صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : إعراب القرآن لابن سيده

{وإذ نجينكم من ءال فرعون}: تقدم الكلام على إذ في قوله: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل}(البقرة: 30). ومن أجاز نصب إذ هناك مفعولا به بإضمار اذكر أو ادعى زيادتها، فقياس قوله هناك إجازته هنا، إذ لم يتقدم شيء تعطفه عليه إلا أن ادعى مدع أن إذ معطوفة على معمول اذكروا، كأنه قال: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم، ووقت تنجيتكم. ويكون قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة الاعتراض التي هي: واتقوا يوما}. وقد قدمنا أنا لا نختار أن يكون مفعولا به بأذكر، لا ظاهرة ولا مقدرة، لأن ذلك تصرف فيها، وهي عندنا من الظروف التي لا يتصرف فيها إلا بإضافة اسم زمان إليها على ما قرر في النحو. وإذا كان كذلك، فالذي نختاره أن ينتصب على الظرف، ويكون العامل فيه فعلا محذوفا يدل عليه ما قبله، تقديره: وأنعمنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون، وتقدير هذا الفعل أولى من كل ما قدمناه.
{يسومونكم}: يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وهي حكاية حال ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال: أي سائميكم، وهي حال من آل فرعون. {وسوء العذاب}: أشقه وأصعبه وانتصابه، مبني على المراد بيسومونكم، وفيه للمفسرين أقوال: السوم: بمعنى التكليف أو الإبلاء، فيكون سوء العذاب على هذا القول مفعولا ثانيا السام، أي يكلفونكم.
وعلى هذه الأقوال غير القولين الأولين يكون {سوء العذاب} مفعولا على إسقاط حرف الجر. وقال بعض الناس: ينتصب سوء العذاب نصب المصدر، ثم قدره سوما شديدا.
{يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم} ويذبحون بدل من يسومونكم، بدل الفعل من الفعل، نحو قوله تعالى: {يلق أثاما يضاعف له العذاب}(الفرقان: 68)، وقول الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
تجد حطبا جزلا ونارا تأججا}

(1/154)


ويحتمل أن تكون مما حذف منه حرف العطف لثبوته في إبراهيم. وقول من ذهب إلى أن الواو زائدة لحذفها هنا ضعيف. وقال الفراء: الموضع الذي حذفت فيه الواو تفسير لصفات العذاب، والموضع الذي فيه الواو يبين أنه قد مسهم العذاب، غير الذبح، ويجوز أن يكون يذبحون: في موضع الحال، من ضمير الرفع في: يسومونكم، ويجوز أن يكون مستأنفا.

{وإذ فرقنا بكم البحر فأنجينكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون * وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظلمون * ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون * وإذ ءاتينا موسى الكتب والفرقان لعلكم تهتدون }.
{موسى}: اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والعلمية. يقال: هو مركب من مو: وهو الماء، وشاو: وهو الشجر. فلما عرب أبدلوا شينه سينا، وإذا كان أعجميا فلا يدخله اشتقاق عربي. وقد اختلفوا في اشتقاقه، فقال مكي: موسى مفعل من أوسيت، وقال غيره: هو مشتق من ماس يميس، ووزنه: فعلى، فأبدلت الياء واوا الضمة ما قبلها، كما قالوا: طوبى، وهي من ذوات الياء، لأنها من طاب يطيب. وكون وزنه فعلى هو مذهب المعربين. وقد نص سيبويه على أن وزن موسى مفعل، وذلك فيما لا ينصرف. واحتج سيبويه في الأبنية على ذلك بأن زيادة الميم أولا أكثر من زيادة الألف آخرا، واحتج الفارسي على كونه مفعلا لا فعلى، بالإجماع على صرفه نكرة، ولو كان فعلى لم ينصرف نكرة لأن الألف كانت تكون للتأنيث، وألف التأنيث وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة. الأربعون: ليس بجمع سلامة، بل هو من قبيل المفرد الذي هو اسم جمع، ومدلوله معروف، وقد أعرب إعراب الجمع المذكر السالم.

(1/155)


الاتخاذ: افتعال من الأخذ، وكان القياس أن لا تبدل الهمزة إلا ياء، فتقول: ايتخذ كهمزة إيمان إذ أصله: إإمان، وكقولهم: ائتزر: افتعل من الإزار، فمتى كانت فاء الكلمة واوا أو ياء، وبنيت افتعل منها، فاللغة الفصحى إبدالها تاء وإدغامها في تاء الافتعال، فتقول: اتصل واتسر من الوصل واليسر، فإن كانت فاء الكلمة همزة، وبنيت افتعل، أبدلت تلك الهمزة ياء وأقررتها. هذ هو القياس، وقد تبدل هذه الياء تاء فتدغم، قالوا: إتمن، وأصله: إئتمن. وعلى هذا جاء: اتخذ. ومما علق بذهني من فوائد الشيخ الإمام بهاء الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر الحلبي، عرف بابن النحاس، رحمه الله، وهو كان المشتهر بعلم النحو في ديار مصر: أن اتخذ مما أبدل فيه الواو تاء على اللغة الفصحى، لأن فيه لغة أنه يقال: وخذ بالواو، فجاء هذا على الأصل في البدل، وإن كان مبنيا على اللغة القليلة، وهذا أحسن، لأنهم نصوا على أن اتمن لغة رديئة، وكان رحمه الله يغرب بنقل هذه اللغة. وقد خرج الفارسي مسألة اتخذ على أن التاء الأولى أصلية، إذ قلت: قالت العرب تخذ بكسر الخاء، بمعنى: أخذ، قال: تعالى: {لتخذت عليه أجرا}(الكهف: 77)، في قراء من قرأ كذلك، وأنشد الفارسي، رحمه الله:

وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها

(1/156)


نسيفا كأفحوص القطاة المطوق } فعلى قوله: التاء أصل، وبنيت منه افتعل، فقلت: اتخذ، كما تقول: اتبع، مبنيا من تبع، وقد نازع أبو القاسم الزجاجي في تخذ، فزعم أن أصله: اتخذ، وحذف كما حذف اتقى، فقالوا: تقى، واستدل على ذلك بقولهم: تخذ بفتح التاء مخففة، كما قالوا: يتقى ويتسع بحذف التاء التي هي بدل من فاء الكلمة. ورد السيرافي هذا القول وقال: لو كان محذوفا منه ما كسرت الخاء، بل كانت تكون مفتوحة، كقاف تقي، وأما يتخذ فمحذوف مثل: يتسع، حذف من المضارع دون الماضي، وتخذ بناء أصلي، انتهى. وما ذهب إليه الفارسي والسيرافي من أنه بناء أصلي على حده هو الصحيح، بدليل ما حكاه أبو زيد وهو: تخذ يتخذ تخذا، قال الشاعر:
ولا تكثرن اتخذ العشار فإنها
تريد مباآت فسيحا بناؤها
وذكر المهدوي في «شرح الهداية»: أن الأصل واو مبدلة من همزة، ثم قلبت الواو تاء وأدغمت في التاء، فصار في اتخذ أقوال: أحدها: التاء الأولى أصل. الثاني: أنها بدل من واو أصلية. الثالث: أنها بدل من تاء أبدلت من همزة. الرابع: أنها بدل من واو أبدلت من همزة، واتخذ تارة يتعدى لواحد، وذلك نحو قوله تعالى: {اتخذت بيتا}(العنكبوت: 41)، وتارة لاثنين نحو قوله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}(الفرقان: 43): بمعنى صير. العجل}: معروف، وهو ولد البقرة الصغير الذكر. بعد: ظرف زمان، وأصله الوصف، كقبل، وحكمه حكمه في كونه يبنى على الضم إذا قطع عن الإضافة إلى معرفة، ويعرب بحركتين، فإذا قلت: جئت بعد زيد، فالتقدير: جئت زمانا بعد زمان مجيء زيد، ولا يحفظ جره إلا بمن وحدها.
شكر يشكر شكرا وشكورا، ويتعدى لواحد تارة بنفسه وتارة بحرف جر، وهو من ألفاظ مسموعة تحفظ ولا يقاس عليها، وهو قسم برأسه، تارة يتعدى بنفسه وتارة بحرف جر على حد سواء، خلافا لمن زعم استحالة ذلك. وكان شيخنا أبو الحسين بن أبي الربيع يذهب إلى أن شكر أصله أن يتعدى بحرف جر، ثم أسقط اتساعا.

(1/157)


{وإذ فرقنا بكم البحر}: معطوف على: وإذ نجيناكم فالعامل فيه ما ذكر أنه العامل في إذ تلك بواسطة الحرف. بكم: متعلق بفرقنا، والباء معناها: السبب، أي بسبب دخولكم، أو المصاحبة: أي ملتبسا، كما قال:
تدوس بنا الجماجم والتريبا
أي ملتبسة بنا.
{وأغرقنا ءال فرعون} والهمزة في أغرقنا للتعدية، ويعدى أيضا بالتضعيف.

{وأنتم تنظرون}: جملة حالية.
{وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة} ونصب أربعين على المفعول الثاني لواعدنا، على أنها هي الموعودة، أو على حذف مضاف التقدير تمام، أو انقضاء أربعين حذف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب إعرابه، قاله الأخفش، فيكون مثل قوله:
فواعديه سر حتى مالك
أو النقا بينهما أسهلا أي إتيان سر حتى مالك، ولا يجوز نصب أربعين على الظرف لأنه ظرف معدود، فيلزم وقوع العامل في كل فرد من أجزائه، والمواعدة لم تقع كذلك. وليلة: منصوب على التمييز الجائي بعد تمام الاسم، والعامل في هذا النوع من التمييز اسم العدد قبله شبه أربعين بضاربين، ولا يجوز تقديم هذا النوع من التمييز على اسم العدد بإجماع، ولا الفصل بينهما بالمجرور إلا ضرورة، نحو:
على أنني بعدما قد مضى
ثلاثون للهجر حولا كميلا وعشرين منها أصبعا من ورائنا
ولا تعريف للتمييز، خلافا لبعض الكوفيين وأبي الحسين بن الطراوة. وأول أصحابنا ما حكاه أبو زيد الأنصاري من قول العرب: ما فعلت العشرون الدرهم، وما جاء نحو: هذا مما يدل على التعريف، وذلك مذكور في علم النحو.

(1/158)


{ثم اتخذتم العجل} ويحتمل اتخذ هنا أن تكون متعدية لواحد، أي صنعتم عجلا، كما قال: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار}(الأعراف: 148)، على أحد التأويلين، وعلى هذا التقدير: يكون ثم جملة محذوفة يدل علىها المعنى، وتقديرها: وعبدتموه إلها، ويحتمل أن تكون مما تعدت إلى اثنين فيكون المفعول الثاني محذوفا لدلالة المعنى، التقدير: ثم اتخذتم العجل إلها، والأرجح القول الأول، إذ لو كان مما يتعدى في هذه القصة لاثنين لصرح بالثاني، ولو في موضع واحد، ألا ترى أنه لم يعد إلى اثنين بل إلى واحد في هذا الموضع، وفي: اتخذ قوم موسى}(الأعراف: 148)، وفي: اتخذوه وكانوا ظالمين}(الأعراف: 148)، وفي: إن الذين اتخذوا العجل}(الأعراف: 152)، وفي قوله في هذه السورة أيضا: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل}(البقرة: 54)، لكنه يرجح القول الثاني لاستلزام القول الأول حذف جملة من هذه الآيات، ولا يلزم في الثاني إلا حذف المفعول، وحذف المفرد أسهل من حذف الجملة.
{وأنتم ظالمون}: جملة حالية.
{وإذ ءاتينا موسى الكتب والفرقان} أو القرآن. والمعنى أن الله آتى موسى ذكر نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلمحتى آمن به، حكاه ابن الأنباري، أو القرآن على حذف مفعول، التقدير: ومحمدا الفرقان، وحكي هذا عن الفراء وقطرب وثعلب، وقالوا: هو كقول الشاعر:

وزججن الحواجب والعيونا
التقدير: وكحلن العيون. ورد هذا القول مكي والنحاس وجماعة، لأنه لا دليل على هذا المحذوف، ويصير نظير: أطعمت زيدا خبزا ولحما، ويكون: اللحم أطعمته غير زيد، ولأن الأصل في العطف أنه يشارك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم السابق، إذا كان العطف بالحروف المشتركة في ذلك، وليس مثل ما مثلوا به من: وزججن الحواجب والعيون، لما هو مذكور في النحو.

(1/159)


{وإذ قال موسى لقومه يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم * وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون * وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبت ما رزقنكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }.
{خير}: هي أفعل التفضيل، حذفت همزتها شذوذا في الكلام فنقص بناؤها فانصرفت، كما حذفوها شذوذا في الشعر من أحب للتي للتفضيل، وقال الأحوص:
وزادني كلفا بالحب أن منعت
وحب شيء إلى الإنسان ما منعا
وقد نطقوا بالهمزة في الشعر، قال الشاعر:
بلال خير الناس وابن الأخير
واسم المفعول، تقول: يرى وترى ونرى وأرى زيدا، وأريت زيدا، ورزيدا، ومر زيدا، ومرى. وتثبت في الرؤية والرأي والرؤيا والمرأى والمرئي والمرأة واسترأى وأرأى من كذا، وفي ما أرأاه وأرئه في التعجب. وهذا الحذف الذي ذكرناه هو إذا كان مدلول رأى ما ذكرناه من الإبصار في يقظة أو نوم أو الاعتقاد، فإن كانت رأى بمعنى أصاب رئته، فلا تحذف الهمزة، بل تقول: رآه يرآه: أي أصاب رئته، نقله صاحب كتاب الأمر. ولغة تميم إثبات الهمزة فيما حذف منه غيرهم، فيقولون: يرأى وأرئي؟ وقال بعض العرب: فجمع بين حذف الهمزة والإثبات:
ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر
ومن يتمل العيش يرأى ويسمع

(1/160)


واللام في قوله: {لقومه}، للتبليغ، و{يا قوم}: منادى مضاف إلى ياء المتكلم، وقد حذفت واجتزىء بالكسرة عنها، وهذه اللغة أكثر ما في القرآن. وقد جاء إثباتها كقراءة من قرأ: يا عبادي فاتقون، بإثبات الياء ساكنة، ويجوز فتحها، فتقول: يا غلامي، وفتح ما قبلها وقلب الياء ألفا، فتقول: يا غلاما. وأجاز الأخفش حذف الألف والاجتزاء بالفتحة عنها، فتقول: يا غلام، وأجازوا ضمه وهو على نية الإضافة فتقول: يا غلام، تريد: يا غلامي. وعلى ذلك قراءة من قرأ: قل {رب احكم بالحق}(الأنبياء: 112)، قال رب السجن أحب إلي}(يوسف: 33)، هكذا أطلقوا، وفصل بعضهم بين أن يكون فعلا أو اسما، إن كان فعلا فلا يجوز بناؤه على الضم، ومثل الفعل بمثل: يا ضاربي، فلا يجيز في هذا يا ضارب.

والباء في {باتخاذكم العجل} سببية.
وقرأ الجمهور: بظهور حركة الإعراب في بارئكم، وروي عن أبي عمرو: الاختلاس، روى ذلك عنه سيبويه، وروى عنه: الإسكان، وذلك إجراء للمنفصل من كلمتين مجرى المتصل من كلمة، فإنه يجوز تسكين مثل إبل، فأجرى المكسوران في بارئكم مجرى إبل، ومنع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن، وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولغة العرب توافقه على ذلك، فإنكار المبرد لذلك منكر، وقال الشاعر:
فاليوم أشرب غير مستحقب
إثما من الله ولا واغل
وقال آخر:
رحت وفي رجليك ما فيهما
وقد بداهنك من المئزر
وقال آخر:
أو نهر تيرى فما تعرفكم العرب

(1/161)


وقد خلط المفسرون هنا في الرد على أبي العباس، فأنشدوا ما يدل على التسكين مما ليست حركته حركة إعراب. قال الفارسي: أما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها، ومما يدل على صحة قراءة أبي عمرو ما حكاه أبو زيد من قوله تعالى: {ورسلنا لديهم يكتبون}(الزخرف: 80). وقراءة مسلمة ابن محارب: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك}(البقرة: 288). وذكر أبو عمرو: أن لغة تميم تسكين المرفوع من يعلمه ونحوه، ومثل تسكين بارئكم، قراءة حمزة، ومكر السيىء}(فاطر: 43). وقرأ الزهري: باريكم، بكسر الياء من غير همز، وروي ذلك عن نافع. ولهذه القراءة تخريجان أحدهما: }أن الأصل الهمز، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف جعلها بين بين. والثاني: أن يكون الأصل باريكم، بالياء من غير همز، ويكون مأخوذا من قولهم: بريت القلم، إذا أصلحته، أو من البري: وهو التراب، ثم حرك حرف العلة، وإن كان قياسه تقديرا لحركة في مثل هذا رفعا وجرا، وقال الشاعر:
خبث الثرى كأبي الأزيد
وهذا كله تعليل شذوذ.
والفاء في قوله: {فاقتلوا أنفسكم}، إن قلنا: إن التوبة هي نفس القتل، وأن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، فتكون هذه الجملة بدلا من قوله، فتوبوا، والفاء كهي في فتوبوا معها السببية. وإن قلنا: إن القتل هو تمام توبتهم، فتكون الفاء للتعقيب. {لكم}: متعلق بخير إن كان للتفضيل، وإن كانت على أنها خير من الخيور فيتعلق بمحذوف، أي خير كائن لكم. والتخريجان يجريان في نصب قوله: {عند بارئكم}.

(1/162)


{فتاب عليكم}: ظاهره أنه إخبار من الله تعالى بالتوبة عليهم، ولا بد من تقدير محذوف عطفت عليه هذه الجملة، أي فامتثلتم ذلك فتاب عليكم. وتكون هاتان الجملتان مندرجتين تحت الإضافة إلى الظرف الذي هو: إذ في قوله: {وإذ قال موسى لقومه}(البقرة: 67). وأجاز الزمخشري أن يكون مندرجا تحت قول موسى على تقدير شرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، فتكون الفاء إذ ذاك رابطة لجملة الجزاء بجملة الشرط المحذوفة، هي وحرف الشرط، وما ذهب إليه الزمخشري لا يجوز، وذلك أن الجواب يجوز حذفه كثيرا للدليل عليه. وأما فعل الشرط وحده دون الأداة فيجوز حذفه إذا كان منفيا بلا في الكلام الفصيح، نحو قوله:

فطلقها فلست لها بكفؤ
وإن لا يعل مفرقك الحسام}
التقدير: وأن لا تطلقها يعل، فإن كان غير منفي بلا، فلا يجوز ذلك إلا في ضرورة، نحو قوله:
سقته الرواعد من صيف وإن
من خريف فلن يعدما
التقدير: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري، وذلك على أحد التخريجين في البيت، وكذلك حذف فعل الشرط وفعل الجواب دون أن يجوز في الضرورة، نحو قوله:
قالت بنات العم يا سلمى وإن
كان عييا معدما قالت وإن
التقدير: وإن كان عييا معدما أتزوجه. وأما حذف فعل الشرط وأداة الشرط معا، وإبقاء الجواب، فلا يجوز إذا لم يثبت ذلك من كلام العرب. وأما جزم الفعل بعد الأمر والنهي وأخواتهما فله ولتعليل ما ذكرنا من الأحكام مكان آخر يذكر في علم النحو. وظاهر قوله: {فتاب عليكم} أنه كما قلنا: إخبار عن المأمورين بالقتل الممتثلين ذلك. وقال ابن عطية: معناه على الباقين، وجعل الله القتل لمن قتل شهادة، وتاب على الباقين وعفا عنهم، انتهى كلامه. {إنه هو التواب الرحيم}: تقدم الكلام على هذه الجملة عند قوله تعالى في قصة آدم: {فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}(البقرة: 37)، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

(1/163)


{وإذ قلتم يموسى}: هذه محاورة بني إسرائيل لموسى، وذلك بعد محاورته لهم في الآية قبل هذا. والضمير في قلتم قيل للسبعين المختارين، قاله ابن مسعود وقتادة، وذكر في اختيار السبعين كيفية ستأتي، إن شاء الله تعالى، في مكانها في الأعراف. وقيل: الضمير لسائر بني إسرائيل إلا من عصمه الله، قاله ابن زيد. وقيل: الذين انفردوا مع هارون ولم يعبدوا العجل.
{حتى نرى الله جهرة} حتى: هنا حرف غاية، وانتصاب جهرة على أنه مصدر مؤكد مزيل لاحتمال الرؤية أن تكون مناما أو علما بالقلب. والمعنى حتى نرى الله عيانا، وهو مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، أي أعلن بها فأريد بها نوع من الرؤية، فانتصابها على حد قولهم: قعد القرفصاء، وفي نصب هذا النوع خلاف مذكور في النحو. والأصح أن يكون منصوبا بالفعل السابق يعدى إلى النوع، كما تعدى إلى لفظ المصدر الملاقي مع الفعل في الاشتقاق، وقيل انتصابه على أنه مصدر في موضع الحال على تقدير الحذف، أي ذوي جهرة، أو على معنى جاهرين بالرؤية لا على طريق المبالغة نحو: رجل صوم، لأن المبالغة لا تراد هنا.
{وأنتم تنظرون}: جملة حالية.
{وظللنا عليكم الغمام}: مفعول على إسقاط حرف الجر، أي بالغمام، كما تقول: ظللت على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على إسقاط الحرف، ويكون المعنى جعلناه عليكم ظللا. فعلى هذا الوجه الثاني يكون فعل فيه، بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولهم: عدلت زيدا، أي جعلته عدلا، فكذلك هذا معناه: جعلنا الغمام عليكم ظلة، وعلى الوجه الأول تكون فعل فيه بمعنى أفعل، فيكون التضعيف أصله للتعدية، ثم ضمن معنى فعل يعدى بعلى، فكان الأصل: وظللناكم، أي أظللناكم بالغمام، نحو ما ورد في الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله»، ثم ضمن ظلل معنى كلل أو شبهه مما يمكن تعديته بعلى، فعداه بعلى. وقد تقدم ذكر معاني فعل.

(1/164)


{من طيبات}: من: للتبعيض لأن المن والسلوى بعض الطيبات، وأبعد من ذهب إلى أنها زائدة، ولا يتخرج ذلك إلا على قول الأخفش، وأبعد من هذا قول من زعم أنها للجنس، لأن التي للجنس في إثباتها خلاف، ولا بد أن يكون قبلها ما يصلح أن يقدر بعده موصول يكون صفة له. وقول من زعم أنها للبدل، إذ هو معنى مختلف في إثباته، ولم يدع إليه هنا ما يرجح ذلك.
وما في قوله: {ما رزقناكم} موصولة، والعائد محذوف، أي ما رزقناكموه، وشروط الحذف فيه موجودة، ولا يبعد أن يجوز مجوز فيها أن تكون مصدرية، فلا يحتاج إلى تقدير ضمير، ويكون يطلق المصدر على المفعول، والأول أسبق إلى الذهن.
{ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}: لكن هنا وقعت أحسن موقع، لأنه تقدم قبلها نفي وجاء بعدها إيجاب، نحو قوله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم}(هود: 101)، وكذلك العكس، نحو قوله تعالى: ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون}(البقرة: 13)، أعني أن يتقدم إيجاب ثم يجيء بعدها نفي، لأن الاستدراك الحاصل بها إنما يكون يدل عليه ما قبلها بوجه ما.
وأحسن مواقعها أن تكون بين المتضادين، ويليه أن تقع بين النقيضين، ويليه أن تقع بين الخلافين، وفي هذا الأخير خلاف بين النحويين. أذلك تركيب عربي أم لا؟ وذلك نحو قولك: ما زيد قائم، ولكن هو ضاحك، وقد تكلم على ذلك في علم النحو. واتفقوا على أنها لا تقع بين المتماثلين نحو: ما خرج زيد ولكن لم يخرج عمرو. وطباق الكلام أن يثبت ما بعد لكن على سبيل ما نفي قبلها، نحو قوله: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم}(هود: 101) }ويظلمون: صورته صورة المضارع، وهو ماض من حيث المعنى، وهذا من المواضع التي يكون فيها المضارع بمعنى الماضي.

(1/165)


ولم يذكره ابن مالك في «التسهيل» ولا فيما وقفنا عليه من كتبه، وذكر ذلك غيره وقدم معمول الخبر عليه هنا وهو قوله: {أنفسهم}، ليحصل بذلك توافق رؤوس الآي والفواصل، وليدل على الاعتناء بالإخبار عمن حل به الفعل، ولأنه من حيث المعنى صار العامل في المفعول توكيدا لما يدل عليه ما قبله. فليس ذكره ضروريا، وبأن التوكيد أن يتأخر عن المؤكد، وذلك أنك تقول: ما ضربت زيدا ولكن ضربت عمرا، فذكر ضربت الثانية أفادت التأكيد، لأن لكن موضوعها أن يكون ما بعدها منافيا لما قبلها، ولذلك يجوز أن تقول: ما ضربت زيدا ولكن عمرا، فلست مضطرا لذكر العامل. فلما كان معنى قوله: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} في معنى: {ولكن ظلموا أنفسهم}(هود: 101)، كان ذكر العامل في المفعول ليس مضطرا إليه، إذ لو قيل: وما ظلمونا ولكن أنفسهم، لكان كلاما عربيا، ويكتفى بدلالة لكن أن ما بعدها مناف لما قبلها، فلما اجتمعت هذه المحسنات لتقديم المفعول كان تقديمه هنا الأفصح.

(1/166)


{وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون * وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين * وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيت الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }.

(1/167)


خطايا: فجمع خطية مشددة عند الفراء، كهدية وهدايا، وجمع خطيئة المهموز عند سيبويه والخليل. فعند سيبويه: أصله خطائي، مثل: صحائف، وزنه، فعائل، ثم أعلت الهمزة الثانية بقلبها ياء، ثم فتحت الأولى التي كان أصلها ياء المد في خطيئة فصار: خطأي، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فصار: خطآء، فوقعت همزة بين ألفين، والهمزة شبيهة بالألف فصار: كأنه اجتمع ثلاثة أمثال، فأبدلوا منها ياء فصار خطايا، كهدايا ومطايا. وعند الخليل أصله: خطايىء، ثم قلب فصار خطائي على وزن فعالي، المقلوب من فعائل، ثم عمل فيه العمل السابق في قول سيبويه.
وملخص ذلك: أن الياء في خطايا منقلبة عن الهمزة المبدلة من الياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة زائدة في خطيئة، على رأي سيبويه، والألف بعدها منقلبة عن الياء المبدلة من الهمزة التي هي لام الكلمة، ومنقلبة عن الهمزة التي هي لام الكلمة في الجمع والمفرد، والألف بعدها هي الياء التي كانت ياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة في المفرد، على رأي الخليل. وقد أمعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب «التكميل لشرح التسهيل» من تأليفنا.

التبديل: تغيير الشيء بآخر. تقول: هذا بدل هذا: أي عوضه، ويتعدى لاثنين، الثاني أصله حرف جر: بدلت دينارا بدرهم: أي جعلت دينارا عوض الدرهم، وقد يتعدى لثلاثة فتقول: بدلت زيدا دينارا بدرهم: أي حصلت له دينارا عوضا من درهم، وقد يجوز حذف حرف الجر لفهم المعنى، قال تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم}(الفرقان: 70)، أي يجعل لهم حسنات عوض السيئات، وقد وهم كثير من الناس فجعلوا ما دخلت عليه الباء هو الحاصل، والمنصوب هو الذاهب، حتى قالوا: ولو أبدل ضادا بظاء لم تصح صلاته، وصوابه: لو أبدل ظاء بضاد.

(1/168)


العصا: مؤنث، والألف منقلبة عن واو، قالوا: عصوان، وعصوته: أي ضربته بالعصا، ويجمع على أفعل شذوذا، قالوا: أعص، أصله أعصوو، على فعول قياسا، قالوا: عصى، أصله عصوو، ويتبع حركة العين حركة الصاد، قال الشاعر:
ألا إن لا تكن إبل فمعزى
كائن قرون جلتها العصى
اثنتا: تأنيث اثنين، وكلاهما له إعراب المثنى، وليس بمثنى حقيقة لأنه لا يفرد، فيقال: أثن، ولا أثنة، ولامهما محذوفة، وهي ياء، لأنه من ثنيتا.
أناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإذا سمي به مذكر صرف، وقول الشاعر:
وإلى ابن أم أناس أرحل ناقتي
منع صرفه، إما لأنه علم على مؤنث، وإما ضرورة على مذهب الكوفيين. مشرب: مفعل من الشراب يكون للمصدر والزمان والمكان، ويطرد من كل ثلاثي متصرف مجرد، لم تكسر عين مضارعه سواء صحت لامه: كسرت ودخل، أو أعلت: كرمى وغزا. وشذ من ذلك ألفاظ ذكرها النحويون.
{ما سألتم} سأل يسأل: على وزن خاف يخاف، ويجوز تعليق فعله وإن لم يكن من أفعال القلوب. {سلهم أيهم بذلك زعيم}، قالوا: لأن السؤال سبب إلى العلم فأجري مجرى العلم.
النبيء: مهموز من أنبأ، فعيل: بمعنى مفعل، كسميع من أسمع، وجمع على النبآء، ومصدره النبوءة، وتنبأ مسيلمة، كل ذلك دليل على أن اللام همزة. وحكى الزهراوي أنه يقال: نبؤ، إذا ظهر فهو نبيء، وبذلك سمي الطريق الظاهر: نبيئا. فعلى هذا هو فعيل اسم فاعل من فعل، كشريف من شرف، ومن لم يهمز فقيل أصله الهمز، ثم سهل. وقيل: مشتق من نبا ينبو، إذا ظهر وارتفع.

(1/169)


وانتصاب هذه على ظرف المكان، لأنه إشارة إلى ظرف المكان، كما تنتصب أسماء الإشارة على المصدر، وعلى ظرف الزمان إذا كن إشارة إليهما تقول: ضربت هذا الضرب، وصمت هذا اليوم. هذا مذهب سيبويه في دخل، إنها تتعدى إلى المختص من ظرف المكان بغير وساطة في، فإن كان الظرف مجازيا تعدت بفي، نحو: دخلت في غمار الناس، ودخلت في الأمر المشكل. ومذهب الأخفش والجرمي أن مثل: دخلت البيت، مفعول به لا ظرف مكان، وهي مسألة تذكر في علم النحو. والألف واللام في القرية للحضور، وانتصاب القرية على النعت، أو على عطف البيان، كما مر في إعراب الشجرة من قوله: {ولا تقربا هذه الشجرة}(البقرة: 35) (الأعراف: 19)، وإن اختلفت جهتا الإعراب في هذه، فهي في: ولا تقربا هذه} مفعول به، وهي هنا على الخلاف الذي ذكرناه.

{وادخلوا الباب}: الخلاف في نصب الباب كالخلاف في نصب القرية.
{سجدا}: نصب على الحال من الضمير في ادخلوا.
والحال المقدرة موجودة في لسان العرب. من ذلك ما في كتاب سيبويه: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا. وإذا أمكن حمل السجود على المتعارف فيه كثيرا، وهو وضع الجبهة بالأرض يكون الحال مقارنة أو مقدرة، كان أولى.
{وقولوا حطة} قال الزمخشري: والأصل النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله:
صبر جميل فكلانا مبتلي
والأصل صبرا. انتهى كلامه، وهو حسن. ويؤكد هذا التخريج قراءة إبراهيم بن أبي عبلة: حطة بالنصب، كما روي:
صبرا جميلا فكلانا مبتلي
بالنصب. والأظهر من التقادير السابقة في إضمار المبتدأ القول الأول، لأن المناسب في تعليق الغفران عليه هو سؤال حط الذنوب لا شيء من تلك التقادير الأخر، ونظير هذا الإضمار قول الشاعر:
إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة
معتقة مما تجيء به التجر

(1/170)


روي برفع طعم على تقدير: هذا طعم مدامة، وبالنصب على تقدير: ذقت طعم مدامة. قال الزمخشري: فإن قلت: هل يجوز أن ينصب حطة في قراءة من نصبها بقولوا على معنى قولوا هذه الكلمة؟ قلت: لا يبعد، انتهى. وما جوزه ليس بجائز لأن القول لا يعمل في المفردات، إنما يدخل على الجمل للحكاية، فيكون في موضع المفعول به، إلا إن كان المفرد مصدرا نحو: قلت قولا، أو صفة لمصدر نحو: قلت حقا، أو معبرا به عن جملة نحو: قلت شعرا وقلت خطبة، على أن هذا القسم يحتمل أن يعود إلى المصدر، لأن الشعر والخطبة نوعان من القول، فصار كالقهقرى من الرجوع، وحطة ليس واحدا من هذه. ولأنك إذا جعلت حطة منصوبة بلفظ قولوا، كان ذلك من الإسناد اللفظي وعري من الإسناد المعنوي، والأصل هو الإسناد المعنوي.
أما ما ذهب إليه أبو عبيدة من أن قوله حطة مفرد، وأنه مرفوع على الحكاية وليس مقتطعا من جملة، بل أمروا بقولها هكذا مرفوعة، فبعيد عن الصواب لأنه يبقى حطة مرفوعا بغير رافع، ولأن القول إنما وضع في باب الحكاية ليحكي به الجمل لا المفردات، ولذلك احتاج النحويون في قوله تعالى: {يقال له إبراهيم}(الأنبياء: 60) إلى تأويل، وأما تشبيهه إياه بقوله:
سمعت الناس ينتجعون غيثا
وجدنا في كتاب بني تميم
أحق الخيل بالركض المعار}

فليس بسديد، لأن سمع ووجد كل منهما يتعلق بالمفردات والجمل، لأن المسموع والموجود في الكتاب قد يكون مفردا وقد يكون جملة. وأما القول فلا يقع إلا على الجمل، ولا يقع على المفردات إلا فيما تقدم ذكره، وليس حطة منها.
{وقولوا} وجزم هذا الفعل لأنه جواب الأمر. وقد تقدم الكلام في نظيره في قوله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}(البقرة: 40)، وذكرنا الخلاف في ذلك.

(1/171)


{وسنزيد المحسنين} وهذه الجملة معطوفة على: {وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم}، وليست معطوفة على نغفر فتكون جوابا، ألا تراها جاءت منقطعة عن العطف في الأعراف في قوله {سنزيد}؟ وإن كانت من حيث المعنى لا من حيث الصناعة الإعرابية ترتيب على دخول الباب سجدا. والقول حطة، لكنها أجريت مجرى الإخبار المحض الذي لم يرتب على شيء قبله. {قولا غير الذي قيل لهم}(الأعراف: 161): }ولما كان محذوفا ناسب إضافة غير إلى الاسم الظاهر بعدها. والذي قيل لهم هو أن يقولوا حطة، فلو لم يحذف لكان وجه الكلام فبدل الذين ظلموا بقولهم حطة قولا غيره، لكنه لما حذف أظهر مضافا إليه غير ليدل على أن المحذوف هو هذا المظهر، وهو الذي قيل لهم. وهذا التقدير الذي قدرناه هو على وضع بدل إذ المجرور هو الزائل، والمنصوب هو الحاصل. {بما كانوا}، ما: مصدرية التقدير بكونهم مضى {يفسقون}. وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى الذي، وهو بعيد. فيفسقون يحتمل الحال، وإن كان قد وقع على ما مى من المخالفات التي فسقوا بها، فهو مضارع وقع موضع الماضي، وهو كثير في القرآن وفصيح الكلام.
{وإذ استسقى موسى لقومه} وقيل: مفعول استسقى محذوف، أي استسقى موسى ربه، فيكون المستسقى منه هو المحذوف، وقد تعدى إليه الفعل كما تعدى إليه في قوله: {إذ استسقاه قومه}(الأعراف: 160)، أي طلبوا منه السقيا. وقال بعض الناس: وحذف المفعول تقديره استسقى ماء، فعلى هذا القول يكون المحذوف هو المستسقى، ويكون الفعل قد تعدى إليه كما تعدى إليه في قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ويحتاج إثبات تعديه إلى اثنين إلى شاهد من كلام العرب، كان يسمع من كلامهم: استسقى زيد ربه الماء، وقد ثبت تعديه مرة إلى المستسقى منه ومرة إلى المستسقي، فيحتاج تعديه إليهما إلى ثبت من لسان العرب.

(1/172)


{فانفجرت}: الفاء للعطف على جملة محذوفة، التقدير: فضرب فأنفجرت، كقوله تعالى: {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق}(الشعراء: 63) أي فضرب فانفلق.

وما ذهب إليه بعض الناس من أن الفاء في مثل: فانفلق، هي الفاء التي في ضرب، وأن المحذوف هو المعطوف عليه، وحرف العطف من المعطوف حتى يكون المحذوف قد بقي عليه دليل، إذ قد أبقيت فاؤه وحذفت فاء فانفلق، واتصلت بانفلق فاء فضرب تكلف وتخرص على العرب بغير دليل. وقد ثبت في لسان العرب حذف المعطوف عليه، وفيه الفاء حيث لا معطوف بالفاء موجود، قال تعالى: {فأرسلون يوسف أيها الصديق}(يوسف: 45)، التقدير: فأرسلوه فقال: فحذف المعطوف عليه والمعطوف، وإذا جاز حذفهما معا، فلأن يجوز حذف كل منهما وحده أولى. وزعم الزمخشري أن الفاء ليست للعطف، بل هي جواب شرط محذوف، قال: فإن ضربت فقد انفجرت، كما ذكرنا في قوله: فتاب عليكم}(البقرة: 54)، وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ، أه كلامه.

(1/173)


وقد تقدم لنا الرد على الزمخشري في هذا التقدير في قوله: {فتاب عليكم، بأن إضمار مثل هذا الشرط لا يجوز، وبينا ذلك هناك، وفي قوله أيضا إضمار قد إذ يقدر، فقد تاب عليكم، وقد انفجرت، ولا يكاد يحفظ من لسانهم ذلك، إنما تكون بغير فاء، أو إن دخلت الفاء فلا بد من إظهاره قد، وما دخلت عليه قد يلزم أن يكون ماضيا لفظا ومعنى، نحو قوله: وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك، وإذا كان ماضيا لفظا ومعنى، استحال أن يكون بنفسه جواب الشرط، فاحتيج إلى تأويل وإضمار جواب شرط. ومعلوم أن الانفجار على ما قدر يكون مترتبا على أن يضرب، وإذا كان مترتبا على مستقبل، وجب أن يكون مستقبلا، وإذا كان مستقبلا امتنع أن تدخل عليه قد التي من شأنها أن لا تدخل في شبه جواب الشرط على الماضي إلا ويكون معناه ماضيا نحو الآية، ونحو قولهم: إن تحسن إلي فق دأحسنت إليك، ويحتاج إلى تأويل، كما ذكرنا. وليس هذا الفعل بدعاء فتدخله الفاء فقط ويكون معناه الاستقبال، وإن كان بلفظ الماضي نحو: إن زرتني فغفر الله لك. وأيضا فالذي يفهم من الآية أن الانفجار قد وقع وتحقق، ولذلك قال: قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا، وجعله جواب شرط محذوف على ما ذهب إليه هذا الرجل يجعله غير واقع، إذ يصير مستقبلا لأنه معلق على تقدير وجود مستقبل، والمعلق على تقدير وجود مستقبل لا يقتضي إمكانه فضلا عن وجوده، فما ذهب إليه فاسد في التركيب العربي، وفاسد من حيث المعنى، فوجب طرحه، وأين هذا من قوله: وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ؟
{منه} متعلق بقوله: فانفجرت، ومن هنا لابتداء الغاية والضمير عائد على الحجر المضروب.

(1/174)


{اثنتا عشرة}: التاء في اثنتا للتأنيث، وفي ثنتا للإلحاق، وهذه نظير ابنة وبنت. وعشرة في موضع خفض بالإضافة، وهو مبني لوقوعه موقع النون، فهو مما أعرب فيه الصدر وبني العجز. ألا ترى أن اثنتي معرب إعراب المثنى لثبوت ألفه رفعا وانقلابها نصبا وجرا، وأن عشرة مبني؟ ولما تنزلت منزلة نون اثنتين لم يصح إضافتها، فلا يقال: اثنتا عشرتك. وفي محفوظي أن ابن درستويه ذهب إلى أن اثنا واثنتا وثنتا مع عشر مبني، ولم يجعل الإنقلاب دليل الإعراب.
{عينا}: منصوب على التمييز، وإفراد التمييز المنصوب في باب العدد لازم عند الجمهور، وأجاز الفراء أن يكون جمعا.
{قد علم كل أناس مشربهم} وعلم هنا متعدية لواحد أجريت مجرى عرف، واستعمالها كذلك كثير في القرآن ولسان العرب.
{من رزق الله}، من: لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون للتبعيض.
{يخرج لنا}: جزمه على جواب الأمر الذي هو ادع، وقد مر نظيره في {أوفوا بعهدي أوف بعهدكم}(البقرة: 40). وقيل: ثم محذوف تقديره: وقل له اخرج فيخرج، مجزوم على جواب هذا الأمر الذي هو اخرج. وقيل: جزم يخرج بلام مضمرة، وهي لام الطلب، أي ليخرج، وهذا عند البصريين لا يجوز. مما تنبت الأرض}: مفعول يخرج محذوف ومن تبعيضية: أي مأكولا مما تنبت، هذا على مذهب سيبويه. وقال الأخفش: من زائدة، التقدير: ما تنبت، وما موصولة، والعائد محذوف تقديره، تنبته، وفيه شروط جواز الحذف، وأجاز بعضهم أن تكون ما مصدرية تقديره: من إنبات الأرض. قال أبو البقاء: لا يجوز ذلك لأن المفعول المقدر لا يوصف بالإنبات، لأن الإنبات مصدر، والمحذوف جوهر، وإضافة الإنبات إلى الأرض مجاز، إذ المنبت هو الله تعالى، لكنه لما جعل فيها قابلية الإنبات نسب الإنبات إليها.

(1/175)


{من بقلها}: هذا بدل من قوله: {مما تنبت الأرض}، على إعادة حرف الجر، وهو فصيح في الكلام، أعني أن يعاد حرف الجر في البدل. فمن على هذا التقدير تبعيضية، كهي في مما تنبت، ويتعلق بيخرج، إما الأولى، وإما أخرى مقدرة على الخلاف الذي في العامل في البدل، هل هو العامل الأول، أو ذلك على تكرار العامل؟ والمشهور هذا الثاني، وأجاز المهدوي أيضا، وابن عطية، وأبو البقاء أن تكون من في قوله: {من بقلها} لبيان الجنس، وعبر عنها المهدوي بأنها للتخصيص، ثم اختلفوا، فقال أبو البقاء: موضعها نصب على الحال من الضمير المحذوف تقديره: مما تنبته الأرض كائنا من بقلها، وقدم ذكر هذا الوجه قال: ويجوز أن تكون بدلا من ما الأولى بإعادة حرف الجر. وأما المهدوي، وابن عطية فزعما مع قولهما: إن من في {من بقلها} بدل من قوله: {مما تنبت}، وذلك لأن من في قوله {مما تنبت} للتبعيض، ومن في قوله {من بقلها} على زعمهما لبيان الجنس. فقد اختلف مدلول الحرفين، واختلاف ذلك كاختلاف الحرفين، فلا يجوز البدل إلا إن ذهب ذاهب إلى أن من في قوله: {مما تنبت الأرض} لبيان الجنس، فيمكن أن يفرع القول بالبدل على كونها لبيان الجنس. والمختار ما قدمناه من كون من في الموضعين للتبعيض، وأما أن تكون لبيان الجنس، فقد أباه أصحابنا وتأولوا ما استدل به مثبت ذلك.

(1/176)


{الذى هو أدنى بالذى هو خير}، والذي: مفعول أتستبدلون، وهو الحاصل، والذي دخلت عليه الباء هو الزائل، كما قررناه في غير مكان. {هو أدنى}: صلة للذي، وهو هنا واجب الإثبات على مذهب البصريين، إذ لا طول في الصلة، وأدنى: خبر عن هو، وهو: أفعل التفضيل، ومن وما دخلت عليه حذفا للعلم، وحسن حذفهما كون أفعل التفضيل خبرا، فإن وقع غير خبر مثل كونه حالا أو صفة قل الحذف وتقديره: أدنى من ذلك الطعام الواحد، وحسن حذفهما أيضا كون المفضل عليه مذكورا بعد ذلك، وهو قوله: {بالذى هو خير}.
{اهبطوا مصرا} وأجاز من وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين أن تكون مصر هذه المنونة هي الإسم العلم. والمراد بقوله: {أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا}(يونس: 87)، قالوا: وصرف، وإن كان فيه العلمية والتأنيث، كما صرف هند ودعد لمعادلة أحد السببين، لخفة الإسم لسكون وسطه، قاله الأخفش، أو صرف لأنه ذهب باللفظ مذهب المكان، فذكره فبقي فيه سبب واحد فانصرف. وشبهه الزمخشري في منع الصرف، وهو علم بنوح ولوط حيث صرفا، وإن كان فيهما العلمية والعجمة لخفة الإسم بكونه ثلاثيا ساكن الوسط، وهذا ليس كما ذهبوا إليه من أنه مشبه لهند، أو مشبه لنوح، لأن مصر اجتمع فيه ثلاثة أسباب وهي: التأنيث والعلمية والعجمة. فهو يتحتم منع صرفه بخلاف هند، فإنه ليس فيه سوى العلمية والتأنيث، على أن من النحويين من خالف في هند، وزعم أنه لا يجوز فيه إلا منع الصرف، وزعم أنه لا دليل على ما ادعى النحويون من الصرف في قوله:
لم تتلفع بفضل ميزرها دعد
ولم تسق دعد في العلب}
وبخلاف نوح، فإن العجمة لم تعتبر إلا في غير الثلاثي الساكن الوسط، وأما إذا كان ثلاثيا ساكن الوسط فالصرف. وقد أجاز عيسى بن عمر منع صرفه قياسا على هند، ولم يسمع ذلك من العرب إلا مصروفا، فهو قياس على مختلف فيه مخالف لنطق العرب، فوجب اطراحه.

(1/177)


{فإن لكم ما سألتم}: هذه الجملة جواب للأمر، كما يجاب بالفعل المجزوم، ويجري فيه الخلاف الجاري فيه: هل ضمن اهبطوا مصرا معنى أن تهبطوا أو أضمر الشرط؟ وفعله بعد فعل الأمر كأنه قال: أن تهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، وفي ذلك محذوفان: أحدهما: ما يربط هذه الجملة بما قبلها، وتقديره: فإن لكم فيها ما سألتم. والثاني: الضمير العائد على ما، تقديره: ما سألتموه، وشروط جواز الحذف فيه موجودة.

{وبآءوا بغضب من الله}: تقدم تفسير باء، فعلى من قال: باء: رجع، تكون الباء للحال، أي مصحوبين بغضب، ومن قال: استحق، فالباء صلة نحو: لا يقرأن بالسور: أي استحقوا غضبا، ومن قال: نزل وتمكن أو تساووا، والباء ظرفية، فعلى القول الأول تتعلق بمحذوف، وعلى الثاني لا تتعلق، وعلى الثالث بنفس باء. وزعم الأخفش أن الباء في قوله بغضب للسبب، فعلى هذا تتعلق بباء، ويكون مفعول باء محذوفا، أي استحقوا العذاب بسبب غضب الله عليهم.
{من الله} يحتمل أن يكون متعلقا بباؤا إذا كان باء بمعنى رجع، وكأنهم كانوا مقبلين على الله تعالى، فبعصيانهم رجعوا منه، أي من عنده بغضب. ويحتمل أن يكون متعلقا بمحذوف ويكون في موضع الصفة، أي بغضب كائن من الله، وهذا الوجه ظاهر إذا كان باء بمعنى استحق، أو بمعنى نزل وتمكن، ويبعد الوجه الأول.
{ذلك بأنهم} والإشارة إلى المباءة وهو مبتدأ، والجار والمجرور بعده خبر، والباء للسبب، أي ذلك كائن بكفرهم وقتلهم.
{بغير الحق}: متعلق بقوله: وتقتلون، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير في تقتلون، أي تقتلونهم مبالغة. قيل: ويجوز أن تكون منعة لمصدر محذوف، أي قتلا بغير حق. وعلى كلا الوجهين هو توكيد.
{ذلك بما عصوا} وما: في قوله {بما عصوا} مصدرية، أي ذلك بعصيانهم.

(1/178)


{إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصرى والصبئين من ءامن بالله واليوم الأخر وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخسرين * ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خسئين * فجعلنها نكلا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين }.
هاد: ألفه منقلبة عن واو، والمضارع يهود، ومعناه: ثاب، أو عن ياء والمضارع يهيد، إذا تحرك. والأولى الأول لقوله تعالى: {إنا هدنا إليك}(الأعراف: 156).

(1/179)


لولا: للتحضيض بمنزلة هلا، فيليها الفعل ظاهرا أو مضمرا، وحرف امتناع لوجود فيكون لها جواب، ويجيء بعدها اسم مرفوع بها عند الفراء، وبفعل محذوف عند الكسائي، وبالابتداء عند البصريين، والخبر محذوف عند جمهورهم، وعند بعضهم فيه تفصيل ذكرناه في «منهج السالك» من تأليفنا، وليست جملة الجواب الخبر، خلافا لأبي الحسين بن الطراوة، وإن وقع بعدها مضمر فيكون ضمير رفع مبتدأ عند البصريين، ويجوز أن يقع بعدها ضمير الجر فتقول: لولاني ولولاك ولولاه، إلى آخرها، وهو في موضع جر بلولا عند سيبويه، وفي موضع رفع عند الأخفش، استعير ضمير الجر للرفع، كما استعاروا ضمير الرفع للجر في قولهم: ما أنا كانت، ولا أنت كانا. والترجيح بين المذهبين مذكور في النحو. ومن ذهب إلى أن لولا نافية، وجعل من ذلك {فلولا كانت قرية آمنت}(يونس: 98)، فبعيد قوله عن الصواب. خلف: ظرف مكان مبهم، وهو متوسط التصرف، ويكون أيضا وصفا، يقال رجل خلف: بمعنى رديء.
{من ءامن بالله واليوم الأخر}، من: مبتدأة، ويحتمل أن تكون شرطية، فالخبر الفعل بعدها، وإذا كانت موصولة، فالخبر قوله: {فلهم أجرهم}، ودخلت الفاء في الخبر، لأن المبتدأ الموصول قد استوفى شروط جواز دخول الفاء في الخبر، وقد تقدم ذكرها. واتفق المعربون والمفسرون على أن الجملة من قوله: {من آمن} في موضع خبر إن إذا كان من مبتدأ، وإن الرابط محذوف تقديره: من آمن منهم، ولا يتم ما قالوه إلا على تغاير الإيمانين، أعني: الذي هو صلة الذين، والذي هو صلة من.

(1/180)


ومن أعرب من مبتدأ، فإنما جعلها شرطية. وقد ذكرنا جواز كونها موصولة، وأعربوا أيضا من بدلا، فتكون منصوبة موصولة. قالوا: وهي بدل من اسم إن وما بعده، ولا يتم ذلك أيضا إلا على تقدير تغاير الإيمانين، كما ذكرنا، إذا كانت مبتدأة. والذي نختاره أنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم إن، فيصح إذ ذاك المعنى، وكأنه قيل: إن الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة، ومن آمن من الأصناف الثلاثة، فلهم أجرهم. ودخلت الفاء في الخبر، لأن الموصول ضمن معنى الشرط، ولم يعتد بدخول إن على الموصول، وذلك جائز في كلام العرب، ولا مبالاة بمن خالف في ذلك. ومن زعم أن من آمن معطوف على ما قبله، وحذف منه حرف العطف، التقدير: ومن آمن بالله فقوله بعيد عن الصواب.
{فلهم أجرهم} أجرهم: مرفوع بالابتداء، ولهم في موضع الخبر. وعند الأخفش والكوفيين: إن أجرهم مرفوع بالجار والمجرور. {عند ربهم}: ظرف يعمل فيه الاستقرار الذي هو عامل في لهم، ويحتمل أن ينتصب على الحال، والعامل فيه محذوف تقديره: كائنا عند ربهم.
{ورفعنا فوقكم الطور} والواو في قوله: ورفعنا، واو العطف: على تفسير ابن عباس، لأن أخذ الميثاق كان متقدما، فلما نقضوه بالامتناع من قبول الكتاب رفع عليهم الطور. وأما على تفسير أبي مسلم: فإنها واو الحال، أي إن أخذ الميثاق كان في حال رفع الطور فوقهم، نحو قوله تعالى: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل}(هود: 42)، أي وقد كان في معزل.
{خذوا مآ ءاتينكم} وما موصول، والعائد عليه محذوف، أي: ما آتيناكموه.
وقرأ ابن مسعود: تذكروا، على أنه مضارع انجزم على جواب الأمر الذي هو خذوا.

(1/181)


{فلولا فضل الله عليكم ورحمته} وفضل الله على مذهب البصريين مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: موجود، وما يشبهه مما يليق بالموضع. وعليكم: متعلق بفضل، أو معمول له، فلا يكون في موضع الخبر. والتقدير: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} موجودان، {لكنتم}: جواب لولا. والأكثر أنه إذا كان مثبتا تدخله اللام، ولم يجىء في القرآن مثبتا إلا باللام، إلا فيما زعم بعضهم أن قوله تعالى: {وهم بها}(يوسف: 24)، جواب: لولا قدم فإنه لا لام معه. وقد جاء في كلام العرب بغير لام، وبعض النحويين يخص ذلك بالشعر، قال الشاعر:
لولا الحياء ولولا الدين عبتكما
ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري
وقد جاء في كلامهم بعد اللام، قد، قال الشاعر:

لولا الأمير ولولا حق طاعته
لقد شربت دما أحلى من العسل
وقد جاء في كلامهم أيضا حذف اللام وإبقاء قد نحو: لولا زيد قد أكرمتك.
{ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت} اللام في لقد: هي لام توكيد، وتسمى: لام الابتداء في نحو: لزيد قائم. ومن أحكامها: أن ما كان في حيزها لا يتقدم عليها، إلا إذا دخلت على خبر إن على ما قرر في النحو. وقد صنف بعض النحويين كتابا في اللامات ذكرها فيه وأحكامها. ويحتمل أن تكون جوابا لقسم محذوف، ولكنه جيء على سبيل التوكيد.
منكم: في موضع الحال، فيتعلق بمحذوف تقديره: كأثنين منكم، ومن للتبعيض.
في السبت: متعلق باعتدوا، إما على إضمار يوم، أو حكم.
{قردة خسئين}: كلاهما خبر كان.

(1/182)


{وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها تسر النظرين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشبه علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الئن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون * وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ويريكم آيته لعلكم تعقلون * ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغفل عما تعملون }.

(1/183)


بين: ظرف مكان متوسط التصرف، تقول: هو بعيد بين المنكبين، ونقي بين الحاجبين. قال تعالى: {هذا فراق بيني وبينك}(الكهف: 78)، ودخولها إذا كانت ظرفا: بين ما تمكن البينية فيه، والمال بين زيد وبين عمرو، مسموع من كلامهم، وينتقل من المكانية إلى الزمانية إذا لحقتها ما، أو الألف، فيزول عنها الاختصاص بالأسماء، فيليها إذ ذاك الجملة الإسمية والفعلية، وربما أضيفت بينا إلى المصدر. ولبين في علم الكوفيين باب معقود كبير اللون: معروف، وجمعه على القياس ألوان. واللون: النوع، ومنه ألوان.
الآن: ظرف زمان، حضر جميعه أو بعضه، والألف واللام فيه للحضور. وقيل: زائدة، وهو مبني لتضمنه معنى الإشارة. وزعم الفراء أنه منقول من الفعل، يقال: آن يئين أينا: أي حان.

و{أن تذبحوا} في موضع المفعول الثاني ليأمر، وهو على إسقاط الحرف، أي بأن تذبحوا. ولحذف الحرف هنا مسوغان: أحدهما: أنه يجوز فيه، إذا كان المفعول متأثرا بحرف الجر، أن يحذف الحرف، كما قال:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
والثاني: كونه مع إن، وهو يجوز معه حذف حرف الجر إذا لم يلبس.
{أتتخذنا هزوا} وانتصابه على أنه مفعول ثان لقوله: {أتتخذنا هزوا}، فإما أن يريد به اسم المفعول، أي مهزوأ، كقوله: درهم ضرب الأمير، وهذا خلق الله، أو يكون أخبروا به على سبيل المبالغة، أي أتتخذنا نفس الهزؤ، وذلك لكثرة الاستهزاء ممن يكون جاهلا، أو على حذف مضاف، أي مكان هزء، أو ذوي هزء.
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى}، وجزم يبين على جواب الأمر. وما هي: مبتدأ وخبر. وقرأ عبد الله: سل لنا ربك يبين ما هي، ومفعول يبين: هي الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل معلق، لأن معنى يبين لنا يعلمنا ما هي، لأن التبيين يلزمه الإعلام.

(1/184)


{قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر}: صفة لبقرة، والصفة إذا كانت منفية بلا، وجب تكرارها، كما قال:
وفتيان صدق لا ضعاف ولا عزل
فإن جاءت غير مكررة، فبابها الشعر، ومن جعل ذلك من الوصف بالمجمل، فقدر مبتدأ محذوفا، أي (لا هي فارض ولا بكر)، فقد أبعد، لأن الأصل الوصف بالمفرد، والأصل أن لا حذف.
{بين ذلك}: يقتضي بين أن تكون تدخل على ما يمكن التثنية فيه، ولم يأت بعدها إلا اسم إشارة مفرد، فقيل: أشير بذلك إلى مفرد، فكأنه قيل: عوان بين ما ذكر، فصورته صورة المفرد، وهو في المعنى مثنى، لأن تثنية اسم الإشارة وجمعه ليس تثنية ولا جمعا حقيقة، بل كان القياس يقتضي أن يكون اسم الإشارة لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، قالوا: وقد أجري الضمير مجرى اسم الإشارة، قال رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق
كأنه في الجلد توليع البهق
قيل له: كيف تقول كأنه؟ وهلا قلت: كأنها، فيعود على الخطوط، أو كأنهما، فيعود على السواد والبلق؟ فقال: أردت كان ذاك، وقال لبيد:
إن للخير وللشر مدى
وكلا ذلك وجه وقبل
قيل: أرادوا كلا ذينك، فأطلق المفرد وأراد به المثنى، فيحتمل أن تكون الآية من ذلك، فيكون أطلق ذلك ويريد به ذينك، وهذا مجمل غير الأول. والذي أذهب إليه غير ما ذكروا، وهو أن يكون ذلك مما حذف منه المعطوف، لدلالة المعنى عليه، التقدير: عوان بين ذلك وهذا، أي بين الفارض والبكر، فيكون نظير قول الشاعر:

فما كان بين الخير لو جاء سالما
أبو حجر إلا ليال قلائل أي: فما كان بين الخير وباغيه، فحذف لفهم المعنى. {سرابيل تقيكم الحر}(النحل: 81) أي والبرد.
وأجاز بعضهم أن تكون ما مصدرية، أي: فافعلوا أمركم، ويكون المصدر بمعنى المفعول، أي مأموركم، وفيه بعد.
وفي جزم: {يبين}، وفي الجملة المستفهم بها والمحذوف بعده سبق نظيره في الآية قبله، فأغنى عن ذكره.

(1/185)


{لونها}: ذكروا في إعرابه وجوها: أحدها: أنا فاعل مرفوع بفاقع، وفاقع صفة للبقرة. الثاني: أنه مبتدأ وخبره فاقع. والثالث: أنه مبتدأ، و{تسر الناظرين} خبر. وأنث على أحد معنيين: أحدهما: لكونه أضيف إلى مؤنث، كما قالوا: ذهبت بعض أصابعه. والثاني: أنه يراد به المؤنث، إذ هو الصفرة، فكأنه قال: صفرتها تسر الناظرين، فحمل على المعنى كقولهم: جاءته كتابي فاحتقرها، على معنى الصحيفة والوجه الإعراب الأول، لأن إعراب لونها مبتدأ، وفاقع خبر مقدم لا يجيزه الكوفيون، أو تسر الناظرين خبره، فيه تأنيث الخبر، ويحتاج إلى تأويل، كما قررناه. وكون لونها فاعلا بفاقع جار على نظم الكلام، ولا يحتاج إلى تقديم، ولا تأخير، ولا تأويل، ولم يؤنث فاقعا وإن كان صفة لمؤنث، لأنه رفع السبي، وهو مذكر فصار نحو: جاءتني امرأة حسن أبوها، ولا يصح هنا أن يكون تابعا لصفراء على سبيل التوكيد، لأنه يلزم المطابقة، إذ ذاك للمتبوع. ألا ترى أنك تقول أسود حالك، وسوداء حالكة، ولا يجوز سوداء حالك؟ فأما قوله:
وإني لأسقي الشرب صفراء فاقعا
كأن ذكي المسك فيها يفتق

(1/186)


فبابه الشعر، إذا كان وجه الكلام صفراء فاقعة وهذه الجملة صفة للبقرة، وقد تقدم قول من جعلها خبرا، كقوله: لونها، وفيه تكلف قد ذكرناه. وجاء هذا الوصف بالفعل، ولم يجيء باسم الفاعل، لأن الفعل يشعر بالحدوث والتجدد. ولما كان لونها من الأشياء الثابتة التي لا تتجدد، جاء الوصف به بالاسم لا بالفعل، وتأخر هذا الوصف عن الوصف قبله، لأنه ناشىء عن الوصف قبله، أو كالناشىء، لأن اللون إذا كان بهجا جميلا، دهشت فيه الأبصار، وعجبت من حسنه البصائر، وجاء بوصف الجمع في الناظرين، ليوضح أن أعين الناس طامحة إليها، متلذذة فيها بالنظر. فليست مما تعجب شخصا دون شخص، ولذلك أدخل الألف واللام التي تدل على الاستغراق، أي هي بصدد من نظر إليها سر بها، وإن كان النظر هنا من نظر القلب، وهو الفكر، فيكون السرور قد حصل من التفكر في بدائع صنع الله، من تحسين لونها وتكميل خلقها. والضمير في تسر عائد على البقرة، على تقدير أن تسر صفة، وإن كان خبرا، فهو عائد على اللون الذي تسر خبر عنه. وقد تقدم توجيه التأنيث، ولذلك من قرأ يسر بالياء، فهو عائد على اللون، فيحتمل أن يكون لونها مبتدأ، ويسر خبرا، ويكون فاقعا صفة تابعة لصفراء، على حد هذا البيت الذي أنشدناه وهو:

وإني لأسقي الشرب صفراء فاقعا
على قلة ذلك، ويحتمل أن يكون لونها فاعلا بفاقع، ويسر إخبار مستأنف.

(1/187)


{إن البقر تشبه علينا} وقرأ ابن أبي إسحاق: تشابهت، بتشديد الشين مع كونه فعلا ماضيا، وبتاء التأنيث آخره. فهذه اثنتا عشرة قراءة. وتوجيه هذه القراآت ظاهر، إلا قراءة ابن أبي إسحاق تشابهت، فقال بعض الناس: لا وجه لها. وتبيين ما قاله: إن تشديد الشين إنما يكون بإدغام التاء فيه، والماضي لا يكون فيه تاآن، فتبقى إحداهما وتدغم الأخرى. ويمكن أن توجه هذه القراءة على أن أصله: اشابهت، والتاء هي تاء البقرة، وأصله أن البقرة اشابهت علينا، ويقوي ذلك لحاق تاء التأنيث في آخر الفعل، أو اشابهت أصله: تشابهت، فأدغمت التاء في الشين واجتلبت همزة الوصل. فحين أدرج ابن أبي إسحاق القراءة، صار اللفظ: أن البقرة اشابهت، فظن السامع أن تاء البقرة هي تاء في الفعل، إذ النطق واحد، فتوهم أنه قرأ: تشابهت، وهذا لا يظن بابن أبي إسحاق، فإنه رأس في علم النحو، وممن أخذ النحو عن أصحاب أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو. وقد كان ابن أبي إسحاق يزري على العرب وعلى من يستشهد بكلامهم، كالفرزدق، إذا جاء في شعرهم ما ليس بالمشهور في كلام العرب، فكيف يقرأ قراءة لا وجه لها، وأن البقر تعليل للسؤال، كما تقول: أكرم زيدا إنه عالم، فالحامل لهم على السؤال هو حصول تشابه البقر عليهم.
{وإنآ إن شآء الله لمهتدون}: وجواب هذا الشرط محذوف يدل عليه مضمون الجملة، أي إن شاء الله اهتدينا، وإذ حذف الجواب كان فعل الشرط ماضيا في اللفظ ومنفيا بلم، وقياس الشرط الذي حذف جوابه أن يتأخر عن الدليل على الجواب، فكان الترتيب أن يقال في الكلام: إن زيدا لقائم إن شاء الله، أي: إن شاء الله فهو قائم، لكنه توسط هنا بين اسم إن وخبرها، ليحصل توافق رؤوس الآي.

(1/188)


{لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث} لا ذلول؛ صفة للبقرة، على أنه من الوصف بالمفرد، ومن قال هو من الوصف بالجملة، وأن التقدير: لا هي ذلول، فبعيد عن الصواب. وتثير الأرض: صفة لذلول، وهي صلة داخلة في حيز النفي، والمقصود نفي إثارتها الأرض، أي لا تثير فتذل، فهو من باب:
على لاحب لا يهتدي بمناره
{ولا تسقى الحرث}: نفي معادل لقوله: لا ذلول. والجملة صفة، والصفتان منفيتان من حيث المعنى، كما أن لا تسقي منفي من حيث المعنى أيضا.

قال الزمخشري: لا ذلول، صفة لبقرة بمعنى: بقرة غير ذلول، يعني: لم تذلل للحرث وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها بسقي الحروث. ولا: الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. انتهى كلامه. ووافقه على جعل لا الثانية مزيدة صاحب «المنتخب»، وما ذهبا إليه ليس بشيء، لأن قوله: لا ذلول، صفة منفية بلا، وإذا كان الوصف قد نفي بلا، لم تكرار لا النافية، لما دخلت عليه، تقول: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، وقال تعالى: {ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب}(المرسلات: 30 31) وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم}(الواقعة: 43 44) لا فارض ولا بكر}، ولا يجوز أن تأتي بغير تكرار، لأن المستفاد منها النفي، إلا إن ورد في ضرورة الشعر، وإذا آل تقديرهما إلى لا ذلول مثيرة وساقية، كان غير جائز لما ذكرناه من وجوب تكرار لا النافية، وعلى ما قدراه كان نظير: جاءني رجل لا كريم، وذلك لا يجوز إلا إن ورد في شعر، كما نبهنا عليه. قال ابن عطية: ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال لأنها من نكرة. انتهى كلامه.

(1/189)


والجملة التي أشار إليها هي قوله: تثير الأرض، والنكرة هي قوله: لا ذلول، أو قوله: بقرة، فإن عنى بالنكرة بقرة، فقد وصفت، والحال من النكرة الموصوفة جائزة جوازا حسنا، وإن عنى بالنكرة لا ذلول، فهو قول الجمهور ممن لم يحصل مذهب سيبويه، ولا أمعن النظر في كتابه، بل قد أجاز سيبويه في كتابه، في مواضع مجيء الحال من النكرة، وإن لم توصف، وإن كان الإتباع هو الوجه والأحسن، قال سيبويه في باب ما لا يكون الاسم فيه إلا نكرة، وقد يجوز نصبه على نصب: هذا رجل منطلقا، يريد على الحال من النكرة، ثم قال: وهو قول عيسى، ثم قال: وزعم الخليل أن هذا جائز، ونصبه كنصبه في المعرفة جعله حالا، ولم يجعله صفة، ومثل ذلك: مررت برجل قائما، إذا جعلت المرور به في حال قيام، وقد يجوز على هذا: فيها رجل قائما، ومثل ذلك: عليه مائة بيضاء، والرفع الوجه، وعليه مائة دينا، الرفع الوجه، وزعم يونس أن ناسا من العرب يقولون: مررت بماء قعدة رجل، والوجه الجر، وكذلك قال سيبويه في باب ما ينتصب، لأنه قبيح أن يكون صفة فقال: راقود خلا وعليك نحى سمنا، وقال في باب نعم، فإذا قلت لي عسل ملء جرة، وعليه دين شعر كلبين، فالوجه الرفع، لأنه صفة، والنصب يجوز كنصبه، عليه مائة بيضاء، فهذه نصوص سيبويه، ولو كان ذلك غير جائز، كما قال ابن عطية، لما قاسه سيبويه، لأن غير الجائز لا يقال به فضلا عن أن يقاس، وإن كان الإتباع للنكرة أحسن، وإنما امتنعت في هذه المسألة، لأن ما ذهب إليه أبو محمد هو قول الضعفاء في صناعة الإعراب، الذين لم يطلعوا على كلام الإمام.

(1/190)


وأجاز بعض المعربين أن يكون: تثير الأرض، في موضع الحال من الضمير المستكن في ذلول تقديره: لا تذل في حال إثارتها، والوجه ما بدأنا به أولا، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: لا ذلول، بالفتح. قال الزمخشري بمعنى لا ذلول هناك، أي حيث هي، وهو نفي لذلها، ولأن توصف به فيقال: هي ذلول، ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان، أي فيهم، أو حيث هم. انتهى كلامه. فعلى ما قدره يكون الخبر محذوفا، ويكون قوله: تثير الأرض، صفة لاسم لا، وهي منفية من حيث المعنى، ولذلك عطف عليها جملة منفية، وهو قوله: ولا تسقي الحرث، وإذا تقرر هذا، فلا يجوز أن يكون {تثير الأرض ولا تسقي الحرث} خبرا، لأنه كان يتنافر هذا التركيب مع ما قبله، لأن قوله: {قال إنها بقرة} يبقى كلاما منفلتا مما بعده، إذ لا تحصل به الإفادة إلا على تقدير أن تكون هذه الجملة معترضة بين الصفة والموصوف، ويكون محط الخبر هو قوله: {مسلمة لا شية فيها}، لأنها صفة في اللفظ، وهي الخبر في المعنى، ويكون ذلك الاعتراض من حيث المعنى نافيا ذلة هذه البقر، إذ هي فرد من أفراد الجنس المنفي بلا الذي بني معها، ولا يجوز أن تقع هذه الجملة أعني لا ذلول، على قراءة السلمي، في موضع الصفة على تقدير أن تثير وما بعدها الخبر، لأنه ليس فيها عائد على الموصوف الذي هو بقرة، إذ العائد الذي في تثير وفي تسقي ضمير اسم لا، ولا يتخيل أن قوله: {لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث} على تقدير أن تثير، وما بعده خبر يكون دالا على نفي ذلول مع الخبر عن الوجود، لأن ذلك كان يكون غير مطابق لما عليه الوجود، وإنما المعنى نفي ذلك بالنسبة إلى أرضهم وإلى حرثها؛ والألف واللام للعهد. فكما يتعقل انتفاء ذلول مع اعتقاد كون تثير وما بعده صفة، لأنك قيدت الخبر بتقديرك حيث هي، فصلح هذا النفي، كذلك يتعقل انتفاء ذلول مع الخبر عنه، حيث اعتقد أن متعلق الخبرين مخصوص، وهو الأرض والحرث، وكما تقدر ما من ذلول مثيرة ولا

(1/191)


ساقية حيث تلك البقرة، كذلك تقدر ما من ذلول تثير أرضهم ولا تسقي حرثهم. فكلاهما نفي قد تخصص، إما بالخبر المحذوف، وإما بتعلق الخبر المثبت.

وقد انتفى وصف البقرة بذلول وما بعدها، إما بكون الجملة صفة والرابط الخبر المحذوف، وإما بكون الجملة اعتراضية بين الصفة والموصوف، إذ لم تشتمل على رابط يربطها بما قبلها، إذا جعلت تثير خبرأ لا يقال أن الرابط هنا هو العموم، إذ البقرة فرد من أفراد اسم الجنس، لأن الرابط بالعموم إنما قيل به في نحو: زيد نعم الرجل، على خلاف في ذلك، ولعل الأصح خلافه. وباب نعم باب شاذ لا يقاس عليه، لو قلت زيد لا رجل في الدار، ومررت برجل لا عاقل في الدار، وأنت تعني الخبر والصفة وتجعل الرابط العموم، لأنك إذا نفيت لا رجل في الدار، انتفى زيد فيها، وإذا قلت: لا عاقل في الدار، انتفى العقل عن المرور به، لم يجز ذلك، فلذلك اخترنا في هذه القراءة على تقدير كون تثير وتسقي خبرا للا ذلول، أن تكون الجملة اعتراضية بين الصفة والموصوف، وتدل على نفي الإثارة ونفي السقي، من حيث المعنى، لا من حيث كون الجملتين صفة للبقرة. وأما تمثيل الزمخشري بذلك، بمررت بقوم لا بخيل ولا جبان فيهم، أو حيث هم، فتمثيل صحيح، لأن الجملة الواقعة صفة لقوم ليس الرابط فيها العموم، إنما الرابط هذا الضمير، وكذلك ما قرره هو الرابط فيه الضمير، إذ قدره لا ذلول هناك، أي حيث هي، فهذا الضمير عائد على البقرة، وحصل به الربط كما حصل في تمثيله بقوله: فيهم، أو: حيث هم، فتحصل من هذا الذي قررناه أن قوله تعالى: {لا ذلول} في قراءة السلمي يتخرج على وجهين: أحدهما: أن تكون معترضة، وذلك على تقدير حذف خبر، والثاني: أن تكون معترضة، وذلك على تقدير أن تكون خبر لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث. وكانت قراءة الجمهور أولى، لأن الوصف بالمفرد أولى من الوصف بالجملة، ولأن في قراءة أبي عبد الرحمن، على أحد تخريجيها، تكون قد بدأت

(1/192)


بالوصف بالجملة وقدمته على الوصف بالمفرد، وذلك مخصوص بالضرورة عند بعض أصحابنا، لأن لا ذلول المنفي معها جملة ومسلمة مفرد، فقد قدمت الوصف بالجملة على الوصف بالمفرد، والمفعول الثاني لتسقي محذوف، لأن سقي يتعدى إلى اثنين.
{مسلمة لا شية فيها}: قال أبو محمد بن عطية: ومسلمة، بناء مبالغة من السلامة، وقاله غيره، فقال: هي من صيغ المبالغة، لأن وزنها مفعلة من السلامة، وليس كما ذكر، لأن التضعيف الذي في مسلمة ليس لأجل المبالغة، بل هو تضعيف النقل والتعدية، يقال: سلم كذا، ثم إذا عديته بالتضعيف، فالتضعيف هنا كهو في قوله: فرحت زيدا، إذ أصله: فرح زيد، وكذلك هذا أصله: سلم زيد، ثم يضعف فيصير يتعدى. فليس إذن هنا مبالغة بل هو المرادف للبناء المتعدي بالهمزة.

{قالوا الئن جئت بالحق}: وانتصاب الآن على الظرفية، وهو ظرف يدل على الوقت الحاضر، وهو قوله لهم: {إنها بقرة لا ذلول} إلى {لا شية فيها}، والعامل فيه جئت.
{وما كادوا يفعلون}: وكاد في الثبوت تدل على المقاربة. فإذا قلت: كاد زيد يقوم، فمعناه مقاربة القيام، ولم يتلبس به. فإذا قلت: ما كاد زيد يقوم، فمعناه نفي المقاربة، فهي كغيرها من الأفعال وجوبا ونفيا. وقد ذهب بعض الناس إلى أنها إذا أثبتت، دلت على نفي الخبر، وإذا نفيت، دلت على إثبات الخبر، مستدلا بهذه الآية، لأن قوله تعالى: {فذبحوها} يدل على ذلك، والصحيح القول الأول.
{وإذ قتلتم نفسا}: معطوف على قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه}.
{والله مخرج ما كنتم تكتمون}، ما: منصوب باسم الفاعل، وهو موصول معهود.
{فقلنا اضربوه ببعضها}: جملة معطوفة على قوله: {قتلتم نفسا فادارأتم فيها}.
والجملة من قوله تعالى: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه.

(1/193)


{ويريكم آياته}: ظاهر هذا الكلام الاستئناف، ويجوز أن يكون معطوفا على يحيي.
{فهى كالحجارة} والكاف المفيدة معنى التشبيه: حرف وفاقا لسيبويه وجمهور النحويين، خلافا لمن ادعى أنها تكون اسما في الكلام، وهو عن الأخفش. فتعلقه هنا بمحذوف، التقدير: فهي كائنة كالحجارة، خلافا لابن عصفور، إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء، ودلائل ذلك مذكورة في كتب النحو. والألف واللام في الحجارة لتعريف الجنس.
{أو أشد قسوة}، أو: بمعنى الواو، أو بمعنى أو للإبهام، أو للشك، أو للتخيير، أو للتنويع، أقوال، وذكر المفسرون مثلا لهذه المعاني، والأحسن القول الأخير.

(1/194)


وانتصاب قسوة على التمييز، وهو من حيث المعنى تقتضيه الكاف ويقتضيه أفعل التفضيل، لأن كلا منهما ينتصب عنه التمييز، تقول: زيد كعمرو حلما، وهذا التمييز منتصب بعد أفعل التفضيل، منقول من المبتدأ، وهو نقل غريب، فتؤخر هذا التمييز وتقيم ما كان مضافا إليه مقامه. تقول: زيد أحسن وجها من عمرو، وتقديره: وجه زيد أحسن من وجه عمرو، فأخرت وجها وأقمت ما كان مضافا مقامه، فارتفع بالابتداء، كما كان وجه مبتدأ، ولما تأخر أدى إلى حذف وجه من قولك: من وجه عمرو، وإقامة عمرو مقامه، فقلت: من عمرو، وإنما كان الأصل ذلك، لأن المتصف بزيادة الحسن حقيقة ليس الرجل إنما هو الوجه، ونظير هذا: مررت بالرجل الحسن الوجه، أو الوجه أصل هذا الرفع، لأن المتصف بالحسن حقيقة ليس هو الرجل إنما هو الوجه، وإنما أوضحنا هذا، لأن ذكر مجيء التمييز منقولا من المبتدأ غريب، وأفرد أشد، وإن كانت خبرا عن جمع، لأن استعمالها عنا هو بمن، لكنها حذفت، وهو مكان حسن حذفها، إذ وقع أفعل التفضيل خبرا عن المبتدأ وعطف، أو أشد، على قوله: كالحجارة، فهو عطف خبر على خبر من قبيل عطف المفرد، كما تقول: زيد على سفر، أو مقيم، فالضمير الذي في أشد عائد على القلوب، ولا حاجة إلى ما أجازه الزمخشري من أن ارتفاعه يحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون التقدير: أو هي أشد قسوة، فيصير من عطف الجمل. والثاني: أن يكون، التقدير: أو مثل أشد، فحذف مثل وأقيم أشد مقامه، ويكون الضمير في أشد إذ ذاك غير عائد على القلوب، إذ كان الأصل أو مثل شيء أشد قسوة من الحجارة، فالضمير في أشد عائد على ذلك الموصوف بأشد المحذوف. ويعضد هذا الاحتمال الثاني قراءة الأعمش، بنصب الدال عطفا على، كالحجارة، قاله الزمخشري. وينبغي أن لا يصار إلى هذا إلا في هذه القراءة خاصة. وأما على قراءة الرفع، فلها التوجيه السابق الذي ذكرناه، ولا إضمار فيه، فكان أرجح.

(1/195)


وقد رد أبو عبد الله بن أبي الفضل في منتخبه على الزمخشري قوله: إنه معطوف على الكاف، فقال: هو على مذهب الأخفش، لا على مذهب سيبويه، لأنه لا يجيز أن يكون إسما إلا في الشعر، ولا يجيز ذلك في الكلام، فكيف في القرآن؟ فأولى أن يكون: أشد، خبر مبتدأ مضمر، أي وهي أشد. انتهى كلامه. وما ذهب إليه الزمخشري صحيح، ولا يريد بقوله: معطوف على الكاف، أن الكاف اسم، إنما يريد معطوفا على الجار والمجرور، لأنه في موضع مرفوع، فاكتفى بذكر الكاف عن الجار والمجرور. وقوله: فالأولى أن يكون أشد خبر مبتدأ مضمر، أي هي أشد، قد بينا أن الأولى غير هذا، لأنه تقدير لا حاجة إليه.

قال الزمخشري: فإن قلت: لم قال أشد قسوة؟ وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب، قلت: لكونه أبين وأدل على فرط القسوة. ووجه آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة. انتهى كلامه. ومعنى قوله: وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل، وفعل التعجب أن قسا يجوز أن يبنى منه أفعل التفضيل، وفعل التعجب بجواز اجتماع الشرائط المجوزة لبناء ذلك، وهي كونه من فعل ثلاثي مجرد متصرف تام قابل للزيادة، والنقص مثبت. وفي كونه من أفعل، أو من كون، أو من مبني للمفعول خلاف. وقرأ أبو حيوة: أو أشد قساوة، وهو مصدر لقسا أيضا.

(1/196)


{وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر} وقرأ الجمهور: وإن مشددة، وقرأ قتادة: وإن مخففة، وكذا في الموضعين بعد ذلك، وهي المخففة من الثقيلة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون معملة، ويكون مما حذف منه المبتدأ لدلالة المعنى عليه، التقدير: وما من الحجارة حجر إلا يتفجر منه الأنهار، وكذلك ما فيها، كقوله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم}(الصافات: 164)، أي وما منا أحد إلا له مقام معلوم، وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته}(النساء: 159)، أي وما من أهل الكتاب أحد، وحذف هذا المبتدأ أحسن، دلالة المعنى عليه، إلا أنه يشكل معنى الحصر، إذ يظهر بهذا التفضيل أن الأحجار متعددة، فمنها ما يتفجر منه الأنهار، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله. وإذا حصرت، أفهم المفهوم قبله أن كل فرد فرد من الأحجار فيه هذه الأوصاف كلها، أي تتفجر منه الأنهار، ويتشقق منه الماء، ويهبط من خشية الله. ولا يبعد ذلك إذا حمل اللفظ على القابلية، إذ كل حجر يقبل ذلك، ولا يمتنع فيه، إذا أرد الله ذلك. فإذا تلخص هذا كله كانت القراءة متوجهة على تقدير: أن يقرأ طلحة، وإن بالتخفيف. وأما إن صح عنه أنه يقرأون بالتشديد، فيعسر توجيه ذلك.
وأما من زعم أن إن المشددة هي بمعنى ما النافية، فلا يصح قوله، ولا يثبت ذلك في لسان العرب. ويمكن أن توجه قراءة طلحة لما بالتشديد، مع قراءة إن بالتشديد، بأن يكون اسم إن محذوفا لفهم المعنى، كما حذف في قوله:
ولكن زنجي عظيم المشافر
وفي قوله:
فليت دفعت الهم عني ساعة
وتكون لما بمعنى حين، على مذهب الفارسي، أو حرف وجوب لوجوب، على مذهب سيبويه. والتقدير: وإن منها منقادا، أو لينا، وما أشبه هذا. فإذا كانوا قد حذفوا الاسم والخبر على ما تأوله بعضهم في: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال: إن وصاحبها، فحذف الاسم وحده أسهل.

(1/197)


{وما الله بغفل عما تعملون} وبغافل: في موضع نصب، على أن تكون ما حجازية. ويجوز أن تكون في موضع رفع، على أن تكون ما تميمية، فدخلت الباء في خبر المبتدأ، وسوغ ذلك النفي. ألا ترى أنها لا تدخل في الموجب؟ لا تقول: زيد بقائم، ولا: ما زيد إلا بقائم. قال ابن عطية: وبغافل في موضع نصب خبر ما، لأنها الحجازية، يقوي ذلك دخول الباء في الخبر، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية. انتهى كلامه. وهذا الذي ذهب إليه أبو محمد بن عطية، من أن الباء مع التميمية قد تجيء شاذة، لم يذهب إليه نحوي فيما علمناه، بل القائلون قائلان، قائل: بأن التميمية لا تدخل الباء في خبر المبتدأ بعدها، وهو مذهب أبي علي الفارسي في أحد قوليه، وتبعه الزمخشري. وقائل: بأنه يجوز أن يجر بالباء، وهو الصحيح. وقال الفرزدق:
لعمرك ما معن بتارك حقه
وأشعار بني تميم تتضمن جر الخبر بالباء كثيرا.

(1/198)


{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم أميون لا يعلمون الكتب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون * فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون * وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيئته فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون * والذين ءامنوا وعملوا الصلحات أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون }.
التحديث: الإخبار عن حادث، ويقال منه يحدث، وأصله من الحدوث، وأصل فعله أن يتعدى إلى واحد بنفسه، وإلى آخر بعن، وإلى ثالث بالباء، فيقال: حدثت زيدا عن بكر بكذا، ثم إنه قد يضمن معنى أعلم المنقولة من علم المتعدية إلى اثنين، فيتعدى إلى ثلاثة، وهي من إلحاق غير سيبويه بأعلم، ولم يذكر سيبويه مما يتعدى إلى ثلاثة غير: أعلم، وأرى ونبأ، وأما حدث فقد أنشدوا بيت الحارث بن حلزة:
أو منعتم ما تسألون فمن
حدثتموه له علينا العلاء

(1/199)


وجعلوا حدث فيه متعدية إلى ثلاثة، ويحتمل أن يكون التقدير: حدثتموا عنه. والجملة بعده حال. كما خرج سيبويه قوله: ونبئت عبد الله، أي عن عبد الله، مع احتمال أن يكون ضمن نبئت معنى: أعلمت، لكن رجح عنده حذف حرف الجر على التضمين. وإذا احتمل أن يخرج بيت الحارث على أن يكون مما حذف منه الحرف، لم يكن فيه دليل على إثبات تعدى حدث إلى ثلاثة بنفسه، فينبغي أن لا يذهب إلى ذلك، إلا أن يثبت من لسان العرب.

ويل: الويل مصدر لا فعل له من لفظه، وما ذكر من قولهم: وأل مصنوع، ولم يجىء من هذه المادة التي فاؤها واو وعينها ياء إلا: ويل، وويح، وويس، وويب، ولا يثنى ولا يجمع. ويقال: ويله، ويجمع على ويلات. قال:
فقالت لك الويلات إنك مرجلي
وإذا أضيف ويل، فالأحسن فيه النصب، قال تعالى: {ويلكم لا تفتروا على الله كذبا}(طه: 61). وزعم بعض أنه إذا أضيف لا يجوز فيه إلا النصب، وإذا أفردته اختير الرفع، قال: فويل للذين}، ويجوز النصب، قال:
فويلا لتيم من سرابيلها الخضر
الكسب: أصله اجتلاب النفع، وقد جاء في اجتلاب الضر، ومنه: {بلى من كسب سيئة}}(البقرة: 81)، والفعل منه يجيء متعديا إلى واحد، تقول: كسبت مالا، وإلى اثنين تقول: كسبت زيدا مالا. وقال ابن الأعرابي؛ يقال: كسب هو نفسه وأكسب غيره، وأنشد:
فأكسبني مالا وأكسبته حمدا
بلى: حرف جواب لا يقع إلا بعد نفي في اللفظ أو المعنى، ومعناها: رده، سواء كان مقرونا به أداة الإستفهام، أو لم يكن، وقد وقع جوابا للاستفهام في مثل: هل يستطيع زيد مقاومتي؟ إذا كان منكرا لمقاومة زيد له، لما كان معناه النفي، ومما وقعت فيه جوابا للاستفهام قول الحجاف بن حكيم:
بل سوف نبكيهم بكل مهند
ونبكي نميرا بالرماح الخواطر
وقعت جوابا للذي قال له، وهو الأخطل:
ألا فاسأل الحجاف هل هو ثائر
بقتلي أصيبت من نمير بن عامر

(1/200)


وبلى عندنا ثلاثي الوضع، وليس أصله بل، فزيدت عليها الألف خلافا للكوفيين.
{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}: والفاء بعد الهمزة أصلها التقديم عليها، والتقدير: أفتطعمون، فالفاء للعطف، لكنه اعتنى بهمزة الاستفهام، فقدمت عليها. والزمخشري يزعم أن بين الهمزة والفاء فعل محذوف، ويقر الفاء على حالها، حتى تعطف الجملة بعدها على الجملة المحذوفة قبلها، وهو خلاف مذهب سيبويه، ومحجوج بمواضع لا يمكن تقدير فعل فيها، نحو قوله: {أو من ينشأ في الحلية}(الزخرف: 18)، أفمن يعلم أنما أنزل إليك}(الرعد: 19)، أفمن هو قائم}(الرعد: 33). أن يؤمنوا} معمول لتطمعون على إسقاط حرف الجر، التقدير: في أن يؤمنوا، فهو في موضع نصب، على مذهب سيبويه، وفي موضع جر، على مذهب الخليل والكسائي. ولكم: متعلق بيؤمنوا، على أن اللام بمعنى الباء، وهو ضعيف، ولام السبب أي أن يؤمنوا لأجل دعوتكم لهم.

والواو في قوله: {وقد كان فريق}، وفي قوله: {وهم يعلمون}، واو الحال. ويحتمل أن يكون العامل في الحال قوله: {أفتطمعون}؟ ويحتمل أن يكون: {أن يؤمنوا}.
وذهب بعضهم إلى أن العامل في قوله: {وهم يعلمون}، قوله: {عقلوه}، والظاهر القول الأول، وهو قوله: {يحرفونه}.
{بما فتح الله عليكم}. وقد جوزوا في ما أن تكون نكرة موصوفة، وأن تكون مصدرية، أي بفتح الله عليكم. والأولى الوجه الأول.

(1/201)


{ليحآجوكم}: هذه لام كي، والنصب بأن مضمرة بعدها، وهي جائزة الإضمار، إلا إن جاء بعدها لا، فيجب إظهارها. وهي متعلقة بقوله: {أتحدثونهم}، فهي لام جر، وتسمى لام كي، بمعنى أنها للسبب، كما أن كي للسبب. ولا يعنون أن النصب بعدها بإضمار كي، وإن كان يصح التصريح بعدها بكي، فتقول: لكي أكرمك، لأن الذي يضمر إنما هو: أن لا: كي، وقد أجاز ابن كيسان والسيرافي أن يكون المضمر بعد هذه اللام كي، أو أن. وذهب الكوفيون إلى أن النصب بعد هذه اللام إنما هو بها نفسها، وأن ما يظهر بعدها من كي وأن، إنما ذلك على سبيل التأكيد. وتحرير الكلام في ذلك مذكور في مبسوطات النحو. وذهب بعض المعربين إلى أن اللام تتعلق بقوله: فتح، وليس بظاهر إلا أن تكون اللام لام الصيرورة عند من يثبت لها هذا المعنى، فيمكن أن يصير المعنى: أن الذي فتح الله عليهم به حدثوا به، فآل أمره إلى أن حاجوهم به، فصار نظير: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}(القصص: 8). لم يلتقطوه لهذا الأمر، إنما آل أمره إلى ذلك. ومن لم يثبت لام الصيرورة، جعلها لام كي، على تجوز عند ربكم} معمول لقوله: {ليحاجوكم}.
{أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون}: وقد تقدم لنا أن مثل {أفلا تعقلون}(البقرة: 44)، أو لا يعلمون}(البقرة: 77)، أن الفاء والواو فيهما للعطف، وأن أصلهما أن يكونا أول الكلام، لكنه اعتنى بهمزة الاستفهام، فقدمت. وذكرنا طريقة الزمخشري في ذلك، فأغنى عن إعادته. وأن الله يعلم}: يحتمل أن يكون مما سدت فيه أن مسد المفرد، إذا قلنا: أن يعلمون متعد إلى واحد كعرف، ويحتمل أن يكون مما سدت فيه أن مسد المفعولين، إذا قلنا: أن يعلمون متعد إلى اثنين، كظننت، وهذا على رأي سيبويه. وأما الأخفش، فإنها تسد عنده مسد مفعول واحد، ويجعل الثاني محذوفا، وقد تقدم لنا ذكر هذا الخلاف، والعائد على ما محذوف تقديره: يسرونه ويعلنونه.

(1/202)



{لا يعلمون الكتب}: جملة في موضع الصفة، والكتاب هو التوراة.
{إلا أمانى}: استثناء منقطع، لأن الأماني ليست من جنس الكتاب، ولا مندرجة تحت مدلوله، وهو أحد قسمي الاستثناء المنقطع، وهو الذي يتوجه عليه العامل. ألا ترى أنه لو قيل لا يعلمون إلا أماني لكان مستقيما؟ وهذا النوع من الاستثناء يجوز فيه وجهان، أحدهما: النصب على الاستثناء، وهي لغة أهل الحجاز. والوجه الثاني: الاتباع على البدل بشرط التأخر، وهي لغة تميم. فنصب أماني من الوجهين.
{وإن هم إلا يظنون} إن هنا: هي النافية، بمعنى ما، وهم: مرفوع بالابتداء، وإلا يظنون: في موضع الخبر، وهو من الاستثناء المفرغ. وإذا كانت إن نافية، فدخلت على المبتدأ والخبر، لم يعمل عمل ما الحجازية، وقد أجاز ذلك بعضهم، ومن أجاز شرط نفي الخبر وتأخيره، والصحيح أنه لا يجوز، لأنه لم يحفظ من ذلك إلا بيت نادر وهو:
إن هو مستوليا على أحد
إلا على أضعف المجانين
وقد نسب السهيلي وغيره إلى سيبويه جواز إعمالها إعمال ما، وليس في كتابه نص على ذلك.
{فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم} وهو نكرة فيها معنى الدعاء، فلذلك جاز الابتداء بها، إذ الدعاء أحد المسوغات لجواز الابتداء بالنكرة، وهي تقارب ثلاثين مسوغا، وذكرناها في كتاب «منهج المسالك» من تأليفنا.
{ثم يقولون} ومعمول القول هذه الجملة التي هي: {هذا من عند الله ليشتروا}، علة في القول، وهي لام كي، وقد تقدم الكلام عليها قبل. وهي مكسورة لأنها حرف جر، فيتعلق بيقولون. وقد أبعد من ذهب إلى أنها متعلقة بالاستقرار، وبنو العنبر يفتحون لام كي، قال مكي في إعراب القرآن له. {به ثمنا قليلا}، به: متعلق بقوله: ليشتروا، والضمير عائد على الذي أشاروا إليه بقولهم: {هذا من عند الله}.

(1/203)


{قل أتخذتم عند الله عهدا} وهمزة الوصل من اتخذ، انحذفت لأجل همزة الاستفهام، ومن سهل بنقل حركتها على اللام وحذفها قال: قل اتخذتم، بفتح اللام، لأن الهمزة كانت مفتوحة. وعند الله: ظرف منصوب باتخذتم، وهي هنا تتعدى لواحد، ويحتمل أن تتعدى إلى اثنين، فيكون الثاني الظرف، فيتعلق بمحذوف.
{فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون}: هذه الجملة جواب الاستفهام الذي ضمن معنى الشرط، كقوله: أيقصدنا زيد؟ فلن نجيب من برنا. وقد تقدم الخلاف في جواب هذه الأشياء، هل ذلك بطريق التضمين أي يضمن الاستفهام والتمني والأمر والنهي إلى سائر باقيها معنى الشرط؟ أم يكون الشرط محذوفا بعدها؟ ولذلك قال الزمخشري: {فلن يخلف} متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عنده عهدا فلن يخلف الله عهده، كأنه اختار القول الثاني من أن الشريط مقدر بعد هذه الأشياء. وقال ابن عطية: {فلن يخلق الله عهده}، اعتراض في أثناء الكلام، كأنه يريد أن قوله: {أم تقولون} معادل لقوله: {قل أتخذتم عند الله عهدا}، فصارت هذه الجملة، بين هاتين اللتين وقع بينهما التعادل، جملة اعتراضية، فلا يكون لها موضع من الإعراب.

{بلى}: حرف جواب يثبت به ما بعد النفي، فإذا قلت: ما قام زيد، فقلت: نعم، كان تصديقا في نفي قيام زيد. وإذا قلت: بلى، كان نقضا لذلك النفي.
{من كسب سيئة} من: يحتمل أن تكون شرطية، ويحتمل أن تكون موصولة، والمسوغات لجواز دخول الفاء في الخبر، إذا كان المبتدأ موصولا، موجودة هنا، ويحسنه المجيء في قسيمه بالذين، وهو موصول.

(1/204)


{وإذ أخذنا ميثق بنى إسرءيل لا تعبدون إلا الله وبالولدين إحسانا وذى القربى واليتمى والمسكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون * وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من ديركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديرهم تظهرون عليهم بالإثم والعدون وإن يأتوكم أسرى تفدوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغفل عما تعملون * أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالأخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون }.

(1/205)


{وذى القربى} ذو: بمعنى صاحب، وهو من الأسماء الستة التي ترفع، وفيها الواو، وتنصب وفيها الألف، وتجر وفيها الياء. وأصلها عند سيبويه، ذوي، ووزنها عنده: فعل، وعند الخليل: ذوة، من باب خوة، وقوة، ووزنها عنده فعل، وهو لازم الإضافة، وتنقاس إضافته إلى اسم جنس، وفي إضافته إلى مضمر خلاف، وقد يضاف إلى العلم وجوبا، إذا اقترنا وضعا، كقولهم: ذو جدن، وذو يزن، وذو رعين، وذو الكلاع، وإن لم يقترنا وضعا، فقد يجوز، كقولهم: في عمرو، وقطرى: ذو عمرو، وذو قطرى، ويعنون به صاحب هذا الإسم. وإضافته إلى العلم في وجهته مسموع، وكذلك: أنا ذوبكة، واللهم صل على محمد وعلى ذويه. ومما أضيف إلى العلم، وأريد به معنى: ذي مال، ومما أضيف إلى ضمير العلم، وأضيف أيضا إلى ضمير المخاطب، قال الشاعر:
وإنا لنرجو عاجلا منك مثل ما
رجونا قدما من ذويك الأفاضل وقد أتت ذو في لغة طي موصولة، ولها أحكام في النحو.
{واليتمى}: فعالى، وهو جمع لا ينصرف، لأن الألف فيه للتأنيث، ومفرده: يتيم، كنديم، وهو جمع على غير قياس، وكذا جمعه على أيتام.

الدم: معروف، وهو محذوف اللام، وهي ياء، لقوله:
جرى الدميان بالخبر اليقين
أو: واو، لقولهم: دموان، ووزنه فعل. وقيل: فعل، وقد سمع مقصورا، قال:
غفلت ثم أتت تطلبه
فإذا هي بعظام ودما
وقال:
ولكن على أعقابنا يقطر الدما
في رواية من رواه كذلك، وقد سمع مشدد الميم، قال الشاعر:
أهان دمك فرغا بعد عزته
يا عمرو نعيك إصرارا على الحسد
الديار: جمع دار، وهو قياس في فعل الاسم، إذا لم يكن مضاعفا، ولا معتل لام نحو: طلل، وفنى. والياء في هذا الجمع منقلبة عن واو، إذ أصله دوار، وهو قياس، أعني هذا الإبدال إذا كان جمعا واحد معتل العين، كثوب وحوض ودار، بشرط أن يكون فعالا صحيح اللام. فإن كان معتله، لم يبدل نحو: رواو، وقالوا: في جمع طويل: طوال وطيال.

(1/206)


{الدنيا}: تأنيث الأدنى، ويرجع إلى الدنو، بمعنى القرب. والألف فيه للتأنيث، ولا تحذف منها الألف واللام إلا في شعر، نحو قوله:
في سعي دنيا طالما قد مدت
والدنيا تارة تستعمل صفة، وتارة تستعمل استعمال الأسماء، فإذا كانت صفة، فالياء مبدلة من واو، إذ هي مشتقة من الدنو، وذلك نحو: العليا. ولذلك جرت صفة على الحياة في قوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء}(يونس: 24)، فأما القصوى والحلوى فشاذ. وإذا استعملت استعمال الأسماء، فكذلك. وقال أبو بكر بن السراج: في المقصور والممدود} له الدنيا مؤنثة مقصورة، تكتب بالألف هذه لغة نجد وتميم خاصة، إلا أن أهل الحجاز وبني أسد يلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات الواو، فيقولون: دنوى، مثل: شروى، وكذلك يفعلون بكل فعلى موضع لامها واو، ويفتحون أولها ويقلبون الواو ياء، لأنهم يستثقلون الضمة والواو.
وإذ: معطوف على الظروف السابقة قبل هذا.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: لا يعبدون، بالياء. وقرأ الباقون: بالتاء من فوق. وقرأ أبي وابن مسعود: لا يعبدوا، على النهي. فأما لا يعبدون فذكروا في إعرابه وجوها.

(1/207)


أحدها: أنه جملة منفية في موضع نصب على الحال من بني إسرائيل، أي غير عابدين إلا الله أي موحدين الله ومفرديه بالعبادة، وهو حال من المضاف إليه، وهو لا يجوز على الصحيح. لا يقال إن المضاف إليه يمكن أن يكون معمولا في المعنى لميثاق، إذ يحتمل أن يكون مصدرا، أو حكمه حكم المصدر. وإذا كان كذلك، جاز أن يكون المجرور بعده فاعلا في المعنى، أو مفعولا لأن الذي يقدر فيه العمل هو ما انحل إلى حرف مصدري والفعل، وهنا ليس المعنى على أن ينحل، لذلك فلا يجوز الحكم على موضعه برفع ولا نصب، لأنك لو قدرت أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح، بل لو فرضنا كونه مصدرا حقيقة: لم يجز فيه ذلك. ألا ترى أنك لو قلت: أخذت علم زيد، لم ينحل لحرف مصدري والفعل: لا يقال: أخذت أن يعلم زيد. فإذا لم يتقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ولا كان من ضربا زيدا، لم يعمل على خلاف في هذا الأخير، ولذلك منع ابن الطراوة في ترجمة سيبويه هذا. باب علم ما الكلم من العربية: أن يتقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ورد ذلك على من أجازه. وممن أجازه أن تكون الجملة حالا: المبرد وقطرب، قالوا: ويجوز أن يكون حالا مقارنة، وحالا مقدرة. الوجه الثاني: أن تكون الجملة جوابا لقسم محذوف دل عليه قوله: {أخذنا ميثاق بني إسرائيل}، أي استحلفناهم والله لا يعبدون، ونسب هذا الوجه إلى سيبويه، وأجازه الكسائي والفراء والمبرد. الوجه الثالث: أن تكون أن محذوفة، وتكون أن وما بعدها محمولا على إضمار حرف جر، التقدير: بأن لا تعبدوا إلا الله فحذف حرف الجر، إذ حذفه مع أن، وأن جائز مطرد، إذ لم يلبس، ثم حذف بعد ذلك، أن، فارتفع الفعل، فصار لا تعبدون، قاله الأخفش، ونظيره من نثر العرب: مره يحفرها، ومن نظمها قوله:
ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى

(1/208)


أصله: مره بأن يحفرها. وعن: أن أحضر الوغى، فجرى فيه من العمل ما ذكرناه. وهذا النوع من إضمار أن في مثل هذا مختلف فيه، فمن النحويين من منعه، وعلى ذلك متأخرو أصحابنا. وذهب جماعة من النوحيين إلى أنه يجوز حذفها في مثل هذا الموضع. ثم اختلفوا فقيل: يجب رفع الفعل إذ ذاك، وهذا مذهب أبي الحسن. ومنهم من قال بنفي العمل، وهو مذهب المبرد والكوفيين. والصحيح: قصر ما ورد من ذلك على السماع.

(1/209)


وفي انتصاب {إحسانا} على وجوه: أحدها: أن يكون معطوفا على لا تعبدون، أعني على المصدر المنسبك من الحرف المصدري والفعل، إذ التقدير عند هذا القائل بإفراد الله بالعبادة وبالوالدين، أي وببر الوالدين، أو بإحسان إلى الوالدين، ويكون انتصاب إحسانا على المصدر من ذلك المضاف المحذوف، فالعامل فيه الميثاق، لأنه به يتعلق الجار والمجرور، وروائح الأفعال تعمل في الظروف والمجرورات. الوجه الثاني: أن يكون متعلقا بإحسانا، ويكون إحسانا مصدرا موضوعا موضع فعل الأمر، كأنه قال: وأحسنوا بالوالدين. قالوا: والباء ترادف إلى في هذا الفعل، تقول: أحسنت به وإليه بمعنى واحد، وقد تكون على هذا التقدير على حذف مضاف، أي وأحسنوا ببر الوالدين، المعنى: وأحسنوا إلى الوالدين ببرهما. وعلى هذين الوجهين يكون العامل في الجار والمجرور ملفوظا به. قال ابن عطية: ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له. انتهى كلامه. وهذا الاعتراض، إنما يتم على مذهب أبي الحسن في منعه تقديم مفعول، نحو: ضربا زيدا، وليس بشيء، لأنه لا يصح المنع إلا إذا كان المصدر موصولا بأن ينحل لحرف مصدري والفعل، أما إذا كان غير موصول، فلا يمتنع تقديمه عليه. فجائز أن تقول: ضربا زيدا، وزيدا ضربا، سواء كان العمل للفعل المحذوف العامل في المصدر، أو للمصدر النائب عن الفعل، لأن ذلك الفعل هو أمر، والمصدر النائب عنه أيضا معناه الأمر. فعلى اختلاف المذهبين في العامل يجوز التقديم. الوجه الثالث: أن يكون العامل محذوفا، ويقدر: وأحسنوا، أو ويحسنون بالوالدين، وينتصب إحسانا على أنه مصدر مؤكد لذلك الفعل المحذوف، فتقديره: وأحسنوا، مراعاة للمعنى، لأن معنى لا تعبدون: لا تعبدوا، أو تقديره: ويحسنون، مراعاة للفظ لا تعبدون، وإن كان معناه الأمر. وبهذين قدر الزمخشري هذا المحذوف. الوجه الرابع: أن يكون العامل محذوفا، وتقديره: واستوصوا بالوالدين، وينتصب إحسانا

(1/210)


على أنه مفعول، قاله المهدوي: الوجه الخامس: أن يكون العامل محذوفا، وتقديره: ووصيناهم بالوالدين، وينتصب إحسانا على أنه مفعول من أجله، أي ووصيناهم بالوالدين إحسانا منا كان هكذا فلا ينبغي أن تخرج الآية عليه، لأن فيه حذف حرف مصدري، وإبقاء صلته في غير المواضع المنقاس ذلك فيها. الوجه السادس: أن يكون التقدير: أن لا تعبدوا، فحذف أن وارتفع الفعل، ويكون ذلك في موضع نصب على البدل من قوله: {ميثاق بني إسرائيل}. وفي هذا الوجه ما في الذي قبله من أن الصحيح عدم اقتياس ذلك، أعني حذف أن ورفع الفعل ونصبه. الوجه السابع: أن تكون محكية بحال محذوفة، أي قائلين لا تعبدون إلا الله، ويكون إذ ذاك لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، أي قائلين لهم لا تعبدوا إلا الله، قاله الفراء، ويؤيده قراءة أبي وابن مسعود، والعطف عليه قوله: {وقولوا للناس حسنا}. الوجه الثامن: أن يكون المحذوف القول، أي وقلنا لهم: {لا تعبدون إلا الله}، وهو نفي في معنى النهي أيضا. قال الزمخشري: كما يقول تذهب إلى فلان، تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كان سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه. انتهى كلامه، وهو حسن. الوجه التاسع: أن يكون التقدير أن لا تعبدون، وتكون أن مفسرة لمضمون الجملة، لأن في قوله: {أخذنا ميثاق بني إسرائيل} معنى القول، فحذف أن المفسرة وأبقى المفسر. وفي جواز حذف أن المفسرة نظر. الوجه العاشر: أن تكون الجملة تفسيرية، فلا موضع لها من الإعراب، وذلك أنه لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، كان في ذلك إيهام للميثاق ما هو، فأتى بهذه الجملة مفسرة للميثاق، فمن قرأ بالياء، فلأن بني إسرائيل لفظ غيبة، ومن قرأ بالتاء، فهو التفات، وحكمته الإقبال عليهم بالخطاب، ليكون أدعى للقبول، وأقرب للامتثال، إذ فيه الإقبال من الله على المخاطب بالخطاب، ومع جعل الجملة مفسرة، لا تخرج عن أن يكون نفي أريد به نهي، إذ تبعد حقيقة

(1/211)


الخبر فيه.
{

إلا الله}: استثناء مفرع، لأن لا تعبدون لم يأخذ مفعوله.
والمختار، الوجه الثاني: لعدم الإضمار فيه، ولاطراد مجيء المصدر في معنى فعل الأمر.
{وذى القربى واليتمى والمسكين}: معطوف على قوله: {وبالوالدين}.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: حسنا بفتح الحاء والسين. وقرأ عطاء بن أبي رباح وعيسى بن عمر: حسنا بضمهما. وقرأ أبي وطلحة بن مصرف: حسنى، على وزن فعل. وقرأ الجحدري: إحسانا. فأما قراءة الجمهور حسنا، فظاهره أنه مصدر، وأنه كان في الأصل قولا حسنا، أما على حذف مضاف، أي ذا حسن، وأما على الوصف بالمصدر لإفراط حسنه، وقيل: يكون أيضا صفة، لا أن أصله مصدر، بل يكون كالحلو والمر، فيكون الحسن والحسن لغتين، كالحزن والحزن، والعرب والعرب. وقيل: انتصب على المصدر من المعنى، لأن المعنى: وليحسن قولكم حسنا. وأما من قرأ: حسنا بفتحتين، فهو صفة لمصدر محذوف، أي وقولوا للناس قولا حسنا. وأما من قرأ بضمتين، فضمة السين إتباع لضمة الحاء. وأما من قرأ: حسنى، فقال ابن عطية: رده سيبويه، لأن أفعل وفعلى لا يجيء إلا معرفة، إلا أن يزال عنها معنى التفضيل ويبقى مصدرا، كالعقبى، فذلك جائز، وهو وجه القراءة بها. انتهى كلامه. وفي كلامه ارتباك، لأنه قال: لأن أفعل وفعلى لا يجيء إلا معرفة، وليس على ما ذكر. أما أفعل فله استعمالات: أحدها: أن يكون بمن ظاهرة، أو مقدرة، أو مضافا إلى نكرة، فهذا لا يتعرف بحال، بل يبقى نكرة. والاستعمال الثاني: أن يكون بالألف واللام، فإذ ذاك يكون معرفة بهما. الثالث: أن يضاف إلى معرفة، وفي التعريف بتلك الإضافة خلاف، وذلك نحو: أفضل القوم. وأما فعلى فلها استعمالان: أحدهما: بالألف واللام، ويكون معرفة بهما. والثاني: بالإضافة إلى معرفة نحو: فضلى النساء. وفي التعريف بهذه الإضافة الخلاف الذي في أفعل، فقول ابن عطية: لأن أفعل وفعلى لا يجيء إلا

(1/212)


معرفة، ليس بصحيح. وقوله: إلا أن يزال عنها معنى التفضيل، ويبقى مصدرا، فيكون فعلى الذي هو مؤنث أفعل، إذا أزلت منه معنى التفضيل يبقى مصدرا، وليس كذلك، بل لا ينقاس مجيء فعلى مصدرا إنما جاءت منه ألفاظ يسيرة. فلا يجوز أن يعتقد في فعلى، التي مذكرها أفعل، أنها تصير مصدرا إذا زال منها معنى التفضيل. ألا ترى أن كبرى وصغرى وجلى وفضلى، وما أشبه ذلك، لا ينقاس جعل شيء منها مصدرا بعد إزالة معنى التفضيل؟ بل الذي ينقاس على رأي أنك إذا أزلت منها معنى التفضيل، صارت بمعنى: كبيرة وصغيرة وجليلة وفاضلة. كما أنك إذا أزلت من مذكرها معنى التفضيل، كان أكبر بمعنى كبير، وأفضل بمعنى فاضل، وأطول بمعنى طويل. ويحتمل أن يكون الضمير في عنها عائدا إلى حسنى، لا إلى فعلى، ويكون استثناء منقطعا، كأنه قال: إلا أن يزال عن حسنى، وهي اللفظة التي قرأها أبي وطلحة معنى التفضيل، ويبقى مصدرا، ويكون معنى الكلام إلا إن كانت مصدرا، كالعقبى. ومعنى قوله: وهو وجه القراءة بها، أي والمصدر وجه القراءة بها. وتخريج هذه القراءة على وجهين: أحدهما: المصدر، كالبشرى، ويحتاج ذلك إلى نقل أن العرب تقول: حسن حسنى، كما تقول: رجع رجعى، وبشر بشرى، إذ مجيء فعلى كما ذكرنا مصدرا لا ينقاس. والوجه الثاني: أن يكون صفة لموصوف محذوف، أي وقولوا للناس كلمة حسنى، أو مقالة حسنى. وفي الوصف بها وجهان: أحدهما: أن تكون باقية على أنها للتفضيل، واستعمالها بغير ألف ولام ولا إضافة لمعرفة نادر، وقد جاء ذلك في الشعر، قال الشاعر:

وإن دعوت إلى جلى ومكرمة
يوما كرام سراة الناس فادعينا

(1/213)


فيمكن أن تكون هذه القراءة من هذا لأنها قراءة شاذة. والوجه الثاني: أن تكون ليست للتفضيل، فيكون معنى حسنى: حسنة، أي وقولوا للناس مقالة حسنة، كما خرجوا يوسف أحسن إخوته في معنى: حسن إخوته. وأما من قرأ: إحسانا فيكون نعتا لمصدر محذوف، أي قولا إحسانا، وإحسانا مصدر من أحسن الذي همزته للصيرورة، أي قولا ذا حسن، كما تقول: أعشبت الأرض إعشابا، أي صارت ذات عشب.
{ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} ونصب: قليلا، على الاستثناء، وهو الأفصح، لأن قبله موجب. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ: إلا قليل، بالرفع. وقرأ بذلك أيضا قوم، قال ابن عطية: وهذا على بدل قليل من الضمير في توليتم، وجاز ذلك، يعني البدل، مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي، لأن توليتم معناه النفي، كأنه قال: لم يفوا بالميثاق إلا قليل، انتهى كلامه. والذي ذكر النحويون أن البدل من الموجب لا يجوز، لو قلت: قام القوم إلا زيد، بالرفع على البدل، لم يجز، قالوا: لأن البدل يحل محل المبدل منه، فلو قلت: قام إلا زيد، لم يجز لأن إلا لا تدخل في الموجب. وأما ما اعتل به من تسويغ ذلك، لأن معنى توليتم النفي، كأنه قيل: لم يفوا إلا قليل، فليس بشيء، لأن كل موجب، إذا أخذت في نفي نقيضه أو ضده، كان كذلك، فليجز: قام القوم إلا زيد، لأنه يؤول بقولك: لم تجلسوا إلا زيد. ومع ذلك لم تعتبر العرب هذا التأويل، فتبني عليه كلامها، وإنما أجاز النحويون: قام القوم إلا زيد بالرفع، على الصفة. وقد عقد سيبويه في ذلك بابا في كتابه فقال: هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا بمنزلة غير ومثل. وذكر من أمثلة هذا الباب: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، {ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}(الأنبياء: 22).
وقليل بها الأصوات إلا بغامها

(1/214)


وسوى بين هذا، وبين قراءة من قرأ: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر}(النساء: 95)، برفع غير، وجوز في نحو: ما قام القوم إلا زيد، بالرفع البدل والصفة، وخرج على ذلك قول عمرو بن معدي كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه
لعمر أبيك إلا الفرقدان}
قال: كأنه قال: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، كما قال الشماخ:
وكل خليل غيرها ضم نفسه
لوصل خليل صارم أو معارز
ومما أنشده النحويون:
لدم ضائع نأت أقربوه

عنه إلا الصبا وإلا الجنوب
وأنشدوا أيضا:
وبالصريمة منهم منزل خلق
عاف تغير إلا النؤى والوتد
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: ويخالف الوصف بإلا الوصف بغيره، من حيث أنها يوصف بها النكرة والمعرفة والظاهر والمضمر. وقال أيضا: وإنما يعني النحويون بالوصف بإلا: عطف البيان. وقال غيره: لا يوصف بإلا إلا إذا كان الموصوف نكرة أو معرفة بلام الجنس. وقال المبرد: لا يوصف بإلا إلا إذا كان الوصف في موضع يصلح فيه البدل، وتحرير ذلك نتكلم عليه في علم النحو، وإنما نبهنا على أن ما ذهب إليه ابن عطية في تخريج هذه القراءة، لم يذهب إليه نحوي. ومن تخليط بعض المعربين أنه أجاز رفعه بفعل محذوف، كأنه قال: امتنع قليل أن يكون توكيدا للمضمر المرفوع المستثنى منه. ولولا أن هذين القولين مسطران في الكتب ما ذكرتهما. وأجاز بعضهم أن يكون رفعه على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: إلا قليل منكم لم يتول، كما قالوا: ما مررت بأحد إلا رجل من بني تميم خير منه. وهذه أعاريب من لم يمعن في النحو.
{وأنتم معرضون}: جملة حالية، قالوا: مؤكدة. وهذا قول من جعل التولي هو الإعراض بعينه، ومن خالف بينهما تكون الحال مبينة، وكذلك تكون مبينة إذا اختلف متعلق التولي والإعراض.
{وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون دمآءكم}: الكلام على: {تسفكون}، كالكلام على: {لا تعبدون} إلا الله من حيث الإعراب.

(1/215)


{ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} واختلف المعربون في إعراب هذه الجملة، فالمختار أن أنتم مبتدأ، وهؤلاء خبر، وتقتلون حال. وقد قالت العرب: ها أنت ذا قائما، وهاأنا ذا قائما. وقالت أيضا: هذا أنا قائما، وها هو ذا قائما، وإنما أخبر عن الضمير باسم الإشارة في اللفظ، وكأنه قال: أنت الحاضر، وأنا الحاضر، وهو الحاضر. والمقصود من حيث المعنى الإخبار بالحال. ويدل على أن الجملة حال مجيئهم بالاسم المفرد منصوبا على الحال، فيما قلناه من قولهم: ها أنت ذا قائما ونحوه.

(1/216)


قال ابن عطية: وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن بن أحمد شيخنا، هؤلاء: رفع بالابتداء، وأنتم خبر مقدم، وتقتلون حال، بها تم المعنى، وهي كانت المقصود، فهي غير مستغنى عنها، وإنما جاءت بعد أن تم الكلام في المسند والمسند إليه كما تقول: هذا زيد منطلقا، وأنت قد قصدت الإخبار بانطلاقه، لا الإخبار بأن هذا هو زيد. انتهى ما نقله ابن عطية عن شيخه، وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري، من أهل بلدنا غرناظة، يعرف بابن الباذش، وهو والد الإمام أبي جعفر أحمد، مؤلف كتاب «الإقناع في القراآت»، وله اختيارات في النحو، حدث بكتاب سيبويه عن الوزير أبي بكر محمد بن هشام المصحفي، وعلق عنه في النحو على كتاب «الجمل والإيضاح» ومسائل من كتاب سيبويه. توفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ولا أدري ما العلة في العدول عن جعل أنتم المبتدأ، وهؤلاء الخبر، إلى عكس هذا. والعامل في هذه الحال اسم الإشارة بما فيه من معنى الفعل. قالوا: وهو حال منه، فيكون إذ ذاك قد اتحد ذو الحال والعامل فيها. وقد تكلمنا على هذه المسألة في كتاب «منهج السالك» من تأليفنا، فيطالع هناك، وذهب بعض المعربين إلى أن هؤلاء منادى محذوف منه حرف النداء، وهذا لا يجوز عند البصريين، لأن اسم الإشارة عندهم لا يجوز أن يحذف منه حرف النداء، ونقل جوازه عن الفراء، وخرج عليه الآية الزجاج وغيره، جنوحا إلى مذهب الفراء، فيكون على هذا القول يقتلون خبرا عن أنتم. وفضل بين المبتدأ والخبر بالنداء. والفصل بينهما بالنداء جائز، وإنما ذهب من ذهب إلى هذا في هذه الآية، لأنه صعب عنده أن ينعقد من ضمير المخاطب واسم الإشارة جملة من مبتدأ وخبر. وقد بينا كيفية انعقاد هذه الجملة، وقد أنشدوا أبياتا حذف منها حرف النداء مع اسم الإشارة، من ذلك قول رجل من طيىء:
إن الأولى وصفوا قومي لهم فيهم

(1/217)


هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا وذهب ابن كيسان وغيره إلى أن أنتم مبتدأ، ويقتلون الخبر، وهؤلاء تخصيص للمخاطبين، لما نبهوا على الحال التي هم عليها مقيمون، فيكون إذ ذاك منصوبا بأعني. وقد نص النحويون على أن التخصيص لا يكون بالنكرات، ولا بأسماء الإشارة. والمستقرأ من لسان العرب أنه يكون أيا نحو: اللهم اغفر لنا، أيتها العصابة، أو معرفا بالألف واللام نحو: نحن العرب أقرى الناس للضيف، أو بالإضافة نحو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقد يكون علما، كما أنشدوا:
بنا تميما يكشف الضباب. اهـ.

وأكثر ما يأتي بعد ضمير متكلم، كما مثلناه. وقد جاء بعد ضمير مخاطب، كقولهم: بك الله نرجو الفضل. وذهب بعضهم إلى أن هؤلاء موصول بمعنى الذي، وهو خبر عن أنتم، ويكون تقتلون صلة لهؤلاء، وهذا لا يجوز على مذهب البصريين. وأجاز ذلك الكوفيون، وهي مسألة خلافية مذكورة في علم النحو.

(1/218)


{وهو محرم عليكم إخراجهم} وارتفاع هو على الابتداء، وهو إما ضمير الشأن، والجملة بعده خبر عنه، وإعرابها أن يكون إخراجهم مبتدأ ومحرم خبرا، وفيه ضمير عائد على الإخراج، إذ النية به التأخير. ولا يجيز الكوفيون تقديم الخبر إذا كان متحملا ضميرا مرفوعا. فلا يجيزون: قائم زيد، على أن يكون قائم خبرا مقدما، فلذلك عدلوا إلى أن يكون خبر هو قوله محرم، وإخراجهم مرفوع به مفعولا لم يسم فاعله، وتبعهم على هذا المهدوي. ولا يجيز هذا الوجه البصريون، لأن عندهم أن ضمير الشأن لا يخبر عنه إلا بجملة مصرح بجزأيها، وإذا جعلت قوله محرم خبرا عن هو، وإخراجهم مرفوعا به، لزم أن يكون قد فسر ضمير الشأن بغير جملة. وهو لا يجوز عند البصريين كما ذكرنا. وأجازوا أيضا أن يكون هو مبتدأ، ليس ضمير الشأن، بل هو عائد على الإخراج، ومحرم خبر عنه، وإخراجهم بدل. وهذا فيه خلاف. منهم من أجاز أن يفسر المضمر الذي لم يسبق له ما يعود عليه بالبدل، ومنهم من منع. وأجازه الكسائي، وفي بعض النقول. وأجاز الكوفيون أن يكون هو عمادا، وهو الذي يعبر عنه البصريون بالفصل، وقد تقدم مع الخبر. والتقدير: وإخراجهم هو محرم عليكم، فلما قدم خبر المبتدأ على المبتدأ، أقدم معه الفصل. قال الفراء: لأن الواو ها هنا تطلب الاسم، وكل موضع تطلب فيه الاسم، فالعماد فيه جائز. ولا يجوز هذا التخريج عند البصريين، لأن فيه أمرين لا يجوزان عندهم: أحدهما: وقوع الفصل بين معرفة ونكرة لا تقارب المعرفة، إذ التقدير: وإخراجهم هو محرم، فمحرم نكرة لا تقارب المعرفة. الثاني: أن فيه تقديم الفصل، وشرطه عند البصريين أن يكون متوسطا بين المبتدأ والخبر، أو بين ما هما أصله، وهذه كلها مسائل تحقق في علم النحو.

(1/219)


ووقع في كتاب ابن عطية في هذا المكان أقوال تنتقد، وهو أنه قال: قيل في هو إنه ضمير الأمر، تقديره: والأمر محرم عليكم، وإخراجهم في هذا القول بدل من هو. انتهى ما نقله في هذا القول، وهذا خطأ من وجهين. أحدهما: أنه أخبر عن ضمير الأمر بمفرد، ولا يجيز ذلك بصري ولا كوفي. أما البصري، فلأن مفسر ضمير الأمر لا بد أن يكون جملة، وأما الكوفي، فلأنه يجيز الجملة ويجيز المفرد، إذا كان قد انتظم منه ومما بعده مسند ومسند إليه في المعنى، نحو قولك: ظننته قائما الزيدان. والثاني: أنه جعل إخراجهم بدلا من ضمير الأمر، وضمير الأمر لا يعطف عليه، ولا يبدل منه، ولا يؤكد. قال ابن عطية: وقيل هو فاصلة، وهذا مذهب الكوفي، وليست هنا بالتي هي عماد، ومحرم على هذا ابتداء، وإخراجهم خبر. انتهى ما نقله في هذا القول. والمنقول عن الكوفيين عكس هذا الإعراب، وهو أن يكون الفصل قد قدم مع الخبر على المبتدأ، فإعراب محرم عندهم خبر متقدم، وإخراجهم مبتدأ، وهو المناسب للقواعد، إذ لا يبتدأ بالاسم إذا كان نكرة، ولا مسوغ لها، ويكون الخبر معرفة، بل المستقر في لسانهم عكس هذا، إلا إن كان يرد في شعر، فيسمع ولا يقاس عليه. قال ابن عطية: وقيل هو الضمير المقدر في محرم قدم وأظهر. انتهى ما نقله في هذا القول. وهذا القول ضعيف جدا، إذ لا موجب لتقدم الضمير، ولا لبروزه بعد استتاره، ولأنه يؤدي إلى خلو اسم المفعول من ضمير، إذ على هذا القول يكون محرم خبرا مقدما، وإخراجهم مبتدأ، ولا يوجد اسم فاعل ولا مفعول عاريا من الضمير، إلا إذا رفع الظاهر. ولا يمكن هنا أن يرفع الظاهر، لأن الضمير المنفصل المقدم هو كان الضمير المرفوع بمحرم، ثم يبقى هذا الضمير لا يدري ما إعرابه، إذ لا جائز أن يكون مبتدأ، ولا جائز أن يكون فاعلا مقدما. قال ابن عطية: وقيل هو ضمير الإخراج، تقديره: وإخراجهم محرم عليكم. انتهى ما نقله في هذا القول، ولم يبين وجه ارتفاع إخراجهم،

(1/220)


ولا يتأتى على أن يكون هو ضميره، ويكون إخراجهم تفسيرا لذلك المضمر، إلا على أن يكون إخراجهم بدلا من الضمير. وقد تقدم أن في ذلك خلافا، منهم من أجاز ومنهم من منع.
{فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحيوة الدنيا} إلا خزي: استثناء مفرغ، وهو خبر المبتدأ. ونقض النفي هنا نقض لعمل ما على خلاف في المسألة، وتفصيل ذلك: أن الخبر إذا تأخر وأدخلت عليه إلا، فإما أن يكون هو الأول، أو منزلا منزلته، أو وصفا، إن كان الأول في المعنى، أو منزلا منزلته، لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور. وأجاز الكوفيون النصب فيما كان الثاني فيه منزلا منزلة الأول، وإن كان وصفا أجاز الفراء فيه النصب، ومنعه البصريون. ونقل عن يونس: إجازة النصب في الخبر بعد إلا كائنا ما كان، وهذا مخالف لما نقله أبو جعفر النحاس، قال: لا خلاف بين النحويين في قولك: ما زيد إلا أخوك، إنه لا يجوز إلا بالرفع. قال: فإن قلت ما أنت إلا لحيتك، فالبصريون يرفعون، والمعنى عندهم: ما فيك إلا لحيتك، وكذا: ما أنت إلا عيناك. وأجاز في هذا الكوفيون النصب، ولا يجوز النصب عند البصريين في غير المصادر، إلا أن يعرف المعنى، فتضمر ناصبا نحو: ما أنت إلا لحيتك مرة وعينك أخرى، وما أنت إلا عمامتك تحسينا ورداءك تزيينا.

(1/221)


{أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالأخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} والذين: خبر عن أولئك، فلا يخفف معطوف على الصلة، ويجوز أن يوصل الموصول بصلتين مختلفتين زمانا، تقول: جاءني الذي قتل زيدا بالأمس، وسيقتل غدا أخاه، إذ الصلاة هي جمل، فمن يشترط اتحاد زمان أفعالها بخلاف ما ينزل من الأفعال منزلة المفردات، فإنهم نصوا على اشتراط اتحاد الزمان مضيا أو غيره، وعلى اختيار التوافق في الصيغة، وجوز أن يكون أولئك مبتدأ، والذين بصلته خبرا. وفلا يخفف: خبر بعد خبر، وعلل دخول الفاء لأن الذين، إذا كانت صلته فعلا، كان فيها معنى الشروط، وهذا خطأ، لأن الموصول هنا أعربه خبرا عن أولئك، فليس قوله فلا يخفف خبرا عن الموصول، إنما هو خبر عن أولئك، ولا يسري للمبتدأ الشرطية من الموصول الواقع خبرا عنه. وجوز أيضا أن يكون أولئك مبتدأ، والذين مبتدأ ثان، وفلا يخفف خبر عن الذين، والذين وخبره خبر عن أولئك. قيل: ولم يحتج إلى عائد، لأن الذين هم أولئك، كما تقول: هذا زيد منطلق، وهذا خطأ، لأن كل جملة وقعت خبرا لمبتدأ فلا بد فيها من رابط، إلا إن كانت نفس المبتدأ في المعنى، فلا يحتاج إلى ذلك الرابط. وقد أخبرت عن أولئك بالمبتدأ الموصول وبخبره، فلا بد من الرابط. وليس نظير ما مثل به من قوله: هذا زيد منطلق، لأن زيد منطلق خبران عن هذا، وهما مفردان، أو يكون زيد بدلا من هذا، ومنطلق خبرا. وأما أن يكون هذا مبتدأ، وزيد مبتدأ ثانيا، ومنطلق خبرا عن زيد، ويكون زيد منطلق جملة في موضع الخبر عن هذا، فلا يجوز لعدم الرابط. وأيضا فلو كان هنا رابط، لما جاز هذا الإعراب، لأن الذين مخصوص بالإشارة إليه، فلا يشبه اسم الشرط، إذ يزول العموم باختصاصه، ولأن صلة الذين ماضية لفظا ومعنى. ومع هذين الأمرين لا يجوز دخول الفاء في الجملة الواقعة خبرا.

(1/222)


{ولا هم ينصرون}: جملة إسمية معطوفة على جملة فعلية، ويجوز أن تكون فعلية وتكون المسألة من باب الاشتغال، فيكون هم مرفوعا بفعل محذوف يفسره ما بعده، على حد قوله:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها
ويقوي هذا الوجه ويحسنه كونه تقدم قوله: {فلا يخفف}، وهو جملة فعلية، إذ لولا تقدم الجملة الفعلية لكان الأرجح الرفع على الابتداء، وذلك أن لا ليست مما تطلب الفعل، لا اختصاصا ولا أولوية، فتكون كان والهمزة خلافا لأبي محمد بن السيد، إذ زعم أن الحمل على الفعل فيما دخلت عليه لا، أولى من الابتداء، وبناء الفعل للمفعول أولى من بنائه للفاعل، لأنه أعم، إلا إن جعل الفاعل عاما، فيكون ولا هم ينصرهم أحد، فكان يفوت بذلك اختتام الفواصل بما اختتمت به قبل وبعد، ويفوت الإيجاز، مع أن قوله: {ولا هم ينصرون} يفيد ذلك، أعني العموم.

(1/223)


{ولقد ءاتينا موسى الكتب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا عيسى ابن مريم البينت وأيدنه بروح القدس أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون * وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون * ولما جآءهم كتب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكفرين * بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكفرين عذاب مهين * وإذا قيل لهم ءامنوا بمآ أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين * ولقد جآءكم موسى بالبينت ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظلمون * وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمنكم إن كنتم مؤمنين * قل إن كانت لكم الدار الأخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صدقين * ولن يتمنوه

(1/224)


أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظلمين * ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون }.
بئس: فعل جعل للذم، وأصله فعل، وله ولنعم باب معقود في النحو.
{ولقد ءاتينا موسى الكتب}: تقدم الكلام في هذه اللام، ويحتمل أن تكون للتأكيد، وأن تكون جواب قسم.

والكتاب هنا: التوراة، في قول الجمهور، والألف واللام فيه للعهد، إذ قرن بموسى وانتصابه على أنه مفعول ثان لآتينا. وقد تقدم أنه مفعول أول عند السهيلي، وموسى هو الثاني عنده.
{وقفينا}: هذه الياء أصلها الواو، إلا أنها متى وقعت رابعة أبدلت ياء، كما تقول: غزيت من الغزو. والتضعيف الذي في قفينا ليس للتعدية، إذ لو كان للتعدية لكان يتعدى إلى اثنين، لأن قفوت يتعدى إلى واحد. تقول: قفوت زيدا أي تبعته، فلو جاء على التعدية لكان: وقفيناه من بعده الرسل، وكونه لم يجىء كذلك في القرآن، يبعد أن تكون الباء زائدة في المفعول الأول، ويكون المفعول الثاني جاء محذوفا. ألا ترى إلى قوله: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم}(الحديد: 27)، ولكنه ضمن معنى جئنا، كأنه قال: وجئنا من بعده بالرسل، يقفو بعضهم بعضا، ومن في: من بعده}: لابتداء الغاية، والباء في بالرسل متعلقة بقفينا، والألف واللام يحتمل أن تكون للجنس الخاص، ويحتمل أن تكون للعهد.

(1/225)


{أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم}: الهمزة أصلها للاستفهام، وهي هنا للتوبيخ والتقريع. والفاء لعطف الجملة على ما قبلها، واعتنى بحرف الاستفهام فقدم، والأصل فأكلما. ويحتمل أن لا يقدر قبلها محذوف، بل يكون العطف على الجمل التي قبلها، كأنه قال: ولقد آتينا يا بني إسرائيل، آتيناكم ما آتيناكم. فكلما جاءكم رسول. ويحتمل أن يقدر قبلها محذوف، أي فعلتم ما فعلتم من تكذيب فريق وقتل فريق. وقد تقدم الكلام على كلما في قوله تعالى: {كلما رزقوا منها}(البقرة: 25)، فأغنى عن إعادته. والناصب لها قوله: استكبرتم}.
{ففريقا كذبتم}: ظاهره أنه معطوف على قوله: استكبرتم، فنشأ عن الاستكبار مبادرة فريق من الرسل بالتكذيب فقط، حيث لا يقدرون على قتله، وفريق بالقتل إذا قدروا على قتله. وتهيأ لهم ذلك، ويضمن أن من قتلوه فقد كذبوه. واستغنى عن التصريح بتكذيبه للعلم بذلك، فذكر أقبح أفعالهم معه، وهو قتله. وأجاز أبو القاسم الراغب أن يكون {ففريقا كذبتم} معطوفا على قوله: {وأيدناه}، ويكون قوله: أفكلما مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار. والأظهر في ترتيب الكلام الأول، وهذا أيضا محتمل، وأخر العامل وقدم المفعول ليتواخى رؤوس الآي، وثم محذوف تقديره: ففريقا منهم كذبتم.
{بل لعنهم الله بكفرهم}: بل: للإضراب، وليس إضرابا عن اللفظ المقول، لأنه واقع لا محالة، فلا يضرب عنه.

(1/226)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية