صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الإتقان في علوم القرآن
المؤلف : جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعد هذا آيتين - لقد جاءكم رسول - إلى آخر السورة. وقال مكي وغيره: ترتيب الآيات في السور بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة. وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. وقال أيضا: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هوهذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، ز أن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسوله من آي السور لم يقدم من ذلك مؤخر ولا منه مقدم، وإن الأمة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد رتب سوره، وأن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده ولم يتول ذلك بنفسه. قال: وهذا الثاني أقرب. وأخرج عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البغوي في شرح السنة: الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أوأنقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أ، قدموا شيئا وأخروا، أووضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا، فثبت أن سعى الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ في اللوح على هذا الترتيب، أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة. وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة. وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما أجمع الصحابة على وضعه في المصحف.لله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعد هذا آيتين - لقد جاءكم رسول - إلى آخر السورة. وقال مكي وغيره: ترتيب الآيات في السور بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة. وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. وقال أيضا: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هوهذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، ز أن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسوله من آي السور لم يقدم من ذلك مؤخر ولا منه مقدم، وإن الأمة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد رتب سوره، وأن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده ولم يتول ذلك بنفسه. قال: وهذا الثاني أقرب. وأخرج عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البغوي في شرح السنة: الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أوأنقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أ، قدموا شيئا وأخروا، أووضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا، فثبت أن سعى الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ في اللوح على هذا الترتيب، أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة. وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة. وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما أجمع الصحابة على وضعه في المصحف.

(1/72)


فصل وأما ترتيب السور فهل هوتوفيقي أيضا، أوهوباجتهاد من الصحابة أيضا؟ خلاف، فجمهور العلماء على الثاني، منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه. قال ابن فارس: جمع القرآن على ضربين: أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة. وأما الجمع الآخر وهوجمع الآيات في السور فهوتوفيقي، تولاه النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه مما استدل به، ولذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول وهومصحف علي، كان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة ثم النساء ثم آل عمران على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبي وغيره. وأخرج ابن أشتة في المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس بن حبان بن يحيى عن أبي محمد القرشي قال: أمرهم عثمان وذهب إلى الأول جماعة: منهم القاضي في أحد قوليه. قال أبو بكر بن الأنباري: أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل النبي صلى الله عليه وسلم على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قدم سورة أوأخرها فقد أفسد نظم القرآن، وقال الكرماني في البرهان: ترتيب السور هكذا هوعند الله في الكتاب المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولا - واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله - فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين. وقال الطيبي: أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ. قال الزركشي في البرهان: والخلاف بين الفريقين لفظي، لأن القائل بالثاني يقول إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هوبتوقيف قولي أوبمجرد إسناد فعلي بحيث لهم فيه مجال للنظر، وسبقه إلى ذلك أبوجعفر بن الزبير. وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان السابق. ومال ابن عطية إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده. وقال أبوجعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل ينمكن أن يجري فيه الخلاف كقوله اقرأوا الزهراوين البقرة وآل عمران رواه مسلم. كحديث سعيد بن خالد قرأ صلى الله عليه وسلم بالسبع الطوال في ركعة رواه ابن أبي اشتة في مصنفه، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع المفصل في ركعة. وروى البخاري عن ابن مسعود أنه قال فيبني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها. وفي البخاري أنه صلى الله عيه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ - قل هو الله أحد والمعوذتين . وقال أبوجعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث واثلة أعطيت مكان التوراة السبع الطوال قال: فهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه في ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد، لأنه جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأليف القرآن. وقالا بن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي. وقال ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعضها أومعظمها لا يمتنع أن يكون توفيقيا. قال: ومما يدل على أن ترتيبها توفيقي ما أخرجه أحمد وأبوداود عن أوس بن أبي أوس عن حذيفة الثقفي قال كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف الحديث وفيه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1/73)


طرأ على حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: كيف تخربون القرآن؟ قالوا: نخربه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى نختم. قال: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هوفي المصحف الآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحتمل أن الذي كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه. قلت: وما يدل على أنه توفيقي كون الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء بل فصل بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس مع أنها أقصر منهما، ولوكان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء وأخرت طس عن القصص، والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي وهوأن جميع السور ترتيبها توفيقي إلا براءة والأنفال، ولا ينبغي أن يستدل بقراءته صلى الله عليه وسلم سورا ولاء على أن ترتيبها كذلك. وحينئذ فلا يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران، لأن ترتيب السور في القراء ليس بواجب، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز. وأخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به ومن كان معه فيه واجتماعهم على علمهم فهذا مما ينتهي إليه ولا يسأل عنه.أ على حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: كيف تخربون القرآن؟ قالوا: نخربه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى نختم. قال: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هوفي المصحف الآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحتمل أن الذي كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه. قلت: وما يدل على أنه توفيقي كون الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء بل فصل بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس مع أنها أقصر منهما، ولوكان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء وأخرت طس عن القصص، والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي وهوأن جميع السور ترتيبها توفيقي إلا براءة والأنفال، ولا ينبغي أن يستدل بقراءته صلى الله عليه وسلم سورا ولاء على أن ترتيبها كذلك. وحينئذ فلا يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران، لأن ترتيب السور في القراء ليس بواجب، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز. وأخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به ومن كان معه فيه واجتماعهم على علمهم فهذا مما ينتهي إليه ولا يسأل عنه.

(1/74)


خاتمة السبع الطوال أولها البقرة وآخرها براءة، كذا قال جماعة، لكن أخرج الحاكم والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال: السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها. وفي رواية صحيحة عن ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد وسعيد بن جبير أنها يونس، وتقدم عن ابن عباس مثله في النوع الأول. وفي رواية عند الحاكم أنها الكهف. والمئون: ما وليها، سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أوتقاربها. والمثاني: ما ولى المئتين لأنها ثنتها: أي كانت بعدها فهي لها ثوان، والمئون لها أوائل. وقال الفراء: هي السورة التي آيها أقل من مائة آية، لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون. وقيل لتثنية الأمثال منها بالعبر والخبر، حكاه النكزاوي. وقال في جمال القراء: هي السور التي تثنيت فيها القصص، وقد تطلق على القرآن كله وعلى الفاتحة كما تقدم. والمفصل: ما ولى المثاني من قصار السور، سمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة. وقيل لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالمحكم أيضا، كما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم وآخره سورة الناس بلا نزاع. واختلف في أوله على اثني عشر قولا: أحدها: ق لحديث أوس السابق قريبا. الثاني: الحجرات، وصححه النروي. الثالث: القتال، عزاه الماوردي للاكثرين. الرابع: الجاثية. حكاه القاضي عياض. الخامس: الصافات. السادس: الصف. السابع: تبارك، حكى الثلاثة ابن أبي الصيف اليمنى في نكته عن التنبيه. الثامن: الفتح، حكاه الكمال الذماري في شرح التبيه. التاسع: الرحمن، حكاه ابن السيد في أماليه على الموطأ. العاشر: الإنسان. الحادي عشر: سبح: حكاه ابن الفركاح في تعليقه على المرزوقي. الثاني عشر: الضحى، حكاه الخطابي. ووجهه بأن القارئ يفصل بين السور بالتكبير. وعبارة الراغب في مفرداته: المفصل من القرآن السبع الأخير.
فائدة للمفصل طوال وأوساط وقصار، قال ابن معن: فطواله إلى عم وأوساطه منها إلى الضحى ومنها إلى آخر القرآن قصاره، هذا أقرب ما قيل فيه.
تنبيه أخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن نافع عن ابن عمر أنه ذكر عنده المفصل فقال: وآي القرآن ليس بمفصل، ولكن قولوا قصار السور وصغار السور. وقد استدل بهذا على جواز أن يقال سورة قصيرة وصغيرة، وقد كره ذلك جماعة منهم أبو العالية، ورخص فيه آخرون، ذكره ابن أبي داود. وأخرج عن ابن سيرين وأبي العالية قالا: لا تقل سورة خفيفة، فإنه تعالى يقول - إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا - ولكن سورة يسيرة.

(1/75)


فائدة قال ابن أشتة في كتاب المصاحف: أنبأنا محمد بن يعقوب، حدثنا أبوداود، حدثنا أبوجعفر الكوفي قال: هذا تأليف مصحف أبي: الحمد ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ثم يونس ثم الأنفال ثم براءة ثم هود ثم مريم ثم الشعراء ثم الحج ثم يوسف ثم الكهف ثم النحل ثم أحزاب ثم بني إسرائيل ثم الزمر أولها حم ثم طه ثم الأنبياء ثم النور ثم المؤمنون ثم سبأ ثم العنكبوت ثم المؤمن ثم الرعد ثم القصص ثم النمل ثم الصافات ثم ص ثم يس ثم الحجر ثم حمعسق ثم الروم ثم الحديد ثم الفتح ثم القتال ثم الظهار ثم تبارك الملك ثم السجدة ثم إنا أرسلنا نوحا ثم الأحقاف ثم ق ثم الرحمن ثم الواقعة ثم الجن ثم النجم ثم سأل سائل ثم المزمل ثم المدثر ثم اقتربت ثم حم الدخان ثن لقمان ثم الجاثية ثم الطور ثم الذاريات ثم ن ثم الحاقة ثم الحشر ثم الممتحنة ثم المرسلات ثم عم يتساءلون ثم لا أقسم بيوم القيامة ثم إذا الشمس كورت ثم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ثم النازعات ثم التغابن ثم عبس ثم المطففين ثم إذا السماء انشقت ثم والتين والزيتون ثم اقرأ باسم ربك ثم الحجرات ثم المنافقون ثم الجمعة ثم لم تحرم ثم الفجر ثم لا أقسم بهذا البلد ثم والليل ثم إذا السماء انفطرت ثم والشمس وضحاها ثم والسماء والطارق ثم سبح اسم ربك ثم الغاشية ثم الصف ثم التغابن ثم سورة أهل الكتاب وهي لم يكن ثم الضحى ثم ألم نشرح ثم القارعة ثم التكاثر ثم العصر ثم سورة الخلع ثم سورة الحقد ثم ويل لكل همزة إذا زلزلت ثم العاديات ثم الفيل ثم لئيلاف قريش ثم أرأيت ثم إنا أعطيناك ثم القدر ثم الكارون ثم إذا جاء نصر الله ثم تبت ثم الصمد ثم الفلق ثم الناس. قال ابن أشتة أيضا: وأخبرنا أبو الحسن بن نافع أن أبا جعفر محمد بن عبد الحميد قال: تأليف مصحف عبد الله بن مسعود. الطوال: البقرة والنساء وآل عمران والأعراف والأنعام والمائدة ويونس. والمئين: براءة والنحل وهود ويوسف والكهف وبني إسرائيل والأنبياء وطه والمؤمنون والشعراء والصافات. والمثاني: الأحزاب والحج والقصص وطس النمل والنور والأنفال ومريم والعنكبوت والروم ويس والفرقان والحجر والرعد وسبأ والمالئة وإبراهيم وص والذين كفروا ولقمان والزمر والحواميم: حم والزخرف والسجدة وحمعسق والأحقاف والجاثية والدخان والممتحنات إنا فتحنا لك والحشر وتنزيل السجدة والطلاق ون والقلم والحجرات وتبارك والتغابن وإذا جاءك المنافقون والجمعة والصف وقل أوحى وإنا أرسلنا والمجادلة والممتحنة ويا أيها النبي لم تحرم. والمفصل: الرحمن والنجم والطور والذاريات واقتربت الساعة والواقعة والنازعات وسأل سائل والمدثر والمزمل والمطففين وعبس وهل أني والمرسلات والقيامة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت والغاشية وسبح والليل والفجر والبروج وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك والبلد والضحى والطارق والعاديات وأرأيت والقارعة ولم يكن والشمس وضحاها والتين وويل لكل همزة وألم تر كيف ولئيلاف قريش وأهاكم وإنا أنزلناه وإذا زلزلت والعصر وإذا جاء نصر الله والكوثر وقل يا أيها الكافرون وتبت وقل هو الله أحد وألم نشرح، وليس فيه الحمد ولا المعوذتان.

(1/76)


النوع التاسع عشر في عدد سوره وآياته وكلماته وحروفه

أما سوره فمائة وأربع عشرة سورة بإجماع من يعتد به، وقيل وثلاث عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة. أخرج أبو الشيخ عن أبي زروق قال: الأنفال وبراءة سورة واحدة. وأخرج عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن الأنفال وبراءة سورتان أم سورة؟ قال: سورتان. ونقل مثل قول أبي زروق عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم عن سفيان. وأخرج ابن اشتة عن ابن لهيعة قال: يقولون إن براءة من يسئلونك، وإنما لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم لأنها من يسئلونك، وشبهتهم اشتباه الطرفين وعدم البسملة. ويرده تسمية النبي صلى الله عليه وسلم كلا منهما. ونقل صاحب الإقناع أن البسملة ثابتة لم تكن فيها لأن جبريل عليه السلام لم ينزل فيها. وفي المستدرك عن ابن عباس قال: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف. وعن مالك أن أولها لما سقط سقط معه البسملة فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها. وفي مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة لأنه لم يكتب المعوذتين، وفي مصحف أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين واللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد وتركهن ابن مسعود. وكتب عثمان منهم فاتحة الكتاب والمعوذتين. وأخرج الطبراني في الدعاء من طريق ابن عباد ابن يعقوب الأسدي عن يحيى بن يعلي الأسلمي عن ابن لهيعة عن أبي هريرة عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حب أبي تراب، إلا أنك أعرابي جاف، فقلت: والله لقد جعلت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد عمني منه علي بن أبي طالب سورتين علمهما إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمهما أنت ولا أبوك. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجورحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق. وأخرج البيهقي من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء بن عبيد بن عمير بن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستدعيك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجورحمتك ونخشى نقمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق. قال ابن جريج: حكمة البسملة أنهما سورتان في مصحف بعض الصحابة. وأخرج محمد بن نصر الروزي في كتاب الصلاة عن أبي بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين فذكرهما، وأنه كان يكتبهما في مصحفه. وقال ابن الضريس: أنبأنا أحمد بن جميل المروزي عن عبد الله بن المبارك، أنبأنا الأجلح عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه قال: في مصحف ابن عباس قراءة أبي وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، وفيه: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجورحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق، قال: أمنا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان، فقرأ بهاتين السورتين: إنا نستعينك ونستغفرك. وأخرج البيهقي وأبوداود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران أن جبريل نزل بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وهوفي الصلاة مع قوله (ليس لك من الأمر شيء) الآية لما قنت يدعوإلى مضر.
تنبيه كذا نقل جماعة عن مصحف أبي أنه ست عشرة سورة، والصواب أنه خمس عشرة، فإن سورة الفيل وسورة لئيلاف قريش فيه سورة واحدة، ونقل ذلك السخاوي في جمال القراء عن جعفر الصادق وأبي نهيك أيضا. قلت: ويرده ما أخرجه الحاكم والطبراني من حديث أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضل الله قريشا بسبع الحديث، وفيه وإن الله أنزل فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها معهم غيرهم لئيلاف قريش وفي كامل الهذلي عن بعضهم أنه قال: الضحى وألم نشرح سورة واحدة، نقله الإمام الرازي في تفسيره عن طاوس وغيره من المفسرين.

(1/77)


فائدة قيل الحكمة في تسوير القرآن سورا تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله، والإشارة إلى أن كل سورة نمط مستقل، فسورة يوسف تترجم عن قصته، وسورة إبراهيم براءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم إلى غير ذلك، والسور سورا طوالا وأوساطا وقصارا تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات وهي معجزة إعجاز سورة البقرة، ثم ظهرت لذلك حكمة في التعليم وتدريج الأطفال من السور القصار إلى ما فوقها تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه. قال الزركشي في البرهان: فإن قلت: فهلا كانت الكتب السالفة كذلك؟ قلت: لوجهين: أحدهما: أنها لم تكن معجزات من جهة النظم والترتيب، والآخر أنها لم تيسر للحفظ، لكن ذكر الزمخشري ما يخالفه فقال في الكشاف: الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة، وكذلك أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور وما أوحاه إلى أنيائه مسورة وبوب المصنفون في كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. منها: الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا. ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة أوبابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأبعث على التحصيل منه لواستقر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا قطع ميلا أوفرسخا نفس ذلك منه ونشط للسير، ومن ثم جزئ القرآن أجزاء وأخماسا. ومنها: أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيعظم عنده ما حفظه. ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل. ومنها: أن التفصيل بسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض، وبذلك تتلاحظ المعاني والنظم إلى غير ذلك من الفوائد انتهى. وما ذكره الزمخشري من تسوير سائر الكتب هو الصحيح أوالصواب، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود. وذكروا أن الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال.

(1/78)


فصل في عدد الآي أفرده جماعة من القراء بالتصنيف. قال الجعبري: حد الآية قرآن مركب من جمل ولوتقديرا ذومبدأ ومقطع مندرج في سورة وأصلها العلامة. ومنه: إن آية ملكه، لأنها علامة للفضل والصدق والجماعة لأنها جماعة كلمة. وقال غيره: الآية طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها. وقيل هي الواحدة من المعدودات في السور سميت به لأنها علامة على صدق من أتى بها وعلى المتحدى بها. وقيل لأنها علامة على انقطاع ما قبلها من الكلام وانقطاعه مما بعدها. قال الواحدي وبعض أصحابنا قال: يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية لولا أن التوقيف ورد بما هي عليه الآن. وقال أبو عمروالداني: لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله (مدهاهتان - وقال غيره: بل فيه غيرها مثل والنجم والضحى والعصر، وكذا فواتح السور عند من عدها. قال بعضهم: الصحيح أن الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع كمعرفة السورة قال: فالآية طائفة من حروف القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن وعما قبلها وما بعدها في غيرهما غير مشتمل على مثل ذلك. قال: وبهذا القيد خرجت السورة. وقال الزمخشري: الآيات علم توفيقي لا مجال للقياس فيه ولذلك عدوا ألم آية حيث وقعت والمص، ولم يعدوا المر والر وعدوا حم آية في سورها وطه ويس لم يعدوا طس. قلت: ومما يدل على أنه توفيقي ما أخرجه أحمد في مسنده من طريق عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود قال: أقرأني سول الله صلى الله عليه وسلم سورة من الثلاثين من آل حم. قال: يعني الأحقاف. وقال: كانت السورة إذا كانت اكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين، الحديث. وقال ابن العربي: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية، وصح أنه قرأ العشر آيات الخواتم من سورة آل عمران قال: وتعديد الآي من معضلات القرآن، وفي آياته طويل وقصير، ومنه ما ينقطع، ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه. وقال غيره: سبب اختلاف السبب في عدد الآي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فغذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة. وقد أخرج ابن الضريس من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: جميع آي القرآن ستة آلاف آية وستمائة آية وست عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفا. قال الداني: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وست وثلاثون. قات: أخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق الفيض بن وثيق عن فرات بن سلمان عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعا درج الجنة على قدر آي القرآن، بكل آية درجة فتلك ستة آلاف آية ومائتا آية وست عشرة آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض. الفيض قال فيه: ابن معين كذاب خبيث. وفي الشعب للبيهقي من حديث عائشة مرفوعا عدد درج الجنة عدد درج القرآن فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة قال الحاكم: إسناده صحيح لكنه شاذ. وأخرجه الآجري في جملة القرآن من وجه آخر عنها موقوفا. قال أبو عبد الله الموصلي في شرح قصيدته ذات الرشد في العدد: اختلف في عدد الآي أهل المدينة ومكة والشام والبصرة والكوفة. ولأهل المدينة عددان: عدد أول وهوعدد أبي جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وعدد آخر وهوعدد إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري. وأما عدد أهل مكة فهومروي عن عبد الله بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب. وأما عدد أهل الشام فرواه هارون بن موسى الأخفش وغيره عن عبد الله بن ذكوان وأحمد بن يزيد الحلواني وغيره عن هشام بن عمار. ورواه ابن ذكوان وهشام عن أيوب بن تميم الزماري عن يحيى بن الحارث الزماري قال: هذا العدد الذي نعده عدد أهل الشام مما رواه المشيخة لنا عن الصحابة. ورواه عبد الله بن عامر اليحصبي لنا وغيره عن أبي الدرداء. وأما عدد أهل البصرة فمداره على عاصم بن العجاج الجحدري. وأما عدد أهل الكوفة فهوالمضاف إلى حمزة بن حبيب الزيات وأبي الحسن الكسائي وخلف بن هشام. قال حمزة:

(1/79)


أخبرنا بهذا العدد ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب. قال الموصلي: ثم سور القرآن على ثلاثة أقسام: قسم لم يختلف فيه لا في إجمالي ولا في تفصيلي، وقسم اختلف فيه تفصيلا لإجمالا، وقسم اختلف فيه إجمالا وتفصيلا. فالأول: أربعون سورة يوسف مائة وإحدى عشرة، الحجر تسع وتسعون، الحجرات والتغابن ثمان عشرة، ق خمس وأربعون، الذاريات ستون، القمر خمس وخمسون، الحشر أربع وعشرون، الممتحنة ثلاث عشرة، الصف أربع عشرة، الجمعة والمنافقون والضحى والعاديات إحدى عشرة إحدى عشرة، التحريم ثنتا عشرة، ن اثنتان وخمسون، الإنسان إحدى وثلاثون، البروج اثنتان وعشرون، الغاشية ست وعشرون، البلد عشرون الليل إحدى وعشرون، ألم نشرح والتين وألهاكم ثمان، الهمزة تسع، الفيل والفلق وتبت خمس، الكافرون ست، الكوثر والنصر ثالث. والقسم الثاني: أربع سور: القصص: ثمان وثمانون، عد أهل الكوفة طسم، والباقون بدلها أمة من الناس يسقون. العنكبوت: تسع وستون، عد أهل الكوفة ألم والبصرة بدلها مخلصين. الدين والشام وتقطعون السبيل. الجن ثمان وعشرون عد المكي لن يجبرني من الله أحد، والباقون بدلها ولن أجد من دونه ملتحدا. والعصر ثلاث، عد المدني الأخير وتواصلوا بالحق دون والعصر وعكس الباقون. والقسم الثالث سبعون: سورة الفاتحة، الجمهور سبع، فعد الكوفي والمكي البسملة دون أنعمت عليهم وعكس الباقون. وقال الحسن: ثمان فعدهما، وبعضهم ست فلم يعدهما، وآخر تسع فعدهما وإياك نعبد. ويقوي الأول ما أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي وابن خزيمة والحاكم والدارقطني وغيرهم عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. إهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فقطعها آية آية وعدها عد الأعراب، وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد عليهم وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن عبد خير قال: سئل علي عن السبع المثاني فقال: الحمد لله رب العالمين، فقيل له إنما هي ست آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية. البقرة: مائتان وثمانون وخمس، وقيل ست وقيل سبع. آل عمران: مائتان، وقيل إلا آية. النساء: مائة وسبعون وخمس، وقيل ست، وقيل سبع. الأعراف: مائتان وخمس وقيل ست. الأنفال: سبعون وخمس، وقيل ست، وقيل سبع. براءة: مائة وثلاثون، وقيل إلا آية. يونس: مائة وعشرة، وقيل إلا آية. هود: مائة وإحدى وعشرون، وقيل اثنتان، وقيل ثلاث. الرعد: أربعون وثلاث، وقيل أربع، وقيل سبع. إبراهيم: إحدى وخمسون، وقيل اثنتان، وقيل أربع، وقيل خمس. الإسراء: مائة وعشر، وقيل وإحدى عشرة. الكهف: مائة وخمس، وقيل وست، وقيل وعشر وقيل وإحدى عشرة. مريم: تسعون وتسع، وقيل ثمان. طه: مائة وثلاثون واثنتان، وقيل أربع، وقيل خمس، وقيل وأربعون. الأنبياء: مائة وإحدى عشرة، وقيل واثنتا عشرة. الحج: سبعون وأربع، وقيل وخمس، وقيل وست، وقيل وثمان. قد أفلح: مائة وثمان عشرة، وقيل تسع عشرة. النور: ستون واثنتان، وقيل أربع. الشعراء: مائتان وعشرون وست، وقيل سبع. النمل: تسعون واثنتان، وقيل أربع، وقيل خمس. الروم: ستون، وقيل إلا آية. لقمان: ثلاثون وثلاث، وقيل أربع. السجدة ثلاثون، وقيل إلا آية: سبا: خمسون وأربع، وقيل خمس. فاطر: أربعون وست، وقيل خمس. يس: ثمانون وثلاث، وقيل اثنتان. الصافات: مائة وثمانون وآية، وقيل آيتان. ص: ثمانون وخمس، وقيل ست، وقيل ثمان. الزمر: سبعون وآيتان، وقيل ثلاث، وقيل خمس. غافر: ثمانون وآيتان، وقيل أربع، وقيل خمس، وقيل ست. فصلت: خمسون واثنتان، وقيل ثلاث، وقيل أربع. الشورى: خمسون، وقيل ثلاث. الزخرف: ثمانون وتسع، وقيل ثمان. الدخان: خمسون وست، وقيل سبع، وقيل تسع. الجاثية: ثلاثون وست، وقيل سبع. الأحقاف: ثلاثون وأربع، وقيل خمس. القتال: أربعون، وقيل إلا آية، وقيل إلا آيتين. الطور: أربعون وسبع، وقيل ثمان، وقيل تسع. النجم: إحدى وستون، وقيل اثنتان. الرحمن: سبعون وسبع، وقيل ست، وقيل ثمان. الواقعة: تسعون وتسع، وقيل سبع، وقيل ست. الحديد: ثلاثون وثمان، وقيل تسع. قد سمع اثنتان، وقيل إحدى وعشرون. الطالق: إحدى عشرة، وقيل ثنتا عشرة. تبارك: ثلاثون، وقيل إحدى وثلاثون بعد

(1/80)


قالوا بلى قد جاءنا نذير. قال الموصلي: والصحيح الأول. قال ابن شنبوذ: ولا يسوغ لأحد خلافه للأخبار الواردة في ذلك. أخرج أخمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له، تبارك الذي بيده الملك. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة في القرآن ما هي إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة، وهي سورة تبارك. الحاقة: إحدى وقيل اثنتان وخمسون. المعارج: أربعون وأربع، وقيل ثلاث. نوح: ثلاثون، وقيل إلا آية، وقيل إلا آيتين. المزمل: عشرون، وقيل إلا آية، وقيل إلا آيتين. المدثر: خمسون وخمس، وقيل ست. القيامة: أربعون، وقيل إلا آية. عم: أربعون، وقيل وآية. النازعات: أربعون وخمس، وقيل ست. عبس: أربعون، وقيل وآية، وقيل وآيتين. الشقاق: عشرون وثلاثة، وقيل أربع، وقيل خمس. الطارق: سبع عشرة، وقيل ست عشرة. الفجر: ثلاثون، وقيل إلا آية، وقيل اثنتان وثلاثون. الشمس: خمس عشرة، وقيل ست عشرة. اقرأ: عشرون، وقيل إلا آية. القدر: خمس: وقيل ست. لم يكن: ثمان، وقيل تسع. الزلزلة: تسع، وقيل ثمان. القارعة: ثمان وقيل عشر، وقيل إحدى عشرة. قريش: أربع، وقيل خمس. أرأيت: سبع، وقيل ست. الإخلاص: أربع، وقيل خمس. الناس: سبع، وقيل ست.وا بلى قد جاءنا نذير. قال الموصلي: والصحيح الأول. قال ابن شنبوذ: ولا يسوغ لأحد خلافه للأخبار الواردة في ذلك. أخرج أخمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له، تبارك الذي بيده الملك. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة في القرآن ما هي إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة، وهي سورة تبارك. الحاقة: إحدى وقيل اثنتان وخمسون. المعارج: أربعون وأربع، وقيل ثلاث. نوح: ثلاثون، وقيل إلا آية، وقيل إلا آيتين. المزمل: عشرون، وقيل إلا آية، وقيل إلا آيتين. المدثر: خمسون وخمس، وقيل ست. القيامة: أربعون، وقيل إلا آية. عم: أربعون، وقيل وآية. النازعات: أربعون وخمس، وقيل ست. عبس: أربعون، وقيل وآية، وقيل وآيتين. الشقاق: عشرون وثلاثة، وقيل أربع، وقيل خمس. الطارق: سبع عشرة، وقيل ست عشرة. الفجر: ثلاثون، وقيل إلا آية، وقيل اثنتان وثلاثون. الشمس: خمس عشرة، وقيل ست عشرة. اقرأ: عشرون، وقيل إلا آية. القدر: خمس: وقيل ست. لم يكن: ثمان، وقيل تسع. الزلزلة: تسع، وقيل ثمان. القارعة: ثمان وقيل عشر، وقيل إحدى عشرة. قريش: أربع، وقيل خمس. أرأيت: سبع، وقيل ست. الإخلاص: أربع، وقيل خمس. الناس: سبع، وقيل ست.
ضوابط: البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة من قرأ بحرف نزلت فيه عدها، ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها. وعد أهل الكوفة آلم حيث وقع آية، وكذا المص وطه وكهيعص وطسم ويس وحم وعدوا حمعسق آيتين، ومن عداهم لم يعد شيئا من ذلك. وأجمع أهل العدد على أنه لا يعد الر حيث وقع آية، وكذا المر وطس وص وق ون. ثم منهم من علل بالأثر وأتباع المنقول، وأنه أمر لا قياس فيه. ومنهم من قال: يعدوا ص ون وق لأنها على حرف واحد، ولا طس لأنها خالفت أخويها بحذف الميم، ولأنها تشبه المفرد كقابيل ويس وإن كانت بهذا الوزن لكن أولها ياء فاشتبهت الجمع، إذ ليس لنا مفرد أوله ياء، ولم يعدوا الر بخلاف آلم لأنها أشبه بالفواصل من الر، ولذلك اجمعوا على عد - يا أيها المدثر - آية لمشاكلته الفواصل بعده. واختلفوا في يا أيها المزمل. قال الموصلي: وعدوا قوله ثم نظر آية، وليس في القرآن أقصر منها، أما مثلها فعم والفجر والضحى.
تذنيب نظم علي بن محمد بن الغالي أرجوزة في القرائن والأخوات ضمنها السور التي اتفقت في عدة الآي كالفاتحة والماعون وكالرحمن والأنفال وكيوسف والكهف والأنبياء وذلك معروف مما تقدم.

(1/81)


فائدة يترتب على معرفة الآي وعدها وفواصلها أحكام فقهية. منها: اعتبارها فيمن جهل الفاتحة، فإنه يجب عليه بدلها سبع آيات. ومنها: اعتبارها في الخطبة فإنه يجب فيها قراءة آية كاملة، ولا يكفي شطرها، إن لم تكن طويلة، وكذا الطويلة على ما أطلقه الجمهور. وها هنا بحث، وهوأن ما اختلف في كونه آخر آيا هل تكفي القراءة به في الخطبة، محل نظر، ولم أر من ذكره. ومنها: اعتبارها في السورة التي تقرأ في الصلاة أوما يقوم مقامها، ففي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة. ومنها: اعتبارها في قراءة قيام الليل. ففي أحاديث من قرأ بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ بخمسين آية في ليلة كتب من الحافظين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بمائتي آية كتب من الفائزين، ومن قرأ بثلاثمائة آية كتب له قنطار من الأجر، ومن قرأ بخمسمائة وبسبعمائة وألف آية أخرجها الدرامي في مسنده مفرقة. ومنها: اعتبارها في الوقف عليها كما سيأتي. وقال الهذلي في كامله: اعلم أن قوما جهلوا العدد وما فيه من الفوائد حتى قال الزعفراني: العدد ليس بعلم، وإنما اشتغل به بعضهم ليروج به سوقه. قال: وليس كذلك، ففيه من الفوائد معرفة الوقف، ولأن الإجماع انعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية. وقال جمع من العلماء: تجزئ بآية، وآخرون بثلاث آيات، وآخرون لا بد من سبع، والإعجاز لا يقع بدون آية، فللعدد فائدة عظيمة في ذلك أه.
فائدة ثانية ذكر الآيات في الأحاديث والآثار أكثر من أن يحصى، كالأحاديث في الفاتحة أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي والآيتين خاتمة البقرة، وكحديث اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين - وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم - و ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم وفي البخاري عن ابن عباس: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام - قد خسر الذين قتلوا أولادهم - إلى قوله (مهتدين - وفي مسند أبي يعلي عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: يا خال أخبرنا عن قصتكم يوم أحد، قال اقرأ بعد العشرين ومائة آل عمران تجد قصتنا - وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد القتال.
فصل وعد قوم كلمات القرآن سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعا وثلاثين كلمة، وقيل وأربعمائة وسبعا وثلاثين، وقيل ومائتان وسبع وسبعون، وقيل غير ذلك. وقيل وسبب الاختلاف في عد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ولفظ ورسم واعتبار، كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز.
فصل وتقدم عن ابن عباس عدد حروفه، وفيه أقوال أخر، والاشتغال باستيعاب ذلك مما لا طائل تحته، وقد استوعبه ابن الجوزي في فنون الأفنان وعد الأصناف والأثلاث إلى الأعشار وأوسع القول في ذلك فراجعه منه، فإن كتابنا موضوع للمهمات لا لمثل هذه البطالات. وقد قال السخاوي: لا أعلم لعدد الكلمات والرحوف من فائدة، لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك. ومن الأحاديث في اعتبار الحروف ما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف. وأخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعا القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين رجاله ثقات إلا شيخ الطيراني محمد ابن عبيد بن آدم بن أبى إياس تكلم فيه المذهبي لهذا الحديث، وقد حمل ذلك على ما نسخ رسمه من القرآن أيضا، إذا الموجود الآن لا يبلغ هذا العدد.
فائدة قال بعض القراء: القرآن العظيم له أنصاف باعتبارات، فنصفه بالحروف النون من نكرا في الكهف والكاف من النصف الثاني، ونصف بالآيات ياء يأفكون من سورة الشعراء، وقوله فألقى السحرة من النصف الثاني، ونصفه على عدد السور آخر الحديد والمجادلة من النصف الثاني وهوعشرة بالأحزاب. وقيل إن النصف بالحروف الكاف من نكرا، وقيل الفاء من قوله وليتلطف.

(1/82)


النوع العشرون في معرفة حفاظه ورواته
روى البخاري عن عبد الله بن عمروبن العاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب أي تعلموا منهم. والأربعة المذكورون إثنان من المهاجرين وهما المبدوء بهما، واثنان من الأنصار، وسالم هوابن معقل مولى أبي حذيفة ومعاذ هوابن جبل. قال الكرماني: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعده: أي أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك. وتعقب بأنهم لم ينفردوا، بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النبوي أضعاف المذكورين، وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أبي وابن مسعود في خلافة عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت وانتهت إليه الرياسة في القراءة وعاش بعدهم زمنا طويلا. فالظاهر أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد جماعة من الصحابة. وفي الصحيح في غزوة بئر معونة أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم القراء وكانوا سبعين رجلا. روى البخاري أيضا عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبوزيد. قلت: من أبوزيد؟ قال: أحد عمومتي. وروى أيضا من طريق ثابت عن أنس قال: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبوزيد. وفيه مخالفة لحديث قتادة من وجهين: أحدهما التصريح بصيغة الحصر في الأربعة، والآخر ذكر أبي الدرداء بدل أبي ين كعب. وقد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة. وقال المازري: لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك، لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك ككثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد؟ وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا في غاية البعد في العادة. وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك. قال: وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلم حمله على ظاهره. سلمناه ولمن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك، سلمناه لكن لا يلزم من كون كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكل الكل ولوعلى التوزيع كفى. وقال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ببئر معونة مثل هذا العدد. قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أولكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الجواب عن حديث أنس من أوجه. أحدها: أنه لا مفهوم له فلا يلون أن لا يكون غيرهم جمعه. الثاني: المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلا أولئك. الثالث: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلا أولئك. الرابع: أن المراد بجمعه تلقيه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بواسطة بخلاف غيرهم فيحتمل أن يكون تلقى بعضه بالواسطة. الخامس: أنهم تصدوا إلى القائه وتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمن عرف حالهم فحصر ذلك فيهم بحسب علمه، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك. السادس: المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلبه، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر قلب. السابع: المراد أن أحدا لم يفصح بأنه جمعه بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آخر آية، فلعل هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة ممن جمع صفات العفووالعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات. وقال ابن حجر: ذكر القرطبي عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولا، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه. قلت: قد حكاه ابن النقيب في مقدمة تفسيره عنه بواسطة الشرف المزني المرسي فقال: قال ابن حبان: اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا. فمنهم من

(1/83)


قال: هي زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. الثاني: حلال وحرام وأمر ونهي وزجر وخبر ما هوكائن بعد وأمثال. الثالث: وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج. الرابع: أمر ونهي وبشارة ونذارة وأخبار وأمثال. الخامس: محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص. السادس: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. السابع: أمر ونهي وجد وعلم وسر وظهر وبطن. الثامن: ناسخ ومنسوخ ووعد ووعيد ورغم وتأديب وإنذار. التاسع: حلال وحرام وافتتاح وأخبار وفضائل وعقوبات. العاشر: أوامر وزواجر وأمثال وأنباء وعتب ووعظ وقصص. الحادي عشر: حلال وحرام وأمثال ومنصوص وقصص وإباحات. الثاني عشر: ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال. الثالث عشر: أمر ونهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار. الرابع عشر: مقدم ومؤخر وفرائض وحدود ومواعظ ومتشابه وأمثال. الخامس عشر: مقيس ومجمل ومقضي وندب وحتم وأمثال. السادس عشر: أمر حتم وأمر ندب ونهي وحتم ونهي ندب وأخبار وإباحات. السابع عشر: أمر فرض ونهي حتم وأمر ندب ونهي مرشد ووعد ووعيد وقصص. الثامن عشر: سبع جهات لا يتعداها الكلام: لفظ خاص أريد به الخاص، ولفظ عام أريد به العام، ولفظ عام أريد به الخاص، ولفظ خاص أريد به العام، ولفظ يستغنى بتنزيله عن تأويله، ولفظ لا يعلم فقهه إلا العلماء، ولفظ لا يعلم معناه إلا الراسخون. التاسع عشر: إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب. العشرون: سبع لغات، منها خمس في هوازن، واثنتان لسائر العرب. الحادي والعشرون: سبع لغات متفرقة لجميع العرب، كل حرف منها لقبيلة مشهورة. الثاني والعشرون: سبع لغات: أربع لعجز هوازن سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية، وثلاث لقريش. الثالث: والعشرون: سبع لغات لغة قريش، ولغة لجرهم، ولغة هوازن، ولغة لقضاعة، ولغة لتميم، ولغة لطي. الرابع والعشرون: لغة الكعبين كعب بن عمر وكعب بن لؤي، ولهما سبع لغات. الخامس والعشرون: اللغات المختلفة لأحياء العرب في معنى واحد مثل هلم وهات وتعال وأقبل. السادس والعشرون: تعالى عنهم. السابع والعشرون: همز إمالة وفتح وكسر وتفخيم ومد وقصر. الثامن والعشرون: تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجع ولغات مختلفة كلها في شيء واحد. التاسع والعشرون: كلمة واحدة وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة وعائشة وحفصة وأم سلمة. ومن الأنصار عبادة بن الصامت ومعاذ الذي يكنى أبا حليمة ومجمع بن جارية وفضالع بن عبيد ومسلمة بن مخلد، وصرح بأن بعضهم إنما كمله النبي صلى الله عليه وسلم فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس، وعد ابن أبي داود منهم تميما الداري وعقبة بن عامر. وممن جمعه أيضا أبوموسى الأشعري، ذكره أبو عمروالداني.ال: هي زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. الثاني: حلال وحرام وأمر ونهي وزجر وخبر ما هوكائن بعد وأمثال. الثالث: وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج. الرابع: أمر ونهي وبشارة ونذارة وأخبار وأمثال. الخامس: محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص. السادس: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. السابع: أمر ونهي وجد وعلم وسر وظهر وبطن. الثامن: ناسخ ومنسوخ ووعد ووعيد ورغم وتأديب وإنذار. التاسع: حلال وحرام وافتتاح وأخبار وفضائل وعقوبات. العاشر: أوامر وزواجر وأمثال وأنباء وعتب ووعظ وقصص. الحادي عشر: حلال وحرام وأمثال ومنصوص وقصص وإباحات. الثاني عشر: ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال. الثالث عشر: أمر ونهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار. الرابع عشر: مقدم ومؤخر وفرائض وحدود ومواعظ ومتشابه وأمثال. الخامس عشر: مقيس ومجمل ومقضي وندب وحتم وأمثال. السادس عشر: أمر حتم وأمر ندب ونهي وحتم ونهي ندب وأخبار وإباحات. السابع عشر: أمر فرض ونهي حتم وأمر ندب ونهي مرشد ووعد ووعيد وقصص. الثامن عشر: سبع جهات لا يتعداها الكلام: لفظ خاص أريد به الخاص، ولفظ عام أريد به العام، ولفظ عام أريد به الخاص، ولفظ خاص أريد به العام، ولفظ يستغنى بتنزيله عن تأويله، ولفظ لا يعلم فقهه إلا العلماء، ولفظ لا يعلم معناه إلا الراسخون. التاسع عشر: إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب. العشرون: سبع لغات، منها خمس في هوازن، واثنتان لسائر العرب. الحادي والعشرون: سبع لغات متفرقة لجميع العرب، كل حرف منها لقبيلة مشهورة. الثاني والعشرون: سبع لغات: أربع لعجز هوازن سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية، وثلاث لقريش. الثالث: والعشرون: سبع لغات لغة قريش، ولغة لجرهم، ولغة هوازن، ولغة لقضاعة، ولغة لتميم، ولغة لطي. الرابع والعشرون: لغة الكعبين كعب بن عمر وكعب بن لؤي، ولهما سبع لغات. الخامس والعشرون: اللغات المختلفة لأحياء العرب في معنى واحد مثل هلم وهات وتعال وأقبل. السادس والعشرون: تعالى عنهم. السابع والعشرون: همز إمالة وفتح وكسر وتفخيم ومد وقصر. الثامن والعشرون: تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجع ولغات مختلفة كلها في شيء واحد. التاسع والعشرون: كلمة واحدة وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة وعائشة وحفصة وأم سلمة. ومن الأنصار عبادة بن الصامت ومعاذ الذي يكنى أبا حليمة ومجمع بن جارية وفضالع بن عبيد ومسلمة بن مخلد، وصرح بأن بعضهم إنما كمله النبي صلى الله عليه وسلم فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس، وعد ابن أبي داود منهم تميما الداري وعقبة بن عامر. وممن جمعه أيضا أبوموسى الأشعري، ذكره أبو عمروالداني.

(1/84)


تنبيه أبوزيد المذكور في حديث أنس اختلف في اسمه، فقيل سعد بن عبيد بن النعمان أحد بني عمروابن عوف. ورد بأنه أوسي وأنس خزرجي، وقد قال: إنه أحد عمومته، وبأن الشعبي عده هووأبوزيد جميعا فيمن جمع القرآن كما تقدم، فدل على أنه غيره. وقال أبوأحمد العسكري: لم يجمع القرآن من الأوس غير سعد بن عبيد. وقال محمد بن حبيب في المحبر: سعد بن عبيد أحد من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن حجر: قد ذكر ابن داود فيمن جمع القرآن قيس بن أبي صعصعة وهوخزرجي يكنى أبا زيد فلعله هو. وذكر أيضا سعيد بن المنذر بن أوس زهير وهوخزرجي أيضا، لكن لم أر التصريح بأنه يكنى أبا زيد. قال: ثم وجدت عند ابن أبي داود ما رفع الأشكال، فإنه روى بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن. قال: وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ومات ولم يدع عقبا ونحن ورثناه. قال ابن أبي داود: حدثنا أنس بن خالد الأنصاري، قال: هوقيس بن السكن بن زعوراء من بني عدي بن النجار، قال ابن أبي داود: مات قريبا من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب علمه ولم يؤخذ عنه، وكان عقبيا بدريا. ومن الأقوال في اسمه ثابت وأوس ومعاذ. فائدة ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، فأخرج ابن سعد في الطبقات: أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك وأداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال: إن الله مهد لك شهادة وكان صلى الله عليه وسلم قد أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن، فغمها غلام وجارية كانت قد بردتهما فقتلاها في إمارة عمر، فقال عمر: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول انطلقوا بنا نزور الشهيدة.

(1/85)


فصل المشتهرون بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان وعلي وأبي وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبوالدرداء وأبوموسى الأشعري، كذا ذكرهم الذهبي في طبقات القراء قال: وقد قرأ على أبي جماعة من الصحابة منهم أبوهريرة وابن عباس وعبد الله بن المسيب وعروة وسالم وعمر بن عبد العزيز وسليمان وعطاء ابنا يسار ومعاذ بن الحارث المعروف بمعاذ القاري ة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وابن شهاب الزهري ومسلم بن جندب وزيد بن أسلم. وبمكة: عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح وطاوس ومجاهد وعكرمة وابن أبي مليكة. وبالكوفة علقمة والأسود ومسروق وعبيدة وعمروبن شرحبيل والحارث بن قيس والربيع بن خيثم وعمروبن ميمون وأبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبش وعبيد بن نضيلة وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. وبالبصرة: أبو عالية وأبورجاء ونصر بن عاصم ويحيى بن يعمر والحسن ابن سيرين وقتادة. وبالشام: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان، وخليفة بن سعد صاحب أبي الدرداء، ثم تجرد قوم واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية حتى صاروا أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم. فكان بالمدينة: أبوجعفر يزيد بن القعقاع ثم شيبة بن نصاع ثم نافع بن نعيم. وبمكة: عبد الله بن كثير وحميد بن قيس الأعرج ومحمد بن أبي محيسن. وبالكوفة: يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود وسليمان الأعمش ثم حمزة ثم الكسائي. وبالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمروبن العلاء وعاصم الجحدري ثم يعقوب الحضرمي. وبالشام: عبد الله بن عامر وعطية بن قيس الكلابي وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر ثم يحيى بن الحارث الذماري ثم شريح بن يزيد الحضرمي. واشتهر من هؤلاء في الآفاق الأئمة السبعة. نافع: وقد أخذ من التابعين منهم أبوجعفر وابن كثير وأخذ عن عبد الله بن السائب الصحابي. وأبو عمرو: وأخذ عن التابعين. وابن عامر: وأخذ عن أبي الدرداء وأصحاب عثمان. وعاصم: وأخذ عن التابعين. وحمزة: أخذ عن عاصم والأعمش والسبيعي ومنصور بن المعتمر وغيره. الكسائي: وأخذ عن خمزة وأبي بكر بن عياش ثم انتشرت القراءات في الأقطار وتفرقوا أمما بعد أمم. واشتهر من رواة كل طريق من طرق السبعة راويان. فعن ناع: قالون وورش عنه. وعن ابن كثير: قنبل والبزي عن أصحابه عنه. وعن أبي عمروالدوري والسوسي عن اليزيد عنه. وعن ابن عامر: هشام وابن ذكوان عن أصحابه عنه. وعن الكسائي: الدوري وابن الحارث. ثم لواتسع الخرق وكاد الباطل يلتبس بالحق قام جهابذة الأمة وبالغوا في الاجتهاد وجمعوا الحروف والقراءات وعزوا الوجوه والروايات، وميزوا الصحيح والمشهور والشاذ بأصول أصولها وأركان فصلوها. فأول من صنف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم أحمد بن جبير الكوفي ثم إسماعي بن إسحاق المالكي صاحب قالون، ثم أبوجعفر بن جرير الطبري، ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الدجوني، ثم أبو بكر مجاهد، ثم قام الناس في عصره وبعده بالتأليف في أنواعها جامعا ومفردا وموجزا ومسهبا. وأئمة القراءات لا تحصى، وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي، ثم حافظ القراء أبو الخير بن الجزري.

(1/86)


النوع الحادي والعشرون في معرفة العالي والنازل من أسانيده
اعلم أن طلب علوالإسناد سنة، فإنه قرب إلى الله تعالى، وقد قسمه أهل الحديث إلى خمسة أقسام ورأيتها تأتي هنا. الأول: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث العدد بإسناد نظيف غير ضعيف، وهوأفضل أنواع العلووأجلها، وأعلى ما يقع للشيوخ في هذا الزمان إسناد رجاله أربعة عشر رجلا، وإنما يقع ذلك من قراءة ابن عامر من رواية ابن ذكوان ثم خمسة عشر، وإنما يقع ذلك من قراءة عاصم من رواية حفص وقراءة يعقوب من رواية رويس. الثاني من أقسام العلوعند المحدثين: القرب إلى إمام من أئمة الحديث كالأعمش وهشيم وابن جريج والأوزاعي ومالك، ونظيره هنا القرب إلى إمام من أئمة السبعة، فأعلى ما يقع اليوم للشيوخ بالإسناد المتصل بالتالوة إلى نافع اثنا عشر، وإلى عامر اثنا عشر. الثالث عند المحدثين: العلوبالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة بأن يروي حديثا لورواه من طريق كتاب من الستة وقع أنزل مما لوروا من غير طريقها، ونظيره هنا العلوبالنسبة إلى بعض الكتب المشهورة في القراءة كالتيسير والشاطبية، ويقع في هذا النوع الموافقات والإبدال والمساواة والمصافحات، فالموافقة أن تجتمع طريقة مع أحد أصحاب الكتب في شيخه، وقد لا يكون مع علوعلى ما لورواه من طريقه، وقد لا يكون مثاله في هذا الفن قراءة ابن كثير رواية البزي طريق ابن بنان عن أبي ربيعة عنه يرويها ابن الجزري من كتاب المفتاح لأبي منصور بن محمد بن عبد المالك بن خيرون، ومن كتاب المصباح لأبي الكرم الشهرزوري، وقرأ بها كل من المذكورين على عبد السيد بن عتاب، فروايته لها من أحد الطريقين تسمى موافقة للآخر باصطلاح أهل الحديث، والبدل أن يجتمع معه شيخ شيخه فصاعدا، وقد لا يكون أيضا بعلو، وقد لا يكون مثاله هنا قراءة أبي عمر ورواية الدوري طريق ابن مجاهد عن أبي الزعرء عنه، رواها ابن الجزري من كتاب التيسير، قرأ بها الداني على أبي القاسم عبد العزيز بن جعفر البغدادي، وقرأ بها على أبي طاهر عن ابن مجاهد. ومن المصباح قرأ بها أبو الكرم على أبي القاسم يحيى بن أحمد السبتي، وقرأ بها على أبي الحسن الحمامي، وقرأ على أبي طاهر، فروايته لها من طريق المصباح تسمى بدلا للداني في شيخ شيخه. والمساواة أن يكون بين الراوي والنبي صلى الله عليه وسلم أوالصحابي أومن دونه أحد أصحاب الكتب كما بين الشيخ إلى أحد الكتب والنبي صلى الله عليه وسلم أوأصحابي أومن دوزنه على من ذكر من العدد. والمصافحة أن يكون أكثر عددا منه بواحد، فكأنه لقي صاحب ذلك الكتاب وصافحه وأخذ عنه، مثاله قراءة نافع رواها الشاطبي عن أبي عبد الله محمد بن علي النفزي عن أبي عبد الله بن غلام الفرس عن سليمان بن نجاح وغيره عن أبي عمروالداني عن أبي الفتح فارس بن أحمد عن عبد الباقي عن أبي الحسين بن بويان بن الحسن عن إبراهيم بن عمر المقرى عن أبي الحيض بوبويان عن أبي بكر ابن الأشعث عن أبي جعفر الريعي المعروف بأبي نشيط عن قالون عن نافع. ورواها ابن الجزري عن أبي بكر الخياط عن أبي محمد البغدادي وغيره عن الصائغ عن الكمال بن فارس عن أبي اليمن الكندي عن أبي القاسم هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي بكر الخياط عن الغرضي عن ابن بويان، فهذه مساواة لابن الجزري مصافحة للشاطبي. ومما يشبه هذا التقسيم الذي لأهل الحديث تقسيم القراء أحوال الإسناد إلى قراءة ورواية وطريق ووجه، فالخلاف إن كان لأحد الأئمة السبعة والعشرة أونحوهم واتفقت عليه الروايات والطرق عنه فهوقراءة، وإن كان للراوي عنه فرواية، أولمن بعده فنازلا، أولا على هذه الصفة مما هوراجع إلى تخير القارئ فيه فوجه الرابع من أقسام العلو: تقدم وفاة الشيخ عن قرينه الذي أخذ عن شيخه فالأخذ مثلا عن التاج بن مكتوم أعلى من الأخذ عن أبي المعالي بن اللبان، وعن ابن اللبان أعلى من البرهان الشامي وإن اشتركوا في الأخذ عن ابن حيان لتقدم وفاة الأول عن الثاني، والثاني عن الثالث. والخامس: العلوبموت الشيخ لا مع التفات لأمر آخر أوشيخ آخر متى يكون، قال بعض المحدثين: يوصف الإسناد بالعلوإذا مضى عليه من موت الشيخ خمسون سنة، وقال ابن منده: ثلاثون، فعلى هذا الأخذ عن أصحاب ابن الجزري عال من سنة ثلاث وستين وثمانمائة، لأن ابن الجزري آخر من كان سنده عاليا ومضى عليه حينئذ من موته ثلاثون سنة، فهذا ما حررته من قواعد

(1/87)


الحديث وخرجت عليه قواعد القراءات ولم أسبق إليه ولله الحمد والمنة. وإذا عرفت العلوبأقسامه عرفت النزول فإنه ضده، وحيث ذم النزول فهوما لم ينجبر بكون رجاله أعلم أوأحفظ أوأتقن أوأجل أوأشهر أوأروع، أما إذا كان كذلك فليس بمذموم ولا مفضول.ديث وخرجت عليه قواعد القراءات ولم أسبق إليه ولله الحمد والمنة. وإذا عرفت العلوبأقسامه عرفت النزول فإنه ضده، وحيث ذم النزول فهوما لم ينجبر بكون رجاله أعلم أوأحفظ أوأتقن أوأجل أوأشهر أوأروع، أما إذا كان كذلك فليس بمذموم ولا مفضول.

(1/88)


النوع الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والعشرون معرفة المتواتر والمشهور والآحاد والشاذ والموضوع والمدرج
اعلم أن القاضي جلال الدين البلقيني قال: القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ. فالمتواتر القراءات السبعة المشهورة والآحاد قراءات الثلاثة التي هي تمام العشر، ويلحق بها قراءة الصحابة. والشاذ قراءة التابعين كالأعمش ويحيى بن وثاب وابن جبير ونحوهم، وهذا الكلام فيه نظر يعرف مما سنذكره. وأحسن من تكلم في هذا النوع إمام القراء في زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير بن الجزري قال في أول كتابه النشر: كل قراءة وافقت العربية ولوبوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولواحتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أوشاذة أوباطلة، سواء كنت عن السبعة أم عمن هوأكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الداني ومكي والمهدوي وأبو شامة، وهومذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافة. قال أبو شامة في المرشد الوجيز: لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وأنها أنزلت هكذا، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط وحينئذ لا ينفرد بنقلها عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يحرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. ثم قال ابن الجزري: فقولنا في الضابط ولوبوجه نريد به وجها من وجوه النحوسواء كان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحوأوكثير منهم ولم يعتبر إنكارهم كإسكان بارئكم ويأمركم، وخفض والأرحام، ونصب ليجزي قوما، والفصل بين المضافين في قتل أولادهم شركائهم وغير ذلك. قال الداني: وأئمة القراء: لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الإفشاء في اللغة، والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشولغة، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. قلت: أخرج سعيد بن منصور في سننه عن زيد بن ثابت قال: القراءة سنة متبعة. قال البيهقي: أراد أن أتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة لا يجوز مخالفة المصحف الذي هوإمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة أوأظهر منها. ثم قال ابن الجزري: ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر، فقالوا: اتخذ الله ولدا في البقرة بغير واو، وبالزبر وبالكتاب بإثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي. وكقراءة ابن كثير تجري من تحتها الأنهار في آخر براءة بزيادة من فإنه ثابت في المصحف المكي ونحوذلك، فإن لم يكن في شيء من المصاحف العثمانية فشاذ لمخالفتها الرسم المجمع عليه. وقولنا ولواحتمالا نعني به ما وافقه ولوتقديرا كملك يوم الدين، فإنه كتب في الجميع بلا ألف، فقراءة الحذف توافقه تحقيقا وقراءة الألف توافقه تقديرا لحذفها في الخط اختصارا كما كتب ملك الملك، وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحوتعلمون بالتاء والياء، ويغفر لكم بالياء والنون ونحوذلك، مما يدل تجرده عن النقط وأشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة رضي الله عنهم في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم. وانظر كيف كتبوا الصراط بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإمام محتملة، ولوكتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل، ولذلك اختلف في بسطه الأعراف دون بسطه البقرة لكون حرف البقرة كتب بالسين والأعراف بالصاد، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أومبدل أوثابت أومحذوف أونحوذلك

(1/89)


لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة، ولذا لم يعدوا إثبات ياء الزوائد وحذف ياء تسئلني في الكهف وواووأكون من الصالحين والظاء من يظنين ونحوه من مخالفة الرسم المردودة، فإن الخلاف في ذلك مغتفر، إذ هوقريب يرجع إلى معنى واحد وتمشية صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول، بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولوكانت حرفا واحدا من حروف المعاني فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة أتباع الرسم ومخالفته. قال: وقولنا وصح إسنادها نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله وهكذا حتى ينتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن غير معدودة عندهم من الغلط أومما شذ بعضهم. قال: وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت في قرآن. قال: وهذا مما لا يخفى فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم لا، وإذا شرطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن السبعة. وقد قال أبو شامة: شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة: أي كل فرد فيما روى عنهم. قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها. وقال الجعبري: الشرط واحد وهوصحة النقل ويلزم الآخران، فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن في العربية وأتقن الرسم انجلت له هذه الشبهة. وقال مكي: مما روى في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به ويكفر جاحده، وهوما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف. وقسم صح نقله عن الآحاد وصح في العربية وخالف لفظه الخط فيقبل ولا يقرأ به لأمرين: مخالفته لما أجمع عليه، وأنه لم يؤخذ بإجماع بل بخبر الآحاد ولا يثبت به قرآن ولا يكفر جاحده، ولبئس ما صنع إذا جحده. وقسم نقله ثقة ولا حجة له في العربية، أونقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق الخط. وقال ابن الجزري: مثال الأول كثير، كمالك وملك ويخدعون ويخادعون، ومثال الثاني: قراءة ابن مسعود وغيره، والذكر والأنثى، وقراءة ابن عباس، وكان أمامهم ملك بأخذ كل سفينة صالحة ونحوذلك. قال: واختلف العلماء في القراءة بذلك، والأكثر على المنع لأنها لم تتواتر، وإن ثبتت بالنقل فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة أوبإجماع الصحابة على المصحف العثماني. ومثال ما نقله غير ثقة كثير مما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي، ومنها: إنما يخشى الله من عباده العلماء، برفع الله ونصب العلماء. وقد كتب الدارقطني وجماعة بأن هذا الكتاب موضوع لا أصل له. ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية قليل لا يكاد يوجد، وجعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع معائش بالهمز. قال: وبقي قسم رابع مردود أيضا، وهوما وافق العربية والرسم ولم ينقل ألبتة، فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر. وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر بن مقسم وعقد له بسبب ذلك مجلس وأجمعوا على منعه، ومن ثم امتنعت القراءة القياس المطلق الذي لأصل يرجع إليه، ولا ركن يعتمد في الأداء عليه. قال: أما ما له أصل كذلك فإنه مما يصار إلى قبول القياس عليه كقياس إدغام قال رجال، على قال رب ونحوه مما لا يخالف نصا ولا يرد إجماعا مع أنه قليل جدا. قلت: أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جدا، وقد تحرر لي منه أن القراءات أنواع. الأول: المتواتر، وهوما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، وغالب القراءات كذلك. الثاني: المشهور وهوما صح سنده ولم يبلغ درجة المتواتر ووافق العربية والرسم واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، ويقرأ به على ما ذكره ابن الجزري ويفهمه كلام أبي شامة السابق، ومثاله: ما اختلف الطرق في نقله عن السبعة فرواه بعض

(1/90)


الرواة عنهم دون بعض، وأمثلة ذلك كثيرة في فرش الحروف من كتب القراءات كالذي قبله. ومن أشهر ما صنف في ذلك التيسير لداني، وقصيدة الشاطبي وأوعية النشر في القراءات العشر، وتقريب النشر كلاهما لابن الجزري. الثالث: الآحاد، وهوما صح سنده وخالف الرسم أوالعربية أولم يشتهر الاشتهار المذكور ولا يقرأ به، وقد عقد الترمذي في جامعه والحاكم في مستدركه لذلك بابا أخرجه فيه شيئا كثيرا صحيح الإسناد. ومن ذلك ما أخرجه الحاكم مكن طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان. وأخرج من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ: أفلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرات أعين. وأخرج عن ابن عباس أنه صلى اله عليه وسلم قرأ: لقد جاءكم رسول من أنفسكم بفتح الفاء. وأخرج عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ: فروح وريحان: يعني بضم الراء. الرابع: الشاذ، وهوما لم يصح سنده، وفيه كتب مؤلفة، من ذلك قراءة ملك يوم الدين بصيغة الماضي، ونصب يوم إياك يعبد بنائه للمفعول. الخامس: الموضوع، كقراءات الخزاعي. وظهر لي سادس يشبه من أنواع الحديث المدرج، وهوما زيد في القراءات على وجه التفسير، كقراءة سعيد بن أبي وقاص، وله أخ أوأخت من أم أخرجها سعيد بن منصور، وقراءة ابن عباس: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج، أخرجها البخاري. وقراءة ابن الزبير: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم. قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسر؟ أخرجه سعيد بن منصور. وأخرجه الأنباري وجزم بأنه تفسير. وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: وإن منكم إلا واردها. الورود: الدخول. قال الأنباري: قوله الورود الدخول تفسير من الحسن لمعنى الورود، وغلط فيه بعض الرواة فأدخله في القرآن. قال: ابن الجزري في آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات إيضاحا وبيانا لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا فهم آمنون من الالتباس، وربما بعضهم يكتبه معه. وأما من يقول إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب، وسأفرد في هذا النوع: أعني المدرج تأليفا مستقلا.رواة عنهم دون بعض، وأمثلة ذلك كثيرة في فرش الحروف من كتب القراءات كالذي قبله. ومن أشهر ما صنف في ذلك التيسير لداني، وقصيدة الشاطبي وأوعية النشر في القراءات العشر، وتقريب النشر كلاهما لابن الجزري. الثالث: الآحاد، وهوما صح سنده وخالف الرسم أوالعربية أولم يشتهر الاشتهار المذكور ولا يقرأ به، وقد عقد الترمذي في جامعه والحاكم في مستدركه لذلك بابا أخرجه فيه شيئا كثيرا صحيح الإسناد. ومن ذلك ما أخرجه الحاكم مكن طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان. وأخرج من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ: أفلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرات أعين. وأخرج عن ابن عباس أنه صلى اله عليه وسلم قرأ: لقد جاءكم رسول من أنفسكم بفتح الفاء. وأخرج عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ: فروح وريحان: يعني بضم الراء. الرابع: الشاذ، وهوما لم يصح سنده، وفيه كتب مؤلفة، من ذلك قراءة ملك يوم الدين بصيغة الماضي، ونصب يوم إياك يعبد بنائه للمفعول. الخامس: الموضوع، كقراءات الخزاعي. وظهر لي سادس يشبه من أنواع الحديث المدرج، وهوما زيد في القراءات على وجه التفسير، كقراءة سعيد بن أبي وقاص، وله أخ أوأخت من أم أخرجها سعيد بن منصور، وقراءة ابن عباس: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج، أخرجها البخاري. وقراءة ابن الزبير: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم. قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسر؟ أخرجه سعيد بن منصور. وأخرجه الأنباري وجزم بأنه تفسير. وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: وإن منكم إلا واردها. الورود: الدخول. قال الأنباري: قوله الورود الدخول تفسير من الحسن لمعنى الورود، وغلط فيه بعض الرواة فأدخله في القرآن. قال: ابن الجزري في آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات إيضاحا وبيانا لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا فهم آمنون من الالتباس، وربما بعضهم يكتبه معه. وأما من يقول إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب، وسأفرد في هذا النوع: أعني المدرج تأليفا مستقلا.

(1/91)


تنبيهات: الأول لا خلاف أن كل ما هومن القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه، وأما في محله وضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة لقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لا، هذا المعجز العظيم الذي هوأصل الدين القويم والصراط المستقيم مما تتوفر الدواعي علة نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع ليس من القرآن قطعا. وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هومن القرآن بحسب أصله، وليس بشرط في محله ووضعه وترتيبه، بل يكثر فيها نقل الآحاد. قيل وهوالذي يقتضيه صنع الشافي في إثبات البسملة من كل سورة. ورد هذا المذهب بأن الدليل السابق يقتضي التواتر في الجميع، ولأنه لولم يشترط لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير مما ليس بقران. أما الأول: فلأنا لولم نشترط التوتر في المحل جاز أن لا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن مثل - فبأي آلاء ربكما تكذبان - وأما الثاني: فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد. وقال: القاضي أبو بكر في الانتصار: ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه. وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربية، وإن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بها وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطئوا من قال به انتهى. وقد بنى المالكية وغيرهم ممن قال بإنكار البسملة قولهم على هذا الأصل، وقرروه بأنها لم تتواتر في أوائل السور، وما لم يتواتر فليس بقرآن. وأجيب من قبلنا بمنع كونها لم تتواتر، فرب متواتر عند قوم دون آخرين وفي وقت دون آخر. ويكفي في تواترها إثباتها في مصاحف الصحابة فمن بعدهم بخط المصحف مع منعهم أن يكتب في المصحف ما ليس منه كأسماء السور وآمين والأعشار، فلولم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخطه من غير تمييز، لأن ذلك يحمل على اعتقادها قرآنا فيكونون مغررين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاده ما ليس بقرآن قرآنا، وهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة. فإن قيل: لعلها أثبتت لفصل بين السور؟ أجيب بأن هذا فيه تغرير، ولا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل، ولوكانت له لكتبت بين براءة والأنفال. ويدل لكونها قرآنا منزلا ما أخرجه أحمد وأبوداود والحاكم وغيرهم عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الحديث. وفيه وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد عليهم. وأخرج ابن خزيمة والبيهقي في المعرفة بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج البيهقي في الشعب وابن مردويه بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: أغفل الناس آية من كتاب الله لم تنزل على أحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون سليمان بن داود: بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج الدارقطني والطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن بريدة قال: قال النبي صلى اله عليه وسلم لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري، ثم قال: بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: هي هي. وأخرج أبوداود والحاكم والبيهقي والبزار من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل ليه بسم الله الرحمن الرحيم. زاد البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أوابتدأت سورة أخرى. وأخرج الحاكم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت إسناده على شرط الشين. وأخرج الحاكم أيضا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة. إسناده صحيح؟ وأخرج البيهقي في الشعب وغيره وعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصلا بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو شامة: يحتمل أن يكون ذلك وقت عرضه صلى الله عليه وسلم على جبريل كان لا يزال

(1/92)


يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية فيعلم. أن السورة قد انقضت، وعبر صلى الله عليه وسلم بلفظ النزول إشعارا بأنها قرآن في جميع أوائل السور، ويحتمل أن يكون المراد أن جميع آيات كل سورة كانت تنزل قبل نزول البسملة، فإذا كملت آياتها نزل جبريل بالبسملة واستعرض السورة فيعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنها قد ختمت ولا يلحق بها شيئا. وأخرج ابن خزيمة والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب، قيل فأين السابعة؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن علي أنه سئل عن السبع المثاني فقال: الحمد لله رب العالمين، فقيل له: إنما هي ست آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية وأخرج الدارقطني وأبونعيم والحاكم في تاريخه بسند ضعيف عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقى على بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج الواحدي من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر قال: نزلت بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة. وأخرج البيهقي من وجه ثابت عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا ختم السورة قرأها ويقول: ما كتبت في المصحف إلا لتقرأ. وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها وأخرج مسلم عن أنس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقال: أنزلت لي آنفا سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر الحديث. فهذه الأحاديث تعطي التواتر المعنوي بكونها قرآنا منزلا في أوائل السور، ومن المشكل على هذا الأصل ما ذكره الإمام فخر الدين الرازي قال: نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وهوفي غاية الصعوبة لأنا إن قلنا: إن النقل المتواتر كان حاصلا في عصر الصحابة يكون ذلك من القرآن فإنكاره يوجب الكفر. وإن قلنا: لم يكن حاصلا في ذلك الزمان فيلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل. قال: والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن سعود نقل باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة. وكذا قال القاضي أبو بكر: لم يصح عنه أنها ليست من القرآن ولا حفظ عنه، إنما حكها وأسقطها من مصحفه إنكارا من مصحفه إنكارا لكتابتها لا جحدا لكونها قرآنا، لأنه كانت السنة عنده أن لا يكتب في المصحف إلا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإثباته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به. وقال النووي في شرح المهذب: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح. وقال ابن حزم في كتاب القدح المعلى تتميم المحلى. هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه، وفيها المعوذتان والفاتحة. وقال ابن حجر في شرح البخاري: قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك، فأخرج أحمد وابن حبان عنه أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال: كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. وأخرج البزار والطبراني من وجه آخر عنه أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما، وكان عبد الله لا يقرأ بهما، أسانيدها صحيحة. قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قرأهما في الصلاة. قال ابن حجر: فقول من قال إنه كذب عليه مردود، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل. قال: وقد أوله القاضي وغيره على إنكار الكتابة كما سبق. قال: وهوتأويل حسن، إلا أن الرواية الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها: ويقول إنهما ليستا من كتاب الله. قال: ويمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتم التأويل المذكور، لكن قال: من تأمل سياق الطرق المذكورة استبعد هذا الجمع. قال: وقد أجاب

(1/93)


ابن الصباغ بأنه لم يستقر عنده القطع بذلك ثم حصل الاتفاق بعد ذلك، وحاصله أنهما كانتا متواترتين في عصره لكنهما لم يتواترا عنده انتهى. وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن، لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه. ولا نقول أنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار. قال: وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن، معاذ الله، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد. قلت: وإسقاطه الفاتحة من مصحفه أخرجه أبا عبيد بسند صحيح كما تقدم في أوائل النوع التاسع عشر.الصباغ بأنه لم يستقر عنده القطع بذلك ثم حصل الاتفاق بعد ذلك، وحاصله أنهما كانتا متواترتين في عصره لكنهما لم يتواترا عنده انتهى. وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن، لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه. ولا نقول أنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار. قال: وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن، معاذ الله، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد. قلت: وإسقاطه الفاتحة من مصحفه أخرجه أبا عبيد بسند صحيح كما تقدم في أوائل النوع التاسع عشر.

(1/94)


التنبيه الثاني قال الزركشي في البرهان: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما، والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل هي مشهورة. قال الزركشي: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم ففيه نظر، فإن إسنادهم بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد. قلت: في ذلك نظر لما سيأتي. واستثنى أبو شامة كما تقدم الألفاظ المختلف فيها عن القراء، واستثنى ابن الحاجب ما كان من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتحقيق الهمزة. وقال غيره: الحق أن أصل المد والإمالة متواتر، ولكن التقدير غير متواتر لاختلاف في كيفيته، كذا قال الزركشي. قال: وأما أنواع تحقيق الهمزة فكلها متواترة. وقال ابن الجزري: لا نعلم أحدا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك، وقد نص على تواتر ذلك كله أئمة الأصول كالقاضي أبي بكر وغيره وهوالصواب، لأنه إذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه، لأن اللفظ لا يقوم إلا به ولا يصح إلا بوجوده. التنبيه الثالث قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهوخلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. وقال أبو العباس بن عمار: لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإبهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أوزاد ليزيل الشبهة. ووقع له أيضا في اقتصاره على كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راوثالث غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر وأصح وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أوكفر. وقال أبو بكر بن العربي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أوفوقهم، وكذا قال غير واحد منهم مكي ومنهم أبو العلاء الهمذاني وآخرون من أئمة القراء. وقال أبوحيان: ليس في كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمروبن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويا ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيد، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس فكيف يقتصر على السوسي والدوري وليس لهما مزية على غيرهما، لأن الجميع مشتركون في الضبط والإتقان والاشتراك في الأخذ، قال: ولا أعرف لهذا سببا إلا ما قضى من نقص العلم. وقال مكي: من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما. قال: ويلزم من هذا أيضا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط الصحف أن لا يكون قرآنا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل القاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب. قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هوأجل منهم قدرا أومثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إماما واحدا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به، كقراءة يعقوب وأبي جعفر وشيبة وغيرهم. قال: وقد صنف ابن جبر المكي مثل ابن مجاهد كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إماما، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار. ويقال إنه وجه بسبعة: هذه الخمسة، ومصحفا إلى اليمن، ومصحفا إلى البحرين، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبرا وأراد ابن مجاهد وغيره

(1/95)


مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل لهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسئلة ولم تكن له فطنة، فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع، والأصل المعتمد عليه سحة السند في السماع واستقامة الوجه في العربية وموافقة الرسم، وأصح القراءات سندا نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمر والكسائي انتهى. وقال القراب في الشافي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هومن جمع بعض المتأخرين فانتشر وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد. وقال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق خط المصحف الإمام فهومن السبعة المنصوصة، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهومن الشاذ. وقد اشتد إنكار الأئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية، وآخر من صرح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي فقال في شرح المنهاج: قال الأصحاب: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع ولا تجوز بالشاذ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ. وقد نقل البغوي الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة، وهذا القول هو الصواب، قال: واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على قسمين: منه ما يخالف رسم المصحف فهذا لاشك في أنه لا تجوز قراءته لا في الصلاة ولا في غيرها. ومنه ما لا يخالف رسم المصحف ولم تشتهر القراءة به وإنما ورد من طريق غريب لا يعول عليها، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضا. ومنه ما اشتهر عن أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا، فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره. قال: والبغوي أولى من يعتمد عليه في ذلك فإنه مقرئ ففيه جامع للعلوم. قال: وهكذا التفصيل في شواذ السبعة، فإن عنهم شيئا كثيرا شاذا انتهى. وقال ولده في منع الموانع: إنما قلنا في جمع الجوامع والسبع متواترة ثم قلنا في الشاذ والصحيح إنه ما وراء العشرة ولم نقل والعشر متواترة، لأن السبع لم يختلف في تواترها، فذكرنا أولا موضع الإجماع ثم عطفنا عليه موضع الخلاف. قال: على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين، وهي لا تخالف رسم المصحف. قال: وقد سمعت أبي يشدد النكير على بعض القضاة وقد بلغه أنه منع من القراءة بها. واستأذنه بعض أصحابنا مرة في إقراء السبع فقال: أذنت لك أن تقرأ العشر انتهى. وقال في جواب سؤال سأله ابن الجزري: القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطئ والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل.ة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل لهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسئلة ولم تكن له فطنة، فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع، والأصل المعتمد عليه سحة السند في السماع واستقامة الوجه في العربية وموافقة الرسم، وأصح القراءات سندا نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمر والكسائي انتهى. وقال القراب في الشافي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هومن جمع بعض المتأخرين فانتشر وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد. وقال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق خط المصحف الإمام فهومن السبعة المنصوصة، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهومن الشاذ. وقد اشتد إنكار الأئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية، وآخر من صرح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي فقال في شرح المنهاج: قال الأصحاب: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع ولا تجوز بالشاذ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ. وقد نقل البغوي الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة، وهذا القول هو الصواب، قال: واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على قسمين: منه ما يخالف رسم المصحف فهذا لاشك في أنه لا تجوز قراءته لا في الصلاة ولا في غيرها. ومنه ما لا يخالف رسم المصحف ولم تشتهر القراءة به وإنما ورد من طريق غريب لا يعول عليها، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضا. ومنه ما اشتهر عن أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا، فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره. قال: والبغوي أولى من يعتمد عليه في ذلك فإنه مقرئ ففيه جامع للعلوم. قال: وهكذا التفصيل في شواذ السبعة، فإن عنهم شيئا كثيرا شاذا انتهى. وقال ولده في منع الموانع: إنما قلنا في جمع الجوامع والسبع متواترة ثم قلنا في الشاذ والصحيح إنه ما وراء العشرة ولم نقل والعشر متواترة، لأن السبع لم يختلف في تواترها، فذكرنا أولا موضع الإجماع ثم عطفنا عليه موضع الخلاف. قال: على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين، وهي لا تخالف رسم المصحف. قال: وقد سمعت أبي يشدد النكير على بعض القضاة وقد بلغه أنه منع من القراءة بها. واستأذنه بعض أصحابنا مرة في إقراء السبع فقال: أذنت لك أن تقرأ العشر انتهى. وقال في جواب سؤال سأله ابن الجزري: القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطئ والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل.

(1/96)


التنبيه الرابع باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام، ولهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءة في لمستم ولا مستم، وجواز وطء الحائض عند الانقطاع قبل الغسل وعدمه على الاختلاف في يطهرن، وقد حكوا خلافا غريبا في الآية إذا قرئت بقرائتين، فحكى أبو الليث السمرقندي في كتاب البستان قولين: أحدهما أن الله قال بهما جميعا. والثاني أن الله قال بقراءة واحدة إلا أنه أذن أن تقرأ بقراءتين، ثم اختار توسطا وهوأنه إن كان لكل قراءة تفسير يغاير الآخر فقد قال بهما جميعا وتصير القراءتان بمنزلة آيتين مثل حتى يطهرن وإن كان تفسيرهما واحدا كالبيوت والبيوت، فإنما قال بأحدهما وأجاز القراءة بهما لكل قبيلة على ما تعود لسانهم. فإن ما قيل: إذا قلتم إنه قال بأحدهما فأي القراءتين هي. قلنا: التي بلغه قريش انتهى. وقال بعض المتأخرين: لاختلاف القراءات وتنوعها فوائد: منها التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة. ومنها إظهار فضلها وشرفها على سائر الأمم، إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد. ومنها إعظام أجرها من بث أنهم يفرغون جهدهم في تحقيق ذلك وضبطه لفظة لفظة حتى مقادير المدات وتفاوت الإمالات، ثم في تتبع معاني ذلك واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ وإمعانهم الكشف عن التوجيه والتعليل والترجيح. ومنها إظهار سر الله في كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة. ومنها المبالغة في إعجازه بإيجازه إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولوجعلت دلالة كل لفظ آية على حدة لم يخف ما كان فيه من التطويل، ولهذا كان قوله وأرجلكم منزلا لغسل الرجل والمسح على الخف واللفظ واحد لكن باختلاف إعرابه. ومنها أن بعض القراءات يبين ما لعله مجمل في القراءات الأخرى، فقراءة يطهرن بالتشديد مبينة لمعنى قراءة التخفيف، وقراءة فامضوا إلى ذكر الله تبين أن المراد بقراءة اسعوا الذهاب لا المشي السريع. وقال أبو عبيد في فضائل القرآن: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها، كقراءة عائشة وحفصة: والصلاة الوسطى صلاة العصر، وقراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما، وقراءة جابر: فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم. قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن، فكيف إذا روى عن كبار الصحابة ثم صار في نفس القراءة فهوأكثر من التفسير وأقوى، فأدنا ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل انتهى. وقد اعتنيت في كتابي أسرار التنزيل ببيان كل قراءة أفادت معنى زائدا على القراءة المشهورة.
التنبيه الخامس اختلف في العمل بالقراءة الشاذة، فنقل إمام الحرمين في البرهان عن ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز، وتبعه أبونصر القشيري، وجزم به ابن الحاجب لأنه نقله على أنه قرآن ولم يثبت. وذكر القاضيان أبو الطيب والحسين والروياني والرافعي العمل بها تنزيلا لها منزلة خبر الآحاد، وصححه ابن السبكي في جمع الجوامع وشرح المختصر، وقد احتج الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود، وعليه أبوحنيفة أيضا، واحتج على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءته متتابعات، ولم ينجح بها أصحابنا لثبوت نسخها كما سيأتي.

(1/97)


التنبيه السادس من المهم معرفة توجيه القراءات، وقد اعتنى به الأئمة وأفردوا فيه كتبا منها الحجة لأبي علي الفارسي والكشف لمكي والهداية للمهدوي والمحتسب في توجيه الشواذ لابن جني. قال الكواشي: وفائدته أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه أومرجحا، إلا أنه ينبغي التنبيه على شيء وهوأنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقطها، وهذا غير مرضي لأن كلا منهما متواتر. وقد حكى أبو عمر الزاهد في كتاب اليواقيت عن ثعلب أنه قال: إذا اختلف الإعرابان في القراءات لم أفضل إعرابا على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى، وقال أبوجعفر النحاس: السلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءتان أن لا يقال إحداهما أجود لأنهما جميعا صلى اله عليه وسلم، فيأثم من قال ذلك. وكان رؤساء الصحابة ينكرون مثل هذا. وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين قراءة مالك وملك حتى أن بعضهم بالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين انتهى. وقال بعضهم: توجيه القراءات الشاذة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة.
خاتمة قال النخعي: كانوا يكرهون أن يقولوا قراءة عبد الله وقراءة سالم أبي وقراءة زيد، بل يقال فلان كان يقرأ بوجه كذا وفلان كان يقرأ بوجه كذا. قال النووي: والصحيح أن ذلك لا يكره.

النوع الثامن والعشرون في معرفة الوقف والابتداء
أفرده بالتصنيف خلائق، منهم أبوجعفر النحاس وابن الأنباري والزجاجي والداني والعماني والسجاوندي وغيرهم، وهوفن جليل به يعرف كيف أداء القراءة. والأصل فيه ما أخرجه النحاس قال: حدثنا محمد بن جعفر الانباري، حدثنا هلال بن العلاء، حدثنا أبي وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا عبد الله ابن عمروالزرقي عن زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن عوف البكري قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم ولقد رأينا اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه. قال النحاس: فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتلعمون الأوقاف كما يتعلمون القرآن. وقول ابن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة ثابت. قلت: أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه. وعن علي قوله تعالى - ورتل القرآن ترتيلا - قال: الترتيل: تجويد الحروف ومعرفة الوقف. قال ابن الأنباري: من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء. وقال النكزاوي: باب الوقف عظيم القدر جليل الخطر، لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل. وفي النشر لابن الجوزي: لما لم يمكن القارئ أن يقرأ السورة أوالقصة في نفس واحد ولم يجز التنفس بين كلمتين حالة الوصل، بل ذلك كالتنفس في أثناء الكلمة وجب حينئذ اختيار وقفة للتنفس والاستراحة وتعين ارتضاء ابتداء بعده، ويتحتم أن لا يكون ذلك مما يحيل المعنى ولا يخل بالفهم، إذ بذلك يظهر الإعجاز ويحصل القصد، ولذلك حض الأئمة على تعلمه ومعرفته، وفي كلامه دليل على وجوب ذلك. وفي كلام ابن عمر برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة، وصح بل تواتر عندنا والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع أحد أعيان التابعين وصاحبه الإمام نافع وأبي عمرو ويعقوب وعاصم وغيرهم من الأئمة، وكلامهم في ذلك معروف ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب، ومن ثم اشترط كثير من الخلف على المجيز أن لا يجيز أحدا إلا بمعرفته الوقف والابتداء وصح عن الشعبي أنه قال: إذا قرأت - كل من عليها فان - فلا تسكت حتى تقرأ - ويبقى وجه ربك ذوالجلال والإكرام - أخرجه ابن أبي حاتم.

(1/98)


فصل اصطلح الأئمة على أن لأنواع الوقف والابتداء أسماء، واختلفوا في ذلك، فقال ابن الأنباري: الوقف على ثلاثة أوجه: تام، وحسن، وقبيح. فالتام: الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، ولا يكون بعده ما يتعلق به كقوله (وأولئك هم المفلحون - وقوله (أم لم تنذرهم لا يؤمنون . والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده كقوله الحمد لله، لأن الابتداء برب العالمين لا يحسن لكونه صفة لما قبله. والقبيح: هو الذي ليس بتام ولا حسن كالوقف على بسم من قوله بسم الله. قال: ولا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه، ولا المنعوت دون نعته، ولا الرافع دون مرفوعه وعكسه، ولا الناصب دون منصوبه وعكسه، ولا المؤكد دون توكيده، ولا المعطوف دون المعطوف عليه، ولا البدل دون مبدله، ولا إن أوكان أوظن وأخواتها دون اسمها ولا اسمها دون خبرها ولا المستثنى منه دون الاستثناء ولا الموصول دون صلته اسميا أوحرفيا، ولا الفعل دون مصدره، ولا الحرف دون متعلقه، ولا شرط دون جزائه. وقال غيره: الوقف ينقسم إلى أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك. فالتام: هو الذي لا يتعلق بشيء مما بعده فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، وأكثر ما يوجد عند رؤوس الآي غالبا كقوله (وأولئك المفلحون - وقد يوجد في أثنائها كقوله (وجعلوا أعزة أهلها أذلة - هنا التمام لأنه انقضى كلام بلقيس، ثم قال تعالى - وكذلك يفعلون - وكذلك - لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني - هنا التمام لأنه انقضى كلام الظالم أبي بن خلف، ثم قال تعالى - وكان الشيطان للإنسان خذولا - وقد يوجد بعدها كقوله مصبحين، وبالليل هنا التمام لأنه معطوف على المعنى: أي بالصبح وبالليل، ومثله يتكئون وزخرفا، رأس الآية يتكئون وزخرفا هو التمام لأنه معطوف على ما قبله وآخر كل قصة، وما قبل أولها وآخر كل سورة، وقيل ياء النداء وفعل الأمر والقسم ولامه دون القول. والشرط: ما لم يتقدم جوابه وكان الله وما كان وذلك ولولا غالبهن تام ما لم يتقدمهن قسم أوقول أوما في معناه. والكافي: منقطع في اللفظ متعلق في المعنى فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده أيضا نحو حرمت عليكم أمهاتكم - هنا الوقف، ويبتدئ بما بعد ذلك، وهكذا كل رأس آية بعدها لام كي وإلا بمعنى لكن وإن الشديدة المكسورة والاستفهام وبل وألا المخففة والسين وسوف ونعم وبئس وكيلا ما لم يتقدمهن قول أوقسم. والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده كالحمد له. والقبيح: هو الذي لا يفهم منه المراد كالحمد، وأقبح منه الوقف على - لقد كفر الذين قالوا - ويبتدأ - إن الله هو المسيح - لأن المعنى مستحيل بهذا الابتداء، ومن تعمده وقصد معناه فقد كفر، ومثله في الوقف - فبهت الذي كفر - والله - فلها النصف ولأبويه - وأقبح من هذا الوقف على المنفي دون حرف الإيجاب من نحولا إله إلا الله - وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا - فإن اضطر لأجل التنفس جاز، ثم يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده ولا حرج انتهى. وقال السجاوندي: الوقف على خمس مراتب: لازم، ومطلق، وجائز، ومجوز بوجه، ومرخص ضرورة. فاللازم: ما لووصل طرفاه غير المراد نحوقوله (وما هم بمؤمنين - يلزم الوقت هنا، إذ لووصل بقوله (يخادعون الله - توهم أن الجملة صفة لقوله بمؤمنين، فانتفى الخداع عنهم وتقرر الإيمان خالصا عن الخداع كما تقول - ما هوبمؤمن مخادع - وكما في قوله (لا ذلول تثير الأرض - فإن جملت تثير صفة لذلول داخله في حيز النفي: أي ليست ذلولا مثيرة، والقصد في الآية إثبات الخداع بعد نفي الإيمان، ونحو سبحانه أن يكون له ولد - فلووصلها بقول - له ما في السموات وما في الأرض - لأوهم أنه سفة لولد، وأن المنفي ولد موصوف لأن له ما في السموات، والمراد نفي الولد مطلقا. والمطلق: ما يحسن الابتداء بما بعده كالاسم المبتدإ به نحو الله يجتبي - والفعل المستأنف نحو يعبدونني لا يشركون بي شيئا - سيقول السفهاء - سيجعل الله بعد عسر يسرا - ومفعول المحذوف نحو وعد الله - سنة الله - والشرط نحو من يشأ الله يضلله - والاستفهام ولومقدرا نحو أتريدون أن تهدوا تريدون عرض الدنيا - والنفي - ما كان لهم الخيرة إن يريدون إلا فرارا - حيث لم يكن كل ذلك مقولا لقول سابق. والجائز: ما يجوز فيه الوصل

(1/99)


والفصل لتجاذب الموجبين من الطرفين نحو وما أنزل من قبلك - فإن واوالعطف تقتضي الوصل وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم، فإن التقدير: ويوقنون بالآخرة. والمجوز لوجه: نحوأولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة - لأن الفاء في قوله (فلا يخف عنهم - تقتضي التسبب والجزاء وذلك يوجب الوصل، وكون لفظ الفعل على الاستئناف يجعل للفصل وجها. والمرض ضرورة: ما لا يستغنى ما بعده عما قبله، لكنه يرخص لانقطاع النفس وطول الكلام، ولا يلزمه الوصل بالعود لأن ما بعده جملة مفهومة كقوله (والسماء بناء - لأن قوله (وأنزل - لا يستغنى عن سياق الكلام، فإن فاعله ضمير يعود إلى ما قبله، غير أن الجملة مفهومة. وأما ما لا يجوز الوقف عليه: فكالشرط دون جزائه. والمبتدأ دون خبره ونحوذلك. وقال غيره: الوقف في التنزيل على ثمانية أضرب: تام، وشبيه به، وناقص، وشبيه به، وحسن، وشبيه به، وقبيح، وشبيه به. وقال ابن الجزري: أكثر ما ذكر الناس في أقسام الوقف غير منضبط ولا منحسر، وأقرب ما قلته في ضبطه أن الوقف ينقسم إلى اختياري واضطراري، لأن الكلام إما أن يتم أولا، فإن تم كان اختياريا وكونه تاما لا يخلوإما أن لا يكون له تعلق بما بعده ألبتة: أي لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى. فالوقف المسمى بالتام لتمامه المطلق يوقف عليه ويبدأ بما بعده ثم مثله بما تقدم في التام. قال: وقد يكون الوقف تاما في تفسير وإعراب وقراءة غير تام على آخر نحو وما يعلم تأويله إلا الله - تام إن كان ما بعده مستأنفا، غير تام إن كان عطوفا، ونحوفواتح السور الوقف عليها تام إن أعربت مبتدأ والخبر محذوف أوعكسه: أي ألم هذه أوهذه أومفعولا بقل مقدرا غير تام إن كان ما بعده هو الخبر، ونحو مثابة للناس وأمنا - تام على قراءة واتخذوا بكسر الخاء كاف على قراءة الفتح ونحو إلى صراط العزيز الحميد - تام على قراءة من رفع الاسم الكريم بعدها حسن على قراءة من خفض. وقد يتفاصل التام نحو مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين - كلاهما تام، إلا أن الأول أتم من الثاني لاشتراك الثاني فيما بعده في معنى الخطاب بخلاف الأول، وهذا هو الذي سماه بعضهم شبيها بالتام، ومنه ما يتأكد استحبابه لبيان المعنى المقصود وهوالذي سماه السجاوندي باللازم، وإن كان له تعلق فلا يخلوإما أن يكون من جهة المعنى فقط وهوالمسمى بالكافي للاكتفاء به واستغنائه عما بعده واستغناء ما بعده عنه كقوله (ومما رزقناهم ينفقون وقوله وما أنزل من قبلك - وقوله (على هدى من ربهم - ويتفاضل في الكفاية كتفاضل التام نحو في قلوبهم مرض - كاف - فزادهم الله مرضا - أكفى منه بما كانوا يكذبون أكفى منهما، وقد يكون الوقف كافيا على تفسير وإعراب وقراءة غير كاف على آخر نحوقوله (يعلمون الناس السحر - كاف إن جعلت ما بعده نافية، حسن إن فسرت موصولة - وبالآخرة هم يوقنون - كاف إن أعرب ما بعده مبتدأ خبره على هدى، حسن إن جعل خبر الذين يؤمنون بالغيب أوخبر - والذين يؤمنون بما أنزل ونحن له مخلصون - كاف على قراءة أم تقولون بالخطاب، حسن على قراءة الغيب - يحاسبكم به الله - كاف على قراءة من رفع فيغفر ويعذب، حسن على قراءة من جزم، وإن كان التعلق من جهة اللفظ فهوالمسمى بالحسن لأنه في نفسه حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون الابتداء مما بعده للتعلق اللفظي، إلا أن يكون رأس آية فإنه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء لمجيئه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة الآتي، وقد يكون الوقف حسنا على تقدير، وكافيا أوتاما على آخر نحو هدى للمتقين - حسن إن جعل ما بعده نعتا، كاف إن جعل خبرا مقدما ومفعول مقدر على القطع، تام إن جعل مبتدأ خبره أولئك. وإن لم يتم الكلام كان الوقف عليه اضطراريا، وهوالمسمى بالقبيح لا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه لعدم الفائدة أولفساد المعنى نحو صراط الذين - وقد يمون بعضه أقبح ن بعض نحو فلها النصف ولأبويه - أنهما مع البنت شركاء في النصف، وأقبح منه نحو إن الله لا يستحيي - فويل للمصلين - لا تقربوا الصلاة - فهذا حكم الوقت اختياريا واضطراريا. وأما الابتداء فلا يكون إلا اختياريا لأنه ليس كالوقف تدعوإليه ضرورة فلا يجوز إلا بمستقبل بالمعنى موف بالمصود، وهوفي أقسامه كأقسام الوقف الأربعة، ويتفاوت

(1/100)


تماما وكفاية وحسنا وقبحا بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى وإحالته، نحوالوقف على - ومن الناس - فإن الابتداء بالناس قبيح ويؤمن تام، فلووقف على - من يقول - كان الابتداء بيقول أحسن من ابتدائه بمن، وكذلك الوقف على - ختم الله - قبيح، والابتداء بالله أقبح ويختم كاف. والوقف على عزير ابن الله والمسيح ابن عبد الله قبيح، والابتداء بابن أقبح، وبعزير والمسيح أشد قبحا. ولووقف على - ما وعدنا الله - ضرورة كان الابتداء بالجلالة قبيحا، وبوعدنا أقبح منه، وبما أقبح منهما. وقد يكون الوقف حسنا والابتداء به قبيحا نحو يخرجون الرسول - وإياكم الوقف عليه حسن، والابتداء به قبيح لفساد المعنى، إذ يصير تحذيرا من الإيمان بالله. وقد يكون الوقف قبيحا والابتداء جيدا نحومن بعثنا من مرقدنا هذا - الوقف على هذا قبيح لفصله بين المبتدإ وخبره، ولأنه يوهم أن الإشارة إلى المرقد والابتداء بهذا كاف أونام لاستئنافه.وكفاية وحسنا وقبحا بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى وإحالته، نحوالوقف على - ومن الناس - فإن الابتداء بالناس قبيح ويؤمن تام، فلووقف على - من يقول - كان الابتداء بيقول أحسن من ابتدائه بمن، وكذلك الوقف على - ختم الله - قبيح، والابتداء بالله أقبح ويختم كاف. والوقف على عزير ابن الله والمسيح ابن عبد الله قبيح، والابتداء بابن أقبح، وبعزير والمسيح أشد قبحا. ولووقف على - ما وعدنا الله - ضرورة كان الابتداء بالجلالة قبيحا، وبوعدنا أقبح منه، وبما أقبح منهما. وقد يكون الوقف حسنا والابتداء به قبيحا نحو يخرجون الرسول - وإياكم الوقف عليه حسن، والابتداء به قبيح لفساد المعنى، إذ يصير تحذيرا من الإيمان بالله. وقد يكون الوقف قبيحا والابتداء جيدا نحومن بعثنا من مرقدنا هذا - الوقف على هذا قبيح لفصله بين المبتدإ وخبره، ولأنه يوهم أن الإشارة إلى المرقد والابتداء بهذا كاف أونام لاستئنافه.
تنبيهات الأول قولهم لا يجوز الوقف على المضاف دون المضاف ليه، ولا كذا قال ابن الجزري: إنما يريدون به الجواز الأدائي، وهوالذي يحسن في القراءة ويروق في التلاوة، ولا يريدون بذلك أنه حرام ولا مكروه، اللهم إلا أن يقصد بذلك تحريف القرآن وخلاف المعنى الذي أراده الله فإنه يكفر فضلا عن أن يأثم.
الثاني قال ابن الجزري أيضا: ليس كل ما يتعسفه بعض المعربين أويتكلفه بعض القراء أويتأوله بعض أهل الأهواء مما يقتضي وقفا وابتداء ينبغي أن يتعمد الوقف عليه، بل ينبغي تحري المعنى الأتم والوقف الأوجه وذلك نحوالوقف على - وارحمنا أنت - والابتداء - مولانا فانصرنا - على معنى النداء، ونحو ثم جاؤوك يحلفون - ويبتدئ بالله إن أردنا، ونحو يا بني لا تشرك - ويبتدئ - بالله إن الشرك - على معنى القسم، ونحو وما تشاؤون إلا أن يشاء - ويبتدئ - الله رب العالمين - ونحو فلا جناح - ويبتدئ - عليه أن يطوف بهما - فكله تعسف وتمحل وتحريف للكلم عن مواضعه.

(1/101)


الثالث يغتفر في طول الفواصل والقصص والجمل المعترضة ونحوذلك، وفي حالة جمع القراءات وقراءة التحقيق والتنزيل ما لا يغتفر في غيرها، فربما أجيز الوقف والابتداء لبعض ما ذكر، ولوكان لغير ذلك لم يبح، وهذا الذي سماه السجاوندي المرخص ضرورة، ومثله بقوله (والسماء بناء - قال ابن الجزري: والأحسن تمثيله بنحو قبل المشرق والمغرب - وبنحو والنبيين - وبنحو وأقام الصلاة وآتي الزكاة - وبنحو عاهدوا - وبنحوكل من فواصل - قد أفلح المؤمنون - إلى آخر القصة. وقال صاحب المستوفيي: النحويون يكرهون الوقف الناقص في التنزيل مع إمكان التام، فإن طال الكلام ولم يوجد فيه وقف تام حسن الأخذ بالناقص كقوله (قل أوحى - إلى قوله (فلا تدعومع الله أحدا - إن كسرت بعده إن، وإن فتحتها فإلى قوله (كادوا يكونون عليه لبدا - قال: ويحسن الوقف الناقص أمور. منها: أن يكون لضرب من البيان كقوله (ولم يجعل له عوجا - فإن الوقف هنا يبين أن قيما منفصل عنه، وأنه حال في نية التقديم، وكقوله (وبنات الأخت - ليفصل به بين التحريم النسبي والسببي. ومنها: أن يكون الكلام مبنيا على الوقف نحو يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه - قال ابن الجزري: وكما اغتفر الوقف لما ذكر قد لا يغتفر ولا يحسن فيما قصر من الجمل، وإن لم يكن التعلق لفظيا نحو ولقد آتينا موسى الكتاب - وآتينا عيسى بن مريم البينات - لقرب الوقف على بالرسل وعلى القدس. وكذا يراعى في الوقف الازدواج فيوصل ما يوقف على نظيره مما يوجد التمام عليه ويقطع تعلقه بما بعده لفظا، وذلك من أجل ازدواجه نحو لها ما كسبت - ولكم ما كسبتم - ونحو فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه - مع - ومن تأخر فلا إثم عليه - ونحو يولج الليل في النهار - مع - ويولج النهار في الليل - ونحو من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها.
الرابع قد يجيزون الوقف على حرف وعلى آخر، ويكون بين الوقفين مراقبة على التضاد، فإذا وقف على أحدهما امتنع الوقف على الآخر، كمن أجاز الوقف على لا ريب فإنه لا يجيزه على فيه، والذي يجيزه على فيه لا يجيزه على لا ريب، وكالوقف على - ولا يأب كاتب أن يكتب - فإن بينه وبين - كما علمه الله - مراقبة - والوقف على - وما يعلم تأويله إلا الله - فإن بينه وبين - والراسخون في العلم - مراقبة. قال ابن الجزري: وأول من نبه على المراقبة في الوقف أبو الفضل الازي أخذه من المراقبة في العروض.

(1/102)


الخامس قال ابن مجاهد: لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوي عالم بالقراءات، عالم بالتفسير والقصص وتخليص بعضها من بعض، عالم باللغة التي زل بها القرآن، قال غيره: وكذا علم الفقه، ولهذا من لم يقبل شهادة القاذف وإن تاب يقف عند قوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا - وممن صرح بذلك النكزاوي فقال في كتاب الوقف: لا بد للقارئ من معرفة بعض مذاهب الأئمة المشهورين في الفقه، لأن ذلك يعين على معرفة الوقف والابتداء، لأن في القرآن مواضع ينبغي الوقف على مذهب بعضهم ويمتنع على مذهب آخرين، فأما احتياجه إلى علم النحووتقديراته فلأن من جعل - ملة أبيكم إبراهيم - منصوبا على الإغراء وقف على ما قبله، أما إذا عمل فيه ما قبله فلا، وأما احتياجه إلى القراءات فلما تقدم من أن الوقف قد يكون تاما على قراءة غير تام على أخرى، وأما احتياجه إلى التفسير فلأنه إذا وقف على عليهم كان المعنى أنها محرمة عليهم أربعين سنة - كان المعنى أنها محرمة عليهم هذه المدة، وإذا وقف على عليهم كان المعنى أنها محرمة عليهم أبدا، وأن التيه أربعين فرجع هذا إلى التفسير، وقد تقدم أيضا أن الوقف يكون تاما على تفسير وإعراب غير تام على تفسير وإعراب آخر. وأما احتياجه إلى المعنى فضرورة، لأن معرفة مقاطع الكلام إنما تكون بعد معرفة معناه، وكقوله (ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله - فقوله (إن العزة لله - استئناف لا مقولهم، وقوله (فلا يصلون إليكما بآياتنا - ويبتدئ أنتما. وقال الشيخ عز الدين: الأحسن الوقف على إليكما لأن إضافة الغلبة إلى الآيات أولى من إضافة عدم الوصول إليها، لأن المراد بالآيات العصا وصفاتها وقد غلبوا بها السحرة ولم يمنع عنهم فرعون، وكذا الوقف على قوله (ولقد همت به ويبتدئ - وهم بها - على أن المعنى لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فقدم جواب لولا ويكون همه منتفيا، فعلم بذلك أن معرفة المعنى أصل في ذلك كبير.
السادس حكى ابن برهان النحوي عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة أنه ذهب إلى أن تقدير الموقوف عليه من القرآن بالتام والناقص والحسن والقبيح، وتسميته بذلك بدعة، ومعتمد الوقف على نحوه مبتدع، لأن القرآن معجز وهوكاللفظة الواحدة، فكله قرآن وبعضه قرآن، وكله تام حسن وبعضه تام حسن.
السابع الأئمة القراء مذاهب في الوقف والابتداء. فنافع كان يراعي تجانسهما بحسب المعنى، وابن كثير وحمزة حيث ينقطع النفس، واستثنى ابن كثير - وما يعلم تأويله إلا الله - وما يشعركم - إنما يعلمه بشر - فتعمد الوقف عليها، وعاصم والكسائي حيث تم الكلام، وأبو عمرويتعمد رؤوس الآي ويقول: هوأحب إلي، فقد قال بعضهم: إن الوقف عليه سنة. وقال البيهقي في الشعب آخرون: الأفضل الوقف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها اتباعا لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته. روى أبوداود وغيره عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقف، الحمد لله رب العالمين ثم يقف، الرحمن الرحيم ثم يقف.
الثامن الوقف والقطع والسكت عبارات يطلقها المتقدمون غالبا مرادا بها الوقف، والمتأخرون فرقوا فقالوا: القطع عبارة عن قطع القراءة رأسا فهوكالانتهاء، فالقارئ به كالمعرض عن القراءة والمنتقل إلى حالة أخرى غيرها. وهوالذي يستعاذ بعده للقراءة المستأنفة، ولا يكون إلا على رأس آية لأن رؤوس الآي في نفسها مقاطع. وأخرج سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو الأحوص عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل أنه قال: كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآيات ويدعوا بعضها إسناده صحيح، وعبد الله بن أبي الهذيل تابعي كبير. وقوله كانوا يدل على أن الصحابة كانوا يكرهون ذلك.
والوقف: عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمنا يتنفس فيه بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض ويكون في رؤوس الآي وأوسطها، ولا يأتي في وسط الكلمة ولا فيما اتصل رسما.

(1/103)


والسكت: عبارة عن قطع الصوت زمنا هودون زمن الوقف عادة من غير تنفس، واختلاف ألفاظ الأئمة في التأدية عنه مما يدل على طوله وقصره، فعن حمزة في السكت على الساكن قبل الهمزة سكتة يسيرة. وقال الاشناني: قصيرة. وعن الكسائي: سكتة مختلسة من غير إشباع. وقال ابن غلبون: وقفة يسيرة. وقال مكي: وقفة خفيفة. وقال ابن شريح: وقفة. وعن قتيبة من غير قطع نفس. وقال الداني: سكتة لطيفة من غير قطع. وقال الحعبري: قطع الصوت زمنا أقصر من زمن إخراج النفس، لأنه إن طال صار وقفا في عبارات أخر. قال ابن الزري: والصحيح أنه مقيد بالسماع والنقل، ولا يجوز إلا فيما صحت الرواية به لمعنى مقصود بذاته. وقيل يجوز في رؤوس الآي مطلقا حالة الوصل لقصد البيان، وحمل بعضهم الحديث الوارد على ذلك.
ضوابط: كل ما في القرآن من الذي والذين يجوز فيه الوصل بما قبله نعتا والقطع على أنه خبر، إلا في سبعة مواضع فإنه يتعين الابتداء بها: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه في البقرة. الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه، فيها أيضا وفي البقرة. الذين يأكلون الربا، الذين آمنوا وهاجروا في براءة. الذين يحشرون في الفرقان. الذين يحملون العرش في غافر. وفي الكشاف في قوله الذي يوسوس يجوز ا، يقف القارئ على الموصوف ويبتدىء الذي إن حملته على القطع، بخلاف ما إذا جعلته صفة. وقال الرماني: الصفة إن كانت للاختصاص امتنع الوقف على موصوفها دونها، وإن كانت للمدح جاز لا، عاملها في المدح غير عامل الموصوف. الوقف على المستثنى منه دون المستثنى إن كان منقطعا فيه مذاهب: الجواز مطلقا لأنه في معنى مبتدع حذف خبره للدلالة عليه. والمنع مطلقا لاحتياجه إلى ما قبله لفظا لأنه لم يعهد استعمال إلا وما في معناها إلا متصلة بما قبلها، ومعنى لأن ما قبلها مشعر بتمام الكلام في المعنى إذ قولك ما في الدار أحد هو الذي صح إلا الحمار، فلوقلت إلا الحمار على انفراده كان خطأ. والثالث: التفصيل، فإن صرح بالخبر جاز لاستقلال الجملة واستغنائها عما قبلها، وإن لم يصرح به فلا لافتقارها، قاله ابن الحاجب في أماليه: الوقف على الجملة الندائية جائز كما نقله ابن الحاجب عن المحققين لأنها مستقلة، وما بعدها جملة أخرى وإن كانت الأولى تتعلق بها. كل ما في القرآن من القول لا يجوز الوقف عليه، لأن ما بعده حكايته، قال الجويني في تفسيره.
كلا في القرآن في ثلاثة وثلاثين موضعا، منها سبع للردع اتفاقا فيوقف عليها، وذلك عهدا كلا، عزا كلا في مريم، أن يقتلون قال كلا، إنا لمدركون قال كلا، في الشعراء شركاء كلا، أن أزيد كلا، أين المفر كلا. والباقي منها ما هوبمعنى حقا قطعا فلا يوقف عليه. ومنها: ما احتمل الأمرين ففيه الوجهان. وقال مكي: هي أربعة أقسام، الأول: ما يحسن الوقف فيه عليها على معنى الردع وهوالاختبار، ويجوز الابتداء بها على معنى حقا، وذلك أحد عشر موضعا: اثنان في مريم، وقد أفلح، وفي سبأ. واثنان في المعارج. واثنان في المدثر: أن أزيد كلا، منشرة كلا. وفي المطففين: أساطير الأولين كلا، وفي الفجر أهانني كلا، وفي الحطمة أخلده كلا. الثاني: ما يحسن الوقف عليها ولا يجوز الابتداء بها بل توصل بما قبلها وبما بعدها، وهما موضعان في الشعراء: أن يقتلون قال كلا، إنا لمدركون قال كلا. الثالث: ما لا يحسن الوقف عليها ولا الابتداء بها بل توصل بما قبلها وبما بعدها، وهما موضعان في عم والتكاثر: ثم كلا سيعلمون، ثم كلا سوف تعلمون. الرابع: ما لا يحسن الوقف عليها ولكن يبتدأ بها، وهي الثمانية عشر الباقية.

(1/104)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية