إعادته، إلا أن ابن عطية قال هنا. "ألف التوقيف دخلت على واو العطف" قلت: "تسمية هذه الهمزة للوقيف فيه غرابة في الاصطلاح. وجعل الزمخشري هذه الواو للحال، وابن عطية جعلها عاطفة، وتقدم الجمع بين كلامهما في البقرة فعليك بالالتفات إليه، واختلاف الألفاظ في هاتين الآيتين - أعني أية البقرة وآية المائدة - من نحو قوله هناك: "اتبعوا" وهنا "تعالوا" وهناك "ألفينا" وهنا "وجدنا" من باب التفنن في البلاغة، فلا تطلب له مناسبة، وإن كنت قد تكلفت ذلك ونقلته عن الناس في كتاب "التفسير الكبير".

* { ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون }
(6/42)
---

(1/2205)


قوله تعالى: {عليكم أنفسكم}: الجمهور على نصب "أنفسكم" وهو منصوب على الإغراء بـ "عليكم"؛ لأن "عليكم" هنا اسم فعل إذ التقدير: الزموا أنفسكم أي: هدايتها وحفظها مما يؤذيها، فـ "عليكم" هنا يرفع فاعلا تقديره: عليكم أنتم، ولذلك يجوز أن يعطف عليه مرفوع نحو: "عليكم أنتم وزيد الخير" كأنك قلت: الزموا أنتم الخير. واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخوانها نحو: إليك ولديك ومكانك، فالصحيح أنه في موضع جر كما كان قبل تنقل الكلمة إلا الإغراء، وهذا مذهب سيبويه واستدل له الأخفش بما حكى عن العرب "على عبد الله" بجر "عبد الله" وهو نصب في المسألة. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل وفيه بعد نصلب ما بعدهما، أعني "على" وما بعدها كهذه الآية. وذهب الفراء إلى انه مرفوعه، وقد حققت هذه المذاهب بدلائلها مبسوطة في "شرح التسهيل". وقال أبو البقاء:- بعد أن جعل "كم" في موضع جر بـ "على" بخلاف رويدكم فإن الكاف هناك للخطاب ولا موضع لها، فإن "رويد" قد استعملت للأمر المواجه من غير كاف الخطاب، وكذا قوله تعالى: {مكانكم} "كم" في محل جر" قلت: في هذه المسألة كلام طويل، صحيحه أن "رويد" تارة يكون ما بعدها مجرور المحل وتارة منصوبه، وليس هذا موضعه، وقد قدمت في سورة النساء الخلاف في جواز تقديم معمول هذا الباب عليه.
(6/43)
---

(1/2206)


وقرأ نافع بن أبي نعيم: "أنفسكم" رفعا فيما حكاه عنه صاحب "الكشاف" وهي مشكلة وتخريجها على أحد وجهين: إما الابتداء، و"عليكم" خبره مقدم عليه، والمعنى على الإغراء أيضا، فإن الإغراء قد جاء بالجملة الابتدائية، ومنه قراءة بعضهم {ناقة الله وسقياها} وهذا تحذير وهو نظير الإغراء، والثاني من الوجهين: أن تكون توكيدا للضمير المستتر في "عليكم" لأنه كما تقدم قائمة مقام الفعل، إلا أنه شذ بالنفس من غير تأكيد بضمير منفصل، والمفعول على هذا محذوف، تقديره: عليكم أنتم أنفسكم صلاح حالكم وهدايتكم.
قوله: {لا يضركم} قرأ الجمهور بضم الراء مشددة. وقرأ الحسن البصري: {لا يضركم} بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم النخعي: {لا يضركم} بكسر الضاد وسكون الراء، وقرأ أبو حيوة: {لا يضرركم} بسكون الضاد وضم الراء الأولى والثانية. فأما قراءة الجمهور فتحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون الفعل فيها مجزوما على جواب الأمر في "عليكم" وإنما ضمت الراء إتباعا لضمة الضاد، وضمة الضاد هي حركة الراء الأولى نقلت للضاد لأجل إدغامها في الراء بعدها، والأصل: {لا يضرركم}، ويجوز أن يكون الجزم لا على وجه الجواب للأمر، بل على وجه أنه نهي مستأنف، والعمل فيه ما تقدم، وينصر جواز الجزم هنا على المعنيين المذكورين من الجواب والنهي قراءة الحسن والنخعي فإنهما نص في الجزم ولكنهما محتملان للجزم على الجواب أو النهي. والوجه الثاني: أن يكون الفعل مرفوعا وليس جوابا ولا نهيا، بل هو مستأنف سيق للإخبار بذلك، وبنصره قراءة أبي حيوة المتقدمة.
(6/44)
---

(1/2207)


وأما قراءة الحسن فمن {ضاره يضوره} كصانه يصونه. وأما قراءة النخغي فمن {ضاره يضيره} كباعة يبيعه، والجزم فيهما على ما تقدم في قراءة العامة من الوجهين. وحكى أبو البقاء: "لا يضركم" بفتح الراء، ووجهها على الجزم، وأن الفتح للتخفيف وهو واضح، والجزم على ما تقدم أيضا من الوجهين. وهذه كلها لغات قد تقدم التنبيه عليها في آل عمران.
و{من ضل} فاعل، و"إذا" ظرف ناصبه "يضركم" أي: لا يضركم الذي ضل وقت اهتدائكم، ويجوز أن تكون شرطية وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه. وقال أبو البقاء: "ويبعد أن تكون ظرفا لـ "ضل" لأن المعنى لا يصح معه". قلت: لأنه يصير المعنى على نفي الضرر الحاصل ممن يضل وقت اهتدائهم، فقد يتوهم أنه لا ينفي عنه ضرر من ضل في غير وقت اهتدائهم، ولكن هذا لا ينفي صحة المعنى بالكلية كما ذكره.

* { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين }
(6/45)
---

(1/2208)


قوله تعالى: {شهادة بينكم}: هذه الآية وما بعدها من أشكل القرآن حكما وإعرابا وتفسيرا، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكعون عنها حتى قال مكي بن أبي طالب - رحمه الله- في كتابه المسمى بالكشف: "هذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آي في القرآن وأشكلها، قال: "ويحتمل أن يبط ما فيها من العلم في ثلاثين ورقة أو أكثر" قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد". وقال ابن عطية: "وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه" وقال السخاوي: "لم أر أحدا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها". وقال الواحدي: "وهذه الآية وما بعدها من أغوص ما في القرآن معنى وإعرابا" قتل: أستعين الله تعالى في توجيه اعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها مما يختص بهذا الموضوع، وأما بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبه في كتابي "تفسير القرآن العزيز" إن شاء الله، وبه الحول والقوة.
(6/46)
---

(1/2209)


قرأ الجمهور {شهادة بينكم} برفع "شهادة" مضافة لـ "بينكم". وقرأ الحسن والأعرض والشعبي برفعها منونة، "بينكم" نصبا. والسلمي والحسن والأعرج - في رواية عنهما- "شهادة" منونة منصوبة، "بينكم" بالابتداء، وخبرها الجمهور ففي تخريجها خمسة أوجه، أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، وخبرها "اثنان" ولا بد على هذا الوجه من حذف مضاف: إما من الأول، وإما من الثاني، فقديره من الأول: ذوا شهادة بينكم اثنان، أي صاحبا شهادة بينكم اثنان، وتقديره من الثاني: شهادة بينكم شهادة اثنين، وإنما اضطررنا إلى حذف من الأول أو الثاني ليتصادق المبتدأ والخبر على شيء واحد، لأن الشهادة معنى والاثنان جثتان، ولا يجيء التقديران المذكوران في نحو: "زيد عدل" وهما جعله نفس المصدر مبالغة أو وقوعه اسم الفاعل، لأن المعنى يأباهما هنا، إلا أن الواحدي نقل عن صاحب "النظم" أنه قال: "شهادة" مصدر وضع موضع الأسماء" يريد بالشهادة الشهود، كما يقال: رجل عدل ورضا، ورجال عدل ورضا وزور، وإذا قدرتها بمعنى الشهود كان على حذف المضاف، ويكون المعنى: عدة شهود بينكم اثنان، واستشهد بقوله: {الحج أشهر} أي: وقت الحج، ولولا ذلك لنصب أشهرا على تأويل: الحج في اشهر". قلت فعلى ظاهر أنه جعل المصدر نفس الشهود مبالغة، ولذلك مثله بـ "رجال عدل" وفيه نظر. الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضا، وخبرها محذوف يدل عليه سياق الكلام، و"اثنان" على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو "شهادة" والتقدير: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، كذا قدره الزمخشري وهو احد قولي الزجاج، وهو ظاهر جدا، و"إذا" على هذين الوجهين ظرف لـ "شهادة" أي ليشهد وقت حضور الموت - أي أسبابه - و"حين الوصية" على هذه الأوجه فيه ثلاثة أوجه، أوجهها: أنه بدل من "إذا" ولم يذكر الزمخشري غيره، قال: "وفي إبداله منه دليل على وجوب
(6/47)

(1/2210)


---
الوصية". الثاني: أنه منصوب بنفس الموت أي: يقع الموت وقت الوصية، ولا بد من تأويله بأسباب الموت؛ لأن وقت الموت الحقيقي لا وصية فيه. الثالث: انه منصوب بـ "حضر" أي: حضر أسباب الموت حين الوصية.
الثالث: أن "شهادة" مبتدأ وخبره: "إذا حضر" أي وقوع الشهادة في وقت حضور الموت، و"حين" على ما تقدم فيه من الأوجه الثلاثة آنفا، ولا يجوز فيه والحالة هذه أن يكون ظرفا للشهادة لئلا يلزم الإخبار عن الموصول قبل تام صلته وهو لا يجوز، وقد عرفت شرح ذلك مما مر. ولما ذكر الشيه هذا الوجه لم يستدرك هذا، وهو عجيب منه. الرابع: أن "شهادة" مبتدأ ، وخبرها "حين الوصية" و"إذا" على هذا منصوب بالشهادة، ولا يجوز أن ينتصب بالوصية وإن كان المعنى ظرفا، وأيضا فإنه يلزم منه تقديم المضاف إليه على المضاف؛ لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل والعامل لا يتقدم فكذا معموله، ولم يجوزوا تقديم معمول المضاف إليه على المضاف إلا في مسألة واحدة وهي: إذا كان المضاف لفظة "يغر"، وأنشدوا:

1819- إن أمرأ خصني عمدا مودته * على التنائي لعندي غير مكفور
فـ "عندي" منصوب بـ "مكفور"، قالوا: لأن "غير" بمنزلة "لا"، و"لا" يجوز تقديم معمول ما بعدها عليها. وقد ذكر الزمشخري ذلك آخر الفاتحة، وذكر أنه يجوز "أنا زيدا غير ضارب" دون "أنا زيدا مثل ضارب". و"اثنان" على هذين الوجهين الآخيرين يرتفعان على أحد وجهين: إما الفاعلية أي: "يشهد اثنان" يدل عليه لفظ "شهادة" وإما على خبر مبتدأ محذووف مدلول عليه بـ "شهادة" أيضا أي: الشاهدان اثنان.
(6/48)
---

(1/2211)


الخامس: أن "شهادة" مبتدأ، و"اثنان" فاعل سدم سد الخبر، ذكره أبو البقاء وغيره وهو مذهب الفراء، إلا أن افراء قدر الشهادة واقعة موقضع فعل الأمر كأ،ه قال: "ليشهد اثنان" فجعله من باب نيابة المصدر عن فعل الطلب، وهو مثل "الحمد لله" و{قال سلام} من حيث المعنى، وهذا مذهب لبعضهم في نحو: "ضربي زيدا قائما" يدعي أن الياء فاعل سدت مسد الخبر، وهذا مذهب ضعيف رده النحويون، ويخصون ذلك بالوصف المعتمد على نفي أو استفهام نحو: "قام أبواك" وعلى هذا المذهب فـ "إذا" و"حين" ظرفان منصوبان على ما تقرر فيهما في غير هذا الوجه. وقد تحصلنا فيما تقدم أن رفع "شخادة، من وجه واحد وهو الابتداء، وفي خبرها خمسة أوجه تقدم ذكرها مفصلة، وأن رفع "اثنان" من خمسة أوجه، الأول: كونه خبرا لشهادة بالتأويل المذكور، الثاين: أنه فاعل بـ "شهادة"، الثالث: أنه فاعل بـ "يشهد" مقدرا، الرابع: أنه خبر مبتدأ أي: الشاهدان اثنان. الخامس أنه فاعل سد مسد الخبر. وأن في "إذا" وجهين: إم النصب على الظرفية، وإم الرفع على الخبرية لـ "شهادة"، وكل هذا بين مما لخصته قبل. وقراءة الحسن برفعها منونة تتوجه بما تقدم في قراءة الجمهور من غير فرق.
وأما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه، أحدها - وإليه ذهب ابن جني - أنها منصوبة بفعل مضمر، و"اثنان" مرفوع بذلك الفعل، والتقدير: ليقم شهادة بينكم اثنان، وتبعه الزمشخري على هذا فذكره. وقد رد الشيخ هذا بأن حذف الفعل وإبقاء فالعه لم يجزه النحويون إلا أن يشعر به ما قبله كقوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} في قراءة ابن عامر وأبي بكر أي: يسبحه رجال،ومثله،:
1820- ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح

وفيه خلاف: هل ينقاس أو لا؟ أو يجاب به نفي كقوله:
(6/49)
---

(1/2212)


1821- تجلدت حتى قيل: لم يعر قلبه * من الوجد شيء قلت: بل أعظم الوجد
أي: بل عراه أعظم الوجد، أو يجاب به استفهام كقوله:
1822- ألا هل أتى أم الحويرث مرسلي * نعم خالد إن لم تعقه العوائق
أي: بل أتاها أو يأتيها، وما نحن فيه ليس من الأشياء الثلاثة. الثاني: أن "شهادة" بدل من اللفظ بفعل أي: إنها مصدر ناب مناب الفعل فيعمل علمه، والتقدير: ليشهد اثنان، فـ"اثنان" فاعل بالمصدر لنيابته مناب الفعل، أو بذلك الفعل المحذوف على حسب الخلاف في أصل المسألة، وإنما قدرته "ليشهد اثنان" فأتيت به فعلا مضارعا مقرونا بلام الأمر، ولم أقدره فعل أمر بصيغة "افعل" كما يقدره النحويون في نحو: "ضربا زيدا" أي: اضبرب، لأن هذا قد رفع ظاهرا وهو "اثنان" وصيغة "افعل" لا ترفع إلا ضميرا مستترا إن كان المأمور واحدا، ومثله قوله:
1823- ..................... * فندلا زريق المال ندل الثعالب
فـ "زريق" يجوز أن يكون منادى أي: يا زرق، والثاني: أنه مرفوع بـ "ندلا" على أنه واقع موقع "ليندل" وإنما حذف تنوينه لالتقاء الساكنين على حد قوله:
1824- .................. * ولا ذاكر الله إلا قليلا
الثالث: أن "شهادة" بدل من اللفظ بفعل أيضا، إلا أن هذا الفعل خبري وإن كان أقل من الطلبي نحو: "حمدا وشكرا لا كفرا" و"اثنان" أيضا فاعل به تقديره: يشهد شهادة اثنان، وهذا أحسن التخاريج المذكورة في قول امرئ القسي:
1825- وقوفا بها صحبي علي مطيهم *..............................
(6/50)
---

(1/2213)


"وقوفا" مصدر بدل من فعل خبري رفع "صحيبي" ونصب "مطيهم" تقديره: وقف صحبي، وقد تقدم أن الفراء في قراءة الرفع قدر أن "شهادة" واقعة موقع فعل، وارتفع "اثنان" بها، وتقدم أن ذلك يجوز أن يكون مما سد فيه الفاعل مسد الخبر. و"بينكم" في قراءة من نون "شهادة" نصب على الظرف وهي واضحة.
وأما قراءة الجر فيها فمن باب الاتساع في الظروف أي بجعل الظرف كأنه مفعول لذلك الفعل، ومثله: {هاذا فراق بيني وبينك} وكقوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} فيمن رفع قال الشيخ: "وقال الماتريدي - وتبعه عن التنازع، لأنه إنما يحتاج إلى الشهود عند التنازع، وحذف "ما" جائز عند ظهوره، ونظيره كقوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} في قراءة من نصب". قال الشيخ: "وحذف "ما" الموصولة غير جائز عند البصريين، ومع الإضافة لا يصح تقدير "ما" البتة، وليس قوله {هاذا فراق بيني} نظير {لقد تقطع بينكم} لأن هذا مضاف، وذلك باق على ظرفيته فيتخيل فيه حذف "ما" بخلاف "هذا فراق بيني" و"شهادة بينكم" فإنه لا يتخيل فيه تقدير "ما" لأن الإضافة أخرجته عن الظرفية وصيرته مفعولا به على السعة" قلت: هذا الذي نقله الشيه عنهما قاله أبو علي الجرجاني بعينه قال - رحمه الله - :"قوله شهادة بينكم" أي: ما بينكم، و"ما بينكم" كناية عنا لتنازع والتشاجر، ثم اضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم في التنازع الواقع فيما بين القوم، والعر تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} أي: مقامه بين يديد ربه، والعرب تحذف كثيرا ذكر "ما" و"من" في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كقوله: {وإذا رأيت ثم} أي: ما ثم، وكقوله: {هاذا فراق بيني وبينك} و{لقد
(6/51)

(1/2214)


---
تقطع بينكم} أي ما بيني، وما بينكم"، وقول الشيخ "لا يتخييل فيه تقدير "ما" إلى آخره" ممنوع لأن حالة الإضافة لا تجعلها صلة للموصول المحذوف، ولا يلزم من ذلك أن تقدرها من حيث المعنى لا من حيث الإعراب نظرا إلى الأصل، وأما حذف الموصول فقد تقدم تحقيقه.

وقوله: {ذوا} صفة لاثنين أي: صاحبا عدل، وكذلك قوله "منكم" صفة أيضا لاثنين، وقوله: {أو آخران} نسق على اثنين، و"من غيركم" صفة لآخرين والمراد بـ "منكم" من قرابتكم وعترتكم، ومن غيركم من المسلمين الأجانب وقيل: "منكم" من أهل دينكم، "ومن غيركم" من أهل الذمة. ورجح النحاس الأول، فقال: "هذا ينبني على معنى غامض في العربية، وذلك أن معنى "آخر" في العربية من جنس الأول تقول: "مررت بكريم وكريم آخر" ولا يجوز "وخسيس آخر" ولا: "مررت بحمار ورجل آخر"، فكذا هنا يجب أن يكون "أو آخران": أو عدلان آخران، والكفار لا يكونون عدولا. ورد الشيخ ذلك فقال: "أما ما ذركره من المثل "فصحيح لأنه مثل بتأخير "آخر" وجعله صفة لغير جنس الأول، وأما الآية فمن قبيل ما يقدم فيه "آخر" على الوصف واندرج "آخر" في الجنس الذي قبله، ولا يعتبر وصف جنس الأول، تقول: "مررت برجل مسلم وآخر كافر، واشتريت فرسا سابقا وآخر بطيئا" ولو أخرت "آخر" في هذين المثالين فقلت: "مررت برجل مسلم وكافر آخر" لم يجز، وليس الآية من هذا لأن تركيبها "اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيكم" فـ "آخران" من جنس قوله "اثنان" ولا سميا إذا قدرته: "رجلان اثنان" فـ "آخران" هما من جنس "رجلان اثنان"، ولا يعتبر وصف الجنس في قولك: "عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران"، إذ ليس من شرط "آخر" إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفه، وعلى ما ذكرته جاء لسان العرب قال الشاعر:
(6/52)
---

(1/2215)


1826- كانوا فريقين يصفون الزجاج على * قعس الكواهل في أشداقها ضخم
وآخرين ترى الماذي فوقهم * من نسج داود او ما أورثت إرم
التقدير: كانوا فريقين: فريقا - أو ناسا - يصفون الزجاج، ثم قال: وآخرين ترى الماذي، فـ "آخرين" من جنس قولك "فريقا" ولم يعتبره بوصفه بقوله "يصفون الزجاج" لأنه قسم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنس. قال: "وهذا الفرق قل من يفهمه فضلا عمن يعرفه".
وقوله: {أو} الظاهر أنها للتخيير، وهو واضح على القول بأن معنى "من غيركم". من غير أقاربكم من المسلمين، يعني الموصي مخير بين أن يشهد اثنين من أقاربه أو من الأجانب المسلمين، وقيل: "أو" للترتيب أي: لا يعدل عن شاهدين منكم إلا عند فقدهما، وهذا لايجيء إلا إذا قلنا "من غيركم": من غير أهل ملتكم.
(6/53)
---

(1/2216)


قوله: {إن أنتم} "أنتم" مرفوع محذوف يفسره ما بعده وهي مسألة الاشتغال، والتقدير: إن ضربتم، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، وهذا مذهب جمهور البصريين، وذهب الأخفش منهم والكوفيون إلى جواز وقوع المبتدأ بعد "إن" الشرطية كما أجازوه بعد "إذا" أيضا، فـ "ضربتم" لا محل له عند الجمهور لكونه مفسرا، ومحله الرفع عند الكوفيين والأخفش لكونه خبرا، ونحوه: {وإن أحد من المشركين استجارك} {إذا الشمس كورت} وجواب الشرط محذوف يدل عليه قوله تعالى: {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران} ولكن تقديره هذا الجواب يتوقف على خلاف في هذا الشرط: هل هو قيد في أصل الشهادة أو قيد في "آخران من غيركم" فقطز بمعنى أنه لا يجوز العدول في الشهادة على الوصية إلى أهل الذمة إلا بشرط الضرب في الأرض وهو السفر. فإن قيل: هو شرط في أصل الشهادة فتقدير الجواب: إن ضربتم في الأرض فليشهد اثنان منكم أو من غيركم، وإن كان شرطا في العدول إلى آخرين من غير الملة فالتقدير: فأشهدوا آخرين من غيركم، أو فالشاهد آخران من غيركم، فقد ظهر ان الدال على جواب الشرط: إما مجموع قوله: "اثنان ذوا عدل إلى آخره" على القول الأول، وإما "أو آخران من غيركم" فقط على القول الثاني.
(6/54)
---

(1/2217)


والفاء في "فأصابتكم" عاطفة هذه الجملة على نفس الشرط، وقوله تعالى: {تحبسونهما} فيه وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع صفة لـ "آخران" وعلى هذا فالجملة الشرطية وما عطف عليها معترضة بين الصفة وموصوفها، فإن قلوه "تحبسونهما" صفة لقوله "آخران" وإلى هذا ذهب الفارسي ومكي بن أبي طالب والحوفي وأبو البقاء وابن عطية وقد أوضح الفارسي ذلك بعباة خاصة فقال: "تحبسونهما صفة لـ "آخران" واعترض بقوله: {إن أنتم ضربتم في الأرض} وأفاد الاعتراض أن العدول إلى آخرين من غير الملة أو القرابة حسب اختلاف العلماء فيه إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه، واستغنى عن جواب "إن" لما تقدم في قوله "آخران من غيركم" قلت: فقد ظهر من كلامه أن يجعل الرط قيدا في "آخران من غيركم" فقط لا قيدا في أصل الشهادة، فتقدير الجواب على رأيه كما تقدم: "فاستشهدوا آخرين من غيركم" أو "فالشاهدان آخران من غيركم".
والثاني: أنه لا محل له لاستئنافه، وإليه ذهب الزمخشري قال: "فإن قلت: ما مقع قوله: {تحبسونهما}؟ قلت: هو استئناف كلام، كأنه قيل: بعد اشتراط العدالة فيهما: فكيف نعمل إن ارتبنا فيهما؟ فقيل: تحبسونهما". وهذا الذي ذكره أبو القاسم أوفق للصناعة؛ لأنه يلزم في الأول الفصل بكلام طويل بين الصفة وموصوفها، وقال: "اشتراط العدالة" بناء على مختاره في قوله: {أو آخران من غيركم} أي: أو عدلان من الأجانب.
(6/55)
---

(1/2218)


قال الشيخ: "في قوله: "إن أنتم ضربتم" إلى آخره التفات من الغيبة إلى الخطاب، إذ لو جرى على لفظ "إذا حضر أحدكم الموت" لكان التركيب: إن هو ضرب في الأرض فاصباته، وإنما جاء الالتفات جمعا لأن لأن "أحكم" معناه: إذا حضر كل واحد منك الموت". وفيه نظر لأن الخطاب جار على أسلوب الخطاب الأول من قوله: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} إلى آخره. وقال ابن عباس: "في الكلام حذف تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت وقد أشهدتموهما على الإيصاءط. وعن سعيد بن جبير: تقديره "وقد أوصيتم". قال بعضهم: "هذا أولى لأن الوصي يحلف والشاهد لا يحلف". والخطاب في "تحبسونهما" لولاة الأمور لا لمن خوطب بإصابته الموت لأنه يتعذر ذلك فيه. و"من بعد" متعلق بـ "تحبسونهما" ومعنى الحبس: المنع، يقال: حبست وأحبست فرسي في سبيل الله فهو محبس وحبيس. ويقال لمصنع الماء: "حبس" لأنه يمنعه، ويقال: "حبست" بالتشديد ايضا بمعنى وقفت وسبلت؛ وقد يكون التشديد للتكثير في الفعل نحو: "حبست الرجال" والأف واللام في "الصلاة" فيها قولان، أحدهما: أنها للجنس أي: بعد أي صلاة كانت. والثاني - وهو الظاهر- أنها للعهد، فقيل: العصر، وقيل غير ذلك.
قوله: {فيقسمان} في هذه الفاء وجهان، أظهرهما: انها عاطفة هذه الجملة على جملة قوله: {تحبسونهما} فتكون في محل رفع، أو لا محل لها حسبما تقدم من الخلاف. والثاني: فاء الجزاء أي: جواب شرط مقدر. قال الفارسي: "وإن شئت لم تجعل الفاء لعطف جملة، بل تجعله جزاء كقوله ذي الرمة:
1827- وإنسان عيني يحسر الماء تارة * فيبدو، وتارات يجم فيغرق
(6/56)
---

(1/2219)


تقديره عندهم: إذا حسر بدا، وكذا في الآية: إذا حبستموهما أقسما. وقال مكي نحوه، فإنه قال: و"يجوز ان تكون الفاء جواب جزاء لأن "تحسبونهما" معناه الأمر بذلك، وهو جواب الأمر الذي دل عليه الكلام كأنه قل: إذا حبستموهما أقسما" قلت: ولا حاجة داعية إلى شيء من تقدير شرط محذوف، وأيضا فإنه يحوج إلى حذف مبتدأ قبل قوله {فيقسمان} أي: فهما يقسمان، وأيضا ف ـ"إن تحبسوهما" تقدم أنها صفة فكيف يجعلها بمعنى الأمر، والطلب لا يقع وصفا؟ وأما البيت الذي أنشده أبو علي فخرجه النحويون على ان "يحسر الماء تارة" جملة خبرية، وهي إن لم يكن فيها رابط فقد عطف عليها جملة فيها رابط بالفاء السببية، وفاء السببية جعلت الجملتين شيئا واحدا.
(6/57)
---

(1/2220)


و"بالله" متعلق بفعل القسم، وقد تقدم أنه لا يجوز إظهار فعل القسم إلا معها لأنها أم. الباب. وقوله: {لا نشتري به} جواب القسم المضمر في "يقسمان" فتلقي بما يتلقى به. وقوله: {إن ارتبتم} شرط وجوابه محذوف تقديره: إن ارتبتن فيهما فحلفوهما، وهذا الشرط وجوابه المقدر معترض بين القسم وجوابه، وليس هذه الآية مما اجتمع فيه شرط وقسم فأجيب سابقهما، وحذف جواب الآخر لدلالة جوابه عليه؛ لأن تلك المسألة شرطها أن يكون جواب القسم صالحا لأن يكون جواب الشرط حتى يسد مسد جوابه نحو: "والله إن تقم لأكرمنك" لأنك لو قدرت "إن تقم أكرمتك" صح، وهنا لا يقدر جواب الشرط ما هو جواب للقسم، بل يقدر جوابه قسما برأسه، ألا ترى أن تقديره هنا: "إن ارتبتم حلفوهما" ولو قدرته: إن ارتبتم فلا نشتري لم يصح، فقد اتفق هنا أنه اجتمع شرط وقسم وقد أجيب سابقهما، وحذف جواب الآخر وليس من تيك القاعدة. وقال الجرجان: "إن ثم قولا محذوفا تقديره يقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما، والعرب تضمر القول كثيرا، كقوله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} أي: يقولون سلام عليكم". ولا أدري ما حمله على إضمار هذا القول؟
(6/58)
---

(1/2221)


قوله: {به} في هذه الهاء ثلاثة أقوال، إحدهما: أنها تعود على الله تعالى الثاني: أنها تعود على القسم. الثالث: - وهو قول أبي علي - أنها تعود على تحريق الشهادة، وهذا قوي من حيث المعنى. وقال أبو البقاء "تعود على الله أو القسم أو الحلف أو اليمين أو تحريف الشهادة أو على الشهادة لأنها قول. قلت: قوله "أو الحلف أو اليمين" لا فائدة فيه إذ هما شيء واحد، وكذلك قول من قال: إنه تعود على الله تعالى، لا بد أن يقدر فيها ذلك. وقال مكي: "وقيل: الهاء تعود على الشهادة لكن ذكرت لأنها قول كما قال: {فارزقوهم منه} فرد الهاء على المقسوم لدلالة القسمة على ذلك". والاشتراء هنا هل باق على حقيقته أو يراد به البيع؟ قولان، أظهرهما الأول، وبيان ذلك مبني على نصب "ثمنا" وهو منصوب على المفعولية، قال الفارسي: وتقديره: لا نشتري به ذا ثمن، ألا ترى ان الثمن لا يشترى، وإنما يشترى ذو الثمن، قال: "وليس الاشراء هنا بمعنى البيع وإن جاء لغة، لأن البيع إبعاد عن البائع، وليس المعنى عليه، إنما معناه التمسك به والإيثار له على الحق". وقد نقل الشيخ هذا الكلام بعينه ولم يعزه لأبي علي.
(6/59)
---

(1/2222)


وقال مكي: "معناه ذا ثمن، لأن اليمن لا يشءترى، وإنما يشترى ذو الثمني، وهو كقوله: {اشتروا بآيات الله ثمنا} أي ذا ثمن". وقال غيره: "إنه لا يحتاج إلى حذف مضاف" قال أبو البقاء: "ولا حذف فيه لأن الثمن يشترى كما يشترى به، وقيل: التقدير: ذا ثمن"، وقال بعضهم: "لا نشتري: لا نبيع بعهد الله بغرض ناخذه، كقوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} فمعنى {لا نشتري به} لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئا فقد اشترى، ومعنى الآية: لا نأخذ بعهد الله ثمنا بأن نبيعه بعرض من الدنيا. قال الواحدي: "ويستغنى بهذا عن كثير من تكلف أبي علي، وهذا معنى قول القتيبي والجرجاني".
قوله: {ولو كان ذا قربى}"ولو كان ذا الواو هنا كالتي سبقت في قوله: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون} آباؤهم لا يعقلون" في البقرة من أنها يحتمل أن يقال عاطفة أو حالية، وان جملة الامتناع حال معطوفة على حال مقدرة كقوله: "أعطوا السائل ولو على فرس" فكذا هنا تقديره: لا نشتري به ثمنا في كل حال ولو كان الحال كذا، واسم "كان" مضمر فيها يعود على المشهود له: أي: ولو كان المشهود له ذا قرابة.
قوله: {ولا نكتم} الجمهور على رفع ميم "نكتم" على أن "لا" نافية، والجملة تحتمل وجهين، أحدهما: - وهو الظاهر- كونها نسقا على جواب القسم فتكون ايضا مقسما عليها. والثاني: أنه إخبار من أنفسهم بأنهم لا يكتمون الشهادة، ويتأيد بقراءة الحسن والشعبي: "ولا نكتم" على النهي، وهذه القراءة جاءت على القليل من حيث إن دخول "لا" الناهية على فعل المتكلم قليل، ومنه.
1828- إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد * بها أبدا ما دام فيها الجراضم
(6/60)
---

(1/2223)


والجمهور على "شهادة الله" بالإضافة، وهي مفعول بها، وأضيفت إليه تعالى لأنه هو الآمر بها وبحفظها وأن لا تكتم ولا تضيع. وقرأ علي أمير المؤمنين ونعيم بن ميسرة والشعبي في رواية: "شهادة الله" بتنوين شهادة ونصبها ونصب الجلالة، وهي واضحة، فـ "شهادة" مفعول ثان، والجلالة نصب على التعظيم وهي الأول. والأصل: ولا نكتم الله شهادة، وهو كقوله: {ولا يكتمون الله حديثا} وإنما قدمت هنا للاختمام بها، فإنها المحدث عنها. وفيها وجه ثان - نقله الزهراوي - وهو أن تكون الجلالة نصبا على إسقاط حرف القسم، والتقدير: ولا نكتم شهادة والله، فلما حذف حرف الجر نصب المقسم بهن ولا حاجة إليه لأنه يستدعي حذف المفعول الأول للكتمان، أيك ولا نكتم أحدا شهادة والله، وفيه تكلف، وإليه ذهب أبو البقاء أيضا قال: "على أنه منصوب بفعل القسم محذوفا".
(6/61)
---

(1/2224)


وقرأ علي أمير المؤمنين والسلمي والحسن البصري: "شهادة" بالتنوين والنصب، "الله" بمد الألف التي للاستفهام دخلت للتقرير وتوقيف نفوس الحالفين، وهي عوض من حرف القسمش المقدر، وهل الجر بها أم بالحرف المحذوف خلاف؟ وقرأ الشعبي في رواية وغيره: "شهادة" بالهاء ويقل عليها، ثم يبتدئ "آلله" بقطع همزة الوصل وبمد الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى المتقدم، وجر الجلالة، وهمزة القطع تكون عوضا من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة، تقول: "يا زيد آلله لأفعلن"، والذي يعوض من حرف القسم في هذا الاسم الشريق خاصة ثلاثة: ألف الاستفهام وقطع همزة الوصل وها التي لتنبيه، نحو: "ها الله" ويجوز مع "ها" قطع همزة الجلالة ووصلها. وهل الجر بالحرف المقدر أو بالعوض؟ تقدم أن فيه خلافا، ولو قال قائل: ن قولهم "ألله لأفعلن" بالجر وقطع الهمزة بأنها همزة استفهام لم يرد قوله. فإن قيل: همزة الاستفها إذا دخلت على همزة الوصل التي مع لام التعريف أو ايمن في القسم وجب ثبوت همزة الوصل، وحينئذ إما: أن تسهل وإما أن تبدل الفا، وهذه لم تثبت بعدها همزة وصل فتعين أن تكون همزة وصل قطعت عوضا عن حرف القسم. فالجواب: أنهم إنما أبدلوا ألف الوصل أو سهلوها بعد همزة الاستفهام فرقا بين الاستفهام والخبر، وهنا اللبس مأمون فإن الجر في الجلالة يؤذن بذلك فلا حاجة إلى بقاء همزة الوصل مبدلة أو مسهلة، فعلى هذا قراءة: الله وآلله بالقصر والمد تحتمل الاستفهام، وهوت خريج حسن. قال ابن جني في هذه القراءة: "الوقف على "شهادة" بسكون الهاء واستئناف القسم، حسن، لأن استئنافه في أول الكلام أوجه له وأشد هيبة من يدخل في عرض القول" ورويت هذه القراءة - أعني ألله بقطع الألف من غير مد وجر الجللالة - عن أبي بكر

(1/2225)


(6/62)
---
عن عاصم وقرئ: شهادة الله" بنصب الشهادة منونة وجر الجلالة موصولة الهمزة، على أن الجر بحرف القسم المقدر من غير عوض منه بقطع ولا همزة استفهام، وهو مختص بذلك.
وقوله تعالى: {إنآ إذا لمن الآثمين} هذه الجملة لا محل لها لأنها استئنافية، أخبروا عن أنفسهم بأنهم من الآثمين إن كتموا الشهادة، ولذلك أتوا بـ "إذن" المؤذنة بالجزاء والجواب. وقرأ الجمهور: {لمن الآثمين} من غير نقل ولا إدغامز وقرأ ابن محيصن والأعمش: {لملاثمين} بإدغام نون "من" في لام التعريف بعد أن نقل إليها حركة الهمزة في "آثمين" فاعتد بحركة النقل فأدغم، وهي نظير قراءة من قرأ: {عادا الأولى} بالإدغام، وهناك إن شاء الله يأتي تحقيق ذلك وبه القوة.

* { فإن عثر على أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينآ إنا إذا لمن الظالمين }
(6/63)
---

(1/2226)


قوله تعالى: {فإن عثر}: مبني للمفعول، والقائم مقام فاعله الجار بعده، أي: فإن اطلع على استحقاقهما الإثم يقال: [عثر الرجل يعثر] عثورا: إذا هجم على شيء لم يطلع عليه غيره، وأعثرته على كذا: أطلعته عليه، ومنه قوله تعالى: {أعثرنا عليهم}. قال أهل اللغة: "وأصله من "عثرة الرجل" وهي الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشي كان لا يراه، فإن عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل أمر كان خفيا ثم اطلع عليه: "عثر عليه" وقال الليث: "عثريعثر عثورا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره، وعثر يعثر عثرة وقع على شيء، ففرق بين الفعلين بمصدريهما. وفرق أبو البقاء بينهما بغير ذلك فقال: "عثر مصدره العثور، ومعناه اطلع، فأما "عثر" في مشية ومنطقه ورأيه فالعثار" والراغب جعل المصدرين على حد سواء فإنه قال: "عثر الرجل بالشيء يعثر عثورا وعيثارا: إذا سقط عليه، ويتجوز به فيمن يطلع على أمر من غير طلبه، يقال: "عثرت على كذا" وقوله: {وكذالك أعثرنا عليهم} أي: وقفناهم عليهم من غير أن طلبوا".
(6/64)
---

(1/2227)


قوله تعالى: {فآخران} فيه أربعة أوجه، [الأول]: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: فالشاهدان آخران، والفاء جواب الشرط، دخلت على الجملة الاسمية، والجملة من قوله: {يقومان} محل رفع صفة لـ آخران. الثاني: أنه مرفوع بفعل مضمر تقديره: فليشهد آخان، ذكره مكي وأبو البقاء وقد تقدم أن الفعل لا يحذف وحده إلا في مواضع ذكرتها عند قوله: {حين الوصية اثنان} الثالث: أنه خبر مقدم، و"الأوليان" مبتدأ مؤخر، والتقدير: فالأوليان بأمر الميت آخران يقومان مقامهان ذكر ذلك أبو علي. قال: "ويكون كقولك: "تميمي أنا" الرابع: أنه متبدأ، وفي الخبر حينئذ احتمالات، أحدها: قوله: {من الذين استحق} وجاز الابتداء به لتخصصه بالوصف وهو الجملة من "يقومان"، والثاني: أن الخبر "يقومان" و"من الذين استحق" صفة المتبدأ، ولا يضر الفصل بالخبر بين الصفة وموصوفها، والمسوغ أيضا للابتداء به اعتماده على فاء الجزاء. وقال أبو البقاء وقوله "يقومان" و"من الذين استحق" كلاهما في محل رفع من صفة لـ "آخران" ويجوز ان يكون أحدهما صفة والآخر حالا، وجاءت الحال من النكرة لتخصصها بالوصف. وفي هذا الوجه ضعف من حيث إنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة محدثا عنها والنكرة حديثا، وعكس ذلك قليل جدا أو ضرروة كقوله:

1829- .................. * يكون مزاجها عسل وماء
[وكقوله]:
1830- وإن حراما أن أسب مجاشعا * بآبائي الشم الكرام الخضارم
(6/65)
---

(1/2228)


وقد فهمت مما تقدم أن الجملة من قوله "يقومان" والجار من قوله: {}: إما مرفوع المحل صفة لـ "آخران" أو خبر عنه، وإما منصوبة على الحال: إما من نفس "آخران"، أو من الضمير المستكن في "آخران" ويجوز في قوله {من الذين} أن يكون حالا من فاعل "يقومان".
قوله: {استحق} قرأ الجمهور: "استحق" مبنيا للمفعول، "الأوليان" رفعا، وحفص عن عاصم: "استحق" مبنيا للفاعل، "الأوليان" كالجماعة، وهي قراءة عبد الله بن عباس وأمير المؤمنين علي رضي الله عنهم، ورويت عن ابن كثير أيضا، وحمزة وأبو بكر عن عاصم: "استحق" مبنيا للمفعول كالجماعة، "الأولين" جمع "أول" جمع المذكر السالم، والحسن البصري: "استحق" مبنيا للفاعل، "الأولان" مرفوعا تثنية "أول" وبان سرين كالجماعة، إلا أنه نصب الأولين تثنية "أولى" وقرئ: "الأولين" بسكون الواو وفتح اللام وهو جمع "أولى" كالأعلين في جمع "أعلى" ولما وصل أبو إسحاق الزجاج إلى هذا الموضوع: قال: "هذا موضع من أصعب ما في القرآن إعرابا" قلت: ولعمري إن القول ما قالت حذام، فإن الناس قد دارت رؤوسهم في فك هذا التركيب، وقد اجتهدت - بحمد الله تعالى - فلخصت الكلام فيها أحسن تلخيص، ولا بد من ذكر شيء من معاني الآية لنستضيء به الإعراب فإنه خادم لها.
(6/66)
---

(1/2229)


فأما قراءة الجمهور فرفع "الأوليان" فيها من اوجه، أحدها: أنه مبتدأ، وخبره "آخران" تقديره: فالأوليان بأمر الميت آخران، وقد تقدم شرح هذا. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هما الأوليان، كأن سائلا سأل فقال: "من الآخران"؟ فقيل: هما الأوليان. الثالث: أنه بدل من "آخران" وهو بدل في معنى البيان للمبدل منه، نحو: "جاء زيد أخوك" وهذا عندهم ضعيف لأن الإبدال بالمشتقات يقل. الرابع: أنه عطف بيان لـ "آخران" بين الآخرين بالأوليين. فإن قلت: شرط عطف البيان أن يكون التابع والمتبوع متفقين في التعرف والتنكير، على أن الجمهور على عدم جريانه في النكرة خلافا أبي علي، و"آخران" نكرة، و"الأوليان" معرفة. قتل: هذا سؤال صحيح، ولكن يلزم الأخفش ويلزم الزمخشري جوازه: أما الأخفش فإنه يجيز ان يكون "الأوليان" صفة لـ "آخران" بما سأقرره عنه عند تعرضي لهذا الوجه، والنعت المنعوت يشترط فيهما التوافق، فإذا جاز فيا لنعت فليجز فيما هو شبيه به، إذ لا فرق بينهما إلا اشتراط الاشتقاق في النعت. وأما لزمخشري فإنه لا يشترط ذلك - أعني التوافق - وقد نص هو في سورة آل عمران على أن قوله تعالى : {مقام إبراهيم} عطف بيان لقوله { فيه آيات بينات} و{آيات بينات} نكرة لكنها لم‍ا تخصصت بلاوصف قربت من املعفرة، كما قدمته عنه في موضعه، وكذا "آخران" قد وصف بصفتين فقرب من المعرفة أشد من "آيات بينات" من حيث وصفت بصفة واحدة. الخامس: أنه بدل من فاعل "يقومان".
(6/67)
---

(1/2230)


السادس: أنه صفة لـ "آخران"، أجاز ذلك الأخفش قال أبو علي: "وأجاز أبو الحسن فيها شيئا آخر، وهو أن يكون "الأوليان" صفة لـ "آخران" لأنه لما وصف تخصص، فمن أجل وصفة وتخصيصه وصف بوصف المعارف" قال الشيخ: "وهذا ضيعيف لاسلتزامه هدم ما كادوا أن يجمعوا عليه من أن النكرة لا توصف بالمعرفة، ولا العكس" قلت: لا شك أن تخالفهما في التعريف والتنكير ضعيف، وقد ارتكبوا ذلك في مواضع، فمنها محكاه الخليل: "مررت بالرجل خير منك" في أحد الأوجه في هذه المسألة ومنها {غير المغضوب عليهم} على القول بأن "غير" صفة "الذين أنعمت عليهم" قوله:
1831- ولقد أمر على اللشيم يسبني * فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وقوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} على أن "يسبني" و"نسلخ" صفتان لما قبلها فإن الجمل نكرات، وهذه المثل التي أوردتها عكس ما نحن فيه، فإنها تؤول فيها المعرفة بالنكرة، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه كالمعرفة، إلا أن الجامع بينهما التخالف، ويجوز أن يكون ما نحن فيه من هذه المثل باعتبار أن "الأوليين" لما لم يقصد بهما شخصان معينان قربا من النكرة فوقعا صفة لها مع تخصصها هي، فصار في ذلك مسوغان: قريب النكرة من المعرفة بالتخصيص، وقرب المعرفة من النكرة بالإبهان، ويدل لما قلته ما قال أبو البقاء: "والخامس أن يكون صفة لـ "آخران" لأنه وإن كان نكرة قد وصف والأوليان لم يقصد بهما قصد اثنين بأعيانهما".
(6/68)
---

(1/2231)


السباع: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله بـ "استحقط إلا أن كل من أعربه كذا قدره قبله مضافا محذوفا. واختلفت تقديرات المعربين، فقال: مكي: "تقديره: استحق عليهم إثم الأوليين" وكذا أبو البقاء وقد سبقهما إلى هذا التقدير ابن جرير الطبري وقدره الزمخشري فقال: "من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال"، وممن ذهب إلى ارتفاع "الأوليين " بـ "استحق" أبو علي الفارسي ثم منعه، قال: "لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئا منها، وأما الأوليان ابمليت فلا يجوز أن يستحقا فيسند استحق إليهما" قلت: إنما منع أبو علي ذلك على ظاهر اللفظ فإن الأولينن لم يستحقها أحد كما ذكر، ولكن يجوز أن يسند "استحق" إليهما بتأويل حذف المضاف المتقدم. وهذا الذي منعه الفارسي ظاهرا هو الذي حمل الناس على إضمار ذلك المضاف، وتقديره الزمخشري بـ "انتداب الأوليين" أحسنث من تقدير غيره، فإن المعنى يساعده، وأما إضمار "الإثم" فلا يظهر أصلا إلا بتأويل بعيد.
(6/69)
---

(1/2232)


وأجاز ابن عطية أن يرتفع "الأوليان" بـ "استحق" أيضا، ولكن ظاهر عبارته أنه لم يقدر مضافا فإنه استشعر باستشكال الفارسي المتقدم فاحتال في الجواب عنه وهذا نصه، قال ما ملخصه: إنه "حمشل "استحق" هنا على الاستعارة فإنه ليس استحقاقا حقيقة لقوله: {استحقآ إثما} وإنما معناه أنهم غلبوا على المال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو أهل دنيه فجعل تسورهم عليه استحقاقا مجازا، والمعنى: من الجماعة التي غابت وكان من حقها أن تحضر وليها، فلما غابت وانفرد هذا الموصي استحقت هذه الحال، وهذان الشاهدان من غير أهل الدين والولاية وأمر الأوليين على هذه الجامعة، فبني العفل للمفعول على هذا المعنى إيجازا، ويقوي هذا الفرض تعدي الفعل بـ "على" لما كان باقتدار وحمل هيأته الحال، ولا يقال: استحق منه أو فيه إلا في الاستحقاق الحقيقي على وجهه، وأما "استحق عليه" فالبحمل والغلبة والاستحاق المستعار" انتهى، فقد أسند "استحق" إلى الأوليان" من غير تقدير مضاف متأولا له بما ذكر، واحتملت طول عبارته لتتضح.
(6/70)
---

(1/2233)


واعلم أن مرفوع "استحقط في الأوجه المتقدمة - أعني غير هذا الوجه وهو إسناده إلى "الأوليان" - ضمير يعود على ما تقدم لفظا أوسياقا، واختلفت عباراتهم، فيه، فقال الفارسي والحوفي وأبو البقاء والزمخشري: أنه ضمير الإثم، والإثم قد تقدم في قوله: {استحقآ إثما} وقال الفارسي والحوفي ايضا: "استحق هو الإيصاء أو الوصية" قالت: إضمار الوصية مشكل؛ لأنه إذا أسند الفعل إلى ضمير المؤنث مطلقا وجبت التاء إلا في ضرورة، ويونس لا يخصه بها، ولا جائز أن يقال أضمر لفظ الوصية لأن ذلك حذف، والفاعل عندهما لا يحذف. وقال النحاس مستحسنا لإضمرا الإيصاء: "وهذا أحسن ما قيل فيه؛ لأنه لم يجعل حرف بدلا من حرف" يعني أنه لا يقول إ "على" بمعنى "في"، ولا بمعنى "من" كما قيل بهما، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد جمع الزمخشري غالب ما قلته وحكيته من الإعراب والمعنى بأوجز عبارة فقال: "فـ "آخران" أي: فشاهدان آخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم أي: [من الذين] استحق عليهم الإثم، ومعناه: من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته والأولان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: "هما الأوليان" كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: والأوليان، وقيل: هما بدل من الضمير في "يقومان" أو من "آخران" ويجوزث أن يرتفعا بـ "استحق" أي: من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال".
(6/71)
---

(1/2234)


وقوله {عليهم}: في "على" ثلاثة أوجه، أحدها: أنها على بابها، قال ابو البقاءك "كقولك: "وجب عليه الاثم" وقد تقدم عن النحاس أنه لما أضمر الإيصاء بقاها على بابهان واستحسن ذلك. والثاني: أنها بمعنى "في" أي: استحق فيهم الإثم فوقعت "على" مقوقع "في" كما تقعث "في" موقعها كقوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي: على جذوع، وكقوله:
1832- بطل كأن ثيابه في سرحة * يحذى نعال السبت ليس بتوءم
أي: على سرحة. وقدره أبو البقاء فقال: "أي استحق فيهم الوصية" والثالث: أنها بمعنى "من" أي: استحق منهم الإثم، ومثله قوله تعالى: {إذا اكتالوا على الناس} أي: من الناس. وقدره أبو البقاء فقال: "اي استحق منهما الأوليان، فحين جعلها بمعنى "في" قدر "استحق" مسندا للوصية، وحين جعلها بمعنى "من" قدره مسندا لـ "الأوليان" وكان لما ذكر القائم مقام الفاعل لم يذكر إلا ضمير الإثم والأوليان. وأجاز بعضهم أن يسند "استحق" إلى ضميرالمال أي: استحق عليهم المال الموروث، وهو قريب.
فقد تقرر أن في مرفوع "استحق خمسة أوجه، أحدها: "الأوليان"، والثاني: ضمير الإيصاء، الثالث: ضير الوصية، وهو في المعنى كالذي قله وتقدم إشكاله، والرابع: أنه ضمير الإثم، الخامس: انه ضمير المال، ولم أرهم أجازوا أن يكون "عليهم" هو القائم الفاعل نحو: {غير المغضوب عليهم} كأنهم لم يروا فيه فائدة.
(6/72)
---

(1/2235)


وأما قراءة حفص فـ {الأوليان} مرفوع بـ "استحق" ومفعوله محذوف، قدره بعضهم "وصيتهما" وقدره الزمخشري بـ "أن يجردوهما للقيام بالشهادة" فإنه قال: "معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بها كذب الكاذبين" وقال ابن عطية: "الأوليان" رفع بـ "استحق" وذلك أن يكون المعنى: من الذين استحق عليهم مالهم وتركتهم شاهدا الزور فسميا أوليين أي: صيرهما عدم الناس أوليين بالميت وتركته فخانا وجارا فيها، أو يكون المعنى: من الذين حق عليهم أن يكون الأوليان منهم، فاستحق بمعنى حق كاستعجب وعجب، أو يكون استحق بمعنى سعى واستوجب فالمعنى: من القوم الذين حضر أوليان منهم فاستحقا عليهم أي: استحقا لهم وسعيا فيه واستوجباه بأيمانهما وقربانهما" قال الشيخ - بعد أن حكى عن الزمخشري وأي محمد ما قدمته عنهما -: "وقال بعضهم: المفعول محذوف تقديره: الذين استحق عليهم الأوليان وصيتهما" قلت: وكذا هو محذوف أيضا في قولي أبي القاسم وأبي محمد وقد بينتهما ما هما فهو عند الزمخشري قوله: "أن يجردوهما" وعند ابن عطية هو قوله: {ما لضهم وتركتهم}، فقوله: "وقال بعضهم: المفعول محذوف" يوهم أنه لم يدر أنه محذوف فيما تقدم أيضا. وممن ذهب إلى أن "استحق" بمعنى "حق" المجرد الواحدي فإنه قال: واستحق هنا بمعنى حق، أي وجب، والمعنى: فآخران من الذين وجب عليهم الإيضاء بتوصيته بينهم وهم ورثته" وهذا التفسير الذي ذكره الواحد أوضح من المعنى الذي ذكره ابو محمد على هذا الوجه وهو ظاهر.
(6/73)
---

(1/2236)


وأما قراءة حمزة وأبي بكر فمرفوع "استحق" ضمير الإيصاء أو الوصية أو المال أو الإثم حسبما تقدم، وأما "الأولين" فجمع "أول" المقابل لـ "آخر" وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه مجرور صفة لـ "الذين". الثاني: أنه بدل منه وهو قليل لكونه مشتقا. الثالث: أنه بدل من الضمير في "عليهم"، وحسنه هنا وإن كان مشتقا عدم صلاحية ما قبله للوصف، نقل هذين الوجهين الأخيرين مكي الرابع: أنه منصوب على المدح، ذكره الزمخشري، قال: "ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها"، وإنما فسر الأولي بالتقدم على الأجاب جريا على ما مر في تفسيره: أو آخران من غيركم أنهما من الأجانب لا من الكفار. وقال الواحدي: "وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم، وإنما قيل لهم "الأولين" من حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم: {يا أيها الذين آمنوا شهادة} وكذلك {اثنان ذوا عدل منكم} ذكرا في اللفظ قبل قوله: {أو آخران من غيركم} وكان ابن عباس يختار هذه القراءة ويقول: "أرأيت إن كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما"؟ أراد أنهما إذا كانا صغيرين لم يقوما في اليمين مقام الحانثين. ونحا ابن طعية هذا المنحى قال: "معناه من القوم الذين استحق عليهم أمرهم أي: غلبوا عليه، ثم وصفهم بأنهم أولون أي: في الذكر في هذه الآية".
وأما قراءة الحسن فالأولان مرفوعان بـ"استحق" فإنه يقرؤه مبنيا للفاعل. قال الزمخشري: و"يحتج به من يرى رد اليمين على المدعي"، ولم يبين من هما الأولان، والمراد بهما الاثثان المقتدمان في الذكر. وهذه المقراءة كقراءة حفص، فيقدر فيها ما ذكر، ثم مما يليق من تقدير المفعول.
(6/74)
---

(1/2237)


وأما قراءة ابن سرين فانتصابها على المدح ولا يجوز فيها الجر، لأنه: إما على البدل وإما على الوصف بجمع، والأولين في قراءته مثنى فتعذر فيها ذلك. وأما قراءة "الأولين" كالأعلين فحكاها أبو البقاء قراءة شاذة لم يعزها، قال: "ويقرأ "الأولين" جمع الأولى، وإعرابه كإعراب الأولين" يعني في قراءة حمزة، وقد تقدم أن فيها أربعة أوجه وهي جارية هنا.
قوله: "فيقسمان" نسق على "يقومان" والسبية فيها ظاهرة. و"لشهادتنا أحق": هذه الجملة جواب القسم في قوله: "فيقسمان" و"ذلك أدنى" لامحل لهذه الجملة لاستئنافها، والمشار إليه الحكم السابق بتفصيله، أي: ما تقدم ذكره من الأحكام أقرب إلى حصول إقامة الشهادة على ما ينبغيز وقيل المشار إليه الحبس بعد الصلاة، وقيل: تحليف الشاهدين. و"أن يأتوا" أصله إلى أن يأتوا. وقدره أبو البقاء بـ"من" أيضا، أي: أدنى من أن يأتوا. وقدره مكي بالباء أي: بأن يأتوا، وليسا بواضحين، ثم حذف حرف الجر فنشأ الخلاف المشهور. و"على وجهها" متعلق بـ"يأتوا". وقيل: في محل نصب على الحال منها، وقدره أبو البقاء بـ"محققة وصحيحة" وهو تفسير معنى؛ لما عرفت غير مرة من أن الأكوان المقيدة لا تقدر في مثله.
(6/75)
---

(1/2238)


قوله: {أو يخافواا} في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوب عطفا على "يأتوا" وفي "أو" على هذا تأويلان، أحدهما: أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين، والمعنى: ذلك الحكم أقرب إلى حصول الشهادة على ما ينبغي أو خوف رد الأيمان إلى غيرهم فتسقط أيمانهم. والتأويل الآخر: أن تكون بمعنى الواو، أي: ذلك الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا، وأقرب إلى أن يخافوا، وهذا مفهوم من قول ابن عباس. الثاني من وجهي النصب: أنه منصوب بإضمار "أن" بعد "أو" ومعناها "إلا" كقولهم: "لألزمنك أو تقضيني حقي" تقديره: إلا أن تقضيني، فـ "أو" حرف عطف على بابها، والفعل بعدها منصوب بإضمار "أن" وجوبا، و"أن" وما في حيزها مؤولة بمصدر، ذلك المصدر معطوف على مصدر متوهم من الفعل قبله، فمعنى: لألزمنك أو تقضيني حقي: ليكونن مني لزوم لك أو قضاؤك لحقي، وكذا المعنى هنا أي: ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادة على وجهها؛ وإلا خافوا رد الأيمان، كذا قدره ابن عطية بواو قبل "إلا" وهو خلاف تقدير النحاة، فإنهم لا يقدرون "أو" إلا بلفظ "إلا" وحدها دون واو. وكأن "إلا" في عبارته على ما فهمه الشيخ ليست "إلا" الاستثنائية، بل أصلها "إن" شرطية دخلت على "لا" النافية فأدغمت فيها، فإنه قال: "أو تكون "أو" بمعنى "إلا إن"، وهي التي عبر عنها ابن عطية بتلك العبارة من تقديرها بشرط - محذوف فعله - وجزاء انتها. وفيه نظر من وجهين، أحدهما: أنه لم يقل بذلك أحد، أعني كون "أو" بمعنى الشرط. والثاني: انه بعد أنء حكم عليها بأنها بمعنى "إلا إن" جعلها بمعنى شرط حذ فعله.
(6/76)
---

(1/2239)


و {أن ترد} في محل نصب على المفعول به اي: أو يخافوا رد أيمانهم. و"بعد أيمانهم" إما ظرف لـ "ترد" أو متعلق بمحذوف على أنها صفة لـ"أيمان" وجمع الضمير في قوله "يأتوا" وما بعده وإن كان عائدا في المعنى على مثنى وهو الشاهدان، فقيل: هو عائد على صنفي الشاهدين. وقيل: بل عائد على الشهود من الناس كلهم، معناه: ذلك أولى وأجدر أن يحذر الناس الخيانة فيتحروا في شهادتهم خوف الشناعة عليهم والفضحية في رد اليمين على المدعي. وقوله: {واتقوا الله} لم يذكر معلق التقوى: إما للعلم به أي: واتقوا الله في شهادتكم وفي الموصين عليهم بأ، لا تختلسوا لهم شيئا؛ لأن القصة كانت بهذا السبب، وإما قصدا لإيقاع التقوى، فيتناول كل ما يتقى منه. وكذا مفعول "اسمعوا" إن شئت حذفته اقتصارا أو اختصارا أي: اسمعوا أوامره ونواهيه من الأحكام المتقدم، وما أفصح ما جيء بهاتين الجملتين الأمريتين، فتبارك الله أصدق القائلين.

* { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب }
(6/77)
---

(1/2240)


قوله تعالى: {يوم يجمع}: في نصبه أحد عشر وجها، أحدها: أنه منصوب بـ "اتقوا" أي: اتقوا الله في يوم جمعه الرسل قاله الحوفي، وهذا ينبغي ألا يجوز لأن أمرهم بالتقوى في يوم القيامة لا يكون، إذ ليس بيوم تكليف وابتلاء، ولذلك قال الواحدي: ولم "ينصب اليوم الظرف للاتقاء، لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول بقه كقوله: {واتقوا يوما} الثاني: أنه منصوب بـ "اتقوا" مضمرا يدل عليه "واتقوا الله" قال الزجاج: "هو محمول على قوله: "واتقوا الله" ثم قال: "يوم يجمع" أي: واتقوا ذلك اليوم"، فدل ذكر الاتقاء في الأول على الاتقاء في هذه الآية، ولا يكون منصوبا على الظرف للاتقاء في الأول على الاتقاء في هذه الآية، ولا يكون منصوبا على الظرف للاتقاء لأنهم لم يؤمروا بالاتقاء في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كقوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} الثالث: أنه منصوب بإضمار "اذكروا" الرابع: بإضمار "احذروا" الخامس: أنه بدل اشتمال من الجلالة. قال الزمخشري: "يوم يجمع" بدل من المنصوب في "واتقوا الله" وهو من بدل الاشتمال كأنه قيل: واتقوا الله يوم جمعه" انتهى، ولا بد من حذف مضاف على هذا الوجه حتى تصح له هذه العبارة التي ظاهرها ليس بجيد، لأن الاشتمال لا يوصف به الباري تعالى أي مذهب فسرناه من مذاهب النحويين في الاشتمال، والتقدير: واتقوا عقاب الله يوم يجمع رسله، فإن العقاب مشتمل على زمانه، أو مانثه مشتملق عليه، أو عاملها مشتمل عليهما على حسب الخلاف في تفسير البدل الاشتمالي، فقد تبيين لك امتناع هذه العبارات بالنسبة إلى الجلالة الشريفة. واستعبد الشيخ هذا الوجه بطول الفصل بجملتين، ولا بعد فإن هاتين الجملتين من تمام معنى الجملة الأولى. السادس: أنه منصوب بـ

(1/2241)


(6/78)
---
"لا يهدي" قال الزمخشري وأبو البقاء. قال الزمخشري: "أي: لا يهديهم طريق الجنة يؤومئذ كما يفعل بغيرهم". وقال أبو البقاء: "أي: لا يهديهم في ذلك اليوم إلى حجة أو إلى طريق الجنة".
السابع: أنه مفعول به وناصبه "اسمعوا" ولا بد من حذف حينئذ لأن الزمان لا يسمع، فقدره أبو البقاء: "واسمعوا خبر يوم يجمع" ولم يذكر أبو البقاء غير هذين الوجهين وبدأ بأولهما. وفي نصبه بـ"لا يهدي" نظر من حيث إنه لا يهديهم مطلقا لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا، أعني المحكوم عليهم بالقسق، وفي تقدير الزمخشري "لايهديهم إلى طريق الجنة" نحو إلى مذهبه من أن نفي الهداية المطلقة لا يجوز على الله تعالى، ولذلك خصص المهدى إليه ولم يذكر غيره، والذي سهل ذلك عنده أيضا كونه في يوم لا تكليف فيه، وأما في دار التكليف فلا يجيز المعتزلي أن ينسب إلى الله تعالى نفي الهداية مطلقا البتة. الثامن: أنه منصوب بـ"اسمعوا" قاله الحوفي، وفيه نظر لأنهم ليسوا مكلفين بالسماع في ذلك اليوم، إذ المراد بالسماع السماع التكليفي. التاسع: أنه منصوب بإضمار فعل متأخر أي: يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكات، قاله الزمخشري. العاشر: قلت: يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال، فإن كلا من هذه العوامل الثلاثة المتقدمة يصح تسلطه عليه بدليل أن العلماء جوزوا فيه ذلك، وتكون المسألة مما تنازع فيها ثلاثة عوامل وهي "اتقوا" و"اسمعوا" و"لا يهدي"، ويكون من إعمال الأخير لأنه قد حذف من الأولين ولا مانع يمنع من الصناعة، وأما المعنى فقد قدمت أنه لا يزهر نصب "يوم" بشيء من الثلاثة لأن المعنى يأباه، وإنما أجزت ذلك جريا على ما قالوه وجوزو، لاسيما أبو البقاء فإنه لم يذكر غير كونه منصوبا بـ"اسمعوا" أو بـ"لايهدي"،و كذا الحوفي جوز أن ينتصب بـ "اتقوا"

(1/2242)


وبـ"اسمعواط
(6/79)
---
الحادي عشر: أنه منصوب بـ"اقولوا: لا علم لنا" أي: قال الرسل يوم جمعهم وقول الله لهم ماذا أجبتم. واختاره الشيخ على جميع ما تقدم، قال: "وهو نظير ما قلناه في قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل} وهو وجه حسن.

قوله: {ماذآ أجبتم } فيه أربعةأقوال، أحدها: أن "ماذا" بمنزلة اسم واحد، فغلب فيه جانب الاستفهام ومحله النصب على المصدر بما بعده، والتقدير: أي إجابة أجبتم. قال الزمشخري: "ماذا أجبتم" منتصب انتصاب مصدر على معنى: أي إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم" أي: لو أريد الكلام المجاب لقيل: بماذا. ومن مجيء "ماذا" كله مصدرا قوله:
1833- ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما * لا ترقدان ولا بؤس لمن رقدا
(6/80)
---

(1/2243)


الثاني: أن "ما" استفهامية في محل رفع بالاتداء و"ذا" خبره، وهي موصولة بمعنى الذي لاستكمال الشرطين المذكورين، و"أجبتم" صلتها، والعائد محذوف أي: ما الذي أجبتم به، فحذف العائد، قاله الحوفي. وهذا لايجوز، لأنه لا يجوز حذف العائد المجرور إلا إذا جر الموصول بحرف مثل ذلك الحرف الجار للعائد، وأن يتحد متعلقاهما: نحو: "مررت بالذي مررت" أي: مررت به لم يجز، اللهم إلا أن يدعى حذفه على التدريج بأن يحذف حرف الجر فيصل الفعل إلى الضمير فيحذف كقوله: {وخضتم كالذي خاضواا} أي: في أحد أوجهه، وقوله: {فاصدع بما تؤمر} في أحد وجهيه، وعلى الجملة فهو ضعيف. الثالث: أن "ما" مجرورة بحرف جر مقدر، لما حذف بقيت في محل نصب، ذكره أبو البقاء وضعف الوجه الذي قبله - أي كون ذا موصولة - فإنه قال: "ماذا" في موضع نصب بـ "أجبتم" وحرف الجر محذوف، و"ما" و"ذا" هنا بمنزلة اسم واحد، ويضعف أن تجعل "ما" بمعنى الذي لأنه لا عائد هنا، وحذفث العائد مع حرف الجر ضعيف" قلت: أما جعله حذف العائد المحرور ضعيفا فصحيح تقدم شرحه والتنبيه عليه، وأما حذف حرف الجر وانتصاب مجروره فهو ضعيف أيضا، لا يجوز إلا في ضرورة كقوله:
1834- فبت كأن العائدات فرشنني *.....................
وقوله:
1835- ........................... * وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
وقوله:
1836- تمرون الديار ولم تعوجوا * ........................
(6/81)
---

(1/2244)


وقد تقدم تحقيق ذلك واستنثاء المطرد منه، فقد فر من ضعيف ووقع في أضعف منه. الرابع: قال ابن عطية" "معناه: ماذا أجابت به الأمم" فجعل "ماذا" كناية ع المجاب به لا المصدر، وبعد ذلك، فهذا الكلام منه محتمل أن يكون مثل ما تقدم حكايته عن الحوفي في جعله "ما" مبتدأ استفهامية، و"ذا" خبره على أنها موصولة، وقد تقدم التنبيه على ضعفه، ويحتمل أن يكون "ماذا" كله بمنزلة اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، وأجبتم" خبره، والعائد محذوف كما قدره هو، وهو أيضا ضعيف، لأنه لا يحذف عائد المبتدأ وهو مجرور إلا في مواضع ليس هذا منها، لو قلت: "زيد مررت" لم يجز، وإذا تبين ضعف هذه الأوجه رجح الأول.

والجمهور على "أجبتم" مبينا للمعفولن وفي حذف الفاعل هنا ما لا يبلغ كنهه من الفصاحة والبلاغة حيث اقتصر على خطاب رسله غير مذكور معهم غيرهم، رفعا من شأنهم وتشريفا واختصاصا. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة "أجبتم" مبنيا للفاعل والمفعول محذوف أي: مذا أجبتم أممكم حين كذبوكم وآذوكم، وفيه توبيخ للأمم، وليست في البلاغة كالأولى.
(6/82)
---

(1/2245)


وقول: {أنت علام الغيوب} كقوله: {إنك أنت العليم الحكيم} في البقرة. والجمهور على رفع "علام الغيوب" وقرئ بنصبه وفيه أوجه ذكرها أبو القاسم وهي: الاختصاص والنداء وصفة لاسم "إن" قال: "وقرئ بالنصب على أن الكلام تم عند قوله إنك "أنت" أي: إنك المصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره، ثم انتصب "علام الغيوب" على الاختصاص أو على النداء أو هو صفة لاسم "إن" قال الشيخ: "وهو على حذف الخبر لفهم المعنى، فتم الكلام بالمقدر في قوله "إنك أنت" اي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره" ثم قال: "وقال الزمخشري: ثم انتصب فذكره إلى آخره" فزعم أن الزمخشري قدر لـ"إنك" خبرا محذوفا، والزمخشري لا يريد ذلك البتة ولا يرتضيه، وإنما يريد أن هذا الضمير بكونه لله تعالى هو الدال على تلك الصفات المذكورة لا انفكاك لها عنه، وهذا المعنى هو الذي تقضيه البلاغة والذي غاص [عليه أبو القاسم، لا ماقدره] الشيخ موهما أنه أتى به من عنده. ويعني بالاختصاص النصب على المحد لا الاختصاص الذي هو شبيه بالنداء، فإن شرطه ان يكون حشوا، ولكن الشيخ قد رد على أبي القاسم قوله "إنه يجوز أن يكون صفة لاسم "إن" بأن اسمها هنا ضمير مخاطب، والضمير لا يوصف مطلقا عند البصريين، ولا يوصف منه عند الكسائي إلا ضمير الغائب لإبهامه في قولهم "مررت به المسكين" مع إمكان تأويله بالبدل وهو رد واضح، على أنه يمكن أن يقال أراد بالصفة البدل وهي عبارة سيبويه، يطلق الصفة ويريد البدل فله أسوة بإمامه واللازم مشترك، فما كان جوابا عن سيبويه كان جوابا له، ولكن يبقى فيه البدل بالمشتق وهو اسهل من الأول. ولم أرهم خرجوها على لغة من ينصب الجزأين بـ"إن" وأخواتها كقوله:
1837- .................. *.......إن حرا سنا أسدا

(1/2246)


(6/83)
---
[وقوله]:
1839- ليت الشباب هو الرجيع على الفتى * ......................

[وقوله]:
1840- كأن أذنيه إذا تشوفا * قادمة أو قلما محرفا
ولو قيل به لكان صوابا
و"علام" مثال مبالغة فهو ناصب لما بعده تقديرا، وبهذا ايضا يرد على الزمخشري على تقدير تسليم صحة وصف الضمير من حيث إنه نكرة؛ لأن إضافته غير محضة وموصوفه معرفة. والجمهور على ضم العين من "الغيوب" وهو الأصل، وقرأ حمزة وأبو بكر بكسرها، والخلاف جار في ألفاظ أخر نحو: "البيوت والجيوب والعيون والشيوخ" وقد تقدم تحرير هذا كله في البقرة عند ذكر {البيوت} وستأتي كل لفظة من هذه الألفاظ معزوة لقارئها في سورها إن شاء الله تعالى. وجمع الغيب هنا وإن كان مصدرا لاختلاف أنواعه، وإن أريد به الشيء الغائب، أو قلنا إنه مخفف من فيعيل كما تقدم تحقيقه في البقرة فواضح.

* { إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بنيا إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هاذا إلا سحر مبين }
(6/84)
---

(1/2247)


قوله تعالى: {إذ قال الله}: فيها أوجه، أحدها: أنه بدل من "يوم يجمع" قال الزمخشري: "والمعنى: أنه يوبخ الكافرين بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام فكذبهم بعضهم وسموهم سحرة، وتجاوز بعضهم الحد فجعله وأمه إليهن". ولما ذكر ابو البقاء هذا الوجه تأول فيه "قال" بـ"يقول" وأن "إذ" وإن كانت للماضي فإنما وقعت هنا على حكاية الحال. الثاني: أنه منصوب بـ"اذكر" مقدرا، قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون التقدير: إذ يقول"، يعين أنه لا بد من تأويل الماضي بالمستقبل، وهذا كما تقدم له في الجوه قبله، وكذا ابن عطية تأوله بـ "يقول" فإنه قال: "تقديره: اذكر يا محمد إذ" و"قال" هنا بمعنى "يقول" لأن ظاهر هذا القول إنما هو في يوم القيامة تقدمه لقوله: {أأنت قلت للناس} الثالث: أنه في محل رفع خبرا لمتبدأ مضمر، أي: ذلك إذ قال، ذكره الواحدي وهذا ضعيف، لأن "إذا" لا يتصرف فيها، وكذلك القول بأنها مفعول بها بإضمار "اذكر" وقد تقدم تحقيق ذلك، اللهم إلا أن يريد الواحدي بكونه خبرا أنه ظرف قائم مقام خبر نحو: "زيد عندك" فيجوز.
(6/85)
---

(1/2248)


قوله: {ياعيسى ابن مريم} تقدم الكلام في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها و"ابن" صفة لـ "عيسى" نصب لأنه مضاف، وهذه قاعدة كلية مفيدة، وذكل أن المنادى المفرد المعرفة الظاهر الضمة إذا وصف بـ"ابن" أو ابنة ووقع الابن أو الابنة بين علمين أو اسمين متفقين في اللفظ ولم يفصل بين الابن وبين موصوفه بشيء تثبت له أجكام منها: أنه يجوز إتباع المنادى المضموم لحركة نون "ابن" فيفتح نحو: "يا زيد بن عمرو، ويا هند ابنة بكر" بفتح الدال من "زيد" و"هند" وضمها، فلو كانت الضمة مقدرة نحو ما نحن فيه، فإن الضمة مقدرة على ألف "عيسى" فهل يقدر بناؤه على الفتح إتباعا كما في الضمة الظاهرة؟ خلاف: الجمهور على عدم جوازه، إذ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإتباع وهذا المعنى مفقود في الضمة المقدرة. وأجاز الفراء ذلك إجراء للمقدر مجرى الظاهر، وتبعه أبو البقاء فإنه قال: "يجوز أن يكون على الأف من "عيسى" فتحة، لأنه قد وصف بـ"ابن" وهو بين علمين، وأن يكون علهيا ضمة، وهو مثل قولك: "يا زيد بن عمرو" بتفح الدال وضمها". وهذا الذي قالاه غيره بعيد، ويشهد له مسألة عند الجميع: وهو ما إذا كان المنادى مبنيا على الكسر مثلا نحو: "يا هؤلاء" فإنهم أجازوا في صفته الوجهين: الرفع والنصب فيقولون: "يسا هؤلاء العقلاء والعقلاء" بنصب العقلاء ورفعها، قالوا: والرفع مراعاة لتلك الضمة المقدرة على "هؤلاء" فإنه مفرد معرفة، والنصب على محله، فقد اعتبروا الضمة المقدرة في الإتباع، وإن كان ذلك فائتا، في اللفظ. وقد يفرق بأن "هؤلاء" نحن مضطرون في إلى تقديره تلك الحركة لأنه مفرد معرفة، فكأنها ملفوظ بها بخلاف تقدير الفتحة هنا.
(6/86)
---

(1/2249)


وقال الواحدي في "يا عيسى": ويجوز أن يكون في محل النصب [لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيدا له، وكل ما كان] مثل هذا جاز فيه الوجهان نحو: "يا زيد بن عمرو" وأنشد:
1841- يا حكم بن المنذر بن الجارود * أنت الجواد بن الجواد بن الجود
سرادق المجد عليك ممدود
بنصب الأول ورفعه على ما بينا. وقال التبريزي: "الأظهر عندي أن موضع "عيسى" نصب؛ لأنك [تجعل الاسم مع نعته إذا أضفته إلى العلم] كالشيء الواحد المضاف، وهذا الذي قالاه لا يشبه كلام النحاة أصلا، بل يقولون: الفتحة للإتباع ولم يعتد بالساكن لأنه حاجز غير حصين، كذا قال الشيخ قلت: قد قال الزمخشري - وكونه ليس من النحاة مكابرة في الضروريات - عند قوله: {إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم}: "عيسى في محل النصب على إتباع حركته حركة الابن كقولك: "يا زيد بن عمرو" وهي اللغة الفاشية، ويجوز أن يكون مضموما كقولك "يا زيد بن عمرو" والدليل عليه قوله:

1842- أحار بن عمرو كأني خمر *.....................
لأن الترخيم لا يكون إلى في المضموم "انتهى. فاحتاج إلى الاعتذار عن تقدير الضمة، واستشهد لها بالبيت لمخالفتها اللغة الشيهرة.
(6/87)
---

(1/2250)


وقولي: "المفرد" تحرز من المطول. وقولي "المعرفة" تحرز من النكرة نحو: "يا رجلا ابن رجل" إذا لم تقصد به واحدا بعينه. وقولي: "الظاهر الضمة" تحرز من نحو: "يا موسى بن فلان" وكالآية الكريمة. وقولي: بـ"ابن" تحرز من الوصف بغيره نحو: "يا زيد صاحبنا" وقولي: "بين علمين أو متفقين لفظا" تحرز من نحو: "يا زيد بن أخينا" وقولي: "غير مفصول" تحرز من نحو: "يا زيد العاقل ابن عمرو" فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضم. وقولي: "أحكام" قد تقدمت منها ما ذكرته من جواز فتحه إتباعا، ومنها: حذف ألفه خطا، ومنها: حذف تنوينه في غير النداء؛ لأن المنادى لا تنوين فيه. قولي: "وصف" تحرز من أن يكون الابن خبرا لا صفة نحو: "زيد ابن عمرو" وهل يجوز إتباع "ابن" فيضم نحو: "يا زيد" بن عمرو" بضم "ابن"؟ فيه خلاف.
وفي قوله: {ابن مريم} ثلاثة أوجه، أحدها: أنه صفة كما تقدم، والثاني: أنه بدل والثالث: أنه بيان، وعلى الوجهين الأخيرين لا يجوز تقدير التفحة إتباعا إجماعا، لأن الابن لم يقع صفة، وقد تقدم أن ذلك شرط.
قوله: {إذ أيدتك} في "إذا" أوجه، أحدها: أنه منصوب بـ "نعمتي" كأنه قيل: اذكر إذا أنعمت عليك وعلى أمك في وقت تأييدي لكز والثاني: أنه بدل من "نعمتي" بدل اشتمال، وكأنه في المعنى تفسير للنعمة. والثالث: أنه حال من "نعمتي" قاله أبوالبقاء والرابع: أن يكون مفعولا به على السعة قاله أبو البقاء أيضاز قلت: هذا ه الوجه الثاني - أعني البدلية - وقرأ الجمهور "أيدتك" بتشديد الياء، وغيرهم "آيدتك" وقد تقدم الكلام على ذلك وعلى من قرأ بها وما قاله الزمخشري وابن عطية والشيخ في سورة البقرة فلينظر ثم.
(6/88)
---

(1/2251)


قوله: {تكلم الناس في المهد} إلى آخرها: تقدم ايضا في آل عمران، وما فائدة قوله: {في المهد وكهلا} إلا أن هنا بعض زيادات لابد من التعرض لها. قرأ ابن عباس: "فتنفخها" بحذف حرف الجر اتساعا. والجمهور: "فتكون" بالاء منقوطة فوق، وأبو جعفر منقوطة تحت، أي: فيكون المنفوخ فيه. والضمير في "فيها" قال ابن عطية: "اضطربت فيه أقوال المفسرين" قال مكي: "هو في آل عمران عائدة على الطائر، وفي المائدة عائد على الهيئة" قال: "ويصح عكس هذا". وقال غير مكي: "الضمير المذكور عائد على الطين". قال ابن عطية: "ولا يصح عود هذا الضمير على الطير ولا على الطين ولا على اليهئة، لأن الطير أو الطائر الذي يجيء الطين على هيئته لا ينفخ فيه البتة، وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة به، وكذلك الطين إنما هو الطين العام ولا نفخ في ذلك". وقال الزمخشري: "ولا يرجع الضمير إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خله ولا من نفخه في شيء، وكذلك الضمير في "فتكون". ثم قال ابن عطية: "والوجه عود ضمير المؤنث على ما تقضيه الآية ضرورة أي: صورا أو أشكالا أو اجساما، وعود الضمير المذكر على المخلوق المدلول عليه بـ "تخلق" ثم قال: "ولك أن تعيده على ما تدل عليه الكاف من معنى المثل لأن المعنى: وإذ تخلق م الطين مثل هيئته، ولك أن تعيده على الكاف نفسها فتكون اسما في غير الشعر" انتهى. وهذا القول هو عين ما قبله، فإن الكاف أيضا بمعنى مثل، وكونها اسما في غير الشعر لم يقل به غير الأخفش.
(6/89)
---

(1/2252)


استشكل الناس قول مكي المتقدم كما قدمت حكايته عن ابن عطية، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله "عائد على الطائر" لا يريد به الطائر الذي أضيفت إليه اليهيئة بل الكائر المصور، والتقدير: وإذ تخلق من الطين طائرا صورة الطائر الحقيقي فتنفخ فيه فيكون طائرا حقيقيا، وأن قوله "عائد على الهيئة" لا يريد الهيئة المجرورة بالكاف، بل الموصوفة بالكاف، والتقدير: وإذ تخلق من الطين هيئة مثل هيئة الطائر فتنفخ فيها أي: في الموصوفة بالكاف التي نسب خلقها إلى عيسى. وأما كونه كيف يعود ضمير مهر على هيئة وضمير مؤنث عل الطائر لأن قوله: "ويجوز عكس هذا" يؤدي إلى ذلك" فجوابه أنه جاز بالتأويل، لأنه تؤول الهيئة بالشكل ويؤول الطائر بالهيئة فاسقام، وهو موضع تأول وتأن. وقال هنا "بإذني" أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي آل عمران "بإذن الله" مرتين؛ لأن هناك موضع إخبار فناسب الإيجاز، وهنا مقام تذكير بالنعمة والامتنان فناسب الإسهاب؛ وقوله: "بإذني" حال: إما من الفاعل أو من المفعول.
(6/90)
---

(1/2253)


قوله: {إلا سحر} قرأ الأخوان هنا وفي هود وفي الصف "إلا ساحر" اسم فاعل، والباقون: "إلا سحر" مصدرا في الجميع، والرسم يحتمل القراءتين، فأما قراءة الجماعة فتحتمل أن تكون الإشارة إلى ما جاء به من البينات أي: ما هذا الذي جاء به من الآيات الخوارق إلى سحر، ويحتمل ان تكون الإشارة إلى عيسى، جعلوه نفس السحر مبالغة نحو: "رجل عدل"، أو على حذف مضاف أي: إلا ذو سحر. وخص مكي هذا الوجه بكون المراد بالمشار إليه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: "ويجوز أن تكون إشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على تقدير حذف مضاف أي: إن هذا إلا ذو سحر". قلت: وهذا جائز، والمراد بالمشار إليه عيسى عليه السلام، وكيف يكون المراد النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يكن في زمن عيسى والحواريين حتى يشيروا إليه إلا بتأويل بعيد" وأما قراءة الأخوين فتحتمل أن يكون "ساحر" اسم فاعل والمشار إليه "عيسى"، ويحتمل أن يكون المراد به المصدر كقولهم: "عائذا بكل وعائذا بالله من شرها، والمشار إليه ما جاء به عيسى من البينات والإنجيل، ذكر ذلك مكي، وتبعه أبو البقاء، إلا أن الواحدي منع من ذلك فقال - بعد أن حكى القراءتين - "وكلاهما حسن لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد تقدم، غير أن الاختيار "سحر" لجواز وقوعه على الحدث والشخص، وأما وقوعه على الحلث فسهل كثير، ووقوعه على الشخص يريد ذو سحر كقوله: {ولاكن البر من آمن} وقالوا: "إنما أنت سير" و"ما أنت إلا سير"و:

1843- ................... * فإنما هي إقبال وإبار
(6/91)
---

(1/2254)


قلت: وهذا يرجح ما قدمته من أنه أطلق المصدر على الشخص مبالغة نحو: "رجل عدل" ثم قال: "ولا يجوز أن يراد بساحر السحر، وقد جاء فاعل يراد به المصدر في حروف ليست بالكثير نحو: "عائذا بالله من شره" أي: عياذا، ونحو "العافية" ولم تصر هذه الحروف من الكثرة بحيث يسوغ القياس عليها"

* { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالواا آمنا واشهد بأننا مسلمون }

قوله تعالى: {أن آمنوا}: في "أن" وجهان، أظهرهما: أنها تفسير لأنها ودرت بعدما هو بمعنى القول لا حروفه. والثاني: انها مصدرية بتأويل متكلف أي: أوجبت إليهم الأمر بالإيمان، وهنا قالوا "آمنا" ولم يذكر المؤمن به، وهناك {آمنا بالله} فذكره، والفرق أن هناك تقدم ذكر الله تعالى فقط فأعيد المؤمن به فقيل: "بالله" وهنا ذكر شيئان قبل ذلك وهما: {أن آمنوا بي وبرسولي} فلم يذكر ليشمل المذكورين، وفيه نظر. وهنا "بأننا" وهناك "بأنا" بالحذف، وقد تقدم غير مرة أن هذا هو الأصل، وإنما جيء هنا بالأصل لأن المؤمن به متعدد فناسبه التأكيد.
(6/92)
---

(1/2255)


قوله: {هل يستطيع} قرأ الجمهور "يستطيع" بياء الغيبة "ربك" مرفوعا بالفاعلية، والكسائي: "تستطيع" تباء الخطاب لعيسى، و"ربك" بالنصب على التعظيم،وقاعدته أنه يدغم لام "هل" في أحرف منها هذا المكان، وبقراءة الكسائي قرأت عائشة، وكانت تقول: "الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك" كأنها - رضي الله عنها - نزهتهم عن هذه المقالة الشنيعة أن تنسب إليهم، وبها قرأ معاذ أيضا وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير في آخرين،وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة: هل تحتاج إلى حذف مضاف أم لا؟ فجمهورالمعربين / يقدرون: هل تستطيع سؤال ربك، وقال الفارسي: "وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير "سؤال" عل أن يكون المعنى: هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك، فيرد المعنى - ولا بد - إلى مقدر يدل عليه ما ذكر من اللفظ" قال الشيخ: "وما قاله غير ظاهر لأن فعله تعالى وإن كان مسببا عن الدعاء فهو غير مقدور لعيسى" واختار أبو عبيد هذه القراءة قال:"لأن القراءة الأخرى تشبه أن يكون الحواريون شاكين، وهذه لا توهم ذلك". قلت: وهذا بناء من الناس على أنهم كانوا مؤمنين، وهذا هو الحق.
(6/93)
---

(1/2256)


قال ابن الأنباري: "لا يجوز أحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى" وبهذا يظهر أن قول الزمخشري أنهم ليسا مؤمنين ليس بجيد وكأنه خارق للإجماع. قال ابن عطية: "ولا خلاف أحفظه أنهم كانوا مؤمنين". وأما القراءة الأولى فلا تدل هل لأن الناس أجابوا عن ذلك باجوبة منها: أن معناه: هل يسهل عليك أن تسأل ربك، كقولك لآخر: هل تستطيع أن تقوم؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك. ومنها: أنهم سألوه سؤال مستخبر: هل ينزل أم لا، فإن كان ينزل فاسأله لنا. ومنها: أن المعنى هل يفعل ذلك وهل يقع منه إجابة لذلك؟ ومنه ما قيل لعبد الله بن زيد: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ أي هل تحب ذلك؟ وقيل: المعنى: هل يطلب ربك الطاعة من نزول المائدة؟ قال أبو شامة: "مثل ذلك في الإشكال ما رواه الهيثم - وإن كان ضعيفا - عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرض فقال: يا بن أخي ادع ربك الذي تعبده فيعافين. قال: اللهم اشف عمي، فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال. فقال: يابن أخي إن ربك الذي تعبد ليطيعك. قال: وأنت يا عماه لو أطعته، أو: لئن أطعت الله ليطيعنك اي: ليجيبنك إلى مقصودك. قلت: والذي حسن ذلك المقابلة منه صلى الله عليه وسلم للفظ عمه كقوله: {ومكروا ومكر الله والله} وقيل: التقدير: هل يطيع؟ فالسين زائدة كقولهم: استجاب وأجاب، قال:
1844- وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب
(6/94)
---

(1/2257)


وبهذه الأجوبة يستغنى عن قول من قال: "إن يستطيع زائدة" والمعنى: هل ينزل ربك، لأنه لا يزال من الأفعال إلا "كان" بشرطين وشذ زيادة غيرها في مواضع عددتها في غير هذا الكتاب، على أن الكوفيين يجيزون زيادة بعض الأفعال مطلقا، حكوا: قعد فلان يتهكم بي"، وأنشدوا:
1845- على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد
وحكى البصريون على وجه الشذوذ: "ما اصبح أبردها وما أمسى أدافأها" يعنون الدنيا.
قوله {أن ينزل} في قراءة الجماعة في محل نصب مفعولا به أي: الإنزال. وقال أبو البقاء: "والتقدير: على أن ينزل، أو في أن ينزل، ويجوز ألا يحتاج إلى حرف جر على أن يكون "يستطيع" بمعنى "يطيق". قلت: إنما احتاج إلى تقدير حرفي الجر في الأول لأنه حمل الاستطاعة على الإجابة، وأما قوله أخيرا "إن يستطيع بمعنى يطيق" فإنما يظهر كل الظهور على رأي الزمخشري من كونهم ليسوا بمؤمنين. وأما في قراءة الكسائي فقالوا: هي في محل نصب على المعفولية بالسؤال المقدر أي: هل يستطيع أ،ت أن تسأل ربك الإنزال، فيكون المصدر المقدر مضافا لمفعوله الأول وهو "ربك" فلما حذف المصدر انتصب. وفيه نظر من أنهم أعملوا المصدر مضمرا، وهو لا يجوز عند البصريين، يؤولون ما ورد ظاهره ذلك. ويجوز أن يكون "أن ينزل" بدلا من "ربك" بدل اشتمال، والتقدير: هل تستطيع أي: هل يطيق إنزال الله تعالى مائدة بسبب دعائك؟ وهو وجه حسن.
(6/95)
---

(1/2258)


و"مائدة" مفعول "ينزل" والمائدة: الخوان عليه طعام، فإن لم يكن عليه طعام فليست بمائدة، هذا هو المشهور، إلا أن الراغب قال: "والمائدة: الطبق الذي عليه طعام، ويقال لكل واحد منها مائدة" وهو مخالف لما عليه المعظم، وهذه المسألة لها نظائر في اللغة، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه طعام وإلا فهو خوان، ولا يقال كأس إلا وفيها خمر وإلا فيه قدح، ولا يقال ذنوب وسجل إلا وفيه ماء، وإلا فهو دلو، ولا يقال جراب إلا وهو مدبوع وإلا فهو إهاب، ولا قلم إلا وهو مبري وإلا فهو أنبوب. واختلف اللغويون في اشتقاقها فقال الزجاج: "هي من ماد يميد إذ تحرك، ومنه قوله: {رواسي أن تميد بهم} ومنه: ميد البحر" وهو ما يصيب راكبه، فكأنها تميد بما عليها من الطعام، قال: "وهي فاعله على الأصل" وقال أبو عبيد: "هي فاعلة بمعنى مفعولة مشتقة من مادة بمعنى أعطاه، وامتاده بمعنى استعطاه فهي بمعنى مفعولة" قال: "كعيشة راضية" وأصلها أنها ميد بها صاحبها أي: أعطيها، والعرب تقول: ما دني فلان يميدني إذا أحسن إلي وأعطاني" وقال أبو بكر بن الأنباري: "سميت مائدة لأنها غياث وعطاء، من قول العرب: ماد فلان فلانا إذا أحسن إليه، وأنشد:
1846- إلى أمير المؤمنين الممتاد
أي: المحسن لرعيته، وهي فاعلة من الميد بمعنى معطية فهو قريب من قول أبي عبيد في الاشتقاق، إلا أن‍ها عنده بمعنى فاعله على بابها. وابن قتيبة وافق أبا عبيد في كونها بمعنى مفعولة، قال: "لأنها يماد بها الآكلون أي يعطونها". وقيل: هي من الميد وهو الميل، وهذا هو معنى قول الزجاج. قوله: "من السماء" يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "مائدة" أي: مائدة كائنة من السماء أي: نازلة منها.
(6/96)
---

(1/2259)


* { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين }

وقرأ الجمهور: {ونعلم}: و"نكون" بنون المتكلم مبنيا للفاعل، و قرأ ابن جبير - فيما نقله عنه ابن عطية - "وتعلم" بضم التاء على أنه مبني للمفعول، والضمير عائد على القلوب أي: وتعلم قلوبنا، ونقل عنه "ونعلم" بالنون مبنيا للمفعول، وقرئ: "يعلم" بالياء مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل: "أن قد صدقتنا" أي: ويعلم صدقك لنا، ولا يجوز أن يكون الفعل في هذه القراءة مسندا لضمير القلوب لأنه جار مجرى المؤنث المجازي، ولا يجوز تذكير فعل ضميره. وقرأ الأعمش: و"تعلم" بتاء والفعل مبني للفاعل، وهو ضمير القلوب، ولا يجوز أن تكون التاء للخطاب لفساد المعنى، وروي: "وتعلم" بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدم وقرئ: و"تكون" بالتاء والضمير للقلوب.
(6/97)
---

(1/2260)


وأن" في "أن قد صدقتنا" مخففة واسمها محذوف، و"قد" فاصلة لأن الجملة الواقعة خبرا لها فعلية متصرفة غير دعاء، وقد عرفت ذلك مما تقدم في قوله: {ألا تكون فتنة} و"أن" وما بعده سادة مسد المفعولين أو مسد الأول فقد والثاني محذوف. و"عليها" متعلق بمحذوف يدل عليه "الشاهدين" ولا يتعلق بما بعده لأن "أل" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عند الجمهور، ومن يجيز ذلك يقول: "هو متعلق بالشاهدين، قدم للفواصل". وأجاز الزمخشري أن تكون "عليها" حالا فإنه قال: "أو تكون من الشاهدين لله بالواحدنية ولك بالنبوة عاكفين عليها، على أن "عليها" في موضع الحال" قلت: قوله "عاكفين" تفسير معنى؛ لأنه لا يضمر في هذه الأماكن إلا الأكوان المطلقة، وبهذا الذي قلته لا يرد عليه ما قاله الشيخ فإنه غاب عليه ذلك، وجعله متناقضا من حيث إنه لما علقه بـ "عاكفين" كان غير حال؛ لأنه إذا كان حالا تعلق بكون مطلق، ولا أدري ما معنى التناقض ويكف يتحملث عليه إلى هذا الحد؟

* { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين }

قوله تعالى:{تكون لنا عيدا}: في "تكون" ضمير يعود على "مائدة" هو اسمها، وفي الخبر احتمالان، أظهرهما: أنه عيد، و"لنا" فيه وجهان أحدهما: أنه حال من "عيداط لأنها صفة له في الأصل، والثاني: أنها حال من ضمير "تكون" عند من يجوز إعمالها في الحال. والوجه الثاني: أن "لنا" هو الخبر، و"عيدا" حال: إما من ضمير "تكون" عند من يرى ذلك، وإما من الضمير في "لنا" لأنه وقع خبرا فتحمل ضميرا، والجملة في محل نصب صفة لمائدة.
(6/98)
---

(1/2261)


وقرأ عبد الله: {تكن} بالجزم على جواب الأمر في قوله: "أنزل" قال الزمخشري: "وهما نظير {يرثني ويرث} يريد قوله تعالى: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} بالرفع صفة، وبالجزم جوابا، ولكن القراءتان هناك متواتران، والجزم هنا في الشاذ.
والعيد مشتق من العود لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي. وقال ابن الأنباري: "النحويون يقولون: يوم العيد، لأنه يعود بالفرح والسرور، وعند العرب لأنه يعد بالفرح والحزن، وكل ما عاد إليه في وقت فهو عيد، حتى قالوا للطيف عيد" قال الأعشى:

1847- فواكبدي من لاعج الحب والهوى * إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها
أي: طيفها، وقال تأبط شرا:
1848- يا عيد ما لك من شوق وإيراق *........................
وقال:
1849- عاد قلبي من الطويلة عيد *..........................
وقال الراغب: "والعيدي حالة تعاود الإنسان، والعائدة: كل نفع يرجع إلى الإنسان بشيء، ومنه "العود" للبعير المسن: إما لمعاودته السير والعمل فهو بمعنى فاعل، وإما لمعاودة السنين وإياه ومرها عليه فهو بمعنى مفعول، قال: امرؤ القيس:
1850- على لاحب لا يهتدى بمناره * إذا سافه العود النباطي جرجرا
وصغره على "عييد" وكسره على "أعياد" وكان القياس عويد وأعود، لزوال موجب قلب الواو ياء، لأنها إنما قلبت لسكونها بعد كسرة كـ "ميزان"، وإنما فعلوا ذلك قالوا: فرقا بينه وبين عود الخشب.
(6/99)
---

(1/2262)


قوله: {لأولنا وآخرنا} فيه وجهان أحدهما: أنه متعلق بمحذوف لأنه وقع صفة لـ "عيدا" الثاني: أنه بدل من "نا" في "لنا" قال الزمخشري: "لأولنا وآخرنا" بدل من "لنا" بتكرير العامل" ثم قال: "وقرأ زيد بن ثابت والجحدري لأولانا وأخرانا والتأنيث على معنى الأمة." وخصص أبو البقاء كل وجه بشيء وذلك أنه قال: "فأما "لأولنا وآخرنا" فإذا جعلت "لنا" خبرا وحالا من فاعل "تكون" فهو صفة لـ"عيدا"، وإن جعلت "لنا" صفة لـ "عيد" كان "لأولنا" بدلا من الضمير المجرور بإعادة الجار". قلت: إنما فعل ذلك لأنه إذا جعل "لنا" خبرا كان "عيدا" حالا، وإن جعله حالا كان "عيدا" خبرا، فعلى التقديرين لا يمكنه جعل "لأولنا" بدلا من "لنا" لئلا يلزم الفصل بين البدل والمبدل منه: إما بالحال وإما بالخبر وهو "عيد" بخلاف ما إذا جعل "لنأط صفة لـ"عيد"، هذا الذي يظهر في تخصيصه ذلك بذلك، ولكن يقال: قوله "فإن جعلت لنا صفة لعيدا كان الأولنا بدلا" مشكل أيضا، لأن الفصل فيه موجودة، لا سيما أن قوله لا يحمل على ظاهره لأن "لنا" ليس صفة بل هو حال مقدمة، ولكنه نظر إلى الأصل، وأن التقدير: عيدا لنا لأولنا، فكأنه لا فصل، والظاهر جواز البدل، والفصل بالخبر أو الحال لا يضر لأنه من تمامه فليس بأجنبي.
واعلم أن البدل من ضمير الحاضر سواء كان متكلما أم مخاطبا لا يجوز عند جمهور البصريين من بدل الكل من الكل لو قلت: "قمت زيد" يعني نفسك، و"ضربتك عمرا" لم يجز، قالوا: لأن البدل إنما يؤتي به للبيان غالبا، والحاضر متميز بنفسه فلا فائدة في البدل منه، وهذا يقرب من تعليلهم في منع وصفه. وأجاز الأخفش ذلك مطلقا مستدلا بظاهر هذه الآية وبقوله:

1851- أنا سيف العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذررتت السناما
(6/100)
---

(1/2263)


فـ "حميدا" بدل من ياء اعرفوني، وقول الآخر:
1852- وشوهاء تغدو بي إلى صارخ الوغى * بمستلئم مثل الفنيق المدجل
وقوله:
1853- بكم قريش كفينا كل معضلة * وأم نهج الهدى من كان ضليلا
وفي الحديث: "أتينا النبي صلى الله عليه وسلم نفر من الأشعريين" والبصريون يؤولون جميع ذلك، أما الآية الكريمة فعلى ما تقدم في الوجه الأول، وأما "حميدا" فمنصوب على الاختصاص، وأما "بمستلئم" فمن باب التجريد وهو شيء يعرفه أهل البيان، يعين أنه جرد من نفسه ذاتا متصفة بكذا، وأما "قريش" فالرواية بالرفع على أنه منادى نون ضرورة كقوله:
1854- سلام الله يا مطر عليها * وليس عليك يا مطر السلام
وأما "نفر" فخبر مبتدأ مضمر أي: نحن، ومنع ذلك بعضهم إلا أن يفيد البدل توكيدا وإحاطة شمول فيجوز، واستدل بهذه الآية وبقول الآخر:
1855- فما برحت أقدامنا في مقامنا * ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
بجر "ثلاثتنا" بدلا من "نا"، ولا حجة فيه لأن "ثلاثتنا" توكيد جار مجرى "كل".
قوله تعالى: {وآية}: عطف على "عيدا"، و"منك" صفتها. وقرأ اليماني: "وإنه" بـ"إن" المشددة، والضمير: إما للعيد وإما للإنزال.

* { قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنيا أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين }

وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: {منزلها}: بالتشديد، فقيل: إن أنزل ونزل بمعنى، وقد تقدم تحقيق ذلك. وقيل: التشديد للتكثير، ففي التفسير أنها نزلت مرات متعددة، وأما ننزل فقدم تحقيق الخلاف فيه.
(6/101)
---

(1/2264)


قوله تعالى: {بعد}: متعلق بـ "يكفر"، وبني لقطعه عن الإضافة، إذ الأصل: بعد الإنزال. و"منكم" متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من فاعل "يكفر" وقوله: {عذابا} فيه وجهان، أظهرهما: أنه اسم مصدر بمعنى التعذيب، أو مصدر على حذف الزوائد نحو: "عطاء ونبات" لـ "أعطى" وأنبت"، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين. والثاني - أجازه أبو البقاء - أن يكون مفعولا به على السعة، يعني جعل الحدث مفعولا به مبالغة، وحينئذ يكون نصبه على التشبيه بالمفعول به، والمنصوب على التشبيه بالمفعول به عند النحاة ثلاثة أنواع: معمول الصفة المشبهة، والمصدر، والظرف المتسع فيهما، أما المصدر فكما تقدم، وأما الظرف فنحو: "يوم الجمعة صمته"، ومنه قوله:

1856- ويوم شهدناه سليما وعامرا * قليل سوى الطعن النهال نوافله
قال الزمخشري: "ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لكان لا بد من الباء" قلت: إنما قال ذلك لأن إطلاق العذاب على ما يعذب به كثير، فخاف أن يتوهم ذلك، وليس لقائل أن يقول: كان الأصل: بعذاب، ثم حذف الحرف فانتصب المجرور به، لأن ذلك لم يطرد إلا مع "أن" بشرط أمن البس.
(6/102)
---

(1/2265)


قوله: {لا أعذبه} الهاء فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها عائدة على "عذاب" الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب، التقدير: فإني أعذبه تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدا، والجملة في محل نصب صفة لـ "عذابا" وهذا وجه سالم من تكلف ستراه في غيره. ولما ذكره أبو البقاء هذا الوجه- أعني عودها على "عذابا" المتقدم - قال: "وفيه على هذا وجهان، أحدهما: على حذف حرف الجر، أي: لا أعذب به أحدا، والثاني: أنه مفعول به على السعة. قلت: أما قوله "حذف الحرف" فقد عرفت أنه لا يجوز إلا فيما استثني. الثاني من أوجه الهاء: أنها تعود على "من" المتقدمة في قوله: {فمن يكفر} والمعنى: لا أعذب مثل عذاب الكافر أحدا، ولا بد من تقدير هذين المضافين ليصح المعنى. قال أبو البقاء في هذا الوجه: "وفي الكلام حذف أي: لا أعذب الكافر أي: مثل الكافر، أي: مثل عذاب الكافر" الثالث: أنها ضمير المصدر المؤكد نحو: "ظننته زيدا قائما" ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه اعترض على نفسه فقال: "فإن قلت: "لا أعذبه" صفة لـ "عذاب" وعلى هذا التقدير لا يعود من الصفة على الموصوف شيء. قيل: إن الثاني لما كان واقعا موقع المصدر والمصدر جنس و"عذابا" نكرة كان الأول داخلا في الثاني، والثاني مشتمل على الأول وهو مثل: "زيد نعم الرجل" انتهى، فجعل الرابط العموم، وهذا الذي ذكره من أن الربط بالعموم إنما ذكره النحويون في الجملة الواقعية خبرا لمبتدأ، ولذلك نظره أبو البقاء بـ "زيد نعم الرجل" وهذا لا ينبغي أن يقاس عليه، لأن الربط يحصل في الخبر بأشياء لا تجوزفي الجملة الواقعة صفة، وهذا منها، ثم هذا الاعتراض الذي ذكره وارد عليه في الوجه الثاين؛ فإن الجملة صفة لـ "عذابا" وليس فيها ضمير، فإن قيل: ليست هناك بصفة، قيل: يفسد المعنى بتقدير الاستئناف، وعلى تقدير صحته فلتكن

(1/2266)


(6/103)
---
هنا أيضا مستأنفة. "وأحدا" منصوب على المفعول الصريح. و"من العالمين" صفة لـ "أحدا فيتعلق بمحذوف.

* { وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلاهين من دون الله قال سبحانك ما يكون ليا أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب }

قوله تعالى: {وإذ قال الله} هل هذا القول وقع وانقضى أو سيقع يوم القيامة؟ قولان للناس، فقال بعضم: لما رفعه إليه قال له ذلك، وعلى هذا فـ "إذ" و"قال" على موضوعهما من المضي وهو الظاهر. وقال بعضهم: سيقوله له يوم القيامة وعلى هذا فـ "إذا" بمعنى "إذا"، "وقال" بمعنى "يقول" وكونها بمعنى "إذا" أهون من قول أبي عبيد إنها زائدة؛ لأن زيادة الأسماء ليست بالسهلة.
(6/104)
---

(1/2267)


قوله: {أأنت قلت} دخلت الهمزة على المبتدأ فائدة ذكرها أهل البيان وهو: أن الفعل إذا علم وجوده وشك / في نسبته إلى شخص أولي الاسم المشكوك في نسبة الفعل إليه للهمزة فيقال: "أأنت ضرب زيدا" فضرب زيد قد صدر في الوجود وإنما شك في نسبته إلى المخاطب، وإن شك في اصل وقوع الفعل أولي الفعل للهمزة فيقال: "أضربت زيدا" لم تقطع بوقوع الضرب بل شككت فيه، والحاصل: أن الهمزة يليها المشكوك فيه، جئنا إلى الآية الكريمة فالاستفهام فيها يراد به التقريع والتوبيخ بغير عيسى عليه السلام وهم المتخذون له ولأمة الهين، دخل على المبتدأ لهذا المعنى الذي قد ذكرته، لأن الاتخاذ قد وقع لا بد. واللام في "للناس" للتبليغ فقط، و"اتخذوني" يجوز أن تكون بمعنى "صير" فتتعدى لاثنين ثانيهما "إلهين" وأن تكون المتعدية لواحد فـ "إلهين" حال. و"من دون الله" فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلق بالاتخاذ وأجاز أبو البقاء - وبه بدأ - أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه صفة لـ"آلهين".
(6/105)
---

(1/2268)


قوله: {سبحانك} أي: تنزيها، وتقدم الكلام عليه في البقرة مشبعا، ومتعقه هنا محذوف فقدره الزمخشري: سبحانك من أن يكون لك شريك" وقدره ابن عطية: "عن أن يقال هذا وينطق به" ورجحه الشيخ لقوله بعد: {ما يكون ليا أن أقول} قوله: {أن أقول} في محل رفع لأنه اسم "يكون"، والخبر في الجار قبله، أي: ما ينبغي لي قول كذا. و"ما" يجوز أن تكون موصولة أن نكرة موصوفة. والجملة بعدها صلة فلا محل لهان أو صفة فمحلها النصب، فإن "ما" منصوبة بـ "اقول" نصب المفعول به لأنها متضمنة لجملة فهو نظير "قلت كلاما"، وعلى هذا فلا يحتاج أن يؤو "أقول" بمعنى أدعي أو أذكر، كما فعله أبو البقاء. وفي "ليس" ضمير يعود على ما هو اسمها، وفي خبرها وجهان، أحدهما: أنه "لي" أي: ما ليس مستقرا ليس وثابتا، وأما "بحق" على هذا ففيه ثلاثة أوجه، ذكر أبو البقاء منها وجهين، احدهما أنه حال من الضمير في "لي" قال: والثاني: أن يكون مفعولا به تقديره: ما ليس يثبت لس بسبب حق، فالباء متعلقة بالفعل المحذوف لا بنفس الجارر، لأن المعاني لا تعمل في المفعول به". قلت: وهذا ليس بجيد لأنه قدر متعلق الخبر كونا مقيدا ثم حذفه وأبقى معموله. الوجه الثالث: أن قوله "بحق" متعلق بقوله: "علمته" ويكون الوقف على هذا التقديرم والتأخير، وهذا لاينبغي أن يكتفى به في رد هذا، بل الذي منع من ذلك أن معمول الشرط أو جوابه لا يتقدم على أداة الشرط لا سيما المروي عن الأئمة القراء الوقف على "بحق" "يبتدئون بـ"إن كنت قلته" وهذا مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [فوجب اتباعه] والوجه الثاني في خبر "ليس" أنه "بحق"، وعلى هذا ففي "لي" ثلاثة أوجه، أحدها: أنه "يتبين" كما في قولهم: "سقيا له" أي: فيتعلق بمحذوف، والثاني: أنه حال من "بحق" لأنه

(1/2269)


(6/106)
---
لو تأخر لكان صفة له، قال أبو البقاء: "وهذا يخرج على قول من يجوز تقديم حال المجرور عليه" قلت: قد تقدم لك خلاف الناس فيه وما أوردوه من الشواهد، وفيه أيضا تقديم الحال على عاملها المعنوي: فإن "بحق" هو العامل إذ "ليس" لا يجوز أن تعمل في شيء، وإن قلنا: إن "كان" أختها قد تعمل لأن "ليس" لا حدث لها بالإجماع. والثالث: أنه متعلق بنفس "حق" لأن الباء زائدة، وحق بمعنى مستحق أي: ما ليس مستحقا لي.

قوله: {إن كنت}: "كنت" وإن كانت ماضية اللفظ فيه مستقبلة في المعنى، والتقدير: إن تصح دعواي لما ذكر، وقدره الفارسي بقوله: "إن أكن الآن قلته فيما مضى" لأن الشرط والجزاء لايقعان إلا في المستقبل" وقوله: {فقد علمته} أي: فقد تبين وظهر علمك به كقوله: {فصدقت} و {فكذبت} و {فكبت وجوههم في النار
(6/107)
---

(1/2270)


}. قوله: {تعلم ما في نفسي} هذه لا يجوز أن تكون عرفانية، لأن العرفان كما قدمته يستدعي سبق جهل، او يقتصر به على معرفة الذات دون أحوالها حسب ما قاله الناس، فالمفعول الثاني محذوف، أي: تعلم ما في نفسي كائنا وموجدا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء، وأما: "ولا أعلم" فيه وإن كان يجوز أن تكون عرفانية، إلا أنها لما صارت مقابلة لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها، والمراد بالنفس هنا على ما قاله الزجاج "انها تطلق ويراد بها حيققة الشي، والمعنى في قوله {تعلم ما في نفسي} إلى آخره واضح، وقال: "المعنى: تعلم ما أخفيه من سري وغيبي، أي: ما غاب ولم أظهره، ولا أعلم ما تخفيه أنت ولا تطلعنا عليه، فذكرالنفس مقابلة وازداجا، وهذا منتزع من قول ابن عباس، وعليه حام الزمخشري فإنه قال: "تعلم معلومي ولا أعلم معومك" وأتى بقوله: {ما في نفسك} على جهة المقابلة والتشاكل لقوله: {ما في نفسي } فهو كقوله: {ومكروا ومكر الله} وكقوله: {إنما نحن مستهزئون الله يستهزىء بهم
}.

* { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد }

قوله تعالى: {إلا مآ أمرتني}: هذا استثناء مفرغ فإن "ما" منصوبة بالقول؛ لأنها وما في حيزها في تأويل مقول. وقدر وقدر ابو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية. و"ما" يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة.
(6/108)
---

(1/2271)


قوله: {أن اعبدوا} في "أن" سبعة أوجه، أحدها: أنها مصدرية في محل جر على البدل من الهاء في "به" والتقدير: ما قلت إلا ما أمرتني بأن اعبدوا، وهذا الوجه سيأتي عليه اعتراض. والثاني: أنها في محل نصب بإضمار "أعني"، أي: إنه فسر ذلك المأمور به. والثالث: أنه في محل نصب على البدل من محل "به" ي "ما أمرتني به" لن محل المجرور نصب. والرابع: أن موضوعها رفع على إضمار متبدأ وهو قيرب في المعنى من النصب على البدل الخامس: أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به، السادس: أنها بدل من "ما" نفسها أي: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا. السابع: أن "أن" تفسيرية، أجازه ابن عطية والحوفي ومكي. وممن ذهب إلى جوز أن "أن" بدل من "ما" فتكون منصوبة المحل أو من الهاء فتكون مجرورته أبو إسحق الزجاج، وأجاز أيضا أن تكون تفسيرية لا محل لها. وهذا الأوجه قد منع بعضها الزمخشري، وأبو البقاء منع منها وجها واحدا وهو أن تكون تفسيرية، أما الزمخشري فإنه منع أن تكون تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي، وبدلا من "ما" أو من الهاء في "به". قال - رحمه الله -: "أن" في قوله: {أن اعبدوا الله} إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، والمفسر: إما أن يكون فعل القول أو فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له: أما فعل الأمر فمستند إلى ضمير الله عز وجيل، فلو فسرته بـ "اعبدوا الله ربي وربكم" لم يتقسم لأن الله لا يقول: "اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها بدلا لم يخل من أن تجعلها بدلا من "ما" في "ما أمرتني به" أو من الهاء في "به" وكلاهما غير مستقيم؛ لأن البدل هوا لذي يقوم مقام المبدل منه، ولا يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، أي: ما قلت لهم إلا عبادته لأن العبادة لا تقال، وكذلك لو جعلتها بدلا من الهاء، لأنك لو أقمت "أن اعبدوا"

(1/2272)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية