صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : التفسير والمفسرون
المؤلف : الدكتور محمد حسين الذهبى
الترقيم غير موافق للمطبوع

التفسير والمفسرون

الدكتور محمد حسين الذهبى
{ رحمه الله }

(1/1)


( تقديم الكتاب )
الحمد لله الذى أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا..
والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، الذى أرسله ربه شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
وبعد...
فقد مر على الإنسانية حين من الدهر وهى تتخبط فى مهمه من الضلال متسع الأرجاء، وتسير فى غمرة من الأوهام، ومضطرب فسيح من فوضى الأخلاق وتنازع الأهواء، ثم أراد الله لهذه الإنسانية المعذبة أن ترقى بروح من أمره وتسعد بوحى السماء، فأرسل إليها على حين فترة من الرسل رسولا صنعه الله على عينه، واختاره أمينا على وحيه، فطلع عليه بنوره وهديه، كما يطلع البدر على المسافر البادى بعد أن افتقده فى الليلة الظلماء.
ذلك هو محمد بن عبد الله - عليه صلاة الله وسلامه - نبى الرحمة، ومبدد الظلمة، وكاشف الغمة.
أرسله الله إلى هذه الإنسانية الشقية المعذبة، ليزيل شقوتها، ويضع عنها إصرها والأغلال التى فى أعناقها، وأنزل عليه كتابا - يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم - وجعل له منه معجزة باهرة، شاهدة على صدق دعوته.
مؤيدة لحقية رسالته، فكان القرآن هو الهداية والحجة، هداية الخلق وحجة الرسول.
لم يكد هذا القرآن الكريم يقرع آذان القوم حتى وصل إلى قلوبهم، وتملك عليهم حسبهم ومشاعرهم، ولم يعرض عنه إلا نفر قليل، إذ كانت على القلوب منهم أقفالها، ثم لم يلبث أن دخل الناس فى دين الله أفواجا، ورفع الإسلام رايته خفاقة فوق ربوع الكفر، وأقام المسلمون صرح الحق مشيدا على أنقاض الباطل.
سعد المسلمون بهذا الكتاب الكريم، الذى جعل الله فيه الهدى والنور، ومنه طب الإنسانية وشفاء ما فى الصدور، وأيقنوا الله حيث يصف القرآن فيقول: {إن هاذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}.. وبصدق الرسول حيث يصف القرآن فيقول هو أيضا: "فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه، وهو الذى لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم".
صدق المسلمون هذا، وأيقنوا أنه لا شرف إلا والقرآن سبيل إليه، ولا خير إلا وفى آياته دليل عليه، فراحوا يثورون القرآن ليقفوا على ما فيه من مواعظ وعبر، وأخذوا يتدبرون فى آياته ليأخذوا من مضمامينها ما فيه سعادة الدنيا وخير والآخرة.
وكان القوم عربا خلصا، يفهومن القرآن، ويدركون معانيه ومراميه بمقتضى سليقتهم العربية، فهما لا تعكره عجمة، ولا يشوبه تكدير، ولا يشوهه شئ من قبح الابتداع، وتحكم العقيدة الزائفة الفاسدة.
وكان للقوم وقفات أمام بعض النصوص القرآنية التى دقت مراميها، وخفيت معانيها، ولكن لم تطل بهم هذه الوقفات، إذ كانوا يرجعون فى مثل ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكشف لهم ما دق عن أفهامهم، ويجلى لهم ما خفى عن إدراكهم، وهو الذى عليه البيان كما أن عليه البلاغ، والله تعالى يقول له وعنه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}..
ظل المسلمون على هذا يفهمون القرآن على حقيقته وصفائه، ويعملون به على بينة من هديه وضيائه، فكانوا من أجل ذلك أعزاء لا يقبلون الذل، أقوياء لا يعرفون الضعف، كرماء لا يرضون الضيم، حتى دانت لهم الشعوب وخضعت لهم الدول. ثم خلف من بعدهم خلف تفرقوا فى الدين شيعا، وأحدثوا فيه بدعا وبدعا، وكانت فتن كقطع الليل المظلم، لا خلاص منها إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا نجاة من شرها إلا بالتمسك بالقرآن، وهو الحبل الذى طرفه بيد الله وطرفه بأيديهم.

(1/2)


وكان من بين المسلمين من أهمل هداية القرآن، وركب رأسه فى طريق الغواية، فلم ينهج هذا المنهج الواضح القويم الذى سلكه سلفه الصالح فى فهم القرآن الكريم والأخذ به، فأخذ يتأول القرآن على غير تأويله، وسلك فى شرح نصوصه طريقا ملتوية، فيها تعسف ظاهر وتكلف غير مقبول، وكان الذى رمى به فى هذه الطريق الملتوية التى باعدت بينه وبين هداية القرآن، هو تسلط العقيدة على عقله وقلبه، وسمعه وبصره، فحاول أن يأخذ من القرآن شاهدا على صدق بدعته، وتحايل على نصوصه الصريحة لتكون دعامة يقيم عليها أصول عقيدته ونزعته، فحرف القرآن عن مواضعه، وفسر ألفاظه على تحمل ما لا تدل عليه، فكان من وراء ذلك فتنة فى الأرض وفساد كبير!!
وكان بجوار هذا الفريق من المسلمين، فريق آخر منهم، برع فى علوم حدثت فى الملة، ولم يكن للعرب بها عهد من قبل، فحاولوا أن يصلوا بينها وبين القرآن، وأن يربطوا بين ما عندهم من قواعد ونظريات وبين ما فى الدوافع ولحافز على هذا العمل، منهم من قصد حذق هذه العلوم وترويجها على حساب القرآن، ومنهم من أراد خدمة الدين وتفهم القرآن على ضوء هذه العلوم، وأخيرا خرج هذا الفريق على الناس بتفاسير كثيرة، فيها خير وشر، وبينها تفاوت فى المنهج، واختلاف فى طريقة الشرح ووسيلة البيان.
وكان من وراء هؤلاء وهؤلاء فريق التحف الإسلام وتبطن الكفر، يحمل بين فكيه لسانا مسلما، وبين جنبيه قلبا كافرا مظلما، يحرص كل الحرص على أن يطفئ نور الإسلام ويهدم عز المسلمين، فلم يجد أعوان له على هذا الغرض السئ، من أن يتناول القرآن بالتحريف والتبديل، والتأويل الفاسد الذى لا يقوم على أساس من الدين، ولا يستند إلى أصل من اللغة، ولا يرتكز على دليل من العقل... وأخيرا خرج هؤلاء أيضا على الناس بتأويلات فيها سخف ظاهر وكفر صريح، خفى على عقول بعض الأغمار الجهلة، ولكن لم يجد إلى قلوب عقلاء المسلمين سبيلا، ولم يلق من نفوسهم رواجا ولا قبولا، بل وكان منهم من أفرغ همه لدحض هذه التأويلات، وأعمل لسانه وقلمه لإبطال هذه الشبهات، فوقى الله بهم المسلمين من شر، وحفظ بهم الإسلام من ضر، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
خلف لنا هؤلاء جميعا - مسلمون وأشباه مسلمين، مبتدعون وغير مبتدعين، كتبا كثيرة فى تفسير القرآن الكريم، كل كتاب منا يحمل طابع صاحبه، ويتأثر بمذهب مؤلفه، ويتلون باللون العلمى الذى يروج فى العصر الذى ألف فيه، ويغلب على غيره من النواحى العلمية لكاتبه، وعنى المسلمون بدراسة بعض هذه الكتب، وقل اهتمامهم ببعض آخر منها، فأحببت أن أقدم للمكتبة الإسلامية كتابا يعتبر باكورة إنتاجى فى التأليف عنوانه:
"التفسير والمفسرون"
وهو كتاب يبحث عن نشأة التفسير وتطوره، وعن مناهج المفسرين وطرائقهم فى شرح كتاب الله تعالى، وعن ألوان التفسير عند أشهر طوائف المسلمين ومن ينتسبون إلى الإسلام، وعن ألوان التفسير فى هذا العصر الحديث... وراعيت أن أضمن هذا الكتاب بعض البحوث التى تدور حول التفسير، من تطرق الوضع إليه، ودخول الإسرائيليات عليه، وما يجب أن يكون عليه المفسر عندما يحاول فهم القرآن أو كتابة التفسير، وما إلى ذلك من بحوث يطول ذكرها، ويجدها القارئ مفصلة مسهبة فى هذا الكتاب.
ورجوت من وراء هذا العمل أن أنبه المسلمين إلى هذا التراث التفسيرى، الذى اكتظت به المكتبة الإسلامية على سعتها وطول عهدها، وإلى دراسة هذه التفاسير على اختلاف مذاهبها وألوانها، وألا يقصروا حياتهم على دراسة كتب طائفة واحدة أو طائفتين، دون من عداهما من طوائف كان لها فى التفسير أثر يذكر فيشكر أو لا يشكر.
ورجوت أيضا أن يكون لعشاق التفسير من وراء هذا المجهود موسوعة تكشف لهم عن مناهج أشهر المفسرين وطرائقهم التى يسيرون عليها فى شرحهم لكتاب الله تعالى، ليكون من يريد أن يتصفح تفسيرا منها على بصيرة على الكتاب الذى يريد أن يقرأه، وعلى بينة من لونه ومنهجه، حتى لا يغتر بباطل أو ينخدع بسراب.
وفى اعتقادى أن فى هذا الموضوع جدة وطرافة، جدة: إذ لم أسبق إليه إليه إلا بمحاولات بسيطة غير شاملة، وطرافة: إذ يعطى القارئ صورا متنوعة عن لون من التفكير الإسلاميى فى عصوره المختلفة، ويكشف له عن أفكار وأفهام تفسيرية، فيها بغرابة وطرافة، وحق وباطل، وإنصاف واعتساف، ومحاورة شيقة، وجدل عنيف.
وقد رتبت الكتاب على مقدمة، وثلاثة أبواب وخاتمة.
أما المقدمة، فقد جعلتها على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: فى معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما.
المبحث الثانى: فى تفسير القرآن بغير لغته.
المبحث الثالث: فى اختلاف العلماء فى التفسير، هل هو من قبيل التصورات، أو من قبيل التصديقات؟

(1/3)


وأما الباب الأول: فقد جعلته للكلام عن المرحلة الأولى من مراحل التفسير، أو بعبارة أخرى، عن التفسير فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد رتبت هذا الباب على أربعة فصول:
الفصل الأول: فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن الكريم، وأهم مصادر التفسير فى هذه المرحلة.
الفصل الثانى: فى الكلام عن المفسرين من الصحابة.
الفصل الثالث: فى قيمة التفسير المأثور عن الصحابة.
الفصل الرابع: فى مميزات التفسير فى هذه المرحلة.
وأما الباب الثانى: فقد جعلته للكلام عن المرحلة الثانية من مراحل التفسير، أو بعبارة أخرى عن التفسير فى عهد التابعين، وقد رتبت هذا الباب على أربعة فصول:
الفصل الأول: فى ابتداء هذه المرحلة، ومصادر التفسير فى عصر التابعين، ومدارس التفسير التى قامت فيه.
الفصل الثانى: فى قيمة التفسير المأثور عن التابعين.
الفصل الثالث: فى مميزات التفسير فى هذه المرحلة.
الفصل الرابع: فى الخلاف بين السلف فى التفسير.
وأما الباب الثالث: فقد جعلته للكلام عن المرحلة الثالثة من مراحل التفسير، أو بعبارة أخرى، عن التفسير فى عصور التدوين، وهى تبدأ من العصر العباسى، وتمتد إلى عصرنا الحاضر، وقد رتبت هذا الباب على ثمانية فصول:
الفصل الأول: فى التفسير بالمأثور وما يتعلق به من مباحث، كتطرق الوضع إليه، ودخول الإسرائيليات عليه.
الفصل الثانى: فى التفسير بالرأى وما يتعلق به من مباحث، كالعلوم التى يحتاج إليها المفسر، والمنهج الذى يجب عليه أن ينهجه فى تفسيره حتى يكون بمأمن من الخطأ.
الفصل الثالث: فى أهم كتب التفسير بالرأى الجائز.
الفصل الرابع: فى التفسير بالرأى المذموم، أو بعبارة أخرى، تفسير الفرق المبتدعة وهم: المعتزلة - الإمامية الإثنا عشرية - الباطنية القدامى، وهم الإمامية الإسماعيلية - الباطنية المحدثون، وهم: البابية والبهائية - الزيدية - الخوارج.
الفصل الخامس: فى تفسير الصوفية.
الفصل السادس: فى تفسير الفلاسفة.
الفصل السابع: فى تفسير الفقهاء.
الفصل الثامن: فى التفسير العلمى.
وأما الخاتمة.. فقد جعلتها عن التفسير وألوانه فى العصر الحديث، وقصرت الكلام على أهم ألوان التفسير فى هذا العصر وهى:
أولا - اللون العلمى.
ثانيا - اللون المذهبى.
ثالثا - اللون الإلحادى.
رابعا: اللون الأدبى الاجتماعى.
والله أسأل أن يجعل عملى هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن يسدد خطانا، ويحقق رجاءنا، إنه سميع مجيب، وهو حسبى ونعم الوكيل..
حدائق حلوان فى 18 المحرم سنة 1396 هـ (أول يوليه سنة 1976)
محمد حسين الذهبى.
* * *

(1/4)


المقدمة

المبحث الأول: معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما

التفسير فى اللغة:التفسير هو الإيضاح والتبيين، ومنه قوله تعالى فى سورة الفرقان آية [33]: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} .. أى بيانا وتفصيلا، وهو مأخوذ من الفسر وهو الإبانة والكشف، قال في القاموس: "الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير، والفعل: كضرب ونصر".
وقال فى لسان العرب: "الفسر: البيان فسر الشيء يفسره - بالكسر ويفسره - بالضم فسرا. وفسره أبانه. والتفسير مثله... ثم قال: الفسر كشف المغطى، والتفسير المراد عن اللفظ المشكل..."
وقال أبو حيان فى البحر المحيط: "... ويطلق التفسير أيضا على التعرية للانطلاق، قال ثعلب: تقول: فسرت الفرس: عريته لينطلق فى حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذى يريده منه من الجرى".
ومن هذا يتبين لنا أن التفسير يستعمل لغة فى الكشف الحسى، وفى الكشف عن المعانى المعقولة، واستعماله فى الثانى أكثر من استعماله فى الأول.
التفسير فى الإصطلاح: يرى بعض العلماء: أن التفسير ليس من العلوم التى يتكلف لها حد، لأنه ليس قواعد أو ملكات ناشئة من مزاولة القواعد كغيره من العلوم التى أمكن لها أن تشبه العلوم العقلية، ويكتفى فى إيضاح التفسير بأنه بيان كلام الله، أو أنه المبين لألفاظ القرآن ومفهوماتها.
ويرى بعض آخر منهم: أن التفسير من قبيل المسائل الجزئية أو القواعد الكلية، أو الملكات الناشئة من مزاولة القواعد، فيتكلف له التعريف، فيذكر فى ذلك علوما أخرى يحتاج إليها فى فهم القرآن، كاللغة، والصرف، والنحو، والقراءات... وغير ذلك.
وإذا نحن تتبعنا أقوال العلماء الذين تكلفوا الحد للتفسير، وجدناهم قد عرفوه بتعاريف كثيرة، يمكن إرجاعها كلها إلى واحد منها، فهى وإن كان مختلفة من جهة اللفظ، إلا أنها متحدة من جهة المعنى وما تهدف إليه.
فقد عرفه أبو حيان فى البحر المحيط بأنه: "علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التى تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك".
ثم خرج التعريف فقال: "فقولنا: "علم"، هو جنس يشمل سائر العلوم، وقولنا: "يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن"، هذا هو علم القراءات، وقولنا: "ومدلولاتها" أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذى يحتاج إلأيه فى هذا العلم، وقولنا: "وأحكامها الإفرادية والتركيبة"، هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع، وقولنا: "ومعانيها التى تحمل عليها حالة التركيب"، يشمل ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضى بظاهره شيئا ويصد عن الحمل على الظاهر صاد فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على الظاهر وهو المجاز، وقولنا: "وتتمات لذلك"، هو معرفة النسخ وسبب النزول، وقصة توضح بعض ما انبهم فى القرآن، ونحو ذلك".
وعرفه الزركشى بأنه: "علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه".
وعرفه بعضهم بأنه: "علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية".
والناظر لأول وهلة فى هذين التعريفين الأخيرين، يظن أن علم القراءات وعلم الرسم لا يدخلان فى علم التفسير، والحق أنهما داخلان فيه، وذلك لأن المعنى يختلف باختلاف القراءتين أو القراءات، كقراءة: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} - بضم الميم وإسكان اللام،. وكقراءة {حتى يطهرن} - بالتسكين، فإن معناها مغيرة لقراءة من قرأ: "يطهرن" - بالتشديد، كما أن المعنى يختلف أيضا باختلاف الرسم القرآنى فى المصحف، فمثلا قوله تعالى: {أمن يمشي سويا} بوصل "أمن"، يغاير فى المعنى: {أم من يكون عليهم وكيلا} - بفصلها، فإن المفصولة تفيد معنى "بل" دون الموصولة.
وعرفه بعضهم بأنه: "علم نزول الآيات، وشئونها، وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها".
وهذه التعاريف الأربعة تتفق كلها على أن علم التفسير علم يبحث عن مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، فهو شامل لكل ما يتوقف عليه فهم المعنى، وبيان المراد.
التأويل فى اللغة:التأويل: مأخوذ من الأول وهو الرجوع، قال فى القاموس: "آل إليه أولا ومآلا: رجع، وعنه: ارتد... ثم قال: وأول الكلام تأويلا وتأوله: دبره وقدره وفسره، والتأويل: عبارة الرؤيا".

(1/5)


وقال فى لسان العرب: "الأول: الرجوع، آل الشئ يؤول أولا ومآلا رجع، وآول الشئ: رجعه، وألت عن الشئ: ارتددت، وفى الحديث: "من صام الدهر فلا صام ولا آل" أى: ولا رجع إلى خير... ثم قال: وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره. وأوله وتأوله: فسره... الخ".
وعلى هذا فيكون التأويل مأخوذا من الأول بمعنى الرجوع، إنما هو باعتبار أحد معانيه اللغوية، فكأن المؤول أرجع الكلام إلى ما يحتمله من المعانى.
وقيل: التأويل مأخوذ من الإيالة وهى السياسة، فكأن المؤول يسوس الكلام ويضمه فى موضعه - قال الزمخشرى فى أساس البلاغة: "آل الرعية يؤولها إيالة حسنة، وهو حسن الإيالة، وائتالها، وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم، أى سائس محتكم".
والناظر فى القرآن الكريم يجد أن لفظ التأويل قد ورد فى كثير من آياته على معان مختلفة، فمن ذلك قوله تعالى فى سورة آل عمران آية [7]: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله}.. فهو فى هذه الآية بمعن التفسير والتعيين. وقوله فى سورة النساء آية [59]: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذالك خير وأحسن تأويلا}.. فهو فى هذه الآية بمعنى العاقبة والمصير. وقوله فى سورة الأعراف آية [53]: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله}.. وقوله فى سورة يونس آية [39]: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله}.. فهو فى الآيتين بمعنى وقوع المخبر به. وقوله فى سورة يوسف آية [6]: {وكذالك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث}.. وقوله فيها أيضا آية [37]: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله}.. وقوله فى آية [44] منها: {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}.. وقوله فى آية [45] منها: {أنا أنبئكم بتأويله}.. وقوله فى آية [100] منها: {هاذا تأويل رؤياي من قبل}.. فالمراد به فى كل هذه الآيات نفس مدلول الرؤيا. وقوله فى سورة الكهف آية: [78]: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}.. وقوله أيضا فى آية [82]: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا}.. فمراده بالتأويل هنا تأويل الأعمال التى أتى بها الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وبيان السبب الحامل عليها، وليس المراد منه تأويل الأقوال.
* *
التأويل فى الاصطلاح:
1- التأويل عند السلف: التأويل عند السلف له معنيان:
أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء أوافق ظاهره أو خالفه، فيكون التأويل والتفسير على هذا مترادفين، وهذا هو ما عناه مجاهد من قوله: "إن العلماء يعلمون تأويله" يعنى القرآن، وما يعنيه ابن جرير الطبرى بقوله فى تفسيره: "القول فى تأويل قوله تعالى كذا وكذا" وبقوله: "اختلف أهل التأويل فى هذه الآية"... ونحو ذلك، فإن مراده التفسير.
ثانيهما: هو نفس المراد بالكلام، فإن كان الكلام طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرا، كان تأويله نفس الشئ المخبر به، وبين هذا المعنى والذى قبله فرق ظاهر، فالذى قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام، كالتفسير، والشرح، والإيضاح، ويكون وجود التأويل فى القلب، واللسان، وله الوجود الذهنى واللفظى والرسمى، وأما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة فى الخارج، سواء أكانت ماضية أم مستقبلة، فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا فى نظر ابن تيمية هو لغة القرآن التى نزل بها، وعلى هذا فيمكن إرجاع كل ما جاء فى القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثانى.
2 - التأويل عند المتأخرين من المتفقهة، والمتكلمة، والمحدثة والمتصوفة:
التأويل عند هؤلاء جميعا: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذى يتكلمون عليه فى أصول الفقه ومسائل الخلاف. فإذا قال أحد منهم: هذا الحديث - أو هذا النص - مؤول أو محمول على كذا. قال الآخر: هذا نوع تأويل والتأويل يحتاج إلى دليل. وعلى هذا فالمتأول مطالب بأمرين:
الأمر الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذى حمله عليه وادعى أنه المراد.
الأمر الثانى: أن يبين الدليل الذى أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجح، وإلا كان تأويلا فاسدا، أو تلاعبا بالنصوص.
قال فى جمع الجوامع وشرحه: "التأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا فى الواقع ففاسد، أو لا شيء فلعب لا تأويل".

(1/6)


وهذا أيضا هو التأويل الذى يتنازعون فيه فى مسائل الصفات، فمنهم من ذم التأويل ومنعه، ومنهم من مدحه وأوجبه.
وستطلع عند الكلام على الفرق بين التفسير والتأويل على معان أخرى اشتهرت على ألسنة المتأخرين.
* *

(1/7)


* الفرق بين التفسير والتأويل والنسبة بينهما:
اختلف العلماء فى بيان الفرق بين التفسير والتأويل، وفى تحديد النسبة بينهما اختلافا نتجت عنه أقوال كثيرة، وكأن التفرقة بين التفسير والتأويل أمر معضل استعصى حله على كثير من الناس إلا من سعى بين يديه شعاع من نور الهداية والتوفيق، ولهذا بالغ ابن حبيب النيسابورى فقال: "نبغ فى زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه". وليس بعيدا أن يكون منشأ هذا الخلاف، هو ما ذهب إليه الأستاذ أمين الخولى حيث يقول: "وأحسب أن منشأ هذا كله، هو استعمال القرآن لكلمة التأويل، ثم ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاص فيها، مع شيوع الكلمة على ألسنة المتكلمين من أصحاب المقالات والمذاهب".
وهذه هى أقوال العلماء أبسطها بين يدى القارئ ليقف على مبلغ هذا الاختلاف، وليخلص هو برأى فى المسألة يوافق ذوقه العلمى ويرضيه.
1 - قال أبو عبيدة وطائفة معه: "التفسير والتأويل بمعنى واحد" فهما مترادفان. وهذا هو الشائع عند المتقدمين من علماء التفسير.
2 - قال الراغب الأصفهانى: "التفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير فى الألفاظ، والتأويل فى المعانآ، كتأويل الرؤيا. والتأويل يستعمل أكثره فى الكتب الإلهية. والتفسير يستعمل فيها وفى غيرها. والتفسير أكثره يستعمل فى مفردات الألفاظ. والتأويل أكثره يستعمل فى الجمل، فالتفسير إما أن يستعمل فى غريب الألفاظ كـ "البحيرة والسائبة والوصيلة" أو فى تبين المراد وشرحه كقوله تعالى فى الآية [43] من سورة البقرة: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.. وإما فى كلام مضمن بقصة لا يمكن تصوره إلا بمعرفتها نحو قوله تعالى فى الآية [37] من سورة التوبة: {إنما النسي?ء زيادة في الكفر}.. وقوله تعالى فى الآية [189] من سورة البقرة: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها}.
وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عاما، ومرة خاصا، نحو "الكفر" المستعمل تارة فى الجحود المطلق، وتارة فى جحود البارى خاصة. و "الإيمان" المستعمل فى التصديق المطلق تارة، وفى تصديق دين الحق تارة، وإما فى لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ "وجد" المستعمل فى الجد والوجد والوجود".
3 - قال الماتوردى: "التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأى، وهو المنهى عنه، والتأويل ترجيح أحد المتحملات بدون القطع والشهادة على الله"، وعلى هذا فالنسبة بينهما التباين.
4 - قال أبو طالب الثعلبى: "التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا، كتفسير "الصراط" بالطريق، و "الصيب" بالمطر. والتأويل تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر. فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد، لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثاله قوله تعالى فى الآية [14] من سورة الفجر: {إن ربك لبالمرصاد}.. تفسيره أنه من الرصد، يقال: رصدته: رقبته، والمرصاد مفعال منه، وتأويله التحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه. وقواطع الأدلة تقتضى بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ فى اللغة" وعلى هذا فالنسبة بينهما التباين.
5 - قال البغوى ووافقه الكواشى: "التأويل هو صرف الآية إلى معنى محتمل يواف ما قبلها وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط. والتفسير هو الكلام فى أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها".بتصرف. وعلى هذا فالنسبة بينهما التباين.
6 - قال بعضهم: "التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية"، وعلى هذا فالنسبة بينهما التباين.
7 - التفسير هو بيان المعانى التى تستفاد من وضع العبارة، والتأويل هو بيان المعانى التى تستفاد بطريق الإشارة. فالنسبة بينهما التباين، وهذا هو المشهور عند المتأخرين، وقد نبه إلي هذا الرأى الأخير العلامة الألوسى فى مقدمة تفسيره حيث قال بعد أن استعرض بعض أقوال العلماء فى هذا الموضوع: "وعندى أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف فكل الأقوال فيه - ما سمعتها وما لم تسمعها - مخالف للعرف اليوم إذ قد تعورف من غير نكير: أن التأويل إشارة قدسية، ومعارف سبحانية، تنكشف من سجف العبارات للسالكين، وتنهل من سحب الغيب على قلوب العارفين. والتفسير غير ذلك.
وإن كان المراد الفرق بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة، فلا أظنك فى مرية من رد هذه الأقوال، أو بوجه ما، فلا أراد ترضى إلا أن فى كل كشف إرجاعا، وفى كل إرجاع كشفا، فافهم".

(1/8)


هذه هى أهم الأقوال فى الفرق بين التفسير والتأويل. وهناك أقوال أخرى أعرضنا عنها مخافة التطويل.
والذى تميل إليه النفس من هذه الأقوال: هو أن التفسير ما كان راجعا إلى الرواية، والتأويل ما كان راجعا إلى الدراية، وذلك لأن التفسير معناه الكشف والبيان. والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحى وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم.
وأما التأويل.. فملحوظ فيه ترجيح أحمد محتملات اللفظ بالدليل. والترجيح يعتمد على الاجتهاد، ويتوصل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها فى لغة العرب، واستعمالها بحسب السياق، ومعرفة الأساليب العربية، واستنباط المعانى من كل ذلك. قال الزركشى: "وكان السبب فى اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل: التمييز بين المنقول والمستنبط، ليحيل على الاعتماد فى المنقول، وعلى النظر فى المستنبط".
* * *

(1/9)


المبحث الثاني : تفسير القرآن بغير لغته، أو الترجمة التفسيرية للقرآن

بحث نرى من الواجب علينا أن نعرض له، لما له من تعلق وثيق بموضوع هذا الكتاب، وقبل الخوض فيه الحسن بنا أن نمهد له بعجالة موجوة تكشف عن معنى الترجمة وأقسامها، ثم نتكلم عما يدخل منها تحت التفسير وما لا يدخل، فنقول: الترجمة تطلق فى اللغة على معنيين:
الأول: نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى بدون بيان لمعنى الأصل المترجم، وذلك كوضع رديف مكان رديف من لغة واحدة.
الثانى: تفسير الكلام وبيان معناه بلغة أخرى.
قال فى تاج العروس: "والترجمان المفسر للسان، وقد ترجمه عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر. قال الجوهرى: وقيل: نقله من لغة إلى لغة أخرى".
وعلى هذا فالترجمة تنقسم إلى قسمين: ترجمة حرفية، وترجمة معنوية أو تفسيرية.
أما الترجمة الحرفية: فهى نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، مع مراعاة الموافقة فى النظم والترتيب، والمحافظة على جميع المعانى الأصل المترجم.
وأما الترجمة التفسيرية: فهى شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع معانيه المرادة منه.
وليس من غرضنا فى هذا البحث أن نعرض لما يجوز من نوعى الترجمة بالنسبة للقرآن وما لا يجوز، ولا لمقالات العلماء المتقدمين والمتأخرين، ولكن غرضنا الذى نريد أن نكشف عنه ونوضحه هو: أى نوعى الترجمة داخل تحت التفسير؟ أهو الترجمة الحرفية؟ أم الترجمة التفسيرية؟ أم هما معا؟ فنقول:
* الترجمة الحرفية للقرآن:
الترجمة الحرفية للقرآن: إما أن تكون ترجمة بالمثل، وإما أن تكون ترجمة بغير المثل، أما الترجمة الحرفية بالمثل: فمعناها أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى تحاكيه حذوا بحذو بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبه، حتى تتحمل الترجمة ما تحمله نظم الأصل من المعانى المقيدة بكيفياتها البلاغية وأحكامها التشريعية، وهذا أمر غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز، وذلك لأن القرآن نزل لغرضين أساسيين:
أولهما: كونه آية دالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وذلك بكونه معجزا للبشر، لا يقدرون على الإتيان بمثله ولو اجتمع الإنس والجن على ذلك.
وثانيهما: هداية الناس لما فيه صلاحهم فى دنياهم وأخراهم.
أما الغرض الأول، وهو كونه آية على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فلا يمكن تأديته بالترجمة اتفاقا، فإن القرآن - وإن كان الإعجاز فى جملته لعدة معان كالإخبار بالغيب، واستيفاء تشريع لا يعتريه خلل، وغير ذلك مما عد من وجوه إعجازه - إنما يدور الإعجاز السارى فى كل آية منه على ما فيه من خواص بلاغية جاءت لمقتضيات معينة، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقا، فإن اللغات الراقية وإن كان لها بلاغة، ولكن لكل لغة خواصها لا يشاركها فيها غيرها من اللغا، وإذن فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية - وهذا محال - لضاعت خواص القرآن البلاغية، ولنزل من مرتبته المعجزة إلى مرتبة تدخل تحت طوق البشر، ولفات هذا المقصد العظيم الذى نزل القرآن من أجله على محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما الغرض الثانى، وهو كونه هداية للناس إلى ما فيه سعادتهم فى الدارين فذلك باستنباط الأحكام والإرشادات منه، وهذا يرجع بعضه إلى المعانى الأصلية التى يشترك فى تفاهمها وأدائها كل الناس، وتقوى عليها جميع اللغات، وهذا النوع من المعانى يمكن ترجمته واستفادة الأحكام منه، وبعض آخر من الأحكام والإرشادات يستفاد من المعانى الثانوية، ونجد هذا كثيرا فى استنباط الأئمة المجتهدين، وهذه المعانى الثانوية لازمة للقرآن الكريم وبدونها لا يكون قرآنا. والترجمة الحرفية إن أمكن فيها المحافظة على المعانى الأولية، فغير ممكن أن يحافظ فيها على المعانى الثانوية، ضرورة أنها لازمة للقرآن دون غيره من سائر اللغات.
ومما تقدم يعلم: أن الترجمة الحرفية للقرآن، لا يمكن أن تقوم مقام الأصل فى تحصيل كل ما يقصد منه، لما يترتب عليها من ضياع الغرض الأول برمته، وفوات شطر من الغرض الثانى.
وأما الترجمة الحرفية بغير المثل: فمعناها أن يترجم نظم القرآن حذوا بحذو بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته، وهذا أمر ممكن، وهو وإن جاز فى كلام البشر، لا يجوز بالنسبة لكتاب الله العزيز، لأن فيه من فاعله إهدارا لنظم القرآن، وإخلالا بمعناه، وانتهاكا لحرمته، فضلا عن كونه فعلا لا تدعو إليه ضرورة.
* *

(1/10)


*الترجمة الحرفية ليست تفسيرا للقرآن:
اتضح لنا مما سبق معنى الترجمة الحرفية بقسميها، وأقمنا الدليل بما يناسب المقام على عدم إمكان الترجمة الحرفية بالمثل، وعدم جواز الترجمة الحرفية بغير المثل، وإن كانت ممكنة، ولكن بقى بعد ذلك هذا السؤال: هل الترجمة الحرفية بقسميها - على فرض إمكانها فى الأول وجوازها فى الثانى - تمسى تفسيرا للقرآن بغير لغته؟ أو لا تدخل تحت مادة التفسير؟
وللجواب عن هذا نقول:
إن الترجمة الحرفية بالمثل، تقدم لنا أن معناها ترجمة نظم الأصل بلغة أخرى تحاكيه حذوا بحذو، بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفردات الأصل وأسلوبها محل أسلوبه، حتى تتحمل الترجمة ما تحمله نظم الأصل من المعانى البلاغية، والأحكام التشريعية. وتقدم لنا أيضا أن هذه الترجمة بالنسبة للقرأن غير ممكنة، وعلى فرض إمكانها فهى ليست من قبيل تفسير القرآن بغير لغته، لأنها عبارة عن هيكل القرآن بذاته، إلا أن الصورة اختلفت باختلاف اللغتين: المترجم منها والمترجم إليها. وعلى هذا فأبناء اللغة المترجم إليها يحتاجون إلى تفسيره وبيان ما فيه من أسرار وأحكام، كما يحتاج العربى الذى نزل بلغته إلى تفسيره والكشف عن أسراره وأحكامه، ضرورة أن هذه الترجمة لا شرح فيها ولا بيان، وإنما فيها إبدال لفظ بلفظ آخر يقوم مقامه، ونقل معنى الأصل كما هو من لغة إلى لغة أخرى.
وأما الترجمة الحرفية بغير المثل، فقد تقدم لنا أن معناها ترجمة نظم القرآن حذوا بحذو، بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته، وتقدم لنا أن هذا غير جائز بالنسبة للقرآن وعلى فرض جوازها فهى ليست من قبيل تفسير القرآن بغير لغته، لأنها عبارة عن هيكل للقرآن منقوص غير تام، وهذه الترجمة لم يترتب عليها سوى إبدال لفظ بلفظ آخر يقوم مقامه فى تأديه بعض معناه، وليس فى ذلك شيء من الكشف والبيان، لا شرح مدلول، ولا بيان مجمل، ولا تقييد مطلق، ولا استنباط أحكام، ولا توجيه معان، ولا غير ذلك من الأمور التى اشتمل عليها التفسير المتعارف.
* *
*الترجمة التفسيرية للقرآن:
الترجمة التفسيرية أو المعنوية، تقدم لنا أنها عبارة عن شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، بدون محافظة على نظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع معانيه المرادة منه، وذلك بأن نفهم المعنى الذى يراد من الأصل، ثم نأتى به بتركيب من اللغة المترجم إليها يؤديه على وفق الغرض الذى سيق له.
وعلم مما تقدم مقدار الفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة التفسيرية، ولإيضاح هذا الفرق نقول:
لو أراد إنسان أن يترجم قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} ترجمة حرفية لأتى بكلام يدل على النهى عن ربط اليد فى العنق، وعن مدها غاية المد، ومثل هذا التعبير فى اللغة المترجم إليها ربما كان لا يؤدى المعنى الذى قصده القرآن، بل قد يستنكر صاحب تلك اللغة هذا الوضع الذى ينهى عنه القرآن، ويقول فى نفسه: إنه لا يوجد عاقل يفعل بنفسه هذا الفعل الذى نهى عنه القرآن، لأنه مثير للضحك على فاعله والسخرية منه، ولا يدور بخلد صاحب هذه اللغة، المعنى الذى أراده القرآن وقصده من وراء هذا التشبيه البليغ. أما إذا أراد أن يترجم هذه الجملة ترجمة تفسيرية، فإنه يأتى بالنهى عن التبذير والتقتير، مصوررين بصورة شنيعة، ينفر منها الإنسان، حسبما يناسب أسلوب تلك اللغة المترجم إليها، ويناسب إلف من يتكلم بها. ومن هذا يتبين أن الغرض الذى أراده الله من هذه الآية، يكون مفهوما بكل سهولة ووضوح فى الترجمة التفسيرية، دون الترجمة الحرفية.
إذا علم هذا، أصبح من السهل علينا وعلى كل إنسان أن يقول بجواز ترجمة القرآن ترجمة تفسيرية بدون أن يتردد أدنى تردد، فإن ترجمة القرآن ترجمة تفسيرية ليست سوى تفسير للقرآن الكريم بلغة غير لغته التى نزل بها.
وحيث اتفقت كلمة المسلمين، وانعقد إجماعهم على جواز تفسير القرآن لمن كان من أهل التفسير بما يدخل تحت طاقته البشرية، بدون إحاطة بجميع مراد الله، فإنا لا نشك فى أن الترجمة التفسيرية للقرآن داخلة تحت هذا الإجماع أيضا، لأن عبارة الترجمة التفسيرية محاذية لعبارة التفسير، لا لعبارة الأصل القرآنى، فإذا كان التفسير مشتملا على بيان معنى الأصل وشرحهه، بحل ألفاظه فيما يحتاج تفهمه إلى الحل، وبيان مراده كذلك، وتفصيل معناه فيما يحتاج للتفصيل، وتوجيه مسائله فيما يحتاج للتوجيه، وتقرير دلائله فيما يحتاج للتقرير، ونحو ذلك من كل ما له تعلق بتفهم القرآن وتدبره، كانت الترجمة التفسيرية أيضا مشتملة على هذا كله، لأنها ترجمة للتفسير لا للقرآن.
وقصارى القول: إن فى كل من التفسير وترجمته بيان ناحية أو أكثر من نواحى القرآن التى لا يحيط بها إلا من أنزله بلسان عربى مبين، وليس فى واحد منهما إبدال لفظ مكان لفظ القرآن، ولا إحلال نظم محل نظم القرآن بل نظم القرآن باق معهما، دال على معانيه من جميع نواحيه.
* *

(1/11)


* الفرق بين التفسير والترجمة التفسيرية:
لو تأملنا أدنى تأمل، لوجدنا أنه يمكن أن يفرق بين التفسير والترجمة التفسيرية من جهتين:
الجهة الأولى: اختلاف اللغتين. فلغة التفسير تكون بلغة الأصل، كما هو المتعارف المشهور. بخلاف الترجمة التفسيرية فإنها تكون بلغة أخرى
. الجهة الثانية: يمكن لقارئ التفسير ومتفهمه أن يلاحظ معه نظم الأصل ودلالته فإن وجده خطأ نبه عليه وأصلحه. ولو فرض أنه لم ينتبه لما فى التفسير من خطأ تنبه له قارئ آخر، أما قارئ الترجمة فإنه لا يتسنى له ذلك، لجهله بنظم القرآن ودلالته، بل كل ما يفهمه ويعتقده، أن هذه الترجمة التى يقرؤها ويتفهم معناها تفسير صحيح للقرآن، وأما رجوعه إلى الأصل ومقارنته بالترجمة فليس مما يدخل تحت طوقه ما دام لم يعرف لغة القرآن.
* *
* شروط الترجمة التفسيرية:
تفسير القرآن الكريم من العلوم التى فرض على الأمة تعلمها، والترجمة التفسيرية تفسير للقرآن بغير لغته، فكانت أيضا من الأمور التى فرضت على الأمة، بل هى آكد لما يترتب عليها من المصالح المهمة، كتبليغ معانى القرآن وإيصال هدايته إلى المسلمين، وغير المسلمين ممن لا يتكلمون بالعربية ولا يفهمون لغة العرب، وأيضا حماية العقيدة الإسلامية من كيد الملحدين، والدفاع عن القرآن بالكشف عن أضاليل المبشرين الذين عمدوا إلى ترجمة القرآن ترجمة حشوها بعقائد زائفة وتعاليم فاسدة، ليظهروا القرآن لمن لم يعرف لغته فى صورة تنفر منه وتصد عنه، وكثيرا ما علت الأصوات بالشكوى من هذه التراجم الفاسدة، لهذا نرى أن نذكر الشروط التى يجب أن تتوفر وتراعى، لتكون الترجمة التفسيرية ترجمة صحيحة مقبولة، وإليك هذه الشروط:
أولا - أن تكون الترجمة على شريطة التفسير، لا يعول عليها إلا إذا كانت مستمدة من الأحاديث النبوية، وعلوم اللغة العربية، والأصول المقررة فى الشريعة الإسلامية، فلا بد للمترجم من اعتماده فى استحضار معنى الأصل على تفسير عربى مستمد من ذلك، أما إذا استقل برأيه فى استحضار معنى القرآن، أو اعتمد على تفسير ليس مستمدا من تلك الأصول، فلا تجوز ترجمته ولا يعتد بها، كما لا يعتد بالتفسير إذا لم يكن مستمدا من تلك المناهل، معتمدا على هذه الأصول.
ثانيا - أن يكون المترجم بعيدا عن الميل إلى عقيدة زائفة تخالف ما جاء به القرآن، وهذا شرط فى المفسر أيضا؛ فإنه لو مال واحد منهما إلى عقيدة فاسدة لتسلطت على تفكيره، فإذا بالمفسر وقد فسر طبقا لهواه، وإذا بالمترجم وقد ترجم وفقا لميوله، وكلاهما يبعد بذلك عن القرآن وهداه.
ثالثا - أن يكون المترجم عالما بلغتين - المترجم منها والمترجم إليها، خبيرا بأسرارهما، يعلم جهة الوضع والأسلوب والدلالة لكل منهما.
رابعا - أن يكتبا لقرآن أولا، ثم يؤتى بعده بتفسيره، ثم يتبع هذا بترجمته التفسيرية حتى لا يتوهم متوهم أن هذه الترجمة ترجمة حرفية للقرآن.
هذه هى الشروط التى يجب مراعاتها لمن يريد أن يفسر القرآن بغير لغته، تفسيرا يسلم من كل نقد يوجه، وعيب يلتمس.
* * *

(1/12)


المبحث الثالث: اختلاف العلماء فى التفسير، هل هو من قبيل التصورات، أو من قبيل التصديقات؟

اختلف العلماء فى علم التفسير: هل هو من قبيل التصورات أو من قبيل التصديقات؟ فذهب بعضهم إلى أنه من قبيل التصورات. لأن المقصود منه تصور معانى ألفاظ القرآن، وذلك كله تعاريف لفظيه، وقد صرح بهذا الحكيم على المطول حيث قال: "وما قالوا من أن لكل علم مسائل فإنما هو فى العلوم الحكمية، وأما العلوم الشرعية والأدبية فلا يتأتى فى جميعها ذلك، فإن علم اللغة ليس إلا ذكر الألفاظ ومفهوماتها، وكذلك التفسير والحديث".
وذهب السيد: إلى أن التفسير من قبيل التصديقات، لأنه يتضمن الحكم على الألفاظ بأنها مفيدة لهذه المعانآ، وعلى هذا يكون التفسير عبارة عن مسائل جزئية، مثل قولنا: {ياأيها الناس} [خطاب لأهل مكة، و {يا أيها الذين آمنو?ا} خطاب لأهل المدينة، والاسم، معناه: الدال على المسمى، والله، معناه: الذات الأقدس، والرحمن، معناه: الحسن... وغير ذلك، ولا شك أن هذه قضايا جزئية.
* * *

(1/13)


الباب الأول: المرحلة الأولى للتفسير.. أو التفسير فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه

*تمهيد:
نزل القرآن الكريم على نبى أمى، وقوم أميين، ليس لهم إلا ألسنتهم وقلوبهم، وكانت لهم فنون من القول يذهبون فيها مذاهبهم ويتواردون عليها، وكانت هذه الفنون لا تكاد تتجاوز ضروبا من الوصف، وأنواعا من الحكم، وطائفة من الأخبار والأنساب، وقليلا مما يجرى هذا المجرى، وكان كلامهم مشتملا على الحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية. والإيجاز والإطناب.
وجربا على سنة الله تعالى فى إرسال الرسل، نزل القرآن بلغة العرب وعلى أساليبهم فى كلامه: {ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} .. فألفاظ القرآن عربية، إلا ألفاظا قليلة، اختلفت فيها أنظار العلماء، فمن قائل: إنها عربت وأخذت من لغات أخرى، ولكن العرب هضمتها وأجرت عليها قوانينها فصارت عربية بالاستعمال. ومن قائل: إنها عربية بحتة، غاية الأمر أنها مما تواردت عليه اللغات، وعلى كلا القولين فهذه الألفاظ لا تخرج القرآن عن كونه عربيا.
استعمل القرآن فى أسلوبه الحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية، والإيجاز والأطناب، وعلى نمط العرب فى كلامهم. غير أن القرآن يعلو على غيره من الكلام العربى، بمعانيه الرائعة التى افتن بها فى غير مذاهبهم، ونزع منها إلى غير فنونهم، تحقيقا لإعجازه، ولكونه من لدن حكيم عليم.
* * *

الفصل الأول: فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن الكريم، وأهم مصادر التفسير فى هذه المرحلة

*فهم النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن:
وكان طبيعيا أن يفهم النبى صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلا، إذ تكفل الله تعالى له بالحفظ والبيان: {إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه *ثم إن علينا بيانه}، كما كان طبيعيا أن يفهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم القرآن فى جملته، أى بالنسبة لظاهره وأحكامه، أما فهمه تفصيلا، ومعرفة دقائق باطنه، بحيث لا يغيب عنهم شاردة ولا واردة، فهذا غير ميسور لهم بمجرد معرفتهم للغة القرآن، بل لا بد لهم من البحث والنظر والرجوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهم فهمه، وذلك لأن القرآن فيه المجمل، والمشكل، والمتشابه، وغير ذلك مما لا بد فى معرفته من أمور أخرى يرجع إليها.
ولا أظن الحق مع ابن خلدون حيث يقول فى مقدمته: "إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه فى مفرداته وتراكيبه"، نعم لا أظن الحق معه فى ذلك، لأن نزول القرآن بلغة العرب لا يقتضى أن العرب كلهم كانوا يفهمونه فى مفرداته وتراكيبه، وأقرب دليل على هذا ما نشاهده اليوم من الكتب المؤلفة على اختلاف لغاتها، وعجز كثير من أبناء هذه اللغات عن فهم كثير مما جاء فيها بلغتهم، إذ الفهم لا يتوقف على معرفة اللغة وحدها، بل لا بد لمن يفتش عن المعانى ويبحث عنها من أن تكون له موهبة عقلية خاصة، تتناسب مع درجة الكتاب وقوة تأليفه.
* * *
*تفاوت الصحابة فى فهم القرآن:
ولو أننا رجعنا إلى عهد الصحابة لوجدنا أنهم لم يكونوا فى درجة واحدة بالنسبة لفهم معانى القرآن، بل تفاوتت مراتبهم، وأشكل على بعضهم ما ظهر لبعض آخر منهم، وهذا يرجع إلى تفاوتهم فى القوة العقلية، وتفاوتهم فى معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، وأكثر من هذا، أنهم كانوا لا يتساوون فى معرفة المعانى التى وضعت لها المفردات، فمن مفردات القرآن ما خفى معناه على بعض الصحابة، ولا ضير فى هذا، فإن اللغة لا يحيط بها إلا معصوم، ولم يدع أحد أن كل فرد من أمة يعرف جميع ألفاظ لغتها.
ومما يشهد لهذا الذى ذهبنا إليه، ما أخرجه أبو عبيدة فى الفضائل عن أنس: "أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {وفاكهة وأبا}.. فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟. ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر". وما روى من أن عمر كان على المنبر فقرأ: {أو يأخذهم على تخوف}.. ثم سأل عن معنى التخوف، فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقص، ثم أنشده:
*تخوف الرحل منها تامكا قردا * كما تخوف عود النبعة السفن*
وما أخرجه أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: "كنت لا أدرى ما {فاطر السماوات} حتى أتانى أعرابيان يتخاصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، والآخر يقول: أنا ابتدأتها".

(2/1)


فإذا كان عمر بن الخطاب يخفى عليه معنى "الأب" ومعنى "التخوف" ويسأل عنهما غيره، وابن عباس - وهو ترجمان القرآن - لا يظهر له معنى "فاطر" إلا بعد سماعها من غيره، فكيف شأن غيرهما من الصحابة؟ لا شك أن كثيرا منهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجمالى للآية، فيكفيهم - مثلا - أن يعلموا من قوله تعالى: {وفاكهة وأبا} أنه تعداد للنعم التى أنعم الله بها عليهم، ولا يلزمون أنفسهم بتفهم معنى الآية تفصيلا ما دام المراد واضحا جليا.
وماذا يقول ابن خلدون فيما رواه البخارى، من أن عدى بن حاتم لم يفهم معنى قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}.. وبلغ من أمره أن أخذ عقالا أبيض وعقالا أسود، فلما كان بعض الليل، نظر إيهما فلم يستبينا، فلما أصبح أخبر الرسول بشأنه، فعرض بقلة فهمه، وأفهمه المراد.
الحق أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا يتفاوتون فى القدرة على فهم القرن وبيان معانيه المرادة منه، وذلك راجع - كما تقدم - إلى اختلافهم فى أدوات الفهم، فقد كانوا يتفاوتون فى العلم بلغتهم، فمنهم من كان واسع الاطلاع فيها ملما بغريبها، ومنهم دون ذلك، ومنهم من كان يلازم النبى صلى الله عليه وسلم فيعرف من أسباب النزول ما لا يعرفه غيره، أضف إلى هذا وذاك أن الصحابة لم يكونوا فى درتهم العلمية ومواهبهم العقلية سواء، بل كانوا مختلفين فى ذلك اختلافا عظيما.
قال مسروق: "جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ - يعنى الغدير - فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم".
هذا.. وقد قال ابن قتيبة - وهو ممن تقدم على ابن خلدون يقرون - : "إن العرب لا تستوى فى المعرفة بجميع ما فى القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل فى ذلك على بعض". ويظهر أن ابن خلدون قد شعر بذلك فصرح به فيما أورده بعد عبارته السابقة بقليل حيث قال: "وكان النبى صلى الله عليه وسلم يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه".. وهذا تصريح منه بأن العرب كان لا يكفيهم فى معرفة معانى القرآن معرفتهم بلغته، بل كانوا فى كثير من الأحيان بحاجة إلى توقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم.
* * *
مصادر التفسير فى هذا العصر
كان الصحابة فى هذا العصر يعتمدون فى تفسيرهم للقرآن الكريم على أربعة مصادر:
الأول: القرآن الكريم.
الثانى: النبى صلى الله عليه وسلم.
الثالث: الاجتهاد وقوة الاستنباط.
الرابع: أهل الكتاب من هذه المصادر الأربعة فنقول:
*المصدر الأول - القرآن الكريم:
الناظر فى القرآن الكريم يجد أنه قد اشتمل على الإيجاز والإطناب، وعلى الإجمال والتبيين، وعلى الإطلاق والتقييد، وعلى العموم والخصوص. وما أوجز فى مكان قد يبسط فى مكان آخر، وما أجمل فى موضع قد يبين فى موضع آخر، وما جاء مطلقا فى ناحية قد يلحقه التقييد فى ناحية أخرى، وما كان عاما فى آية قد يدخله التخصيص فى آية أخرى.
ولهذا كان لا بد لمن يعترض لتفسير كتاب الله تعالى أن ينظر فى القرآن أولا، فيجمع ما تكرر منه فى موضوع واحد، ويقابل الآيات بعضها ببعض، ليستعين بما جاء مسهبا على معرفة ما جاء موجزا، وبما جاء مبينا على فهم ما جاء مجملا، وليحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، وبهذا يكون قد فسر القرآن بالقرآن، وفهم مراد الله بما جاء عن الله، وهذه مرحلة لا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها، ويتخطاها إلى مرحلة أخرى، لأن صاحب الكلام أدرى بمعانى كلامه، وأعرف به من غيره.
وعلى هذا، فمن تفسير القرآن بالقرآن: أن يشرح ما جاء موجزا فى القرآن بما جاء فى موضع آخر مسهبا، وذلك كقصة آدم وإبليس، جاءت مختصرة فى بعض المواضع، وجاءت مسهبة مطولة فى موضع آخر، وكقصة موسى وفرعون، جاءت موجزة فى بعض المواضع، وجاءت مسهبة مفصلة فى موضع آخر.

(2/2)


ومن تفسير القرآن بالقرآن: أن يحمل المجمل على المبين ليفسر به، وأمثلة ذلك كثيرة فى القرآن، فمن ذلك تفسير قوله تعالى فى سورة غافر الآية [28]: {وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} بأنه العذاب الأدنى المعجل فى الدنيا، لقوله تعالى فى آخر هذه السورة آية [77]: {فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون}.. ومنه تفسير قوله تعالى فى سورة النساء آية [27]: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} بأهل الكتاب لقوله تعالى فى السورة نفسها آية [44]: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل}.. ومنه قوله تعالى فى سورة البقرة آية [37]: {فتلقى ءادم من ربه كلمات} فسرتها الآية [23] من سورة الأعراف: {قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.. ومنه قوله تعالى فى سورة الأنعام آية [103]: {لا تدركه الأبصار} فسرتها آية: {إلى ربها ناظرة} الآية [23] من سورة القيامة. ومنه قوله تعالى فى سورة المائدة آية [1]: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم}.. فسرتها آية {حرمت عليكم الميتة} الآية [3] من السورة نفسها.
ومن تفسير القرآن بالقرآن حمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، فمن الأول: ما نقله الغزالى عن أكثر الشافعية من حمل المطلق على المقيد فى صورة اختلاف الحكمين عند اتحاد السبب، ومثل له بأية الوضوء والتيمم، فإن الأيدى مقيدة فى الوضوء بالغاية فى قوله تعالى فى سورة المائدة آية [6]: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}.. ومطلقة فى التيمم فى قوله تعالى فى الآية نفسها: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}.. فقيدت فى التيمم بالمرافق أيضا، ومن أمثلته أيضا عند بعض العلماء: آية الظهار مع آية القتل، ففى كفارة الظهار يقول الله تعالى فى سورة المجادلة آية [3]: {فتحرير رقبة}.. وفى كفارة القتل، يقول فى سورة النساء آية [92]: {فتحرير رقبة مؤمنة}.. فيحمل المطلق فى الآية على المقيد فى الآية الثانية، بمجرد ورود اللفظ المقيد من غير حاجة إلى جامع عند هذا البعض من العلماء.
ومن الثانى: نفى الخلة والشفاعة على جهة العموم فى قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنو?ا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون}.. وقد استثنى الله المتقين من نفى الخلة فى قوله: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}.. واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة بقوله: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى}.. ومثل قوله تعالى: {من يعمل سو?ءا يجز به}.. فإن ما فيها من عموم خصص بمثل قوله: {ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير}.. ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف، كخلق آدم من تراب فى بعض الآيات، ومن طين فى غيرها، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال، فإن هذا ذكر للأطوار التى مر بها آدم من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه.
ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل بعض القراءات على غيرها، فبعض القراءات تختلف مع غيرها فى اللفظ وتتفق فى المعنى، فقراءة ابن مسعود رضى الله عنه: "أو يكون لك بيبت من ذهب" تفسر لفظ الزخرف فى القراءة المشهورة: {أو يكون لك بيت من زخرف}.. وبعض القراءات تختلف مع غيرها فى اللفظ والمعنى، وإحدى القراءتين تعين المراد من القراءة الأخرى، فمثلا قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنو?ا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}.. وفسرتها القراءة الأخرى: "فامضوا إلى ذكر الله"، لأن السعى عبارة عن المشى السريع، وهو وإن كان ظاهر اللفظ إلا أن المراد منه مجرد الذهاب.

(2/3)


وبعض القراءات تختلف بالزيادة والنقصان، وتكون الزيادة فى إحدى القراءتين مفسرة للمجمل فى القراءة التى لا زيادة فيها، فمن ذلك: القراءة المنسوبة لابن عباس: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فى مواسم الحج".. فسرت القراءة الأخرى التى لا زيادة فيها، وأزالت الشك من قلوب بعض الناس الذين كانوا يتحرجون من الصفق فى أسواق الحج.. والقراءة المنسوبة لسعد بن أبى وقاص: "وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس".. فسرت القراءة الأخرى التى لا تعرض فيها لنوع الأخوة.
وهنا تختلف أنظار العلماء فى مثل هذه القراءات فقال بعض المتأخرين: إنها من أوجه القرآن، وقال غيرهم: إنها ليست قرآنا، بل هى من قبيل التفسير، وهذا هو الصواب: لأن الصحابة كانوا يفسرون القرآن ويرون جواز إثبات التفسير بجانب القرآن فظنها بعض الناس - لتطاول الزمن عليها - من أوجه القراءات التى صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواها عنه أصحابه.
ومما يؤيد أن القراءات مرجع مهم من مراجع تفسير القرآن بالقرآن، ما روى عن مجاهد أنه قال: "لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود قبل أن أسأل ابن عباس ما احتجت أن أسأله عن كثير مما سألته عنه".
هذا هو تفسير القرآن بالقرآن، وهو ما كان يرجع إليه الصحابة فى تعرف بعض معانى القرآن، وليس هذا عملا آليا لا يقوم على شيء من النظر، وإنما هو عمل يقوم على كثير من التدبر والتعقل، إذ ليس حمل المجمل على المبين، أو المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، أو إحدى القراءتين على الأخرى بالأمر الهين الذى يدخل تحت مقدور كل إنسان، وإنما هو أمر يعرفه أهل العلم والنظر خاصة.
ومن أجل هذا نستطيع أن نوافق الأستاذ جولدزيهر على ما قاله فى كتابه "المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن" من أن: "المرحلة الأولى لتفسير القرآن والنواة التى بدأ بها، تتركز فى القرآن نفسه وفى نصوصه نفسها. وبعبارة أوضح: فى قراءته، ففى هذه الأشكال المختلفة، نستطيع أن نرى أول محاولة للتفسير".. نعم نستطيع أن نوافقه على أن المرحلة الأولى للتفسير تتركز فى القرآن نفسه على معنى رد متشابهه إلى محكمه، وحمل مجمله على مبينه، وعامه على خاصه، ومطلقه على مقيده.. إلخ، كما تتركز فى بعض قراءاته المتواترة. وما كان من قراءات غير متواترة فلا يعول عليها باعتبارها قرآنا، وإن عول على بعض منه باعتبارها تفسيرا للنص القرآنى، نعم.. نستطيع أن نوافقه على هذا إن أراده، ولكن لا نستطيع أن نوافقه على ما يرمى إليه من إلحاد فى آيات الله، وما يهدف إليه من اتهام المسلمين بالتساهل فى قبول القراءات، وذلك حيث يقول فى صحفه (1 ، 2) من الكتاب نفسه: "وقد تسامح المسلمون فى هذه القراءات واعترفوا بها جميعا على قدم المساواة بالرغم مما قد يفرض من أن الله تعالى قد أوحى بكلامه كلمة كلمة وحرفا حرفا، وأن مثله من الكلام المحفوظ فى اللوح والذى تنزل به الملك على الرسول المختار يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" اهـ.
كما لا نستطيع أن نوافقه على ما نسبه إلى الصحابة، من أنهم هم الذين أحدثوا هذه القراءات جميعا، ونفى كونها من كلام الله، وعلل ما ذهب إليه بعلل واهية لا تقوم إلا على أوهام تخيلها فظنها حقائق، وذلك حيث يقول فى صفحه (6) بعد أن ساق هذه الآية: {إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا}.. قال: "قرأ بعضهم بدلا من "وتعزروه" بالراء: "وتعززوه" بالزاى، من العزة والتشريف، وإنى أرى فى الانتقال من تلك القراءة إلى هذه القراءة - وإن كنت لا أجزم بذلك - أن شيئا من التفكير فى تصور أن الله قد ينتظر مساعدة من الإنسان قد دعا إلى ذلك، حقا إنه قد جاءت فى القرآن آيات بهذا المعنى - سورة الحج [40] ومحمد [7] والحشر [8] وغيرها - بيد أن اللفظ المستعمل فى هذه الآيات - وهو "نصر" - يقوم على أساس أخلاقى وتهذيبى، وليس كالتعبير بلفظ "عزر" وهى الكلمة المتفقة مع اللفظ العبرى "عزار"، والتعبير بـ "عزر" تعبير حاد يقوم على أساس من المساعدة المادية" اهـ.
فهذا الكاتب دفعه إلى رأيه الذى رآه ولم يقطع به كما هى عادته، جهله بأساليب العرب وأفانينها فى البلاغة، فالعرب لا يفهمون من قوله تعالى: {وتعزروه} - بالراء - معنى النصرة المادية، بل أول ما تصل هذه الكلمة إلى أسماعهم يعلمون مأن الله يريد منهم نصر دينه ونصر رسوله، وكثر من مثل هذه العبارات وارد فى القرآن، وما ذكره من التفرقة بين لفظ: "نصر" ولفظ: "عزر" من أن الأول يقوم على أساس أخلاقى تهذيبى، والثانى يقوم على أساس من المساعدة المادية، لا يقوم على أساس من الفقه اللغوى.

(2/4)


ويقول الكاتب فى صفحة (19 - 20) من الكتاب نفسه: "وأحب أن أهتم هنا ببعض ما ذكرته من هذه القراءات، لما فيه من طابع خاص ذى مبادئ جوهرية، فبعض هذه الاختلافات ترجع أسبابها إلى الخوف من أن تنسب إلى الله ورسوله عبارات قد يلاحظ فيها بعض أصحاب وجوه النظر الخاصة بما يمس الذات الإلهية العالية إلى الرسول، أو مما يرى أنه غير لائق بالمقام. وهنا تغيرت القراءات من هذه الناحية بسبب هذه الأفكار التنزيهية" .. ثم ضرب لذلك أمثلة فقال: "ففى سورة آل عمران آية [18]: {شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم}.. فقد فهم أن هناك ما يصطدم بشهادة الله نفسه على قدم المساواة مع الملائكة وأولى العلم فقرأ بعضهم: "شهداء الله: أنه لا إله إلأا هو والملائكة وأولوا العلم" اهـ.
والمتأمل أدنى تأمل أن هذا الوهم الذى ادعى حصوله من القراءة الأولى لا يمكن أن يدور بخلد عاقل، ولم نر أحدا من العلماء خطر له هذا الإيهام، فشهادة الله مع الملائكة لا غبار عليها، ولا تفيد مساواته لمن ذكروا معه.
ويقول فى صفحة : وفى سورة العنكبوت آيتى [2 - 3]: {أحسب الناس أن يتركو?ا أن يقولو?ا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.. فقوله تعالى: {فليعلمن} قد يوحى إلى النفس أن الله قد علم ذلك أولا عند الفتنة كأنه لم يكن يعلم بذلك فى الأزل، ويظهر أن مثل هذا الظن قد أدى إلى قراءة على والزهرى: "فليعلمن" من الإعلام، بمعنى: فليعرفن الله الناس أخلاق هؤلاء وهؤلاء، أو بمعنى ليسمنهم بعلامة يعرفون بها، من بياض الوجوه وسوادها، وكحل العيون وزرقتها. وزرقة العيون عند العرب علامة على القبح والغدر، وأحيانا على الحسد" ا هـ.
وللرد على هذا نقول: إن الله تعالى لا يعلم الشيء موجودا إلا بعد وجوده، فتعلق علمه بالحادث باعتبار أنه حدث حادث، وهذا لا ينافى كونه عالما من الأزل بالشئ قبل وقوعه، فالكاتب ظن أن العلم المترتب على الفتنة هو العلم الأزلى، ونسى علم الانكشاف والظهور، فبنى على هذا أن من قرأ: "فليعلمن" من الإعلام، قرأ بها فرارا مما تفيده القراءة الأولى، وهذا قول باطل، ولا يخفى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فتنة الله لمن يشاء من عباده، يراد منها أن يظهر للناس فى الخارج ما اشتمل عليه علمه من الأزل، فكيف يعقل أنهم عدلوا عن قراءة "فليعلمن" من العلم إلى قراءة "فليعلمن" من الإعلام لمجرد هذا الوهم الباطل؟.. اللهم إن الكاتب لا يريد إلا أن يوقع فى أذهان الناس أن القرآن كان عرضه للتبديل والتحريف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ساق الكاتب أمثلة كثيرة فى كتابه، كلها من هذا القبيل ولهذا الغرض بدون أن يفرق بين قراءة متواترة وقراءة شاذة، ولو أنه علم ما اشترطه المسلمون لصحة القراءة وقبولها من تواترها عن صاحب الرسالة. أو صحة السند وموافقة العربية وموافقة الرسم العثمانى، لما صار إلى هذا الرأى الباطل، ولما نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم مثل هذا التحريف والتبديل فى كتاب ضمن الله حفظه فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
* * *
*المصدر الثانى - النبى صلى الله عليه وسلم:
المصدر الثانى الذى كان يرجع إليه الصحابة فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الواحد منهم إذا أشكلت عليه آية من كتاب الله، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تفسيرها، فيبين له ما خفى عليه، لأن وظيفته البيان، كما أخبر الله عنه بذلك فى كتابه حيث قال: "{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}.. وكما نبه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود بسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قالك "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه. ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه"... الحديث.
والذى يرجع إلى كتب السنة يجد أنها قد أفردت للتفسير بابا من الأبواب التى اشتملت عليها، ذكرت فيه كثيرا من التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:
ما أخرجه أحمد والترمذى وغيرهما عن عدى بن حبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين هم النصارى".
وما رواه الترمذى وابن حبان فى صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة الوسطى صلاة العصر".

(2/5)


وما رواه أحمد والشيخان وغيرهما عن ابن مسعود قال: "لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسو?ا إيمانهم بظلم}. شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله؛ وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذى تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم؟ إنما هو الشرك".
وما أخرجه مسلم وغيره عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}.. ألا وإن القوة الرمى".
وما أخرجه الترمذى عن على قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: "يوم النحر".
وما أخرجه الترمذى وابن جرير عن أبى بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وألزمهم كلمة التقوى}.. قال: "لا إله إلأا الله".
وما أخرجه أحمد والشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب عذب" قلت: أليس يقول الله: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا}؟ قال: "ليس ذلك بالحساب.. ولكن ذلك العرض".
وما أخرجه أحمد ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر أعطانيه ربى فى الجنة".
وغير هذا كثير مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* *
*الوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التفسير:
غير أن القصاص والوضاع زادوا فى هذا النوع من التفسير كثيرا، ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وليس أدل على هذا مما أخرجه الحاكم عن أنس أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {والقناطير المقنطرة} فقال: "القناطر ألف أوقية"، وما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أبى هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القنطار اثنا عشر ألف أوقية".
فمثل هذا التناقص فى مقدار وزن القنطار، لا يمكن أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا رد العلماء كثيرا مما ورد من التفسير منسوبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازى" ومراده من قوله هذا - كما نقل عن المحققين من أتباعه - أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة لا كما استظهره الأستاذ أحمد أمين حيث يقول: "وظاهر هذه الجملة أن الأحاديث التى وردت فى التفسير لا أصل لها وليست بصحيحة، والظاهر - كما قال بعضهم - أنه يريد الأحاديث المرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى التفسير. أما الأحاديث المنقولة عن الصحابة فلا وجه لإنكارها، وقد اعترف هو نفسه ببعضها".
وحيث يقول: "إن بعض العلماء أنكر هذا الباب بتاتا، أعنى أنه أنكر صحة ورود ما يروونه من هذا الباب، فقد روى عن الإأمام أحمد أنه قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازى".
نعم.. ليس الأمر كما استظهره صاحب "ضحى الإسلام" و "فجر الإسلام، لأنه مما لا شك فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم صحت عنه أحاديث فى التفسير، والإمام أحمد نفسه معترف بها، فكيف يعقل أن الإمام أحمد يريد من عبارته السابقة نفى الصحة عن جميع الأحاديث المرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى التفسير؟ - وظنى أن الأستاذ أراد بالبعض المذكور، المحققين من أصحاب الإمام أحمد، غاية الأمر أنه حمل كلامهم على غير ما أردوا فوقع فى هذا الخطأ، والعجب أنه نقل عن "الإتقان" فى هامش فجر الإسلام (صفحة 245) ما استظهرناه من كلام المحققين من أتباع الإمام أحمد.
واعترف فى فجر الإسلام (صفحة 245)، وضحى الإسلام (الجزء الثانى صفحة 138): بأنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيرات لبعض ما أشكل من القرآن، وإن كان قد اضطرب فى كلامه فجعل ما ورد من التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغا حد الكثرة، حيث قال فى فجر الإسلام (صفحة 245): "وهذا النوع كثير: وردت منه أبواب فى كتب الصحاح الستة، وزاد فيه القصاص والوضاع كثير"، ثم عاد فى ضحى الإسلام (جزء 2 صفحة 138) فجعل ما ورد عن الرسول من التفسير بالغا حد القلة حيث قال: "وما روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم فى ذلك قليل، حتى روى عن عائشة أنها قالت: لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيات تعد، علمهن إياه جبريل"، وفاته أن الحديث مطعون فيه، فذكره دليلا عن مدعاه ولم يعقب عليه، مع أنه أحال على الطبرى فى نقل الحديث، والطبرى وضح علته، وتأوله على فرض الصحة كما سنوضح ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
* *
*هل تناول النبى صلى الله عليه وسلم القرآن كله بالبيان؟

(2/6)


قد يقول قائل: إن الله تعالى يقول فى سورة النحل: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} .. فهل بين لهم بعضه وسكت عن بعضه الآخر؟، ثم على أى وجه كان هذا البيان من الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه؟. وللجواب عن هذا نقول:
*المقدار الذى بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القبرآن لأصحابه:
اختلف العلماء فى المقدار الذى بينه النبى صلى الله عليه وسلم من القرآن لأصحابه: فمنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه كل معانى القرآن كما بين لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية.
ومنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبين لأصحابه من معانى القرآن إلا القليل، وعلى رأس هؤلاء: الخويى والسيوطى، وقد استدل كل فريق على ما ذهب إليه بأدلة نوردها ليتضح لنا الحق ويظهر الصواب.
* *
*أدلة من قال النبى صلى الله عليه وسلم بين كل معانى القرآن:
أولا: قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ..
والبيان فى الآية يتناول بيان معانى القرآن، كما يتناول بيان ألفاظه، وقد بين الرسول ألفاظه كلها، فلا بد أن يكون قد بين كل معانيه أيضا، وإلا كان مقصرا فى البيان الذى كلف به من الله.
ثانيا: ما روى ن أبى عبد الرحمن السلمى أنه قال: "حدثن الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا"، ولهذا كانوا يبقون مدة طويلة فى حفظ السورة، وقد ذكر الإمام مالك فى الموطأ: أن ابن عمر أقام على حفظ "البقرة" ثمان سنوات، والذى حمل الصحابة على هذا، ما جاء فى كتاب الله تعالى من قوله: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبرو?ا آياته}.. وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وقوله: {إنآ أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}.. وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام يقصد منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، والقرآن أولى بذلك من غيره.
فهذه الآثار تدل على أن الصحابة تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم معانى القرآن كلها، كما تعلموا ألفاظه.
ثالثا: قالوا إن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا فى فن من العلم كالطلب أو الحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكتاب الله الذى فيه عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة؟
رابعا: ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر رضى الله عنه أنه قال: "من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها"، وهذا يدل بالفحوى على أنه كان يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر هذه الآية، لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه.
* *
*أدلة من قال بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يبين لأصحابه إلا القليل من معانى القرآن:
استدل أصحاب هذا الرأى بما يأتى:
أولا: ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد، علمه إياهن جبريل".
ثانيا: قالوا: إن بيان النبى صلى الله عليه وسلم لكل معانى القرآن متعذر، ولا يمكن ذلك إلا فى آى قلائل، والعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل، ولم يأمر الله نبيه بالتنصيص على المراد فى جميع آياته لأجل أن يتفكر عباده فى كتابه.
ثالثا: قالوا: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه كل معانى القرآن لما كان لتخصيصه ابن عباس بالدعاء بقوله: "اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل" فائدة، لأنه يلزم من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كل معانى القرآن استواؤهم فى معرفة تأويله، فكيف يخصص ابن عباس بهذا الدعاء؟
* *
*مغالاة الفريقين:
ومن يتأمل فيما تقدم من أدلة الفريقين يتضح له أنهما على طرفى نقيض. ورأيى أن كل فريق منهم مبالغ فى رأيه. وما استدل إليه كل فريق من الأدلة يمكن مناقشته بما يجعله لا ينهض حجة على المدعى.
*مناقشة أدلة الفريق الأول:
فاستدلال ابن تيمية ومن معه على رأيهم بقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} استدلال غير صحيح، لأن الرسول - بمقتضى كونه مأمورا بالبيان - كان يبين لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن، لا كل معانيه، ما أشكل منها وما لم يشكل.

(2/7)


وأما استدلالهم بما روى عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها، فهو استدلال لا ينتج المدعى، لأن غاية ما يفيده، أنهم كانوا لا يتجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه، وهو أعم من أن يفهموه من النبى صلى الله عليه وسلم أو من غيره من إخوانهم الصحابة، أو من تلقاء أنفسهن، حسبما يفتح الله به عليهم من النظر والاجتهاد.
وأما الدليل الثالث، فكل ما يدل عليه: هو أن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه، شأن أى كتاب يقرؤه قوم، ولكن لا يلزم منه أن يكونوا قد رجعوا إلى النبى فى كل لفظ منه.
وأما الدليل الرابع، فلا يدل أيضا، لأن وفاة النبى عليه الصلاة والسلام قبل أن يبين لهم آية الربا لا تدل على أنه كان يبين لهم كل معانى القرآن، فلعل هذه الآية كانت مما أشكل على الصحابة، فكان لا بد من الرجوع فيها إلى النبى عليه السلام، شأن غيرها من مشكلات القرآن.
* *
*مناقشة أدلة الفريق الثانى:
وأما استدلال أصحاب الرأى الثانى بحديث عائشة، فهو استدلال باطل، لأن الحديث منكر غريب، لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيرى، وهو مطعون فيه، قال البخارى: "لا يتابع فى حديثه"، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدى: "منكر الحديث"، وقال فيه ابن جرير الطبرى: "إنه ممن لا يعرف فى أهل الآثار"، وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول - كما قال أبو حيان - على مغيبات القرآن، وتفسيره لمجمله، ونحوه مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله. وفى معناه ما قاله ابن جرير وما قاله ابن عطية.
وأما الدليل الثانى، فلا يدل أيضا على ندرة ما جاء عن النبى عليه الصلاة والسلام فى التفسير، إذ أن دعوة إمكان التفسير بالنسبة لآيات قلائل، وتعذره بالنسبة للكل غير مسلمة، وأما ما قيل من أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالتنصيص على المراد فى جميع الآيات لأجل أن يتفكر الناس فى آيات القرآن فليس بشيء، إذ أن النبى عليه الصلاة والسلام مأمور بالبيان، وقد يشكل الكثير على أصحابه فيلزمه البيان، ولو فرض - أن القرآن أشكل كله على الصحابة ما كان للنبى عليه الصلاة والسلام أن يمتنع عن بيان كل آية منه، بمقتضى أمر الله له فى الآية: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}.
وأما الدليل الثالث، فول سلمنا أنه يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفسر كل معانى القرآن. فلا نسلم أنه يدل على أنه فسر النادر منه كما هو المدعى.
* *
*اختيارنا فى المسألة:
والرأى الذى تميل إليه النفس - بعد أن اتضح لنا مغالاة كل فريق فى دعواه وعدم صلاحية الأدلة لإثبات المدعى - هو أن نتوسط بين الرأيين فنقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بين الكثير من معانى القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يبين كل معانى القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد فى جهالته كما صرح بذلك ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير، قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله".
وبدهى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذى لا يعرفه أحد بجهله، لأنه لا يخفى على أحد، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وحقيقة الروح، وغير ذلك من كل ما يجرى مجرى الغيوب التى لم يطلع الله عليها نبيه، وإنما فسر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات التى أخفاها الله عنهم وأطلعه عليها وأمره ببيانها لهم، وفسر لهم أيضا كثيرا مما يندرج تحت القسم الثالث، وهو ما يعلمه العلماء يرجع إلى اجتهادهم، كبيان المجمل، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، وما إلى ذلك من كل ما خفى معناه والتبس المراد به.
هذا.. وإن مما يؤيد أن النبى عليه الصلاة والسلام لم يفسر كل معانى القرآن، أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقع بينهم الاختلاف فى تأويل بعض الآيات، ولو كان عندهم فيه نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع هذا الاختلاف، أو لارتفع بعد الوقوف على النص.
بقى بعد هذا أن نجيب عن الشق الثانى من السؤال، وهو: على أى وجه كان بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن؟ فنقول:
إن الناظر فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يجد فيهما ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظيفته البيان لكتاب الله، أو بعبارة أخرى، ما يدل على أن مركز السنة النبوية من القرآن، مركز المبين من المبين.

(2/8)


فمن القرآن، قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}.
ومن السنة، ما رواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، إلا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه".
فقوله: "أوتيت الكتاب ومثله معه" معناه أنه أوتى الكتاب وحيا يتلى، وأوتى من البيان مثله، أى أذن له أن يبين ما فى الكتاب. فيعم ويخص، ويزيد عليه ويشرع ما فى الكتاب، فيكون فى وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن. ويحتمل وجها آخر: وهو أنه أوتى من الوحى الباطن عن المتلو، مثل ما أعطى من الظاهر المتلو، كما قال تعالى فى سورة النجم آيتى [3، 4]: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}..
وأما قوله: "يوشك رجل شبعان.." إلخ، فالمقصود منه التحذير من مخالفة السنة التى سنها الرسول وليس لها ذكر فى القرآن، كما هو مذهب الخوارج والروافض الذين تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التى ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا، وروى الأوزاعى عن حسان بن عطية قال: "كان الوحى ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحضره جبريل بالسنة التى تفسر ذلك"، وروى الاوزاعى عن مكحول قال: "القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن".
* *
*أوجه بيان السنة للكتاب:
وإذ قد اتضح لنا من الآية والحديث والآثار مقدار ارتباط السنة بالكتاب، ارتباط المبين فلنبين بعد ذلك أوجه هذا البيان فنقول:
الوجه الأول: بيان المجمل فى القرآن، وتوضيح المشكل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، فمن الأول: بيانه عليه الصلاة والسلام لمواقيت الصلوات الخمس، وعدد ركعاتها، وكيفيتها، وبيانه لمقادير الزكاة، وأوقاتها، وأنواعها، وبيانه لمناسك الحج. ولذا قال: "خذوا عنى مناسككم"، وقال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى".
وقد روى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: "إنك أحمق، أتجد الظهر فى كتاب الله أربعاص لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة، والزكاة، ونحو ذلك، ثم قال: أتجد هذا فى كتاب الله تعالى مفسرا؟ إن كتاب الله تعالى أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا".
ومن الثانى: تفسيره - صلى الله عليه وسلم - للخيط الأبيض والخيط الأسود فى قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} بأنه بياض النهار وسواد الليل.
ومن الثالث: تخصيصه - صلى الله عليه وسلم - الظلم فى قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسو?ا إيمانهم بظلم} بالشرك، فإن بعض الصحابة فهم أن الظلم مراد منه العموم، حتى قال: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ليس بذلك، إنما هو الشرك".
ومن الرابع: تقييده اليد فى قوله تعالى: {فاقطعو?ا أيديهما} باليمين.
الوجه الثانى: بيان معنى لفظ أو متعلقة، كبيان: {المغضوب عليهم} باليهود، و {الضآلين} بالنصارى. وكبيان قوله تعالى: {ولهم فيهآ أزواج مطهرة} بأنها مطهرة من الحيض والبزاق والنخامة، وكبيان قوله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} بأنهم دخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا: حبة فى شعيرة.
الوجه الثالث: بيان أحكام زائدة على ما جاء فى القرآن الكريم، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وصدقة الفطر، ورجم الزانى المحصن، وميراث الجدة، والحكم بشاهد ويمين، وغير هذا كثير يوجد فى كتب الفروع.
الوجه الرابع: بيان النسخ: كأن يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آية كذا نسخت بكذا، أو أن حكم كذا نسخ بكذا، فقوله عليه الصلاة والسلام: " لا وصية لوارث" بيان منه أن آية الوصية للوالدين والأقربين منسوخ حكمهها وإن بقيت تلاوتها. وحديث: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" بيان منه أيضا لنسخ حكم الآية [15] من سورة النساء: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم}.. وغير هذا كثير.

(2/9)


الوجه الخامس: بيان التأكيد، وذلك بأن تأتى السنة موافقة لما جاء به الكتاب، ويكون القصد من ذلك تأكيد الحكم وتقويته. وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فإنه يوافق قوله تعالى: {لا تأكلو?ا أموالكم بينكم بالباطل}.. وقوله عليه الصلاة والسلام : "اتقوا الله فى النساء فإنهن عوان فى أيديكم، أخذتموهم بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،" فإنه موافق لقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف}.
* * *
*المصدر الثالث من مصادر التفسير فى عصر الصحابة - الاجتهاد وقوة الاستنباط:
كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إذا لم يجدوا التفسير فى كتاب الله، ولم يتيسر لهم أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا فى ذلك إلى اجتهادهم وإمال رأيهم، وهذا بالنسبة لما يحتاج إلى نظر واجتهاد، أما ما يمكن فهمه بمجرد معرفة اللغة العربية فكانوا لا يحتاجون فى فهمه إلى إعمال النظر، ضرورة أنهم من خلص العرب، يعرفون كلام العرب ومناحيهم فى القول، ويعرفون الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد من ذلك فى الشعر الجاهلة الذى هو ديوان العرب، كما يقول عمر رضى الله عنه.
*أدوات الاجتهاد فى التفسير عند الصحابة:
وكثير من الصحابة كان يفسر آى القرآن بهذا الطريق، أعنى طريق الرأى والاجتهاد، مستعينا على ذلك بما يأتى:
أولا: معرفة أوضع اللغة وأسرارها.
ثانيا: معرفة عادات العرب.
ثالثا: معرفة أحوال اليهود والنصارى فى جزيرة العرب وقت نزول القرآن.
رابعا: قوة الفهم وسعة الإدراك.
فمعرفة أوضاع اللغة العربية وأسرارها، تعين على فهم الآيات التى لا يتوقف فهمها على غير لغة العرب. ومعرفة عادات العرب تعين على فهم كثير من الآيات التى لها صلة بعاداتهم، فمثلا قوله تعالى: {إنما النسي?ء زيادة في الكفر}.. وقوله: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها}. لا يمكن فهم المراد منه، إلا لمن عرف عادات العرب فى الجاهلية وقت نزول القرآن.
ومعرفة أحوال اليهود والنصارى فى جزيرة العرب وقت نزول القرآن، تعين على فهم الآيات التى فيها الإشارة إلى أعمالهم والرد عليهم.
ومعرفة أسباب النزول، وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، تعين على فهم كثير من الآيات القرآنية، ولهذا قال الواحدى: "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها". وقال ابن دقيق العيد: "بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن" وقال ابن تيمية: "معرفة سبب النزول بعين على فهم الآية. فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب".
وأما قوة الفهم وسعة الإدراك، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده وكثير من القرآن يدق معناه، ويخفى المراد منه، ولا يظهر إلا لمن أوتى حظا من الفهم ونور البصيرة، ولقد كان ابن عباس صاحب النصيب الأكبر والحظ الأوفر من ذلك، وهذا ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك حيث قال: "اللهم فقه فى الدين وعلمه التأويل".
وقد روى البخارى فى صحيحه بسنده إلى أبي جحيفة رضى الله عنه أنه قال: "قلت لعلى رضى الله عنه: هل عندكم شئ من الوعكى إلا ما فى كتاب الله؟ قال: لا، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا فى القرآن، وما فى هذه الصحيفة، قلت: وما فى هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا ييقتل مسلم بكافر".
هذه هي أدوات الفهم والاستنباط التى استعان بها الصحابة على فهم كثير من آيات القرآن، وهذا هو مبلغ أثرها فى الكشف عن غوامضه وأسراره.
* *
*تفاوت الصحابة فى فهم معانى القرآن:

(2/10)


غير أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كانوا متفاوتين فى معرفتهم بهذه الأدوات، فلم يكونوا جميعا فى مرتبة واحدة، السبب الذى من أجله اختلفوا فى فهم بعض معانى القرآن، وإن كان اختلافا يسيرا بالنسبة لاختلاف التابعين ومن يليهم. ومن أمثلة هذا الاختلاف: ما روى من أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على أقول، فقال عمر: يا قدامة إنى جالدك، قال: والله لو شربت كما يقول ما كان لك أن تجلدنى، قال عمر: ولم؟ قال: لأن الله يقول: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعمو?ا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا} فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقو وأحسنوا، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد. فقال عمر: ألأا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت عذرا للماضين وحجة على الباقين، لأن الله يقول: {ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان}.. قال عمر: صدقت..
وما روى من أن الصحابة فرحوا حينما نزل قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} لظنهم أنها مجرد إخبار وبشرى بكمال الدين، ولكن عمر بكى وقال: ما بعد الكمال إلا النقص، مستشعرا نعى النبى صلى الله عليه وسلم، وقد كان مصيبا فى ذلك، إذ لم يعش النبى صلى الله عليه وسلم بعدها إلا أحدا وثمانين يوما كما روى".
وما رواه البخارى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد فى نفسه وقال: لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلنى معهم فما رأيت أنه دعانى فيهم إلا ليريهم، فقال: ما تقولون فى قوله تعالى: {إذا جآء نصر الله والفتح}؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ولم يقل شيئا، فقال لى: أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، قال: {إذا جآء نصر الله والفتح} فذلك علامة أجلك، {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}.. فقال عمر: لا أعلم منها إلأا ما تقول".
* * *
*المصدر الرابع من مصادر التفسير فى هذا العصر - أهل الكتاب من اليهود والنصارى:
المصدر الرابع للتفسير فى عهد الصحابة هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وذلك أن القرآن الكريم يتفق مع التوراة فى بعض المسائل، وبالأخص فى قصص الأنبياء، وما يتعلق بالأمم الغابرة، وكذلك يشتمل القرآن على مواضع وردت فى الإنجيل كقصة ميلاد عيسى ابن مريم، ومعجزاته عليه السلام.
غير أن القرآن الكريم اتخذ منهجا يخالف منهج التوراة والإنجيل، فلم يتعرض لتفاصيل جزئيات المسائل، ولم يستوف القصة من جميع نواحيها، بل اقتصر من ذلك على موضع العبرة فقط.
ولما كانت العقول دائما تميل إلى الاستيفاء والاستقصاء، جعل بعض الصحابة - رضى الله عنهم أجمعين - يرجعون فى استيفاء هذه القصص التى لم يتعرض لها القرآن من جميع نواحيها إلى من دخل فى دينهم من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهم من علماء اليهود والنصارى.
وهذا بالضرورة كان بالنسبة إلى ما ليس عندهم فيه شئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لو ثبت شئ فى ذلك عن رسول الله ما كانوا يعدلون عنه إلى غيره مهما كان المأخوذ عنه.
* *
* أهمية هذا المصدر بالنسبة للمصادر السابقة:
غير أن رجوع بعض الصحابة إلى أهل الكتاب، لم يكن له من الأهمية فى التفسير ما للمصادر الثلاثة السابقة، وإنما كان مصدرا ضيقا محدودا، وذلك أن التوراة والإنجيل وقع فيهما كثير من التحريف والتبديل، وكان طبيعيا أن يحافظ الصحابة على عقيدتهم، ويصونوا القرآن عن أن يخضع فى فهم معانيه لشئ مما جاء ذكره فى هذه الكتب التى لعبت فيها أيدى المحرفين، فكانوا لا يأخذون عن أهل الكتاب إلا ما يتفق وعقيدتهم ولا يتعارض مع القرآن. أما ما اتضح لهم كذبه مما يعارض القرآن ويتنافى مع العقيدة فكانوا يرفضونه ولا يصدقونه، ووراء هذا وذاك ما هو مسكوت عنه، لا هو من قبيل الأول، ولا هو من قبيل الثانى، وهذا النوع كانوا يسمعونه من أهل الكتاب ويتوقفون فيه، فلا يحكموون عليه بصدق ولا بكذب، امتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا..." الآية.

(2/11)


وسنوفق بمشيئة الله تعالى بين هذا الحديث وحديث: "بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج..." ونذكر مدى تأثير اليهودية والنصرانية على التفسير فى أدواره المختلفة من لدن عصر الصحابة إلى عصر التدوين، وذلك عند الكلام عن التفسير المأثور إن شاء الله تعالى.
* * *

(2/12)


الفصل الثاني : المفسرون من الصحابة

اشتهر بالتفسير من الصحابة عدد قليل، قالوا فى القرآن بما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة أو بالواسطة، وبما شاهدوه من أسباب النزول، وبما فتح الله به عليهم من طريق الرأى والاجتهاد.
* أشهر المفسرين من الصحابة:
وقد عد السيوطى رحمه الله فى "الإتقان" من اشتهر بالتفسير من الصحابة وسماهم، وهم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير، رضى الله عنهم أجمعين.
وهناك من تكلم فى التفسير من الصحابة غير هؤلاء: كأنس بن مالك، وأبى هريرة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وعائشة، وغير أن ما نقل عنهم فى التفسير قليل جدا، ولم يكن لهم من الشهرة بالقول فى القرآن ما كان للعشرة المذكورين أولا، كما أن العشرة الذين اشتهروا بالتفسير، تفاوتوا قلة وكثرة، فأبو بكر وعمر وعثمان لم يرد عنهم فى التفسير إلا النزر اليسير، ويرجع السبب فى ذلك إلى تقدم وفاتهم، واشتغالهم بمهام الخلافة والفتوحات، أضف إلى ذلك وجودهم فى وسط أغلب أهله علماء بكتاب الله، واقفون على أسراره، عارفون بمعانيه وأحكامه، مكتملة فيهم خصائص العروبة، مما جعل الحاجة إلى الرجوع إليهم فى التفسير غير كبيرة.
أما على بن أبي طالب رضى الله عنه، فهو أكثر الخلفاء الراشدين رواية عنه فى التفسير، والسبب فى ذلك راجع إلى تفرغه عن مهام الخلافة مدة طويلة، دامت إلى نهاية خلافة عثمان رضى الله عنه، وتأخر وفاته إلى زمن كثرة فيه حاجة الناس إلى من يفسر لهم ما فخى عنهم من معانى القرآن، وذلك ناشئ من اتساع رقعة الإسلام، ودخول كثير من الأعاجم فى دين الله، مما كاد يذهب بخصائص اللغة العربية.
وكذلك كثرت الرواية فى التفسير عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبى بن كعب، لحاجة الناس إليهم، ولصفات عامة مكنت لهم ولعلى بن أبى طالب أيضا فى التفسير، هذه الصفات هى: قوتهم فى اللغة العربية، وإحاطتهم بمناحيها وأساليبها، وعدم تحرجهم من الاجتهاد وتقرير ما وصلوا إليه باجتهادهم، ومخالطتهم للنبى صلى الله عليه وسلم مخالطة مكنتهم من معرفة الحوادث التى نزلت فيها آيات القرآن، نستثنى من ذلك ابن عباس، فإنه لم يلازم النبى عليه الصلاة والسلام فى شبابه. لوفاة النبى عليه الصلاة والسلام وهو فى سن الثالثة عشرة أو قريب منها، لكنه استعاض عن ذلك بملازمة كبار الصحابة، يأخذ عنهم ويروى لهم.
أما باقى العشرة وهم: زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله ابن الزبير، فهم وإن اشتهروا بالتفسير إلا أنهم قلت عنهم الرواية ولم يصلوا فى التفسير إلى ما وصل إليه هؤلاء الأربعة المكثرون.
لهذا نرى الإمساك عن الكلام فى شأن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وزيد ابن ثابت، وأبى موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير، ونتكلم عن على، وابن عباس، وابن مسعود، وأبى بن كعب، نظرا لكثرة الرواية عنهم فى التفسير، كثرة غدت مدارس الأمصار على اختلافهم وكثرتها.
ولو أنا رتبنا هؤلاء الأربعة حسب كثرة ما روى عنهم لكان أولهم عبد الله بن عباس، ثم عبد الله بن مسعود، ثم على بن أبي طالب، ثم أبى بن كعب وسنتكلم عن كل واحد من هؤلاء الأربعة، بما يتناسب مع مشربه فى التفسير ومنحاه الذى نحاه فيه.
1 - عبد الله بن عباس
*ترجمته:
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشى الهاشمى، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه لبابه الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية. ولد والنبى عليه الصلاة والسلام وأهل بيته بالشعب بمكة. فأتى به النبى عليه الصلاة والسلام فحكنه بريقه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ولازم النبى عليه الصلاة والسلام فى صغره، لقرابته منه، ولأن خالته ميمونة كانت من الأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله من العمر ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، فلازم كبار الصحابة وأخذ عنهم ما فاته من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت وفاته سنة ثمان وستين على الأرجح، وله من العمر سبعون سنة. مات بالطائف ودفن بها، وتولى وضعه فى قبره محمد ابن الحنفية، وقال بعد أن سوى عليه التراب: مات والله اليوم حبر هذه الأمة.
* *
*مبلغة من العلم:

(2/13)


كان ابن عباس يلقب بالحبر والبحر لكثرة علمه، وكان على درجة عظيمة من الاجتهاد والمعرفة بمعنى كتاب الله، ولذا انتهت إليه الرياسة فى الفتوى والتفسير، وكان عمر رضى الله عنه يجلسه فى مجلسه مع كبار الصحابة ويدينه منه، وكان يقول له: إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم خلقا، وأقفههم فى كتاب الله. وقال فى شأنه: ذاكم فتى الكهول، إن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا. وكان لفرط أدبه إذا سأله عمر مع الصحابة عن شئ يقول لا أتكلم حتى يتكلموا. وكان عمر رضى الله عنه يعتد برأى ابن عباس مع حداثة سنه، يدلنا على ذلك ما رواه ابن الأثير فى كتابه "أسد الغابة" عن عبدي الله بن عتبة قال: "إن عمر كان إذا جاءته الأقضية المعضلة قال لابن عباس: إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل، فأنت لها ولأمثالها، فكان يأخذ بقوله، وما كان يدعو لذلك أحدا سواه" قال عبيد الله: وعمر هو عمر فى حذقه واجتهاده لله وللمسلمين، وما رواه البخارى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد فى نفسه وقال: لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلنى معهم، فما رأيت أنه دعانى يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون فى قوله: {إذا جآء نصر الله والفتح}؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ولم يقل شيئا، فقال لى: أكذلك تقول يا بن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، قال: {إذا جآء نصر الله والفتح} فذلك علامة أجلك، {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}.. فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول". وهذا يدل على قوة فهمه وجودة فكره. وقال فيه ابن مسعود رضى الله عنه: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس". وقال فيه عطاء: "ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع". وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، وتأويل، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبى بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه فى رأى منه، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازى، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط سأله إلا وجد عنده علما". وقيل لطاووس: لزمت هذا الغلام - يعنى ابن عباس - وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله، قال: إنى رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تدارءوا فى أمر صاروا إلى قول ابن عباس". وروى عن أبى وائل قال: "استخلف على عبد الله بن عباس على المواسم فقرأ فى خطبته سورة البقرة - وفى رواية: سورة النور - ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا" وكان على بن أبى طالب يثنى على تفسير ابن عباس ويقول: "كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق".
وبالجملة.. فقد كانت حياة ابن عباس حياة علمية، يتعلم ويعلم، ولم يشتغل بالإمارة إلا قليلا لما استعمله على على البصرة، والحق: أن ابن عباس قد ظهر فيه النبوغ العربى بأكمل معانيه. علما، وفصاحة، وسعة اطلاع فى نواح علمية مختلفة، ولا سيما فهمه لكتاب الله تعالى. وخير ما يقال فيه ما قاله ابن عمر رضى الله عنهما: "ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد".
* *
*أسباب نبوغه:
ونستطيع أن نرجع هذه الشهرة العلمية، وهذا النبوغ الواسع الفياض، إلى أسباب نجملها فيما يلي:
أولا: دعاء النبى صلى الله عليه وسلم له بقوله: "اللهم علمه الكتاب والحكمة"، وفى رواية أخرى: "اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل"، والذى يرجع إلى كتب التفسير بالمأثور، يرى أثر هذه الدعوة النبوية، يتجلى واضحا فيما صح عن ابن عباس رضى الله عنه.
ثانيا: نشأته فى بيت النبوة، وملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عهد التمييز، فكان يسمع منه الشئ الكثير، ويشهد كثيرا من الحوادث والظروف التى نزلت فيها آيات القرآن.

(2/14)


ثالثا: ملازمته لأكابر الصحابة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، يأخذ عنهم ويروى لهم، ويعرف منهم مواطن نزول القرآن، وتواريخ التشريع، وأسباب النزول، وبهذا استعاض عما فاته من العلم بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدث بهذا ابن عباس عن نفسه فقال: "وجدت عامة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الأنصار، فإن كنت لأتى الرجل فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لى لأوقظ، فأجلس على بابه تسفى على وجهى الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عما أريد، ثم أنصرف".
رابعا: حفظه للغة العربية، ومعرفته لغريبها، وآدابها، وخصائصها، وأساليبها، وكثيرا ما كان يستشهد للمعنى الذى يفهمه من لفظ القرآن بالبيت والأكثر من الشعر العربى.
خامسا: بلوغه مرتبة الاجتهاد، وعدم تحرجه منه، وشجاعته فى بيان ما يعتقد أنه الحق، دون أن يأبه لملاة لائم ونقد ناقد، ما دام يثق بأن الحق فى جانبه، وكثيرا ما انتقد عليه ابن عمر جرأته على تفسير القرآن، ولكن لم ترق إليه همة نقده، بل ما لبث أن رجع إلى قوله، واعترف بمبلغ علمه، فقد روى أن رجلا أتى ابن عمر يسأله عن معنى قوله تعالى: {أولم ير الذين كفرو?ا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما}.. فقال: اذهب إلى ابن عباس ثم تعال أخبرنى، فذهب المسألة فقال: كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقاص لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال: قد كنت أقول: ما يعجبنى جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتى علما.
هذه هى أهم الأسباب التى ترجع إليها شهرة ابن عباس فى التفسير، يضاف إلى ذلك كونه من أهل بيت النبوة، منبع الهداية، ومصدر النور، وما وهبه الله من قريحة وقادة، وعقل راجح، ورأى صائب، وإيمان راسخ، ودين متين.
* *
*قيمة ابن عباس فى تفسير القرآن:
تتبين قيمة ابن عباس فى التفسير، من قول تلميذه مجاهد: "إنه إذا فسر الشئ رأيت عليه النور"، ومن قول على رضى الله عنه يثنى عليه فى تفسيره: "كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق"، ومن قول ابن عمر: "ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد"، ومن رجوع بعض الصحابة وكثير من التابعين إليه فى فهم ما أشكل عليهم من كتاب الله، فكثيرا ما توجه إليه معاصروه ليزيل شكوكهم، ويكشف لهم عما عز عليهم فهمه من كتاب الله تعالى. ففى قصة موسى مع شعسب أشكل على بعض أهل العلم، أى الأجلين قضى موسى؟ هل كان ثمان سنيين؟ أو أنه أتم عشرا؟ ولما لم يقف على رأى يمم شطر ابن عباس، الذى هو بحق ترجمان القرآن، ليسأله عما أشكل عليه، وفى هذا يروى الطبرى فى تفسيره، عن سعيد بن جبير قال: "قال يهودى بالكوفة - وأنا أتجهز للحج - إنى أراك رجلا تتبع العلم، فأخبرنى أى الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب - يعنى ابن عباس - فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودى، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن النبى إذا وعد لم يخلف، وقال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودى فأخبرته فقال: صدق وما أنزل على موسى، هذا والله العالم.
وهذا عمر رضى الله عنه يسأل أصحابه عن معنى آية من كتاب الله، فلما لم يجد عندهم جوابا مرضيا رجع لى ابن عباس فسأله عنها، وكان يثق بتفسيره، وفى هذا يروى الطبرى: "أن عمر سأل الناس عن هذه الآية - يعنى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب}... الآية، فما وجد أحدا يشفيه، حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين؛ إنى أجد فى نفسى منها شيئا، فتلفت إليه فقال: تحول ههنا، لم تحقر نفسك؟ قال: هذا مثل ضربه الله عز وجل فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فنى عمره واقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فأفسده كله، فحرقه أحوج ما كان إليه".

(2/15)


وسؤال عمر له مع الصحابة عن تفسير قوله تعالى: {إذا جآء نصر الله والفتح} وجوابه بالجواب المشهور عنه، يدل على أن ابن عباس كان يستخرج خفى المعانى التى يشير إليها القرآن، ولا يدركها إلا من نفحة الله بنفحة من روحه، وكثيرا ما ظهر ابن عباس فى المسائل المعقدة فى التفسير بمظهر الرجل الملهم الذى ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، كما وصفه على رضى الله عنه، الأمر الذى جعل الصحابة يقدرون ابن عباس ويثقون بتفسيره، ولقد وجد هذا التقيدر صداه فى عصر التابعين، فكانت هناك مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عن ابن عباس. استقرت هذه المدرسة بمكة، ثم غدت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجابا وتقديرا، إلى درجة أنه إذا صح النقل عن ابن عباس لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر. وقد صرح الزركشي بأن قول ابن عبباس مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء عنهم فى التفسير.
*رجوع ابن عباس إلى أهل الكتاب:
كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون فى فهم معانى القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد، مع الاستعانة فى ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التى نزل فيها القرآن. وكان رضى الله عنه يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل فى كثير من المواضع التى أجملت فى القرآن وفصلت فى التوراة أو الإنجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق: إن الرجوع إلى أهل الكتاب كان فى دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد له، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية، فكان ابن عباس لا يقبله ولا يأخذ به.
*اتهام الأستاذ جولدزيهر والأستاذ أحمد أمين لابن عباس وغيره من الصحابة بالتوسع فى الأخذ عن أهل الكتاب:
وإنا لنجد فى كتاب "المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن" مبلغ اتهام مؤلفه "جولدزيهر" لابن عباس بتوسعه فى الأخذ عن أهل الكتاب، مخالفا ما ورد من النهى عن ذلك فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" ونرى أن نذكر عبارة المؤلف بنصها، ليتضح مبلغ اتهامه لابن عباس، ثم نرد عليه بعد ذلك. قال: "وكثيرا ما يذكر أنه فيما يتعلق بتفسير القرآن، كان - أى ابن عباس - يرجع إلى رجل يسمى أبا الجلد غيلان بن فروة الأزدى، الذى أثنى الناس عليه بأنه كان يقرأ الكتب، وعن ميمونة ابنته أنها قال: كان أبى يقرأ القرآن فى كل سبعة أيام، ويختم التوراة فى ستة، يقرؤها نظرا، فإذا كان يوم ختمها، حشد لذلك ناس، وكان يقول: كان يقال تنزل عند ختمها الرحمة، وهذا الخبر المبالغ فيه من ابنته يمكن أن يبين لنا مكان الأب فى الاستفادة من التوراة.
"ومن بين المراجع العلمية المفضلة عند ابن عباس، نجد أيضا كعب الأحبار اليهودى، وعبد الله بن سلام، وأهل الكتاب على العموم، ممن حذر الناس منهم، كما أن ابن عباس نفسه فى أقواله حذر من الرجوع إليهم، ولقد كان إسلام هؤلاء عند الناس فوق التهمة والكذب، ورفعوا إلى درجة أهل العلم الموثوق بهم.. ولم تكن التعاليم الكثيرة التى أمكن أن يستقيها ابن عباس، والتى اعتبرها من تلك الأمور التى يرجع فيها إلى أهل هذا الدين الآخر، مقصورة على المسائل الإنجيلية والإسرائيلية، فقد كان يسأل كعبا عن التفسير الصحيح لأم القرآن للمرجان مثلا، وقد رأى الناس فى هؤلاء اليهود أن عندهم أحسن الفهم - على العموم - فى القرآن وفى كلام الرسول (صلى الله عليه وسلم) وما فيهما م المعانى الدينية، ورجعوا إليهم سائلين عن هذه المسائل بالرغم من التحذير الشديد - من كل جهة - من سؤالهم" اهـ.
هذه هى عبارة الأستاذ "جولدزيهر" فى كتابه، ومنها يتضح لنا مبلغ تجنيه على الصحابة وعلى ابن عباس على الأخص.
وقد تابعه الأستاذ أحمد أمين على هذا الرأى، حيث يقول فى "فجر الإسلام": "وقد دخل بعض هؤلاء اليهود فى الإسلام، فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت فى تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ قولهم. روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ولكن العمل كان على غير ذلك، وأنهم كانوا يصدقونهم وينقلون عنهم".
فالأستاذ "جولدزيهر"، والأستاذ أحمد أمين، يريان أن الصحابة - وبخاصة ابن عباس - لم يأبهوا لنهى الرسول صلى الله عليه وسلم، فصدقوا أهل الكتاب وأخذوا عنهم الكثير فى التفسير، وأن اللون اليهودى قد صبغ مدارس التفسير القديمة، وبالأخص مدرسة ابن عباس، بسبب اتصالهم بمن دخل فى الإسلام من أهل الكتاب.
* *
*رد هذا الاتهام:

(2/16)


والحق أن هذا غلو فى الرأى، وبعد عن الصواب، فابن عباس - كما قلت آنفا - وغيره من الصحابة، كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ولكن لم يكن سؤالهم عن شئ يمس العقيدة. أو يتصل بأصول الدين أو فروعه، وإنما كانوا يسألون أهل الكتاب عن بعض القصص والأخبار الماضية، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى لهم على أنه صواب لا يتطرق إليه شك، بل كانوا يحكمون دينهم وعقلهم، فما اتفق مع الدين والعقل صدقوه، وما خالف ذلك نبذوه، وما سكت عنه القرآن واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه. وبهذا المسلك يكون الصحابة - رضوان الله عليهم - قد جمعوا بين قوله عليه الصلاة والسلام: "حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج"، وقوله: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" فإن الأول محمول على ما وقع فيهم من الحوادث والأخبار، لما فيها من العظة والاعتبار، بدليل قوله بعد ذلك: "فإن فيهم أعاجيب". والثانى محمول على ما إذا كان المخبر به من قبلهم محتملا، ولم يقم دليل على صدقه ولا على كذبه، لأنه رمبا كان صدقا فى نفس الأمر فيكون فى التكذيب به حرج، وربما كان كذبا فى نفس الأمر فيكون فى التصديق به حرج، ولم يرد النهى عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، كما أفاده ابن حجر ونبه عليه الشافعى رضى الله عنه - وسيأتى مزيد للكلام عن هذين الحديثين عند الكلام عن الإسرائيليات فى التفسير.
ثم كيف يستبيح ابن عباس رضى الله عنه لنفسه أن يحدث عن بنى إسرائيل بمثل هذا التوسع الذى يجعله مخالفا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان ابن عباس نفسه من أشد الناس نكيرا على ذلك، فقد روى البخارى فى صحيحه عنه أنه قال: "يا معشر المسلمين؛ تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله، تقرأونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: {هاذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا}.. أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأين رجلا منهم قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم".
* *
*رجوع ابن عباس إلى الشعري القديم:
كان ابن عباس رضى الله عنه يرجع فى فهم معانى الألفاظ الغريبة التى وردت فى القرآن إلى الشعر الجاهلى، وكان غيره من الصحابة يسلك هذا الطريق فى فهم غريب القرآن، ويحض على الرجوع إلى الشعر العربى القديم، ليستعان به على فهم معانى الألفاظ القرآنية الغريبة، فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسأل أصحابه عن معنى قوله تعالى فى الآية [47] من سورة النحل: {أو يأخذهم على تخوف} فيقوم له شيخ من هذيل فيقول له: هذه لغتنا، التخوف: التنقص، فيقول له عمر: هل تعرف العرب ذلك فى أشعارها؟ فيقول له: نعم، ويروى قول الشاعر:
*تخوف الرحل منها تامكا قردا * كما تخوف عود النبعة السفن*
فيقول عمر رضى الله عنه لأصحابه: "عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعانى كلامكم".
غير أن ابن عباس، امتاز بهذه الناحية واشتهر بها أكثر من غيره، فكثيرا ما كان يسئل عن القرآن فينشد فيه الشعر، وقد روى عنه الشئ الكثير من ذلك، وأوعب ما روى عنه مسائل نافع بن الأزرق وأجوبته عنها، وقد بلغت مائتى مسألة، أخرج بعضها ابن الأنبارى فى كتاب "الوقف والابتداء"، وأخرج الطبرانى بعضها الآخر فى معجمه الكبير، وقد ذكر السيوطى فى "الإتقان" بسنده مبدأ هذا الحوار الذى كان بين نافع وابن عباس، وسرد مسائل ابن الأزرق وأجوبة ابن عباس عنها، فقال: "بينا عبد الله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: بنا إلى هذا الذى يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما، فقال نافع: أخبرنى عن قول الله تعالى: {عن اليمين وعن الشمال عزين} ؟ قال: العزون: حلق الرقاق، قال: هل تعرف العرب ذلك؟. قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:
*فجاءوا يهرعون إليه حتى * يكونوا حول منبره عزينا؟*
قال: أخبرنى عن قوله: {وابتغو?ا إليه الوسيلة}؟ قال: الوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول:
*إن الرجال لهم إليك وسيلة * إن يأخذوك تكحلى وتخضبى*

(2/17)


إلى آخر المسائل وأجوبتها، وهى تدل على قوة ابن عباس فى معرفته بلغة العرب، وإلمامه بغريبها، إلى حد لم يصل إليه غيره، مما جعله - بحق - إمام التفسير فى عهد الصحابة، ومرجع المفسرين فى الأعصر التالية للعصر الذى وجد فيه، وزعيم هذه الناحية من التفسير على الخصوص، حتى لقد قيل فى شأنه: "إنه هو الذى أبدع الطريقة اللغوية لتفسير القرآن".
هذا وقد بين لنا ابن عباس رضى الله عنه، مبلغ الحاجة إلى هذه الناحية فى التفسير، وحض عليها من أراد أن يتعرف غريب القرآن، فقد روى أبو بكر الأنبارى عنه أنه قال: "الشعر ديوان العرب، فإذا خفى علينا الحرف من القرآن الذى أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه".
وروى ابن الأنبارى عنه أيضا أنه قال: "إذا سألتمونى عن غريب القرآن فالتمسوه فى الشعر، فإن الشعر ديوان العرب".
فابن عباس رضى الله عنه كان يرى رأى عمر فى ضرورة الرجوع إلى الشعر الجاهلى، للاستعانة به على فهم غريب القرآن، بل وكان أكثر الصحابة إلماما بهذه الناحية وتطبيقا لها.
وقد استمرت هذه الطريقة إلى عهد التابعين ومن يليهم، إلى أن حدثت خصوصمة بين متورعى الفقهاء وأهل اللغة، فأنكروا عليهم هذه الطريقة، وقالوا: إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن، وقالوا: كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم فى القرآن والحديث.
والحق أن هذه الخصومة التى جدت فى الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس، فالأمر ليس كما يزعمه أصحاب هذا الرأى، من جعل الشعر أصلا للقرآن، بل هو فى الواقع، بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى يقول: {إنا جعلناه قرآنا عربيا}، وقال: {بلسان عربي مبين}.. ولهذا لم يتحرج المفسرون إلى يومنا هذا من الرجوع إلى الشعر الجاهلى للاستشهاد به على المعنى الذى يذهبون إلأيه فى فهم كلام الله تعالى.
* *
*الرواية عن ابن عباس ومبلغها من الصحة:
روى عن ابن عباس رضى الله عنه فى التفسير ما لا يحصى كثرة، وتعددت الروايات عنه، واختلفت طرقها، فلا تكاد تجد آية من كتاب الله تعالى إلا ولابن عباس رضى الله عنه فيها قول أو أقوال، الأمر الذى جعل نقاد الأثر ورواة الحديث يقفون إزاء هذه الروايات التى جاوزت الحد وقفة المرتاب، فتتبعوا سلسلة الرواة فعدلوا العدول، وجرحوا الضعفاء، وكشفوا للناس عن مقدار هذه الروايات قوة وضعفا. وأرى أن أسوق هنا أشهر الروايات عن ابن عباس، ثم أبين مبلغها من الصحة أو الضعف، لنعلم إلى أى حد وصل الوضع والاختلاق على ابن عباس رضى الله عنه. وهذه هى أشهر الطرق:
أولها: طريق معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، وهذه هى أجود الطرق عنه، وفيها قال الإمام أحمد رضى الله عنه: "إن بمصر صحيفة فى التفسير رواها على بن أبى طلحة، لو رحل رجل فيها مصر قاصدا ما كان كثيرا". وقال الحافظ ابن حجر: "وهذه النسخة كانت عند أبى صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن على ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهى عند البخارى عن أبى صالح، وقد اعتمد عليها فى صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس".
وكثيرا ما اعتمد على هذه الطريق ابن جرير الطبرى، وابن أبى حاتم، وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبى صالح. ومسلم صاحب الصحيح وأصحاب السنن جميعا يحتجون بعلى بن أبى طلحة.
* *
*طعن بعض النقاد على هذه الطريق:
ولقد حاول بعض النقاد أن يقلل من قدر هذه الطريق فقال: "إن ابن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد ابن جبير" وعلى هذا فهى طريق منقطعة لا يركن إليها، ولا يعول عليها.
وقد استغل هذا القول الأستاذ "جولدزيهر" فى كتابه "المذاهب الإسلامية فى تفسير القرآن" فقال: "صرح النقدة المسلمون بأن ذلك الرجل - على بن أبى طلحة - لم يسمع التفسير الذى تضمنه كتابه مباشرة من ابن عباس، وهذكا فإنه حتى فى صحة القسم الخاص بالتفسير الأكثر تصديقا، يحكم النقدة المسلمون بهذا الحكم فيما يتعلق بصحة نسبته لابن عباس على أنه هو المصدر الأول له" اهـ.
* *
*تفنيد هذا الطعن:
ويظهر لنا أن الأستاذ "جولدزيهر"، جهل أو تجاهل ما رد به النقاد المعتبرون على هذا الظن الذى لا قيمة له، فقد فند ابن حجر هذا النقد بقوله: "بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير فى ذلك".
وقال صاحب إيثار الحق: "وقال الذهبى فى الميزان: وقد روى - يعنى على بن أبى طلحة عن ابن عباس تفسيرا كثيرا ممتعا، والصحيح عندهم أن روايته عن مجاهد عن ابن عباس، وإن كان يرسلها عن ابن عباس فمجاهد ثقة يقبل". وجملة القول: فهذه أصح الطرق فى التفسير عن ابن عباس، وكفى بتوثيق البخارى لها واعتماده عليها شاهدا على صحتها.

(2/18)


ثانيها: طريق قيس بن مسلم الكوفى، عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيرا ما يخرج منها الفريابى والحاكم فى مستدركه.
ثالثها: طريق ابن إسحاق صاحب السير، عن محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهى طريق جيدة وإسنادها حسن, وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبى حاتم كثيرا، وأخرج الطبرانى منها فى معجمه الكبير.
رابعها: طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير، تارة عن أبى مالك، وتارة عن أبى صالح عن ابن عباس. وإسماعيل السدى مختلف فيه، وحديثه عند مسلم وأهل السنن الأربعة، وهو تابعى شيعى. وقال السيوطى: "روى عن السدى الأئمة مثل الثورى وشعبة، لكن التفسير الذى جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدى" وابن جرير يورد فى تفسيره كثيرا من تفسير السدى عن أبى مالك عن أبى صالح عن ابن عباس، ولم يخرج منه ابن أبى حاتم شيئا، لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد.
خامسها: طريق عبد الملك بن جريج، عن ابن عباس، وهى تحتاج إلى دقة فى البحث، ليعرف الصحيح منها والسقيم، فإن ابن جريج لم يقصد الصحة فيما جمع، وإنما روى ما ذكر فى كل آية من الصحيح والسقيم، فلم يتميز فى روايته الصحيح من غيره، وقد روى عن ابن جرير هذا جماعة كثيرة، منهم بكر من سهل الدمياطى، عن عبد الغنى بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج عن ابن عباس، ورواية بكر بن سهل أطول الروايات عن ابن جريج وفيها نظر. ومنهم محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن ابن عباس، روى ثلاثة أجزاء كبار. ومنهم الحجاج بن محمد عن ابن جريج، روى جزءا وهو صحيح متفق عليه.
سادسها: طريق الضحاك بن مزاحم الهلالى عن ابن عباس، وهى غير مرضية، لأنه وإن وثه نفر فطريقه إلى ابن عباس منقطعة، لأنه روى عنه ولم يلقه، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، فضعيفه لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيرا ابن جرير وابن أبى حاتم. وإن كان من رواية جويبر عن الضحاك فأشد ضعفا، لأن جويبر شديد الضعف متروك، ولم يخرج ابن جرير ولا ابن أبى حاتم من هذه الطريق شيئا، إنما خرجها ابن مردويه، وأبو الشيخ بن حبان.
سابعها: طريق عطية العوفى، عن ابن عباس، وهى غير مرضية، لأن عطية ضعيف ليس بواه، وربما حسن له الترمذى. وهذه الطريق قد أخرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم كثيرا.
ثامنها: طريق مقاتل بن سليمان الأزدى الخراسانى، وهو المفسر الذى ينسب إلى الشافعى أنه قال فيه: "إن الناس عيال عليه فى التفسير" ومع ذلك فقد ضعفوه، وقالوا: إنه يروى عن مجاهد وعن الضحاك ولم يسمع منهما. وقد كذبه غير واحد، ولم يوثقه أحد، واشتهر عنه التجسيم فى مقاتل من المذاهب الردية" وقد سئل وكيع عن تفسير مقاتل فقال: "لا تنظروا فيه، فقال السائل: ما أصنع به؟ قال: ادفنه" - يعنى التفسير وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبنى أن أروى عن مقاتل بن سليمان شيئا. وبالجملة فإن من استحسن تفسير مقاتل كان يضعفه ويقول: "ما أحسن تفسيره لو كان ثقة".
تاسعها: طريق محمد بن السائب الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، وهذه أو هى الطرق. والكلبى مشهور بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشيع كما قال عدى فى الكامل، ومع ذلك فإن وجد من قال: رضوه فى التفسير، فقد وجد من قال: أجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع. وممن يروى عن الكلبى، محمد بن مروان السدى الصغير، وقد قالوا فيه: إنه يضع الحديث، وذاهب الحديث متروك، ولهذا قال السيوطى فى الإتقان: "فإن انضم إلى ذلك - أى طريق الكلبى - رواية محمد بن مروان السدى الصغير، فهى سلسلة الكذب"، وقال السيوطى أيضا فى كتابه الدر المنثور ( جـ 6 ص 423): "الكلبى: اتهموه بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه فى مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبى صالح كذب.. ومع ضعف الكلبى فقد روى عنه تفسيره مثله أو أشد ضعفا، وهو محمد بن مروان السدى الصغير" وكثيرا ما يخرج من هذه الطريق الثعلبى والواحدى.
هذه هى أشهر الطرق عن ابن عباس، صحيحها وسقيمها، وقد عرفت قيمة كل طريق منها، ومن اعتمد عليها فيما جمع من التفسير عن ابن عباس رضى الله عنه.
* *
*التفسير المنسوب إلى ابن عباس وقيمته:

(2/19)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية