صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : إعراب القرآن لابن سيده

وقال ابن عطية {ومن} للتبعيض التقدير وقتا من الليل أي وقم وقتا من الليل. وقال الزمخشري: {ومن الليل} وعليك بعض الليل {فتهجد به} والتهجد ترك الهجود للصلاة انتهى. فإن كان تفسيره وعليك بعض الليل تفسير معنى فيقري، وإن كان أراد صناعة النحو والإعراب فلا يصح لأن المغري به لا يكون حرفا، وتقدير من ببعض فيه مسامحة لأنه ليس بمرادفه البتة، إذ لو كان مرادفه للزم أن يكون اسما ولا قائل بذلك، ألا ترى إجماع النحويين على أن واو مع حرف وإن قدرت بمع.
وقال ابن عطية: والضمير في {به} عائد على وقت المقدر في وقم وقتا من الليل انتهى. فتكون الباء ظرفية أي {فتهجد} فيه وانتصب {نافلة}. قال الحوفي: على المصدر أي نفلناك نافلة قال: ويجوز أن ينتصب {نافلة} بتهجد إذا ذهبت بذلك إلى معنى صل به نافلة أي صل نافلة لك.
وقال أبو البقاء: فيه وجهان أحدهما: هو مصدر بمعنى تهجد أي تنفل نفلا و{نافلة} هنا مصدر كالعاقبة والثاني هو حال أي صلاة نافلة انتهى. وهو حال من الضمير في {به}.
{وعسى} هنا تامة وفاعلها {أن يبعثك}، و{ربك} فاعل بيبعثك و{مقاما} الظاهر أنه معمول ليبعثك هو مصدر من غير لفظ الفعل لأن يبعثك بمعنى يقيمك تقول أقيم من قبره وبعث من قبره. وقال ابن عطية: منصوب على الظرف أي في مقام محمود. وقيل: منصوب على الحال أي ذا مقام. وقيل: هو مصدر لفعل محذوف التقدير فتقوم {مقاما} ولا يجوز أن تكون {عسى} هنا ناقصة، وتقدم الخبر على الاسم فيكون {ربك} مرفوعا اسم {عسى} و{أن يبعثك} الخبر في موضع نصب بها إلا في هذا الإعراب الأخير. وأما في قبله فلا يجوز لأن {مقاما} منصوب بيبعثك و{ربك} مرفوع بعسى فيلزم الفصل بأجنبي بين ما هو موصول وبين معمول. وهو لا يجوز.

(6/209)


وقرأ الجمهور: {مدخل} و{مخرج} بضم ميمهما وهو جار قياسا على أفعل مصدر، نحو أكرمته مكرما أي إكراما. وقرأ قتادة وأبو حيوة وحميد وإبراهيم بن أبي عبلة بفتحهما. وقال صاحب اللوامح: وهما مصدران من دخل وخرج لكنه جاء من معنى {أدخلني} {وأخرجني} المتقدمين دون لفظهما ومثلهما {أنبتكم من الأرض نباتا} ويجوز أن يكونا اسم المكان وانتصابهما على الظرف، وقال غيره: منصوبان مصدرين على تقدير فعل أي {أدخلني} فأدخل {مدخل صدق} {وأخرجني} فأخرج {مخرج صدق}.
وقرأ زيد بن علي: {شفاء ورحمة} بنصبهما.
ويتخرج النصب على الحال وخبر هو قوله {للمؤمنين} والعامل فيه ما في الجار والمجرور من الفعل، ونظيره قراءة من قرأ {والسموات مطويات بيمينه} بنصب مطويات. وقول الشاعر:
رهط ابن كوز محقي أدراعهمفيهم ورهط ربيعة بن حذار
وتقديم الحال على العامل فيه من الظرفل أو المجرور لا يجوز إلا عند الأخفش، ومن منع جعله منصوبا على إضمار أعني.
{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا * ولقد صرفنا للناس فى هذا القرءان من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا * وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهر خللها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملئكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرءه قل سبحن ربى هل كنت إلا بشرا رسولا }

(6/210)


{ولا يأتون} جواب القسم المحذوف قبل اللام الموطئة في {لئن} وهي الداخلة على الشرط كقوله {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم} فالجواب في نحو هذا للقسم المحذوف لا للشرط، ولذلك جاء مرفوعا. فأما قول الأعشى:
لئن منيت بنا عن غب معركةلأتلفنا عن دماء القوم ننتفل فاللام في {لئن} زائدة وليست موطئة لقسم قبلها. فلذلك جزم في قوله لأتلفنا وقد احتج بهذا ونحوه الفراء في زعمه أنه إذا اجتمع القسم والشرط وتقدم القسم ولم يسبقهما ذو خبر أنه يجوز أن يكون الجواب للقسم وهو الأكثر وللشرط، ومذهب البصريين يحتم الجواب للقسم خاصة.

وقال الزمخشري: {ولا يأتون} جواب قسم محذوف، ولو لا اللام الموطئة لجاز أن تكون جوابا للشرط. كقوله.
يقول لا غائب مالي ولا حرم
لأن الشرط وقع ماضيا انتهى. يعني بالشرط قوله وهو صدر البيت
وإن أتاه خليل يوم مسألة
فأتاه فعل ماض دخلت عليه أداة الشرط فخلصته للاستقبال، وأفهم كلام الزمخشري أن يقول: وإن كان مرفوعا هو جواب الشرط الذي هو وإن أتاه، وهذا الذي ذهب إليه هو مخالف لمذهب سيبويه ولمذهب الكوفيين والمبرد، لأن مذهب سيبويه في مثل هذا التركيب وهو أن يكون فعل الشرط ماضيا وبعده مضارع مرفوع أن ذلك المضارع هو على نية التقديم وجواب الشرط محذوف، ومذهب الكوفيين والمبرد أنه الجواب لكنه على حذف الفاء، ومذهب ثالث وهو أنه هو جواب الشرط وهو الذي قال به الزمخشري.
الظاهر أن مفعول {صرفنا} محذوف تقديره البينات والعبر و{من} لابتداء الغاية. وقال ابن عطية: ويجوز أن تكون مؤكدة زائدة التقدير ولقد {صرفنا} {كل مثل} انتهى. يعني فيكون مفعول {صرفنا} {كل مثل} وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش لا على مذهب جمهور البصريين.
(أنتصب {خلالها} على الظرف).

(6/211)


{وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا * قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا * ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا * ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بئايتنا وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا * أولم يروا أن الله الذى خلق السموت والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظلمون إلا كفورا }
و{أن يؤمنوا} في موضع نصب و{أن قالوا}: في موضع رفع، و{إذا} ظرف العامل فيه منه.

{رسولا} ظاهره أنه نعت، ويجوز أن يكون {رسولا} مفعول بعث، و{بشرا} حال متقدمة عليه أي {أبعث الله رسولا} في حال كونه {بشرا}، وكذلك يجوز في قوله {ملكا رسولا} أي {لنزلنا عليهم من السماء} {رسولا} في حال كونه {ملكا}.
ومن مفعول بيهد وبيضلل.
وعطف قوله {وجعل لهم} على قوله {أو لم يروا} لأنه استفهام تضمن التقرير.

(6/212)


{قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسن قتورا * ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينات فاسأل بنى إسرءيل إذ جآءهم فقال له فرعون إنى لأظنك يموسى مسحورا * قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموت والأرض بصآئر وإنى لأظنك يفرعون مثبورا * فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا * وقلنا من بعده لبنى إسرءيل اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الأخرة جئنا بكم لفيفا }
والمستقرأ في {لو} التي هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره أن يليها الفعل إما ماضيا وإما مضارعا. كقوله {لو نشاء لجعلناه حطاما} أو منفيا أو ان وهنا في قوله {قل لو أنتم تملكون} وليها الاسم فاختلفوا في تخريجه، فذهب الحوفي والزمخشري وابن عطية وأبو البقاء وغيرهم إلى أنه مرفوع بفعل محذوف يفسره الفعل بعده، ولما حذف ذلك الفعل وهو تملك انفصل الضمير وهو الفاعل بتملك كقوله:.
وإن هو لم يحمل على النفس ضميها.
التقدير وإن لم يحمل فحذف لم يحمل وانفصل الضمير المستكن في يحمل فصار هو، وهنا انفصل الضمير المتصل البارز وهو الواو فصار {أنتم}، وهذا التخريج بناء على أن {لو} يليها الفعل ظاهرا ومضمرا في فصيح الكلام، وهذا ليس بمذهب البصريين.
قال الاستاذ أبو الحسن بن عصفور: لا تلي لو إلا الفعل ظاهر أو لا يليها مضمرا إلا في ضرورة أو نادر كلام مثل: ما جاء في المثل من قولهم:
لو ذات سوار لطمتني
وقال شيخنا الاستاذ أبو الحسن بن الصائغ: البصريون يصرحون بامتناع لو زيد قام لأكرمته على الفصيح، ويجيزونه شاذا كقولهم.
لو ذات سوار لطمتني

(6/213)


وهو عندهم على فعل مضمر كقوله تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} فهو من باب الاشتغال انتهى. وخرج ذلك أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي على إضمار كان، والتقدير {قل لو} كنتم {أنتم} تملكون فظاهر هذا التخريج أنه حذف كنتم برمته وبقي {أنتم} توكيدا لذلك الضمير المحذوف مع الفعل، وذهب شيخنا الأستاذ أبو الحسن الصائغ إلى حذف كان فانفصل اسمها الذي كان متصلا بها، والتقدير {قل لو} كنتم {تملكون} فلما حذف الفعل انفصل المرفوع، وهذا التخريج أحسن لأن حذف كان بعد {لو} معهود في لسان العرب.

وفسل معمول لقول محذوف أي فقلنا سل.
والظاهر أن {إذ} معمولة لآتينا أي {آتينا} حين جاء أتاهم.
وقال الزمخشري: فإن قلت: بم نعلق {إذ جاءهم}؟ قلت: أما على الوجه الأول فبالقول المحذوف أي فقلنا له سلهم حين جاءهم، وأما على الآخر فبآتينا أو بإضمار اذكر ويخبرونك انتهى. ولا يتأتى تعلقه باذكر ولا بيخبرونك لأنه ظرف ماض. وقراءة فسأل مروية عن ابن عباس. قال ابن عباس: كلام محذوف وتقديره فسأل موسى فرعون بني إسرائيل أي طلبهم لينجيهم من العذاب انتهى. وعلى قراءة فسل يكون التقدير فقلنا له سل {بني إسرائيل} أي سل فرعون إطلاق بين إسرائيل. وقال أبو عبد الله الرازي: فسل {بني إسرائيل} اعتراض في الكلام والتقدير، {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} إذ جاء {بني إسرائيل} فسلهم.
وعلى قراءة فسأل ماضيا وقدره فسأل فرعون {بني إسرائيل} يكون المفعول الأول السأل مجذوفا، والثاني هو {بني إسرائيل}.
والظاهر أن قوله {مسحورا} اسم مفعول.
وقال الفراء والطبري: مفعول بمعنى فاعل أي ساحرا.
و{ما أنزل} جملة في موضع نصب علق عنها {علمت}.

(6/214)


وانتصب {بصائر} على الحال في قول ابن عطية والحوفي وأبي البقاء، وقالا: حال من {هؤلاء}وهذا لا يصح إلا على مذهب الكسائي والأخفش لأنهما يجيزان ما ضرب هندا هذا إلا زيد ضاحكة. ومذهب الجمهور أنه لا يجوز فإن ورد ما ظاهره ذلك أول على إضمار فعل يدل عليه ما قبله التقدير ضربها ضاحكة، وكذلك يقدرون هنا أنزلها {بصائر} وعند هؤلاء لا يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى منه أو تابعا له.
{وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلنه تنزيلا * قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا }
والظاهر تعلق على مكث بقوله {لتقرأه}ولا يبالي بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنس واحد لأنه اختلف معنى الحرفين الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال.

(وانتصب {سجدا} على الحال).
{قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا * وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا }
ودعوت هذه من الأفعال التي تتعدي إلى اثنين ثانيهما بحرف جر، تقول: دعوت والدي بزيد ثم تتسع فتحذف الباء. وقال الشاعر في دعا هذه:

(6/215)


دعتني أخاها أم عمرو ولم أكنأخاها ولم أرضع لها بلبان وهي أفعال تتعدى إلى واحد بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر، يحفظ ويقتصر فيها على السماء وعلى ما قال الزمخشري يكون الثاني لقوله {ادعوا} لفظ الجلالة، ولفظ {الرحمن} وهو الذي دخل عليه الباء ثم حذف وكأن التقدير {ادعوا} معبودكم بالله أو ادعوه بالرحمن ولهذا قال الزمخشري: المراد بهما اسم المسمى وأو للتخيير، فمعنى {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}.
وأي هنا شرطية. والتنوين قيل عوض من المضاف و{ما} زائدة مؤكدة. وقيل: {ما} شرط ودخل شرط على شرط. وقرأ طلحة بن مصروف. {أيا} من {تدعوا} فاحتمل أن تكون من زائدة على مذهب الكسائي إذ قد ادعي زيادتها في قوله:
يا شاة من قنص لمن حلت له
واحتمل أن يكون جمع بين أداتي شرط على وجه الشذوذ كما جمع بين حرفي جر نحو قول الشاعر:
فأصبحن لا يسألنني عن بما به
وذلك لاختلاف اللفظ. والضمير في {فله} عائد على مسمى الأسمين وهو واحد، أي فلمسماهما {الأسماء الحسنى}، وتقدم الكلام على قوله {الأسماء الحسنى} في الأعراف.
وقوله: {فله} هو جواب الشرط.
أي {ولي من} أهل {الذل}، فعلى هذا وما تقدم يكون {من} في معنى المفعول به أو للسبب أو للتبعيض.

سورة الكهف

مائة وإحدى عشرة آية مكية

(6/216)


{الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصلحات أن لهم أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا * وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما لهم به من علم ولا لائبآئهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا * فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا * إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا }
واختلفوا في هذه الجملة المنفية، فزعم الزمخشري أنها معطوفة على {أنزل} فهي داخلة في الصلة، ورتب على هذا أن الأحسن في انتصاب {قيما} أن ينتصب بفعل مضمر ولا يجعل حالا من {الكتاب} لما يلزم من ذلك وهو الفصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وقدره جعله {قيما}. وقال ابن عطية: {قيما} نصب على الحال من {الكتاب} فهو بمعنى التقديم مؤخر في اللفظ، أي أنزل الكتاب {قيما} واعترض بين الحال وذي الحال قوله {ولم يجعل له عوجا} ذكره الطبري عن ابن عباس، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله {قيما}. أما إذا قلنا بأن الجملة المنفية اعتراض فهو جائز، ويفصل بجمل للإعتراض بين الحال وصاحبها.

(6/217)


وقال الكرماني: إذا جعلته حالا وهو الأظهر فليس فيه تقديم ولا تأخير، والصحيح أنهما حالان من {الكتاب} الأولى جملة والثانية مفرد انتهى. وهذا على مذهب من يجوز وقوع حالين من ذي حال واحد بغير عطف، وكثير من أصحابنا على منع ذلك انتهى. واختاره الأصبهاني وقال: هما حالان متواليان والتقدير غير جاعل له {عوجا قيما} وقال صاحب حل العقد: يمكن أن يكون قوله قيما بدلا من قوله: {ولم يجعل له عوجا} أي جعله مستقيما {قيما} انتهى. ويكون بدل مفرد من جملة كما قالوا في عرفت زيدا أبو من أنه بدل جملة من مفرد وفيه خلاف. وقيل: {قيما} حال من الهاء المجرور في {ولم يجعل له} مؤكدة.
وأنذر يتعدى لمفعولين قال: {إنا أنذرناكم عذابا قريبا} وحذف هنا المفعول الأول.

{أبدا} وهو ظرف دال على زمن غير متناه، وانتصب {ماكثين} على الحال وذو الحال هو الضمير في {لهم}.
وقرأ الجمهور: {كلمة} بالنصب والظاهر انتصابها على التمييز، وفاعل {كبرت} مضمر يعود على المقالة المفهومة من قوله: {قالوا اتخذ الله ولدا}، وفي ذلك معنى التعجب أي ما أكبرها كلمة، والجملة بعدها صفة لها.
وقال أيضا: وقرأ الجمهور بنصب الكلمة كما تقول نعم رجلا زيد، وفسر بالكلمة ووصفها بالخروج من أفواههم فقال بعضهم: نصبها على التفسير على حد نصب قوله تعالى: {وساءت مرتفقا}. وقالت فرقة: نصبها على الحال أي {كبرت} فربتهم ونحو هذا انتهى. فعلى قوله كما تقول نعم رجلا زيد يكون المخصوص بالذم محذوفا لأنه جعل {تخرج} صفة لكلمة.
والضمير في {كبرت} ليس عائدا على ما قبله بل هو مضمر يفسره ما بعده، وهو التمييز على مذهب البصريين، ويجوز أن يكون المخصوص بالذم محذوفا وتخرج صفة له أي {كبرت كلمة} كلمة {تخرج من أفواههم}. وقال أبو عبيدة: نصب على التعجب أي أكبر بها {كلمة} أي من {كلمة}.
و{أن} نافية أي ما {يقولون}، و{كذبا} نعت لمصدر محذوف أي قولا {كذبا}.

(6/218)


وانتصب {أسفا} على أنه مفعول من أجله أو على أنه مصدر في موضع الحال.
وانتصب {زينة} على الحال أو على المفعول من أجله إن كان {جعلنا} بمعنى خلقنا، واوجدنا، وإن كانت بمعنى صيرنا فانتصب على أنه مفعول ثان.
{وأيهم} يحتمل أن يكون الضمير فيها إعرابا فيكون {أيهم} مبتدأ و{أحسن} خبره. والجملة في موضع المفعول {لنبلوهم}.
ويحتمل أن تكون الضمة فيها بناء على مذهب سيبويه لوجود شرط جواز البناء في أي. وهو كونها مضافة قد حذف صدر صلتها، فأحسن خبر مبتدأ محذوف فتقديره هو {أحسن} ويكون {أيهم} في موضع نصب بدلا من الضمير في {لنبلوهم}، والمفضل عليه محذوف ممن ليس {أحسن عملا}.
{ أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم كانوا من ءايتنا عجبا * إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ ءاتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا * فضربنا على ءاذانهم فى الكهف سنين عددا * ثم بعثنهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا * نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية ءامنوا بربهم وزدنهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموت والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا }.

{أم} هنا هي المنقطعة فتتقدر ببل والهمزة. قيل: للإضراب عن الكلام الأول بمعنى الانتقال من كلام إلى آخر لا بمعنى الإبطال، والهمزة للإستفهام. وزعم بعض النحويين أن {أم} هنا بمعنى الهمزة فقط.
{عجبا} نصب على أنه صفة لمحذوف دل عليه ما قبله، وتقديره آية {عجبا}، وصفت بالمصدر أو على تقدير ذات عجب.
والعامل في {إذ قيل: أذكر

(6/219)


وقال الزمخشري: واجعل أمرنا رشدا} كله كقولك رأيت منك أسدا. وقرأ أبو جعفر وشيبة والزهري: وهي ويهيي بياءين من غير همز، يعني أنه أبدل الهمزة الساكنة ياء. وفي كتاب ابن خالويه الأعشى عن أبي بكر عن عاصم: وهيء لنا ويهي لكم لا يهمز انتهى. فاحتمل أن يكون أبدل الهمزة ياء، واحتمل أن يكون حذفها فالأول إبدال قياسي، والثاني مختلف فيه ينقاس حذف الحرف المبدل من الهمزة في الأمر أو المضارع إذا كان مجزوما.
ومفعول ضربنا محذوف أي حجابا.
وانتصب {سنين} على الظرف والعامل فيه {فضربنا}، و{عددا} مصدر وصف به أو منتصب بفعل مضمر أي بعد {عددا} وبمعنى اسم المفعول كالقبض والنفض.
وفي الكشاف وقرىء ليعلم وهو معلق عنه لأن ارتفاعه بالإبتداء لا بإسناد يعلم إليه، وفاعل يعلم مضمون الجملة كما أن مفعول يعلم انتهى.
وأما ليعلم فيظهر أن المفعول الأول محذوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير ليعلم الله الناس {أي الحزبين}. والجملة من الابتداء والخبر في موضع مفعولي يعلم الثاني والثالث، وليعلم معلق. وأما ما في الكشاف فلا يجوز ما ذكر على مذهب البصريين لأن الجملة إذ ذاك تكون في موضع المفعول الذي لا يسمى فاعله وهو قائم مقام الفاعل، فكما أن تلك الجملة وغيرها من الجمل لا تقوم مقام الفاعل فكذلك لا يقوم مقام ما ناب عنه. وللكوفيين مذهبان:
أحدهما: أنه يجوز الإسناد إلى الجملة اللفظية مطلقا.
والثاني: أنه لا يجوز إلا إن كان مما يصح تعليقه.
و{أحصى} جوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون فعلا ماضيا، وما مصدرية و{أمدا} مفعول به، وأن يكون أفعل تفضيل و{أمدا} تمييز. واختار الزجاج والتبريزي أن يكون أفعل للتفضيل واختار الفارسي والزمخشري وابن عطية أن تكون فعلا ماضيا، ورجحوا هذا بأن {أحصى} إذا كان للمبالغة كان بناء من غير الثلاثي.

(6/220)


وهذه كلها أفعل من الرباعي انتهى. وأسود وأبيض ليس بناؤهما من الرباعي. وفي بناء أفعل للتعجب وللتفضيل ثلاثة مذاهب يبني منه مطلقا وهو ظاهر كلام سيبويه، وقد جاءت منه ألفاظ ولا يبني منه مطلقا وما ورد حمل على الشذود والتفصيل بين أن تكون الهمزة للنقل. فلا يجوز، أو لغير النقل كأشكل الأمر وأظلم الليل فيجوز أن تقول ما أشكل هذه المسألة، وما أظلم هذا الليل. وهذا اختيار ابن عصفور من أصحابنا. ودلائل هذه المذاهب مذكورة في كتب النحو، وإذا قلنا بأن {أحصى} اسم للتفضيل جاز أن يكون {أي الحزبين} موصولا مبينا على مذهب سيبويه لوجود شرط جواز البناء فيه، وهو كون {أي} مضافة حذف صدر صلتها، والتقدير ليعلم الفريق الذي هو {أحصى} {لما لبثوا أمدا} من الذين لم يحصوا، وإذا كان فعلا ماضيا امتنع ذلك لأنه إذ ذاك لم يحذف صدر صلتها لوقوع الفعل صلة بنفسه على تقدير جعل {أي} موصولة فلا يجوز بناؤها لأنه فات تمام شرطها، وهو أن يكون حذف صدر صلتها.

وقال: فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس، ونحو أعدي من الجرب، وأفلس من ابن المذلق شاذ، والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به، ولأن {أمدا} لا يخلو إما أن ينصب بأفعل فأفعل لا يعمل، وإما أن ينصب بلبثوا فلا يسد عليه المعنى، فإن زعمت أني أنصبه بإضمار فعل يدل علىه {أحصى} كما أضمر في قوله:
واضرب منا بالسيوف القوانسا

(6/221)


على يضرب القوانس فقد أبعدت المتناول وهو قريب حيث أبيت أن يكون {أحصى} فعلا ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره انتهى. أما دعواه الشذوذ فهو مذهب أبي علي، وقد ذكرنا أن ظاهر مذهب سيبويه جواز بنائه من أفعل مطلقا وأنه مذهب أبي إسحاق وأن التفصيل اختيار ابن عصفور وقول غيره. والهمزة في {أحصى} ليست للنقل. وأما قوله فافعل لا يعمل ليس بصحيح فإنه يعمل في التمييز، و{أمدا} تمييز وهكذا أعربه من زعم أن {أحصى} أفعل للتفضيل، كما تقول: زيدا أقطع الناس سيفا، وزيد أقطع للهام سيفا، ولم يعر به مفعولا به. وأما قوله: وإما أن ينصب بلبثوا فلا يسد عليه المعنى أي لا يكون سديدا فقد ذهب الطبري إلى نصب {أمدا} بلبثوا. قال ابن عطية: وهذا غير متجه انتهى. وقد يتجه ذلك أن الأمد هو الغاية ويكون عبارة عن المدة من حيث أن للمدة غاية في أمد المدة على الحقيقة، وما بمعنى الذي و{أمدا} منتصب على إسقاط الحرف، وتقديره لما {لبثوا} من أمد أي مدة، ويصير من أمد تفسيرا لما أنهم في لفظ {ما لبثوا} كقوله {ما ننسخ من آية ما يفتح الله للناس من رحمة} ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل. وأما قوله: فإن زعمت إلى آخره فيقول: لا يحتاج إلى هذا الزعم لأنه لقائل ذلك أن يسلك مذهب الكوفيين في أن أفعل التفضيل ينتصب المفعول به، فالقوانس عندهم منصوب بأضرب نصب المفعول به، وإنما تأويله بضرب القوانس قول البصريين، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى أن قوله {أعلم من يضل} من منصوبة بأعلم نصب المفعول به، ولو كثر وجود مثل.
واضرب منا بالسيوف القوانسا
لكنا نقيسه ويكون معناه صحيحا لأن أفعل التفضيل مضمن معنى المصدر فيعمل بذلك التضمين، ألا ترى أن المعنى يزيد ضربنا بالسيوف القوانسا على ضرب غيرنا.
فشططا نعت لمصدر محذوف إما على الحذف كما قدرناه، وإما على الوصف به على جهة المبالغة. وقيل: مفعول به بقلنا.
اللم في {لقد لام توكيد وإذا} حرف جواب وجزاء.

(6/222)



و{قومنا} قال الحوفي: خبر و{اتخذوا} في موضع الحال. وقال الزمخشري: وتبعه أبو البقاء: {قومنا} عطف بيان و{اتخذوا} في موضع الخبر. والضمير في {من دونه} عائد على الله.
وما معطوف على المفعول في {اعتزلتموهم} أي واعتزلتم معبودهم و{إلا الله} استثناء متصل.
{وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم فى فجوة منه ذلك من ءايات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا * وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم بسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا * وكذلك}
والظاهر أن قوله {وتحسبهم أيقاظا} إخبار مستأنف وليس على تقدير. وقيل: في الكلام حذف تقديره لو رأيتهم لحسبتهم {أيقاظا}.
وقرأ الحسن فيما حكي ابن جني: وتقلبهم مصدر تقلب منصوبا، وقال: هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال: وترى أو تشاهد تقلبهم، وعنه أيضا أنه قرأ كذلك إلا أنه ضم الياء فهو مصدر مرتفع بالابتداء قاله أبو حاتم.
وقال الزمخشري: {باسط ذراعيه} حكاية حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقة معرفة كغلام زيد إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية انتهى. وقوله لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي ليس إجماعا، بل ذهب الكسائي وهشام، ومن أصحابنا أبو جعفر بن مضاء إلى أنه يجوز أن يعمل، وحجج الفريقين مذكورة في علم النحو.

(6/223)


وانتصب {فرارا} على المصدر إما لفررت محذوفة، وإما {لوليت} لأنه بمعنى لفررت، وإما مفعولا من أجله. وانتصب {رعبا} على أنه مفعول ثان، وأبعد من ذهب إلى أنه تمييز منقول من المفعول كقوله {وفجرنا الأرض عيونا} على مذهب من أجاز نقل التمييز من المفعول، لأنك لو سلطت عليه الفعل ما تعدى إليه تعدى المفعول به بخلاف، {وفجرنا الأرض عيونا}.
{وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنزعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنينا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا * سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا * ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا }

ومفعول {أعثرنا} محذوف تقديره {أعثرنا عليهم} أهل مدينتهم.
إذ معمولة لأعثرنا أو ليعلموا.
وانتصب {رجما} على أنه مصدر لفعل مضمر أي يرجمون بذلك، أو لتضمين {سيقولون} و{يقولون} معنى يرجمون، أو لكونه مفعولا من أجله.
ثلاثة خبر مبتدأ محذوف، والجملة بعده صفة.
والواو في {وثامنهم} للعطف على الجملة السابقة أي {يقولون} هم {سبعة وثامنهم كلبهم}.

(6/224)


وقال الزمخشري: فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة ولم دخلت عليها دون الأولتين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف. ومنه قوله عز وعلا {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على اتصافه أمر ثابت مستقر، وهي الواو التي آذنت بأن الدين قالوا {سبعة وثامنهم كلبهم} قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم انتهى.
وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون، بل قرروا أنه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة، وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف هذا في الأسماء المفردة، وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها، وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه، وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على أن وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى، وأن الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة. وأما قوله تعالى {إلا ولها} فالجملة حالية ويكفي ردا لقول الزمخشري: إنا لا نعلم أحدا من علماء النحو ذهب إلى ذلك.
وقرأ الجمهور: مائة بالتنوين. قال ابن عطية: على البدل أو عطف البيان. وقيل: على التفسير والتمييز. وقال الزمخشري: عطف بيان لثلاثمائة. وحكي أبو البقاء أن قوما أجازوا أن يكون بدلا من مائة لأن مائة في معنى مئات، فأما عطف البيان فلا يجوز على مذهب البصريين، وأما نصبه على التمييز فالمحفوظ من لسان العرب المشهور أن مائة لا يفسر إلا بمفرد مجرور.

(6/225)


والضمير في {به} عائد على الله تعالى، وهل هو في موضع رفع أو نصب وهل {أسمع} و{أبصر} أمران حقيقة أم أمران لفظا معناهما إنشاء التعجب في ذلك خلاف مقرر في النحو.

{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيوة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا * وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا }
{ولا تعد}. قال الزمخشري: نقلابا بالهمزة وبنقل الحشو ومنه قوله.
فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له
لأن معناه فعد همك عما ترى انتهى. وكذا قال صاحب اللوامح. قال: وهذا مما عديته بالتضعيف كما كان في الأولى بالهمز، وما ذهبا إليه ليس بجيد بل الهمزة والتكثير في هذه الكلمة ليسا للتعدية وإنما ذلك لموافقة أفعل وفعل للفعل المجرد، وإنما قلنا ذلك لأنه إذا كان مجردا متعد وقد أقر بذلك الزمخشري فإنه قال: يقال عداه إذا جاوزه، ثم قال: وإنما عدي بعن للتضمين والمستعمل في التضمين هو مجاز ولا يتسعون فيه إذا ضمنوه فيعدونه بالهمزة أو التضعيف، ولو عدي بهما وهو متعد لتعدي إلى اثنين وهو في هذه القراءة ناصب مفعولا واحدا، فدل على أنه ليس معدى بهما.

(6/226)


وقال الزمخشري: {تريد زينة الحياة الدنيا} في موضع الحال انتهى. وقال صاحب الحال: إن قدر {عيناك} فكان يكون التركيب تريدان، وإن قدر الكاف فمجيء الحال من المجرور بالإضافة مثل هذا فيها إشكال لاختلاف العامل في الحال وذي الحال، وقد أجاز ذلك بعضهم إذا كان المضاف جزأ أو كالجزء.
قال الزمخشري: {الحق} خبر مبتدأ محذوف.
وقرأ أيضا {الحق} بالنصب. قال صاحب اللوامح: هو على صفة المصدر المقدر لأن الفعل يدل على مصدره وإن لم يذكر فينصبه معرفة كنصبه إياه نكرة، وتقديره {وقل} القول {الحق.
إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا * أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهر يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرآئك نعم الثواب وحسنت مرتفقا * واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعنب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا}

وخبر {إن} يحتمل أن تكون الجملة من قوله أولئك لهم. وقوله {إنا لا نضيع} الجملة اعتراض. قال ابن عطية: ونحو هذا من الاعتراض قول الشاعر:

(6/227)


إن الخليفة إن الله ألبسهسربال ملك به ترجى الخواتيم انتهى ولا يتعين في قوله إن الله ألبسه أن يكون اعتراضا هي اسم إن وخبرها الذي هو ترجى الخواتيم، يجوز أن يكون إن الله ألبسه هو الخبر، ويحتمل أن يكون الخبر قوله {إنا لا نضيع أجر} والعائد محذوف تقديره {من أحسن عملا} منهم. أو هو قوله {من أحسن عملا} على مذهب الأخفش في ربطه الجملة بالاسم إذا كان هو المبتدأ في المعنى، لأن {من أحسن عملا} هم {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فكأنه قال: إنا لا نضيع أجرهم، ويحتمل أن تكون الجملتان خبرين لأن على مذهب من يقتضي المبتدأ خبرين فصاعدا من غير شرط أن يكونا، أو يكن في معنى خبر. واحد.
وإذا كان خبر {إن} قوله {إنا لا نضيع} كان قوله {أولئك} استئناف أخبار موضح لما انبهم في قوله {إنا لا نضيع} من مبهم الجزاء.
وقال الزمخشري: و{من} الأول للابتداء والثانية للتبيين.
ويحتمل أن تكون {من} في قوله {من ذهب} للتبعيض لا للتبيين.
وقرأ ابن محيصن {واستبرق} بوصل الألف وفتح القاف حيث وقع جعله فعلا ماضيا على وزن استفعل من البريق، ويكون استفعل فيه موافقا للمجرد الذي هو برق كما تقال: قر واستقر بفتح القاف ذكره الأهوازي في الإقناع عن ابن محيصن. قال ابن محيصن. وحده: {واستبرق} بالوصل وفتح القاف حيث كان لا يصرفه انتهى. فظاهره أنه ليس فعلا ماضيا بل هو اسم ممنوع الصرف. وقال ابن خالويه: جعله استفعل من البريق ابن محيصن فظاهره أنه فعل ماض وخالفهما صاحب اللوامح.
وقرأ ابن محيصن: {على الأرائك} بنقل الهمزة إلى لام التعريف وإدغام لام على {فيها} فتنحذف ألف {على} لتوهم سكون لام التعريف والنطق به علرائك ومثله قول الشاعر:
فما أصبحت علرض نفس بريةولا غيرها إلا سليمان بالها

(6/228)


{واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعنب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خللهما نهرا * وكان له ثمر فقال لصحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا * قال له صحبه وهو يحوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكن هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا * أو يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له طلبا * وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يليتنى لم أشرك بربى أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك الولية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا }

(6/229)


{قال له صحبه وهو يحوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكن هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا * أو يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له طلبا * وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يليتنى لم أشرك بربى أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك الولية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا }

وانتصب {رجلا} على الحال. وقال الحوفي {رجلا} نصب بسوى أي جعلك {رجلا} فظاهره أنه عدي سوي إلى اثنين.
(وهو يحاوره حال من الفاعل)
{ربي} نعت أو عطف بيان أو بدل، ويجوز أن لا يقدر. أقول محذوفة فيكون أنا مبتدأ، و{هو} ضمير الشأن مبتدأ ثان و{الله} مبتدأ ثالث، و{ربي} خبره والثالث خبر عن الثاني، والثاني وخبره خبر عن أنا، والعائد عليه هو الياء في {ربي}، وصار التركيب نظير هند هو زيد ضاربها. وعلى رواية هارون يجوز أن يكون هو توكيد الضمير النصب في لكنه العائد على الذي خلقك، ويجوز أن يكون فصلا لوقوعه بين معرفين، ولا يجوز أن يكون ضمير شأن لأنه لا عائد على اسم لكن من الجملة الواقعة خبرا.

(6/230)


يحتمل أن تكون ما شرطية منصوبة بشاء، والجواب محذوف أي أي شاء الله كان، ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي مرفوعة على الابتداء، أي الذي شاءه الله كائن، أو على الخبر أي الأمر ما شاء الله {ولولا} تحضيضية، وفصل بين الفعل وبينها بالظرف وهو معمول لقوله: {قلت}.
وقرأ الجمهور {أقل} بالنصب مفعولا ثانيا لترني وهي علمية لا بصرية لوقوع {أنا} فصلا، ويجوز أن يكون توكيدا للضمير المنصوب في ترني، ويجوز أن تكون بصرية و{أنا} توكيد للضمير في ترني المنصوب فيكون {أقل} حالا. وقرأ عيسى بن عمر {أقل} بالرفع على أن تكون أنا مبتدأ، و{أقل} خبره، والجملة في موضع مفعول ترني الثاني إن كانت علمية، وفي موضع الحال إن كانت بصرية.
{الولاية لله} على هذا مبتدأ وخبر. وقيل: {هنالك الولاية لله} مبتدأ وخبر، والوقف على قوله: {منتصرا}.
وقرأ النحويان وحميد والأعمش وابن أبي ليلى وابن مناذر واليزيدي وابن عيسى الأصبهاني {الحق} برفع القاف صفة للولاية. وقرأ باقي السبعة بخفضها وصفا لله تعالى. وقرأ أبي {هنالك الولاية} الحق لله برفع الحق للولاية وتقديمها على قوله {لله}. وقرأ أبو حيوة وزيد بن علي وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال ويعقوب عن عصمة عن أبي عمرو {لله الحق} بنصب القاف. قال الزمخشري: على التأكيد كقولك هذا عبد الله الحق لا الباطل وهي قراءة حسنة فصيحة.
{واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كمآء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء مقتدرا * المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والبقيات الصلحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا * „

(6/231)


ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرنهم فلم نغادر منهم أحدا * وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقنكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا * ووضع الكتب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا * وإذا قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دونى وهم لكم عدو بئس للظلمين بدلا * مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا * ويوم يقول نادوا شركآئى الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا * ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا * ولقد صرفنا فى هذا القرءان للناس من كل مثل وكان الإنسن أكثر شىء جدلا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا * وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا به الحق واتخذوا ءاياتى وما أنذروا هزوا * ومن أظلم ممن ذكر

(6/232)


بئايت ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا * وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا * وتلك القرى أهلكنهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا }

{واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كمآء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء مقتدرا * المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والبقيات الصلحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا * „
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرنهم فلم نغادر منهم أحدا * وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقنكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا * ووضع الكتب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا }
{كماء} قدره ابن عطية خبر مبتدأ محذوف، أي هي أي {الحياة الدنيا كماء}. وقال الحوفي: الكاف متعلقة بمعنى المصدر أي ضربا {كماء أنزلناه} وأقول إن {كماء} في موضع المفعول الثاني لقوله: {واضرب} أي وصير {لهم مثل الحياة الدنيا}.

(6/233)


وانتصب {ويوم} على إضمار اذكر أو بالفعل المضمر عند قوله {لقد جئتمونا} أي قلنا يوم كذا لقد.
وانتصب {صفا} على الحال.
أو انتصب على المصدر الموضوع موضع الحال أي مصطفين.
{لقد جئتمونا} معمول لقول محذوف أي وقلنا {وكما خلقناكم} نعت لمصدر محذوف أي مجيئا مثل مجيء خلقكم.
و{أن} هنا مخففة من الثقيلة. وفصل بينها وبين الفعل بحرف النفي وهو .
{لن} كما فصل في قوله {أيحسب الإنسان أن لن نجمع} و{بل} للإضراب بمعنى الانتقال من خبر إلى خبر ليس بمعنى الإبطال.
(لا يغادر جملة في موضع الحال).
{ولقد صرفنا فى هذا القرءان للناس من كل مثل وكان الإنسن أكثر شىء جدلا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا * وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا به الحق واتخذوا ءاياتى وما أنذروا هزوا * ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا * وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا * وتلك القرى أهلكنهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا }

(انتصب جدلا على التمييز).

(6/234)


{وتلك} مبتدأ و{القرى} صفة أو عطف بيان والخبير {أهلكناهم} ويجوز أن تكون {القرى} الخبر و{أهلكناهم} جملة حالية كقوله {فتلك بيوتهم خاوية} ويجوز أن تكون {تلك} منصوبا بإضمار فعل يفسره ما بعده أي وأهلكنا {تلك القرى أهلكناهم} و{تلك القرى} على إضمار مضاف أي وأصحاب تلك القرى، ولذلك عاد الضمير على ذلك المضمر في قوله {أهلكناهم}.
وقوله {لما ظلموا} إشعار بعلة الإهلاك وهي الظلم، وبهذا استدل الأستاذ أبو الحسن بن عصفور على حرفية {لما} وأنها ليست بمعنى حين لأن الظرف لا دلالة فيه على العلية.
وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما، وهو الموعد واحتمل أن تكون مصدرا أو زمانا. وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام، واحتمل أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول وأن يكون زمانا. وقرأ حفص وهارون عن أبي بكر بفتحتين وهو زمان الهلاك. وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام مصدر هلك يهلك وهو مضاف للفاعل. وقيل: هلك يكون لازما ومتعديا فعلى تعديته يكون مضافا للمفعول، وأنشد أبو علي في ذلك:
ومهمه هالك من تعرجا
ولا يتعين ما قاله أبو علي في هذا البيت، بل قد ذهب بعض النحويين إلى أن هالكا فيه لازم وأنه من باب الصفة المشبهة أصله هالك من تعرجا. فمن فاعل ثم أضمر في هالك ضمير مهمه، وانتصب {من} على التشبيه بالمفعول ثم أضاف من نصب، وقد اختلف في الموصول هل يكون من باب الصفة المشبهة؟ والصحيح جواز ذلك وقد ثبت في أشعار العرب. قال الشاعر وهو عمر بن أبي ربيعة:
أسيلات أبدان دقاق خصورهاوثيرات ما التفت عليها الملاحف وقال آخر:

(6/235)


فعجتها قبل الأخيار منزلةوالطيبي كل ما التاثت به الأزر {وإذ قال موسى لفته لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا * فلما جاوزا قال لفته ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطن أن أذكره واتخذ سبيله فى البحر عجبا * قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ءاثارهما قصصا * فوجدا عبدا من عبادنآ ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معى صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدنى إن شآء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا * قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا * قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا * قال إن سألتك عن شىء بعدها فلا

(6/236)


تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا * فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * أما السفينة فكانت لمسكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما}

{وإذ قال موسى لفته لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا * فلما جاوزا قال لفته ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطن أن أذكره واتخذ سبيله فى البحر عجبا * قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ءاثارهما قصصا * فوجدا عبدا من عبادنآ ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معى صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدنى إن شآء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا * قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا }

(6/237)


وهذا الذي ذكره فيه حذف خبر {لا أبرح} وهي من أخوات كان، ونص أصحابنا على أن حذف خبر كان وأخواتها لا يجوز وإن دل على حذفه إلا ما جاء في الشعر من قوله:
لهفي عليك للهفة من خائفيبغي جوارك حين ليس مجير أي حين ليس في الدنيا. وقال الزمخشري: فإ ن قلت: {لا أبرح} إن كان بمعنى لا أزول من برح المكان فقد دل على الإقامة على السفر، وإن كان بمعنى لا أزال فلا بد من الخبر قلت: هو بمعنى لا أزال وقد حذف الخبر لأن الحال والكلام معا يدلان عليه، أما الحال فلأنها كانت حال سفر، وأما الكلام فلأن قوله {حتى أبلغ مجمع البحرين} غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى لا يبرح مسيري {حتى أبلغ} على أن {حتى أبلغ} هو الخبر، فاما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن ضمير الغائب إلى لفظ المتكلم وهو وجه لطيف انتهى. وهما وجهان خلطهما الزمخشري: أما الأول: فجعل الفعل مسندا إلى المتكلم وهو وجه وتقديرا وجعل الخبر محذوفا كما قدره ابن عطية و{حتى أبلغ} فضلة متعلقة بالخبر المحذوف وغاية له. والوجه الثاني جعل {لا أبرح} مسندا من حيث اللفظ إلى المتكلم، ومن حيث المعنى إلى ذلك المقدر المحذوف وجعله {لا أبرح} هو {حتى أبلغ} فهو عمدة إذ أصله خبر للمبتدأ لأنه خبر {أبرح}.

والظاهر أن قوله أو أمضى معطوف على أبلغ.

(6/238)


وأما ما يختص بأرأيت في هذا الموضع فقال أبو الحسن الأخفش: إن العرب أخرجتها عن معناها بالكلية فقالوا: أرأيتك وأريتك بحذف الهمزة إذا كانت بمعنى أخبرني، وإذا كانت بمعنى أبصرت لم تحذف همزتها قال: وشذت أيضا فألزمتها الخطاب على هذا المعنى، ولا تقول فيها أبدا أراني زيد عمرا ما صنع، وتقول هذا على معنى أعلم. وشذت أيضا فأخرجتها عن موضعها بالكلية بدليل دخول الفاء ألا ترى قوله {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} فما دخلت الفاء إلا وقد أخرجت لمعنى إما أو تنبه، والمعنى أما {إذ أوينا إلى الصخرة} فالأمر كذا، وقد أخرجتها أيضا إلى معنى أخبرني كما قدمنا، وإذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه وتلزم الجملة التي بعدها الاستفهام، وقد يخرج لمعنى أما ويكون أبدا بعدها الشرط وظرف الزمان فقوله {فإني نسيت الحوت معناه أما إذ أوينا} {فإني نسيت الحوت} أو تنبه {إذ أوينا} وليست الفاء إلا جوابا لأرأيت، لأن إذ لا يصح أن يجازي بها إلا مقرونة بما بلا خلاف انتهى كلام الأخفش. وفيه إن {أرأيت} إذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه، وتلزم الجملة التي بعدها الاستفهام وهذان مفقود إن في تقدير الزمخشري.
و{أن أذكره} بدل اشتمال من الضمير العائد على الحوت.
وقرأ أبو حيوة: واتخاذ سبيله عطف على المصدر على ضمير المفعول في {أذكره} و{ما} موصولة والعائد محذوف أي نبغيه.
{قصصا} فانتصب على المصدرية بإضمار يقصان، أو يكون في موضع الحال أي مقتصين فينصب بقوله {فارتدا}.
وانتصب {رشدا} على أنه مفعول ثان لقوله {تعلمني} أو على أنه مصدر في موضع الحال، وذو الحال الضمير في {أتبعك}.

(6/239)


{ولا أعصي} يحتمل أن يكون معطوفا على {صابرا} أي {صابرا} وغير عاص فيكون في موضع نصب عطف الفعل على الاسم إذا كان في معناه كقوله {صافات ويقبض} أي وقابضات، ويجوز أن يكون معطوفا على {ستجدني} فلا محل له من الإعراب.
{فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا * قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا * قال إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا * فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * أما السفينة فكانت لمسكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما}

اللام في لتغرق أهلها قيل: لام العاقبة. وقيل: لام العلة.

(6/240)


وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل {خرقها} بغير فاء و{فقتله} بالفاء؟ قلت: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفا عليه والجزاء قال {أقتلت}: فإن قلت: {فلم خولف بينهما؟ قلت: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب وقد تعقب القتل لقاء الغلام انتهى.
أما السفينة فكانت لمسكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما الغلم فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن يرهقهما طغينا وكفرا * فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما * وأما الجدار فكان لغلمين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صلحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا }
وانتصب {رحمة} على المفعول له وأجاز الزمخشري أن ينصب على المصدر بأراد قال: لأنه في معنى رحمهما، وأجاز أبو البقاء أن ينتصب على الحال وكلاهما متكلف.

(6/241)


{ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له فى الأرض وآتينه من كل شىء سببا * فأتبع سببا * حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا * قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صلحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا * ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا * كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا }
وانتصب {جزاء} على أنه مصدر في موضع الحال أي مجازي كقولك في الدار قائما زيد. وقال أبو علي قال أبو الحسن: هذا لا تكاد العرب تكلم به مقدما إلا في الشعر. وقيل: انتصب على المصدر أي يجزي {جزاء}. وقال الفراء: ومنصوب على التفسير.

و{جزاء} مبتدأ وله خبره.
وقرأ عبد الله بن إسحاق {فله جزاء} مرفوع وهو مبتدأ وخبر و{الحسنى} بدل من {جزاء}. وقرأ ابن عباس ومسروق {جزاء} نصب بغير تنوين {الحسنى} بالإضافة، ويخرج على حذف المبتدإ لدلالة المعنى عليه، أي {فله} الجزاء {جزاء الحسنى} وخرجه المهدوي على حذف التنوين لالتقاء الساكنين.

(6/242)


{ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا * قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا * قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما * ءاتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتونى أفرغ عليه قطرا * فما اسطعوا أن يظهروه وما استطعوا له نقبا * قال هذا رحمة من ربى فإذا جآء وعد ربى جعله دكآء وكان وعد ربى حقا * وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ونفخ فى الصور فجمعنهم جمعا * وعرضنا جهنم يومئذ للكفرين عرضا * الذين كانت أعينهم فى غطآء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا * أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أوليآء إنآ أعتدنا جهنم للكفرين نزلا * قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا }
وانتصب {بين} على أنه مفعول به يبلغ كما ارتفع في {لقد تقطع بينكم} وانجر بالإضافة في {هذا فراق بيني وبينك} و{بين} من الظروف المتصرفة ما لم تركب مع أخرى مثلها، نحو قولهم همزة بين بين.
وهما ممنوعا الصرف، فمن زعم أنهما أعجميان فللعجمة والعلمية، ومن زعم أنهما عربيان فللتأنيث والعلمية لأنهما اسما قبيلتين.

(6/243)


وقال الأخفش: إن جعلنا ألفهما أصلية فيأجوج يفعول ومأجوج مفعول، كأنه من أجيج النار ومن لم يهمزهما جعلها زائدة فيأجوج من يججب، ومأجوج من مججت. وقال قطرب في غير الهمز مأجوج فاعول من المج، ويأجوج فاعول من يج. وقال أبو الحسن علي بن عبد الصمد السخاوي أحد شيوخنا: الظاهر أنه عربي وأصله الهمز، وترك الهمز على التخفيف وهو إما من الأجة وهو الاختلاف كما قال تعالى: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} أو من الأج وهو سرعة العدو، قال تعالى: {وهم من كل حدب ينسلون} وقال الشاعر:

يؤج كما أج الظليم المنفر
أو من الأجة وهو شدة الحر، أو من أج الماء يئج أجوجا إذاك ان ملحا مرا انتهى.
وانتصب {زبر} بأيتوني على إسقاط حرف الجر أي جيئوني بزبر {الحديد}.
عطرا منصوب بأفرغ على إعمال الثاني، ومفعول {آتوني} محذوف لدلالة الثاني عليه.
الظاهر أن {جعله} بمعنى صيره فدك مفعول ثان. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون جعل بمعنى خلق وينصب فدكا على الحال انتهى. وهذا بعيد جدا لأن السد إذ ذاك موجود مخلوق ولا يخلق المخلوق لكنه ينتقل من بعض هيئاته إلى هيئة أخرى، ووعد بمعنى موعود لا مصدر.

(6/244)


وارتفع حسب على الابتداء والخبر {أن يتخذوا}. وقال الزمخشري: أو على الفعل والفاعل لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل كقولك: أقائم الزيدان وهي قراءة محكمة جيدة انتهى. والذي يظهر أن هذا الإعراب لا يجوز لأن حسبا ليس باسم فاعل فتعمل، ولا يلزم من تفسير شيء بشيء أن تجري عليه جميع أحكامه، وقد ذكر سيبويه أشياء من الصفات التي تجري مجرى الأسماء وأن الوجه فيها الرفع. ثم قال: وذلك مررت برجل خير منه أبوه، ومررت برجل سواء عليه الخير والشر، ومررت برجل أب له صاحبه، ومررت برجل حسبك من رجل، ومررت برجل أيما رجل هو انتهى. ولا يبعد أن يرفع به الظاهر فقد أجازوا في مررت برجل أبي عشرة أبوه ارتفاع أبوه بأبي عشرة لأنه في معنى والد عشرة.
{الذين} يصح رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم {الذين} وكأنه جواب عن سؤال، ويجوز نصبه على الذم وخبره على لوصف أو البدل {ضل سعيهم}.
انتصب {أعمالا} على التمييز.
{ذلك جزاؤهم} مبتدأ وخبر و{جهنم} بدل.
وقال أبو البقاء: {ذلك} أي الأمر ذلك وما بعده مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون {ذلك} مبتدأ و{جزاؤهم} مبتدأ ثان و{جهنم} خبره. والجملة خبر الأول والعائد محذوف أي جزاؤه انتهى. ويحتاج هذا التوجيه إلى نظر قال: ويجوز أن يكون {ذلك} مبتدأ و{جزاؤهم} بدل أو عطف بيان و{جهنم} الخبر. ويجوز أن يكون {جهنم} بدلا من جزاء أو خبر لابتداء محذوف، أي هو جهنم و{بما كفروا} خبر ذلك، ولا يجوز أن تتعلق الباء بجزاؤهم للفصل بينهما و{اتخذوا} يجوز أن يكون معطوفا على {كفروا} وأن يكون مستأنفا انتهى.
وجواب لو محذوف لدلالة المعنى عليه تقديره لنفد.
وأنتصب {مددا} على التمييز عن مثل كقوله.
فإن الهوى يكفيكه مثله صبرا
ويجوز أن يكون نصبه على المصدر بمعنى ولو أمددناه بمثله إمدادا ثم ناب المدد مناب الإمداد مثل أنبتكم نباتا.

سورة مريم

ثمان وتسعون آية مكية

(6/245)


{كهيعص * ذكر رحمت ربك عبده زكريآ * إذ نادى ربه ندآء خفيا * قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت الموالى من ورآئى وكانت امرأتى عاقرا فهب لى من لدنك وليا * يرثنى ويرث من ءال يعقوب واجعله رب رضيا * يزكريآ إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا * قال رب أنى يكون لى غلم وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا * ييحيى خذ الكتب بقوة وآتيناه الحكم صبيا * وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا * وبرا بولديه ولم يكن جبارا عصيا * وسلم عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا * واذكر فى الكتب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا * قالت أنى يكون لى غلم ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا * قال كذلك قال ربك هو على

(6/246)


هين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا * فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا * فناداها من تحتهآ ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا * وهزى إليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا * فكلى واشربى وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا * فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا * يأخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا * قال إنى عبد الله ءاتانى الكتب وجعلنى نبيا * وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى بالصلوة والزكوة ما دمت حيا * وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا * والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا }

و{ذكر} خبر مبتدأ محذوف أي هذا المتلو من هذا القرآن {ذكر}. وقيل {ذكر} خبر لقوله {كهيعص} وهو مبتدأ ذكره الفراء. قيل: وفيه بعد لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها. وقيل: {ذكر} مبتدأ والخبر محذوف تقديره فيما يتلى {ذكر}.

(6/247)


وقرأ الحسن وابن يعمر {ذكر} فعلا ماضيا {رحمة} بالنصب، وحكاه أبو الفتح وذكره الزمخشري عن الحسن أي هذا المتلو من القرآن {ذكر رحمة ربك} وذكر الداني عن ابن يعمر {ذكر} فعل أمر من التذكير {رحمة} بالنصب و{عبده} نصب بالرحمة أي {ذكر} أن {رحمة ربك عبده}. وذكر صاحب اللوامح أن {ذكر} بالتشديد ماضيا عن الحسن باختلاف وهو صحيح عن ابن يعمر، ومعناه أن المتلو أي القرآن {ذكر برحمة ربك} فلما نزع الباء انتصب، ويجوز أن يكون معناه أن القرآن ذكر الناس تذكيرا أن رحم الله عبده فيكون المصدر عاملا في {عبده زكريا}.
و{إذ} ظرف العامل فيه قال الحوفي: {ذكر} وقال أبو البقاء: و{إذ} ظرف لرحمة أو لذكر انتهى.
وأخرج الشيب مميزا
وبعضهم أعرب {شيبا} مصدرا قال: لأن معنى {واشتعل الرأس} شاب فهو مصدر من المعنى. وقيل: هو مصدر في موضع نصب على الحال.
وقرأ الجمهور: {يرثني ويرث} برفع الفعلين صفة للولي.
وقرأ النحويان والزهري والأعمش وطلحة واليزيدي وابن عيسى الأصبهاني وابن محيصن وقتادة بجزمهما على جواب الأمر.
والظاهر أن {يحيى} ليس عربيا لأنه لم تكن عادتهم أن يسموا بألفاظ العربية فيكون منعه الصرف للعلمية والعجمة، وإن كان عربيا فيكون مسمى بالفعل كيعمر ويعيش.
{قال: كذلك} أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ {قال ربك} فالكاف رفع أو نصب بقال.
وقرأ ابن أبي عبلة وزيد بن {علي أن لا تكلم} برفع الميم جعلها أن المخففة من الثقيلة التقدير أنه لا يكلم. وقرأ الجمهور بنصبها جعلوا أن الناصبة للمضارع.
قال الزمخشري وابن عطية و{أن} مفسرة. وقال الحوفي {أن سبحوا} {أن} نصب بأوحى. وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى أي انتهى.d
{عصيا} أي عاصيا كثير العصيان، وأصله عصوى فعول للمبالغة، ويحتمل أن يكون فعيلا وهي من صيغ المبالغة.

(6/248)


{واذكر فى الكتب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا * قالت أنى يكون لى غلم ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا * قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا * فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا * فناداها من تحتهآ ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا * وهزى إليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا * فكلى واشربى وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا }

(6/249)


و{إذ} قيل ظرف زمان منصوب باذكر، ولا يمكن ذلك مع بقائه على الظرفية لأن الاستقبال لا يقع في الماضي. وقال الزمخشري: {إذ} بدل من {مريم} بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وقته، إذ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيها انتهى. ونصب {إذ} باذكر على جهة البدلية يقتضي التصرف في {إذ} وهي من الظروف التي لم يتصرف فيها إلا بإضافة ظرف زمان إليها. فالأولى أن يجعل ثم معطوف محذوف دل المعنى عليه وهو يكون العامل في {إذ} وتبقى على ظرفيتها وعدم تصرفها، وهو أن تقدر مريم وما جرى لها {إذ انتبذت} واستبعد أبو البقاء قول الزمخشري قال: لأن الزمان إذا لم يكن حالا عن الجثة ولا خبرا عنها ولا وصفا لها لم يكن بدلا منها انتهى. واستبعاده ليس بشيء لعدم الملازمة. قال: وقيل التقدير خبر مريم فإذ منصوبة لخبر. وقيل: حال من هذا المضاف المحذوف. وقيل: {إذ} بمعنى أن المصدرية كقولك: أكرمك إذ لم تكرمني أي إن لم تكرمني. قال أبو البقاء: فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي {واذكر} {مريم} انتباذها انتهى.
وتعليقها الاستعادة على شرط تقواه لأنه لا تنفع الاستعادة ولا تجدي إلا عند من يتقي الله أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. وجواب الشرط محذوف أي فإني أعوذ. وقال الزجاج: فستتعظ بتعويذي بالله منك. وقيل: فاخرج عني. وقيل: فلا تتعرض لي وقول من قال تقي اسم رجل صالح أو رجل فاسد ليس بسديد. وقيل: {إن} نافية أي ما {كنت تقيا}.

(6/250)


والبغي المجاهرة المشتهرة في الزنا، ووزنه فعول عند المبرد اجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما كسرت في عصي ودلي. قيل: ولو كان فعيلا لحقتها هاء التأنيث فيقال بغية. وقال ابن جني في كتاب التمام: هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل بغوكما قيل فلان نهو عن المنكر انتهى. قيل: ولما كان هذا اللفظ خاصا بالمؤنث لم يحتج إلى علامة التأنيث فصار كحائض وطالق، وإنما يقال للرجل باغ. وقيل: بغى فعيل بمعنى مفعول كعين كحيل أي مبغية بطلبها أمثالها.
{ولنجعله} يحتمل أن يكون معطوفا على تعليل محذوف تقديره لنبين به قدرتنا {ولنجعله} أو محذوف متأخر فعلنا ذلك.

(6/251)


ومعنى {فأجاءها} أي جاء بها تارة فعدي جاء بالباء وتارة بالهمزة، قال الزمخشري: إلا أن استعماله قد يغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء الإتراك، لا تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما تقول: بلغته أبلغنيه، ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل آتيت المكان وآتانيه فلان انتهى. أما قوله وقول غيره إن الاستعمال غيره إلى معنى الإلجاء فيحتاج إلى نقل أئمة اللغة المستقرئين ذلك عن لسان العرب، والإجاءة تدل على المطلق فتصلح لما هو بمعنى الإلجاء ولما هو بمعنى الاختيار كما لو قلت: أقمت زيدا فإنه قد يكون مختارا لذلك وقد يكون قد قسرته على القيام. وأما قوله الإتراك لا تقول إلى آخره فمن رأى أن التعدية بالهمزة قياس أجاز لك ولو لم يسمع ومن لا يراه قياسا فقد سمع ذلك في جاء حيث قالوا: أجاء فيجيز ذلك، وأما تنظيره ذلك بأتي فهو تنظير غير صحيح لأنه بناه على أن الهمزة فيه للتعدية، وأن أصله أتى وليس كذلك بل آتى مما بني على أفعل وليس منقولا من أتى بمعنى جاء، إذ لو كان منقولا من أتى المتعدية لواحد لكان ذلك الواحد هو المفعول الثاني، والفاعل هو الأول إذا عديته بالهمزة تقول: أتى المال زيدا، وأتى عمرا زيدا المال، فيختلف التركيب بالتعدية لأن زيدا عند النحويين هو المفعول الأول والمال هو المفعول الثاني. وعلى ما ذكره الزمخشري كان يكون العكس فدل على أنه ليس على ما قاله. وأيضا فآتى مرادف لأعطى فهو مخالف من حيث الدلالة في المعنى. وقوله: ولم تقل أتيت المكان وآتانيه هذا غير مسلم بل يقال: أتيت المكان كما تقول: جئت المكان. وقال الشاعر:
أتوا ناري فقلت منون أنتمفقالوا الجن قلت عموا ظلاما
ومن رأى النقل بالهمزة قياسا قال: أتانيه. وقرأ الجمهور {فأجاءها} أي ساقها. وقال الشاعر:
وجار سار معتمدا إليكمأجاءته المخافة والرجاء

(6/252)


وقال ابن عطية: وقرأ بكر بن حبيب نسا بفتح النون والسين من غير همز بناه على فعل كالقبض والنفض. قال الفراء نسي ونسي لغتان كالوتر والوتر والفتح أحب إلي. وقال أبو علي الفارسي الكسر أعلى اللغتين. وقال ابن الأنباري: من كسر فهو اسم لما ينسى كالنقض اسم لما ينقض، ومنه فتح فمصدر نائب عن اسم كما يقال: رجل دنف ودنف والمكسور هو الوصف الصحيح والمفتوح مصدر يسد مسد الوصف، ويمكن أن يكونا لمعنى كالرطل والرطل والإشارة بقوله هذا إلى الحمل.
قرأ البراء بن عازب وابن عباس والحسن وزيد بن علي والضحاك وعمرو بن ميمون ونافع وحمزة والكسائي وحفص {من} حرف جر. وقرأ الابنان والأبوان وعاصم وزر ومجاهد والجحدري والحسن وابن عباس في رواية عنهما {من} بفتح الميم بمعنى الذي و{تحتها} ظرف منصوب صلة لمن.

وإلى حرف بلا خلاف ويتعلق بقوله {وهزي} وهذا جاء على خلاف ما تقرر في علم النحو من أن الفعل لا يتعدى إلى الضمير المتصل، وقد رفع الضمير المتصل وليس من باب ظن ولا فقد ولا علم وهما لمدلول واحد لا يقال: ضربتك ولا زيد ضربه أي ضرب نفسه ولا ضربني إنما يؤتى في مثل هذه التراكيب بالنفس فتقول: ضربت نفسك وزيد ضرب نفسه وضربت نفسي والضمير المجرور عندهم كالضمير المنصوب فلا تقول: هززت إليك ولا زيد هز إليه ولا هززت إلى ولهذا زعموا في قول الشاعر:
دع عنك نهيا صيح في حجراتهولكن حديثا ما حدثت الرواحل
وفي قول الآخر:
وهون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
إن عن وعلى ليسا حرفين وإنما هما اسمان ظرفان، وهذا ليس ببعيد لأن عن وعلى قد ثبت كونهما اسمين في قوله:
من عن يمين الحبيا نظرة قبل
وفي قوله:
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها

(6/253)


وبعض النحويين زعم أن على لا تكون حرفا البتة، وأنها اسم في كل مواردها ونسب إلى سيبويه، ولا يمكن أن يدعي أن إلى تكون اسما لإجماع النحاة على حرفىتها كما قلنا. ونظير قوله تعالى {وهزي إليك} قوله تعالى {واضم إليك جناحك} وعلى تقرير تلك القاعدة ينبغي تأويل هذين، وتأويله على أن يكون قوله {إليك} ليس متعلقا بهزي ولا باضم، وإنما ذلك على سبيل البيان والتقدير أعني إليك فهو متعلق بمحذوف كما قالوا في قوله {إني لكما لمن الناصحين} وما أشبهه على بعض التأويلات. والباء في {بجذع} زائدة للتأكيد كقوله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}. قال أبو علي كما يقال: ألقى بيده أي ألقى يده. وكقوله:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
أي لا يقرأن السور. وأنشد الطبري:
فؤاد يمان ينبت السدر صدرهوأسفله بالمرخ والسهان وقال الزمخشري أو على معنى أفعلي الهز به. كقوله:
يخرج في عراقيبها نصلي
وقال بعضهم في قراءة أبي حيوة هذه أنه قرأ رطب جني بالرفع على الفاعلية، وأما النصب فإن قرأ بفعل متعد نصبه على المفعول أو بفعل لازم فنصبه على التمييز.
وأجاز المبرد في قوله {رطبا} أن يكون منصوبا بقوله {وهزي} أي {وهزي إليك بجذع النخلة} رطبا تساقط عليك، فعلى هذا الذي أجازه تكون المسألة من باب الإعمال فيكون قد حذف معمول {تساقط} فمن قرأه بالياء من تحت فظاهر، ومن قرأ بالتاء من فوق فإن كان الفعل متعديا جاز أن يكون من باب الإعمال، وإن كان لازما فلا لاختلاف متعلق هزي إذ ذاك والفعل اللازم.

(6/254)


{فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا * يأخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا * قال إنى عبد الله ءاتانى الكتب وجعلنى نبيا * وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى بالصلوة والزكوة ما دمت حيا * وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا * والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا }
و{كان} قال أبو عبيدة: زائدة. وقيل: تامة وينتصب {صبيا} على الحال في هذين القولين، والظاهر أنها ناقصة فتكون بمعنى صار أو تبقى على مدلولها من اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، ولا يدل ذلك على الانقطاع كما لم يدل في قوله {وكان الله غفورا رحيما} وفي قوله {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} والمعنى {كان} وهو الآن على ما كان، ولذلك عبر بعض أصحابنا عن {كان} هذه بأنها ترادف لم يزل وما رد به ابن الأنباري كونها زائدة من أن الزائدة لا خبر لها، وهذه نصبت {صبيا} خبرا لها ليس بشيء لأنه إذ ذاك ينتصب على الحال، والعامل فيها الاستقرار.
وقال الزمخشري: كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة والدال عليه معنى الكلام وأنه مسوق للتعجب، ووجه آخر أن يكون {نكلم} حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس {صبيا}.
والظاهر أن {من} مفعول بنكلم. ونقل عن الفراء والزجاج أن {من} شرطية و{كان} في معنى يكن وجواب الشرط محذوف تقديره فكيف {نكلم} وهو قول بعيد جدا.

(6/255)


{وأينما كنت} شرط وجزاؤه محذوف تقديره {جعلني مباركا} وحذف لدلالة ما تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون معمولا لجعلني السابق لأن {أين} لا يكون إلا استفهاما أو شرطا لا جائز أن يكون هنا استفهاما، فتعينت الشرطية واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله إنما هو معمول للفعل الذي يليه.
و{ما} في {ما دمت} مصدرية ظرفية.
{وبرا} بفتح الباء فقال الحوفي وأبو البقاء: إنه معطوف على {مباركا} وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي {أوصاني} ومتعلقها، والأولى إضمار فعل أي وجعلني {برا}.
{ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحنه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون * وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم * أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظلمون اليوم فى ضلل مبين * وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون * إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون }

و{ذلك} مبتدأ و{عيسى} خبره و{ابن مريم} صفة لعيسى أو خبر بعد خبر أو بدل، وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو بدل انتهى.
وقرأ طلحة والأعمش في رواية زائدة قال: بألف جعله فعلا ماضيا {الحق} برفع القاف على الفاعلية، والمعنى قال الحق وهو الله.
وهذا الذي ذكر لا يكون إلا على المجاز في قول وهو أن يراد به كلمة الله لأن اللفظ لا يكون الذات.

(6/256)


وقرأ الجمهور {وإن الله} بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ أبي بالكسر دون واو. وقرأ الحرميان وأبو عمرو {وإن} بالواو وفتح الهمزة، وخرجه ابن عطية على أن يكون معطوفا على قوله هذا {قول الحق} {وإن الله ربي} كذلك. وخرجه الزمخشري على أن معناه ولأنه ربي وربكم فأعبدوه كقوله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} انتهى. وهذا قول الخليل وسيبويه وفي حرف أبي أيضا، وبأن {الله} بالواو وباء الجر أي بسبب ذلك فاعبدوه. وأجاز الفراء في {وإن} يكون في موضع خفض معطوفا على والزكاة، أي {وأوصاني بالصلاة والزكاة} وبأن الله ربي وربكم انتهى. وهذا في غاية البعد للفصل الكثير، وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى الأمر {إن الله ربي وربكم}.
وقرأ زيد بن علي وابن عامر وعاصم وحمزة وابن أبي إسحاق والحسن ويعقوب {قول الحق} بنصب اللام، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي هذه الأخبار عن {عيسى} أنه {ابن مريم} ثابت صدق ليس منسوبا لغيرها.
وقرأ طلحة والأعمش في رواية زائدة قال: بألف جعله فعلا ماضيا {الحق} برفع القاف على الفاعلية، والمعنى قال الحق وهو الله.
وقال ابن عطية: {وهم في غفلة} يريد في الدنيا الآن {وهم لا يؤمنون} كذلك انتهى. وعلى هذا يكون حالا والعامل فيه {وأنذرهم}.

(6/257)


{واذكر فى الكتب إبرهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا * يأبت إنى قد جآءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك صراطا سويا * يأبت لا تعبد الشيطن إن الشيطن كان للرحمن عصيا * يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطن وليا * قال أراغب أنت عن آلهتى يإبرهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى مليا * قال سلم عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بى حفيا * وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى ألا أكون بدعآء ربى شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا * ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا * واذكر فى الكتب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وندينه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هرون نبيا * واذكر فى الكتب إسمعيل إنه كان صدق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا * واذكر فى الكتب إدريس إنه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا * أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح

(6/258)


ومن ذرية إبرهيم وإسرءيل وممن هدينا واجتبينآ إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا سجدا وبكيا * فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوت فسوف يلقون غيا * إلا من تاب وءامن وعمل صلحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا * جنت

(6/259)


عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا * لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا * تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا * وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا * رب السموت والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا * ويقول الإنسن أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر إلإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا * فوربك لنحشرنهم والشيطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا * وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظلمين فيها جثيا * وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قال الذين كفروا للذين ءامنوا أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا * قل من كان فى الضللة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا * ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والبقيت الصلحت خير عند ربك ثوابا

(6/260)


وخير مردا * أفرأيت الذى كفر بئايتنا وقال لائوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا * واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبدتهم ويكونون عليهم ضدا * ألم تر أنآ أرسلنا الشيطين على الكفرين تؤزهم أزا * فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا * يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا * لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا * وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من فى السموت والأرض إلا آتى الرحمن عبدا * لقد أحصهم وعدهم عدا * وكلهم ءاتيه يوم القيمة فردا * إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات سيجعل لهم الرحمن ودا * فإنما يسرنه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا }
{

(6/261)


واذكر فى الكتب إبرهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا * يأبت إنى قد جآءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك صراطا سويا * يأبت لا تعبد الشيطن إن الشيطن كان للرحمن عصيا * يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطن وليا * قال أراغب أنت عن آلهتى يإبرهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى مليا * قال سلم عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بى حفيا * وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى ألا أكون بدعآء ربى شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا * ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا }
(إنه كان صديقا نبيا).
وهذه الجملة وقعت اعتراضا بين المبدل منه وبدله أعني {إبراهيم}.

(6/262)


و{إذ. قال} نحو قولك: رأيت زيدا ونعم الرجل أخاك، ويجوز أن تتعلق {إذ} بكان أو بـ {صديقا نبيا} أي كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات انتهى. فالتخريج الأول يقتضي تصرف {إذ} وقد تقدم لنا أنها لا تتصرف، والتخريج الثاني مبني على أن كان لنا قصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلاف. والتخريج الثالث لا يصح لأن العمل لا ينسب إلا إلى لفظ واحد، أما أن ينسب إلى مركب من مجموع لفظين فلا، وجائز أن يكون معمولا لصديقا لأنه نعت إلا على رأي الكوفيين، ويحتمل أن يكون معمولا لنبيا أي منبأ في وقت قوله لأبيه ما قال، وأن التنبئة كانت في ذلك الوقت وهو بعيد.
و{ما لا يسمع} الظاهر أنها موصولة، وجوزوا أن تكون نكرة موصوفة ومعمول {يسمع} و{يبصر} منسي ولا ينوي أي ما ليس به استماع ولا إبصار لأن المقصود نفي هاتين الصفتين دون تقييد بمتعلق. و{شيئا}. إما مصدر أو مفعول به.
قال الزمخشري: وقدم الخبر على المبتدأ في قوله {أراغب أنت عن آلهتي} لأنه كان أهم عنده وهو عنده.
والمختار في إعراب {أراغب أنت} أن يكون راغب مبتدأ لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، و{أنت} فاعل سد مسد الخبر، ويترجح هذا الإعراب على ما أعربه الزمخشري من كون {أراغب} خبرا و{أنت} مبتدأ بوجهين:

أحدهما: أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير إذ رتبة الخبر أن يتأخر عن المبتدأ.
والثاني: أن لا يكون فصل بين العامل الذي هو {أراغب} وبين معموله الذي هو {عن آلهتي} بما ليس بمعمول للعامل، لأن الخبر ليس هو عاملا في المبتدأ بخلاف كون {أنت} فاعلا فإن معمول {أراغب} فلم يفصل بين {أراغب} وبين {عن آلهتي} بأجنبي إنما فصل بمعمول له.
{لأرجمنك} جواب القسم المحذوف قبل {لئن}.

(6/263)


قال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف {وأهجرني}؟ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه {لأرجمنك} أي فاحذرني {واهجرني} لأن {لأرجمنك} تهديد وتقريع انتهى. وإنما احتاج إلى حذف ليناسب بين جملتي العطف والمعطوف عليه، وليس ذلك بلازم عند سيبويه بل يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية. فقوله {واهجرني} معطوف على قوله {لئن لم تنته لأرجمنك} وكلاهما معمول للقول. وانتصب {مليا} على الظرف.
كلا: حرف ردع وزجر عند الخليل وسيبويه والأخفش والمبرد وعامة البصريين، وذهب الكسائي ونصر بن يوسف وابن واصل وابن الأنباري إلى أنها بمعنى حقا، وذهب النضر بن شميل إلى أنها حرف تصديق بمعنى نعم، وقد تستعمل مع القسم. وذهب عبد الله بن محمد الباهلي إلى أن كلا رد لما قبلها فيجوز الوقف عليها وما بعدها استئناف، وتكون أيضا صلة للكلام بمنزلة إي والكلام على هذه المذاهب مذكور في النحو.
{واذكر فى الكتب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وندينه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هرون نبيا * واذكر فى الكتب إسمعيل إنه كان صدق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا * واذكر فى الكتب إدريس إنه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا * أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبرهيم وإسرءيل وممن هدينا واجتبينآ إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا سجدا وبكيا }

(6/264)


والظاهر أن {الأيمن} صفة للجانب لقوله في آية أخرى {جانب الطور الأيمن} بنصب الأيمن نعتا لجانب الطور.

قال الزمخشري: و{أخاه} على هذا الوجه بدل و{هارون} عطف بيان كقولك رأيت رجلا أخاك زيدا انتهى. والذي يظهر أن أخاه مفعول بقوله {ووهبنا} ولا تراردف من بعضا فتبدل منها.
وقرأ الجمهور {رضيا} وهو اسم مفعول أي مرضو وفاعل بقلب واوه ياء لأنها طرف بعد واو ساكنة، والساكن ليس بحاجز حصين فكأنها وليت حركة، ولو بنيت من ذوات الواو مفعلا لصار مفعلا لأن الواو لا تكون طرفا وقبلها متحرك في الأسماء المتمكنة غير المتقيدة بالإضافة، ألا ترى أنهم حين سموا بيغزو الغازي من الضمير قالوا: بغز حين صار اسما، وهذا الإعلال أرجح من التصحيح، ولأنه اعتل في رضي وفي رضيان تثنية رضي.
و{إدريس} اسم أعجمي منع من الصرف للعلمية والعجمة، ولا جائز أن يكون إفعيلا من الدرس كما قال بعضهم لأنه كان يجب صرفه إذ ليس فيه إلا واحد وهو العلمية.
{وممن هدينا} يحتمل العطف على {من} الأولى أو الثانية، والظاهر أن {الذين} خبر لأولئك. {وإذا تتلى} كلام مستأنف، ويجوز أن يكون {الذين} صفة لأولئك والجملة الشرطية خبر.
وانتصب {سجدا} على الحال المقدرة قاله الزجاج لأنه حال خروره لا يكون ساجدا.
وقرأ الجمهور {بكيا} بضم الباء وعبد الله ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي بكسرها اتباعا لحركة الكاف كعصي ودلي، والذي يظهر أنه جمع لمناسبة الجمع قبله. قيل: ويجوز أن يكون مصدر البكا بمعنى بمكاء، وأصله بكو وكجلس جلوسا. وقال ابن عطية: و{بكيا} بكسر الباء وهو مصدر لا يحتمل غير ذلك انتهى. وقوله ليس بسديد لأن اتباع حركة الكاف لا تعين المصدرية، ألا تراهم قروؤا {جثيا} بكسر الجيم جمع جاث، وقالوا عصي فاتبعوا.

(6/265)


{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوت فسوف يلقون غيا * إلا من تاب وءامن وعمل صلحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا * جنت عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا * لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا * تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا * وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا }

{إلا من تاب} استثناء ظاهره الاتصال. وقال الزجاج: منقطع {وآمن} هذا يدل على أن تلك الإضاعة كفر.
وقرأ الجمهور جنات نصبا جمعا بدلا من {الجنة} {ولا يظلمون شيئا} اعتراض أو حال. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمر والأعمش وأحمد بن موسى عن أبي عمر و{جنات} رفعا جمعا أي تلك جنات وقال الزمخشري الرفع على الابتداء انتهى يعني والخبر {التي}. وقرأ الحسن بن حي وعلي بن صالح جنة عدن نصبا مفردا ورويت عن الأعمش وهي كذلك في مصحف عبد الله. وقرأ اليماني والحسن وإسحاق الأزق عن حمزة جنة رفعا مفردا و{عدن} إن كان علما شخصيا كان التي نعتا لما أضيف إلى {عدن} وإن كان المعنى إقامة كان {التي} بدلا.
(إلا سلاما: استثناء منقطع).
وتنزل تفعل وهي للمطاوعة وهي أحد معاني تفعل، تقول: نزلته فتنزل فتكون لمواصلة العمل في مهلة، وقد تكون لا يلحظ فيه ذلك إذا كان بمعنى المجرد كقولهم: تعدى الشيء وعداه ولا يكون مطاوعا فيكون تنزل في معنى نزل. كما قال الشاعر:
فلست لأنسى ولكن لملاكتنزل من جو السماء يصوب

(6/266)


وقال ابن عطية: وهذه الواو التي في قوله {وما نتنزل} هي عاطفة جملة كلام على أخرى واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحدا.
وارتفع {رب السموات} على البدل أو على خبر مبتدأ محذوف.
{ويقول الإنسن أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر إلإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا * فوربك لنحشرنهم والشيطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا * وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظلمين فيها جثيا * وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قال الذين كفروا للذين ءامنوا أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا }
وقرأ الجمهور {لسوف} باللام. وقرأ طلحة بن مصرف سأخرج بغير لام وسين الاستقبال عوض سوف، فعلى قراءته تكون إذا معمولا لقوله سأخرج لأن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده من الفعل فيما قبله، على أن فيه خلافا شاذا وصاحبه محجوج بالسماع. قال الشاعر:

فلما رأته آمنا هان وجدهاوقالت أبونا هكذا سوف يفعل
فهكذا منصوب بفعل وهو بحرف الاستقبال. وحكى الزمخشري أي طلحة بن مصرف قرأ لسأخرج، وأما على قراءة الجمهور وما نقله الزمخشري من قراءة طلحة فاللام لام الابتداء فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيقدر العالمل محذوفا من معنى {لسوف أخرج} تقديره إذا ما مت أبعث.

(6/267)


وقال الزمخشري: فإن قلت لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلت: لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف انتهى.
وما ذكر من أن اللام تعطي معنى الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يقول ذلك يسقط السؤال، وأما قوله كما أخلصت الهمزة إلى آخره فليس ذلك إلا على مذهب من يزعم أن الأصل فيه إله، وأما من يزعم أن أصله لاه فلا تكون الهمزة فيه للتعويض إذ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا إن أصله إله وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض، إذ لو كانت للعوض من المحذوف لثبتت دائما في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء قالوا: يا الله بحذفها وقد نصوا على أن قطع همزة الوصل في النداء شاذ.
قال الزمخشري: الواو عاطفة لا يذكر على يقول، ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف انتهى. وهذا رجوع منه إلى مذهب الجماعة من أن حرف العطف إذا تقدمته الهمزة فإنما عطف ما بعدها على ما قبلها، وقدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام، وكان مذهبه أن يقدر بين الهمزة والحرف ما يصلح أن يعطف على ما بعد الواو فيقر الهمزة على حالها، وليست مقدمة من تأخير وقد رددنا عليه هذه المقالة.
وقرأ الجمهور {أيهم} بالرفع وهي حركة بناء على مذهب سيبويه، فأيهم مفعول بننزعن وهي موصولة: و{أشد} خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة لأيهم وحركة إعراب على مذهب الخليل ويونس على اختلاف في التخريج. و{أبهم أشد} مبتدأ وخبر محكي على مذهب الخليل أي الذين يقال فيهم {أيهم أشد}. وفي موضع نصب فيعلق عنه {لننزعن} على مذهب يونس، والترجيج بين هذه المذاهب مذكور في علم النحو.
قيل: {عتيا} جمع عات فاتصابه على الحال.

(6/268)


{صليا} دخولا. وقيل: لزوما. وقيل: جمع صال فانتصب على الحال وبها متعلق بأولى. والواو في قوله {وإن منكم} للعطف. وقال ابن عطية: {وإن منكم إلا واردها} قسم والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم «من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم». انتهى. وذهل عن قول النحويين أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو بأن، والجواب هنا جاء على زعمه بأن النافية فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله والواو تقتضيه يدل على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نحوي إلى أن مثل هذه الواو واو قسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار، ولا يجوز ذلك إلا إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما أولوا في قولهم: نعم السير على بئس العير، أي على عير بئس العير. وقول الشاعر:

والله ما زيد بنام صاحبه
أي برجل نام صاحبه. وهذه الآية ليست من هذا الضرب إذ لم يحذف المقسم به وقامت صفته مقامه.
ومفعول {اتقوا} محذوف أي الشرك.
وقال الزمخشري: و{هم أحسن} في محل النصب صفة لكم. ألا ترى أنك لو تركت {هم} لم يكن لك بد من نصب {أحسن} على الوصفية انتهى. وتابعه أبو البقاء على أن {هم أحسن} صفة لكم، ونص أصحابنا على أن {كم} الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا يوصف بها، فعلى هذا يكون {هم أحسن} في موضع الصفة لقرن.
وقرأ الجمهور {ورئيا} بالهمزة من رؤية العين فعل بمعنى مفعول كالطحن والسقي.

(6/269)


{قل من كان فى الضللة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا * ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والبقيت الصلحت خير عند ربك ثوابا وخير مردا * أفرأيت الذى كفر بئايتنا وقال لائوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا * واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبدتهم ويكونون عليهم ضدا * ألم}
وقرىء ورياء بياء بعدها ألف بعدها همزة، حكاهها اليزيدي وأصله ورئاء من المراءاة أي يرى بعضهم بعضا حسنه. وقرأ ابن عباس، فيما روي عنه طلحة وريا من غير همز ولا تشديد، فتجاسر بعض الناس وقال هي لحن وليس كذلك بل لها توجيه بأن تكون من الرواء، وقلب فصار {ورئيا} ثم نقلت حركة الهمزة إلى الياء وحذفت، أو بأن تكون من الري وحذفت إحدى الياءين تخفيفا كما حذفت في لا سيما، والمحذوفة الثانية لأنها لام الكلمة لأن النقل إنما حصل للكلمة بانضمامها إلى الأولى فهي أولى بالحذف.
وقال الزمخشري: {يزيد} معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر تقديره من كان في الضلالة مدا ويمد له الرحمن {ويزيد}.

(6/270)


ولا يصح أن يكون {ويزيد} معطوفا على موضع {فليمدد} سواء كان دعاء أم خبرا بصورة الأمر لأنه في موضع الخبر إن كانت {من} موصولة أو في موضع الجواب إن كانت {من} شرطية، وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} عارية من ضمير يعود على من يربط جملة الخبر بالمبتدأ أو جملة الشرط بالجزاء الذي هو فليمدد وما عطف عليه لأن المعطوف على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسما لا ظرفا تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقول مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها.

وجاء التركيب في أرأيت على الوضع الذي ذكره سيبويه من أنها تتعدى لواحد تنصبه، ويكون الثاني استفهاما فأطلع وما بعده في موضع المفعول الثاني لأرأيت.
وقرأ أبو نهيك {كلا} بالتنوين فيهما.
هنا وهو مصدر من كل السيف كلا إذا نبا عن الضريبة، وانتصابه على إضمار فعل من لفظه وتقديره كلوا كلا عن عبادة الله أو عن الحق.
و{يقول} صلة {ما} مضارع، والمعنى على الماضي أي ما قال.
واللام في ليكونوا لام كي.

(6/271)


وفي محتسب ابن جني {كلا} بفتح الكاف والتنوين، وزعم أن معناه كل هذا الرأي والإعتقاد كلا، ولقائل أن يقول إن صحت هذه الرواية فهي {كلا} التي للردع قلب الواقف عليها ألفها نونا كما في قواريرا انتهى. فقوله وقرأ ابن نهيك الذي ذكر ابن خالويه وصاحب اللوامح وابن عطية وأبو نهيك بالكنية وهو الذي يحكى عنه القراءة في الشواذ وأنه قرأ {كلا} بفتح الكاف والتنوين وكذا حكاه عنه أبو الفتح. وقال ابن عطية وهو يعني {كلا} نعت للآلهة قال: وحكى عنه أي عن أبي نهيك أبو عمر والداني {كلا} بضم الكاف والتنوين وهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه {سيكفرون} تقديره يرفضون أو يتركون أو يجحدون أو نحوه. وأما قول الزمخشري ولقائل أن يقول إلى آخره فليس بجيد لأنه قال إنها التي للردع، والتي للردع حرف ولا وجه لقلب ألفها نونا وتشبيهه بقواريرا ليس بجيد لأن قواريرا اسم رجع به إلى أصله، فالتنوين ليس بدلا من ألف بل هو تنوين الصرف. وهذا الجمع مختلف فيه أيتحتم منع صرفه أم يجوز؟ قولان، ومنقول أيضا أن لغة للعرب يصرفون ما لا ينصرف عند غيرهم، فهذا التنوين إما على قول من لا يرى بالتحتم أو على تلك اللغة. وذكر الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ كل بضم الكاف ورفع اللام ورفعه على الابتداء والجملة بعده الخبر، وتقدم ظاهر وهو الآلهة وتلاه ضمير في قوله ليكونوا فالأظهر أن الضمير في {سيكفرون} عائد على أقرب مذكور محدث عنه.

(6/272)


{ألم تر أنآ أرسلنا الشيطين على الكفرين تؤزهم أزا * فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا * يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا * لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا * وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من فى السموت والأرض إلا آتى الرحمن عبدا * لقد أحصهم وعدهم عدا * وكلهم ءاتيه يوم القيمة فردا * إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات سيجعل لهم الرحمن ودا * فإنما يسرنه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا }

والضمير في {لا يملكون} عائد على الخلق الدال عليهم ذكر المتقين والمجرمين إذ هم قسماه، والاستثناء متصل و{من} بدل من ذلك الضمير أو نصب على الاستثناء {ولا يملكون} استئناف إخبار. وقيل: موضه نصب على الحال من الضمير في {لا يملكون} ويكون عائدا على المجرمين. والمعنى غير مالكين أن يشفع لهم، ويكون على هذا الاستثناء منقطعا. وقيل: الضمير في {لا يملكون} عائد على المتقين والمجرمين، والاستثناء متصل.

(6/273)


وقال بعض من جعل الضمير للمتقين: المعنى لا يملك المتقون {الشفاعة} إلا لهذا الصنف، فعلى هذا يكون من اتخذ المشفوع فيهم، وعلى التأويل الأول يكون من اتخذ الشافعين فالتقدير على التقدير الثاني {لا يملكون الشفاعة لأحد إلا من اتخذ} فيكون في موضع نصب كما قال:
فلم ينج إلا جفن سيف ومئزرا.
أي لم ينج شيء إلا جفن سيف. وعلى هذه الأقوال الواو ضمير. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون يعني الواو في {لا يملكون} علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث، والفاعل من {اتخذ} لأنه في معنى الجمع انتهى. ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميرا. وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنها لغة ضعيفة. وأيضا قالوا: والألف والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلا إلا بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف، إما أن تأتي بلفظ مفرد يطلق على جمع أو على مثنى فيحتاج في إثبات ذلك إلى نقل، وأما عود الضمائر مثناة ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى، والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر، ولكن الأحفظ أن لا يقال ذلك إلا بسماع. وقال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب يعني من على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة من {اتخذ}.
وقرأ الجمهور {إدا} بكسر الهمزة وعلي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن بفتحها أي شيئا أدا حذف المضاف وأقيم المصدر مقامه.
وانتصب {هدا} عند النحاس على المصدر قال: لأن معنى {تخر} تنهد انتهى. وهذا على أن يكون {هدا} مصدرا لهد الحائط يهد بالكسر هديدا وهدا وهو فعل لازم. وقيل {هدا} مصدر في موضع الحال أي مهدودة، وهذا على أن يكون {هدا} مصدر هد الحائط إذا هدمه وهو فعل متعد، وأجاز الزمخشري أن يكون مفعولا له أي لأنها تهد، وأجاز الزمخشري في {أن دعوا} ثلاثة أوجه. قال أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في منه كقوله:

(6/274)


على حالة لو أن في القوم حاتماعلى جوده لضن بالماء حاتموهذا فيه بعد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه لجملتين، قال: ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي {هدا} لأن دعوا علل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد للرحمن، وهذا فيه بعد لأن الظاهر أن {هدا} لا يكون مفعولا بل مصدر من معنى {وتخر} أو في موضع الحال، قال: ومرفوعا بأنه فاعل {هدا} أي هدها دعاء الولد للرحمن، وهذا فيه بعد لأن ظاهر {هدا} أن يكون مصدرا توكيديا، والمصدر التوكيدي لا يعمل ولو فرضناه غير توكيد لم يعمل بقياس إلا إن كان أمرا أو مستفهما عنه، نحو ضرب زيدا، واضربا زيدا على خلاف فيه. وأما إن كان خبرا كما قدره الزمخشري أي هدها دعاء الرحمن فلا ينقاس بل ما جاء من ذلك هو نادر كقوله.
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
أي وقف صحبي.
وقال الحوفي وأبو البقاء {أن دعوا} في موضع نصب مفعول له، ولم يبينا العامل فيه. وقال أبو البقاء أيضا: هو في موضع جر على تقدير اللام، قال: وفي موضع رفع أي الموجب لذلك دعاؤهم، ومعنى {دعوا} سموا وهي تتعدى إلى اثنين حذف الأول منهما، والتقدير سموا معبودهم ولدا للرحمن أي بولد لأن دعا هذه تتعدى لاثنين، ويجوز دخول الباء على الثاني تقول: دعوت ولدي بزيد، أو دعوت ولدي زيدا. وقال الشاعر:
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكنأخاها ولم أرضع لها بلبان وقال آخر
ألا رب من يدعي نصيحا وإن يغبتجده بغيب منك غير نصيح و{ينبغي} ليس من الأفعال التي لا تتصرف بل سمع لها الماضي قالوا: أنبغى وقد عدها ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وهو غلط و{من} موصولة بمعنى الذي أي ما كل الذي.
وقال الزمخشري: {من} موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة وقوعها بعد رب في قوله:
رب من أنضجت غيظا صدره

(6/275)


انتهى. والأولى جعلها موصولة لأن كونها موصوفة بالنسبة إلى الموصولة قليل. وقرأ عبد الله وابن الزبير وأبو حيوة وطلحة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ويعقوب إلا آت بالتنوين {الرحمن} بالنصب والجمهور بالإضافة و{آتي} خبر {كل} وانتصب {عبدا} على وانتصب {فردا} على الحال أي منفردا.
وخير {كلهم آتيه} {فردا} وكل إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم وكل الناس فالمنقول أنه يجوز أن يعود الضمير مفردا على لفظ كل، فتقول: كلكم ذاهب، ويجوز أن يعود جمعا مراعاة للمعنى فتقول: كلكم ذاهبون. وحكى إبراهيم ابن أصبغ في كتاب رؤوس المسائل الإتفاق على جواز الوجهين، وعلى الجمع جاء لفظ الزمخشري في تفسير هذه الآية في الكشاف {وكلهم} متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره، وقد خدش في ذلك أبو زيد السهيلي فقال: كل إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظا يعني إلى معرفة فلا يحسن إلا إفراد الخبر حملا على المعنى، تقول: كلكم ذاهب أي كل واحد منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح فإن قلت: في قوله {وكلهم آتيه} إنما هو حمل على اللفظ لأنه اسم مفرد قلنا: بل هو اسم للجمع واسم الجمع لا يخبر عنه بإفراد، تقول: القوم ذاهبون، ولا تقول: القوم ذاهب وإن كان لفظ القوم كلفظ المفرد، وإنما حسن كلكم ذاهب لأنهم يقولون كل واحد منكم ذاهب فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى انتهى. ويحتاج في إثبات كلكم ذاهبون بالجمع ونحوه إلى سماع ونقل عن العرب، أما إن حذف المضاف المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان.

سورة طه عليه السلام

مائة وخمس وثلاثون آية مكية

(6/276)


{طه * مآ أنزلنا عليك القرءان لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسموت العلى * الرحمن على العرش استوى * له ما في السموت وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى * الله لا إله إلا هو له الأسمآء الحسنى }
و{لتشقى} و{تذكرة} علة لقوله {ما أنزلنا} وتعدى في {لتشقى} باللام لاختلاف الفاعل إذ ضمير {ما أنزلنا} هو لله، وضمير {لتشقى} للرسول صلى الله عليه وسلم ولما اتحد الفاعل في {أنزلنا} و{تذكرة} إذ هو مصدر ذكر، والمذكر هو الله وهو المنزل تعدى إليه الفعل فنصب على أن في اشتراط اتحاد الفاعل خلافا والجمهور يشترطونه.
وقال الزمخشري: فإن قلت: أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى كقوله {أن تحبط أعمالكم }قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في {واختار موسى قومه} وأما النصبة في {تذكرة} فهي كالتي في ضربت زيد لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها انتهى. وليس كون أن تشقى إذا حذف الجار منصوب متفقا عليه بل في ذلك خلاف. أهو منصوب تعدى إليه الفعل بعد إسقاط الحرف أو مجرور بإسقاط الجار وإبقاء عمله؟
وقال ابن عطية: {إلا تذكرة} يصح أن ينصب على البدل من موضع {لتشقى} ويصح أن ينصب بإضمار فعل تقديره لكن أنزلناه تذكرة انتهى. وقد رد الزمخشري تخريج ابن عطية الأول فقال: فإن قلت: هل يجوز أن يكون {تذكرة} بدلا من محل {لتشقى}؟ قلت: لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلا فيه بمعنى لكن انتهى. ويعني باختلاف الجنسين أن نصب {تذكرة} نصبة صحيحة ليست بعارضة والنصبة التي تكون في {لتشقى} بعد نزع الخافض نصبة عارضة والذي نقول أنه ليس له محل البتة فيتوهم البدل منه.

(6/277)


وكون {إلا تذكرة} بدل من محل {لتشقى} هو قول الزجاج. وقال النحاس: هذا وجه بعيد وأنكره أبو علي من قبل أن التذكرة ليست بشقاء. وقال الحوفي: ويجوز أن يكون {تذكرة} بدلا من {القرآن} ويكون {القرآن} هو {التذكرة} وأجاز هو وأبو البقاء أن يكون مصدرا أي لكن ذكرنا به {تذكرة}. قال أبو البقاء ولا يجوز أن يكون مفعولا له لأنزلنا المذكور لأنه قد تعدى إلى مفعول وهو {لتشقى} ولا يتعدى إلى آخر من جنسه انتهى. والخشية باعثة على الإيمان والعمل الصالح.

وانتصاب {تنزيلا} على أنه مصدر لفعل محذوف أي نزل {تنزيلا ممن خلق}. وقال الزمخشري: في نصب {تنزيلا} وجوه أن يكون بدلا من {تذكرة} إذا جعل حالا لا إذا كان مفعولا له، لأن الشيء لا يعلل بنفسه، وأن ينصب بنزل مضمرا، وأن ينصب بأنزلنا لأن معنى {ما أنزلنا} {إلا تذكرة} أنزلناه تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص، وأن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله الله {تذكرة لمن يخشى} تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين انتهى. والأحسن ما قدمناه أولا من أنه منصوب بنزل مضمرة. وما ذكره الزمخشري من نصبه على غير ذلك متكلف أما الأول ففيه جعل {تذكرة} و{تنزيلا} حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالا لا ينقاس، وأيضا فمدلول {تذكرة} ليس مدلول {تنزيلا} ولا {تنزيلا} بعض {تذكرة} فإن كان بدلا فيكون بدل اشتمال على مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول لأن التنزيل مشتمل على التذكرة وغيرها. وأما قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة فليس كذلك لأن معنى الحصر يفوت في قوله أنزلناه تذكرة، وأما نصبه على المدح فبعىد، وأما نصبه بمن يخشى ففي غاية البعد لأن يخشى رأس آية وفاصل فلا يناسب أن يكون تنزيل مفعولا بيخشى وقوله فيه وهو معنى حسن وإعراب بين عجمة وبعد عن إدراك الفصاحة.

(6/278)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية