صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : نواسخ القرآن
مصدر الكتاب : الإنترنت
المؤلف : ابن الجوزي
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وعن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال سمعت إبراهيم قال هي منسوخة قال أحمد وحدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول قال كانت الرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا من ماله ما لم تخرج من بيته ثم نسخ ذلك بقوله يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ذكر الآية الرابعة والثلاثين قوله تعالى لا إكراه في الدين اختلف العلماء هل هذا القدر من الآية محكم أو منسوخ فذهب قوم إلى أنه محكم ثم اختلفوا في وجه إحكامه على قولين الأول أنه من العام المخصوص وأنه خص منه أهل الكتاب فإنهم لا يكرهون على الإسلام بل يخيرون بينه وبين أداء الجزية وهذا المعنى مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وكان السبب في نزول هذه الآية ما أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله البقال قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحق الكاذي قال أبنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا علي بن عاصم قال بنا داود بن أبي هند عن عامر قال كانت المرأة في الأنصار إذا كانت لا يعيش لها ولد تدعي المقلاة فكانت المرأة إذا كانت كذلك نذرت إن هي أعاشت كل ولدا تصبغه يهوديا فأدرك الإسلام طوائف من أولاد الأنصار وهم كذلك فقالوا إنما صبغناهم يهودا ونحن نرى أن اليهود خير عباد الأوثان فإما إذ جاء الله بالإسلام فإنا نكرههم على الإسلام فأنزل الله تعالى لا إكراه في الدين قال أحمد وحدثنا حسين قال بنا أبو هلال قال بنا داود قال قال عامر لا إكراه في الدين كانت تكون المرأة مقلاة في الجاهلية لا يعيش لها ولد فكانت تنذر

(1/92)


الله عليها إن عاش لها ولد لتسلمنه في خير دين تعلمه ولم يكن في الجاهلية دين أفضل من اليهودية فتسلمه في اليهودية فلما جاء الله بالإسلام قالوا يا نبي الله كنا لا نعلم أو لا نرى دينا أفضل من اليهودية فلما جاء الله بالإسلام نرتجعهم * فأنزل الله عز وجل لا إكراه في الدين لا تكرهوهم فلا ولا ترجعوهم منه قال أحمد وبنا وكيع قال بنا سفيان عن خصيف عن مجاهد قال كان ناس مسترضعون في بني قريظة فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام فنزلت لاإكراه في الدين أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا ابن جبرون وأبو طاهر الباقلاوي قالا أبنا ابن شاذان قال أبنا ابن كامل قال بنا محمد بن سعد قال أخبرني أبي قال حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما لا إكراه في الدين قال وذلك لما دخل الناس في الإسلام واعطى أهل الكتاب الجزية والثاني أن المراد به ليس الدين ما يدين به في الظاهر على جهة الإكراه عليه ولم يشهد به القلب وينطوي عليه الضمائر وإنما الدين هو المعتقد بالقلب وهذا قول أبي بكر بن الأنباري والقول الثاني أنه منسوخ لأن هذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف وهذا قول الضحاك والسدي وابن زيد أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود قال بنا جعفر بن محمد قال بنا عمرو بن طلحة القناد قال بنا أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي فأسنده إلى من فوقه لا إكراه في الدين قال نسخ وأمر بقتال أهل الكتاب في براءة

(1/93)


أخبرنا المبارك بن علي قال ابنا أحمد بن الحسن بن قريش قال أبنا أبو إسحاق البرمكى قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي
داود قال بنا حمر بن نوح قال بنا أبو معاذ قال بنا أبو مصلح عن الضحاك لا إكراه في الدين قال نزلت هذه الآية قبل أن يؤمر بالقتال قال أبو بكر وذكر المسيب بن واضح عن بقية ابن الوليد عن عتبة بن أبي حكيم عن سليمان بن موسى قال هذه الآية منسوخة لا إكراه في الدين نسختها يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ذكر الآية الخامسة والثلاثين قوله تعالى يا أيها الذيم آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه هذه الاية تتضمن الأمر بإثبات الدين في كتاب وإثبات الشهادة في البيع والدين واختلف العلماء هل هذا أمر وجوب أم استحباب فذهب الجمهور إلى أنه أمر ندب واستحباب أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر قال أبنا أبو محمد الجوهري قال أبنا محمد بن المظفر قال أبنا علي بن إسماعيل قال أبنا أبو حفص عمرو بن علي قال بنا معمر ابن سليمان قال سمعت أبي يقول سألت الحسن عن الرجل يبيع ولا يشهد فقال أليس ما قال الله عز وجل فإن أمن بعضكم بعضا قال أبو حفص وحدثنا يزيد بن زريع قال بنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال إن شاء أشهد

(1/94)


واخبرنا ابن حصين قال أبنا أبو طالب بن غيلان قال أبنا أبو بكر الشافعي قال أبنا إسحاق بن ميمون قال بنا موسى بن مسعود قال بنا الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال إن شاء أشهد وإن شاء لم أشهد ثم قرأ فإن آمن بعضكم بعضا فعلى هذا القول الآية محكمة وذهب آخرون إلى أن الكتابة والإشهاد واجبان وهو مروي عن ابن عمر وأبي موسى ومجاهد وعطاء وابن سيرين
والضحاك وأبي قلابة والحكم وابن زيد في آخرين ثم اختلف أرباب هذا القول هل سخ أم لا فذهب قوم منهم عطاء وإبراهيم إلى أنه لم ينسخ وذهب آخرون منهم أبو سعيد الخدري والشعبي وابن زيد إلى أنه نسخ بقوله فإن آمن بعضكم بعضا أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أبنا أبو محمد الجوهري قال أبنا محمد بن المظفر قال بنا علي بن إسماعيل بن حماد قال أبنا أبو حفص عمرو بن علي قال بنا محمد بن مروان قال بنا عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه عن أبي سعيد أنه قرأ هذه الآية إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه حتى بلغ فإن أمن بعضكم بعضا قال هذه نسخت ما قبلها أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله البقال قال أبنا بن بشران قال أبنا إسحاق الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا عفان قال بنا عبد الوارث

(1/95)


وأخبرنا محمد بن أبي القاسم قال بن أحمد بن أحمد قال بنا أبو نعيم الحافظ قال أبنا أحمد بن إسحاق قال بنا أبو يحيى الرازي قال بنا عبد الرحمن بن عمر قال بنا عبد الرحمن بن مهدي قال بنا محمد بن دينار كلاهما عن يونس عن الحسن واشهدوا إذا تبايعتم قال نسختها فإن أمن بعضكم بعضا قلت وهذا ليس بنسخ لأن الناسخ ينافي المنسوخ ولم يقل ههنا فلا تكتبوا ولا تشهدوا وإنما بين التسهيل في ذلك ولو كان مثل هذا ناسخا لكان قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا ناسخا للوضوء بالماء وقوله فمن لم يجد فصيام شهرين ناسخا قوله فتحرير رقبة والصحيح أنه ليس ههنا نسخ وأنه أمر ندب وقد اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرس شهد فيه خزيمة بلا إشهاد
أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا أبو إسحق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا محمد بن بشار قال بنا محمد قال بنا شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم أحدهم رجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه ذكر الآية السادسة والثلاثين قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله

(1/96)


أما إبداء ما في النفس فإنه العمل بما أضمره العبد أو نطق به وهذا مما يحاسب عليه العبد ويؤاخذ به فأما ما يخفيه في نفسه فاختلف العلماء في المراد بالمخفي في هذه الآية على القولين الأول أنه عام في جميع النخفيات: وهو قول الأكثرين ثم اختلفوا هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ على قولين الأول أنه منسوخ بقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها هذا قول علي وابن مسعود في آخرين أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحق الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا عبد العزيز يعني ابن ابان قال بنا إسرائيل عن السدي عمن سمع عليا رضي الله عنه قال نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله أحزنتنا وهمتنا فقلنا يحدث أحدنا نفسه فيحاسب به فلم ندر ما يغفر منه وما لم يغفر فنزلت بعدها فنسختها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريض قال أبنا اسحق
البرمكي قال ابنا محمد بن اسماعيل بن العباس قال ابنا بن أبي داود قال بنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد قال بنا حجاج قال بنا هشيم عن سيار أبي الحكم عن الشعبي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود في قوله إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال نسختها الاية التي تليها ولها ما كسبت وعليها ما اكتسبت

(1/97)


أخبرنا أبو بكر العامري قال أبنا أبو عبد الله الطوسي قال أبنا علي بن أحمد النيسابوري قال أبنا عبد القاهر بن ظافر قال أبنا محمد بن عبد الله بن علي قال أبنا محمد بن إبراهيم اليوشنجي قال أبنا أمية بن بسطام قال بنا يزيد بن زريع قال بنا روح بن القاسم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما أنزل الله عز وجل وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لو كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد الصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم أراه قال سمعنا وعصينا قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله عز وجل في إثرها آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه الآية كلها ونسخها الله تعالى فأنزل الله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الآية إلى آخرها أخبرنا عبد الوهاب قال أبنا أبو طاهر الباقلاوي قال أبنا ابن شاذان قال بنا عبد الرحمن بن الحسن قال بنا إبراهيم بن الحسين قال بنا آدم قال بنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله نسختها الآية التي بعدها لا يكلف الله نفسا
إلا وسعها أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله البقال قال أبنا ابن بشران قال بنا إسحاق الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا علي بن حفص قال بنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما لا يكلف الله نفسا إلا وسعها قال نسخت هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله

(1/98)


قال أحمد وحدثنا محمد بن حميد عن سفيان عن آدم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله شق ذلك على المسلمين قال فنزلت لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فنسختها أخبرنا بن ناصر قال بنا علي بن أيوب قال أبنا علي بن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال بنا أبو داود السجستاني قال بنا أحمد بن محمد بن ثابت قال حدثني علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال نسخت فقال الله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أخبرنا المبارك بن علي قال بنا ثأحمد بن الحسين قال أبنا أبو إسحاق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا علي بن سهل بن المغيرة قال بنا عفان قال بنا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نسختها الآية التي بعدها لها مت كسبت وعليها وما اكتسبت أخبرنا عبد الوهاب قال أبنا عاصم بن الحسن قال أبنا أبو عمر بن مهدي قال بنا الحسين بن إسماعيل المحاملي قال بنا يعقوب الدورقي قال بنا يزيد بن
هارون قال أبنا سفيان عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه تلا هذه الآية إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فدمعت عيناه فبلغ صنيعه ابن عباس رضي الله عنهما فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت فنسختها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أخبرنا ابن الحصين قال أبنا ابن المذهب قال أبنا أحمد بن جعفر قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا عبد الرزاق قال بنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال دخلت على ابن عباس فقلت يا ابن عباس كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى قال أية آية قلت إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال ابن عباس إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب

(1/99)


رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا يعني وقالوا يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا به وبما نعمل به فأما قلوبنا فليست بأيدينا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا قالوا سمعنا وأطعنا قال فنسختها هذه الآية آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون إلى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله البقال قال أبنا ابن بشران قال بنا إسحاق بن أحمد الكاذي بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا وكيع قال بنا سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير وعن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم وعن جابر عن مجاهد قال ونسخت هذه الآية لا يكلف الله نفسا إلا وسعها نسخت إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال أحمد وحدثنا معاوية بن عمرو قال بنا زايدة عن عطاء بن السائب عن سعيد
بن جبير قال لها ما أكسبت وعليها ما كسبت نسخت إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه قال أحمد وحدثنا يونس قال بنا حماد يعني ابن سلمة عن حميد عن الحسن إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال نسختها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها قال أحمد وحدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال نزلت هذه الآية فكبرت عليهم فأنزل الله تعالى بعدها آية فيها تيسير وعافية وتخفيف لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا أبو إسحق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل الوراق قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا زياد بن أيوب قال بنا هشيم عن يسار عن الشعبقال لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله كان فيها شد حتى نزلت الآية التي بعدها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فنسخت ما قبلها

(1/100)


قال أبو بكر وحدثنا إسحاق بن إبراهيم قال بنا الأسود عن حماد عن يونس عن الحسن وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه قال نسختها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإلى هذا القول ذهبت عائشة رضي الله عنها وعلي بن الحسين وابن شيرين وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد ومقاتل والقول الثاني أنه لم تنسخ ثم اختلف أرباب هذا القول على ثلاثة أقوال الأول أنه ثابت في المؤاخذة على العموم فيؤاخذ به من يشاء ويغفر لمن يشاء وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وابن عمر والحسن واختاره أبو سليمان الدمشقي والقاضي أبو يعلى والثاني أن المؤاخذة به واقعة لكن معناها إطلاع العبد على فعله السئ أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا أبو
إسحاق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا يعقوب بن سفيان قال بنا أبو صالح قال بنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال هذة الآية لم تنسخ ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لهم إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله يحاسبكم به الله يقول يخبركم به الله وفي رواية أخرى وأما الشرك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقال أبو بكر وحدثنا محمد بن أيوب قال بنا أحمد بن عبد الرحمن قال بنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس قال هي محكمة لم ينسخها شئ يقول يحاسبكم به الله يقول يعرفه يوم القيامة أنك أخفيت في صدرك كذا وكذا فلا يؤاخذه والثالث أن محاسبة العبد به تزول الغم والحزن والعقوبة والأذى في الدنيا وهذ قول عائشة رضي الله عنها

(1/101)


والقول الثاني أنه أمر به خاص في نوع من المخفيات ثم لأرباب هذا القول فيه قولان الأول أنه في الشهادة والمعنى إن تبدوا بها الشهود ما في أنفسكم من كتمان الشهادة أو تخفوه أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إسحاق البرمكي قال أبنل غير محمد بن إسماعيل قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا زياد بن أيوب
وأخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا عاصم بن الحسن قال أبنا أبو عمر بن مهدي قال أبنا أبو عبد الله المحاملي قال بنا يعقوب الدورقي وأخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال بنا الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا هشيم قال أبنا يزيد بن أبي زيادة عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه قال نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها قال أحمد وحدثنا يونس قال بنا حماد عن حميد عن عكرمة قال هذه في الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه وبهذا قال الشعبي والثاني أنه الشك واليقين أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيدالله البقال قال أبنا ابن بشران قال بنا إسحاق الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي وأخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا أبو إسحق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا المؤمل بن هشام قال بنا إسماعيل بن علية

(1/102)


وأخبرنا عبد الوهاب قال أبنا طاهر الباقلاوي قال أبنا ابن شاذان قال أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال بنا إبراهيم بن الحسين قال بنا آدم قال بنا ورقاء كلاهما عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من الشك واليقين فعلى هذه الآية محكمة قال ابن الأنباري والذي تختاره أن تكون الآية محكمة لأن النسخ إنما يدخل على الأمر بالمعروف والنهي وقال أبو جعفر النحاس لا يجوز أن يقع في مثل هذه الآية نسخ لأنها خبر وإنما التأويل أنه لما أنزل الله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اشتد عليهم ووقع في قلوبهم
منه شئ عظيم فنسخ ذلك قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أي نسخ ما وقع بقلوبهم أي أزاله ورفعه ذكر الآية السابعة والثلاثين قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها اختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة على قولين الأول أنها محكمة وأن الله تعالى إنما يكلف العباد قدر طاقتهم فحسب وهذا مذهب الأكثرين والثاني أنها اقتضت التكليف بمقدار الوسع بحيث لا ينقص منه فنزل قوله تعالى يريد الله بكم اليسر وذلك ينقص عن مقدار الوسع فنسختها والقول الأول أصح

(1/103)


باب ذكر الآيات اللواتي أدعي عليهن النسخ في سورة آل عمران
ذكر الآية الأولى قوله تعالى وإن تولوا فإنما عليك البلاغ قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون القتال ثم نسخ بآية السيف وقال بعضهم لما كان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمانهم مزعجا نفسه في الاجتهاد في ذلك سكن جأشه بقوله إنما أنت نذير وإنما عليك البلاغ والمعنى لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح فعلى هذا لا نسخ ذكر الآية الثانية قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة قد نسب قوم إلى أن المراد بالآية اتقاء المشركين أن يوقعوا فتنة أو ما يوجب القتل والفرقة ثم نسخ ذلك بآية السيف وليس
هذا بشئ وإنما المراد من الآية جواز اتقائهم إذا أكرهوا المؤمن على الكفر بالقول الذي لا يعتقده وهذا الحكم باق غير منسوخ وهو المراد بقوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي قالا أبنا ابن شاذان قال أبنا أحمد بن كامل قال حدثني محمد بن سعد العوفي قال حدثني أبي

(1/104)


قال حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس إلا أن تتقوا منهم تقاة والتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية أحمد الله فتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك لا يضره وأخبرنا عبد الوهاب قال أبنا أبو طاهر الباقلاوي قال أبنا ابن شاذان قال أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال أبنا إبراهيم بن الحسين قال بنا آدم قال بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد إلا أن تتقوا منهم تقاة قال إلا مصانعة في الدين وقد زعم إسماعيل السدي أن قوله لا يتخذ المؤمنين الكافرون أولياء منسوخة يقول إلا أن تتقوا منهم تقاة ومثل هذا ينبغي تنزيه الكتب عن ذكره فضلا عن رده فإنه قول من لا يفهم ما يقول ذكر الآية الثالثة والرابعة والخامسة قوله تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم إلى قوله ينظرون اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآيات على ثلاثة أقوال الأول أنها نزلت في الحارث بن سويد كان قد أسلم ثم ارتد ولحق بقومه فنزلت فيه هذه الآيات فحملها إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فرجع وأسلم قاله مجاهد والثاني أنها نزلت في عشرة آمنوا ثم ارتدوا ومنهم طعمة ووحوح والحارث بن سويد فندم منهم الحارث وعاد إلى الإسلام رواه أبو صالح عن ابن عباس رضي الله
عنهما

(1/105)


والثالث أنها نزلت في أهل الكتاب آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ثم كفروا به رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الحسن وقوله كيف يهدي الله قوما كفروا استفهام في معنى الجحد أي لا يهديهم الله وفيه طرف من التوبيخ كما يقول الرجل لعبده كيف أحسن إلى من لا يطيعني أي لست أفعل ذلك والمعنى أنه لا يهدي من عاند بعد أن بان له الصواب وهذا محكم لدخول النسخ عليه وقد زعم قوم منهم السدي أن هذه الآيات منسوخات بقوله إلا الذين تابوا من بعد ذلك أخبرنا ابن المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا محمد بن الحسين قال بنا أحمد بن الفضل قال بنا أسباط عن السدي كيف يهدي الله قوما كفروا قال نزلت في الحارث ثم أسلم فنسخها الله عز وجل فقال إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا قلت وقد بينا فيما تقدم أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو مبين أن اللفظ الأول لم يرد به العموم وإنما المراد به من عاند ولم يرجع إلى الحق بعد وضوحه ويؤكد هذا أن الآيات خبر والنسخ لا يدخل على الأخبار بحال ذكر الآية السادسة قوله تعالى ولله على الناس حج البيت قال السدي هذا الكلام تضمن وجوب الحج الخلق الغني والفقير والقادر والعاجز ثم نسخ في حق عادم الاستطاعة بقوله من استطاع إليه سبيلا قلت وهذا قول قبيح وإقدام بالرأي الذي لا يستند إلى معرفة اللغة العربية التي
نزل بها القرآن على الحكم بنسخ القرآن وإنما الصحيح ما قاله النحويون كافة في هذه

(1/106)


الآية فإنهم قالوا من بدل من الناس وهذا بدل البعض كما يقول ضربت زبدا برأسه فيصير تقدير الآية ولله على من استطاع من الناس الحج أن يحج ذكر الآية السابعة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته اختلف العلماء هل هذا محكم أو منسوخ على قولين القول الأول أنه منسوخ أخبرنا أبو بكر بن حبيبب العامري قال أبنا علي بن الفضل قال لنا ابن عبد الصمد قال أبنا ابن عبد الله بن حموية قال أبنا إبراهيم بن حريم قال أبنا عبد الحميد قال بنا إبراهيم عن أبيه عن عكرمة اتقوا الله حق تقاته قال ابن عباس فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله عز وجل بعد ذلك فاتقوا الله ما استطعتم قال عبد الحميد وأبنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة اتقوا الله حق تقاته قال نسختها فاتقوا الله ما استطعتم أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا عبد الرزاق قال بنا معمر عن قتادة في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قال أن يطاع فلا يعصى ثم نسخها قوله فاتقوا الله ما استطعتم أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا أبو إسحاق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا يعقوب بن سفيان قال بنا ابن بكير قال بنا أبي لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال لما نزلت اتقوا الله حق تقاته اشتد على القوم العمل

(1/107)


فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تخفيفا عن المسلمين فاتقوا الله ما استطعتم فنسخت الآية الأولى وعن أبي لهيعة عن أبي صخر عن محمد بن كعب اتقوا الله حق تقاته قال نسختها فاتقوا الله ما استطعتم قال أبو بكر وحدثنا محمد بن الحسين بن أبي حنيف قال أبنا أحمد بن المفضل قال أبنا أسباط عن السدي قال أما حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر فلم يطق الناس هذا فنسخها الله عنهم فقال اتقوا الله ما استطعتم وإلى هنا ذهب الربيع بن أنس وابن زيد ومقاتل بن سليمان ومن نص هذا القول قال حق تقاته هو القيام له بجميع ما يستحقه من طاعة واجتناب معصية قالوا هذا أمر تعجز الخلائق عنه فكيف بالواحد منهم فوجب أن تكون منسوخة وأن تعلق الأمر بالاستطاعة ويوضح هذا ما أخبرنا به يحيى بن علي المدير قال أبنا أبو الحسين بن المنصور قال أبنا أحمد بن محمد الحرزي قال أبنا البغوي قال بنا محمد بن بكار قال بنا محمد بن طلحة عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه اتقوا الله حق تقاته قال أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر والقول الثاني أنها محكمة أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إسحاق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا يعقوب بن سفيان قال بنا أبو صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما اتقوا الله حق تقاته قال لم تنسخ

(1/108)


ولكن حق تقاته ان تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وهذا مذهب طاؤس وهو الصحيح لأن التقوى هو اجتناب ما نهى الله عنه ولم ينه عن شئ ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة كم قال عز وجل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فالآيتان متوافقتان والتقدير اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يستطاع فحكموا بالنسخ وقد رد عليهم وذلك قوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإنما قوله حق تقاته كقوله حق جهاده الحق ها هنا بمعنى الحقيقة ثم إن هفوة المذنب لا تنافي ان يكون مكلفا للتحفظ وإنما شرع الاستغفار والتوبة بوقوع الهفوات وقال أبو جعفر النحاس معنى قول الاولين نسخت هذه الآية أي أنزلت الأخرى بنسختها وهما واحد وإلا فهذا لا يجوز أن ينسخ لأن الناسخ هو المخالف للمنسوخ من جميع جهاته الرافع له المزيل حكمه وقال ابن عقيل ليست منسوخة لأن قوله ما استطعتم بيان لحق تقاته وأنه تحت الطاقة فمن سمى بيان القرآن نسخا فقد أخطأ وهذا في تحقيق الفقهاء يسمى تفسير مجمل أو بيان مشكل وذلك أن القوم ظنوا أن ذلك تكليف ما لا يطاق فأزال الله أشكالهم فلو قال لا تتقوه حق تقاته كان نسخا وإنما بين أني لم أرد بحق التقاة ما ليس في الطاقة ذكر الآية الثامنة قوله تعالى لن يضروكم إلا أذى قال جمهور المفسرين معنى الكلام لن يضروكم ضرا باقيا في جسد أو مال إنما هو شئ يسير سريع الزوال وتثابون عليه

(1/109)


وهذا لا ينافي الأمر بقتالهم فالآية محكمة على هذا ويؤكده أنها خبر والأخبار لا
تنسخ وقال السدي الإشارة إلى اهل الكتاب وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم فنسخت بقوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر والأول أصح ذكر الآية التاسعة قوله تعالى ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها جمهور العلماء على أن هذا الكلام محكم واستدلوا عليه بشيئين الأول أنه خبر والخبر لا يدخله النسخ والثاني أنهم قالوا ما احد إلا وله من الدنيا نصيب مقدر ولا يفوته ما قسم له فمن كانت همته ثواب الدنيا اعطاه الله منها ما قدر له وذلك هو الذي يشاؤه الله وهو المراد بقوله عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ولم يقل يؤته منها ما يشاء هو ويمكن أن يكون المعنى لمن يريد أن يفتنه أو يعاقبه وذهب السدي إلى أنه منسوخ بقوله من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وليس هذا بقول من يفهم الناسخ والمنسوخ فلا يعول عليه ذكر الآية العاشرة قوله تعالى وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور الجمهور على إحكام هذه الآية لأنها تضمنت الأمر بالصبر والتقوى ولا بد للمؤمن من ذلك وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف

(1/110)


باب ذكر الآيات اللواتي إدعي عليهن النسخ في سورة النساء
وهي ست وعشرين ذكر الآية الأولى قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف
اتفق العلماء على أن الوصي الغني لا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئا وقالوا معنى قوله فليستعفف أي بمال نفسه عن مال اليتيم فإن كان فقيرا فلهم في المراد بأكله بالمعروف أربعة أقوال القول الأول أنه الاستقراض منه روى حارثه بن مضرب قال سمعت عمر يقول إني انزلت مال الله مني بمنزلة اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت اكلت بالمعروف ثم قضيت أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي قالا أبنا أبو علي بن شاذان قال أبنا أحمد بن كامل قال أبنا محمد بن سعد قال حدثني أبي قال عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما فيأكل بالمعروف قال يستقرض منه فإذا وجد ميسرة فليقض ما يستقرض فذلك أكله بالمعروف

(1/111)


أخبرنا عبد الوهاب قال أبنا أبو طاهر قال أبنا ابن شاذان قال أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال أبنا إبراهيم بن الحسين قال أبنا آدم قال أبنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال يأكل بالمعروف يعني سلفا من مال يتيمه وهذا القول مذهب عبيدة السلماني وأبي وائل وسعيد بن جبير وأبي العالية ومقاتل وقد حكى الطحاوي عن أبي حنيفة مثله وروى يعقوب بن حيان عن أحمد بن حنبل مثله القول الثاني أن الأكل بالمعروف أن ياكل من غير إسراف أخبرنا ابن الحصين قال أبنا ابن غيلان قال أبنا أبو بكر الشافعي قال بنا إسحاق بن الحسن قال أبنا موسى بن مسعود قال بنا الثوري قال بنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال ما يسد الجوع ويواري العورة وقد روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم ولا يلبس عمامة
وقال الحسن وعطاء ومكحول يأخذ ما يسد الجوع ويواري العورة ولا يقضي إذا وجد قال عكرمة والسدي يأكل بأطراف أصابعة بعد ولا يسرف في الأكل ولا يكتسي منه وهذا مذهب قتادة والقول الثالث أنه يقول مال اليتيم بمنزلة الميتة يتناول منه عند الضرورة فإذا أيسر قضاء وإن لم يوسر فهو في حل قاله الشعبي

(1/112)


وأخبرنا عبد الوهاب قال أبنا أبو طاهر الباقلاوي وقال أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال أبنا إبراهيم بن الحسين قال بنا آدم قال بنا ورقاء عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال يأكل والي اليتيم من مال اليتيم قوته ويلبس منه ما يشتره ويشرب فضل اللبن ويركب فضل الظهر فإن أيسر قضاه وإن أعسر كان في حل فهذه الأقوال الثلاثة تدل على جواز الأخذ عند الحاجة وإن اختلف أربابها في القضاء القول الرابع أن الأكل بالمعروف أن يأخذ الولي بقدر أجرته إذا عمل لليتيم عملا وروى القاسم بن محمد أن رجلا أتى ابن عباس فقال ليتيم لي إبل فما لي من إبله قال إن كنت تلوظ يقول حياضها وتهنأ جرباها وتبغي ضالتها وتسعى عليها فاشرب غير ناهك بحلب ولا ضار بنسل أخبرنا عبد الوهاب قال أبنا أبو طاهر قال أبنا ابن شاذان قال أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال أبنا إبراهيم بن الحسين قال بنا آدم بنا ورقاء عن ابن نجيح عن عطاء بن أبي رباح قال يضع يده مع أيديهم ويأكل معهم بقدر خدمته وقدر عمله وقد روى أبو طالب وابن منصور عن أحمد بن حنبل مثل هذا
فصل
وعلى هذه الأقوال الآية محكمة وقد ذهب قوم إلى نسخها فقالوا كان هذا في أول الأمر ثم نسخت بقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقد حكى هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما

(1/113)


أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا بن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا حجاج عن ابن جريح عن عطاء الخراساني عن أبن عباس رضي الله عنهما ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال نسخ من ذلك الظلم والإعتداء فنسخها إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال بنا أبو إسحاق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال محمد بن سعد قال حدثني أبي عن الحسين عن الحسن عن عطية عن أبن العباس رضي الله عنهما في قوله ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف نسختها الآية التي تليها إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية قلت وهذا مقتضى قول أبي حنيفة أعني النسخ لأن المشهور عنه أنه لا يجوز للوصي الأخذ من مال اليتيم عند الحاجة على وجه القرض وإن أخذ ضمن وقال قوم لو أدركته ضرورة جاز له أكل الميتة ولا يأخذ من مال اليتيم شيئا ذكر الآية الثانية قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون قد زعم بعض من قل علمه وعزب فهمه من المتكلمين في الناسخ والمنسوخ أن هذه الآية نزلت في إثبات نصيب النساء مطلقا من غير تحديد لأنهم كانوا لا يؤرثون الذي النساء ثم نسخ ذلك بآية المواريث وهذا قول مردود في الغاية وإنما أثبتت هذه الآية ميراث النساء في
الجملة وثبت آية المواريث مقداره ولا وجه للنسخ بحال

(1/114)


ذكر الآية الثالثة قوله تعالى وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه اختلف العلماء في هذه الآية على قولين الأول أنها محكمة فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أن الناس يزعمون أن هذه الآية نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس به وأخبرنا إسماعيل بن أحمد قال بنا عمر بن عبيد الله البقال قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا يحيى بن آدم قال بنا الأشجعي عن سفيان عن أبي إسحاق الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما وإذا حضر القسمة أولو القربى قال هي محكمة وليست بمنسوخة قال وكان ابن عباس إذا ولي رضخ وإذا كان المال فيه قلة اعتذر إليهم وذلك القول المعروف قال أحمد وبنا عبد الصمد قال بنا همام قال بنا قتادة قال الأشعري ليست بمنسوخة وقال أحمد وبنا عبد الوهاب عن سعيد عن مطر عن الحسن قال والله ما هي بمنسوخة وإنها الثابتة ولكن الناس بخلوا وشحوا وكان الناس إذ قسم الميراث حضر الجار والفقير واليتيم والمسكين فيعطونهم من ذلك قال أحمد وبنا هشيم قال أبنا أبو بشر عن سعيد بن جبير قال وأبنا مغيرة

(1/115)


عن إبراهيم قالا هي محكمة وليست بمنسوخة قال أحمد وبنا يزيد قال أبنا سفيان ابن حسين قال سمعت الحسن ومحمدا يقولان في هذه الآية إذا حضر القسمة أولو القربى هي مثبتة لم تنسخ وكانت القسمة إذا حضرت حشضر لأن هلاؤء وقد فرضخ لهم
منها وأعطوا قال أحمد وبنا يحيى بن آدم قال بنا الأشجعي عن سفيان عن مغيرة عن ابراهيم والشعبي وإذا حضر القسمة أولو القربى قالا هي محكمة وليست أحمد وبنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري أنها محكمة لم تنسخ وممن ذهب إلى إحكامها عطاء وأبو العالية ويحيى بن يعمر ثم اختلف من قال بإحكامها علي في الأمر المذكور فيها فذهب أكثرهم إلى أنه على سبيل الإستحباب والندب وهو الصحيح وذهب بعضهم إلى أنه على الوجوب القول الثاني أنها منسوخة أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال بنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا حجاج عن ابن جريح عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه فنسختها آية الميراث فجعل لكل إنسانا نصيبا مما ترك مما قل منه أو كثر قال أحمد وبنا يحيى ابن آدم قال بنا الأشجعي عن سفيان عن السدي عن أبي مالك وإذا حضر القسمة قال نسختها آية الميراث أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر حتى الباقلاوي قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أحمد بن كامل قال أبنا محمد بن سعد

(1/116)


قال حدثني أبي قال حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا يعني عند قسمة الميراث وذلك قبل أن ينزل الفرائض وأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال
نسختها يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين الآية وأخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال قال سعيد بن المسيب كانت هذه قبل الفرائض وقسمة الميراث فلما جعل الله لأهل الميراث ميراثهم صارت منسوخة قال أحمد وبنا عبد الصمد قال بنا همام قال بنا قتادة عن سعيد بن المسيب انها منسوخة قال كانت قبل الفرائض وكان ما ترك من مال أعطي منه الفقراء والمساكين واليتامى وذوي القربى إذا حضروا القسمة ثم نسخ بعد ذلك نسخها المواريث فألحق الله لكل ذي حق حقه فصارت وصية من ماله يوصي بها لذي قرابته وحيث يشاء أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا ابراهيم بن عمر البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب قال حدثني يحيى بن يمان عن سفيان عن السدي عن أبي مالك إذا حضر القسمة قال نسختها آية الميراث قال أبو بكر وبنا يعقوب بن سفيان قال بنا عبد الله بن عثمان قال أبنا عيسى بن عبيد الكندي قال بنا عبيد الله مولى عمر بن مسلم أن الضحاك بن مزاحم قال في قوله

(1/117)


إذا حضر القسمة أولو القربى قال نسختها آية الميراث وقال عكرمة نسختها لآية الفرائض وممن ذهب إلى هذا القول قتادة وأبو الشعثاء وأبو صالح وعطاء في رواية ذكر الآية الرابعة قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا في المخاطبين
بهذه الآية ثلاثة أقوال القول الأول أنه خطاب للحاضرين عند الموصي ثم في معنى الكلام على هذا القول قولان الأول أن المعنى وليخش الذين لو تركوا وليخش الذين يحضرون موصيا يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله فيمن لا يرثه فيفرقه ويترك ورثته ولكن ليأمروه تعالى أن يبقى ماله لأولاده كما لو كانوا هم الذين يوصون لسرهم أن يحثهم من حضرهم على حفظ الأموال للأولاد وهذ المعنى مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل والثاني على الضد وهو أنه نهى لحاضري الموصي عند الموت أن يمنعوه عن الوصيه لأقاربه وأن يأمروه الاقتصار على ولده وهذا قول مقسم وسليمان التميمي

(1/118)


القول الثاني أنه خطاب لأولياء اليتامى راجع إلى قوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا فقال تعالى يعني أولياء اليتامى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله فيمن ولوه من اليتامى وليحسنوا فإن إليهم في أنفسهم وأموالهم كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم لو ماتوا هم إليهم وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا والقول الثالث أنه خطاب للأوصياء بإجراء الوصية على ما رسم الموصي وأن يكون الوجوه التي فيها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل ثم نسخ ذلك بقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو اثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه فأمر بهذه الآية إذا وجد الوصي من الموصي في الوصية جنفا أو ميلا عن الحق فعليه الإصلاح في ذلك واستعمال قضية الشرع ورفع الحال الواقع في الوصية
ذكره شيخنا علي بن عبيد الله وغيره وعلى هذا القول تكون الآية منسوخة وعلى الأقوال قبلها هي محكمة والنسخ منها بعيد لأنه إذا أوصى بجور لم يجز أن يجري على ما أوصى ذكر الآية الخامسة قوله تعالى الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما قد توهم قوم لم يرزقوا فهم التفسير وفقهه أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى وإن تخالطوهم فإخوانكم وأثبتوا ذلك في كتب الناسخ والمنسوخ ورووه عن ابن عباس رضي الله عنهما وإنما المنقول عن ابن عباس ما أخبرنا به المبارك بن علي قال أبنا أحمد ابن الحسين بن قريش قال أبنا أبو إسحاق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن

(1/119)


العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا عمرو بن علي بن بحر قال بنا عمران بن عيينة قال بنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما قال كان في حجر الرجل اليتيم فعزل طعامه وشرابه فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى إن تخالطوهم فاخوانكم فأحل لهم طعامهم وقال سعيد بن جبير لما نزلت الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما عزلوا أموالهم من أموال اليتامى وتحرجوا من مخالطتهم فنزل قوله تعالى إن تخالطوهم فاخوانكم وهذا ليس على سبيل النسخ لأنه لا خلاف أن أكل أموال اليتامى ظلما حرام وقال أبو جعفر النحاس هذه الآية لا يجوز فيها ناسخ ولا منسوخ لأنها خبر ووعيد ونهي عن الظلم والتعدي ومحال نسخ هذا فإن صح ما ذكروا عن ابن عباس فتأويله من اللغة أن هذه الآية على نسخ تلك الآية وزعم بعضهم أن ناسخ هذه الآية قوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وهذا قبيح لأن الأكل بالمعروف ليس بظلم فلا تنافي بين الآيتين
ذكر الآية السادسة والسابعة قوله تعالى والآتي يأتين الفاحشة من نسائكم وقوله واللذان يأتيانها منكم فآذوهما الآيتان أما الآية الأولى فإنها دلت على أن حد الزانية كان أول الإسلام الحبس إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلا وهو عام في البكر والثيب والآية الثانية اقتضت أن حد الزانيين الأذى فظهر من الآيتين أن حد المرأة كان الحبس والأذى جميعا وحد الرجل كان الأذى فقط لأن الحبس ورد خاصا في النساء والأذى ورد عاما في الرجل والأمرأة عمر وإنما خص النساء في الآية الأولى بالذكر لأنهن ينفردن بالحبس دون الرجال وجمع بينهما في الآية الثانية لأنهما يشتركان في الأذى

(1/120)


ولا يختلف العلماء في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين أعني الحبس والأذى وإنما اختلفوا بماذا نسخا فقال قوم نسخا بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا أبو إسحاق البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا يعقوب بن سفيان قال بنا أبو صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن علي ابن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما واللآتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم قال كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت وكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعبير والضرب بالنعال فنزلت الزانية والواني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا أبو طاهر الباقلاوي قال أبنا أبو علي بن شاذان قال أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال أبنا إبراهيم بن الحسين قال بنا آدم
قال بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فآذوهما يعني سبا ثم نسختها الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال بنا عمربن عبيد الله قال بنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا عبد الرزاق قال بنا معمر عن قتادة فامسكوهن في البيوت حنى يتوفاهن الموت قال نسختها الحدود قال أحمد وبنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة واللآتي يأتين الفاحشة من نسائكم قال كانت هذه الآية قبل الحدود ثم أنزلت واللذان يأتيانها منكم

(1/121)


فآذوهما قال كانا يؤذيان بالقول والشم وتحبس المرأة ثم إن الله تعالى نسخ ذلك فقال الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة قال أحمد وبنا علي بن حفص عن ابن أبي نجيح عن مجاهد واللذان يأتيانها منكم فآذوهما قال نسخته الآية التي في النور بالحد المفروض قال قوم نسخ هذان الحكمان بحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة قالوا فنسخت الآية بهذا الحديث وهؤلاء يجيزون نسخ القرآن بالسنة وهذا قول مطرح لأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة لكان ينبغي أن يشترط التواتر في ذلك الحديث فأما أن ينسخ القرآن بأخبار الآحاد فلا يجوز ذلك وهو من أخبار الآحاد وقال الآخرون السبيل الذي جعل الله لهن هو الآية الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة قال آخرون بل السبيل قرآن نزل ثم رفع رسمه وبقي حكمه وظاهر حديث عبادة يدل على ذلك لأنه قال قد جعل الله لهن سبيلا فأخبر أن الله تعالى جعل لهن السبيل الظاهر أنه بوحي
بل تستقر تلاوته وهذا يخرج على قول من لا يرى نسخ القرآن بالسنة وقد اختلف الأول أنه نزل به قرآن ثم نسخ لفظه وانعقد الإجماع على بقاء حكمه والثاني أنه ثبت بالسنة ذكر الآية الثامنة والتاسعة قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة وقوله وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت

(1/122)


الآن الآيتان إنما سمى فاعل الذنب جاهلا لأن فعله مع العلم بسوء مغبته فأشبه من جهل المغبة والتوبة من قريب ما كان قبل معاينة الملك فإذا حضر الملك النبي لسوق الروح لم تقبل ثوبه لأن الإنسان حينئذ يصير كالمضطر إلى التوبة فمن تاب قبل ذلك قبلت توبته أو أسلم عن كفر قبل إسلامه وهذا أمر ثابت محكم وقد زعم بعض من لا فهم له أن هذا الأمر أقر على هذا في حق أرباب المعاصي من المسلمين ونسخ حكمه في حق الكفار بقوله ولا الذين يموتون وهم كفار هذا ليس بشئ فإن حكم الفريقين واحد ذكر الآية العاشرة قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف هذا كلام محكم عند عامة العلماء ومعنى قوله إلا ما قد سلف أي بعدما قد سلف في الجاهلية فإن ذلك معفو عنه وزعم بعض من قل فهمه أن الاستثناء نسخ ما قبله وهذا تخليط لا حاصل له ولا يجوز أن يلتفت إليه من جهتين الأول أن الاستثناء ليس بنسخ والثاني أن الاستثناء عائد إلى مضمر تقديره فإن فعلتم عوقبتم إلا ما قد سلف فإنكم لا تعاقبون عليه فلا معنى للنسخ ههنا
ذكر الآية الحادية عشر قوله تعالى وإن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وهذه حكمها حكم التي قبلها وقد زعم الزاعم هناك أن هذه كتلك في أن الاستثناء ناسخ لما قبله وقد بينا رذولة وإن القول

(1/123)


ذكر الآية الثانية عشرة قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم وقد ذكر في هذه الاية موضعان منسوخان الأول قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم هذا عند عموم العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها وليس هذا على سبيل النسخ وقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ وأما الموضع الثاني فقوله تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن اختلف العلماء في المراد بهذا الاستمتاع على قولين الأول أنه النكاح والأجور المهور وهذا مذهب ابن عباس ومجاهد والجمهور والثاني أنه المتعة التي كانت في أول الام كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى ويشهد شاهدين فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل قاله قوم منهم السدي ثم اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة فقال قوم هي محكمة أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا أبو علي بن شاذان قال حدثنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال بنا محمد بن المثنى قال بنا محمد
ابن جعفر قال بنا شعبة عن الحكم قال سألته عن هذه الآية فما استمتعتم به منهن أمنسوخة هي قال لا قال الحكم وقال علي رضي الله عنه لولا أن عمر

(1/124)


نهى عن المتعة فذكر شيئا وقال آخرون هي منسوخة واختلفوا بماذا نسخت على قولين الأول بإيجاب العدة أخبرنا ابن ناصر قال أبنا علي بن أيوب قال أبنا أبو علي بن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال أبنا أحمد بن محمد قال أبنا هاشم بن مخلد عن ابن المبارك عن عثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة فنسختها يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء واللاتي يئس من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والثاني أنها نسخت بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة وهذا القول ليس بشئ وجهين الأول أن الآية سبقت لبيان عقدة النكاح بقوله محصنين أي متزوجين عاقدين النكاح فكان معنى الاية فما استمتعتم به منهن على وجه النكاح الموصوف فآتوهن مهورهن وليس في الآية ما يدل على أن المراد نكاح المتعة الذي نهى عنه ولا حاجة إلى التكلف وإنما جاز المتعة برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم منع منها والثاني أنه لو كان ذلك لم يجز نسخه بحديث واحد ذكر الآية الثالثة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل هذه
الآية عامة في أكل الإنسان مال نفسه واكله مال غيره بالباطل فاما أكله مال نفسه

(1/125)


بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله عز وجل وأما أكل مال الغير بالباطل فهو تناوله على الوجه المنهي عنه سواء كان غصبا من مالكه أو كان برضاه إلا أنه منهي عنه شرعا مثل القمار والربا وهذه الآية محكمة والعمل عليها أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال ابنا بن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا أسود بن عامر قال أبنا سفيان عن ربيع عن الحسن لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال ما نسخها شئ قال أحمد محدثنا حسين بن محمد قال بنا عبيد الله عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو أن مسروقا قال في هذه الآية لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال إنها لمحكمة ما نسخت وقد زعم بعض منتحلي التفسير ومدعي علم الناسخ والمنسوخ أن هذه الآية لما نزلت تحرجوا من أن يواكلوا الأعمى والأعرج والمريض وقالوا أن الأعمى لا يبصر أطيب الطعام والأعرج لا يتمكن من المجلس والمريض لا يستوفي الأكل فأنزل الله عزوجل ليس على الأعمى حرج الآية فنسخت هذه الآية وهذا ليس بشئ ولأنه لا تنافي بين الآيتين ولا يجوز أكل المال بالباطل بحال وعلى ما قد زعم هذا القائل قد كان يجوز أكل المال بالباطل ذكر الآية الرابعة عشرة قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم اختلف المفسرون في المراد بهذه المعاقدة على ثلاثة أقوال الأول أنها المحالفة التي كانت في الجاهلية واختلف هؤلاء على ما كانوا يتعاقدون على ثلاثة أقوال

(1/126)


الأول على أن يتوارثوا أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني حجاج عن ابن جريح عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما والذين عقدت أيمانكم قال كان الرجل فبل الإسلام يعاقد الرجل فيقول ترثني وأرثك فنسختها هذه الآية وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض الآية أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال أبنا أحمد بن محمد المروزي قال بنا علي كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر فنسخ ذلك قوله وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض وقال الحسن كان الحسن كان الرجل يعاقد الرجل على أنها إذا مات أحدهما ورثه الآخر فنسختها آية المواريث والثاني أنهم يتعاقدون على أن يتناصروا ويتعاقلوا كما في الجناية والثالث أنهم كانوا يتعاقدون على جميع ذلك أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا بن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا عبد الرزاق قال قال بنا معمر عن قتادة في قوله والذين عقدت أيمانكم قال كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس ثم نسخ ذلك بالميراث فقال وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله

(1/127)


فصل وهل أمروا في الشريعة أن يتوارثوا بذلك فيه قولان الأول أنهم أمروا أن يتوارثوا بذلك فمنهم من كان يجعل لحليفه السدس من ماله ومنهم من كان يجعل له سهما غيرذلك فإن لم يكن له وارث فهو أحق بجميع ماله أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر البلقلاوي هو قالا أبنا ابن شاذان قال أبنا أحمد بن كامل قال أبنا محمد بن سعد العوفي قال حدثني أبي قال حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما والذين عقدت أيمانكم قال كان الرجل في الجاهلية يلحق به الرجل فيكون تابعه فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث وبقي تابعه ليس له شئ فأنزل الله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم وكان يعطى من ميراثه فأنزل اله تعالى بعد ذلك وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله قلت وهذا القول أعني نسخ الآية بهذه الآية قول جمهور العلماء منهم الثوري والأوزا وسلم ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وقال أبو حنيفة هذا الحكم ليس بمنسوخ غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة فإذا فقد ذوي الأرحام ورثوا وكانوا احق به من بيت المال والثاني أنهم لم يؤمروا بالتوارث بذلك بل أمروا بالتناصر وهذا حكم باق لم ينسخ وقد قال عليه السلام لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة وأراد بذلك النصرة والعون وأراد بقوله لا حلف في الإسلام أن الإسلام قد استغنى عن ذلك بما أوجب الله تعالى على المسلمين بعضهم

(1/128)


لبعض من التناصر وهذا قول جماعة منهم سعيد بن جبير وقد روى عن مجاهد أنهم ينصرونهم ويعقلون عنهم
أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا وكيع قال بنا سفيان عن منصور عن مجاهد والذين عقدت أيمانكم قال هم الحلفاء فآتوهم نصبهم من العقل والمشورة والنصرة ولا ميراث والقول الثاني أن المراد بالمعاقدة المؤاخاة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال بنا هرون بن عبد الله قال بنا أبو أسامة قال حدثني إدريس بن يزيد قال بنا طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان المهاجرين حين قدموا المدينة يورثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت فآتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة والرفادة ويوصي لهم وقد ذهب الميراث وروى أصبغ عن ابن زيد والذين عقدت أيمانكم قال الذين عاقد بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتوهم نصيبهم إذا لم يأت ذو رحم يحول بينهم قال وهذا لا يكون اليوم إنما كان هذا في نفر آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انقطع ذلك ولا يكون هذا لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم

(1/129)


القول الثالث أنها نزلت في الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية فأمروا أن يوصوا لهم عند الموت توصية ورد الميراث إلى الرحم والعصبة رواه الزهري عن ابن المسيب ذكر الآية الخامسة عشرة
قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى قال المفسرون هذه الآية اقتضت إباحة السكر في غير أوقات الصلاة ثم نسخ ذلك بقوله تعالى فاجتنبوه أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم ين عمر البرمكي قال أبنا محمد إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا محمد بن قهزاد قال حدثني علي بن الحسين بن واقد قال حدثني أبي عن زيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى قال نسختها إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه قال أبو بكر وأبنا يعقوب بن سفيان قال بنا عبد الله بن صالح قال بنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى قال كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون حتى يذهب عنهم السكر فإذا صلوا الغداة شربوها فأنزل الله عز وجل إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام الاية فحرم الله الخمر

(1/130)


قال أبو بكر وبنا محمد بن سعد قال حدثني أبي عن الحسين بن الحسن بن عطية عن أبيه عن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما لا تقربوا الصلاة وأنتم سارى قال نسختها الآية التي في المائدة فاجتنبوه قال أبو بكر وبنا يعقوب بن سفيان قال بنا عبد الله بن عثمان قال أبنا عيسى ابن عبيد قال بنا عبيد الله مولى عمر بن مسلم أن الضحاك بن مزاحم أخبره في قوله لا تقربوا الصلاة وأنتم سارى قال نسختها إنما الخمر والميسر والأنصاب الآية
ذكر الآية السادسة عشرة قوله تعالى فأعرض عنهم وعظهم قال المفسرون في هذه الآية تقديم وتأخير تقديره فعظهم فإن امتنعوا عن الإجابة فأعرض وهذا كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية السيف ذكر الآية السابعة عشرة قوله تعالى ولو إنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما قال المفسرون اختصم يهودي وقيل المؤمن أن تكون الحكومة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فأبى المنافق فنزل قوله تعالى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت إلى هذه الآية وكان معنى هذه الآية ولو أن المنافقين جاؤك فاستغفروا من صنيعهم واستغفر لهم الرسول وقد زعم بعض منتحلي التفسير أن هذه الآية نسخت بقوله واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وهذا قول مرذول لأنه إنما قيل فلن يغفر الله لهم لإصرارهم على النفاق فأما إذا جاؤا فاستغفروا واستغفر لهم الرسول فقد ارتفع الإصرار فلا وجه للنسخ

(1/131)


ذكر الآية الثامنة عشرة قوله تعالى خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وهذه الآية تتضمن الأمر بأخذ الحذر والندب إلى أن يكونوا عميا وقت نفيرهم ذوي أسلحة عند بروزهم إلى عدوهم ولا ينفروا منفردين لأن الثبات الجماعات المتفرقة وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة أخبرنا ابن ناصر قال أبنا علي بن أيوب قال أبنا علي بن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال بنا الحسن بن محمد قال بنا حجاج
ابن محمد قال قال ابن جريج وعمر بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما خذوا حذركم فانفروا ثبات وقال انفروا خفافا وثقالا وقال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ثم نسخ هذه الآيات فقال وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة الآية قلت وهذه الرواية فيها مغمز وهذا المذهب لا يعمل عليه وأحوال المجاهدين تختلف والأمر في ذلك على حسب ما يراه الإمام وليس في هذه الآيات شئ منسوخ بل كلها محكمات وقد ذهب إلى ما قد ذهبت إليه أبو سليمان الدمشقي ذكر الآية التاسعة عشرة قوله تعالى ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال معناه فما أرسلناك عليهم رقيبا تؤخذ بهم وقال السدي وابن قتيبة حفيظا أي محاسبا لهم وقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف وفيه بعد لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا فأي وجه للنسخ

(1/132)


ذكر الآية العشرين قوله تعالى فاعرض عنهم وتوكل على الله قال المفسرون معنى الكلام أعرض عن عقوبتهم ثم نسخ هذا الإعراض عنهم بآية السيف ذكر الآية الحادية والعشرين قوله تعالى فقاتل في سبيل الله لا يكلف إلا نفسك قال المفسرون معناه لا تكلف إلا المجاهدة بنفسك ولا تلزم فعل غيرك وهذا محكم وقد زعم بعض منتحلي التفسير أنه منسوخ بآية السيف فكأنه استشعر أن معنى الكلام لا تكلف أن تقاتل أحدا وليس كذلك إنما المعنى لا تكلف في الجهاد إلا فعل نفسك
ذكر الآية الثانية والعشرين قوله تعالى إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق قوله تعالى يصلون يدخلون في عهد بينكم وبينهم ميثاق والمعنى ينتسبون بالعهد أو يصلون إلى قوم جاؤوكم حصرت صدورهم أي ضاقت عن قتالكم لموضع العهد الذي بينكم وبينهم فأمر المسلمون في هذه الآية بترك قتال من له معهم عهد أو ميثاق أوما يتعلق بعهد ثم نسخ ذلك بآية السيف وبما أمروا به من نبذ العهد إلى أربابه في سورة براءة وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة أخبرنا ابن ناصر قال ابنا ابن أيوب قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال بنا الحسن بن محمد قال بنا حجاج قال قال ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وقال إذا جاءكم المؤمنات مها جرات

(1/133)


فامتحنوهن وقال لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين نسخ هذا براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا أحمد بن إسحاق الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق الآية قال نسخ ذلك في براءة ونبذ إلى كل ذي عهد عهده وأمر الله نبيه أن يقاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية ذكر الآية الثالثة والعشرين
قوله تعالى ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم والمعنى أنهم يظهرون الموافقة للفريقين ليأمنوهما عنه فأمر الله تعالى بالكف عنهم إذا اعتزلوا وألقوا إلينا السلم وهو الصلح كما أمر بالكف عن الذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق ثم نسخ ذلك بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ذكر الآية الرابعة والعشرين قوله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله جمهور أهل العلم على أن الإشارة بهذا الى الذي يقتل خطأ فعلي قاتله الدية والكفارة وهذا قول ابن عباس والشعبي وقتادة والزهري وأبي حنيفة والشافعي وهو قول أصحابنا فالآية على هذا محكمة وقد ذهب بعض مفسري القرآن إلى أن المراد به من

(1/134)


كان من المشركين بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهنة إلى أجل ثم نسخ ذلك بقوله براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين بقوله فانبذ إليهم على سواء ذكر الآية الخامسة والعشرين قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم الآية اختلف العلماء هل هذه محكمة أم منسوخة على قولين القول الأول أنها منسوخة وهو قول جماعة من العلماء قالوا بأنها حكمت بخلود القاتل في النار وذلك منسوخ بقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقال بعضهم نسخها قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله إلا من تاب وحكى أبو جعفر النحاس أن بعض العلماء قال معنى نسختها آية الفرقان أي نزلت بنسخها والقول الثاني أنها محكمة واختلف هؤلاء في طريق أحكامها على قولين
القول الأول أن قاتل المؤمن مخلد في النار وأكدوا هذا بأنها خبر والأخبار لا تنسخ أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار قال أبنا أبي قال أبنا أبو بكر البرقاني قال أبنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال أخبرني البغوي قال بنا علي بن الجعد قال أبنا شعبة عن المغيرة بن النعمان قال سمعت سعيد بن جبير قال اختلف أهل الكوفة في هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا قال فرحلت فيها إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال لقد نزلت في آخر ما نزل وما نسخها شئ

(1/135)


وعن شعبة عن منصور قال سمعت سعيد بن جبير قال سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل ومن يقتل مؤمنا متعمدا قال لا توبة له أخبرنا ابن الحسين قال أبنا غيلان قال أبنا أبو بكر الشافعي قال أبنا إسحاق بن الحسين قال أبنا ابن حذيفة النهدي قال بنا سفيان الثوري عن المغيرة ابن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ومن يقتل مؤمنا متعمدا قال ليس لقاتل مؤمن توبة ما نسختها آية منذ نزلت أخبرنا سعيد بن أحمد قال أبنا ابن اليسرى قال أبنا المخلص قال بنا البغوي قال بنا عثمان بن أبي شيبة قال بنا أبو خالد الأحمر عن عمر بن قيس الملاي عن يحيى الجابر عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تلا هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم حتى فرغ منها فقيل له وإن تاب وآمن عمل صالحا ثم اهتدى قال ابن عباس وأنى له التوبة قد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول ثكلته أمه قاتل المؤمن إذا جاء يوم القيامة واضعا رأسه على إحدى يديه آخذا بالأخرى القاتل تشخب أوداجه قبل عرش الرحمن عز وجل فيقول رب سل هذا فيم فتلني إن قال وما نزلت في كتاب الله عز وجل آية نسختها
أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال بنا مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير قال اختلف أهل الكوفة في هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فرحلت إلى ابن أبي عباس رضي الله عنهما فقال إنها من آخر ما نزل وما نسخها شئ قال أحمد وبنا يحيى بن سعيد عن ابن جريح قال حدثني القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة قال لا

(1/136)


فتلوت هذه الآية التي في الفرقان إلا من تاب وآمن فقال هذه الآية مكية نسختها آية مدنية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم قال أحمد وبنا حسين بن محمد قال بنا سفيان عن أبي الزياد قال سمعت شيخنا يحدث خارجة بن زيد بن ثابت قال سمعت أباك قال نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر قوله ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق وقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم وقد روي عن ابن عباس ما يدل على أنه قصد التشديد بهذا القول فأخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال بنا إبراهيم بن عمر قال أبنا محمد بن إسماعيل قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا محمد بن عبد الملك قال أبنا يزيد بن هرون قال أبنا أبو مالك قال بنا سعد بن عبيدة أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول لمن قتل المؤمن توبة فجاءه رجل فسأله المن قتل مؤمنا توبة قال إلا النار فلما قام قال له جلساؤه ما هكذا كنت تفتينا أنه لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم قال إني أظنه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك
قال أبو بكر بن أبي داود وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن لقاتل توبة وقد روى سعيد بن ميناء عن عبد الله بن عمر قال سأله رجل قال إني قتلت رجلا فهل لي من توبة قال تزود من الماء البارد فإنك لا تدخلها أبدا وقد روى عن ابن عمر رضي الله عنهما ضد هذا فإنه قال للقاتل تب إلى إله يتب عليك وروى سعيد بن مينا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاءه رجل فقال يا أبا هريرة ما تقول في قاتل لمؤمن هل له من توبة قال والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط

(1/137)


والقول الثاني أنها عامة دخلها التخصيص بدليل أنه لو قتله كافر ثم أسلم الكافر سقطت عنه العقوبة في الدينا والآخرة فإذا ثبت كونها من العام المخصص فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به ومن أسباب التخصيص أن يكون قد قتله مستحيلا لأجل إيمانه فيستحق التخليد لا ستحلاله أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا الحسن بن عطاء وأحمد بن محمد الحسين قالا بنا خلاد بن يحيى قال بنا أنس بن مالك الصيرفي أبو روية عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وعليها أمير فلما انتهى إلى أهل ماء خرج إليه رجل من أهل الماء فخرج إليه رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال إلى ما تدعو فقال إلى الإسلام قال وما الإسلام قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن تقر بجميع الطاعة قال هذا قال نعم فحمل عليه فقتله لا يقتله إلا على الإسلام فنزلت ومن يقتل مؤمنا متعمدا لا يقتل إلا على إيمانه الآية كلها قال سعيد بن جبير نزلت في مقيس بن ضبابة قتل مسلما عمدا وارتد كافرا وقد
ضعف هذا الوجه أبو جعفر النحاس فقال ومن لفظ عام لا يخص إلا بتوقيف أو دليل قاطع وقد ذهب قوم إلى أنها مخصوصة في حق من لم يتب بدليل قوله تعالى إلا من تاب والصحيح أن الآيتين محكمتان فإن كانت التي في النساء أنزلت أولا فإنها محكمة نزلت على حكم الوعيد غير مستوفاة الحكم ثم بين حكمها في الآية التي في الفرقان وكثير من المفسرين منهم ابن عباس وأبو مجلز وأبو صالح يقولون فجزاؤه جهنم إن جازاه وقد روى لنا مرفوعا إلا أنه لا يثبت رفعه والمعنى يستحق الخلود غير أنه لا يقطع له به

(1/138)


وفي هذا الوجه بعد لقوله وغضب الله عليه ولعنه فأخبر بوقوع عذابه كذلك وقال أبو عبيد وأن كانت التي في الفرقان الأولى فقد استغنى بما فيها عن إعادته في سورة النساء فلا وجه للنسخ بحال ذكر الآية السادسة والعشرين قوله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل زعم بعض من قل فهمه أنها نسخت بالاستثناء بعدها وهو قوله إلا الذين تابوا وقد بينا في مواضع أن الاستثناء ليس بنسخ

باب ذكر الآيات اللواتي إدعي عليهن النسخ في سورة المائدة
قد زعم قوم أنه ليس في المائدة منسوخ فأخبرنا محمد بن أبي منصور قال أبنا علي بن أيوب قال أبنا أبو علي بن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال بنا محمد بن بشار قال بنا عبد الرحمن قال بنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن شراحيل قال المائدة ليس فيها منسوخ قال ابن بشار وبنا بن أبي عدي قال بنا ابن عون قال قلت للحسن نسخ من المائدة شئ
قال لا وقد ذهب الأكثرون إلى أن في المائدة منسوخا ونحن نذكر ذلك ذكر الآية الأولى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام الآية

(1/139)


اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة على قولين القول الأول أنها محكمة ولا يجوز استحلال الشعائر ولا الهدي قبل أوان ذبحه ثم اختلفوا في القلائد فقال بعضهم يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ينحر وقال آخرون منهم كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم فقيل لهم لا تستحلوا أخذ القلائد من الحرم ولا تصدوا القاصدين إلى البيت والقول الثاني أنها منسوخة ثم في المنسوخ منها ثلاثة أقوال الأول قوله ولا آمين البيت الحرام فإن هذا اقتضى جواز إقرار المشركين على قصدهم البيت وإظهارهم شعائر الحج ثم نسخ هذا بقوله فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وبقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وهذا المعنى مروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال نسخ منها آمين البيت الحرام نسخها قوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر وقال إنما المشركين نجس فلا يقربوا المسجد بعد عامهم هذا
والثاني أن المنسوخ منها تحريم الشهر الحرام وتحريم الآمين للبيت إذا كانوا مشركين وهدي المشركين إذا لم يكن لهم من المسلمين أمان قاله أبو سليمان الدمشقي

(1/140)


والثالث أن جميعها منسوخ أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قابنا يعقوب بن سفيان قال بنا أبو صالح قال بنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام قال كان المشركين يحجون البيت الحرام ويهدون الهدايا ويحرمون حرمة المشاعر وينحرون في حجهم فأنزل الله عز وجل لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام أي لا تستحلوا قتالا فيه ولا آمين البيت الحرام يقول من توجه قبل البيت ثم أنزل الله فقال اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا يزيد قال أبنا سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد قال نسخت هذه الاية لا تحلوا شعائر الله نسختها أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم قال أحمد وبنا عبد الرزاق قال بنا معمر عن قتادة لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد قل هي منسوخة كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد السمر فلم يعرض له أحد فإذا رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت فامروا أن لا يقاتلوا في
الشهر الحرام ولا عند البيت الحرام فنسخها أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أخبرنا ابن الحصين قال أبنا ابن غيلان قال أبنا أبو بكر الشافعي قال أبنا إسحاق بن الحسن قال أبنا أبو حذيفة النهدي قال بنا سفيان الثوري عن بيان عن الشعبي قال لم ينسخ من المائدة غير آية واحدة يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر

(1/141)


الله ولا الشهر الحرام نسختها أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وفصل الخطاب في هذا أنه لا يمكن القول بنسخ جميع الآية فإن شعائر الله اعلام متعبداته ولا يجوز القول بنسخ هذا إلا أن يعني به لا تستحلوا نقض ما شرع فيه المشركون من ذلك فعلى هذا يكون منسوخا وكذلك الهدي والقلائد وكذلك الآمون إلا للبيب فإنه لا يجوز صدهم إلا أن يكونوا مشركين وأما الشهر الحرام فمنسوخ الحكم على ما بينا في قوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه فأما قوله وإذا حللتم فاصطادوا فلا وجه لنسخة وأما قوله ولا يجر منكم شنآن قوم فمنسوخ بقوله أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وباقي الآية محكم بلا شك ذكر الآية الثانية قوله تعالى وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم إختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال القول الأول أنها أنها اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب على الإطلاق وأن علمنا أنهم قد أهلوا عليها بغير إسم الله أو أشركوا معه غيره وهذا مروي عن الشعبي وربيعة والقاسم بن مخيمرة في آخرين وهؤلاء زعموا أنها ناسخة لقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر إسم الله عليه قال أبو بكر وبنا حرمي بن يونس قال أبنا أبي يونس بن محمد قال بنا حماد
ابن سلمة عن حميد عن الحسن قال قيل له إنهم يذكرون المسيح على ذبائحهم قال

(1/142)


قد علم الله ما هم قائلون وقد احل ذبائحهم قال أبو بكر وبنا زياد بن أيوب قال بنا مروان قال بنا أيوب بن يحيى الكندي قال سألت الشعبي عن نصارى نجران فقلت منهم من يذكروا الله ومنهم من يذكر المسيح قال كل وأطعمني قال أبو بكر وبنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب قال بنا يحيى عن سفيان عن ابن جريح عن عطاء قال كلوا وإن ذبح للشيطان قال أبو بكر وبنا محمود بن خالد قال بنا الوليد قال أبنا ابن جابر قال سمعت القاسم بن مخيمرة يقول لا بأس يأكل ما ذبحت النصارى لأعياد فيه كنائسها ولو سمعته يقول على إسم جرجيس وبولس أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا يعقوب بن سفيان قال بنا أبو صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما وما أهل لغير الله به ما ذبح اليهود والنصارى أحل لكم ذبائحهم على كل حال قال أبو بكر وبنا محمد بن بشار قال بنا يحيى قال بنا عبد الملك عن عطاء قال إذا ذبح النصراني باسم المسيح فكل قال أبو بكر وبنا عبد الله بن سعيد قال بنا ابن أبي غنيمة قال بنا أبي عن الحكم قال لو ذبح النصراني وسمعته يقول باسمك اللهم المسيح لأكلت منه لأن الله قد أحل لنا ذبائحهم وهو يعلم أنهم يقولون ذلك والقول الثاني أن ذلك كان مباحا في أول الأمر ثم نسخ بقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر إسم الله عليه والقول الثالث أنه إنما أبيحت ذبيحة أهل الكتاب لأن الأصل أنهم يذكرون
إسم الله عليها فمتى علم أنهم قد ذكروا غير إسمه لم يؤكل وهذا هو الصحيح عندي وممن قال إذا سمعت الكتابي يسمي غير الله فلا تأكل علي بن أبي طالب وعبد الله

(1/143)


ابن عمر وعائشة وطاؤس والحسن وعن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء كهذا القول وكالقول الأول فعلى هذا القول الآية محكمة ولا وجه للنسخ ذكر الآية الثالثة قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم اختلف العلماء فيها على قولين الأول أن في الكلام إضمارا تقديره إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وهذا قول سعد بن أبي وقاص وأبي موسى وابن عباس والفقهاء والثاني أنه على اطلاقه وأنه يوجب على كل من أراد الصلاة أن يتوضأ سواء كان محدثا أو غير محدث وهذا مروي عن جماعة منهم علي وعكرمة وابن سيرين ثم اختلفوا هل هذا الحكم باق أم نسخ فذهب أكثرهم إلى أنه باق وقال بعضم بل هو منسوخ بالنسبة وهو حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح بوضوء واحد فقال له عمر صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال عمدا فعلته يا عمر وهذا قول بعيد لما سبق بيانه من أن أخبار الآحاد لا تجوز أن تنسخ القرآن وإنما يحمل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا على تبين معنى الاية وان المراد إذا قمتم وأنتم محدثون وإنما كان يتوضأ لكل صلاة لطلب الفضيلة وقد حكى أبو جعفر النحاس عن الشافعي أنه قال لو وكلنا إلى الآية لكان على كل قائم إلى الصلاة الطهارة فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات بطهور واحد بينها فيكون المعنى إذا قمتم وقد أحدثتم فاغسلوا وقد قال بعضهم يجوز أن يكون ذلك قد نسخ بوحي لم تستقر تلاوته فإنه قد روى أبو جعفر

(1/144)


ابن جرير الطبري بإسناد عن عبد الله بن حنظلة الغسيل رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فرفع عند الوضوء إلا من حدث ذكر الآية الرابعة قوله تعالى فاعف عنهم واصفح اختلف العلماء هل هذا منسوخ أم محكم على قولين الأول انه منسوخ قاله الأكثرون ولهم في ناسخه ثلاثة أقوال الأول آية السيف أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا أبو علي بن شاذان قال بنا أبو بكر النجاد قال بنا أبو داود السجستاني قال بنا أحمد بن محمد قال حدثت عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما فاعف عنهم وأن تعفوا وتصفحوا ونحو هذا من القرآن نسخ كله بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم والثاني قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ابن

(1/145)


عبد الرزاق قال بن معمر عن قتادة فاعف عنهم واصفح قال نسختها قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر والثالث وأما تخافن من قوم خيانة والقول الثاني أنه محكم قال بعض المفسرين نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فغدروا وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره الله عليهم ثم أنزل هذه
الآية ولم تنسخ قال ابن جرير يجوز أن يعفي عنهم في غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربا ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصغار فلا يتوجه النسخ ذكر الآية الخامسة قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا هذه الآية محكمة عند الفقهاء واختلفوا هل هذه العقوبة على الترتيب أم على التخيير فمذهب أحمد بن حنبل في جماعة أنها على الترتيب وأنهم إذا قتلوا وأخذوا المال أو قتلوا ولم يأخذوا قتلوا وصلبوا وان أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن لم يأخذوا المال نفوا وقال مالك الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء سواء قتلوا أم لم يقتلوا أخذوا المال أو لم يأخذوا وقد ذهب بعض مفسري القرآن ممن لا فهم له أن هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها وقد بينا فساد هذا القول في مواضع ذكر الآية السادسة قوله تعالى فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم اختلفوا في هذه الآية على قولين

(1/146)


الأول أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم ثم نسخ ذلك بقوله فاحكم بينهم بما أنزل الله فلزمه الحكم وزال التخيير روى هذا المعنى أبو سليمان الدمشقي بأسانيده عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والسدي وقد روى أيضا عن الزهري وعمر بن عبد العزيز وقد أخبرنا أبن الحصين قال أبنا أبو طالب ابن غيلان قال أبنا أبو بكر الشافعي قال بنا يحيى بن آدم عن الأشجعي عن سفيان عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما فاحكم بينهم أو أعرض
عنهم نسختها فأحكم بينهم بما أنزل الله أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال بنا عمر بن عبيد الله البقال قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا حجاج عن ابن جريح عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال نسختها فأحكم بينهم بما أنزل الله قال أحمد وبنا هشيم قال بنا أصحابنا منهم منصور وغيره عن الحكم عن مجاهد في قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال أحمد وبنا وكيع قال بنا سفيان عن السدي عن عكرمة قال نسخ قوله فاحكم بينهم قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال أحمد وبنا حسين عن شيبان عن قتادة فاحكم بينهم بما أنزل الله قال أمر الله نبيه أن يحكم بينهم بعدما كان رخص له أن يعرض عنهم إن شاء فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وحكى أبو جعفر النحاس عن أبي حذيفة وأصحابة قالوا إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الأمام فليس له يعرض عنهم غير أن أبا حنيفة قال

(1/147)


إذا جاءت امرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم وقال أصحابه بل يحكم قال وقال الشافعي لا خيار للإمام إذا تحاكموا إليه قال النحاس وقد ثبت أن قول أكثر العلماء ان الآية منسوخة والقول الثاني انها محكمة وأن الإمام ونوابه في الحكم مخيرون وإذا توافعوا صلى إليهم إن شاؤا حكموا بينهم وإن شاؤا أعرضوا عنهم أخبرنا إسماعيل بن أحمد أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا هشيم قال أبنا
مغيرة عن إبراهيم والشعبي في قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قالا إذا ارتفع أهل الكتاب إلى حاكم المسلمين فإن شاء أن يحكم بينهم وإن شاء أن يعرض عنهم وإن حكم حكم بما في كتاب الله قال أحمد وبنا وكيع عن سفيان عن ابن جريح عن عطاء قال إن شاء حكم وإن شاء لم يحكمط وقال أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود قال بنا المثنى بن أحمد قال بنا عمرو بن خالد عن ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم جعله الله في ذلك على الخيرة إما يحكم وإما أن يتركهم فلا يحكم بينهم قال أبو بكر وبنا عبد الله بن محمد بن خلاد قال بنا يزيد قال بنا مبارك عن الحسن قال إذا ارتفع أهل الذمة إلى حاكم من حكام المسلمين فإن شاء حكم بينهم حكم بينهم وإن شاء رفعهم الى حكامهم فإن حكم بينهم حكم بالعدل وبما أنزل الله وهذا لأنه لا تنافي بين الآيتين من جهة أن أحدهما خيرت بين الحكم وتركه والأخرى ثبتت كيفية الحكم إذا كان

(1/148)


ذكر الآية السابعة قوله تعالى ما على الرسول إلا البلاغ اختلف المفسرون فيها على قولين الأول أنها محكمة وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ وليس عليه الهدي والثاني أنها تتضمن الأقتصار على التبليغ دون الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف والأول أصح
ذكر الآية الثامنة قوله تعالى عليكم بأنفسكم لا يضركم من ضل إذا أهتديتم للعلماء فيها قولان الأول أنها منسوخة قال أرباب هذا القول هي تتضمن كف الأيدي عن قتال الضالين فنسخت ولهم في ناسخها قولان الأول آية السيف والثاني أن آخرها نسخ أولها قال أبو عبيد القاسم بن سلام ليس في القرآن أية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه وموضوع المنسوخ منها إلى قوله لا يضركم من ضل والناسخ قوله إذا اهتديتم والهدى ها هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قلت وهذا الكلام إذا حقق لم يثبت والقول الثاني أنها محكمة قال الزجاج معناها إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم قال وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف لأن المؤمن إذا تركه وهو مستطيع له فهو ضال وليس بمهتد

(1/149)


قلت وهذا القول هو الصحيح وأنها محكمة ويدل على إحكامها أربعة أشياء الأول أن قوله عليكم أنفسكم يقتضي إغراء الإنسان بمصالح نفسه ويتضمن الأخبار بأنه لا يعاقب بضلال غيره وليس مقتضى ذلك أن لا ينكر على أنه غيره وإنما غاية الأمر أن يكون ذلك مسكوتا عنه فيقف على الدليل والثاني أن الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف لأن قوله عليكم أنفسكم أمر بإصلاحها وأداء ما عليها وقد ثبت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فصار من جملة ما على الإنسان في نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقد دل
على ما قلنا قوله إذا اهتديتم وإنما يكون الإنسان مهتديا إذا امتثل أمر الشرع ومما أمر الشرع به الأمر بالمعروف وقد روى عن ابن مسعود والحسن وأبي العالية أنهم قالوا في هذه الآية قولوا ما قبل منكم فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم أخبرنا ابن حصين قال أبنا ابن المذهب قال أبنا أحمد بن جعفر قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا هاشم بن القاسم قال بنا زهير يعني ابن معاوية قال بنا إسماعيل بن أبي خالد قال بنا قيس قال قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه قال يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى آخر الآية وأنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك وهو الله عز وجل أن يعمهم بعقابه والثالث أن الآية قد حملها قوم على أهل الكتاب إذا أدوا الجزية فحينئذ لا يلزمون بغيرها فروى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى حجر

(1/150)


وعليهم منذر بن ساوي يدعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فليؤدوا الجزية فلم أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصاري والمجوس فأقروا بالجزية وكرهوا الإسلام فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وأما أهل الكتاب والمجوس فأقبل منهم الجزية فلما قرأوا الكتاب أسلمت العرب وأعطى أهل الكتاب والمجوس الجزية فقال المنافقون عجبا لمحمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا وقد قبل من مجوس هجر وأهل الكتاب الجزية فهلا أكرههم على الإسلام وقد ردها على إخواننا من العرب فشق ذلك على المسلمين فنزلت هذه الآية والرابع أنه لما عابهم في تقليد آبائهم بالآية المتقدمة أعلمهم بهذه الآية أن المكلف
إنما يلزمه حكم نفسه وأنه لا يضره ضلال من ضل إذا كان مهتديا حتى يعلموا أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شئ من الذم والعقاب وإذا تلمحت صلى الله عليه وسلم هذه المناسبة بين الآيتين لم يكن الأمر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ها هنا مدخل وهذا أحسن الوجوه في الآية ذكر الآية التاسعة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم الإشارة بهذا إلى الشاهدين الذين يشهدان على الموصي في السفر والناس في قوله ذوا عدل منكم قائلان الأول من أهل دينكم وملتكم أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي قالا أبنا أحمد بن كامل قال حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي

(1/151)


الله عنهما ذوا عدل منكم أي من أهل الإسلام وهذا قول ابن مسعود وشريح وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد وابن سيرين والشعبي والنخعي وقتادة وأبي مخلد ويحيى بن يعمر والثوري وهو قول أصحابنا والثاني أن معنى قوله منكم أي من عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسملون أيضا قاله الحسن وعكرمة والزهري والسدي وعن عبيدة كالقولين فأما قوله أو آخران من غيركم فقال ابن عباس ليست أو للتخير إنما المعنى أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم وفي قوله من غيركم قولان الأول من غير ملتكم ودينكم قاله أرباب القول الأول
والثاني من غير عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسلمون أيضا قال أرباب القول الثاني والقائل بأن المراد شهادة المسلمين من القبيلة أو من غير القبيلة لا يشك في إحكام هذه الآية فأما القائل بأن المراد بقوله أو آخران من غيركم أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية في السفر فلهم فيها قولان الأول أنها محكمة والعمل على هذا عندهم باق وهو قول ابن عباس وابن المسيب وابن جبير وابن سيرين وقتادة والشعبي والثوري وأحمد بن حنبل والثاني أنها منسوخة بقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وهو قول زيد بن أسلم وإليه يميل أبو حنيفة ومالك والشافعي قالوا وأهل الكفر ليسوا بعدول والأول أصح لأن هذا موضع ضرورة فجاز كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال

(1/152)


باب ذكر الآيات اللواتي إدعي عليهن النسخ في سورة الأنعام
ذكر الآية الأولى قوله تعالى إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم زعم بعض ناقلي التفسير أنه كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخاف عاقبة الذنوب ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قلت فالظاهر من هذه المعاصي أن المراد بها الشرك لأنها جاءت في عقيب قوله ولا تكونن من المشركين فإذا قدرنا العفو عن ذنب إذا كان لم تقدر المسامحة في شرك لو تصور إلا أنه لما لم يجز في حقه بقي ذكره على سبيل التهديد والتخويف من عاقبته كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك فعلى هذا الآية محكمة يؤكده أنها خبر والأخبار لا تنسخ
ذكر الآية الثانية قوله تعالى قل لست عليكم بوكيل للمفسرين فيه قولان الأول أنه اقتضى الاقتصار في حقهم على الإنذار من غير زيادة ثم نسخ بآية السيف وهذا المعنى في رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما

(1/153)


والثاني أن معناه لست حفيظا عليكم إنما أطلبكم إذا بالظواهر من الإقرار والعمل لا بالأسرار فعلي هذا هو محكم وهذا هو الصحيح يؤكد أنه خبر والأخبار لا تنسخ وهذا اختيار جماعة منهم أبو جعفر النحاس ذكر الآية الثالثة قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم المراد بهذا الخوض الخوض بالتكذيب ويشبه أن يكون الإعراض المذكور ههنا منسوخة بآية السيف ذكر الآية الرابعة قوله تعالى وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ أي من كفر الخائفين وإثمهم وقد زعم قوم منهم سعيد بن جبير أن هذه الآية منسوخة بقوله وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال بنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا إسحاق ابن يوسف عن سفيان عن السدي عن سعيد بن جبير وأبي مالك في قوله وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ قالا نسخها وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتهم آيات الله يكفر بها الآية
قلت ولو قال هؤلاء انها منسوخة بآية السيف كان أصلح وكان معناها عندها إباحة مجالستهم وترك الاعتراض عليهم والصحيح أنها محكمة لأنها خبر وقد بينا أن المعنى ما عليكم شئ من آثامهم إنما يلزمكم إندارهم فقال

(1/154)


ذكر الآية الخامسة قوله تعالى وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا للمفسرين فيه قولان الأول أنه اقتضى المسامحة لهم والاعتراض عنهم ثم نسخ بآية السيف وهذا مذهب قتادة والسدي أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا أبو علي بن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال بنا أحمد بن محمد قال بنا عبد الله بن رجاء عن همام عن قتادة وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ثم أنزل الله في براءة وأمرهم بقتالهم والثاني أنه خرج مخرج التهديد كقوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا فعلى هذا هو محكم وهذا مذهب مجاهد وهو الصحيح ذكر الآية السادسة قوله تعالى قل الله ثم ذرهم فيه قولان الأول أنه أمر له بالإعراض عنهم ثم نسخ بآية السيف والثاني أنه تهديد فهو محكم وهذا أصح ذكر الآية السابعة قوله تعالى فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ فيه قولان الأول أن هذه الآية تتضمن ترك قال الكفار ثم نسخت بآية السيف

(1/155)


والثاني أن المعنى لست رقيبا عليكم أحصي أعمالكم فهي على هذا محكمة ذكر الآية الثامنة قوله تعالى واعرض عن المشركين روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال هذا ونحوه مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين فإنه نسخ بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ذكر الآية التاسعة قوله تعالى وما جعالناك أي عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل قال ابن عباس رضي الله عنهما نسخ بآية السيف وعلى ما ذكرنا ف نظائرها تكون محكمة ذكر الآية العاشرة قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم قال المفسرون هذه نسخت بتنبيه الخطاب في آية السيف لأنها تضمنت الأمر بقتلهم والقتل أشنع من السب ولا أرى هذه الآية منسوخ بل يكره للإنسان أن يتعرض بما يوجب ذكر معبوده بسوء أو بنبيه صلى الله عليه وسلم ذكر الآية الحادية عشرة قوله تعالى فذرهم وما يفترون إن قلنا إن هذا تهديد كما سبق في الآية السادسة فهو محكم وإن قلنا إنه بترك قتالهم فهو منسوخ بآية السيف ذكر الآية الثانية عشرة قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر إسم الله عليه قد روى عن جماعة منهم الحسن وعكرمة أنهم قالوا نسخت بقوله وطعام الذين أوتوا الكتاب حل

(1/156)


لكم وهذا غلط لأنهم إن أرادوا النسخ حقيقة وليس هذا بنسخ وإن أرادوا
التخصيص وأنه خص بآية المائدة طعام أهل الكتاب فليس بصحيح لأن أهل الكتاب يذكرون الله على الذبيحة فيحمل أمرهم على ذلك فإن تيقنا أنهم تركوا ذكره جاز أن يكون عن نسيان والنسيان لا يمنع الحل فإن تركوا لا عن نسيان لا يجز الأكل فلا وجه للنسخ أصلا ومن قال من المفسرين إن المراد بها لم يذكر إسم الله على المبتة فقد خص عاما والقول بالعموم أصح وعلى الوقل الشافعي هذه الآية محكمة لأن إما أن يراد بها عنده الميتة أو يكون نهى كراهية ذكر الآية الثالثة عشرة قوله تعالى قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعملون للمفسرين فيها قولان الأول أن المراد بها ترك قتال الكفار فهي منسوخة بآية السيف والثاني أن المراد بها التهديد فعلى هذا هي محكمة وهذا هو الأصح ذكر الآية الرابعة عشرة قوله تعالى فذرهم وما يفترون فيه قولان الأول أنه اقتضى ترك قتال المشركين فهو منسوخ بآية السيف والثاني أنه تهديد ووعيد فهو محكم ذكر الآية الخامسة عشرة قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده اختلف العلماء في المراد بهذا الحق على قولين الأول أنه الزكاة

(1/157)


أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال بنا أبو محمد الجواهري قال أبنا محمد المظفر قال أبنا علي بن إسماعيل بن حماد قال بنا أبو حفص عمرو بن علي قال
بنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال بنا يزيد بن درهم قال سمعت أنس بن مالك يقول وآتوا حقه يوم حصاده قال الزكاة المفروضة قال أبو حفص وبنا معلى بن أسد قال بنا عبد الواحد بن زياد قال بنا الحجاج ابن أرطاة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما وآتوا حقه يوم حصاده قال العشر ونصف العشر قال أبو حفص وبنا عبد الرحمن قال بنا إبراهيم بن نافع عن ابن طاؤس عن أبيه وآتوا حقه يوم حصاده قال الزكاة قال أبو حفص وبنا عبد الرحمن قال بنا أبو هلال عن خباب الأعرج عن جابر بن زيد وآتوا حقه يوم حصاده قال الزكاة قال أبو حفص وبنا محمد بن جعفر قال بنا شعبة عن أبي رجاء قال سألت الحسن عن قوله وآتوا حقه يوم حصاده قال الزكاة وهذا قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن حنفية وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم في آخرين فعلى هذا الآية محكمة وينبغى على قول هؤلاء أن تكون هذه الآية مدنية لأن السورة مكية والزكاة إنما أنزلت بالمدينة والثاني أنه حق غير الزكاة أمر به يوم الحصاد وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الرزع والتمر أخبرنا محمد بن أبي طاهر قال أبنا الجوهري قال أبنا الظفر قال أبنا علي بن إسماعيل قال أنبا أبو حفص قال أبنا يحيى بن سعيد قال بنا عبد الملك عن عطاء وآتوا حقه يوم حصاده قال القبضة من الطعام

(1/158)


وقال يحيى بن سعيد عن سفيان عن منصور عن مجاهد وآتو حقه قال شئ سوى الزكاة في الحصاد والجذاذ إذا حصدوا وإذا جذوا وقال أبو حفص وبنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال إذا حصدوا ألقى إليهم من السنبل وإذا جذوا النخل ألقى لهم من الشماريخ فإذا كاله زكاه
قال أبو حفص وبن معمر بن سليمان قال بنا عاصم عن أبي العالية وآتوا حقه قال كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال بنا هشيم قال أبنا مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال كانوا يعطون حتى نسختها الصدقة العشر أو نصف العشر أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم بن عمر قال أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال أبنا أبو بكر بن أبي داود قال أبنا عبد الله بن سعيد قال أبنا ابن ادريس عن أبيه عن عطية وآتوا حقه يوم حصاده قال كانوا إذا حصدوا وإذا يبس وإذا عربل أعطوا منه شيئا فنسخ ذلك العشر ونصف العشر قال أبو بكر وبنا محمد بن بشار قال بنا يزيد قال أبنا عبد الملك عن عطاء وآتوا حقه يوم حصاده قال ليس بالزكاة ولكنه إذا كيل قبض منه قبضات من شهد رضخ له منه اختلف العلماء هل نسخ أم لا إن قلنا أنه أمر وجوب فهو منسوخ بالزكاة وإن قلنا إنه أمر استحباب فهو باقي الحكم

(1/159)


ذكر الآية السادسة عشر قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية اختلف العلماء في حكم هذه الآية على قولين الأول أن المعنى لا أجد محرما مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا هذا قاله طاؤس ومجاهد والثاني أنها حصرت المحرم فليس في الحيوانات محرم إلا ما ذكر فيها ثم
اختلف أرباب هذا القول فذهب بعضهم إلى أنها محكمة وأن العمل على ما ذكر فيها فكان ابن عباس لا يرى بلحوم الحمر الأهلية بأسا ويقرأ هذه الآية ويقول ليس بشئ حراما إلا ما حرمه الله في كتابه وهذا مذهب عائشة والشعبي وذهب آخرون إلى أنها نسخت بما ذكر في المائدة من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وقد رد قوم هذا القول بأن قالوا كل هذا داخل في الميتة وقد ذكرت الميتة ها هنا فلا وجه للنسخ وزعم قوم أنها نسخت بآية المائدة وبالسنة من تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وهذا ليس بصحيح أما آية المائدة فقد ذكرنا أنها داخلة في هذه الآية وأما ما ورد في السنة فلا يجوز أن يكون ناسخا لأن مرتبة القرآن لا يقاومها أخبار الآحاد ولو قيل إن السنة خصت ذلك الإطلاق أو ابتدأت حكما كان أصلح وإنما الصواب عندنا أن يقال هذه الآية نزلت بمكة ولم تكن الفرائض قد تكاملت ولا المحرمات اليوم قد تتامت ولهذا قال في ما أوحي على لفظ الماضي وقد كان حينئذ من قال لا إله إلا الله ثم مات دخل الجنة فلما جاءت الفرائض

(1/160)


والحدود وقعت المطالبة بها فكذلك هذه الآية إنما أخبرت بما كان في الشرع من التحريم يومئذ فلا ناسخ إذن ولا منسوخ ثم كيف يدعى نسخها وهي خبر والخبر لا يدخله النسخ ذكر الآية السابعة عشرة قوله تعالى إنتظروا إنا منتظرون للمفسرين فيها قولان الأول انها اقتضت الأمر بالكف عن قتالهم وذلك منسوخ بآية السيف والثاني أن المراد بها التهديد فهي محكمة وهي الصحيح
ذكر الآية الثامنة عشرة قوله تعالى لست منهم في شئ للمفسرين في معناه ثلاثة أقوال الأول لست من قتالهم في شئ ثم نسخ بآية السيف قاله السدي والثاني ليس إليك شئ من أمرهم قال ابن قتيبة والثالث أنت برئ منهم وهم منك براء إنما أمرهم إلى الله سبحانه في الجزاء فعلى هذين القولين الآية محكمة

(1/161)


باب ذكر الآيات اللواتي أدعي عليهن النسخ في سورة الأعراف
ذكر الآية الأولى قوله تعالى وذروا الذين يلحدون في أسمائه قال ابن زيد نسخها الأمر بالقتال وقال غيره هذا تهديد لهم وهذا لا ينسخ ذكر الآية الثانية قوله تعالى وأملي لهم إن كيدي متين قال المفسرون المراد بكيده مجازاة أهل الكبد والمكر وهذه خبر فهي محكمة وقد ذهب من قل علمه من منتحلي التفسير إلى أن معنى الآية الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بمشاركتهم قال ونسخ معناها بآية السيف وهذا قول لا يلتفت إليه ذكر الآية الثالثة قوله تعالى خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين العفو الميسور وفي الذي أمر بأخذ العفو ثلاثة أقوال القول الأول أخلاق الناس قاله ابن عمرو وابن الزبير والحسن ومجاهد فعلى هذا يكون المعنى اقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء
فعلى هذا هو محكم

(1/162)


والقول الثاني أنه المال ثم فيه قولان الأول أن المراد بعفو المال الزكاة قاله مجاهد في رواية الضحاك الثاني أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة ثم نسخت بالزكاة ورى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال القاسم وسالم العفو شئ في المال سوى الزكاة وهو فضل المال ما كان عن ظهر غنى والقول الثالث أن المراد به مساهلة المشركين والعفو عنهم ثم نسخ بآية السيف قاله ابن زيد وقوله وأعرض عن الجاهلين فيهم قولان الأول أنهم المشركون أمر بالإعراض عنهم ثم نسخ ذلك بآية السيف والثاني أنه عام فيمن جهل أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم وأن واجب الإنكار عليهم وعلى هذا تكون الآية محكمة وهو الصحيح

(1/163)


باب ذكر الآيات اللواتي إدعي عليهن النسخ في سورة الأنفال
ذكر الآية الأولى قوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول اختلف العلماء في هذه الآية فقال بعضهم هي ناسخة من وجه ومنسوخه من وجه وذلك أن حراما في شرائع الأنبياء المتقدمين فنسخ الله ذلك بهذه الآية وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى واعلموا أن ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيدالله قال أبنا أبن بشران
قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال أبنا وكيع قال بنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد وعكرمة قالا كانت الأنفال لله فنسخها واعلموا أن ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول هذا قول السدي وقال آخرون المراد بالأنفال شيئان الأول ما يجعله النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة من شجعان العسكر ومقدميه يستخرج به نصحهم ويحرضهم على القتال والثاني ما يفضل من الغنائم بعد قسمتها كما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فغنمنا إبلا فأصاب كل واحد اثني عشر بعيرا

(1/164)


ونفلنا بعيرا بعيرا فعلى هذا هي محكمة لأن هذا الحكم باق إلى وقتنا هذا والعجب ممن يدعي أنها منسوخة فإن عامة ما تضمنت أن الانفال لله والرسول والمعنى أنهما يحكمان فيها وقد وقع الحكم فيها بما تضمنته آية الخمس وإن أريد أن الأمر بنفل الجيش ما أراد فهذا حكم باق فلا يتوجه النسخ بحال ولا يجوز أن يقال عن آية إنها منسوخة إلا أن يرفع حكمها وحكم هذه ما رفع فكيف يدعي النسخ وقد ذهب إلى نحو ما ذكرته أبو جعفر ابن جرير الطبري ذكر الآية الثانية قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم دبره إلا متحرفا لقتال وقد ذهب قوم منهم ابن عباس وأبو سعيد الخدري والحسن وابن جبير وقتادة والضحاك إلى أنها في أهل بدر خاصة أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا أبن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا محمد بن
جعفر قال بنا شعبة عن داود قال سمعت الشعبي يحدث عن أبي سعيد الخدري ومن يولهم يومئذ دبره قال نزلت في يوم بدر قال أحمد وبنا روح قال بنا حبيب بن الشهيد عن الحسن ومن يولهم يومئذ دبره قال نزلت في أهل بدر قال أحمد وبنا روح قال بنا شعبة عن الحسن قال إنما شدد على أهل بدر قال أحمد وبنا حسين قال بنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة ومن يولهم يومئذ دبره قال يوم بدر قلت لفظ الآية عام وإن كانت نزلت في قوم بأعيانهم وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره أنها عامة ثم لهؤلاء فيه قولان

(1/165)


أحدهما أنها منسوخة بقوله فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين فليس للمؤمنين أن يفروا عن مثليهم قال آخرون هي محكمة وهذا هو الصحيح لأنها محكمة في النهي عن الفرار فيحمل النهي على ما إذا كان العدو أعلى من عدد المسلمين وقد ذهب إلى نحو هذا ابن جرير ذكر الآية الثالثة قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا داود السجستاني قال بنا أحمد بن محمد قال بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم نسختها الآية التي بعدها وما لهم ألا يعذبهم الله وقد روى مثله عن الحسن وعكرمة وهذا القول ليس بصحيح لأن النسخ لا يدخل على الأخبار وهذه الآية بينت أن كون الرسول فيهم منع نزول العذاب بهم
وكون المؤمنين يستغفرون بينهم منع أيضا والآية التي تليها بينت استحقاقهم العذاب لصدهم عن سبيل الله غير أن كون الرسول والمؤمنين بينهم منع من تعجيل ذلك أو عمومه فالعجب من مدعي النسخ ذكر الآية الرابعة قوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية على قولين

(1/166)


الأول أنهم المشركين وأنها نسخت بآية السيف وبعضهم يقول بقوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة في آخرين أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيدالله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد قال أبنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا حجاج عن ابن جريح عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله فنسختها قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية وأخبرنا ابن ناصر قال أبنا أبن أيوب قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال أبنا أحمد بن محمد قال بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن جنحوا للسلم فاجنح لها نسختها قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله قال أحمد بن محمد وبنا موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وإن جنحوا للسلم فاجنح لها نسختها إقاتلوا ثنا المشركين حيث وجدتموهم والثاني انهم أهل الكتاب وقال مجاهد بنو قريظة أخبرنا عبد الوهاب قال بنا أبو طاهر قال بنا شاذان قال أبنا عبد الرحيم قال
أبنا إبراهيم قال بنا آدم قال بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وإن جنحوا للسلم يعني قريظة فعلى هذا القول إن قلنا إنها نزلت في ترك حرب أهل الكتاب إذا بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة فهي محكمة وإن قيل نزلت في موادعتهم على غير جزية توجه النسخ لها بآية الجزية وهي قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية

(1/167)


ذكر الآية الخامسة قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين قال المفسرون لفظ هذا الكلام لفظ الخبر ومعناه الأمر والمراد يقاتلوا مائتين وكان هذا فرضا في أول الأمر ثم نسخ بقوله تعالى الآن خفف الله عنكم ففرض على الرجل أن يثبت لرجلين فان زاد جاز له الفرار أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار قال أبنا أبو بكر البرقاني قال أبنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال اخبرني الحسن قال بنا حيان قال أبنا عبد الله قال أبنا جرير بن حازم قال سمعت الزبير بن الخريت عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين قال فرض عليهم ان لا يفر رجل من عشرة ولا قوم من عشرة أمثالهم قال فجهد الناس ذلك وشق عليهم فنزلت الآية الأخرى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة الآية فرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين ولا قوم من مثليهم ونقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال بنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال بنا إسحاق بن أحمد قال بنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال بنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مائتين فنسختها الآن خفف الله عنكم أخبرنا ابن ناصر قال أبنا ابن أيوب قال أبنا ابن شاذان قال أبنا أبو بكر النجاد قال أبنا أبو داود السجستاني قال أبنا أحمد بن محمد قال بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين نسخ فقال الآن خفف الله عنكم

(1/168)


أخبرنا ابن الحصين قال ابنا ابن غيلان قال أبنا أبو بكر الشافعي قال أبنا إسحق بن الحسن قال بنا أبو حذيفة قال بنا سفيان الثوري عن ليث عن عطاء إن يكن منكم عشرون صابرون قال كان لا ينبغي لواحد أن يفر من عشرة فخفف الله عنهم أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا أبو طاهر الباقلاوي قال أبنا أبو علي بن شاذان قال أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال بنا إبراهيم بن الحسين قال بنا آدم قال بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال كان قد جعل على أصحاب محمد يوم بدر على كل رجل منهم قتال عشرة من الكفار فضجوا من ذلك فجعل على كل رجل قتال رجلين فنزل التخفيف من الله عز وجل فقال الآن خفف الله عنكم قال أبو جعفر النحاس وهذا تخفيف لا نسخ لأن معنى النسخ رفع حكم المنسوخ ولم يرفع حكم الأول لأنه لم يقل فيه لا يقاتل الرجل عشرة بل إن قدر على ذلك فهو الاختيار له ونظير هذا إفطار الصائم في السفر لا يقال إنه نسخ الصوم وإنما هو تخفيف ورخصة والصيام له أفضل ذكر الآية السادسة قوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض روى عن ابن عباس ومجاهد في آخرين أن هذه الآية منسوخة بقوله فإما منا بعد وإما
فداء وليس للنسخ وجه لأن غزاة بدر كانت وفي المسلمين قلة فلما كثروا واشتد سلطانهم نزلت الآية الأخرى ويبين هذا قوله حتى يثخن في الأرض قال أبو جعفر النحاس ليس ها هنا ناسخ ولا منسوخ لأنه قال ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض فلما أثخن في الأرض كان له أسرى

(1/169)


ذكر الآية السابعة قوله تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولا يتهم من شئ حتى يهاجروا قال المفسرون كانوا يتوارثون بالهجرة وكان المؤمن الذي لا يهاجر لا يرث قريبه المهاجر وذلك معنى قوله ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي قالا أبنا أبو علي بن شاذان قال أبنا أحمد بن كامل قال حدثني محمد ابن سعد العوفي قال بنا أبي قال حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان المؤمنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة منازل منهم المؤمن المهاجر المرافق لقومه في الهجرة خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم وفي قوله والذين آووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة وشهروا السيوف على من كذب وجحد فهذان مؤمنان وكانوا يتوارثون إذا توفي المؤمن المهاجر بالولاية في الدين وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ثم ألحق كل ذي رحم برحمه أخبرنا المبارك بن علي قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال بنا أبو بكر بن أبي داود
قال بنا محمد بن قهزاد قال بنا علي بن الحسين بن واقد قال حدثني أبي عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا قال وكان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا يرثه المهاجر فنسخها وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض الآية

(1/170)


أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أبنا عمر بن عبيد الله قال أبنا ابن بشران قال أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال بنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال بنا عمر بن فروخ قال بنا حبيب بن الزبير عن عكرمة والذين آمنوا ولم يهاجروا قال لبث الناس برهة والأعرابي لا يرث المهاجر والمهاجر لا يرث الأعرابي حتى فتحت مكة ودخل الناس في الدين فأنزل الله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وقال الحسن كان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا يرثه المهاجر فنسخها وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض وقد ذهب قوم إلى أن المراد بقوله ما لكم من ولايتهم من شئ ولاية النصرة والمودة قالوا ثم نسخ هذا بقوله والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وأما قوله وإن استنصروكم في الدين فقال المفسرون إن استنصروكم المؤمنون الذين لم يهاجروا فانصروهم إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد فلا تغدروا بأهل العهد وذهب بعضهم إلى أن الإشارة إلى أحياء من كفار العرب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم موادعة فكان إن احتاج إليهم عاونوه وإن احتاجوا عاونهم فنسخ ذلك بآية السيف

(1/171)


باب ذكر الآيات اللواتي إدعي عليهن النسخ في سورة التوبة
ذكر الآية الأولى قوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر زعم بعض ناقلي التفسير ممن لا يدري ما ينقل أن التأجيل منسوخ بآية السيف وقال بعضهم منسوخ بقوله فانبذ إليهم على سواء وهذا فهم وخلاف لما عليه المفسرون فان المفسرين اختلفوا فيمن جعلت له هذه الأشهر على أربعة أقوال الأول أنها امان لأصحاب العهد فمن كان عهده أكثر منها حط إليها ومن كان عهده أقل منها رفع إليها ومن لم يكن له عهد فأجله انسلاخ المحرم خمسون ليلة وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك وإنما كان هذا الأجل خمسين ليلة لأن هذه الآيات نودي بها يوم عرفة وقيل يوم النحر والثاني أنها للمشركين كافة من له عهد ومن ليس له عهد قاله مجاهد والقرطبي والزهري والثالث أنها أجل من كل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنه أقل من أربعة أشهر وكان أمانه غير محدود فأما من لا أمان له فهو حرب قاله ابن إسحاق والرابع أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهود فأما أرباب العهد فهم على عهودهم قاله ابن السائب ويؤكده أن عليا عليه السلام نادى يومئذ ومن كان بينه

(1/172)


وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته وقوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم قال الحسن يعني الأشهر التي قيل فيها فسيحوا في الأرض أربعة أشهر وعلى هذا البيان فلا نسخ أصلا وقد قال بعض المفسرين المراد بالأشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهذا كلام غير محقق لأن المشركين إنما قيل لهم فسيحوا في الأرض في ذي الحجة فمن ليس له عهد يجوز
قتله بعد المحرم ومن له عهد فمدته آخر عهده فليس لذكر رجل ها هنا معنى ذكر الآية الثانية قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم قد ذكروا في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول أن حكم الأسارى كان وجوب قتلهم ثم نسخ بقوله فإما منا بعد وإما فداء قاله الحسن وعطاء والضحاك في آخرين وهذا يرده قوله وخذوهم والمعنى أئسروهم والثاني بالعكس فإنه كان الحكم في الأساري أنه لا يجوز قتلهم صبرا وإنما يجوز المن أو الفداء بقوله فإما منا بعد وإما فداء ثم نسخ ذلك بقوله اقتلوا المشركين قاله مجاهد وقتادة والثالث أن الآيتين محكمتان لأن قوله أقتلوا المشركين أمر بالقتل وقوله وخذوهم أي أئسروهم فإذا حصل الأسير في يد الإمام فهو مخير إن شاء من عليه وإن شاء فاداه وإن شاء قتله صبرا أي ذلك رأى فيه المصلحة للمسلمين فعل هذا قول جابر بن زيد وعليه عامة الفقهاء وقد ذكر بعض من لا فهم له من ناقلي التفسير أن هذه الآية وهي آية السيف نسخت من القرآن مائة وأربعا وعشرين آية ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهو قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة

(1/173)


وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وهذا سوء فهم لأن المعنى أقتلوهم وأسروهم إلا أن يتوبوا من شركهم ويقروا بالصلاة والزكاة فخلوا سبيلهم ولا تقتلوهم ذكر الآية الثالثة قوله تعالى إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم في المشار إليهم بهذه المعاهدة ثلاثة أقوال
الأول أنهم بنو ضمرة والثاني قريش روي القولان عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال قتادة هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية فنكثوا وظاهروا المشركين والثالث أنهم خزاعة دخلوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاهد المشركين يوم الحديبية وهذا قول مجاهد وقوله فما ستقاموا لكم أي ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فاستقيموا لهم قال بعض االمفسرين به ثم نسخ هذا بآية السيف ذكر الآية الرابعة قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله اختلف في هذه الآية على ثلاثة أقوال الأول أنها عامة في أهل الكتاب والمسلمين قاله أبو ذر والضحاك والثاني أنها خاصة في أهل الكتاب قاله معاوية بن أبي سفيان

(1/174)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية