صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ البرهان في علوم القرآن - الزركشي ]
الكتاب : البرهان في علوم القرآن
المؤلف : محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1391
تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم
عدد الأجزاء : 4

فصل فيما يقع فيه النسخ
الجمهور على أنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي وزاد بعضهم الأخبار وأطلق وقيدها آخرون بالتي يراد بها الأمر والنهي تنبيهات التنبيه الأول في تقسيم سور القرآن بحسب ما دخله من النسخ وما لم يدخله
اعلم أن سور القرآن العظيم تنقسم بحسب ما دخله النسخ وما لم يدخل إلى أقسام 1
أحدهما ما ليس فيه ناسخ ولا منسوخ وهي ثلاث وأربعون سورة وهي الفاتحة ثم يوسف ثم يس ثم الحجرات ثم الرحمن ثم الحديد ثم الصف ثم الجمعة ثم التحريم ثم الملك ثم الحاقة ثم نوح ثم الجن ثم المرسلات ثم النبأ ثم النازعات ثم الإنفطار ثم المطففين ثم الإنشقاق ثم البروج ثم الفجر ثم البلد ثم الشمس ثم الليل ثم الضحى ثم الإنشراح ثم القلم ثم القدر 2 ثم الإنفكاك ثم الزلزلة ثم العاديات ثم القارعة ثم ألهاكم ثم الهمزة ثم الفيل ثم قريش ثم الدين ثم الكوثر ثم النصر ثم تبت ثم الإخلاص ثم المعوذتين 3

(2/33)


وهذه السور تنقسم إلى ما ليس فيه أمر ولا نهي وإلى ما فيه نهي لا أمر 1
والثاني ما فيه ناسخ وليس فيه منسوخ وهي ست سور الفتح والحشر والمنافقون والتغابن والطلاق والأعلى
الثالث ما فيه منسوخ وليس فيه ناسخ وهو أربعون الأنعام والأعراف ويونس وهود والرعد والحجر والنحل وبنو إسرائيل والكهف وطه والمؤمنون والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان والمضاجع 2 والملائكة والصافات وص و الزمر والمصابيح 3 والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف وسورة محمد صلى الله عليه و سلم والباسقات والنجم والقمر والرحمن والمعارج والمدثر والقيامة والإنسان وعبس والطارق والغاشية والتين والكافرون
الرابع ما اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ وهي إحدى وثلاثون سورة 4 البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف والأنفال والتوبة وإبراهيم والنحل وبنو إسرائيل ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان والشعراء والأحزاب وسبأ والمؤمن والشورى والقتال والذاريات والطور والواقعة والمجادلة والممتحنة والمزمل والمدثر والتكوير والعصر
ومن غريب هذا النوع آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ قيل ولانظير لها في القرآن وهي قوله تعالى يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا

(2/34)


اهتديتم 1 يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا ناسخ لقوله عليكم أنفسكم ذكره ابن العربي في أحكامه 2 التنبيه الثاني 3 في ضروب النسخ في القرآن
النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب
الأول ما نسخ في تلاوته وبقي حكمه فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول كما روى أنه كان يقال في سورة النور الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبته نكالا من الله ولهذا قال عمر لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي رواه البخاري في صحيحه معلقا 4
وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي بن كعب قال كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور فكان فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما
وفي هذا سؤالان الأول ما الفائدة في ذكر الشيخ والشيخة وهلا قال المحصن والمحصنة
وأجاب ابن الحاجب في أماليه عن هذا بأنه من البديع في المبالغة وهو أن يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص فالأنقص وفي باب المدح بالأكثر والأعلى فيقال لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده والمراد يسرق ربع دينار فصاعدا إلى أعلى ما يسرق وقد يبالغ فيذكر مالا تقطع به كما جاء في الحديث لعن الله السارق

(2/35)


يسرق البيضة فتقطع يده 1 وقد علم أنه لا تقطع في البيضة وتأويل من أوله ببيضة الحرب تأباه الفصاحة
الثاني أن ظاهر قوله لولا أن يقول الناس الخ أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب وقد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر رضي الله عنه ولم يعرج على مقال الناس لأن مقال الناس لا يصلح مانعا
وبالجملة فهذه الملازمة مشكلة ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم ومن هنا أنكر ابن ظفر في الينبوع 2 عد هذا مما نسخ تلاوته قال لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن قال وإنما هذا من المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان 3 والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه ويثبت أيضا وكذا قاله في غيره القراءات الشاذة كإيجاب التتابع في صوم كفارة اليمين ونحموه أنها كانت قرآنا فنسخت تلاوتها لكن في العمل بها الخلاف المشهور في القراءة الشاذة 4
ومنهم من أجاب عن ذلك بأن هذا كان مستفيضا عندهم وأنه كان متلوا من القرآن فأثبتنا الحكم بالإستفاضة وتلاوته غير ثابتة بالإستفاضة ومن هذا الضرب ما رواه مسلم في صحيحه 5 عن أبي موسى الأشعري إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني أحفظ منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا

(2/36)


ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات 1 فأنسيتها غير أني حفظت منها يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة
وذكر الإمام المحدث أبو الحسين أحمد بن جعفر 2 المنادى في كتابه الناسخ والمنسوخ مما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر قال ولا خلاف بين الماضين والغابرين أنهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى أبي بن كعب وأنه ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أقرأه إياهما وتسمى سورتي الخلع والحفد
هنا سؤال وهو أن يقال ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم وهلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها وأجاب صاحب الفنون 3 فقال إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طرق الوحي
الضرب الثاني ما نسخ حكمه وبقي تلاوته وهو في ثلاث وستين سورة كقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا 4 الآية فكانت المرأة إذا مات زوجها لزمت التربص بعد انقضاء العدة حولا كاملا ونفقتها في مال الزوج ولا ميراث لها وهذا معنى قوله متاع إلى الحول غير إخراج 5 الآية فنسخ الله

(2/37)


ذلك بقوله يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا 1 وهذا الناسخ مقدم في النظم على المنسوخ
قال القاضي أبو المعالي وليس في القرآن ناسخ تقدم على المنسوخ إلا في موضعين هذا أحدهما والثاني قوله يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك 2 الآية فإنها ناسخة لقوله لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج 3
قلت وذكر بعضهم موضعا آخر وهو قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها 4 هي متقدمة في التلاوة ولكنها منسوخة بقوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء 5
وقيل في تقديم الناسخة فائدة وهي أن تعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها ويجيء موضع رابع وهو آية الحشر في قوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول 6 الآية فإنه لم يذكر فيها شيء للغانمين ورأى الشافعي أنها منسوخة بآية الأنفال وهي قوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه 7
واعلم أن هذا الضرب ينقسم إلى ما يحرم العمل به ولا يمتنع كقوله إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين 8 ثم نسخ الوجوب
ومنه قوله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين 9 قيل منسوخ بقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه 10

(2/38)


وقوله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم 1 نسختها آيات القيامة والكتاب والحساب
وهنا سؤال وهو أن يسأل ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة
والجواب من وجهين أحدهما أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة
وثانيهما أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة وأما حكمة النسخ قبل العمل كالصدقة عند النجوى فيثاب على الإيمان به وعلى نية طاعة الأمر
الثالث نسخهما جميعا فلا تجوز قراءته ولا العمل به كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس قالت عائشة كان مما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي مما يقرأ من القرآن رواه مسلم
وقد تكلموا في قولها وهي مما يقرأ فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فتوفي وبعض الناس يقرؤها
وقال أبو موسى الأشعري نزلت ثم رفعت
وجعل الواحدي من هذا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر وفيه نظر
وحكى القاضي أبو بكر في الإنتصار عن قوم إنكار هذا القسم لأن

(2/39)


الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها
وقال أبو بكر الرازي نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى 1 ولا يعرف اليوم منها شيء ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمن النبي صلى الله عليه و سلم حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن أو يموت وهو متلو موجود في الرسم ثم ينسيه الله ويرفعه من أذهانهم وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم فائدة
قال ابن العربي 2 قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم 3 ناسخة لمائة وأربع عشرة آية ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهي قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم 4
قالوا وليس في القرآن آية من المنسوخ ثبت حكمها ست عشرة سنة إلا قوله في الأحقاف قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم 5 وناسخها أول سورة الفتح

(2/40)


قال ابن العربي 1 ومن أغرب آية في النسخ قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 2 أولها وآخرها منسوخان ووسطها محكم
وقسمه الواحدي أيضا إلى نسخ ما ليس بثابت التلاوة كعشر رضعات وإلى نسخ ما هو ثابت التلاوة بما ليس بثابت التلاوة كنسخ الجلد في حق المحصنين بالرجم والرجم غير متلو الآن وإنه كان يتلى على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فالحكم ثبت والقراءة لا تثبت كما يجوز أن تثبت التلاوة في بعض ولا يثبت الحكم وإذا جاز أن يكون قرآن ولا يعمل به جاز أن يكون قرآن يعمل به ولا يتلى وذلك أن الله عز و جل أعلم بمصالحنا وقد يجوز أن يعلم من مصلحتنا تعلق العمل بهذا الوجه التنبيه الثالث في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر
قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب
الأول نسخ المأمور به قبل امتثاله وهذا الضرب هو النسخ على الحقيقة كأمر الخليل بذبح ولده وكقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة 3 ثم نسخه سبحانه بقوله أأشفقتم 3 الآية
الثاني ويسمى نسخا تجوزا وهو ما أوجبه الله على من قبلنا كحتم القصاص 4

(2/41)


ولذلك قال عقب تشريع الدية ذلك تخفيف من ربكم ورحمة 1 وكذلك ما أمرنا الله به أمرا إجماليا ثم نسخ كنسخه التوجه إلى بيت الله المقدس بالكعبة فإن ذلك كان واجبا علينا من قضية أمره باتباع الأنبياء قبله وكنسخ صوم يوم عاشوراء برمضان
الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون 2 لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب لذلك وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسء كما قال تعالى أو ننسئها 3 فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى
وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا وإلى هذا أشار الشافعي في الرسالة إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الرأفة ثم ورد الإذن فيه فلم يجعله منسوخا بل من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فاجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي
ومن هذا قوله تعالى يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم 4 الآية كان ذلك في ابتداء الأمر فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(2/42)


والمقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم في قوله بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ عاد الحكم وقال صلى الله عليه و سلم فإذا رأيت هوى متبعا وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك
وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلى الله عليه و سلم حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن تبعه ورحمة إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة فلما أعز الله الإسلام وأظهره ونصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام أو بأداء الجزية إن كانوا أهل كتاب أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب
ويعود هذان الحكمان أعني المسألة عند الضعف والمسايفة عند القوة بعود سببهما وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة بل كل منهما يجب امتثاله في وقته فائدة
قيل في قوله تعالى ما ننسخ من آية 1 ولم يقل من القرآن لأن القرآن ناسخ مهيمن على كل الكتب وليس يأتي بعده ناسخ له وما فيه من ناسخ ومنسوخ فمعلوم وهو قليل بين الله ناسخه عند منسوخه كنسخ الصدقة عند مناجاة الرسول والعدة والفرار في الجهاد ونحوه وأما غير ذلك فمن تحقق علما بالنسخ علم أن غالب ذلك من المنسأ ومنه ما يرجع لبيان الحكم المجمل كالسبيل في حق الآتية بالفاحشة فبينته السنة وكل ما في القرآن مما يدعى نسخه بالسنة عند من يراه فهو بيان لحكم

(2/43)


القرآن وقال سبحانه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس 1 وأما بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس بنسخ وإنما هو نسأ وتأخير أو مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره أو مخصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به وأنه الكتاب المهيمن على غيره وهو في نفسه متعاضد وقد تولى الله حفظه فقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون 2

(2/44)


النوع الخامس والثلاثون معرفة موهم المختلف
وهو ما يوهم التعارض بين آياته وكلام الله جل جلاله منزه عن الاختلاف كما قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 1 ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به فاحتيج لإزالته كما صنف في مختلف الحديث وبيان الجمع بينهما وقد رأيت لقطرب 2 فيه تصنيفا حسنا جمعه على السور وقد تكلم فيه الصدر الأول ابن عباس 3 وغيره
وقال الإمام وقد وفق الحسن البصري بين قوله تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة 4 وقوله وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر 5 بأن قال ليس المراد في آية الأعراف على ظاهره من أن الوعد كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعا انتهى
وقيل تجري آية الأعراف على ظاهره من أن الوعد كان ثلاثين ثم أتم بالعشر فاستقرت الأربعون ثم أخبر في آية البقرة بما استقر

(2/45)


وذكره الخطابي قال وسمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال سأل رجل بعض العلماء عن قوله تعالى لا أقسم بهذا البلد 1 فأخبر أنه لا يقسم بهذا ثم أقسم به في قوله وهذا البلد الأمين 2 فقال ابن سريج أي الأمرين أحب إليك أجيبك ثم أقطعك أو أقطعك ثم أجيبك فقال بل اقطعني ثم أجبني فقال اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه ولكن القوم علموا وجهلت فلم ينكروا منه ما أنكرت ثم قال له إن العرب قد تدخل لا في أثناء كلامها وتلغي معناها وأنشد فيه أبياتا والقاعدة في هذا أشباهه أن الألفاظ إذا اختلفت وكان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب ذلك اختلافا فائدة عن الغزالي في معنى الإختلاف
سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 3 فأجاب بما صورته الإختلاف لفظ مشترك بين معان وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه بل نفي الإختلاف عن ذات القرآن يقال هذا كلام مختلف أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة إذ هو مختلف أي بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا أو هو مختلف النظم فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف وبعضه على

(2/46)


أسلوب مخصوص في الجزالة وبعضه على أسلوب يخالفه وكلام الله تعالى منزه 1 عن هذه الإختلافات فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة فليس يشتمل على الغث والسمين ومسوق لمعنى واحد وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى وصرفهم عن الدنيا إلى الدين وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الإختلافات إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ثم اختلاف في درجات الفصاحة بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة لأن الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون 2 فتارة يمدحون الدنيا وتارة يذمونها وتارة يمدحون الجبن فيسمونه حزما وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صراحة وتارة يذمونها ويسمونها تهورا ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الإختلافات لأن منشأ هذه الإختلافات اختلاف الأغراض واختلاف الأحوال والإنسان تختلف أحواله فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه ويتعذر عليه عند الإنقباض ولذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشيء مرة ويميل عنه أخرى فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافا في كلامه بالضرورة فلا تصادف اللسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة وهي مدة نزول القرآن فيتكلم على غرض واحد وعلى منهج واحد ولقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بشرا تختلف أحواله فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن وكيف يكون هذا المراد وقد قال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا 3 فقد ذكر في القرآن أنه في نفسه

(2/47)


غير مختلف وهو مع هذا سبب لاختلاف الخلق 1 في الضلال والهدى فلو لم يختلف فيه لكانت أمثال هذه الآيات خلفا وهي أشد أنواع الإختلاف والله أعلم فصل في القول عند تعارض الآي 2
قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرابيني 3 إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب والجمع 4 طلب التاريخ وترك المتقدم منهما بالمتأخر ويكون ذلك نسخا له وإن لم يوجد التاريخ وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها
قال ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين
وذكروا عند التعارض مرجحات
الأول تقديم المكي على المدني وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه صلى الله عليه و سلم بعد عوده إلى مكة والمدنية قبلها فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص والتقديم إذ كان غالب الآيات المكية نزولها قبل الهجرة
الثاني أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة والآخر على غالب

(2/48)


أحوال أهل المدينة فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة كقوله تعالى ومن دخله كان آمنا 1 مع قوله كتب عليكم القصاص في القتلى 2 فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل جعل التخصيص في قوله تعالى ومن دخله كان آمنا 1 كأنه قال إلا من وجب عليه القصاص ومثل قوله لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم 3 ونهيه صلى الله عليه و سلم عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين 4 فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم وخص من اصطاده في الحل وأدخله حيا فيه
الثالث أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب كقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله 5 مع قوله فإن أحضرتم فما استيسر من الهدي 5 وقد أجمعت الأمة على أن الهدي لا يجب بنفس الحصر وليس فيه صريح الإحلال بما يكون سببا له فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله وأتموا الحج والعمرة لله 5 على ما عارضه من الآية
الرابع أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الإجتهاد فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر كقوله وأن تجمعوا بين الأختين 6 بقوله وما ملكت أيمانكم 6 فيخص الجمع يملك

(2/49)


اليمين بقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف 1 فتحمل آية الجمع على العموم والقصد فيها بيان ما يحل وما يحرم وتحمل آية الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال
الخامس أن يكون تخصيص أحد الإستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه كقوله شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم 2 مع قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا 3 الآية فيمكن أن يقال في الآية بالتبين عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم أو مسلم فاسق على كافر وأن يقبل الكافر على الكافر وإن كان فاسقا أو يحمل ظاهر قوله أو آخران من غيركم 2 على القبيلة دون الملة ويحمل الأمر بالتثبت على عموم النسيان في الملة لأنه رجوع إلى تعيين اللفظ وتخصيص الغير بالقبيلة لأنه رجوع إلى الاسم على عموم الغير
السادس ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا كتقديم قوله تعالى وأحل الله البيع 4 على قوله وذروا البيع 5 فإن قوله وأحل 4 يدل على حل البيع ضرورة ودلالة النهي على فساد البيع إما ألا تكون ظاهرة أصلا أو تكون ظاهرة منحطة عن النص

(2/50)


فصل في القول عند تعارض آي القرآن والآثار 1
قال القاضي أبو بكر في التقريب لا يجوز تعارض آي القرآن والآثار وما توجبه أدلة العقل فلذلك لم يجعل قوله تعالى الله خالق كل شيء 2 معارضا لقوله وتخلقون إفكا 3 وقوله وإذ تخلق من الطين 4 وقوله فتبارك الله أحسن الخالقين 5 لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله تعالى فيتعين تأويل ما عارضه فيؤول قوله وتخلقون 3 بمعنى تكذبون لأن الإفك نوع من الكذب وقوله وإذ تخلق من الطين 4 أي تصور
ومن ذلك قوله إن الله بكل شيء عليم 6 لا يعارضه قوله أتنبئون الله بما لا يعلم 7 فإن المراد بهذا مالا يعلمه أنه غير كائن ويعلمونه وقوع ما ليس بواقع لا على أن من المعلومات ما هو غير عالم به وإن علمتموه
وكذلك لا يجوز جعل قوله تعالى إن الله لا يخفى عليه شيء 8 معارضا لقوله حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين 9 وقوله إلى ربها ناظرة 10 معارضا لقوله لا تدركه الأبصار 11 في تجويز الرؤية وإحالتها

(2/51)


لأن دليل العقل يقضي بالجواز ويجوز تخليص النفي بالدنيا والإثبات بالقيامة
وكذلك لا يجوز جعل قوله وما مسنا من لغوب 1 معارضا لقوله وهو أهون عليه 2 بل يجب تأويل أهون على هين
ولا جعل قوله تعالى ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا 3 معارضا لأمره نبيه وأمته بالجدال في قوله وجادلهم بالتي هي أحسن 4 فيحمل الأول على ذم الجدال الباطل
ولا يجوز جعل قوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 5 معارضا لقوله كل من عليها فان 6 فصل في تعارض القراءتين في آية واحدة 7
وقد جعلوا تعارض القراءتين في آية واحدة كتعارض الآيتين كقوله وأرجلكم 8 بالنصب والجر وقالوا يجمع بينهما بحمل إحداهما على مسح الخف والثانية على غسل الرجل إذا لم يجد متعلقا سواهما

(2/52)


وكذلك قراءة يطهرن و يطهرن 1 حملت الحنفية إحداهما على ما دون العشرة والثانية على العشرة
واعلم أنه إذا لم يكن لها متعلق سواهما تصدى لنا الإلغاء أو الجمع فأما إذا وجدنا متعلقا سواهما فالمتعلق هو المتبع فائدة 2 في القول في الاختلاف والتناقض
قال أبو بكر الصيرفي في شرح رسالة الشافعي جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء ولن يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء من ذلك أبدا وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين بأن يوجب حكما ثم يحله وهذا لا تناقض فيه وتناقض الكلام لا يكون إلا في إثبات ما نفي أو نفي ما أثبت بحيث يشترك المثبت والمنفي في الاسم والحدث والزمان والأفعال والحقيقة فلو كان الاسم حقيقة في أحدهما وفي الآخر مستعارا ونفي أحدهما وأثبت الآخر لم يعد تناقضا
هذا كله في الأسماء وأما المعاني وهو باب القياس فكل من أوجد علة وحررها

(2/53)


وأوجب بها حكما من الأحكام ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم فقد تناقض فإن رام الفرق لم يسمع منه لأنه في فرقه تناقض والزيادة في العلة نقص أو تقصير عن تحريرها في الابتداء وليس هذا على السائل
وكل مسألة يسأل عنها فلا تخلو من أحد وجهين إما أن يسأل فيما يستحق الجواب عنه أو لا فأما المستحق للجواب فهو ما يمكن كونه ويجوز وأما ما استحال كونه فلا يستحق جوابا لأن من علم أنه لا يجتمع القيام والقعود فسأل هل يكون الإنسان قائما منتصبا جالسا في حال واحدة فقد أحال وسأل عن محال فلا يستحق الجواب فإن كان لا يعرف القيام والقعود عرف فإذا عرفه فقد استحال عنده ما سأله
قال وقد رأيت كثيرا مما يتعاطى العلم يسأل عن المحال ولا يدري أنه محال ويجاب عنه والآفات تدخل على هؤلاء لقلة علمهم بحق الكلام فصل في الأسباب الموهمة الاختلاف
وللاختلاف أسباب
الأول وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى كقوله تعالى في خلق آدم إنه من تراب 1 ومرة من حمأ مسنون 2 ومرة من طين لازب 3 ومرة من صلصال كالفخار 4 وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة

(2/54)


لأن الصلصال غير الحمأ والحمأ غير التراب إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال
ومنه قوله تعالى فإذا هي ثعبان مبين 1 وفي موضع تهتز كأنها جان 2 والجان الصغير من الحيات والثعبان الكبير منها وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته
السبب الثاني لاختلاف الموضوع كقوله تعالى وقفوهم إنهم مسئولون 3 وقوله فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين 4 مع قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان 5 قال الحليمي فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه حمله غيره على اختلاف الأماكن لأن في القيامة مواقف كثيرة فموضع يسأل ويناقش وموضع آخر يرحم ويلطف به وموضع آخر يعنف ويوبخ وهم الكفار وموضع آخر لا يعنف وهم المؤمنون
وقوله ولا يكلمهم الله يوم القيامة 6 مع قوله فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون 7 وقيل المنفي كلام التلطف والإكرام والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة فلا تنافي
وكقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها 8 مع قوله يضاعف لهم

(2/55)


العذاب 1 والجواب أن التضعيف هنا ليس على حد التضعيف في الحسنات بل هو راجع لتضاعيف مرتكباتهم فكان لكل مرتكب منها عذاب يخصه فليس التضعيف من هذا الطريق على ما هو في الطريق الآخر وإنما المراد هنا تكثيره بحسب كثرة المجترحات لأن السيئة الواحدة يضاعف الجزاء عليها بدليل سياق تلك الآية وهو قوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون 2 فهؤلاء كذبوا على ربهم وصدوا عن سبيله وبغوها عوجا وكفروا فهذه مرتكبات عذبوا بكل مرتكب منها
وكقوله ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين 3 مع قوله ولا يكتمون الله حديثا 4 فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق
والجواب من وجهين أحدهما أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب وفي بعضها لا يقع كما سبق والثاني أن الكذب يكون بأقوالهم 5 والصدق يكون من جوارحهم فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق
وكقوله ولا تكسب كل نفس إلا عليها 6 مع قوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت 7 والجواب أن المراد لا تكسب شرا ولا إثما بدليل سبب

(2/56)


النزول 1 أو ضمن معنى تجني وهذه الآية أقتصر فيها على الشر والأخرى ذكر فيها الأمران ولهذا لما 2 ذكر القسمين ذكر ما يميز أحدهما عن الآخر وهاهنا لما كان المراد ذكر أحدهما اقتصر عليه ب فعل ولم يأت ب افتعل
ومنه قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته 3 مع قوله فاتقوا الله ما استطعتم 4 يحكى عن الشيخ العارف 5 أبي الحسن الشاذلي رحمه الله أنه جمع بينهما فحمل الآية الأولى على التوحيد والثانية على الأعمال والمقام يقتضي ذلك لأنه قال بعد الأولى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون 3
وقيل بل الثانية ناسخة قال ابن المنير الظاهر أن قوله اتقوا الله حق تقاته 3 إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره وقد فسر النبي صلى الله عليه و سلم حق تقاته بأن قال هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر فقالوا أينا يطيق ذلك فنزلت فاتقوا الله ما استطعتم 4 وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته

(2/57)


وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني 1 وفي كون ذلك منسوخا نظر وقوله ما استطعتم هو حق تقاته إذ به أمر فإن حق تقاته الوقوف على أمره ودينه وقد قال بذلك كثير من العلماء انتهى
والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره حق تقاته 2 لم يثبت مرفوعا بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي وليس فيه قول الصحابة أينا يطيق ذلك ونزول قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم
ومنه قوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة 3 مع قوله في أواخر السورة ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم 4 فالأولى تفهم إمكان العدل والثانية تنفيه
والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن وهذا ممكن الوقوع وعدمه والمراد به في الثانية الميل القلبي فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض وقد كان صلى الله عليه و سلم يقسم بين نسائه ثم يقول اللهم هذا قسمي في ما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك يعني ميل القلب وكان عمر يقول الله قلبي فلا أملكه وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل
ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام أشار إليه ابن عطية
وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير فيرتفع به الإشكال كقوله تعالى لا يستوي

(2/58)


القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى 1 ثم قال سبحانه وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما 1 والأصل في الأولى وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة والأصل في الثانية وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأصحاء درجات
وممن ذكر أن المحذوف كذلك الإمام بدر الدين بن مالك 2 في شرح الخلاصة في الكلام على حذف النعت وللزمخشري فيه كلام آخر 3
وكقوله تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء 4 مع قوله أمرنا مترفيها ففسقوا فيها 5 والمعنى أمرناهم وملكناهم وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا ولكن قضاء لاستحالة أن يجري في ملكه مالا يريد وفرق بين الأمر الكوني والديني
الثالث لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم 6 أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة ونفاه عنهم باعتبار التأثير ولهذا قال الجمهور إن الأفعال مخلوقة لله تعالى مكتسبة للآدميين فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى

(2/59)


وكذا قوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى 1 أي ما رميت خلقا إذ رميت كسبا وقيل إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله عز و جل قال ابن جرير الطبري 2 وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه وذلك فعل واحد لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد ومن الخلق الاكتساب بالقوى
ومثله قوله تعالى الرجال قوامون على النساء 3 وقال تعالى وقوموا لله قانتين 4 فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل
الرابع لاختلافهما في الحقيقة والمجاز كقوله وترى الناس سكارى وما هم بسكارى 5 ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت 6 وهو يرجع لقول المناطقة الاختلاف بالإضافة أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة
ومثله في الاعتبارين قوله تعالى آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين 7 وقوله ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون 8 وقوله تعالى

(2/60)


وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون 1 فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار لجواز قولهم نظرت إليه فلم أبصره
الخامس بوجهين واعتبارين وهو الجامع للمفترقات كقوله فبصرك اليوم حديد 2 وقال خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي 3 قال قطرب فبصرك 2 أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم بصر بكذا وكذا أي علم وليس المراد رؤية العين قال الفارسي ويدل على ذلك قوله فكشفنا عنك غطاءك 2 وصف البصر بالحدة
وكقوله تعالى وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك 4 مع قوله أنا ربكم الأعلى 2 فقيل يجوز أن يكون معناه ويذرك وآلهتك إن ساغ لهم ويكون إضافة الآلهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون أنها مملوكة له فيحسن قولهم وآلهتك
وقوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله 6 مع قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم 7 فقد يظن أن الوجل خلاف

(2/61)


الطمأنينة وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك وقد جمع بينهما في قوله تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله 1 فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به فانتفى عنهم الشك
وكقوله خمسين ألف سنة 2 وفي موضع ألف سنة 2 وأجيب بأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل وكان يوما على الكافرين عسيرا 3
وكقوله بألف من الملائكة مردفين 4 وفي آية أخرى بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين 5 قيل إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف وكان الأكثر مددا للأقل وكان الألف مردفين بفتحها
وكقوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء 6 وفي آية أخرى والأرض بعد ذلك دحاها 7 ولا تنافي بينهما فالأول 8 دال على أن الأرض وما فيها خلقت 9 قبل السماء وذلك صحيح ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء وبذلك تتفق معاني الآيات في سورة القمر والمؤمن والنازعات

(2/62)


وكقوله تعالى ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام 1 وقوله قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين إلى قوله فقضاهن سبع سماوات في يومين 2 وذلك يبلغ ثمانية أيام والجواب أن المراد بقوله قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام مع اليومين المتقدمين ولم يرد بذكر الأربعة غير ما تقدم ذكره وهذا كما يقول الفصيح سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وسرت إلى الكوفة في ثلاثة عشر يوما ولا يريد سوى العشرة بل يريد مع العشرة ثلاثة ثم قال تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين 3 وأراد سوى الأربعة وذلك لا مخالفة فيه لأن المجموع يكون ستة
ومنه قوله تعالى في السجدة عذاب النار الذي كنتم به تكذبون 4 بلفظ الذي على وصف العذاب وفي سبأ عذاب النار التي 5 بلفظ التي على وصف النار وفيه أربعة أوجه أحدها أنه وصف العذاب في السجدة لوقوع النار موقع الضمير الذي لا يوصف وإنما وقعت موقع الضمير لتقدم إضمارها مع قوله وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها 4 فحق الكلام وقيل لهم ذوقوا عذابها فلما وضعها موضع المضمر الذي لا يقبل الوصف

(2/63)


عدل إلى وصف العذاب وأما في سبأ فوصفها لعدم المانع من وصفها والثاني أن الذي في السجدة وصف النار أيضا وذكر حملا على معنى الجحيم والحريق والثالث أن الذي في السجدة في حق من يقر بالنار ويجحد العذاب وفي سبأ في حق من يجحد أصل النار والرابع أنه إنما وصف العذاب في السجدة لأنه لما تقدم ذكر النار مضمرا ومظهرا عدل إلى وصف العذاب ليكون تلوينا للخطاب فيكون أنشط للسامع بمنزلة العدول من الغيبة إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى توفته رسلنا 1 وقوله تتوفاهم الملائكة 2 وبين قوله قل يتوفاكم ملك الموت 3 وبين قوله الله يتوفى الأنفس 4 وهو الذي يتوفاكم بالليل 1 وجمع البغوي بينها لأن توفي الملائكة بالقبض والنزع وتوفي ملك الموت بالدعاء والأمر يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها وتوفي الله سبحانه خلق الموت فيه
ومنه قوله تعالى في البقرة فاتقوا النار 5 وفي سورة التحريم نارا 6 بالتنكير لأنها نزلت بمكة قبل آية البقرة فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة فنكرها ثم نزلت آية البقرة بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا
وقال في سورة البقرة رب اجعل هذا بلدا آمنا 7 وفي سورة إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا 8 لأنه في الدعوة الأولى كان مكانا فطلب منه أن يجعله بلدا آمنا وفي الدعوة الثانية كان بلدا غير آمن فعرفه وطلب له الأمن أو كان بلدا آمنا وطلب

(2/64)


ثبات الأمن ودوامه وكون سورة البقرة مدنية وسورة إبراهيم مكية لا ينافي هذا لأن الواقع من إبراهيم كونه على الترتيب المذكور والإخبار عنه في القرآن على غير ذلك الترتيب أو لأن المكي منه ما نزل قبل الهجرة فيكون المدني متأخرا عنها ومنه ما نزل بعد فتح مكة فيكون متأخرا عن المدني فلم قلتم إن سورة إبراهيم من المكي الذي نزل قبل الهجرة فصل في الإجابة عن بعض الاستشكالات
ومما استشكلوه قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا 1 فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين وقد قال تعالى في الآية الأخرى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا 2 فهذا حصر في ثالث غيرهما
وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة أن تأتيهم سنة من الخسف وغيره أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة ومعنى الآية الثانية وما منع

(2/65)


الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا استغراب بعثه بشرا رسولا لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه يصلح لذلك وهو يدل على الإستغراب بالالتزام وهو المناسب للمانعية واستغرابهم ليس مانعا حقيقيا بل عاديا لجواز خلو الإيمان معه بخلاف إرادة الله تعالى فهذا حصر في المانع العادي والأولى حصر في المانع الحقيقي فلا تنافي انتهى
وقوله ليس مانعا من الإيمان فيه نظر لأن إنكارهم بعثه بشرا رسولا كفر مانع من الإيمان وفيه تعظيم لأمر النبي صلى الله عليه و سلم وإن إنكارهم بعثته مانع من الإيمان فصل في وقوع التعارض بين الآية والحديث
وقد يقع التعارض بين الآية والحديث ولا بأس يذكر شيء للتنبيه لأمثاله فمنه قوله تعالى والله يعصمك من الناس 1 وقد صح أنه شج يوم أحد
وأجيب بوجهين
أحدهما أن هذا كان قبل نزول هذه الآية لأن غزوة أحد كانت سنة ثلاث من الهجرة وسورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة
والثاني بتقدير تسليم الأخير فالمراد العصمة من القتل وفيه تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء فما أشد تكليف الأنبياء

(2/66)


ومنه قوله تعال ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون 1 مع قوله صلى الله عليه و سلم لن يدخل أحدكم الجنة بعمله
وأجيب بوجهين
أحدهما ونقل عن سفيان وغيره كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته 2 وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل له حديث أبي هريرة إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم رواه الترمذي
والثاني أن الباء في الموضعين مدلولها مختلف ففي الآية باء المقابلة وهي الداخلة على الأعراض وفي الحديث للسببية لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب ومنهم من عكس هذا الجواب وقال الباء في الآية للسببية وفي الحديث للعوض وقد جمع النبي صلى الله عليه و سلم بقوله سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ومنه قوله تعالى مخبرا عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام 3 فإنه يقتضي أن يكون يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شيء والظاهر من الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدأ يوم الأحد وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء فهذا يستقيم مع الآية الشريفة ووقع في صحيح مسلم أن الخلق ابتدأ يوم السبت فهذا بخلاف الآية اللهم إلا أن يكون أراد في الآية الشريفة جميع الأشياء غير آدم ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شيء مما بين السماء والأرض لأن آدم حينئذ لم يكن فيما بينهما

(2/67)


النوع السادس والثلاثون معرفة المحكم من المتشابه
قال الله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات 1 قيل ولا يدل على الحصر في هذين الشيئين فإنه ليس فيه شيء من الطرق الدالة عليه وقد قال لتبين للناس ما نزل إليهم 2 والمتشابه لا يرجى بيانه والمحكم لا توقف معرفته على البيان
وقد حكى الحسين بن محمد بن حبيب النيسابوري في هذه المسألة ثلاثة أقوال
أحدها أن القرآن كله محكم لقوله تعالى كتاب أحكمت آياته 3
والثاني كله متشابه لقوله تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها 4
والثالث وهو الصيح أن منه محكما ومنه متشابها لقوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب 5
فأما المحكم فأصله لغة المنع تقول أحكمت بمعنى رددت ومنعت والحاكم لمنعه الظالم من الظلم وحكمه اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب
وأما في الاصطلاح فهو ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام

(2/68)


وقيل هو مثل قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة 1
وقيل هو الذي لم ينسخ لقوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم 2 وقوله وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه 3 إلى آخر الآيات وهي سبعة عشر حكما مذكورة في سورة الأنعام وفي سورة بني إسرائيل
وقيل هو الناسخ
وقيل الفرائض والوعد والوعيد
وقيل الذي وعد عليه ثوابا أو عقابا وقيل الذي تأويله تنزيله بجعل القلوب تعرفه عند سماعه كقوله قل هو الله أحد 4 وليس كمثله شيء 5
وقيل مالا يحتمل في التأويل إلا وجها واحدا
وقيل ما تكرر لفظه
وأما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة وأتوا به متشابها 6 أي متفق المناظر مختلف الطعوم ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه كما تقول لحروف التهجي والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره وشاكله واختلفوا فيه فقيل هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا وقيل هو المنسوخ الغير معمول به وقيل القصص والأمثال وقيل ما أمرت أن تؤمن به وتكل علمه إلى عالمه وقيل فواتح السور وقيل

(2/69)


ما لا يدرى إلا بالتأويل ولا بد من صرفه إليه كقوله تجري بأعيننا 1 و على ما فرطت في جنب الله 2 وقيل الآيات التي يذكر فيها وقت الساعة ومجيء الغيث وانقطاع الآجال كقوله إن الله عنده علم الساعة 3 وقيل ما يحتمل وجوها والمحكم ما يحتمل وجها واحدا وقيل مالا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره وقيل غير ذلك وكلها متقارب
وفصل الخطاب في ذلك أن الله سبحانه قسم الحق بين عباده فأولاهم بالصواب من عبر بخطابه عن حقيقة المراد قال سبحانه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون 4 ثم قال ثم إن علينا بيانه 5 أي على لسانك وألسنه العلماء من أمتك وكلام السلف راجع إلى المشتبه بوجه لا إلى المقصود المعبر عنه بالمتشابه في خطابه لأن المعاني إذا دقت تداخلت وتشابهت على من لا علم له بها كالأشجار إذا تقارب بعضها من بعض تداخلت أمثالها 6 واشتبهت أي على من لم يمعن النظر في البحث عن منبعث كل فن منها قال تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات 7 إلى قوله متشابها وهو على اشتباكه غير متشابه وكذلك سياق معاني القرآن العزيز قد تتقارب المعاني ويتقدم الخطاب بعضه على بعض ويتأخر بعضه عن بعض لحكمة الله في ترتيب الخطاب والوجود فتشتبك المعاني وتشكل إلا على أولي الألباب فيقال في هذا الفن متشابه بعضه ببعض وأما المتشابه من القرآن العزيز فهو يشابه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز والبشارة والنذارة وكل ما جاء به وأنه من

(2/70)


عند الله فذم سبحانه الذين يتبعون ما تشابه منه عليهم افتتانا وتضليلا فهم بذلك يتبعون ما تشابه عليهم تناصرا وتعاضدا للفتنة والإضلال تفريعات
الأول الأشياء التي يجب ردها عند الإشكال إلى أصولها
فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات إلى محكم ليس كمثله شيء 1
ورد المتشابهات في الأفعال إلى قوله قل فلله الحجة البالغة 2 وكذلك الآيات الموهمة نسبة الأفعال لغير الله تعالى من الشيطان والنفس ترد إلى محكم قوله تعالى ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا 3 وما كان من ذلك عن تنزل الخطاب أو ضرب مثال أو عبارة عن مكان أو زمان أو معية أو ما يوهم التشبيه فمحكم ذلك قوله ليس كمثله شيء 1 وقوله لله المثل الأعلى 4 وقوله قل هو الله أحد 5
ومنه ضرب في تفصيل ذكر النبوة ووصف إلقاء الوحي ومحكمه قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون 6 وقوله وما ينطق عن الهوى 7
ومنه ضرب في الحلال والحرام ومن ثم اختلف الأئمة في كثير من الأحكام بحسب فهمهم لدلالة القرآن

(2/71)


ومنه شيء يتقارب فيه بين اللمتين لمة الملك ولمة الشيطان لعنه الله ومحكم ذلك قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان 1 الآية ولهذا قال عقبة يعظكم لعلكم تذكرون 1 أي عندما يلقى العدو الذي لا يأمر بالخير بل بالشر والإلباس
ومنه الآيات التي اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة تحتملها الآية ولا يقطع على واحد من الأقوال وأن مراد الله منها غير معلوم لنا مفصلا بحيث يقطع به
الثاني أن هذه الآية من المتشابه أعني قوله وأخر متشابهات 2 الآية من حيث تردد الوقف فيها بين أن يكون على إلا الله وبين أن يكون على والراسخون في العلم يقولون آمنا به وتردد الواو في والراسخون بين الاستئناف والعطف ومن ثم ثار الخلاف في ذلك
فمنهم من رجح أنها للاستئناف وأن الوقف على إلا الله وأن الله تعبد من كتابه بما لا يعلمون وهو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون وهو التعبدات ولأن قوله يقولون آمنا به متردد بين كونه حالا فضلة وخبرا عمدة والثاني أولى
ومنهم من رجح أنها للعطف لأن الله تعالى لم يكلف الخلق بما لا يعلمون وضعف الأول لأن الله لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينتفع به عباده ويدل به على معنى أراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله 3 للزمنا ولا يسوغ لأحد أن يقول إن رسول الله

(2/72)


صلى الله عليه و سلم لم يعلم المتشابه فإذا جاز أن يعرفه الرسول مع قوله وما يعلم تأويله إلا الله جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته والمفسرون من أمته ألا ترى أن ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم ويقول عند قراءة قوله في أصحاب الكهف ما يعلمهم إلا قليل 1 أنا من أولئك القليل
وقال مجاهد في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه و يقولون آمنا به ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلا أن يقولوا آمنا لم يكن لهم فضل على الجاهل لأن الكل قائلون ذلك ونحن لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا هو متشابه لا يعلمه إلا الله بل أمروه على التفسير حتى فسروا الحروف المقطعة
فإن قيل كيف يجوز في اللغة أن يعلم الراسخون والله يقول والراسخون في العلم يقولون آمنا به وإذا أشركهم في العلم انقطعوا عن قوله يقولون لأنه ليس هنا عطف حتى يوجب للراسخين فعلين
قلنا إن يقولون هنا في معنى الحال كأنه قال والراسخون في العلم قائلين آمنا كما قال الشاعر 2 ... الريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه ... أي لامعا
وقيل المعنى يعلمون ويقولون فحذف واو العطف كقوله وجوه يومئذ ناضرة 3 والمعنى يقولون علمنا وآمنا لأن الإيمان قبل العلم محال

(2/73)


إذ لا يتصور الإيمان مع الجهل وأيضا لو لم يعلموها لم يكونوا من الراسخين ولم يقع الفرق بينهم وبين الجهال
الثالث ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في أنه هل في القرآن شيء لا تعلم الأمة تأويله قال الراغب 1 في مقدمة تفسيره وذهب عامة المتكلمين إلى أن كل القرآن يجب أن يكون معلوما وإلا لأدى 2 إلى إبطال فائدة الانتفاع به وحملوا قوله والراسخون بالعطف على قوله إلا الله وقوله يقولون جملة حالية
قال ذهب كثير من المفسرين إلى أنه يصح أن يكون في القرآن بعض مالا يعلم تأويله إلى الله قال ابن عباس أنزل الله القرآن على أربعة أوجه حلال وحرام ووجه لا يسع أحد جهالته ووجه تعرفه العرب ووجه تأويل لا يعلمه إلا الله
وقال بعضهم المتشابه اسم لمعنيين
أحدهما لما التبس من المعنى لدخون شبهة بعضه في بعض نحو قوله إن البقر تشابه علينا 3 الآية
والثاني اسم لما يوافق بعضه بعضا ويصدقه قوله تعالى كتابا متشابها مثاني 4 الآية
فإن كان المراد بالمتشابه في القرآن الأول فالظاهر أنه لا يمكنهم الوصول إلى مراده وإن جاز أن يطلعهم عليه بنوع من لطفه لأنه اللطيف الخبير وإن كان المراد الثاني جاز أن يعلموا مراده

(2/74)


الرابع قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى
قلنا إن كان ممن يمكن علمه فله فوائد
منها ليحث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائق معانيه فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب وحذرا مما قال المشركون إنا وجدنا آباءنا على أمة 1 وليمتحنهم ويثيبهم كما قال وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده 2 الآية وقوله ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات 3 فنبههم على أن أعلى المنازل هو الثواب فلو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل لسقطت المحنة وبطل التفاضل واستوت منازل الخلق ولم يفعل الله ذلك بل جعل بعضه محكما ليكون أصلا للرجوع إليه وبعضه متشابها يحتاج إلى الاستنباط والاستخراج ورده إلى المحكم ليستحق بذلك الثواب الذي هو الغرض وقد قال تعالى ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين 4
ومنها إظهار فضل العالم على الجاهل ويستدعيه علمه إلى المزيد 5 في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل والأنفس الشريفة تتشوف لطلب العلم وتحصيله
وأما إن كان ممن لا يمكن علمه فله فوائد
منها إنزاله ابتلاء وامتحانا بالوقف فيه والتعبد بالاشتغال من جهة التلاوة وقضاء فرضها وإن لم يقفوا على ما فيها من المراد الذي يجب العمل به اعتبارا بتلاوة المنسوخ من

(2/75)


القرآن وإن لم يعجز العمل بما فيه من المحكم ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح
ومنها إقامة الحجة بها عليهم وذلك إنما نزل بلسانهم ولغتهم ثم عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وإفهامهم فيدل على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها وهو الله سبحانه
الخامس أثار بعضهم سؤالا وهو هل للمحكم مزية على المتشابه بما يدل عليه أو هما سواء والثاني خلاف الإجماع والأول ينقض أصلكم أن جميع كلامه سبحانه سواء وأنه نزل بالحكمة
وأجاب أبو عبد الله محمد بن أحمد البكراباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه ويخالفه من وجه فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع وأنه لا يختار 1 القبيح ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد فمن سمعه أمكنه أن يستدل به 2 في الحال والمتشابه يحتاج إلى ذكر مبتدأ ونظر مجدد عند سماعه ليحمله على الوجه المطابق ولأن المحكم آصل والعلم بالأصل أسبق ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا
فإن قيل إذا كان المحكم بالوضع كالمتشابه وقد قلتم إن من حق هذه اللغة أن يصح فيها الاحتمال ويسوغ التأويل فبما يميز المحكم في أنه لا بد له من مزية سيما والناس قد اختلفوا فيهما كاختلافهم في المذاهب فالمحكم عند السني متشابه عند القدري
فالجواب أن الوجه الذي أوردته 3 يلجئ إلى الرجوع إلى العقول فيما يتعلق

(2/76)


بالتفريد والتنزيه فإن العلم بصحة خطابه يفتقر إلى العلم بحكمته وذلك يتعلق بصفاته فلا بد من تقدم معرفته ليصح له مخرج كلامه فأما في الكلام فيما يدل على الحلال والحرام فلا بد من مزية للمحكم وهو أن يدل ظاهره على المراد أو يقتضي بانضمامه أنه مما لا يحتمل الوجه الواحد
وللمحكم في باب الحجاج عند غير المخالف مزية لأنه لا يمكن أن يبين له أنه مخالف للقرآن وأن ظاهر المحكم يدل على خلاف ما ذهب إليه وإن تمسك بمتشابه القرآن وعدل عن محكمه لما أنه تمسك بالشبه العقلية وعدل عن الأدلة السمعية وذلك لطف وبعث على النظر لأن المخالف المتدين يؤثر ذلك ليتفكر فيه ويعمل فإن اللغة وإن توقفت محتملة ففيها ما يدل ظاهره على أمر واحد وإن جاز صرفه إلى غيره بالدليل ثم يختلف ففيه ما يكره صرفه لاستبعاده في اللغة

(2/77)


النوع السابع والثلاثون في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات
وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق
أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة
والثاني أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف
والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به
والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال أفهم من قوله الرحمن على العرش استوى 1 ما أفهم من قوله ثم استوى إلى السماء 2 وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال الرحمن على العرش استوى 1 كما قال وإني لأراك ضالا وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها

(2/78)


وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها
وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في إلجامه كل عالم أو عامي عما عداها
قال وهو كتاب إلجام العوام عن علم الكلام 1 آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخر تصانيفه في أصول الدين حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم
وممن نقل عنه التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم
وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة 2 إن الإمام أحمد أول في ثلاثة مواضع 3 وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين
قلت وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى أو يأتي ربك 4 قال وهل هو إلا أمره بدليل قوله أو يأتي أمر ربك 5 واختار ابن برهان 6 وغيره من الأشعرية التأويل قال ومنشأ الخلاف بين

(2/79)


الفريقين أنه هل يجوز في القرآن شيء لا يعلم معناه فعندهم يجوز فلهذا منعوا التأويل واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله
وعندنا لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه
قلت وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم وليس بين المعقول والمنقول تغاير في الأصول بل التغاير إنما يكون في الألفاظ واستعمال المجاز لغة العرب وإنما قلنا لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ورد به الشرع إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل إذ هو دليل الشرع وكونه حقا ولو تصور كذب العقل في شيء لتصور كذبه في صدق الشرع فمن طالت ممارسته العلوم وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما لكنه لا يخلو من أحد أمرين إما تأويل يبعد عن الأفهام أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الأفهام عن إدراك الحقيقة والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل 1 المرام والمرد إلى قوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 2
ونحن نجري في هذا الباب على طريق المؤولين حاكين كلامهم
فمن ذلك صفة الاستواء فحكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن استوى 2 بمعنى استقر وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل فإن الاستقرار يشعر بالتجسيم
وعن المعتزلة بمعنى استولى وقهر ورد بوجهين

(2/80)


أحدهما بأن الله تعالى مستول على 1 الكونين والجنة والنار وأهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش
الثاني أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة والله تعالى منزه عن ذلك قاله ابن الأعرابي
وقال أبو عبيد بمعنى صعد ورد بأنه يوجب هبوطا منه تعالى حتى يصعد وهو منفي عن الله
وقيل الرحمن على العرش استوى فجعل علا فعلا لا حرفا حكاه الأستاذ إسماعيل الضرير 2 في تفسيره ورد 3 بوجهين
أحدهما أنه جعل الصفة فعلا ومصاحف أهل الشام والعراق والحجاز قاطعة بأن على هنا حرف ولو كان فعلا لكتبوها باللام ألف كقوله ولعلا بعضهم على بعض 4
والثاني أنه رفع العرش ولم يرفعه أحد من القراء
وقيل تم الكلام عند قوله الرحمن على العرش ثم ابتدأ بقوله استوى له ما في السماوات وما في الأرض 5 وهذا ركيك يزيل الآية عن نظمها ومرادها

(2/81)


قال الأستاذ والصواب ما قاله الفراء 1 والأشعري 2 وجماعة من أهل المعاني إن معنى قوله استوى أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه فسماه استواء كقوله ثم استوى إلى السماء وهي دخان 3 أي قصد وعمد إلى خلق السماء فكذا هاهنا قال وهذا القول مرضي عند العلماء ليس فيه تعطيل ولا تشبيه
قال الأشعري على هنا بمعنى في كما قال تعالى على ملك سليمان 4 ومعناه أحدث الله في العرش فعلا سماه استواء كما فعل فعلا سماه فضلا ونعمة قال تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة 5 فسمى التحبيب والتكريه فضلا ونعمة وكذلك قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد 6 أي فخرب الله بنيانهم وقال فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا 7 أي قصدهم وكما أن التخريب والتعذيب سماها إتيانا فكذلك أحدث فعلا بالعرش سماه استواء
قال وهذا قول مرضي عند العلماء لسلامته من التشبيه والتعطيل وللعرش خصوصية ليست لغيره من المخلوقات لأنه أول خلق الله وأعظم والملائكة حافون به ودرجة الوسيلة متصلة به وأنه سقف الجنة وغير ذلك

(2/82)


وقوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك 1 قيل النفس هاهنا الغيث تشبيها له بالنفس لأنه مستتر كالنفس
قوله ويحذركم الله نفسه 2 أي عقوبته وقيل يحذركم الله إياه
قوله تعالى وهو الله في السماوات وفي الأرض 3 اختار البيهقي معناه أنه المعبود في السماوات والأرض مثل قوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله 4 وهذا القول هو أصح الأقوال وقال الأشعري في الموجز وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم أي عالم بما فيهما وقيل وهو الله في السماوات جملة تامة وفي الأرض يعلم كلام آخر وهذا قول المجسمة واستدلت الجهمية بهذه الآية على أنه تعالى في كل مكان وظاهر ما فهموه من الآية من أسخف الأقوال
قوله تعالى وجاء ربك والملك 5 قيل استعارة الواو موضع الباء لمناسبة بينهما في معنى الجمع إذ الباء موضوعة للإلصاق وهو جمع والواو موضوعة للجمع والحروف ينوب بعضها عن بعض وتقول عرفا جاء الأمير بالجيش إذا كان مجيئهم مضافا إليه بتسليطه أو بأمره ولا شك أن الملك إنما يجيء بأمره على ما قال تعالى وهم بأمره يعلمون 6 فصار كما لو صرح به وقال جاء الملك بأمر ربك وهو كقوله

(2/83)


اذهب أنت وربك 1 أي اذهب أنت بربك أي بتوفيق ربك وقوته إذ معلوم أنه إنما يقاتل بذلك من حيث صرف الكلام إلى المفهوم في العرف
قوله تعالى يوم يكشف عن ساق 2 قال قتادة عن شدة وقال إبراهيم النخعي 3 أي عن أمر عظيم قال الشاعر ... وقامت الحرب عن ساق ...
وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة وجد فيه شمر عن ساقه فاستعيرت الساق في موضع الشدة
قوله تعالى ما فرطت في جنب الله 4 قال اللغويون معناه ما فرطت في طاعة الله وأمره لأن التفريط لا يقع إلا في ذلك والجنب المعهود من ذوي الجوارح لا يقع فيه تفريط البتة فكيف يجوز وصف القديم سبحانه بما لا يجوز
قوله تعالى سنفرغ لكم أيها الثقلان 5 فرغ يأتي بمعنى قطع شغلا أتفرغ لك أي أقصد قصدك والآية منه أي سنقصد لعقوبتكم ونحكم جزاءكم
قوله تعالى وإني لأظنه كاذبا 6 إن قيل لأي علة نسب الظن إلى الله وهو شك

(2/84)


قيل فيه جوابان
أحدهما أن يكون الظن لفرعون وهو شك لأنه قال قبله فأطلع إلى إله موسى وإني لأظن موسى كاذبا فالظن على هذا لفرعون
والثاني أن يكون تم الكلام عند قوله أسباب السماوات فاطلع إلى اله موسى وإني لأظنه على معنى وإني لأعلمه كاذبا فإذا كان الظن لله كان علما ويقينا ولم يكن شكا كقوله إني ظننت أني ملاق حسابية 1
وقوله لا تأخذه سنة ولا نوم 2 لم يرد سبحانه بنفي النوم والسنة عن نفسه إثبات اليقظة والحركة لأنه لا يقال لله تعالى يقظان ولا نائم لأن اليقظان لا يكون إلا عن نوم ولا يجوز وصف القديم به وإنما أراد بذلك نفي الجهل والغفلة كقوله ما أنا عنك بغافل
قوله تعالى لما خلقت بيدي 3 قال السهيلي اليد في الأصل كالمصدر عبارة عن صفة لموصوف ولذلك مدح سبحانه وتعالى بالأيدي مقرونة مع الإبصار في قوله أولي الأيدي والإبصار 4 ولم يمدحهم بالجوارح لأن المدح إنما يتعلق بالصفات لا بالجواهر قال وإذا ثبت هذا فصح قول الأشعري إن اليدين 5 في قوله تعالى لما خلقت بيدي 6 صفة ورد بها الشرع ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه ولا بمعنى النعمة ولا قطع بشيء من التأويلات تحرزا منه عن مخالفة السلف وقطع بأنها صفة تحرزا عني مذاهب المشبهة

(2/85)


فإن قيل وكيف خوطبوا بما لا يعلمون إذ اليد بمعنى الصفة لا يعرفونه ولذلك لم يسأل أحد منهم عن معناها ولا خاف على نفسه توهم التشبيه ولا احتاج إلى شرح وتنبيه وكذلك الكفار لو كان لا يعقل عندهم إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول ولقالوا زعمت أن الله ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يدا ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر علم أن الأمر عندهم كان جليا لا خفاء به لأنها صفة سميت الجارحة بها مجازا ثم استمر المجاز 1 فيها حتى نسيت الحقيقة ورب مجاز كثير استعمل حتى نسي أصله وتركت صفته والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فاليد أخص من معنى القدرة ولذا كان فيها تشريف لازم
وقال البغوي في تفسير قوله تعالى لما خلقت بيدي 2 في تحقيق الله التثنية في اليد دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة وإنما هما صفتان من صفات ذاته قال مجاهد اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة مجازه لما خلقت كقوله ويبقى وجه ربك 3 قال البغوي وهذا تأويل غير قوي لأنها لو كانت صلة لكان لإبليس أن يقول إن كنت خلقته فقد خلقتني وكذلك في القدرة والنعمة لا يكون لآدم في الخلق مزية على إبليس وأما قوله تعالى مما عملت أيدينا 4 فإن العرب تسمي الاثنين جمعا كقوله تعالى هذان خصمان اختصموا 5

(2/86)


وأما العين في الأصل فهي صفة ومصدر لمن قامت به ثم عبر عن حقيقة الشيء بالعين قال وحينئذ فإضافتها للبارئ في قوله ولتصنع على عيني 1 حقيقة لا مجاز كما توهم أكثر الناس لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك وإنما المجاز في تسمية العضو بها وكل شيء يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى البارئ سبحانه لا حقيقة ولا مجازا
قال السهيلي ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي لأجله قال ولتصنع على عيني 2 بحرف على وقال تجري بأعيننا 3 واصنع الفلك بأعيننا 4 وما الفرق والفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ما كان مكنونا فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون شرا فلما أراد أن يصنع موسى ويغذى ويربى على جلي أمن وظهور أمر لا تحت خوف واستسرار دخلت على في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي معنى الاستعلاء والاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه سبحانه يقول ولتصنع على أمن لا تحت خوف وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلأ وأما قوله تجري بأعيننا 3 واصنع الفلك بأعيننا 4 فإنه إنما يريد في رعاية منا وحفظ ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم فلم يحتج الكلام إلا معنى على
ولم يتكلم السهيلي على حكمة الإفراد في قصة موسى والجمع في الباقي وهو سر لطيف وهو إظهار الاختصاص الذي خص به موسى في قوله واصطنعتك لنفسي 5

(2/87)


فاقتضى الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله ولتصنع على عيني 1 بخلاف قوله تجري بأعيننا 2 واصنع الفلك بأعيننا 3 فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه
قال السهيلي رحمه الله وأما النفس فعبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد وقد استعمل من لفظها النفاسة والشيء النفيس فصلحت للتعبير عنه سبحانه بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية
وأما الذات فقد استوى أكثر الناس بأنها معنى النفس والحقيقة ويقولون ذات البارئ هي نفسه ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ويحتجون بقوله صلى الله عليه و سلم في قصة إبراهيم ثلاث كذبات كلهن في ذات الله
قال وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا وإلا لقيل عبدت ذات الله واحذر ذات الله وهو غير مسموع ولا يقال إلا بحرف في المستحل معناه في حق البارئ تعالى لكن حيث وقع فالمراد به الديانة والشريعة التي هي ذات الله فذات وصف للديانة هذا هو المفهوم من كلام العرب وقد بان غلط من جعلها عبارة عن نفس ما أضيف إليه ومنه إطلاق العجب على الله تعالى في قوله بل عجبت 4 على قراءة حمزة والكسائي بضم التاء على معنى أنهم قد حلوا محل من يتعجب منهم
قال الحسين بن الفضل العجب من الله تعالى إنكار الشيء وتعظيمه وهو لغة

(2/88)


العرب وفي الحديث عجب ربكم من زللكم وقنوطكم وقوله إن الله يعجب من الشاب إذا لم يكن له صبوة
قال البغوي وسمعت أبا القاسم النيسابوري قال سمعت أبا عبد الله البغدادي يقول سئل الجنيد عن هذه الآية فقال إن الله لا يعجب من شيء ولكن الله وافق رسوله فقال وإن تعجب فعجب قولهم 1 أي هو كما يقوله فائدة
كل ما جاء في القرآن العظيم من نحو قوله تعالى لعلكم تفلحون أو تتقون أو تشكرون فالمعتزلة يفسرونه بالإرادة لأن عندهم أنه تعالى لا يريد إلا الخير ووقوع الشر على خلاف إرادته وأهل السنة يفسرونه بالطلب لما في الترجي من معنى الطلب والطلب غير الإرادة على ما تقرر في الأصول فكأنه قال كونوا متقين أو مفلحين إذ يستحيل وقوع شيء في الوجود على خلاف إرادته تعالى بل كل الكائنات مخلوقة له تعالى ووقوعها بإرادته تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا

(2/89)


النوع الثامن والثلاثون معرفة إعجازه
وقد اعتنى بذلك الأئمة وأفردوه بالتصنيف منهم القاضي أبو بكر بن الباقلاني 1 قال ابن العربي ولم يصنف مثله وكتاب الخطابي 2 والرماني والبرهان لعزيزي 3 وغيرهم
وهو علم جليل عظيم القدر لأن نبوة النبي صلى الله عليه و سلم معجزتها الباقية القرآن وهو يوجب الاهتمام بمعرفة الإعجاز قال تعالى كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد 4 وقال سبحانه وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله 5 فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا تكون حجة إلا وهي معجزة وقال تعالى وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم 6 فأخبر

(2/90)


أن الكتاب آية من آياته وأنه كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الأنبياء
ولما جاء به صلى الله عيه وسلم إليهم وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء تحداهم على أن يأتوا بمثله وأمهلهم طول السنين 1 فلم يقدروا يقال تحدى فلان فلانا إذا دعاه إلى أمر ليظهر عجزه فيه ونازعه الغلبة في قتال أو كلام غيره ومنه أنا حدياك أي ابرزلي وحدك
واعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا افتراه فأنزل الله عز و جل عليه أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله 2 فلما عجزوا عن الإتيان بنشر سور تشاكل القرآن قال تعالى قل فأتوا بسورة من مثله 3 ثم كرر هذا فقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله 3 أي من كلام مثله وقيل من بشر مثله ويحقق القول الأول الآيتان السابقتان فلما عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه القرآن على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء 1 قال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 4 فقد ثبت أنه تحداهم به وأنهم لم يأتوا بمثله لعجزهم عنه لأنهم لو قدروا على ذلك لفعلوا ولما عدلوا إلى العناد تارة والاستهزاء أخرى فتارة قالوا سحر وتارة قالوا شعر وتارة قالوا أساطير الأولين كل ذلك من التحير والانقطاع

(2/91)


قال ابن أبي 1 طالب مكي 1 في اختصاره نظم القرآن للجرجاني قال المؤلف أنزله بلسان عربي مبين بضروب من النظم مختلفة على عادات العرب ولكن الأعصار تتغير وتطول فيتغير النظم عند المتأخرين لقصور أفهامهم والنظر كله جار على لغة العرب ولا يجوز أن ينزله على نظم ليس من لسانهم لأنه لا يكون حجة عليهم بدليل قوله تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله 2 وفي قوله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله 3 فأخبر أنهم لم يعلموه لجهلهم به وهو كلام عربي
قال أبو محمد لا يحتمل أن يكون جهلهم إلا من قبل أنهم أعرضوا عن قبوله ولا يجوز أن يكون نزل بنظم لم يعرفوه إذ لا يكون عليهم حجة وجهلنا بالنظم لتأخرنا عن رتب القوم الذي نزل عليهم جائز ولا يمنع فمن 4 نزل عليهم كان يفهمه إذا تدبره لأنه بلغته ونحن إنما 5 نفهم بالتعليم انتهى
وهذا الذي قاله مشكل فإن كبار الصحابة رضي الله عنهم حفظوا البقرة في مدة متطاولة لأنهم كانوا يحفظون مع التفهم
وإعجاز القرآن ذكر من وجهين
أحدهما إعجاز متعلق بنفسه
والثاني بصرف الناس عن معارضته

(2/92)


ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز واختلفوا في إعجازه فقيل إن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات وإن العرب كلفت في ذلك مالا تطيق وفيه وقع عجزها والجمهور على أنه إنه إنما وقع بالدال على القديم 1 وهو الألفاظ
فإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يصح التحدي بشيء مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدي ولا يتجه قول القائل لمثله إن صنعت خاتما كنت قادرا على أن تصنع مثله إلا بعد أن يمكنه من الجهة التي تدعي عجز المخاطب عنها فنقول الإعجاز في القرآن العظيم إما أن يعني بالنسبة إلى ذاته أو إلى عوارضه من الحركات والتأليف أو إلى مدلوله أو إلى المجموع أو إلى أمر خارج عن ذلك لا جائز أن يكون الإعجاز حصل من جهة ذوات الكلم المفردة فقط لأن العرب قاطبة كانوا يأتون بها ولا جائز أن يكون الإعجاز وقع بالنسبة إلى العوارض من الحركات والتألف فقط لأنه يحوج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وهاجر إن شانئك هو الكافر
ولو كان الإعجاز راجعا في الإعراب والتأليف المجرد لم يعجز صغيرهم عن تأليف ألفاظ معربة فضلا عن كبيرهم ولا جائز أن يقع بالنسبة إلى المعاني فقط لأنها ليست من صنيع البشر وليس لهم قدرة على إظهارها من غير ما يدل عليها ولا جائز أن ترجع إلى المجموع لأنا قد بينا بطلانه بالنسبة إلى كل واحد فيتعين أن يكون الإعجاز لأمر خارج غير ذلك بيان الأقوال المختلفة في وجوه الإعجاز
وقد اختلف فيه على أقوال
أحدهما وهو قول النظام 2 إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم وكان

(2/93)


مقدورا لهم لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات
وهو قول فاسد بدليل قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 1 فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ولو سئلوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزا غيره وليس فيه صفة إعجاز بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم قدرتهم عن الإتيان بمثله
وأيضا يلزم من القول بالصرفة فساد آخر وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي وخلو القرآن من الإعجاز وفي ذلك خرق لإجماع الأمة فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العظمى ولا معجزة له باقية سوى القرآن وخلوه من الإعجاز يبطل كونه معجزة
قال القاضي أبو بكر 2 ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا وإنما يكون المنع معجزا 3 فلا يتضمن الكلام فضلا 4 على غيره في نفسه
وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان بمثله وإنما تأخروا 5 عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه ولا بأعجب من قول

(2/94)


فريق منهم إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله في هذا الباب وإنما يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد 1
وزعم قوم أن ابن المقفع عارض القرآن وإنما وضع حكما 2
الثاني أن وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف وهو بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة وعلت مركباته معنى بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى
واختاره ابن الزملكاني 3 في البرهان
الثالث ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ولم يكن ذلك من شأن العرب كقوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب 4 وقوله في أهل بدر سيهزم الجمع

(2/95)


ويولون الدبر 1 وقوله لقد صدق الله رسوله الرؤيا 2 وكقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض 3 وقوله الم غلبت الروم 4 وغير ذلك مما أخبر به بأنه سيقع فوقع
ورد هذا القول بأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز فيها وهو باطل فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها
الرابع ما تضمن من إخباره عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها وقال تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا 5 الآية
وهو مردود بما سبق نعم هذا والذي قبله من أنواع الإعجاز إلا أنه منحصر فيه
الخامس إخباره عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا 6 وقوله وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله 7 وقوله وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون 8 الآية وكإخباره عن اليهود أنهم لا يتمنون الموت أبدا

(2/96)


السادس وصححه ابن 1 عطية وقال إنه الذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه وأن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه ووجه إعجازه أن الله أحاط بكل شيء علما وأحاط بالكلام كله علما فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى ويتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم بالضرورة 2 أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك 3 وبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة وبهذا النطق 4 يبطل قول من قال إن العرب كان في قدرتها الإتيان 5 بمثله فلما جاءهم النبي صلى الله عليه و سلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه
والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم 6 يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ولهذا ترى البليغ ينقح الخطبة أو القصيدة حولا ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرا وكتاب الله 6 سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدبر لسان العرب على لفظه 7 أحسن منها لم توجد
ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفي وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام 7
وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت

(2/97)


الحجة في معجزة عيسى بالأطباء و في 1 موسى بالسحرة فإن الله تعالى إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما تكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر في مدة موسى قد انتهى إلى غايته وكذا الطب في زمان عيسى والفصاحة في مدة محمد صلى الله عليه و سلم
السابع أن وجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب والسلامة من جميع العيوب وغير ذلك مقترنا بالتحدي واختاره الإمام فخر الدين 2 وهو قريب مما سبق وقد قال تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله 3 والمراد بمثل نظمه بدليل قوله تعالى فأتوا بسورة من مثله 4 وقول من قال إن الضمير في من مثله عائد على الله ضعيف بقوله بعشر سور مثله 5 والسياق واحد
الثامن ما فيه من النظم والتأليف والترصيف وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطاباتهم واختاره القاضي أبو بكر 6
قال ولهذا لم يمكنهم معارضته

(2/98)


قال 1 ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن 2 من أصناف البديع التي أدعوها في الشعر لأنه ليس مما يخرق العادة 2 بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدريب والتصنع له كقول الشعر ورصف الخطب وصناعة الرسالة والحذق في البلاغة وله طريق يسلك 3 فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدى به ولا يصح وقوع مثله اتفاقا
قال ونحن نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر وفي بعض أدق وأغمض
ثم قال القاضي فإن قيل 4 ما الذي وقع التحدي به أهو الحروف المنظومة أو الكلام القائم بالذات أو غيره
قلنا الذي تحداهم به أن يأتوا على الحروف التي هي نظم القرآن منظومة حكمها متتابعها كتتابعها مطردة كاطرادها ولم يتحدهم إلى أن يأتوا بالكلام القديم الذي لا مثل له 5
وقال بعض الأئمة ليس الإعجاز المتحدى به إلا في النظم لا في المفهوم لأن المفهوم

(2/99)


لم يمكن الإحاطة به ولا الوقوف على حقيقة المراد منه فكيف يتصور أن يتحدى بما لا يمكن الوقوف عليه إذ هو يسع كل شيء فأي شيء قوبل به ادعى أنه غير المراد ويتسلسل
التاسع أنه شيء لا يمكن التعبير عنه وهو اختيار السكاكي حيث قال في المفتاح 1 واعلم أن شأن الإعجاز عجيب 2 يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة وكما يدرك 2 طيب النغم العارض لهذا الصوت ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما 2
وقال أبو حيان التوحيدي في البصائر 3 لم أسمع كلاما ألصق بالقلب وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي وكان بحرا في العلم وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن فقال هذه مسألة فيها حيف على المفتي 4 وذلك أنه شبيه بقولك ما موضع الإنسان من الإنسان فليس للإنسان موضع من الإنسان بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ومعجزة لمحاوله وهدى لقائله وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده

(2/100)


العاشر وهو قول حازم 1 في منهاج البلاغة إن الإعجاز فيه من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا توجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه بل توجد في تفاريق وأجزاء منه والفترات في الفصاحة تقع للفصيح إما بسهو يعرض له في الشيء من غير أن يكون جاهلا به أو من جهل به أو من سآمة تعتري فكره أو من هوى للنفس يغلب عليها فيما يحوش عليها خاطره من اقتناص المعاني سمينا كان أو غثا فهذه آفات لا يخلو منها الإنسان الفاضل والطبع الكامل وهو قريب مما ذكره ابن الزملكاني وابن عطية
الحادي عشر قال الخطابي 2 في كتابه وإليه 3 ذهب الأكثرون من علماء النظر إن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن لما صعب عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس
قال والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجة البيان متفاوتة 4 ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية 5 فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح

(2/101)


القريب السهل ومنها الجائز الطلق الرسل وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم الذى لا يوجد فى القرآن شئ منه البتة
فالقسم الأول أعلاه والثانى أوسطه والثالث أدناه وأقربه فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتى الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد فى نعوتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة فى الكلام يعالجان نوعا من الوعورة فكان اجتماع الأمرين فى نظمه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن يسرها الله بلطيف قدرته ليكون آية بينة لنبيه ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر دينه
وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور
منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التى هى ظروف المعانى والحوامل
ولا تدرك أفهامهم جميع معانى الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلا أن يأتوا بكلام مثله
وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم
وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه فى غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى

(2/102)


شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاءما وتشاكلا من نظمه وأما معانيه فكل ذى لب يشهد له بالتقديم فى أبوابه والرقى فى أعلى درجاته
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق فى أنواع الكلام وأما أن توجد مجمةعى فى نوع واحد منه فلم توجد إلا فى كلام العليم القدير الذى أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا
فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ فى أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعانى من توحيد الله تعالى وتنزيهه فى صفاته ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته فى تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهى عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه ولا يتوهم فى صورة العقل أمر أليق به منه مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان جامعا فى ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه

(2/103)


ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله ومنقضته فى شكله ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه منظوما ومرة إنه سحرلما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه وقد كانوا يجدون له وقعا فى القلب وقرعا فى النفس يريبهم ويحيرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ولذلك قالوا إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون أساطير الأولين اكتتبها قهى تملىعليه بكرى وأصيلا مع علمهم أن صاحبهم أمى وليس بحضرته من يملى أو يكتب شيئا ونحو ذلك من المور التى أوجبها العناد والجهل والعجز وقد حكى الله عن بعض مردتهم وهو الوليد بن المغيرة المخزومى أنه لما طال فكره فى القآن وكثر ضجره منه وضرب له الأخماس من رأيه فىالسداس فلم يقدر على أكثر من قوله إن هذا إلا قول البشر عنادا وجهلا به وذهابا عن الحجة وانقطاعا دونها
ثم اعلم أن عمود البلاغة التى تجتمعا لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ

(2/104)


التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذى يفسد به الكلام أو إ1هاب الرونق الذى تسقط به البلاغة وذلك أن فى الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعانى فى زعم أكثر الناس كالعلم والمعرفة والشح والبخل والنعت والصفة وكذا بلى ونعم ومن وعن ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف والأمر فيها عند الحذاق بخلاف ذلك لأن كل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها فى بقض معانيها وإن اشتركا فى بعضها
ولهذا قال أبو العالية فى قوله تعالى الذين هم عن صلاتهم ساهون أنه الذى ينصرف ولا يدرى عن شفع أو وتر فرد عليه الحسن بأنه لو كان كذلك لقال الذين هم فى صلاتهم فلم يقرق أبو العالية بين فى و عن حتى تنبه له الحسن وقال المراد به إخرجها عن وقتها
فإن قيل فهلا جعل فى كل سورة نوعا من الأنواع قيل إنما أنزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعانى فى السورة الواحدة وفى الآى المجموعة القليلة العدد ليكون أكثر لفائدته وأعم لمنفعته ولو كان لكل باب منه قبيل ولكل معنى سورة مفردة لم تكثر عائدته ولكان الواحدمن الكفار المنكرين والمعاندين إذا سمع السورة لا تعوم عليه الحجة به إلا فى النوع الواحد الذى تضمنته السورة الواحدة فقط وكان فى اجتماع المعانى الكثيرة فى السورة الواحدة أوفر حظا وأجدى نفعا من التخيير لما ذكرناه

(2/105)


قال الخطابى وقلت فى إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ فى آحادهم وهو صنيعه بالقلوب وتأثيره فى النفوس فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة فى حال ومن الروعة والمهابة فى حال أخرى ما يخلص منه إليه قال الله تعالى لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وقال تعالى الله تزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية
قلت ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبى صلى الله عليه و سلم للطور حتى انتهى إلى قوله إن عذاب ربك لواقع قال حشيت أن يدركنى العذاب وفى لفظ كاد قلبى يطير فأسلم وفى أثر آخر أن عمر لما سمع سورة طه أسلم وغير ذلك
وقد صنف بعضهم كتابا فيمن مات بسماع آية من القرآن
الثانى عشر وهو قول أهل التحقيق إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد عن انفراده فإنه جمع كله فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل وغير ذلك مما لم يسبق فمنها الروعة التى له فى قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقرين والجاحدين ثم إن سامعه إن كان مؤمنا به بداخله روعة فى أول سماعه وخشية ثم لا يزال بجد فى قلبه

(2/106)


هشاشة إليه ومحبة له وإن كان جاحدا وجد فيه مع تلك الروعة نفورا وعيا لا نقطاع مادته بحسن سمعه
ومنها أنه لم يزل ولا يزال ولا يزال غضا طريا فى أسماع السامعين وعلى ألسنة القارئين
ومنها ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه فى صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله تارة ومخطبة أخرى لخلقه لا فى صورة كلام يستمليه من نفسه من قد قذف فى قلبه وأوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه فهو يأتى بالمعانى التى ألهمها بألفاظه التى يكسوها إياه كما يشاهد من الكتب المتقدمة
ومنها جمعه بين صفتى الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا فى كلام البشر لإن الجزالة من الألفاظ التى لا توجد إلا بما يشوبها من القوة وبعض الوعورة والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة فمن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة فى الأسماع مثل الفصحاء من الأعراب وفحول الشعراء منهم ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام فى السماع أعذب وأشهى وألذ مثل أشعار المخضرمين ومن داناهم من المولدين المتأخرين وترى ألفاظ القرآن قد جمعت فى نظمه كلتا الصفتين وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز
ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال تعالى إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه مختلفون

(2/107)


فى قدر المعجز من القرآن
قال القاضى أبو بكر ذهب عامة أصحابنا وهو قول أبى الحسن الأ شعرى فى كتبه إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة قصيرة كانت أو طويلة أوما كان بقدرها ب
قال فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز
قال ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة فى داليل من هذا القدر
وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهى معجزة
وقد حكى عنهم نحو قولنا إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة بل شرط الآيات الكبيرة
وقد علمنا أنه تحداهم تحديا إلى السور كلها ولم يخص ولم يأتوا بشئ منها فعلم أن جميع ذلك معجز
وأما قوله تعالى فليأتوا بحديث مثله فلا يخالف هذا لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته فى أقل من كلمات سورة قصيرة وهو يؤكد مذهب أصحابنا وإن كان قد يتأول قوله فليأتوا بحديث مثله فلا يخالف هذا لأن الحديث التام لا تتتحصل حكايته فى أقل من كلمات سورة قصيرة وهو يؤكد مذهب أصحابنا وإن كان قد يتأول قوله فليأتوا بحديث مثله على القبيل دون التفصيل وكذلك يحمل

(2/108)


قولة تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله على القبيل لأنه لم يجعل الحجة عليهم عجزهم عن الإتيان بجميعه من أوله إلى آخره
فإن قيل هل يعرف إعجاز السور القصار بما يعرف به إعجاز الطوال وهل يعرف إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذى قدرتموه على ما تعرفون به إحجاز سورة البقرة ونحوها
قلنا إن أبا الحسن الأشعرى قد أجاب عن ذلك بأن كل سورة قد علم كونها معجزة بعجز العرب عنها وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن يقول إنه يصح أن يكون علم ذلك توقيفا والطريقة الأولى أسد وتظهر فائتهما فى أن الأولى تبين أن ما علم به كون جميع ألقرآن معجزا موجود فى كل سورة قصرت أو طالت فيجب أن يكون الحكم فى الكل واحدا والأخرى تتضمن تقدير معرفة إعجاز القرآن بالطريق التى سلكناها

(2/109)


اعلم أه سبحانه تحداهم أولا فى الإتيان بمثله فقال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ثم تحداهم بشر سور منه وقطع عذرهم بقول قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وإنما قال مفتريات من أجل أنهم قالوا لا علم لنا بما فيه من الأخبار الخالية والقصص البالغة فقيل لهم مفتريات إزاحة لعللهم وقطعا لأعذارهم فعجزوا فردهم من العشر إلى سورة واحدة من مثله مبالغة فى التعجيز لهم فقال وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين أى يشهدون لكم أنها في نظمه وبلاغته وجزالته فعجزوا فقال تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا مبالغة فى التعجيز وإفحاما لهم فاتقوا النار وهذه مبالغة فى الوعيد مع أن اللغة لغتهم والكلام كلامهم وناهيك بذلك أن الوليد بن المغيرة لعنه الله كان سيد قريش وأحد فصحائهم لما سمعه أخرس لسانه وبلد جنانه وأطفئ بيانه وقطعت حجته وقصم ظهره وظهر عجزه وذهل عقله حتى قال فد عرفنا الشعر كله هزجه ورجزه وفريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالت له قريش فساحر قال وما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر

(2/110)


وإنه ليعلو ولا يعلى سمعت قولا يأخذ القلوب قالوا مجنون قال لا والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته ولا رعشته قالو كاهن قال قد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم ثم حملته الحمية فنكص على عقبيه وكابر حسه فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر مسألة فى أن التحدى إنما وقع للإنس دون الجن
التحدى إنما وقع للإنس دون الجن لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربى الذى جاء القرآن على أساليبه وإنما ذكروا فى قوله قل لئن اجتمعت الإنس والوجن تعظيما لإعجازه لأن الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع جميع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن العارضة كان الفريق الواحد أعجز ونظيره فى الفقه تقدم والأخ الشقيق على الأخ للأب فى ولاية النكاح مع أن الأمومة ليس لها مدخل فى النكاح فصل فى أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة
قال القاضى ذهب أبو الحسن الأشعرى إلى أن ظهور ذلك على النبى صلى الله عليه و سلم

(2/111)


يعلم ضرورة وكونه معجزا يعلم بالاستدلال وهذا المذهب يحكى عن المخالفين
والذى نقوله إنالأعجمى لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا وكذلك من ليس ببليغ فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله مسألة فى الحكمة فى تنزيه النبى عليه السلام عن الشعر
قيل للحكمة تنزيه الله تعالى نبيه صالى الله عليه وسلم عن الشعر وجوه
أحدها أنه سبحانه أخبر عن الشعراء بأنهم فى كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون وأن للشعر شرائط لا يسمى الإنسان بغيرها شاعرا كما قال بعضهم وقد سئل عن الشاعر فقال إن هزل أضحك وإن جد كذب فالشاعر بين كذب وإضحاك فنزه الله نبيه عن هاتين الخصلتين وعن كل أمر دنئ وإنا لا نكاد نجد شاعرا إلا مادحا ضارعا أو هاجيا ذا قذع وهذه أوصاف لا تصلح للنبي
والثاني أن أهل العروض مجمعون كما قلل ابن فارس على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع إلا أن صناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنغم وصناعة العروض تقسمه

(2/112)


بالحروف المتنوعة فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع والإيقاع ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم وقد قال لست من دد ولا دد منى
وأما ما حكى عنه صلى الله عليه و سلم من ألفاظ الوزن فالجواب عنها من وجهين أحدهما أنه لم يقصد بها الشعر ومن حقيقة الشعر قصده قال ابن فارس الشعر كلام موزون مقفي دال على معنى ويكون أكثر من بيت لأنه يجوز اتفاق شطر واحد بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد
والثانى أنه صلى الله عليه سلم كان إذا أنشد شيئا من ذلك غيره ز فصل فى تنزيه الله القرآن عن أن يكون شعرا
مع ان الموزون فى الكلام رتبته فوق رتبة المنظوم غير الموزون فإن كل موزون منظوم ولا عكس وقال تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين فأعلم سبحانه أنه نزة الفرآن عن نظم الشعر والوزن لأن القرآ مجمع الحق ومنبع الصدق وقصارى أمر الشاعر التحصل بتصوير الباطل فى صورة الحق والإفرط فى الإطراء والمبالغة فىالذم والإيذاء دون إظهار الحق وإثبات الصدق منه كان بالعرض ولهذا قال تعالى وما هو بقول شاعر إى كاذب ولم يعن أنه

(2/113)


ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفى عنه ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى المنطقيون القياسات المؤدبة فى أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية
فإن قيل فقد وجد فى القرآن ما وافق شعرا موزونا إما بيت تام أو أبيات أو مصراع كقول القائل ... وقلت لما حاولوا سلوتى ... هيهات هيهات لما توعدون ...
وقوله وجفون كالجواب وقدور راسيات قالوا هذا من الرمل
وكقوله من تزكى فإنما يتزكى لنفسه قالوا هو مجزوء من الخفيف
وقوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا بحتسب قالوا هو من المتقارب أى بإسقاط مخرجا
وقوله ودانية عليهم ظلالها وذلك قطوفها تذليلا ويشبعون حركة الميم فيبقى من الرجز وحكى أن أبا نواس ضمنه فقال ... وفتية فى مجلس وجوههم ... ريحانهم قد عدموا التثفيلا ... دانية عليهمو ظلالها ... وذللت قطوفها تذليلا

(2/114)


وقوله تعالى ويخزهم وينصر كم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين قالوا هو من الوافر
وقوله تعالى أرأيت الذى يكذب بالدين فذلك الذى يدع اليتيم قالوا هو من الخفيف
وقوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا ونحوه قوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجريات يسرا وهو عندهم شعر من بحر البسيط
وقوله تعالى ومن الليل فسبحة وأدبار السجود
وقوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
وقوله تعالى فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا
وقوله تعالى لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم
وقوله تعالى تبت يدا أبى لهب

(2/115)


وقوله تعالى نصر من الله وفتح قريب وقوله تعالى إن يتنهوا يغفر لهم ما قد سلف وقوله تعالى إن قارون كان من قوم موسى
ويحكى أنه سمع أعرابى قارئا يقرأ يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم قال كسرت إنما قال يأيها الناس اتقوا ربكم زلزلة الساعة شئ عظيم فقيل له هذا القرآن وليس بشعر
فالجواب قال القاضى أبو بكر إن الفصحاء منهم لما أورد عليهم القرآن لو اعتقدوه شعرا ولم يروه خارجا عن أساليبهم لبادروا إلى معارضته لأن الشعر منقاد غليهم فلما لم يعمدا إلى ذلك دل على أنهم لم يعتقدوا فيه ذلك فمن استدرك فيه شعرا زعم أنه خفى على أولئك النفر وهم ملوك الكلام مع شدة حاجتهم إلى الطعن فى القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه فلن يجوز أن يخفى على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن فهو بالجهل حقيق

(2/116)


وحينئذ فالذى أجاب به العلماء عن هذا بأن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا وأقل الشعر بيتان فصاعدا وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام
وقالوا أيضا إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف وزنهما وقافيتهما فليس بشعر أصلا
ثم منهم من قال إن الرلجز ليس بشعر أصلا لا سيما إذا كان مشطورا أو ممهوكا وكذا ما يقاربه فى قلة الأجزاء وعلى هذا يسقط السوؤال
ثم يقول إن الشعر إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التى تعمد وتسلك ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامى والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعرا وإلا لكان الناس كلهم شعراء لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض فىجملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر وينتظم بانتظامه
وقيل أقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات وليس ذلك فى القرآن بحال
قال القاضى وهذه الطريق التى سلكوها فى الجواب معتمدة أو أكثرها
ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته لأن طريق الشعر غسر مستصعب على أهل الزمان الواحد وأهله يتقاربون فيه أو يضربون فيه بسهم

(2/117)


فصل فى اختلاف المقامات ووضع كل شئ فى موضع يلائمه
مما يبعث على معرفة الإعجاز اختلافات المقامات وذكر فى كل موضع ما يلائمه ووضع الألفاظ فى كل موضع ما يليق به وإ كانت مترادفة حتى لو أبدل واحد منها بالآخر ذهبت تلك الطلاوة وفاتت تلك الحلاوة
فمن ذلك أن لفظ الأررض لم ترد فى التنزيل إلا مفردة وإذا ذكرت والسماء مجموعة لن يؤت بها معها إلا مفرةد ولما أريد الإتيان بها مجموعة قال ومن الأرض مثلهن تفاديا من جمعها
ولفظ البقعة لم تستعمل فيه إلا مفردة كقوله تعالى فى البقعة المباركة فإن جمعت حسن ذلك ورودها مضافة كقولهم بقاع الأرض
وكذلك لفظ اللب مرادا به العقل كقوله تعالى وذكرى لأولى الألباب لذكرى لأولى الألباب فإنه يعذب دون الإفراد
وكذلك قوله ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه وفى موضع آخر فى بطنى محررا استعمل الجوف فى الأول والبطن فى الثانى مع اتفاقهما

(2/118)


فى المعنى ولو استعمل فى أحدهما فى موضع الآخر لم يكن له من الحسن والقبول عند الذوق ما لا ستعمال كل واحد منهما فى موضعه
وأما بالنسبة إلى المقامات فانظر إلى مقام الترغيب وإلى مقام الترهيب فماقام الترغيب كقوله تعالى ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا نجده تأليفا لقلوب العباد وترغيبا لهم فى الإسلام
قيل وكان سبب نزولها أنه أسلم عياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد ونفر معهما ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا قال وكنا نقول قوم لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به فنزلت وكان عمر كاتبا فكتب بها عمر بن الخطاب إليهم رضى الله عنه حين فهم قصد الترغيب فآمنوا وأسلموا وهاجروا
ولا يلزم دلالتها على مغفرة الكفر لكونه من الذنوب فلا يمكن حملها على فضل الترغيب فى الإسلام وتأليف القلوب له لوجوه
منها ان قوله يغفر الذنوب جميعا عام دخله التخصيص بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به فيبعى معتبرا فيما عداه
ومنها أن لفظ العباد مضافا إليه فى القرآن مخصوص بالمؤمنين قال تعالى عينا يشرب بهاعباد الله

(2/119)


فإن قلت فلم يكونوا مؤمنين حال الترغيب
قلت كانوا مؤمنين قبله بدليل سبب نزولها وعوملوا هذه المعاملة من الإضافة مبالغة فى الترغيب
وأما مقام الترهيب فهو مضاد له كقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ويدل على قصد مجرد الترهيب بطلان النصوصية من ظاهرها على عدم المغفرة لأهل المعاصى لأن من للعموم لأنها فى سياق الشرط فيعم فىجميع المعاصى فقد حكم عليهم بالخلود وهو ينافى المغفرة وكذلك كل مقام يضاد الآخر ويعتبر التفاضل بين العبارتين من وجوه
أحدها المعانى الإفرادية بأن يكون بعضها أقوى دلالة وأفخم مسمى وأسلس لفظا ونحوه الثانى المعانى الإعرابية بأن يكون مسماها أبلغ معنى كالتمييز مع البدل فى قوله تعالى واشتعل الرأس شيبا مع اشتعل الرأس سيبة وهذا أبلغ من اشتعل شيب الرأس الثالث مواقع التركيب كعوله تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين فإن الأولى جعل اثنين مفعول يتخذوا وإلهين صفة له تقدمت فانتصبت على الحال والتقدير اتخذوا إلهين اثنين لأن اثنين أعم من إلهين

(2/120)


فصل فى اشتمال القرآن على أعلى أنواع الإعجاز
وهو أن يقع التركيب بحيث لا يمتنع أن يوجد ماهو أشد تناسا ولا اعتدالا فى إفادة ذلك المعنى
وقد اختلف فى أنه هل تتفاوت فيه مراتب الفصاحة واختار القاضى أبو بكر ابن الطيب فى كتاب الإعجاز المنع وأن كل كلمة موصوفة بالذروة العليا وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض وهذا كما أن بعضهم يفطن للوزن بخلاف بعض
واختار أبو بصر بن القشيرى فى تفسيره التفاوت فقال وقد رد على الزجاج وغيره تضعيفهم قراءة والأرحام بالجر ومثل هذا من الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات السسبع متواترة عن النبى صلى الله عليه و سلم وإذا ثبت شئ عن النبى صلى الله عليه و سلم فمن رد ذلك فكأنما رد على النبوة وهذا

(2/121)


مقام محذور لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو فإن العربية تتلقى من النبى صلى الله عليث وسلم ولا يشك أحد فى فصاحته ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح وإن كان غيره أفصح منه فإنا لا ندعى أن كل ما في القرآن على أرفع الدرجات فى الفصاحة
وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين فى كتاب المجاز وأورد سؤالا فقال فإن قلت فلم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح والأملح وقال فيه إشكال يسر الله حله
قال القاضى صدر الدين موهوب الجزرى رحمه الله وقد وقع لي حل هذا الإشكال بتوفيق الله تعالى فأقول البارئ جلت قدرته له أساليب مختلفة على مجاري تصريف أقداره فإنه كان قادرا على إلجاء المشركين إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم قال تعالى إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ولكنه سبحانه أرسل رسوله على أساليب الأسباب والمسببات وجارى العوائد الواقعة من أهل الزمان ولذلك تكون حروب الأنبياء سجالا بينهم وبين الكفار ويبتدئ أمر الأنبياء بأسباب خفيفة ولا تزال تنمى وتشتد كل ذلك يدل على أن أساليبهم فى الإرسال على ما هو المألوف والمعتاد من أحوال غيرهم
إذا عرف ذلك كان مجيء القرآن بغير الأفصح والأملح جميعه لأنه تحداهم بمعارضته على المعتاد فلو وقع على غير المعتاد لكان ذلك نمطا غير النمط الذى أراده الله عز و جل فى الإعجاز
ولما كان الأمر على ما وصفنا جاء القرآن على نهج إنشاءهم الخطب والأشعار وغيرها ليحصل لهم التمكن من المعارضة ثم يعجزوا عنها فيظهر الفلج بالحجة لأنهم لو لم يتمكنوا لكان لهم أن يقولوا قد أتيت بما لا قدرة لنا عليه فكما لا يصح من أعمى معارضة المبصر

(2/122)


في النظر لا يحسن من البصير أن يقول غلبتك أيها الأعمى بنظري فإن للأعمى أن يقول إنما تم لك الغلبة لو كنت قادرا وكان نظرك أقوى من نظري فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح المعارضة
فإن قلت فلو كانت المعجزة شيئا لا يقدر عليه البشر كإحياء الموتى وأمثاله فكيف كان ذلك أدعى إلى الإنقياد
قلت هذا السؤال سبق الجواب عنه في الكلام وإن أساليب الأنبياء تقع على نهج أساليب غيرهم
فإن قلت فما ذكرته يدل على أن عجز العرب عن معارضته وإنما كانت لصرف دعاويهم مع أن المعارضة كانت مقدورة لهم
قلت قد ذهب بعض العلماء إلى ذلك ولكن لا أراه حقا ويندفع السؤال المذكور وإن كان الإعجاز في القرآن بأسلوبه الخاص به إلا أن الذين قالوا بأن المعجز فيه هو الصرفة مذهبهم أن جميع أساليبه جميعا ليس على نهج أساليبهم ولكن شاركت أساليبهم في أشياء منها أنه بلغتهم
ومنها أن آحاد الكلمات قد كانوا يستعملونه فى خطهم وأشعارهم ولكن تمتاز بأمور أخر منها غرابة نظمه الخاص الذى ليس مشابها لأجزاء الشعر وأوزانه وهزجه ورجزه وغير ذلك من ضروبه فأما توالى نظمه من أوله إلى آخره بأن يأتى بالأفصح والأملح فهذا مما وقعت فيه المشاركة لكلامهم فبذلك امتاز هذا المذهب عن مذهب من يقول إنه كان جميعه مقدورا لهم وإنما صرفت دواعيهم عن المعارضة انتهى
وقد سبق اختيار القاضى أنه ليس على أساليبهم البتة فيبقى السؤال بحاله

(2/123)


تنبيه في أن معرفة مقامات الكلام لا تدرك إلا بالذوق
ذكر ابن أبى الحديد
اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح والرشيق والرشق والجلى والأجلى والعلى والأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه وهو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة ودقيقة الشفتين نقية الشعر كحلاء العين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة والأخرى دونها فى هذه الصفات والمحسن لكنها أحلى فى العيون والقلوب منها وأليق وأملح ولا يدرى لأي سبب كان ذلك لكنه بالذوق والمشاهدة يعرف ولا يمكن تعليله وهكذا الكلام نعم يبقى الفرق بين الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها وتفضيل بعضها يدركه كل من له عين صحيحة وأما الكلام فلا يعرفه إلا بالذوق وليس كل من اشتغل بالنحو أو باللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق وممن يصلح لاتنقاد الكلام وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة فإلى أولئك ينبغى أن يرجع فى معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض

(2/124)


النوع التاسع والثلاثون معرفة وجوب تواتره لإخلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا فىأصله وأجزائه وأما فى محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك أي يجب أن يكون متواترا فإن العلم اليقيني حاصل أن العادة قاضية بأن مثل هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه الهادي للخلق إلى الحق المعجز الباقى على صفحات الدهر الذى هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم فمستحيل ألا يكون متواترا فى ذلك كله إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر وكيف لا وقد قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون والحفظ إنما يتحقق بالتواتر وقالى تعالى يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والبلاغ العام إنما هو بالتواتر فما لم يتواتر مما نقل آحادا يقطع بأنه ليس من القرآن وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله وليس بشرط فى محله ووضعه وتربيبه بل يكثر فيها نقل الآحاد وهو الذي يقتضيه صنع الشافعى فى إثبات البسملة من كل سورة ورد بأن الدليل السابق يقتضى التواتر في الجميع ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط

(2/125)


كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير مما ليس بقرآن أما الأول فلأنا لو لم نشترط التواتر فى المحل جاز ألا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة فى القرآن مثل فبأي آلاء ربكما تكذبان و ويل يومئذ للمكذبين
وأما الثانى فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض فىالموضع بنقل الآحاد
وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه وقال قوم من المتكلمين إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد فى إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا فى اللغة العربية وإن لم يثبت أن النبى صلى الله عليه وملم قرأها بخلاف موجب رأى القياسيين واجتهاد المجتهدين وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطأوا من قال بذلك وصار إليه
قال القاضى وقد رد الله عنه طعن الطاعنين واختلاف الضالين وليس المعتبر فى العلم بصحة النقل والقطع على فنونه بألا يخالف فيه مخالف وإنما المعتبر فى ذلك مجيئه عن قوم بهم ثبت التواتر وتقوم الحجة سواء اتفق على نقلهم أو اختلف فيه ولهذا لا يبطل النقل إذا ظهر واستفاض واتفق عليه إذا حدث خلاف فى صحته لم يكن من قبل
وبذلك يسقط اعتراض الملحدين فى القرآن وذلك دليل على صحة نقل القرآن

(2/126)


وحفظه وصيانته من التغيير ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص كيف وقد عل تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله إن علينا جمعه وقرآنه وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به وحراسته من وجوه الغلط والتخليط وذلك وجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته فصل
والمعوذتان من القرآن واستفاضتهما كاستفاضة جميع القرآن وأما ما روي عن ابن مسعود قال القاضي أبو بكر فلم يصح عنه أنهما ليسا بقرآن ولا حفظ عنه أنه حكهما وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلات
قال القاضي ولا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو إلى أبي بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحد من ولده أو عترته جحد آية أو حرف من كتاب الله وتغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم في مصحف الجماعة بأخبار الآحاد وأن ذلك لا يحل ولا يسمع بل لا تصلح إضافته إلى أدنى المؤمنين في عصرنا فضلا عن أضافته إلى رجل من الصحابة وإن كلام القنوت المروى عن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم حجة بأنه

(2/127)


قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء وأنه لو كان قرآنا لنقل نقل القرآن وحصل العلم بصحته وأنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به وخلط بكلام ليس بقرآن ولم يصح ذلك عنه وإنما روى عنه أنه أثبته في مصحفه وقد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل
وقال النوري في شرح المهذب أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئا كفر وما نقل عن ابن مسعود باطل وليس بصحيح
وقال ابن خزم فى أول كتابه المحلى هذا كذب على ابن مسعود وموضوع وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عنه وفيها المعوذتان والفاتحة
وقال القاضى أبو بكر بن الطيب فى كتاب التقريب لم ينكر عبد الله بن مسعود كون المعوذتين والفاتحة من القرآن وإنما أنكر إثباتهما في المصحف وإثبات الحمد لأنه كانت السنة عنده ألا يثبت إلا ما أمر النبى صلى الله عليه و سلم بإثباته وكتبه ولم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به
وهذا تأويل منه وليس حجدا لكونهما قرآنا
وفي صحيح ابن حبان عن زر قلنا لأبي بن كعب إن ابن مسعود لا يكتب في مصحفه المعوذتين فقال قال لي رسول الله صلى عليه وسلم قال لي جبريل قل أعوذ برب الفلق فقلتها وقال لي قل أعوذ برب الناس فقلتها فنحن نقول ما قال رسول الله صلىالله عليه وسلم

(2/128)


النوع الأربعون فى بيان معاضدة السنة للقرآن
اعلم أن القرآن والحديث أبدا متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة حتى إن كل واحد منهما يخصص عموم الآخر ويبين إجماله
ثم منه ما هو ظاهر ومعه ما يغمض وقد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف الإمام أبو الحكم ابن برجان فى كتابه المسمى بالإرشاد وقال ما قال النبي صلى الله عليه و سلم من شيء فهو في القرآن وفيه أصله قرب أو بعد فهمه من فهمه وعمه عنه من عمه قال الله تعالى ما فرطنا فى الكتاب من شيء ألا تسمع إلى قوله صلى الله عليه و سلم فى حديث الرجم لأقضين بينكما بكتاب الله وليس في نص كتاب الله الرجم
وقد أقسم النبي صلى الله عليه و سلم أن يحكم بينهما بكتاب الله ولكن الرجم فيه تعريض مجمل فى قوله تعالى ويدرأ عنها العذاب
وأما تعيين الرجم من عموم ذكر العذاب وتفسير هذا المجمل فهو مبين بحكم الرسول وبأمره به وموجود فى عموم قوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله

(2/129)


وهكذا حكم جميع قضائه وحكمه على طرقه التى أتت عليه وإنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ويبلغ منه الراغب فيه حيث بلغه ربه تبارك وتعالى لأنه واهب النعم ومقدر القسم
وهذا البيان من العلم جليل وحظه من اليقين جزيل وقد نبهنا صلى الله عليه و سلم على هذا المطلب فى مواضع كثيرة من خطابه
منها حين ذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه فى الجنة فقال فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه ثم قال اقرءوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين
ومنها قالوا يا رسول الله ألا نتكل وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسينسره للعسرى
ووصف الجنة فقال فيها شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام ولا يقطعها ثم قال اقرءوا إن شئتم وظل ممدود
فأعلمهم مواضغ حديثه من القرآن ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب ليستخرج علماء أمته معانى حديثه طلبا لليقين ولتستبين لهم السبيل حرصا منه عليه السلام على أن يزيل عنهم الارتياب وأن يرتقوا فى الأسباب ثم بدأ رضى الله عنه بحديث إنما الأعمال بالنيات وقال موضعه نصافي قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد إلى قوله فأولئك كان سعيهم مشكورا

(2/130)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية