صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ البرهان في علوم القرآن - الزركشي ]
الكتاب : البرهان في علوم القرآن
المؤلف : محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1391
تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم
عدد الأجزاء : 4

كتاب البرهان في علوم القرآن

(1/1)


فصل
في علم التفسير
التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ
وقد أكثر الناس فيه من الموضوعات ما بين مختصر ومبسوط وكلهم يقتصر على الفن الذى يغلب عله فالزجاج والواحدى في البسيط يغلب عليهما الغريب والثعلبى يغلب عليه القصص والزمخشرى علم البيان والإمام فخر الدين علم الكلام وما في معناه من العلوم العقلية

(1/13)


واعلم أن من المعلوم أن الله تعالى إنما خاطب خلقه بما يفهمونه ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وأنزل كتابه على لغتهم وإنما احتيج إلى التفسير لما سنذكر بعد تقرير قاعدة وهى أن كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة
أحدها كمال فضيلة المصنف فإنه لقوته العلمية يجمع المعانى الدقيقة في اللفظ الوجيز فربما عسر فهم مراده فقصد بالشرح ظهور تلك المعانى الخفية ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له
وثانيها قد يكون حذف بعض مقدمات الأفيسة أو أغفل فيها شروطا اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبه
وثالثها احتمال اللفظ لمعان ثلاثة كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام فيحتاج الشارح الى بيان غرض المصنف وترجيحه وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو منه بشر من السهو والغلط وتكرار الشىء وحذف المهم وغير ذلك فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك
وإذا علم هذا فنقول إن القرآن إنما أنزل بلسان عربى مبين في زمن أفصح العرب وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر من سؤالهم النبى صلى الله عليه و سلم في الأكثر كسؤالهم لما نزل ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فقالوا أينا لم يظلم نفسه ففسره النبى صلى الله عليه و سلم بالشرك واستدل

(1/14)


عليه بقوله تعالى إن الشرك يظلم عظيم وكسؤال عائشة رضى الله عنها عن الحساب اليسير فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب وكقصة عدى ابن حاتم فى الخيط الذى وضعه تحت رأسه وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه
ولم ينقل إلينا عنهم تفسير القرآن وتأويله بجملته فنحن نحتاج إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ما لم يكونوا محتاجين إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير
ومعلوم أن تفسيره يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض لبلاغته ولطف معانيه ولهذا لا يستغنى عن قانون عام يعول فى تفسيره عليه ويرجع فى تفسيره إليه من معرفة مفردات ألفاظه ومركباتها وسياقه وظاهره وباطنه وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم ويدق عنه الفهم ... بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه كلام ...
وفى هذا تتفاوت الأذهان وتتسابق فى النظر إليه مسابقة الرهان فمن سابق بفهمه وراشق كبد الرمية بسهمه وآخر رمى فأشوى وخبط فى النظر خبط عشوا كما قيل وأين الدقيق من الركيك وأين الزلال من الزعاق

(1/15)


وقال القاضى شمس الدين الخويى رحمه الله علم التفسير عسير يسير أما عسره فظاهر من وجوه أظهرها أنه كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه ولا إمكان للوصول إليه بخلاف الأمثال والأشعار فإن الإنسان يمكن علمه بمراد المتكلم بأن يسمع منه أو يسمع ممن سمع منه أما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول عليه السلام وذلك متعذر إلا في آيات قلائل فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده فى كتابه فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد وإنما هو عليه السلام صوب رأى جماعة من المفسرين فصار ذلك دليلا قاطعا على جواز التفسير من غير سماع من الله ورسوله
قال واعلم أن بعض الناس يفتخر ويقول كتبت هذا وما طالعت شيئا من الكتب ويظن أنه فخر ولا يعلم أن ذلك غاية النقص فإنه لا يعلم مزية ما قاله على ما قيل ولا مزية ما قيل على ما قاله فبماذا يفتخر ومع هذا ما كتبت شيئا إلا خائفا من الله مستعينا به معتمدا عليه فما كان حسنا فمن الله وفضله بوسيلة مطالعة كلام عباد الله الصالحين وما كان ضعيفا فمن النفس الأمارة بالسوء
فصل
فى علوم القرآن
ذكر القاضى أبو بكر بن العربى فى كتاب قانون التأويل إن علوم القرآن

(1/16)


خمسون علما وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة فى أربعة قال بعض السلف إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومقطع وهذا مطلق دون اعتبار تراكيبه وما بينها من روابط وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله عز و جل
قال وأم علوم القرآن ثلاثة أقسام توحيد وتذكير وأحكام فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله والتذكير ومنه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن والأحكام ومنها التكاليف كلها وتبيين المنافع والمضار والأمر والنهى والندب
فالأول وإلهكم إله واحد فيه التوحيد كله فى الذات والصفات والأفعال والثانى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين والثالث وأن احكم بينهم ولذلك قيل فى معنى
قوله صلى الله عليه و سلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن
يعنى فى الأجر وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
وقيل ثلثه فى المعنى لأن القرآن ثلاثة أقسام كما ذكرنا وهذه السورة اشتملت على التوحيد
ولهذا المعنى صارت فاتحة الكتاب أم الكتاب لأن فيها الأقسام الثلاثة
فأما التوحيد فمن أولها إلى قوله يوم الدين وأما الأحكام ف إياك نعبد وإياك نستعين وأما التذكير فمن قوله اهدنا إلى آخرها فصارت بهذا أما لأنه يتفرع عنها كل نبت

(1/17)


وقيل صارت أما لأنها مقدمة على القرآن بالقبلية والأم قبل البنت
وقيل سميت فاتحة لأنها تفتح أبواب الجنة على وجوه مذكورة فى مواضعها
وقال أبو الحكم بن برجان فى كتاب الإرشاد وجملة القرآن تشتمل على ثلاثة علوم علم أسماء الله تعالى وصفاته ثم علم النبوة وبراهينها ثم علم التكليف والمحنة قال وهو أعسر لإغرابه وقلة انصراف الهمم إلى تطلبه مكانه
وقال غيره القرآن يشتمل على أربعة أنواع من العلوم أمر ونهى وخبر واستخبار وقيل سنة وزاد الوعد والوعيد
وقال محمد بن جرير الطبرى يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والأخبار والديانات ولهذا
قال صلى الله عليه و سلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن
وهذه السورة تشمل التوحيد كله
وقال على بن عيسى القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا الإعلام والتنبيه والأمر والنهى والوعد والوعيد ووصف الجنة والنار وتعليم الإقرار باسم الله وصفاته وأفعاله وتعليم الاعتراف بإنعامه والاحتجاج على المخالفين والرد على الملحدين والبيان عن الرغبة والرهبة الخير والشر والحسن والقبيح ونعت الحكمة وفضل المعرفة

(1/18)


ومدح الأبرار وذم الفجار والتسليم والتحسين والتوكيد والتفريع والبيان عن ذم الإخلاف وشرف الأداء
قال القاضى أبو المعالى عزيزى وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التى قالها محمد بن جرير تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يستدرك ولا تحصى غرائبه وعجائبه قال تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو
وقال غيره علوم ألفاظ القرآن أربعة
الإعراب وهو فى الخبر
والنظم وهوالقصد نحو واللائى لم يحضن معنى باطن نظم بمعنى ظاهر وقوله قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق كأنه قيل قالوا ومن يبدأ الخلق ثم يعيده فأمر النبى صلى الله عليه و سلم أن يقول الله يبدأ الخلق لفظ ظاهر نظم بمعنى باطن
والتصريف فى الكلمة كأقسط عدل وقسط جار وبعد ضد قرب وبعد هلك
والاعتبار وهو معيار الأنحاء الثلاثة وبه يكون الاستنباط والاستدلال وهو كثير منه ما يعرف بفحوى الكلام ومعنى اعتبرت الشىء طلبت بيانه عبرت الرؤيا بينتها قال الله تعالى فاعتبروا بعد هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل

(1/19)


الكتاب من ديارهم دل على أن انتقامه بالخروج من الدار من أعظم الوجوه و أول الحشر دل على أن لها توابع لأن أول لا يكون إلا مع آخر وكان هذا فى بنى النضير ثم أهل نجران ما ظننتم أن يخرجوا إلا بنبأ وأنهم يستقلون عدد من كان مع النبى صلى الله عليه و سلم ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء فيه دليل على أن الاخراج مثل العذاب فى الشدة إذ جعل بدله
وقد يتعدد الاعتبار نحو أتانى غير زيد أى أتياه أو أتاه غير زيد لا هو لو شئت أنت لم أفعل أمرتنى أو نهيتنى قال الله تعالى لو شاء الله ما عبدنا رد عليهم بأن الله لا يأمر بالفحشاء بدليل قوله والله أمرنا بها وإذا حللتم فاصطادوا فالاعتبار إباحة
ومن الاعتبار ما يظهر بآى أخر كقوله فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا فهذه تعتبر بآخر الواقعة من أن الناس على ثلاثة منازل أى أحل كل فريق فى منزلة له والله بصير بمنازلهم

(1/20)


ومنه ما يظهر بالخبر كقوله تعالى قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله بمعنى الحديث
إن اليهود قالوا لو جاء به ميكائيل لاتبعناك لأنه يأتى بالخير وجبريل لم يأت بالخير قط وأى خير أجل من القرآن
ومن ضروب النظم قوله تعالى من كان يريد العزة فلله إن حمل على أن يعتبر أن العزة له لم ينتظم به ما بعده وإن حمل على معنى أن يعلم لمن العزة انتظم

(1/21)


النوع الأول
معرفة أسباب النزول
وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم وأفردوا فيه تصانيف منهم على بن المديني شيخ البخارى ومن أشهرها تصنيف الواحدى فى ذلك وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ وليس كذلك بل له فوائد
منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم
ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب
ومنها الوقوف على المعنى قال الشيخ أبو الفتح القشيرى بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى الكتاب العزيز وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا
ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص فإن محل السبب لا يجوز

(1/22)


إخراجه بالاجتهاد والإجماع كما حكاه القاضى أبو بكر في مختصر التقريب لأن دخول السبب قطعى ونقل بعضهم الاتفاق على أن لتقدم السبب على ورود العموم أثرا
ولا التفات إلى ما نقل عن بعضهم من تجويز إخراج محل السبب بالتخصيص لأمرين
أحدهما أنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز والثاني أن فيه عدولا عن محل السؤال وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس على السائل واتفقوا على أنه تعتبر النصوصية في السبب من جهة استحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة وتؤثر أيضا فيما وراء محل السبب وهو إبطال الدلالة على قول والضعف على قول
ومن الفوائد أيضا دفع توهم الحصر قال الشافعى ما معناه فى معنى قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما الآية إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلا منزلة من يقول لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة والغرض المضادة لا النفى والإثبات على الحقيقة فكأنه قال لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والذم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذا القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل
قال إمام الحرمين وهذا فى غاية الحسن ولولا سبق الشافعى إلى ذلك لما كنا

(1/23)


نستجير مخالفة مالك فى حصر المحرمات فيما ذكرته الآية وهذا قد يكون من الشافعى أجراه مجرى التأويل ومن قال بمراعاة اللفظ دون سببه لا يمنع من التأويل
وقد جاءت آيات فى مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر وآية اللعان في شأن هلال بن أمية ونزول حد القذف في رماة عائشة رضى الله عنها ثم تعدى إلى غيرهم وإن كان قد قال سبحانه والذين يرمون المحصنات فجمعها مع غيرها إما تعظيما لها إذ أنها أم المؤمنين

(1/24)


ومن رمى أم قوم فقد رماهم وإما للإشارة إلى التعميم ولكن الرماة لها كانوا معلومين فتعدى الحكم إلى من سواهم فمن يقول بمراعاة حكم اللفظ كان الاتفاق هاهنا هو مقتضى الأصل ومن قال بالقصر على الأصل خرج عن الأصل فى هذه الآية بدليل ونظير هذا تخصيص الاستعاذة بالإناث فى قوله تعالى ومن شر النفاثات فى العقد لخروجه على السبب وهو أن بنات لبيد سحرن رسول الله صلى الله عليه و سلم
كذا قال أبو عبيد وفيه نظر فإن الذى سحر النبى صلى الله عليه و سلم هو لبيد ابن الأعصم كما جاء في الصحيح
وقد تنزل الآيات على الأسباب خاصة وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبهاا من الآى رعاية لنظم القرآن وحسن السياق فذلك الذى وضعت معه الآية نازلة على سبب خاص للمناسبة إذ كان مسوقا لما نزل فى معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه هل هى كالسبب فلا يخرج ويكون مرادا من الآيات قطعا أولا ينتهى في القوة إلى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة مشبهة به فيه احتمال

(1/25)


واختار بعضهم أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد ومثاله قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن مناسبتها للآية التى قبلها وهى قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبى صلى الله عليه و سلم فسألوه من أهدى سبيلا النبى صلى الله عليه و سلم أو هم فقال أنتم كذبا منه وضلالة لعنه الله فتلك الآية فى حقه وحق من شاركه فى تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم فى كتابهم بعث النبى صلى الله عليه و سلم وصفته وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا ذلك وأن ينصروه وكان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك مناسب لقوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى إلى أهلها قال ابن العربى فى تفسيره وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه و سلم وقولهم إن المشركين أهدى سبيلا فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات انتهى
ولا يرد على هذا أن قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر ونزول إن الله يأمركم فى الفتح أو قريبا منها وبينهما ست سنين لأن الزمان إنما يشترط فى سبب النزول ولا يشترط فى المناسبة لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبى صلى الله عليه و سلم بوضعها فى المواضع التى علم من الله تعالى أنها مواضعها

(1/26)


ومن فوائد هذا العلم إزالة الإشكال ففى الصحيح عن مروان بن الحكم أنه بعث إلى ابن عباس يسأله لئن كان كل امرىء فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس هذه الآية نزلت فى أهل الكتاب ثم تلا وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه إلى قوله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا
قال ابن عباس سألهم النبى صلى الله وسلم عن شىء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه انتهى
قال بعضهم وما أجاب به ابن عباس عن سؤال مروان لا يكفى لأن اللفظ أعم من السبب ويشهد له قوله صلى الله عليه و سلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى

(1/27)


زور وإنما الجواب أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين وهما الفرح وحب الحمد لا عليهما أنفسهما إذ هما من الأمور الطبيعية التى لا يتعلق بها التكليف أمرا ولا نهيا
قلت لا يخفى عن ابن عباس رضى الله عنه أن اللفظ أعم من السبب لكنه بين أن المراد باللفظ خاص ونظيره تفسير النبى صلى الله عليه و سلم الظلم بالشرك فيما سبق
ومن ذلك قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فحكى عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان الخمر مباحة ويحتجان بهذه الآية وخفى عليها سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك وهو ما قاله الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى فى بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح
ومن ذلك قوله تعالى واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم الآية قد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة وقد بينه سبب النزول روى

(1/28)


أن ناسا قالوا يا رسول الله قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللائى لم يحضن من الصغار والكبار فنزلت فهذا يبين معنى إن آرتبتم أى إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن
ومن ذلك قوله تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فإنا لو تركنا مدلول اللفظ لاقتضى أن المصلى لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع فلا يفهم مراد الآية حتى يعلم سببها وذلك أنها نزلت لما صلى النبى صلى عليه وسلم على راحلته وهو مستقبل من مكة إلى المدينة حيث توجهت به فعلم أن هذا هو المراد
ومن ذلك قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فإن سبب نزولها أن قوما أرادوا الخروج للجهاد فمنعهم أزواجهم وأولادهم فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم أنزل فى بقيتها ما يدل على الرحمة وترك المؤاخذة فقال وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم
فصل
فيما نزل مكررا
وقد ينزل الشىء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه وهذا كما قيل فى الفاتحة نزلت مرتين مرة بمكة وأخرى بالمدينة وكما ثبت فى

(1/29)


الصحيحين عن أبى عثمان النهدى عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبى صلى الله عليه و سلم فأخبره فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات فقال الرجل إلى هذا فقال بل لجميع أمتى فهذا كان فى المدينة والرجل قد ذكر الترمذى أو غيره أنه أبو اليسر وسرة هود مكية بالاتفاق ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة
ومثله ما في الصحيحين عن ابن مسعود فى قوله تعالى ويسألونك عن الروح أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو فى المدينة ومعلوم أن هذه فى سورة سبحان وهى مكية بالاتفاق فإن المشركين لما سألوه عن ذى القرنين وهن أهل الكهف قيل ذلك بمكة وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك فأنزل الله الجواب كما قد بسط فى موضعه
وكذلك ما ورد فى قل هو الله أحد أنها جواب للمشركين بمكة وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة

(1/30)


وكذلك ما ورد فى الصحيحين من حديث المسيب لما حضرت أبا طالب الوفاة وتلكأ عن الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والله لأستغفرن لك ما لم أنه فأنزل الله ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى وأنزل الله فى أبى طالب إنك لا تهدى من أحببت وهذه الآية نزلت فى آخر الأمر بالاتفاق وموت أبى طالب كان بمكة فيمكن أنها نزلت مرة بعد أخرى وجعلت أخيرا فى براءة
والحكمة فى هذا كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضى نزول آية وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها فتؤدى تلك الآية بعينها إلى النبى صلى الله عليه و سلم تذكيرا لهم بها وبأنها تتضمن هذه والعالم قد يحدث له حوادث فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم فى تلك الواقعة وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل مع حفظه لذلك النص
وما يذكره المفسرون من أسباب متعددة لنزول الآية قد يكون من هذا الباب لا سيما وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية

(1/31)


فى كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب فى نزولها وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما فى قول ابن عمر فى قوله تعالى نساؤكم حرث لكم وأما الإمام أحمد فلم يدخله فى المسند وكذلك مسلم وغيره وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع
فصل
خصوص السبب وعموم الصيغة
وقد يكون السبب خاصا والصيغة عامة لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ وقال الزمخشرى فى نفس سورة الهمزة يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه
تقدم نزول الآية على الحكم
واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم وهذا كقوله تعالى قد أفلح من تزكى فإنه يستدل بها على زكاة الفطر روى البيهقى بسنده إلى ابن عمر

(1/32)


أنها نزلت فى زكاة رمضان ثم أسند مرفوعا نحوه وقال بعضهم لا أدرى ما وجه هذا التأويل لأن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة
وأجاب البغوى فى تفسيره انه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد فالسورة مكية وظهور أثر الحل يوم فتح مكة حتى
قال عليه السلام أحلت لى ساعة من نهار
وكذلك نزل بمكة سيهزم الجمع ويولون الدبر قال عمر بن الخطاب كنت لا أدرى أى الجمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر
فائدة
روى البخارى فى كتاب الأدب المفرد فى بر الوالدين عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال نزلت فى أربع آيات من كتاب الله عز و جل كانت أمى حلفت ألا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمدا صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا والثانية انى كنت أخذت سيفا فأعجبني فقلت يا رسول الله هب لى هذا

(1/33)


فنزلت يسألونك عن الأنفال والثالثة أنى كنت مرضت فأتانى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله إنى أريد أن أقسم مالى أفأوصى بالنصف فقال لا فقلت الثلث فسكت فكان الثلث بعد جائزا والرابعة أنى شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفى بلحى جمل فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله عز و جل تحريم الخمر
واعلم أنه جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول ووقع البحث أيما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب أو بالمناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام وهى سابقة على النزول
والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كالآية السابقة فى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة

(1/34)


النوع الثانى
معرفة المناسبات بين الآيات
وقد أفرده بالتصنيف الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخ الشيخ أبى حيان وتفسير الإمام فخر الدين فيه شىء كثير من ذلك
واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول والمناسبة فى اللغة المقاربة وفلان يناسب فلانا أى يقرب منه ويشاكله ومنه النسيب الذى هو القريب المتصل كالأخوين وابن العم ونحوه وإن كانا متناسبين بمعنى رابط بينهما وهو القرابة ومنه المناسبة فى العلة فى باب القياس الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم ولهذا قيل المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول وكذلك المناسبة فى فواتح الآى وخواتمها ومرجعها والله أعلم إلى معنى ما رابط بينهما عام أو خاص عقلى أو حسى أو خيالى وغير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهنى كالسبب والمسبب والعلة والمعلول والنظيرين والضدين ونحوه أو التلازم الخارجى كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع فى باب الخبر

(1/35)


وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء
وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازى وقال فى تفسيره أكثر لطائف القرآن مودعة فى الترتيبات والروابط
وقال بعض الأئمة من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا
وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة قال القاضى أبو بكر بن العربى فى سراج المريدين ارتباط آى القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعانى منتظمة المبانى علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ثم فتح الله عز و جل لنا فيه فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه
وقال الشيخ أبو الحسن الشهرابانى أول من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابورى وكان غزير العلم فى الشريعة والأدب وكان يقول على الكرسى إذا قرىء عليه الآية لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه وما الحكمة فى جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة وكان يزرى على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة انتهى

(1/36)


وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام المناسبة علم حسن ولكن يشترط فى حسن ارتباط الكلام أن يقع فى أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر
قال ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإن القرآن نزل فى نيف وعشرين سنة فى أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله فى خلقه وأحكامه بعضها ببعض مع اختلاف العلل والأسباب كتصرف الملوك والحكام والمفتين وتصرف الإنسان نفسه بأمور متوافقة و متخالفة ومتضادة وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض مع اختلافها فى نفسها واختلاف أوقاتها انتهى
قال بعض مشايخنا المحققين قد وهم من قال لا يطلب للآى الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما فى الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف وحافظ القرآن العظيم لو استفتى فى أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملاها لذ كرآية كل حكم على ما سئل وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ولا كما نزل مفرقا بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر فإنه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير
قال والذى ينبغى فى كل آية أن يبحث أول كل شىء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا فى السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له

(1/37)


قلت وهو مبنى على أن ترتيب السور توقيفى وهذا الراجح كما سيأتى وإذا اعتبرت افتتاح كل سوره وجدته فى غاية المناسبة لما ختم به السورةقبلها ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى كافتتاح سورة الأنعام بالحمد فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال سبحانه وقضى بينهم بالحق وقيل ألحمد لله رب ألعالمين وكافتتاح سورة فاطر ب الحمد أيضا فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل وكما قال تعالى فقطع دابر ألقوم ألذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به وكافتتاح البقرة بقوله آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه إشارة إلى الصراط فى قوله اهدنا الصراط المستقيم كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم ذلك الصراط الذى سألتم الهداية إليه هو الكتاب
وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة وهو يرد سؤال الزمخشرى فى ذلك
وتأمل ارتباط سورة لإيلاف قريش بسورة الفيل حتى قال الأخفش اتصالها بها من باب قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

(1/38)


ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتى قبلها لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة البخل وترك الصلاة والرياء فيها ومنع الزكاة فذكر هنا فى مقابلة البخل إنا أعطيناك الكوثر أى الكثير وفى مقابلة ترك الصلاة فصل أى دم عليها وفى مقابلة الرياء لربك أى لرضاه لا للناس وفى مقابلة منع الماعون وانحر وأراد به التصدق بلحم الأضاحى فاعتبر هذه المناسبة العجيبة
وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح وسورة الكهف بالتحميد لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد يقال سبحان الله والحمد الله
وذكر الشيخ كمال الدين الزملكانى فى بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك ما ملخصه إن سورة بنى إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء وهو من الخوارق الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنه رسول من عند الله والمشركون كذبوا ذلك وقالوا كيف يسير فى ليلة من مكة إلى بيت المقدس وعادوا وتعنتوا وقالوا صف لنا بيت المقدس فرفع له حتى وصفه لهم والسبب فى الإسراء أولا لبيت المقدس ليكون ذلك دليلا على صحة قوله بصعود السموات فافتتحت بالتسبيح تصديقا لنبيه فيما ادعاه لأن تكذيبهم له تكذيب عناد فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذى كذبوه أما الكهف فإنه لما احتبس الوحى وأرجف الكفار بسبب ذلك أنزلها الله ردا عليهم وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه صلى الله عليه و سلم بل أتم عليه بإنزال الكتاب فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة

(1/39)


أنواع ارتباط الآى بعضها ببعض
عدنا إلى ذكر ارتباط الآى بعضها ببعض فنقول
ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يظهر الارتباط بينهما لتعلق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامه بالأولى فواضح وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على جهة التأكيد والتفسير أو الاعتراض والتشديد وهذا القسم لا كلام فيه
وإما ألا يظهر الارتباط بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وأنها خلاف النوع المبدوء به فإما أن تكون معطوفة على ما قبلها بحرف من حروف العطف المشترك فى الحكم أولا
القسم الأول أن تكون معطوفة ولا بد أن تكون بينهما جهة جامعة على ما سبق تقسيمه كقوله تعالى يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وقوله والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون وفائدة العطف جعلهما كالنظيرين والشريكين
وقد تكون العلاقة بينهما المضادة وهذا كمناسبة ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب والرغبة بعد الرهبة وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ليكون ذلك باعثا على العمل بما سبق ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه ليعلم عظم الآمر والناهى وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك
وقد تأتى الجملة معطوفة على ما قبلها ويشكل وجه الارتباط فتحتاج إلى شرح ونذكر من ذلك صورا يلتحق بها ما هو فى معناها
فمنها قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها الآية فقد يقال أى رابط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت والجواب من وجوه

(1/40)


أحدها كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الحكمة فى تمام الأهلة ونقصانها معلوم أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا فى واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر فى شىء وأنتم تحسبونها برا
الثانى أنه من باب الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج وكان هذا من أفعالهم فى الحج ففى الحديث أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإن أهل المدر نقب نقبا فى ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلما يصعد به وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم ليس البر بتحرجكم من دخول الباب لكن البر بر من اتقى ما حرم الله وكان من حقهم السؤال عن هذا وتركهم السؤال عن الأهلة ونظيره فى الزيادة على الجواب
قوله صلى الله عليه و سلم لما سئل عن المتوضىء بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته
الثالث أنه من قبيل التمثيل لما هم عليه من تعكيسهم فى سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت فقيل لهم ليس البر ما أنتم عليه من تعكيس الأسئلة ولكن البر من اتقى ذلك ثم قال الله سبحانه وأتوا البيوت من أبوابها أى باشروا الأمور من وجوهها التى يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا والمراد أن يصمم القلب على أن جميع أفعال الله حكمة منه وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون فإن فى السؤال اتهاما
ومنها قوله سبحانه وتعالى سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام

(1/41)


إلى المسجد الأقصى إلى أن قال واتينا موسى الكتاب فإنه قد يقال أى رابط بين الإسراء و وآتينا موسى الكتاب ووجه اتصالها بما قبلها أن التقدير أطلعناه على الغيب عيانا وأخبرناه بوقائع من سلف بيانا لتقوم أخباره على معجزته برهانا أى سبحان الذى أطلعك على بعض آياته لتقصها ذكرا وأخبرك بما جرى لموسى وقومه فى الكرتين لتكون قصتهما آية أخرى أو أنه أسرى بمحمد إلى ربه كما أسرى بموسى من مصر حين خرج منها خائفا يترقب ثم ذكر بعده ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ليتذكر بنو إسرائيل نعمة الله عليهم قديما حيث نجاهم من الغرق إذ لو لم ينج أباهم من أبناء نوح لما وجدوا وأخبرهم أن نوحا كان عبدا شكورا وهم ذريته والولد سر أبيه فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم لأنه يجب أن يسيروا سيرته فيشكروا
وتأمل كيف أثنى عليه وكيف تليق صفته بالفاصلة ويتم النظم بها مع خروجها مخرج المرور عن الكلام الأول إلى ذكره ومدحه بشكره وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان بما حملهم عليه ونجاهم منه حين أهلك من عداهم وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم فيما سلط عليهم من قتلهم
ثم عاد عليهم بالإحسان والإفضال كى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذى ولدهم وهم ذريته فلما صارو إلى جهالتهم وتمردوا عاد عليهم التعذيب
ثم ذكر تعالى في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة بكلمات قليلة العدد كثيرة الفوائد لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير والكلام الطويل مع ما اشتمل عليه من التدريج العجيب والموعظة العظيمة بقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم

(1/42)


فلها ولم ينقطع بذلك نظام الكلام إلى أن خرج إلى قوله عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا يعنى إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو ثم خرج خروجا آخر إلى حكمة القرآن لأنه الآية الكبرى وعلى هذا فقس الانتقال من مقام إلى مقام حتى ينقطع الكلام
وبهذا يظهر لك اشتمال القرآن العظيم على النوع المسمى بالتخلص وقد أنكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمى وقال ليس فى القرآن الكريم منه شيء لما فيه من التكلف وليس كما قال
ومن أحسن أمثلته قوله تعالى الله نور السموات والأرض الآية فإن فيها خمس تخلصات وذلك أنه جاء بصفة النور وتمثيله ثم تخلص منه الى ذكر الزجاجة وصفاتها ثم رجع الى ذكر النور والزيت يستمد منه ثم التخلص منه إلى ذكر الشجرة ثم تخلص من ذكرها إلى صفة الزيت ثم تخلص من صفة الزيت إلى صفة النور وتضاعفه ثم تخلص منه إلى نعم الله بالهدى على من يشاء
ومنه قوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع الآية فإنه سبحانه ذكر أولا عذاب الكفار وأن لا دافع له من الله ثم تخلص إلى قوله تعرج الملائكة والروح إليه بوصف الله ذى المعارج
ومنه قوله تعالى واتل عليهم نبأ إبرهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون

(1/43)


إلى قوله فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين فهذا تخلص من قصة إبراهيم وقومه إلى قوله هكذا وتمنى الكفار فى الدار الآخرة الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسل وهذا تخلص عجيب
وقوله قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون انتم واباءكم الاقدمون فإنهم عدو لى إلا رب العالمين الذى خلقنى فهو يهدين وذلك أنه لما أراد الانتقال من أحوال أصنامهم إلى ذكر صفات الله قال إن أولئك لى أعداء إلا الله فانتقل بطريق الاستثناء المنفصل
وقوله تعالى إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السموات والأرض ويعلم ما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم
وقوله تعالى فى سورة الصافات أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم وهذا من بديع التخلص فإنه سبحانه خلص من وصف المخلصين وما أعد لهم إلى وصف الظالمين وما أعد لهم
ومنه أنه تعالى فى سورة الأعراف ذكر الأمم الخالية والأنبياء الماضين من آدم عليه السلام إلى أن انتهى إلى قصة موسى عليه السلام فقال فى آخرها واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة إلى الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل وهو من بديع التخلص

(1/44)


واعلم أنه حيث قصد التخلص فلا بد من التوطئة له ومن بديعه قوله تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص يشير إلى قصة يوسف عليه السلام فوطأ بهذه الجملة إلى ذكر القصة يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحى والرمز وكقوله سبحانه موطئا للتخلص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام إن الله اصطفى آدم ونوحا الآية
ومنها قوله تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فإنه قد يقال ما وجه اتصاله بما قبله وهو قوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها الآية قال الشيخ أبو محمد الجوينى فى تفسيره سمعت أبا الحسين الدهان يقول وجه اتصالها هو أن ذكر تخريب بيت المقدس قد سبق أى فلا يجرمنكم ذلك واستقبلوها فإن لله المشرق والمغرب
ومنها قوله أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت الآية فإنه يقال ما وجه الجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض فى هذه الآية والجواب أنه جمع بينهما على مجرى الإلف والعادة بالنسبة إلى أهل الوبر فإن كل انتفاعهم فى معايشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر وهو سبب تقلب وجوههم فى السماء ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم وحصن يتحصنون به ولا شىء فى ذلك كالجبال ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم فى منزل عن التنقل من أرض إلى سواها فإذا نظرى البدوى فى خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور

(1/45)


ومنها قوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء فيقال أى ارتباط بينهما وجوابه أن المبتدأ وهو من خبره محذوف أى أفمن هو قائم على كل نفس تترك عبادته أو معادل الهمزة تقديره أفمن هو قائم على كل نفس كمن ليس بقائم ووجه العطف على التقديرين واضح اما الأول فالمعنى أتترك عبادة من هو قائم على كل نفس ولم يكف الترك حتى جعلوا له شركاء وأما على الثانى فالمعنى إذا انتفت المساواة بينهما فكيف تجعلون لغير المساوى حكم المساوى
ومنها قوله تعالى ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم إلى قوله والله لا يهدى القوم الظالمين أو كالذي مر على قرية عطف قصة على قصة مع أن شرط العطف المشاكلة فلا يحسن فى نظير الآية ألم تر إلى ربك أو كالذى
ووجه ما بينهما من المشابهة أن ألم تر بمنزلة هل رأيت كالذى حاج إبراهيم وإنما كانت بمنزلتها لأن ألم تر مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفى ولذلك يجاب ببلى والاستفهام يعطى النفى إذ حقيقة المستفهم عنه غير ثابتة عند المستفهم ومن ثم جاء حرف الاستفهام مكان حرف النفى ونفى النفى إيجاب فصار بمثابة رأيت غير أنه مقصود به الاستفهام ولم يمكن أن يؤتى بحرفه لوجوده فى اللفظ فلذلك أعطى معنى هل رأيت
فإن قلت من أين جاءت إلى ورأيت يتعدى بنفسه أجيب لتضمنه معنى تنظر
القسم الثانى ألا تكون معطوفة فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام وهى قرائن معنوية مؤذنة بالربط والأول مزج لفظى وهذا مزج معنوى تنزل الثانية من الأولى منزلة جزئها الثانى وله أسباب اسباب

(1/46)


أحدها التنظير فإن إلحاق النظير بالنظير من دأب العقلاء ومن أمثلته قوله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق عقب قوله أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم فإن الله سبحانه أمر رسوله أن يمضى لأمره فى الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره فى خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون وذلك أنهم اختلفوا فى القتال يوم بدر فى الأنفال وحاجوا النبى صلى الله عليه و سلم وجادلوه فكره كثير منهم ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم فى النفل فأنزل الله هذه الآية وأنفذ أمره بها وأمرهم أن يتقوا الله ويطيعوه ولا يعترضوا عليه فيما يفعله من شىء ما بعد أن كانوا مؤمنين ووصف المؤمنين ثم قال كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يريد أن كراهيتهم لما فعلته من الغنائم ككراهتهم للخروج معك
وقيل معناه أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق كقوله تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون
وقيل الكاف صفة لفعل مضمر وتأويله افعل فى الأنفال كما فعلت فى الخروج إلى بدر وإن كره القوم ذلك ونظيره قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم معناه كما أنعمنا عليكم بإرسال رسول من أنفسكم فكذلك أتم نعمتى عليكم فشبه كراهتهم ما جرى من أمر الأنفال وقسمتها بالكراهة فى مخرجه من بيته وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة وصلة فهو من نفس الكلام
وأما قوله تعالى كما أنزلنا على المقتسمين بعد قوله وقل إنى أنا

(1/47)


النذير المبين فإن فيه محذوفا كأنه قال أنا النذير المبين عقوبة أو عذابا مثل ما أنزلنا على المقتسمين
وأما قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به وقد اكتنفه من جانبيه قوله بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره وقوله كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة فهذا من باب قولك للرجل وأنت تحدثه بحديث فينتقل عنك ويقبل على شىء آخر أقبل على واسمع ما أقول وافهم عنى ونحو هذا الكلام ثم تصل حديثك فلا يكون بذلك خارجا عن الكلام الأول قاطعا له وإنما يكون به مشوقا للكلام وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أميا لا يقرأ ولا يكتب وكان إذا نزل عليه الوحى وسمع القرآن حرك لسانه بذكر الله فقيل له تدبر ما يوحى إليك ولا تتلقفه بلسانك فإنما نجمعه لك ونحفظه عليك
ونظيره قوله فى سورة المائدة اليوم يئس الذين كفروا من دينكم إلى قوله الإسلام دينا فإن الكلام بعد ذلك متصل بقوله أولا ذلكم فسق ووسط هذه الجملة بين الكلامين ترغيبا فى قبول هذه الأحكام والعمل بها والحث على مخالفة الكفار وموت كلمتهم وإكمال الدين ويدل على اتصال فمن اضطر بقوله ذلكم فسق آية الأنعام قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر

(1/48)


الثانى المضادة ومن أمثلته قوله تعالى فى سورة البقرة إن الذين كفروا سواء عليهم الآية فإنه أول السورة كان حديثا عن القرآن الكريم وأن من شأنه كيت وكيت وأنه لا يهدى القوم الذين من صفاتهم كيت وكيت فرجع إلى الحديث عن المؤمنين فلما أكمله عقب بما هو حديث عن الكفار فبينهما جامع وهمى بالتضاد من هذا الوجه وحكمته التشويق والثبوت على الأول كما قيل ... وبضدها تتبين الأشياء ...
فإن قيل هذا جامع بعيد لأن كونه حديثا عن المؤمنين بالعرض لا بالذات والمقصود بالذات الذى هو مساق الكلام إنما هو الحديث عن الكتاب لأنه مفتتح القول
قلنا لا يشترط فى الجامع ذلك بل يكفى التعلق على أى وجه كان ويكفى فى وجه الربط ما ذكرنا لأن القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به والحث على الإيمان به ولهذا لما فرغ من ذلك قال وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا الآية فرجع إلى الأول
الثالث الاستطراد كقوله تعالى يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون
قال الومخشرى هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس ولما فى العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب النقوى
وجعل القاضى أبو بكر فى كتاب إعجاز القرآن من الاستطراد قوله تعالى أولم

(1/49)


يروا إلى ما خلق الله من شىء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما فى السموات وما فى الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون
وقال كأن المراد أن يجرى بالقول الأول إلى الإخبار عن أن كل شىء يسجد لله عز و جل وإن كان ابتداء الكلام فى أمر خاص
انتهى وفيه نظر
ومنه الانتقال من حديث إلى آخر تنشيطا للسامع كقوله تعالى فى سورة ص بعد ذكر الأنبياء هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب فإن هذا القرآن نوع من الذكر لما انتهى ذكر الانبياء وهو نوع من التنزيل اراد أن يذكر نوعا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها فقال هذا ذكر فأكد تلك الإخبارات باسم الإشارة تقول أشير عليك بكذا ثم تقول بعده هذا الذى عندى والأمر إليك وقال وإن للمتقين لحسن مآب كما يقول المصنف هذا باب يشرع فى باب آخر ولذلك لما فرغ من ذكر أهل الجنة قال هذا وإن للطاغين لشر مآب
فصل
فى اتصال اللفظ والمعنى على خلاف
وقد يكون اللفظ متصلا بالآخر والمعنى على خلافه كقوله تعالى ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة فقوله كأن لم تكن بينكم وبينه مودة منظوم بقوله قال قد أنعم الله على لأنه موضع الشماتة وقوله كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون فإنه متصل بقوله وإن

(1/50)


فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك فى الحق بعدما تبين كأنما يساقون
وقوله ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم جواب الشرط قوله تعالى تولوا وأعينهم تفيض من الدمع وقوله قلت لا أجد ما أحملكم عليه داخل فى الشرط
وقوله وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلى قوله إلا قليلا فقوله إلا قليلا متصل بقوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم ومثل بقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته على تأويل ولولا فضل الله عليكم ورحمته إلا قليلا ممن لم يدخله فى رحمته واتبعوا الشيطان لا تبعتم الشيطان
ومما يحتمل الاتصال والانقطاع قوله تعالى فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يحتمل أن يكون متصلا بقوله فيها مصباح أى المصباح فى بيوت ويكون تمامه على قوله ويذكر فيها اسمه و يسبح له فيها رجال صفة للبيوت ويحتمل أن يكون منقطعا خبراا لقوله و رجال لا تلهيهم
ومما يتعين أن يكون منقطعا قوله ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين مستأنف لأنه لو جعل متصلا بيعزب لاختل المعنى إذ يصير عاى حد قولك ما يعزب عن ذهنى إلا فى كتاب أى استدراكه
وقوله فيه هدى للمتقين منهم من قضى باستئنافه على أنه مبتدأ وخبر ومنهم من قضى بجعل فيه خبر لا و هدى نصب على الحال فى تقدير هاديا

(1/51)


ولا يخفى انقطاع الذين يحملون العرش عن قوله أنهم أصحاب النار
وكذا فلا يحزنك قولهم عن قوله سبحانه إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون
وكذلك قوله فأصبح من النادمين عن قوله من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس

(1/52)


النوع الثالث
معرفة الفواصل ورءوس الآى
وهى كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع
وقال الدانى كلمة آخر الجملة
قال الجعبرى وهو خلاف المصطلح ولا دليل له فى تمثيل سيبويه يوم يأت و ما كنا نبغ وليسا رأس أى لأن مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ويلزم أبا عمرو إمالة من أعطى لأبى عمرو
وقال القاضى أبو بكر الفواصل حروف متشاكلة فى المقاطع يقع بها إفهام المعانى انتهى
وفرق الإمام أبو عمرو الدانى بين الفواصل ورءوس الآى قال أما الفاصلة فهى الكلام المنفصل مما بعده والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس وكذلك

(1/53)


الفواصل يكن رءوس أى وغيرها وكل رأس أية فاصلة وليس كل فاصلة رأس أية فالفاصلة تعم النوعين وتجمع الضربين ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه فى تمثيل القوافى يوم يأت و ما كنا نبغ وهما غيره رأس آيتين بإجماع مع إذا يسر وهو رأس آية بإتفاق انتهى
وتقع الفاصلة عند الاستراحة فى الخطاب لتحسين الكلام بها وهى الطريقة التى يباين القرآن بها سائر الكلام وتسمى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها ولم يسموها أسجاعا
فأما مناسبة فواصل فلقوله تعالى كتاب فصلت آياته وأما تجنب أسجاع فلأن أصله من سجع الطير فشرف القرآن الكريم أن يستعار لشىء فيه لفظ هو أصل فى صوت الطائر ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث فى اسم السجع الواقع فى كلام آحاد الناس ولأن القرآن من صفات الله عز و جل فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى ثم فرقوا بينهما فقالوا السجع هو الذي يقصد فى نفسه ثم يحيل المعنى عليه والفواصل التى تتبع المعانى ولا تكون مقصودة فى نفسها
قال الرمانى فى كتاب إعجاز القرآن وبنى عليه أن الفواصل بلاغة والسجع عيب وتبعه القاضى أبو بكر الباقلانى فى كتاب إعجاز القرآن ونقل عن الأشعرية امتناع كون فى القرآن سجعا قال ونص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري فى غير موضع من كتبه

(1/54)


قال وذهب كثير من مخالفيهم إلى إثبات السجع فى القرآن وزعموا أن ذلك مما تبين فيه فضل الكلام وأنه من الأجناس التى يقع بها التفاضل فى البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفاف ونحوها قال وأقوى ما استدلوا به الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون عليهما السلام ولما كان السجع قيل فى موضع هارون وموسى ولما كانت الفواصل فى موضع آخر بالواو والنون قيل موسى وهارون
قالوا وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع فى الخطاب إلا مقصودا إليه وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه شعرا وذلك القدر يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجوده فى الشعر وأما ما جاء فى القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه
قال وبنوا الأمر فى ذلك على تحديد معنى السجع قال أهل اللغة هو موالاة الكلام على وزن واحد قل ابن دريد سجعت الحمامة رددت صوتها
قال القاضى وهذا الذى يزعمونه غير صحيح ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعر معجز وكيف والسجع مما كانت

(1/55)


كهان العرب تألفه ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر لأن الكهانة تخالف النبوات بخلاف الشعر
وما توهموا أنه سجع باطل لأن مجيئه على صورته لا يقتضى كونه هو لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع وليس كذلك ما أتفق مما هو فى معنى السجع من القرآن لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى وفرق بين أن ينتظم الكلام فى نفسه بألفاظه التى تؤدى المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى قال و أما ما ذكروه فى تقديم موسى على هارون فى موضع وتأخيره عنه فى موضع لأجل السجع ولتساوى مقاطع الكلام فمردود بل الفائدة فيه إعادة القصة الوحداة بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحدا وذلك من الأمر الصعب الذى تظهر فيه الفصاحة وتقوى البلاغة ولهذا أعيدت كثير من القصص فى مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا

(1/56)


ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدى إلى تلك المعانى ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما حكى وجاء به وكيف وقد قال لهم فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فعلى هذا هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذى توهموه
إلى أن قال فبان بما قلنا أن الحروف الواقعة فى الفواصل مناسبة موقع النظائر التى تقع فى الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها فى باب السجع وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء فكان بعض مصاريعه كلمتين وبعضها يبلغ كلمات ولا يرون ذلك فصاحة بل يرونه عجزا فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع لقالوا نحن نعارضه بسجع معتدل فنزيد فى الفصاحة على طريق القرآن ونتجاوز حده فى البراعة والحسن انتهى ما ذكره القاضى والرمانى
رد عليهما الخفاجى فى كتاب سر الفصاحة فقال وأما قول الرمانى إن السجع عيب والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله وإن أراد به ما تقع المعانى تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله

(1/57)


قال وأظن أن الذى دعاهم إلى تسمية كل ما فى القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم فى تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض فى التسمية قريب والحقيقة ما قلناه
ثم قال والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة فى مقاطع الفواصل
فإن قيل إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا وما الوجه فى ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع قلنا إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لا سيما فيما يطول من الكلام فلم يرد كله مسجوعا جريا منه على عرفهم فى اللطيفة العالية من كلامهم ولم يخل من السجع لأنه يحسن فى بعض الكلام على الصفة السابقة وعليها ورد فى فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا فى الفصاحة وقد أدخل فيه بشرط من شروطها فهذا هو السبب فى ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه
وخصت فواصل الشعر باسم القوافى لأن الشاعر يقفوها أى يتبعها فى شعره لا يخرج عنها وهى فى الحقيقة فاصلة لأنها تفصل آخر الكلام فالقافية أخص فى الاصطلاح إذ كل قافية فاصلة ولا عكس
ويمتنع استعمال القافية فى كلام الله تعالى لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب

(1/58)


سلب القافية أيضا عنه لأنها منه وخاصة به فى الاصطلاح وكما يمتنع استعمال القافية فى القرآن لا تطلق الفاصالة فى الشعر لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه
قيل وقد يقع فى القرآن الإيطاء وهو ليس بقبيح فيه إنما يقبح فى الشعر كقوله تعالى فى سورة البقرة كأنهم لا يعلمون ثم قال فى آخرين لو كانوا يعلمون ثلاث فواصل متوالية يعلمون , يعلمون , يعلمون فهذا لا يقبح فى القرآن قولا واحدا
قيل ويقع فيه التضمين وليس بقبيح إنما يقبح فى الشعر ومنه سورتا الفيل وقريش فإن اللام فى لإيلاف قريش قيل إنها متعلقة جعلهم فى آخر الفيل
وحكى حازم فى منهاج البلغاء خلافا غريبا فقال وللناس فى الكلام المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب فى الكمية وتتناسب مقاطعها على ضرب منها أو بالنقلة من ضرب واقع فى ضربين أو أكثر إلى ضرب آخر مزدوج فى كل ضرب

(1/59)


ضرب منها أو يزيد على الازدواج ومن جهة ما يكون غير مقطع إلى مقادير بقصد تناسب أطرافها وتقارب ما بينها فى كمية الألفاظ والحروف ثلاثة مذاهب
منهم من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف غير متقاربة فى الطول والقصر لما فيه من التكلف إلا ما يقع به الإلمام فى النادر من الكلام
والثانى أن التناسب الواقع بإفراغ الكلام فى قوالب التقفيه وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدا
والثالث وهو الوسط أن السجع لما كان زينة للكلام فقد يدعو إلى التكلف فرئى ألا يستعمل فى الكلام وأن لا يخلى الكلام بالجملة منه أيضا ولكن يقبل من الخاطر فيه ما اجتلبه عفوا بخلاف التكلف وهذا رأى أبى الفرج قدامة
قال حازم وكيف يعاب السجع على الإطلاق وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع فى كلام العرب وإنما لم يجيء على أسلوب واحد لأنه لا يحسن فى الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف ولما فى الطبع من الملل عليه ولأن الافتنان فى ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد فلهذا وردت بعض أى القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل
إيقاع المناسبة فى مقاطع الفواصل
واعلم أن إيقاع المناسبة فى مقاطع الفواصل حيث تطرد متأكد جدا ومؤثر فى اعتدال نسق الكلام وحسن موقعه من النفس تأثيرا عظيما ولذلك خرج عن نظم الكلام لأجلها فى مواضع

(1/60)


أحدها زيادة حرف لأجلها ولهذا ألحقت الألف ب الظنون فى قوله تعالى وتظنون بالله الظنونا لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات منقلبة عن تنوين فى الوقف فزيد على النون ألف لتساوى المقاطع وتناسب نهايات الفواصل ومثله فأضلونا السبيلا وأطعنا الرسولا
وأنكر بعض المغاربة ذلك وقال لم تزد الألف لتناسب رءوس الآى كما قال قوم لأن فى سورة الأحزاب والله يقول الحق وهو يهدى السبيل وفيها فأضلونا السبيلا وكل واحد منها رأس آية وثبتت الألف بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك فى الثانى دون الأول فلو كان لتناسب رءوس الآى لثبت من الجميع
قال وإنما زيدت الألف فى مثل ذلك لبيان القسمين واستواء الظاهر والباطن بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك وكذلك لحاق هاء السكت فى قوله ماهيه فى سورة القارعة هذه الهاء عدلت مقاطع الفواصل فى هذه السورة وكان للحاقها فى هذا الموضع تأثير عظيم فى الفصاحة
وعلى هذا والله أعلم ينبغى أن يحمل لحاق النون فى المواضع التى قد تكلم فى لحاق النون إياها نحو قوله تعالى وكل فى فلك يسبحون وقوله تعالى كونوا قردة خاسئين فإن من مآخذ الفصاحة ومذاهبها أن يكون ورود هذه النون فى مقاطع هذه الأنحاء للآى راجح الأصالة في الفصاحة لتكون فواصل السور الوارد فيها ذلك قد استوثق فيما قبل حروفها المتطرفة وقوع حرفى المد واللين

(1/61)


وقوله تعالى وطور سينين وهو طور سيناء لقوله وشجرة تخرج من طور سيناء
وقوله تعالى لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون كرر لعل مراعاة لفواصل الآى إذ لو جاء على الأصل لقال لعلى أرجع إلى الناس فيعلموا بحذف النون على الجواب
الثانى حذف همزة أو حرف اطرادا كقوله تعالى والليل إذا يسر
الثالث الجمع بين المجرورات وبذلك يجاب عن سؤال فى قوله تعالى ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإنه قد توالت المجرورات بالأحرف الثلاثة وهى اللام فى لكم والباء فى به وعلى فى علينا وكان الأحسن الفصل
وجوابه أن تأخر تبيعا وترك الفصل أرجح من أن يفصل به بين بعض الروابط وكذلك الآيات التى تتصل بقوله ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإن فواصلها كلها منصوبة منونة فلم يكن بد من تأخير قوله تبيعا لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ما قبلها حتى تتناسق على صورة واحدة
الرابع تأخير ما أصله أن يقدم كقوله تعالى فأوجس فى نفسه خيفة موسى لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول لكن أخر الفاعل وهو موسى لأجل رعاية الفاصلة
قلت للتأخير حكمة أخرى وهى أن النفس تتشوق لفاعل أوجس فإذا جاء بعد أن أخر وقع بموقع

(1/62)


وكقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فإن قوله وأجل مسمى معطوف على كلمة ولهذا رفع والمعنى ولولا كلمة سبقت من ربك فى التأخير وأجل مسمى لكان العذاب لزاما لكنه قدم وأخر لتشتبك رءوس الآى قاله ابن عطية
وجوز الزمخشرى عطفه على الضمير فى لكان أى لكان الأجل العاجل وأجل مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأجل العاجل
ومنه قوله تعالى ولقد جاء آل فرعون النذر فأخر الفاعل لأجل الفاصلة
وقوله ومما رزقناهم ينفقون أخر الفعل عن المفعول فيها وقدمه فيما قبلها فى قوله يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة لتوافق رءوس الآى قاله أبو البقاء وهو أجود من قول الزمخشرى قدم المفعول للاختصاص
ومنه تأخير الاستعانة عن العبادة فى قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وهى قبل العبادة وإنما أخرت لأجل فواصل السورة فى أحد الأجوبة
الخامس إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى إن المتقين فى جنات ونهر قال الفراء الأصل الأنهار وإنما وحد لأنه رأس آية فقابل بالتوحيد رءوس

(1/63)


الآى ويقال النهر الضياء والسعة فيخرج من هذا البالب
وقوله وما كنت متخذ المضلين عضدا قال ابن سيده فى المحكم أى أعضادا وإنما أفرد ليعدل رءوس الآى بالإفراد والعضد المعين
السادس جمع ما أصله أن يفرد كقوله تعالى لا بيع فيه ولا خلال فإن المراد ولا خلة بدليل الآية الأخرى لكن جمعه لأجل مناسبة رءوس الآى
السابع تثنية ما أصله أن يفرد كقوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال الفراء هذا باب مذهب العرب فى تثنية البقعة الواحدة وجمعها كقوله ديار لها بلرقمتين وقوله بطن المكتين وأشير بذلك إلى نواحيها أو للإشعار بأن لها وجهين وأنك إذا أوصلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت فى كلتا الناحيتين ما يملأ عينك قرة وصدرك مسرة

(1/64)


قال وإنما ثناهما لأجل الفاصلة رعاية للتى قبلها والتى بعدها على هذا الوزن والقوافى تحتمل فى الزيادة والنقصان مالا يحتمله سائر الكلام
وأنكر ذلك ابن قتيبة عليه وأغلظ وقال إنما يجوز فى رءوس الآى زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همزة أو حرف فأما أن يكون الله وعد جنتين فنجعلهما جنة واحدة من أجل رءوس الآى فمعاذ الله وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين قال ذواتا أفنان ثم قال فيها فيهما ولو أن قائلا قال فى خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم الله تسعة عشر لرأس الآية ما كان هذا القول إلا كقول الفراء
قلت وكأن الملجىء للفراء إلى ذلك قوله تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى وعكس ذلك قوله تعالى فلا يخر جنكما من الجنة فتشقى على أن هذا قابل للتأويل فإن الألف واللام للعموم خصوصا أنه يرد على الفراء قوله ذواتا أفنان
الثامن تأنيث ما أصله أن يذكر كقوله تعالى كلا إنه تذكرة وإنما عدل إليها للفاصلة
التاسع كقوله سبح اسم ربك الأعلى وقال فى العلق اقرأ باسم

(1/65)


ربك الذى خلق فزاد فى الأولى الأعلى وزاد فى الثانية خلق مراعاة للفواصل فى السورتين وهى فى سبح الذى خلق فسوى وفى العلق خلق الإنسان من علق
العاشر صرف ما أصله ألا ينصرف كقوله تعالى قواريرا قواريرا صرف الأول لأنه آخر الآية وآخر الثانى بالألف فحسن جعله منونا ليقلب تنوينه ألفا فيتناسب مع بقية الآى كقوله تعالى سلاسلا وأغلالا فإن سلاسلا لما نظم إلى أغلالا وسعيرا صرف ونون للتناسب وبقى قوارير الثانى فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه لأنه لما نون قواريرا الأول ناسب أن ينون قواريرا الثانى ليتناسبا ولاجل هذا لم ينون قواريرا الثاني إلا من ينون قواريرا الأول
وزعم إمام الحرمين فى البرهان أن من ذلك صرف ما كان جمعا فى القرآن ليناسب رءوس الآى كقوله تعالى سلاسلا وأغلالا
وهذا مردود لأن سلاسلا ليس رأس آية ولا قواريرا الثانى وإنما صرف للتناسب واجتماعه مع غيره من المنصرفات فيرد إلى الأصل ليتناسب معها
ونظيره فى مراعاة المناسبة أن الأفصح أن يقال بدأ ثلاثى قال الله تعالى كما بدأكم تعودون وقال تعالى كيف بدأ الخلق ثم قال أولم يروا كيفف يبدىء الله الخلق ثم يعيده فجاء به رباعيا فصيحا لما حسنه من التناسب بغيره وهو قوله يعيده

(1/66)


الحادى عشر إمالة ما أصله ألا يمال كإمالة ألف والضحى والليل إذا سجى ليشاكل التلفظ بهما التلفظ بما بعدهما
والإمالة أن تنجو بالألف نحو الياء والغرض الأصلى منها هو التناسب وعبر عنه بعضهم بقوله الإمالة للإمالة وقد يمال لكونها آخر مجاور ما أميل آخره كألف تلا فى قوله تعالى والقمر إذا تلاها فأميلت ألف تلاها ليشاكل اللفظ بها اللفظ الذى بعدها مما ألفه غير ياء نحو جلاها و غشاها
فإن قيل هلا جعلت إمالة تلاها لمناسبة ما قبلها أعنى ضحاها قيل لأن ألف ضحاها عن واو وإنما أميل لمناسبة ما بعده
الثانى عشر العدول عن صيغة المضى إلى الاستقبال كقوله تعالى ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون حيث لم يقل وفريقا قتلتم كما سوى بينهما فى سورة الأحزاب فقال فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وذلك لأجل أنها هنا رأس آية

(1/67)


تفريعات
ختم مقاطع الفواصل بحروف المد واللين
ثم هنا تفريعات
الأول قد كثر فى القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك
قال سيبويه رحمه الله أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ما ينون وما لا ينون لأنهم أرادوا مد الصوت

(1/68)


وإذا أنشدوا ولم يترنموا فأهل الحجاز يدعون القوافى على حالها فى الترنم وناس من بنى تميم يبدلون مكان المدة النون انتهى
وجاء القرآن على أعذب مقطع وأسهل موقف
مبنى الفواصل على الوقف
الثانى إن مبنى الفواصل على الوقف ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ومنه قوله تعالى إنا خلقناهم من طين

(1/69)


لازب مع تقدم قوله عذاب واصب و شهاب ثاقب وكذا بماء منهمر و قد قدر وكذا وما لهم من دونه من وال مع وينشىء السحاب الثقال
وعبارة السكاكى قد تعطى اشتراط كون السجع يشترط فيه الموافقة فى الإعراب لما قبله على تقدير عدم الوقوف عليه كما يشترط ذلك فى الشعر وبه صرح ابن الخشاب معترضا على قول الحريرى فى المقامة التاسعة والعشرين ... يا صارفا عنى المودة ... والزمان له صروف ... ومعنفى فى فضح من ... جاوزت تعنيف العسوف ... لا تلحنى فيما أتيت ... فإننى بهم عروف ... ولقد نزلت بهم فلم ... أرهم يراعون الضيوف ... وبلوتهم فوجدتهم ... لما سبكتهمو زيوف ...
ألا ترى أنها إذا أطلقت ظهر الأول والثالث مرفوعين والرابع والخامس منصوبين

(1/70)


والثانى مجرورا وكذا باقى القصيدة
والصواب أن ذلك ليس بشرط لما سبق ولا شك أن كلمة الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها لأن الغرض المجانسة بين القرائن والمزاوجة ولا يتم ذلك إلا بالوقف ولو وصلت لم يكن بد من إجراء كل القرائن على ما يقتضيه حكم الإعراب فعطلت عمل الساجع وفوت غرضهم
وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها لغرض الازدواج فيقولون آتيك بالغدايا والعشايا مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة فما ظنك بهم فى ذلك

(1/71)


المحافظة على الفواصل لحسن النظم والتئامه
الثالث ذكر الزمخشرى فى كشافه القديم أنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعانى على سدادها على النهج الذى يقتضيه حسن النظم والتئامه كما لا يحسن تخير الألفاظ المونقة فى السمع السلسلة على اللسان إلا مع مجيئها منقادة للمعانى الصحيحة المنتظمة فأما أن تهمل المعانى ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤاده على بال فليس من البلاغة فى فتيل أو نقير ومع ذلك يكون قوله وبالآخرة هم يوقنون وقوله ومما رزقناهم ينفقون لا يتأتى فيه ترك رعاية التناسب فى العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة لأن ذلك أمر لفظى لا طائل تحته وإنما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص
تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب فى الحروف
الرابع أن الفواصل تنقسم إلى ما تماثلت حروفه فى المقاطع وهذا يكون فى السجع وإلى ما تقاربت حروفه فى المقاطع ولم تتماثل وهذا لا يكون سجعا ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين أعنى المتماثل والمتقارب من أن يأتى طوعا سهلا تابعا للمعانى أو متكلفا يتبعه المعنى
فالقسم الأول هو المحمود الدال على الثقافة وحسن البيان والثانى هو المذموم فأما القرآن فلم يرد فيه إلا القسم الأول لعلوه فى الفصاحة وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة

(1/72)


مثال المتماثلة قوله تعالى والطور وكتاب مسطور فى رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع
وقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى
وقوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا قأثرن به نقعا فوسطن به جمعا
وقوله تعالى والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر إلى آخره وحذفت الياء من يسر طلبا للموافقة فى الفواصل
وقوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وجميع هذه السورة على الازدواج
وقوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوارى الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس

(1/73)


وقوله تعالى فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق
وقوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر
وقوله تعالى أمرنا مترفيها ففسقوا فيها
وقوله تعالى ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون
وقوله تعالى فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون
وقوله تعالى كلا إذا بلغت التراقى وقيل من راق الآية
وقوله تعالى لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا
ومثال المتقارب فى الحروف فوله تعالى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين
وقوله تعالى ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال

(1/74)


الكافرون هذا شىء عجيب
وهذا لا يسمى سجعا قطعا عند القائلين بإطلاق السجع فى القرآن لأن السجع ما تماثلت حروفه
إذا علمت هذا فاعلم أن فواصل القرآن الكريم لا تخرج عن هذين القسمين بل تنحصر فى المتماثلة والمتقاربة وبهذا يترجح مذهب الشافعى على مذهب أبى حنيفة فى عد الفاتحة سبع آيات مع البسملة وذلك لأن الشافعى المثبت لها فى القرآن قال صراط الذين الخ السورة آية واحدة وأبو حنيفة لما أسقط البسملة من الفاتحة قال صراط الذين أنعمت عليهم آية و غير المغضوب عليهم آية ومذهب الشافعى أولى لأن فاصلة قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا تشابه فاصلة الآيات المتقدمة ورعاية التشابه فى الفواصل لازم وقوله أنعمت عليهم ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع وقد اتفق الجميع على أن الفاتحة سبع آيات لكن الخلاف فى كيفية العدد
تقسيم الفواصل باعتبار المتوازى والمتوازن والمطرف
الخامس قسم البديعيون السجع والفواصل أيضا إلى متواز ومطرف ومتوازن
وأشرفها المتوازى وهو أن تتفق الكلمتان فى الوزن وحروف السجع كقوله تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة وقوله والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بنى إسرائيل

(1/75)


والمطرف أن يتفقا فى حروف السجع لافى الوزن كقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا
والمتوازن أن يراعى فى مقاطع الكلام الوزن فقط كقوله تعالى ونمارق مصفوفة وزرابى مبثوثة
وقوله تعالى وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم فلفظ الكتاب والصراط متوازنان ولفظ المستبين والمستقيم متوازنان
وقوله فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن
وقوله تعالى كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى
وقوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى إلى آخرها
وقوله والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى إلى آخرها وقد تكرر فى سورة حمعسق فى قوله تعالى والذين يجادلون فى الله من بعد

(1/76)


ما استجيب له إلى آخر الآيات السبع فجمع فى فواصلها بين شديد وقريب وبعيد وعزيز ونصيب وأليم وكبير على هذا الترتيب وهو فى القرآن كثير وفى المفصل خاصة فى قصاره
ومنهم من يذكر بدله الترصيع وهو أن يكون المتقدم من الفقرتين مؤلفا من كلمات مختلفة والثانى مؤلفا من مثلها فى ثلاثة أشياء وهى الوزن والتقفيه وتقابل القرائن قيل ولم يجىء هذا القسم فى القرآن العظيم لما فيه من التكلف
وزعم بعضهم أن منه قوله تعالى إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم وليس كذلك لورود لفظة إن و لفى كل واحد من الشطرين وهو مخالف لشرط الترصيع إذ شرطه اختلاف الكلمات فى الشطرين جميعا
وقال بعض المغاربة سورة الواقعة من نوع الترصيع وتتبع آخر آيها يدل على أن فيها موازنة
قالوا وأحسن السجع ما تساوت قرائنه ليكون شبيها بالشعر فإن أبياته متساوية كقوله تعالى فى سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وعلته أن السمع ألف الانتهاء إلى غاية فى الخفة بالأولى فإذا زيد عليها ثقل عنه الزائد لأنه يكون عند وصولها إلى مقدار الأول كمن توقع الظفر بمقصوده
ثم طالت قرينته الثانية كقوله والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى أو الثالثة كقوله تعالى خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم فى سلسلة

(1/77)


ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه وهو إما قصير كقوله والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا
أو طويل كقوله إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور
أو متوسط كقوله اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر
ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام
السادس اعلم أن من المواضع التى يتأكد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام وأواخره وإيقاع الشىء فيها بما يشاكله فلا بد أن تكون مناسبة للمعنى المذكور أولا وإلا خرج بعض الكلام عن بعض
وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك لكن منه ما يظهر ومنه ما يستخرج بالتأمل للبيب
وهى منحصرة فى أربعة أشياء التمكين والتوشيح والإيغال والتصدير
والفرق بينها أنه أن كان تقدم لفظها بعينه فى أول الآية سمى تصديرا وإن كان فى

(1/78)


أثناء الصدر سمى توشحيا وإن أفادت معنى زائدا بعد تمام معنى الكلام سمى إيغالا وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما صدره يدل على عجزه والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية ودلالة التوشيح معنوية
الأول التمكين وهو أن تمهد قبلها تمهيدا تأتى به الفاصلة ممكنة فى مكانها مستقرة فى قرارها مطمئنة فى موضعها غير نافذة ولا قلقة متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم
وهذا الباب يطلعك على سر عظيم من أسرار القرآن فاشدد يديك به
ومن أمثلته قوله تعالى ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله وكفى الله المؤمنين القتال لأوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار فى اعتقادهم أن الريح التى حدثت كانت سبب رجوعهم ولم يبلغوا ما أرادوا وأن ذلك أمر اتفاقى فأخبر سبحانه فى فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة ليعلم المؤمنين ويزيدهم يقينا وإيمانا على أنه الغالب الممتنع وأن حزبه كذلك وأن تلك الريح التى هبت ليست اتفاقا بل هى من إرساله سبحانه على أعدائه كعادته وأنه ينوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا وينصرهم مرة بالقتال كيوم بدر وتارة بالريح كيوم الأحزاب وتارة بالرعب كبنى النضير وطورا ينصر عليهم كيوم أحد تعريفا لهم أن الكثرة لا تغنى شيئا وأن النصر من عنده كيوم حنين
ومنه قوله تعالى أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون فى

(1/79)


مساكنهم إن فى ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون فانظر إلى قوله فى صدر الآية التى الموعظة فيها سمعية أولم يهد لهم ولم يقل أولم يروا وقال بعد ذكر الموعظة أفلا يسمعون لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع أو أخبار القرون وهو كما يسمع وكيف قال فى صدر الآية التى موعظتها مرئية أولم يروا وقال بعدها أفلا يبصرون لأن سوق الماء إلى الأرض الجرز مرئى
ومنه قوله تعالى قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد فإنه لما تقدم ذكر العبادة والتصرف فى الأموال كان ذلك تمهيدا تاما لذكر الحلم والرشد لأن الحلم الذى يصح به التكليف والرشد حسن التصرف فى الأموال فكان آخر الآية مناسبا لأولها مناسبة معنوية ويسميه بعضهم ملاءمة
ومنه قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير فإنه سبحانه لما قدم نفى إدراك الأبصار له عطف على ذلك قوله وهو اللطيف خطابا للسامع بما يفهم إذ العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار ألا ترى أن حاسة البصر إنما تدرك اللون من كل متلون والكون من كل متكون فإدراكها إنما هو للمركبات دون المفردات ولذلك لما قال وهو يدرك الأبصار عطف عليه قوله الخبير مخصصا لذاته سبحانه بصفة الكمال لأنه ليس كل من أدرك شيئا كان خبيرا بذلك الشىء لأن المدرك للشىء قد يدركه ليخبره ولما كان الأمر أخبر سبحانه وتعالى

(1/80)


أنه يدرك كل شىء مع الخبرة به وإنما خص الإبصار بإدراكه ليزيد فى الكلام ضربا من المحاسن يسمى التعطف ولو كان الكلام لا تبصره الأبصار وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا اللطيف الخبير مناسبتين لما قبلهما
ومنه قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السموات وما فى الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد إلى قوله لرءوف رحيم إنما فصل الأولى ب لطبف خبير لأن ذلك فى موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وإخراج النبات من الأرض ولأنه خبير بنفعهم وإنما فصل الثانية ب غنى حميد لأنه قال له ما فى السموات وما فى الأرض أى لا لحاجة بل هو غنى عنهما جواد بهما لأنه ليس غنى نافعا غناه إلا إذا جاد به وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه واستحق عليه الحمد فذكر الحمد على أنه الغنى النافع بغناه خلقه وإنما فصل الثالثة برؤوف رحيم لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما فى الأرض لهم وإجراء الفلك فى البحر لهم وتسييرهم فى ذلك الهول العظيم وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع حسن ختامه بالرأفة والرحمة
ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى فى سورة الأنعام وهو الذى جعل لكم النجوم الآيات
وقوله تعالى له ما فى السموات وما فى الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد فقال الغنى الحميد لينبه على أن ما له ليس لحاجة بل هو غنى عنه جواد به وإذا جاد به حمده المنعم عليه إذ حميد كثير المحاميد الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائض فيكون غنيا مفسرا بالغنى المطلق لا يحتاج فيه لتقدير غنى عنه

(1/81)


ومنه قوله تعالى قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرسدا إلى يوم القيامة صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذى تنفذ فيه الأبصار إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار النهار كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والليل كأنه لا موجود سواه إذ جعل سرمدا منسوبا إليه سبحانه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تسمعون لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلى الذى يصلح للاستماع ولا يصلح للإبصار
وكذلك قال فى الآية التى تليها قل أريتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد وهو ظرف مضىء تنور فيه الأبصار وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار الليل كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والنهار كأنه لا موجود سواه إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تبصرون إذ الظرف مضىء صالح للإبصار وهذا من دقيق المناسبة المعنوية
ومنه قوله تعالى فى أول سورة الجاثية إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون
فإن البلاغة تقتضى أن تكون فاصلة الآية الأولى للمؤمنين لأنه

(1/82)


سبحانه ذكر العلم بجملته حيث قال السموات والأرض ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم وإن دل على وجود صانع مختار لدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته فلا بد أولا من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات
وكذلك قوله فى الآية الثانية لقوم يوقنون فإن سر الإنسان وتدبر خلقة الحيوان أقرب إليه من الأول وتفكره فى ذلك مما يزيده يقينا فى معتقده الأول
وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح يقتضى رجاحة العقل ورصانته لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذى صنع العالم الكلى التى هى أجرامه وعوارض عنه ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا فقد قام البرهان على أن للعالم الكلى صانعا مختارا فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة لقوم يعقلون وإن احتيج إلى العقل فى الجميع إلا أن ذكره هاهنا أنسب بالمعنى الأول إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل
ومنه قوله تعالى حكاية عن لقمان يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير
ومنه قوله تعالى أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون والمناسبة فيه قوية لأن من دل عدوه على عورة نفسه وأعطاه سلاحه

(1/83)


ليقتله به فهو جدير بأن يكون مقلوب العقل فلهذا ختمها بقوله أفلا تعقلون
وهذه الفاصلة لا تقع إلا فى سياق إنكار فعل غير مناسب فى العقل نحو قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون لأن فاعل غير المناسب ليس بعاقل
وقوله تعالى قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ختم بصفة العلم إشارة إلى الإحاطة بأحوالنا وأحوالكم وما نحن عليه من الحق وما أنتم عليه من الباطل وإذا كان عالما بذلك فنسأله القضاء علينا وعليكم بما يعلم منا ومنكم
فصل
وقد تجتمع فواصل فى موضع واحد ويخالف بينها وذلك فى مواضع
منها فى أوائل النحل وذلك أنه سبحانه بدأ فيها بذكر الأفلاك فقال خلق السموات والأرض بالحق ثم ذكر خلق الإنسان فقال من نطفة وأشار إلى عجائب الحيوان فقال والأنعام ثم عجائب النبات فقال هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون فجعل مقطع هذه الآية التفكر لأنه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر المختار

(1/84)


وفيه جواب عن سؤال مقدر وهو أنه لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال لا جرم كان مجال التفكر والنظر والتأمل باقيا إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال من وجهين
أحدهما أن تغيرات العالم الأسفل مربوطة بأحوال حركات الأفلاك فتلك الحركات حيث حصلت فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل وإن كان من الخالق الحكيم فذلك الإقرار بوجود الإله تعالى وهذا هو المراد بقوله تعالى وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون فجعل مقطع هذه الآية العقل والتقدير كأنه قيل إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك وهو الإله القادر المختار
والثانى أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها فى غاية الحمرة والآخر فى غاية السواد فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت فى الآثار فعلمنا أن المؤثر قادر مختار وهذا هو المراد من قوله وما ذرأ لكم فى الأرض مختلفا ألوانه إن فى ذلك لآية لقوم يذكرون كأنه قيل قد ذكرنا ما يرسخ فى عقلك أن الموجب بالذات والطبع لا يختلف تأثيره فإذا نظرت إلى حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع بل الفاعل المختار فلهذا جعل مقطع الآية التذكر

(1/85)


تنبيه
من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين فى موضعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة وذلك قوله تعالى فى سورة إبراهيم وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار م قال فى سورة النحل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم
قال القاضى ناصر الدين بن المنير فى تفسيره الكبير كأنه يقول إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان كونك ظلوما وكونك كفارا ولى عند إعطائها وصفان وهما أنى غفور رحيم أقابل ظلمك بغفرانى وكفرك برحمتى فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازى جفاءك إلا بالوفاء انتهى
وهو حسن لكن بقى سؤال آخر وهو ما الحكمة فى تخصيص آية النحل بوصف النعيم وآية إبراهيم بوصف المنعم عليه والجواب أن سياق الآية فى سورة إبراهيم فى وصف الإنسان وما جبل عليه فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه وأما آية النحل فسيقت فى وصف الله تعالى وإثبات ألوهيته وتحقيق صفاته فناسب ذكر وصفه سبحانه فتأمل هذه التراكيب ما أرقاها فى درجة البلاغة
ونظيره قوله تعالى فى سورة الجاثية من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها

(1/86)


ثم إلى ربكم ترجعون وفى فصلت من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد
وحكمة فاصلة الأولى أن قبلها قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى قوما بما كانوا يكسبون فناسب الختام بفاصلة البعث لأن قبله وصفهم بإنكاره وأما الأخرى فالختام بها مناسب أى لأنه لا يضيع عملا صالحا ولا يزيد على من عمل شيئا
ونظيره قوله فى سورة النساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ختم الآية مرة بقوله فقد افترى إثما عظيما ومرة بقوله ضلالا بعيدا لأن الأول نزل فى اليهود وهم الذين افتروا على الله ما ليس فى كتابه والثانى نزل فى الكفار ولم يكن لهم كتاب وكان ضلاهم أشد
وقوله فى المائدة ومن لم يحكم بما أنزل الله فذكرها ثلاث مرات وختم الأولى بالكافرين والثانية بالظالمين والثالثة بالفاسقين فقيل لأن الأولى نزلت فى أحكام المسلمين والثانية نزلت فى أحكام اليهود والثالثة نزلت فى أحكام النصارى
وقيل ومن لم يحكم بما أنزل الله إنكارا له فهو كافر ومن لم يحكم بالحق مع اعتقاد الحق وحكم بضده فهو ظالم ومن لم يحكم بالحق جهلا وحكم بضده فهو فاسق
وقيل الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى واحد وهو الكفر عبر عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة واجتناب صورة التكرار وقيل غير ذلك

(1/87)


تنبيه
عكس هذا اتفاق الفاصلتين والمحدث عنه مختلف كقوله تعالى فى سورة النور يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم إلى قوله كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ثم قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم
قال ابن عبد السلام فى تفسيره فى الأولى عليم بمصالح عباده حكيم فى بيان مراده وقال فى الثانية عليم بمصالح الأنام حكيم ببيان الأحكام ولم يتعرض للجواب عن حكمة التكرار
تنبيه
حق الفاصلة فى هذا القسم تمكين المعنى المسوق إليه كما بينا ومنه قوله تعالى ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة إنك أنت العزيز الحكيم ووجه مناسبته أن بعث الرسول تولية والتولية لا تكون إلا من عزيز غالب على ما يريد وتعليم الرسول الحكمة لقومه إنما يكون مستندا إلى حكمة مرسله لأن الرسول واسطة بين المرسل والمرسل إليه فلا بد وأن يكون حكيما فلا جرم كان اقترانهما مناسبا

(1/88)


وقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم وجه المناسبة فى الحكم محمول على قول مجاهد إن من حضر الموصى فرأى منه جنفا على الورثة فى وصيته مع فقرهم فوعظه فى ذلك وأصلح بينه وبينهم حتى رضوا فلا إثم عليه وهو غفور للموصى إذا ارتدع بقول من وعظه فرجع عما هم به وغفرانه لهذا برحمته لاخفاء به والإثم المرفوع عن القائل يحتمل أن يكون إثم التبديل السابق فى الآية قبلها فى قوله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه يعنى من الموصى أى لا يكون هذا المبدل داخلا تحت وعيد من بدل على العموم لأن تبديل هذا تضمن مصلحة راجحة فلا يكون كغيره وقد أشكل على ذلك مواضع منها قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فإن قوله وإن تغفر لهم يوهم أن الفاصلة الغفور الرحيم وكذا نقلت عن مصحف أبى رضى الله عنه وبها قرأ ابن شنبود ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز لان العزير في صفات الله هو الغالب من قولهم عزه يعزه عزا إذا غلبه ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا لأن الحكيم من يضع الشىء فى محله فالله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة فى بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة فكان فى الوصف بالحكيم احتراس حسن أى وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد فى ذلك والحكمة فيما فعلته وقيل وقيل لا يجوز الغفور الرحيم لأن الله تعالى قطع لهم بالعذاب فى قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وقيل لأنه

(1/89)


مقام تبر فلم يذكر الضفة المقتضية استمطار العفو لهم وذكر صفة العدل فى ذلك بأنه العزيز الغالب وقوله الحكيم الذى يضع الأشياء مواضعها فلا يعترض عليه إن عفا عمن يستحق العقوبة
وقيل ليس هو على مسألة الغفران وإنما هو على معنى تسليم الأمر إلى من هو أملك لهم ولوقيل فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه لا لنبى ولا لغيره وأما قوله فإنهم عبادك وهم عباده عذبهم أو لم يعذبهم فلأن المعنى إن تعذبهم تعذب من العادة أن تحكم عليه وذكر العبودية التى هى سبب القدرة كقول رؤبة ... يا رب إن أخطأت أو نسيت ... فأنت لا تنسى ولا تموت ...
والله لا يضل ولا ينسى ولا يموت أخطأ رؤبة أو أصاب فكأنه قال إن أخطأت تجاوزت لضعفى وقوتك ونقصى وكمالك
ونظير هذه الآية قوله تعالى فى سورة براءة أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم والجواب ما ذكرناه
ومثله قوله تعالى فى سورة الممتحنة ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم
ومثله فى سورة غافر فى قول السادة الملائكة ومن صلح من آبائهم وأزواحهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم
ومنه قوله تعالى والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا

(1/90)


فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم فإن الذى يظهر فى أول النظر أن الفاصلة تواب رحيم لأن الرحمة مناسبة للتوبة وخصوصا من هذا الذنب العظيم ولكن هاهنا معنى دقيق من أجله قال حكيم وهو أن ينبه على فائدة مشروعية اللعان وهى الستر عن هذه الفاحشة العظيمة وذلك من عظيم الحكم فلهذا كان حكيم بليغا فى هذا المقام دون رحيم
ومن خفى هذا الضرب قوله تعالى فى سورة البقرة خلق لكم ما فى الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شىء عليم
وقوله فى آل عمران قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى السموات وما فى الأرض والله على كل شىء قدير فإن المتبادر إلى الذهن فى آية البقرة الختم بالقدرة وفى آية آل عمران الختم بالعلم لكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة فى الآيتين وكذلك قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة مع أن ظاهر الخطاب ذو عقوبة شديدة وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى فى الاجتراء على معصيته وذلك أبلغ فى التهديد ومعناه لا تغتروا بسعة رحمة الله تعالى فى الاجتراء على معصيته فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم
وقريب منه رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا

(1/91)


وأما قوله تعالى ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم فمناسبة الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر على قتال المشركين وهم زهاء ألف متوكلين على الله تعالى وقال المنافقون غر هؤلاء دينهم حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثرهم قال الله تعالى ردا على المنافقين وتثبيتا للمؤمنين ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم فى جميع أفعاله
وأما قوله تعالى وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا فإن قيل ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب تسابيح الأشياء وتنزيهها أجاب صاحب الفنون بثلاثة أوجه
أحدها إن فسرنا التسبيح على ما درج فى الأشياء من العبر وأنها مسبحات بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح المعتبر المتأمل فكأنه سبحانه يقول إنه كان من كبير إغفالكم النظر فى دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك وموضع العتب قوله وكأين من دابة فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون كذلك موضع المعتبة قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقد كان ينبغى أن يعرفوا بالتأمل ما يوجب القربة لله مما أودع مخلوقاته بما يوجب تنزيهه فهذا موضع حلم وغفران عما جرى فى ذلك من الإفراط والإهمال
الثانى إن جعلنا التسبيح حقيقة فى الحيوانات بلغاتها فمعناه الأشياء كلها تسبحه

(1/92)


وتحمده ولا عصيان فى حقها وأنتم تعصون فالحلم والغفران للتقدير فى الآية وهو العصيان
وفى الحديث لولا بهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا
الثالث أنه سبحانه قال فى أولها يسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح بحمده أى أنه كان لتسابيح المسبحين حليما عن تفريطهم غفورا لذنوبهم ألا تراه قال فى موضع آخر والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم وكأنها اشتتملت على ثلاثة معان إما العفو عن ترك البحث المؤدى إلى الفهم لما فى الأشياء من العبر وأنتم على العصيان أو يريد بها الأشياء كلها تسبحه ومنها ما يعصيه ويخالفه فيغفر عصيانهم بتسابيحهم
تنبيه
قد تكون الفاصلة لا نظير لها فى القرآن كقوله تعالى عقب الأمر بالغض فى سورة النور إن الله خبير بما يصنعون وقوله عقب الأمر بطلب الدعاء والإجابة لعلهم يرشدون وقيل فيه تعريض بليلة القدر أى لعلهم يرشدون إلى معرفتها

(1/93)


وإنما يحتاجون للإرشاد إلى ما لا يعلمون فإن هذه الآية الكريمة ذكرت عقب الأمر بالصوم وتعظيم رمضان وتعليمهم الدعاء فيه وأن أرحى أوقات الإجابة فيه ليلة القدر
الثانى التصدير كقوله تعالى لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى
وقوله فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
وقوله خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتى فلا تستعجلون
وقوله فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه وقوله فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون
وقوله فما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون
وقوله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون فجعل لفاصلة يزرون لجناس أوزارهم وإنما قال على ظهورهم ولم يقل على رءوسهم لأن الظهر أقوى للحمل فأشار إلى ثقل الأوزار
وقوله فقلت استغفروا ربكم إنه كان عفارا

(1/94)


وقوله وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه
وقوله أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا
وقوله رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين
الثالث التوشيح ويسمى به لكون نفس الكلام يدل على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح ولهذا قيل فيه إن الفاصلة تعلم قبل ذكرها
وسماه ابن وكيع المطمع لأن صدره مطمع فى عجزه كقوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين
وقوله إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين فإن معنى اصطفاء المذكورين يعلم منه الفاصلة إذ المذكورون نوع من جنس العالمين
وقوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون فإنه من كان حافظا لهذه السورة متيقظا إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة وسمع فى صدر هذه الآية وآية لهم الليل نسلخ منه النهار علم أن الفاصلة مظلمون فإن من انسلخ النهار عن ليلة أظلم ما دامت تلك الحال

(1/95)


وقوله يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فإن قوله ليروا أعمالهم يدل على التقسيم
وقوله وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
وقوله ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير
الرابع الإيغال وسمى به لأن المتكلم قد تجاوز المعنى الذى هو آخذ فيه وبلغ إلى زيادة على الحد يقال أوغل فى الأرض الفلانية إذا بلغ تمنهاها فهكذا المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه بزيادة فيه فقد أوغل كقوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فإن الكلام تم بقوله ومن أحسن من الله حكما ثم احتاج إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا
وكقوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فإن المعنى قد تم بقوله ولا تسمع الصم الدعاء ثم أراد أن يعلم تمام الكلام بالفاصلة فقال إذا ولوا مدبرين

(1/96)


فإن قيل ما معنى مدبرين وقد أغنى عنها ولوا قلت لا يغنى عنها ولوا فإن التولى قد يكون بجانب دون جانب بدليل قوله أعرض ونأى بجانبه وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا ولا شك أنه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صم لا يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر توليهم فى حال الخطاب لينفى عنهم الفهم الذى يحصل من الإشارة فإن الأصم يفهم بالإشارة ما يفهم السميع بالعبارة ثم إن التولى قد يكون بجانب مع لحاظه بالجانب الآخر فيحصل له إدراك بعض الإشارة فجعل الفاصلة مدبرين ليعلم أن التولى كان بجميع الجوانب بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا فاحتجب المخاطب عن المخاطب أو صار من وراثه فخفيت عن عينه الإشارة كما صم أذناه عن العبارة فحصلت المبالغة من عدم الإسماع بالكلية وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفى الإسماع البتة فهو من إيغال الاحتياط الذى أدمجت فيه المبالغة فى نفى الاسماع
وقد يأتى الاحتياط فى غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة فى ضروب من الكلام شتى يحملها معنى واحد كقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله الآية
وقوله فأتوا بسورة من مثله
وقوله فأتوا بعشر سور مثله كما يقول الرجل لمن يجحد ما يستحق على درهما ولا دانقا ولا حبة ولا كثيرا ولا قليلا ولو قال ما يستحق على شيئا لأغنى فى الظاهر لكن التفصيل أدل على الاحتياط وعلى شدة الاستتبعاد فى الإنكار
ومنه قوله تعالى اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون فإن المعنى تم

(1/97)


بقوله أجرا ثم زاد الفاصلة لمناسبة رءوس الآى فأوغل بها كما ترى حتى أتى بها تفيد معنى زائدا على معنى الكلام
فصل
فى ضابط الفواصل
ذكره الجعبرى ولمعرفتها طريقان توقيفى وقياسى
الأول التوقيفى روى أبو داود عن أم سلمة لما سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت كان يقطع قراءته آية آية وقرأت بسم الله الرحمن الرحيم إلى الذين تقف على كل آية فمعنى يقطع قراءته آية آية أى يقف على كل آية وإنما كانت قراءته صلى الله عليه و سلم كذلك ليعلم رءوس الآى
قال ووهم فيه من سماه وقف السنة لأن فعله عليه السلام إن كان تعبدا فهو مشورع لنا وإن كان لغيره فلا فما وقف عليه السلام عليه دائما تحققنا أنه فاصلة وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريفهما أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة والوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها
الثانى القياسى وهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب ولا محذور فى ذلك لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل والوقف على كل كلمة جائز ووصل القرآن كله جائز فاحتاج القياسى إلى طريق تعرفه فأقول فاصلة الآية كقرينة السجعة فى النثر وقافية البيت فى النظم وما يذكر من عيوب القافية من

(1/98)


اختلاف الحذو والإشباع والتوجيه فليس بعيب فى الفاصلة وجاز الانتقال فى الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة من نوع إلى آخر بخلاف قافية القصيد
ومن ثم ترى يرجعون مع عليم و الميعاد مع الثواب و الطارق مع الثاقب
والأصل فى الفاصلة والقرينة المتجردة فى الآية والسجعة المساواة ومن ثم أجمع العادون على ترك عد ويأت بآخرين و ولا الملائكة المقربون بالنساء و كذب بها الأولون بسبحان و لتبشر به المتقين بمريم و لعلهم يتقون

(1/99)


بطه من الظلمات إلى النور و أن الله على كل شىء قدير بالطلاق لم يشاكل طرفيه
وعلى ترك عد أفغير دين الله يبغون بآل عمران أفحكم الجاهلية يبغون بالمائدة وعدوا نظائرها للمناسبة نحو لأولى الألباب بآل عمران و على الله كذبا بالكهف و والسلوى بطه
وقد يتوجه الأمران فى كلمة فيختلف فيها فمنها البسملة وقد نزلت بعض آية فى النمل وبعضها فى أثناء الفاتحة فى بعض الأحرف السبعة
فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها آية ولم يحتج إلى إثباتها بالقياس للنص المتقدم خلافا للدانى ومن قرأ بحرف لم تنزل معه لم يعدها ولزمه من الإجماع على أنها سبع آيات أن يعد عوضها وهو بعد اهدنا
لقوله صلى الله عليه و سلم عن الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين

(1/100)


أى قراءة الصلاة تعد منها ولا للعبد إلا هاتان و المستقيم محقق فقسمتا بعدها قسمين فكانت عليهم الأولى وهى مماثلة فى الروى لما قبلها
ومنها حروف الفواتح فوجه عدها استقلالها على الرفع والنصب ومناسبة الروى والردف ووجه عدمه الاختلاف فى الكمية والتعلق على الجزء
ومنها بالبقرة عذاب أليم و إنما نحن مصلحون فوجه عده مناسبة الروى ووجه عدمه تعلقه بتاليه
ومنها إلى بنى إسرائيل بآل عمران حملا على ما فى الأعراف والشعراء والسجدة والزخرف
ومنها فبشر عباد بالزمر لتقدير تاليه مفعولا ومبتدأ
ومنها والطور و الرحمن و الحاقة و القارعة و العصر حملا على والفجر و الضحى للمناسبة لكن تفاوتت فى الكمية

(1/101)


النوع الرابع
فى
جمع الوجوه والنظائر
وقد صنف فيه قديما مقاتل بن سليمان وجمع فيه من المتأخرين ابن الزاغونى وأبو الفرج بن الجوزى والدامغانى الواعظ وأبو الحسين بن فارس وسمى كتابه الأفراد
فالوجوه اللفظ المشترك الذى يستعمل فى عدة معان كلفظ الأمة
والنظائر كالألفاظ المتواطئة
وقيل النظائر فى اللفظ والوجوه فى المعانى وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجمع فى الألفاظ المشتركة وهم يذكرون فى تلك الكتب اللفظ الذى معناه واحد فى مواضع كثيرة فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام والنظائر نوعا آخر كالأمثال
وقد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن حيث كانت الكلمة الواحدة تنصرف إلى عشرين وجها أو أكثر أو أقل ولا يوجد ذلك فى كلام البشر

(1/102)


وذكر مقاتل فى صدر كتابه حديثا مرفوعا لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة
فمنه الهدى سبعة عشر حرفا
بمعنى البيان كقوله تعالى أولئك على هدى من ربهم
وبمعنى الدين إن الهدى هدى الله
وبمعنى الإيمان ويزيد الله الذين اهتدوا هدى
وبمعنى الداعى ولكل قوم هاد وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
وبمعنى الرسل والكتب فإما يأتينكم منى هدى
وبمعنى المعرفة وبالنجم هم يهتدون
وبمعنى الرشاد اهدنا الصراط المستقيم
وبمعنى محمد صلى الله عليه و سلم إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما تبين لهم الهدى
وبمعنى القرآن ولقد جاءهم من ربهم الهدى

(1/103)


وبمعنى التوراة ولقد آتينا موسى الهدى
وبمعنى الاسترجاع أولئك هم المهتدون ونظيرها فى التغابن ومن يؤمن بالله أى فى المصيبة أنها من عند الله يهد قلبه للاسترجاع
وبمعنى الحجة والله لا يهدى القوم الظالمين بعد قوله ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه أى لا يهديهم إلى الحجة
وبمعنى التوحيد إن نتبع الهدى معك
وبمعنى السنة وإنا على آثارهم مهتدون
وبمعنى الإصلاح وأن الله لا يهدى كيد الخائنين
وبمعنى الإلهام أعطى كل شىء خلقه ثم هدى هدى كلا فى معيشته
وبمعنى التوبة إنا هدنا إليك أى تبنا
وهذا كثير الأنواع

(1/104)


وقال ابن فارس فى كتاب الأفراد
كل ما فى كتاب الله من ذكر الأسف فمعناه الحزن كقوله تعالى فى قصة يعقوب عليه السلام يا أسفا على يوسف إلا قوله تعالى فلما آسفونا فإن معناه أغضبونا وأما قوله فى قصة موسى عليه السلام غضبان أسفا فقال ابن عباس مغتاظا
وكل ما فى القرآن من ذكر البروج فإنها الكواكب كقوله تعالى والسماء ذات البروج إلا التى فى سورة النساء ولو كنتم فى بروج مشيدة فإنها القصور الطوال المرتفعة فى السماء الحصينة
وما فى القرآن من ذكر البر والبحر فإنه يراد بالبحر الماء وبالبر التراب اليابس غير واحد فى سورة الروم ظهر الفساد فى البر والبحر فإنه بمعنى البرية والعمران وقال بعض علمائنا فى البر قتل ابن آدم أخاه وفى البحر أخذ الملك كل سفينة غصبا
والبخس فى القرآن النقص مثل قوله تعالى فلا تخاف بخسا ولا رهقا إلا حرفا واحدا فى سورة يوسف وشروه بثمن بخس فإن أهل التفسير قالوا بخس حرام
وما فى القرآن من ذكر البعل فهو الزوج كقوله تعالى وبعولتهن أحق

(1/105)


بردهن إلا حرفا واحدا فى الصافات أتدعون بعلا فإنه أراد صنما
وما فى القرآن من ذكر البكم فهو الخرس عن الكلام بالإيمان كقوله صم بكم إنما أراد بكم عن النطق والتوحيد مع صحة ألسنتهم إلا حرفين أحدهما فى سورة بنى إسرائيل عميا وبكما وصما والثانى فى سورة النحل قوله عز و جل أحدهما أبكم فإنهما فى هذين الموضعين اللذان لا يقدران على الكلام وكل شىء فى القرآن جثيا فمعنا جميعا إلا التى فى سورة الشريعة وترى كل أمة جاثية فإنه أراد تجثو على ركبتيها
وكل حرف فى القرآن حسبان فهو من العدد غير حرف فى سورة الكهف حسبانا من السماء فإنه بمعنى العذاب
وكل ما فى القرآن حسرة فهو الندامة كقوله عز و جل يا حسرة على العباد إلا التى فى سورة آل عمران ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم فإنه يعنى به حزنا
وكل شىء فى القرآن الدحض و الداحض فمعناه الباطل كقوله حجتهم داحضة إلا التى فى سورة الصافات فكان من المدحضين وكل حرف فى القرآن من رجز فهو العذاب كقوله تعالى فى قصة بنى إسرائيل

(1/106)


لئن كشفت عنا الرجز إلا فى سورة المدثر والرجز فاهجر فإنه يعنى الصنم فاجتنبوا عبادته
وكل شىء فى القرآن من ريب فهو شك غير حرف واحد وهو قوله تعالى نتربص به ريب المنون فإنه يعنى حوادث الدهر
وكل شىء فى القرآن يرجمنكم و يرجموكم فهو القتل غير التى فى سورة مريم عليها السلام لأرجمنك يعنى لأشتمنك
قلت وقوله رجما بالغيب أى ظنا والرجم أيضا الطرد واللعن ومنه قيل للشيطان رجيم
وكل شىء فى القرآن من زور فهو الكذب ويراد به الشرك غير التى فى المجادلة منكرا من القول وزورا فإنه كذب غير شرك
وكل شىء فى القرآن من زكاة فهو المال غير التى فى سورة مريم وحنانا من لدنا وزكاة فإنه يعنى تعطفا
وكل شىء فى القرآن من زاغوا ولا تزغ فإنه من مالوا ولا تمل غير واحد فى سورة الأحزاب وإذا زاغت الأبصار بمعنى شخصت
وكل شىء فى القرآن من يسخرون وسخرنا فإنه يراد به الاستهزاء غير التى فى سورة الزخرف ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فإنه أراد أعوانا وخدما
وكل سكينة فى القرآن طمأنينة فى القلب غير واحد فى سورة البقرة فيه سكينة

(1/107)


من ربكم فإنه يعنى شيئا كرأس الهرة لها جناحان كانت فى التابوت
وكل شىء فى القرآن من ذكر السعير فهو النار والوقود إلا قوله عز و جل إن المجرمين فى ضلال وسعر فإنه العناد
وكل شىء فى القرآن من ذكر شيطان فإنه إبليس وجنوده وذريته إلا قوله تعالى فى سورة البقرة وإذا خلوا إلى شياطينهم فإنه يريد كهنتهم مثل كعب ان الأشرف وحيى بن أخطب وأبى ياسر أخيه
وكل شهيد فى القرآن غير القتلى فى الغزو فهم الذين يشهدون على أمور الناس إلا التى فى سورة البقرة قوله عز و جل وادعوا شهداءكم فإنه يريد شركاءكم
وكل ما فى القرآن من أصحاب النار فهم اهل النار إلا قوله وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة فإنه يريد خزنتها
وكل صلاة فى القرآن فهى عبادة ورحمة إلا قوله تعالى وصلوات ومساجد فإنه يريد بيوت عبادتهم
وكل صمم فى القرآن فهو عن الاستماع للإيمان غير واحد فى بنى اسرائيل قوله عز و جل عميا وبكما وصما معناه لا يسمعون شيئا
وكل عذاب فى القرآن فهو التعذيب إلا قوله عز و جل وليشهد عذابهما فإنه يريد الضرب
والقانتون المطيعون لكن قوله عز و جل فى البقرة كل له قانتون

(1/108)


معناه مقرون وكذلك فى سورة الروم وله من فى السموات والأرض كل له قانتون يعنى مقرون بالعبودية
وكل كنز فى القرآن فهو المال إلا الذى فى سورة الكهف وكان تحته كنز لهما فإنه أراد صحفا وعلما
وكل مصباح فى القرآن فهو الكوكب إلا الذى فى سورة النور المصباح فى زجاجة فإنه السراج نفسه
النكاح فى القرآن التزوج إلا قوله جل ثناؤه حتى إذ بلغوا النكاح فإنه يعنى الحلم
النبأ والأنباء فى القرآن الأخبار إلا قوله تعالى فعميت عليهم الأنباء فإنه بمعنى الحجج
الورود فى القرآن الدخول إلا فى القصص ولما ورد ماء مدين يعنى هجم عليه ولم يدخله
وكل شىء فى القرآن من لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يعنى عن العمل إلا التى فى سورة النساء إلا ما آتاها يعنى النفقة
وكل شىء فى القرآن من يأس فهو القنوط إلا التى فى الرعد أفلم ييئس الذين آمنوا أى ألم يعلموا قال ابن فارس أنشدنى أبى فارس بن زكريا

(1/109)


أقول لهم بالشعب إذ ييسروننى ... ألم تيئسوا أنى ابن فارس زهدم ...
قال الصاغانى البيت لسحيم بن وثيل اليربوعى
وكل شىء فى القرآن من ذكر الصبر محمود إلا قوله عز و جل لولا أن صبرنا عليها و واصبروا على آلهتكم انتهى ما ذكره ابن فارس
وزاد غيره كل شىء فى القرآن لعلكم فهو بمعنى لكى غير واحد فى الشعراء لعلكم تخلدون فإنه للتشبيه أى كأنكم
وكل شىء فى القرآن أقسطوا فهو بمعنى العدل إلا واحد فى الجن وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا يعنى العادلين الذين يعدلون به غيره هذا باعتبار صورة اللفظ وإلا فمادة الرباعى تخالف مادة الثلاثى
وكل كسف فى القرآن يعنى جانبا من السماء غير واحد فى سورة الروم ويجعله كسفا يعنى السحاب قطعا
وكل ماء معين فالمراد به الماء الجارى غير الذى فى سورة تبارك فإن المراد به الماء الطاهر الذى تناله الدلاء وهى زمزم

(1/110)


وكل شىء فى القرآن لئلا فهو بمعنى كيلا غير واحد فى الحديد لئلا يعلم أهل الكتاب يعنى لكى يعلم
وكل شىء فى القرآن من الظلمات الى النور فهو بمعنى الكفر والإيمان غير واحد فى أول الأنعام وجعل الظلمات والنور يعنى ظلمة الليل ونور النهار
وكل صوم فى القرآن فهو الصيام المعروف إلا الذى فى سورة مريم إنى نذرت للرحمن صوما يعنى صمتا
وذكر أبو عمرو الدانى فى قوله تعالى واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر أن المراد بالحضور هنا المشاهدة قال وهو بالظاء بمعنى المنع والتحويط قال ولم يأت بهذا المعنى إلا فى موضع واحد وهو قوله تعالى فكانوا كهشيم المحتظر
قيل وكل شىء فى القرآن وما أدراك فقد أخبرنا به وما فيه وما يدريك فلم يخبرنا به حكاه البخارى رحمه الله فى تفسيره واستدرك بعضهم عليه موضعا وهو قوله وما يدريك لعل الساعة قريب
وقيل الإنفاق حيث وقع القرآن فهو الصدقة إلا قوله تعالى فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فإن المراد به المهر وهو صدقة فى الأصل تصدق الله بها على النساء

(1/111)


النوع الخامس
علم المتشابه
وقد صنف فيه جماعة ونظمه السخاوى وصنف فى توجيهه الكرمانى كتاب البرهان والرازى درة التأويل وأبو جعفر بن الزبير وهو أبسطها فى مجلدين
وهو إيراد القصة الواحدة فى صور شتى وفواصل مختلفة ويكثر فى إيراد القصص والأنباء وحكمته التصرف فى الكلام وإتيانه على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكررا وأكثر أحكامه تثبت من وجهين فلهذا جاء باعتبارين
وفيه فصول
الفصل الأول
المتشابه باعتبار الأفراد
الأول باعتبار الأفراد وهو على أقسام

(1/112)


الأول أن يكون فى موضع على نظم وفى آخر على عكسه وهو يشبه رد العجز على الصدر ووقع فى القرآن منه كثير
ففى البقرة وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفى الأعراف وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا
وفى البقرة والنصارى والصابئين وفى الحج والصابئين والنصارى
فى البقرة والأنعام قل إن هدى الله هو الهدى وفى آل عمران قل إن الهدى هدى الله
فى البقرة ويكون الرسول عليكم شهيدا وفى الحج شهيدا عليكم
فى البقرة وما أهل به لغير االله وباقى القرآن لغير الله به

(1/113)


فى البقرة لا يقدرون على شىء مما كسبوا وفى إبراهيم مما كسبوا على شىء
فى آل عمران ولتطمئن قلوبكم به وفى الأنفال ولتطمئن به قلوبكم
فى النساء كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وفى المائدة كونوا قوامين لله شهداء بالقسط
فى الأنعام لا إله إلا هو خالق كل شىء وفى حم المؤمن خالق كل شىء لا إله إلا هو
فى الأنعام نحن نرزقكم وإياهم وفى بنى إسرائيل نرزقهم وإياكم
فى النحل وترى الفلك مواخر فيه وفى فاطر فيه مواخر
فى بنى إسرائيل ولقد صرفنا للناس فى هذا القرآن وفى الكهف فى هذا القرآن للناس
فى بنى إسرائيل قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم وفى العنكبوت بينى وبينكم شهيدا

(1/114)


فى المؤمنين لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل وفى النمل لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل
فى القصص وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى وفى يس وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى
فى آل عمران قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر وفى كهيعص وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا
الثانى ما يشتبه بالزيادة والنقصان ففى البقرة سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم وفى يس وسواء بزيادة واو لأن ما فى البقرة جملة هى خبر عن اسم إن وما فى يس جملة عطفت بالواو على جملة
فى البقرة فأتوا بسورة من مثله وفى غيرها بإسقاط من لأنها للتبعيض ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة حسن دخول من فيها ليعلم أن التحدى واقع على جميع القرآن من أوله إلى آخره بخلاف غيرها من السور فإنه لو دخلها من لكان التحدى واقعا على بعض السور دون بعض ولم يكن ذلك بالسهل
فى البقرة فمن تبع هداى وفى طه فمن اتبع هداى لأجل قوله هناك يتبعون الداعى

(1/115)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية