صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : شرح الشاطبية المسمى إبراز المعاني من حرز الأماني

(1000)
مع القصر مع إسكان كسر (د)نا (غـ)ـنى وإني وذو الثنيا وأني اجملا
عنى بالقصر حذف المد بين الهمزة المفتوحة واللام المكسورة فقرأ مدلول قوله دنا غنا على ما لفظ به في البيت السابق وغنا في موضع نصب على التمييز أو الحال أي دنا غناه أو ذا غناء لأن هذه القراءة استغنت بوضوحها عن تأويل القراءة الأخرى لأن هذا لغة في اسم إلياس على ما سبق وقرأه نافع وابن عامر- آل ياسين-كما جاء-آل عمران-وكتبت كذا مفصولة في المصحف كأن اسمه يس على وزن ميكال فيكون اسمه جاء في القرآن بأربع لغات وكذا سبق في قراءة اسم جبريل وهي إلياس بقطع الهمزة ووصلها وياسين وإلياسين وتكون القراءتان قد تضمنتا التسليم عليه وعلى آله وقيل أريد بآله نفسه وقيل سلم عليهم من أجله تنبيها على استحقاقهم لذلك لعدم شهرتهم بخلاف آل باقي الأنبياء المسلم عليهم في هذه السورة وقيل المراد بالقراءتين آله وإلياسين جمع فهو من باب قول الراجز ، (قدني من نصر الخبيس قدني ) ، ورد هذا بأنه لو أريد لكان الوجه تعريفه فيقال الإلياسين كقوله الخبييين وقريء على إلياسين بوصل الهمزة فهذا يمكن فيه ذلك لأن فيه آلة التعريف وقيل ياسين اسم أبي إلياس أضيف الآل إليه فدخل إلياس فيهم ثم ذكر ياءات الإضافة في هذه السورة وهي ثلاث-إني أرى من المنام أني أذبحك-فتحهما الحرميان وأبو عمرو-ستجدني إن شاء الله-فتحهما نافع وحده وهي المراد بقوله وذو الثنيا وقد سبق معنى ذلك في آخر سورة القصص وفيها زائدة واحدة-لتردين-أثبتها ورش وحده في الوصل وقد سبق نظمها مع زائدة-(ولا ينقذون)-في آخر سورة يس والألف في قوله أجملا للإطلاق لا للتثنية لأن المذكور ثلاث ياءات نبهت على المذكور على وجه الإجمال دون التفصيل كما قال في باب ياءات الإضافة أحكيه مجملا ويجوز أن تكون الألف للتثنية ويكون الضمير لأني وإني فهما المجملان بين ألفاظ السورة أما-ستجدني فلا فإنها بقوله

(2/387)


وذو الثنيا متميزة فكأنها مذكورة بعينها
سورة ص
(1001)
وضم فواق (شـ)ـاع خالصة أضف له (ا)لرحب وحد عبدنا قبل (د)خللا
فواق بضم الفاء وفتحها لغتان وقيل الفتح بمعنى الإفاقة والضم ما بين شخب الحلبتين أي مالها من رجوع أو ما يمهلهم ولا مقدار فواق-وخالصة ذكرى الدار-بالإضافة أي بما خلص من ذكراها أي لا يخلطون ذكر الآخرة بالدنيا وتقدير قراءة التنوين يخلصه خالصة ثم بينها فقال هي-ذكرى الدار-وقوله وحد عبدنا قبل أي الذي قبل خالصة احترازا من توحيد غيره فإنه مجمع عليه وعبادنا بالجمع ظاهر ، لأن بعده إبراهيم وإسحق ويعقوب ووجه الإفراد تمييز إبراهيم عليه السلام على ولده بتشريفه بوصفه بالعبودية كما ميز بالخلة وعطف عليه ما بعده ولهذا قال دخللا أي هو خاص دخللا لإبراهيم ودخيل الرجل ودخلله الذي يداخله في أموره ويختص به ويجوز أن يكون المراد به أنه مداخل لما قبله في الإفراد وهو قوله تعالى-(واذكر عبدنا أيوب نعم العبد)-وقبل ذلك-(واذكر عبدنا داود)-فصرح لهؤلاء بوصف العبودية لفظا وهي مراده للكل تقديرا لأنهم جميعهم من الطبقة العليا المصطفين من الخلق ، فإن قلت مفهوم قوله أضف أن قراءة الباقين بترك الإضافة وترك الإضافة تارة يكون لأجل التنوين وتارة لأجل الألف واللام فمن أين تعين التنوين لقراءة الباقين ، قلت من وجهين أحدهما أنه لفظ بها منونة في نظمه فكأنه قال أضف هذا اللفظ فضده لا تضف هذا اللفظ والثاني أن الألف واللام زيادة على رسم الكلمة فلا يذهب وهم إليها
(1002)
وفي يوعدون (د)م (حـ)ـلا وبقاف (د)م وثقل غساقا معا (شـ)ـائد (عـ)ـلا

(2/388)


يريد-هذا ما توعدون ليوم الحساب-وجه الغيب أن قبله-وعندهم-والخطاب للمؤمنين وفي ق (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ) ، لم يقرأه بالغيب إلا ابن كثير وحده لأن قبله (وأزلفت الجنة للمتقين) ، وقوله دم حلا أي ذا حلا أو دامت حلاك نحو طب نفسا فهو حال أو تمييز والجملة دعا له بذلك والغساق بتخفيف السين وتشديدها واحد وهو ما يسيل من صديد أهل النار أعاذنا الله بكرمه منها وقوله شائد علا فاعل ثقل أي قاريء هذه صفته شاد العلا فيما حصل من العلم والمعرفة وقوله معا يعني هنا-هذا فليذوقوه حميم وغساق-وفي سورة النبأ (إلا حميما وغساقا)
(1003)
وآخر للبصري بضم وقصره ووصل اتخذناهم (حـ)ـلا (شـ)ـرعه ولا
يريد-وآخر من شكله-أي وعذاب آخر وقرأه أبو عمرو وأخر بضم الهمزة ولا مد بعدها فصار على وزن كبر جمع أخرى أي وعقوبات أخر وقوله بعد ذلك أزواج خبر وأخر على القراءتين وجاز أن يكون لفظ المبتدإ واحدا والخبر جمعا لأن العذاب يشتمل على ضروب كما تقول عذاب فلان أنواع شتى وقريء-اتخذناهم سخريا-بوصل الهمزة ، فتذهب في الدرج وتكسر إذا ابتديء بها وقرئت بالقطع فتفتح مطلقا ، فإن قلت من أين علم أن همزة القطع هنا مفتوحة ، قلت من جهة أنها همزة في أول فعل ماض فلا تكون إذا كانت للقطع إلا مفتوحة لأنها همزة استفهام هنا وتقع في غير الاستفهام في نحو أكرم لا تخرج همزة الفعل الماضي المقطوعة عن ذلك و-اتخذناهم-بالوصل جملة صفة واقعة لرجالا بعد صفة وبالقطع على أنه استفهام إنكار على أنفسهم وأم بعد الاستفهام متصلة وبعد الحبر منقطعة وولا بالكسر حال أي ذا ولاء أي متابعة أو يكون مفعولا من أجله أي حلا شرعه من أجل ما لزمه من المتابعة ويجوز أن يكون تمييزا أي حلت متابعة شرعه
(1004)
وفالحق (فـ)ـى (نـ)ـصر وخذ ياء لي معا وإني وبعدي مسني لعنتى إلى

(2/389)


أي فالحق أنا أو فالحق مني والنصب على الأخرى أي فالتزموا الحق أو على حذف حرفي القسم نحو والله لأفعلن ولا خلاف في نصب والحق أقول وفيها ست ياءات إضافة ولي نعجة-ما كان لي من-ثم فتحهما حفص وحيث إني أحببت وفتحها وكان أبو عمر وجدتان وأبو عمر لأحد من بعدي إناءة فتحها نافع وأبو عمرو مسنى الضر سكنها حمزة وحده-لعنتي إلى يوم الدين-وفتحها نافع وحده
سورة الزمر
(1005)
أمن خف (حرمي فـ)ـشا مد سالما مع الكسر (حق) عبده اجمع (شـ)ـمردلا

(2/390)


يريد-أمن هو قانت-من خفف جعل الهمزة للنداء أو الاستفهام والخبر محذوف أي كغيره كقوله تعالى -(أفمن شرح الله صدره للإسلام)-فهي أم دخلت على من فأدغمت الميم في مثلها والمعادل لأن محذوف تقديره الكافر المتخذ من دون الله أندادا خير أم من هو قانت ومثلها-اتخذناهم سخريا أم زاغت-على قراءة الوصل معناه مفقودون هم أم زاغت الأبصار عنهم ونحوه-مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين-أي أحاضر هو أم غائب ويجوز أن تكون أم منقطعة في جميع ذلك وتقدير موضعها بل وهمزة الاستفهام فيتحد تقدير المحذوف في القراءتين هنا وهو الخبر وعلى التقدير الأول يكون المحذوف هو المبتدأ ونظيره قوله تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم-كمن هو خالد في النار-أي أهؤلاء كمن هو خالد في النار ومن الاتفاق العجيب أنه لو جمع بين اللفظين في السورتين لانتظم مضى ما قدر في كل واحد منهما وهو-أمن هو قانت-كمن هو خالد وقول الناظم أمن مبتدأ خبره-حرمى فشا وخف في موضع الحال من أمن أي أمن لفظ حرمي فشا خفيفا ثم استأنف جملة أخرى فعلية أو اسمية فقوله مد إما فعل ماض فاعله حق وإما مبتدأ خبره حق أراد و-رجلا سلما لرجل-فقوله سلما مصدر سلم ذا سلامة يقال سلم سلما وسلما وسلامة ومن قرأ بالمد وكسر اللام فظاهر و-أليس الله بكاف عبده-الإفراد للجنس ووجه الجمع ظاهر وشمردلا أي خفيفا وهو حال من الفاعل أو المفعول
(1006)
وقل كاشفات ممسكات منونا ورحمته مع ضره النصب (حملا)
يريد-كاشفات ضره-و-ممسكات رحمته-قراءة أبي عمرو على الأصل بالتنوين ونصب ضره ورحمته لأنهما مفعولا كاشفات ممسكات وقراءة الباقين على الإضافة فهما مثل زيد ضارب عمرا وضارب عمرو وفي قوله حملا ضمير تثنية وهو الألف يرجع إلى رحمته وضره والنصب مفعول ثان لحملا أي حملا النصب ومنونا حال من فاعل قال
(1007)

(2/391)


وضم قضى واكسر وحرك وبعد رفع (شـ)ـاف مفازات اجمعوا (شـ)ـاع (صـ)ـندلا
أي ضم القاف واكسر الضاد وافتح الياء وارفع ما بعد ذلك وهو الموت لأنه مفعول قضى المبنى لما لم يسم فاعله وقراءة الباقين على بناء الفعل للفاعل والموت مفعول به منصوب وقوله رفع شاف أي رفع قارئ شاف وأما بمفازاتهم فالجمع والإفراد فيه ظاهران مثل مكاناتكم ومكانتكم وصندلا حال أو تمييز أي ذا صندل أو شاع صندله أي طيبه
(1008)
وزد تأمروني النون (كـ)ـهفا و (عم) خففه فتحت خفف وفي النبإ العلا
يريد أفغير الله تأمروني قرأه بنونين ابن عامر على الأصل وهما نون رفع الفعل ونون الوقاية وحذف نون الوقاية نافع وحده وأدغم الباقون نون الرفع في نون الوقاية ولما أظهر ابن عامر النون زال الإدغام فزال التشديد في قراءته فلهذا ذكره مع نافع في تخفيف النون ولو لم يقل ذلك لزيدت نون مع بقاء الأخرى على تشديدها وأما-فتحت أبوابها-في الموضعين فخفف الكوفيون تاءه وشددها غيرهم وكذا في سورة النبأ (وفتحت السماء) ، وقد سبق في الأنعام والأعراف نظير ذلك والعلا نعت لسورة النبأ وليس برمز لأنه قد صرح بصاحب هذه القراءة في البيت الآتي وهو
(1009)
لكوف وخذ يا تأمروني أرادني وإني معا مع يا عبادي فحصلا

(2/392)


محصلا حال من فاعل خذ ياء هذه الكلمات محصلا لها فهي التي اختلف في إسكانها وفتحها أراد-تأمروني أعبد-فتحها الحرميان-أرادني الله بضر-أسكنها حمزة وحده ولا خلاف في إسكان-أو أرادني برحمة- وقوله وإني معا أراد-إني أمرت-فتحها نافع وحده-إني أخاف إن عصيت-فتحها الحرميان وأبو عمرو-يا عبادي الذين أسرفوا-أسكنها أبو عمرو وحمزة والكسائي وفيها زائدة واحدة-فبشر عبادي الذين يستمعون القول-أثبتها السوسي وقفا ووصلا وفتحها في الوصل هذا على رأي صاحب القصيدة وأما صاحب التيسير فعدها في ياءات الإضافة فلهذا قال الناظم مع يا عبادي فزاد حرف الندا وهو يا ليميز بينهما وقلت في ذلك ، (فبشر عبادي زائد في نظومنا مضاف لذي التيسير والكل قد جلا) أي ولكل قول من ذلك وجه صحيح
سورة المؤمن
(1010)
ويدعون خاطب (إ) ذ (لـ)ـوى هاء منهم بكاف (كـ)ـفى زد الهمز (ثـ)ـملا

(2/393)


أراد-والذين تدعون من دونه-الخلاف فيه في الغيب والخطاب ظاهر وقوله إذ لوى أي أعرض لأنه عدل إلى الخطاب فأعرض عن إجراء الكلام على الغائبين في قوله-ما للظالمين من حميم ولا شفيع-وأما-أشد منهم قوة-فكتب في مصاحف الشام موضع منهم بالهاء منكم بالكاف فكل قرأ بما في مصحفه والكلام فيه كما في يدعون لأنه خطاب وغيب وأما-إني أخاف أن يبدل دينكم وأن-فقراءة الجماعة بواو العطف وزاد الكوفيون قبل الواو همزة وأسكنوا الواو فصارت أو أن بحرف أو وهو للعطف أيضا إلا أنه للترديد بين أمرين والواو للجمع بينهما وكذلك هي في مضاعف الكوفة بزيادة همزة وكل واحد من الأمرين مخوف عنده فوجه الجمع ظاهر ووجه الترديد أن كل واحد منهما كان في التحذير فكيف إذا اجتمعا وقوله ثملا هو جمع ثامل وهو المصلح والمقيم وقد سبق شرحه في المائدة ونصبه هنا على أنه ثاني مفعولي زد كما تقول زد الدراهم قوما صالحين ويجوز أن يكون حالا من الهمزة على تقدير ذا ثمل أي جماعة مصلحين للمعنى مقيمين على القراءة به ويجوز أن يكون حالا من فاعل زد لأنه لم يرد به واحدا وإنما هو خطاب لكل قاريء فهو كما تقدم في الفرقان وخاطب يستطيعون عملا والله أعلم
(1011)
وسكن لهم واضمم بيظهر واكسرن ورفع الفساد انصب (إ)لى (عـ)ـاقل (حـ)ـلا
أي سكن الواو للكوفيين كما تقدم ثم تكلم في خلاف كلمة يظهر فقال ضم تاء واكسر هاءه فيصير يظهر من أظهر فهو فعل متعد فلزم نصب الفساد لأنه مفعوله وفاعله ضمير يرجع إلى موسى عليه السلام وقراءة الباقين بفتح الياء والهاء ورفع الفساد على أنه فاعل يظهر فقوله واضمم بيظهر أي بهذا اللفظ والنون في واكسرن للتأكيد وإلى عاقل متعلق بحال محذوف أي وانصب رفع الفساد مضيفا ما ذكرت إلى قاريء عاقل حلا
(1012)
فأطلع ارفع غير حفص وقلب نوونوا (مـ)ـن (حـ)ـميد ادخلوا (نفر صـ)ـلا

(2/394)


فاطلع بالرفع عطف على أبلغ وبالنصب لأنه في جواب الترجي ونظيره ما يأتي في سورة عبس وأما-على كل قلب متكبر-فمن نون قلب فمتكبر صفة له لأنه محل الكبر ومن أضاف كان متكبر صفة للجملة والتقدير على قلب لمتكبر وقدر أبو علي على كل قلب كل متكبر فحذفت كل الثانية وقدر الزمخشري على قراءة التنوين على كل ذي قلب ولا حاجة إلى شيء من ذلك فالمعنى في القراءتين أوضح من أن تحتاج إلى حذف وإنما قدر أبو علي كل الثانية لتقيد العموم في أصحاب القلوب لأنه ظن أن ظاهر الآية لا تفيد إلا الطبع على جملة القلب وجوابه أن عموم كل المضاف إلى القلب للقلوب وأصحابها لأنه شامل لقلوب المتكبرين فاسترسل العموم على الكلمتين لأن المضاف إلى المضاف إلى كل كالمضاف إليها نفسها والدليل عليه أن ما من قلب لمتكبر إلا وهو داخل في هذا اللفظ وذلك هو المقصود فلا فرق بين أن تقول كل قلب متكبر أو قلب كل متكبر وروى أن ابن مسعود قرأها كذلك فهو شاهد لقراءة الإضافة قال أبو عبيد معنى على قلب متكبر وعلى قلب كل متكبر يرجعان إلى معنى واحد وقال الفراء المعنى في تقدم القلب وتأخره واحد سمعت بعض العرب يقول يرجل شعره يوم كل جمعة يريد كل جمعة والمعنى واحد وقوله غير حفص يحتمل أمرين أحدهما أن يكون على حذف حرف النداء أي يا غير حفص كأنه نادى القارئين لذلك والثاني أن يكون حالا أي غير قاريء لحفص أي إذا قرأت لغيره فارفع وقوله من حميد أي هو تنزيل من حميد يعني الله تعالى كما قال-تنزيل من حكيم حميد- ويجوز أن يقدر آخذين للتنوين من قاريء حميد أي محمود الطريقة في الثقة والعلم ثم قال ادخلوا أي ادخلوا آل فرعون نفر صلا أي ذو صلا يريد الذكاء على ما سبق تفسيره في سورة الأنعام وغيرها وهو خبرا ادخلوا ثم ذكر ما يفعل فيه هؤلاء فقال
(1013)
على الوصل واضمم كسره يتذكرون (كهف سما) واحفظ مضافاتها العلا

(2/395)


أي على وصل همزته وضم خاءه المكسورة فيكون فعل أمر من دخل وقرأ الباقون بقطع الهمزة وفتحها على ما سبق في نظائره وبكسر الخاء فيكون فعل أمر من دخل فعلى الأول هو أمر لهم أي ادخلوا يا آل فرعون وعلى الثاني هو أمر للملائكة وآل فرعون مفعول به والغيب والخطاب في-قليلا ما يتذكرون-ظاهران ثم ذكر الياءات
(1014)
ذروني وادعوني وإني ثلاثة لعلي وفي مالي وأمري مع إلى
يريد- ذروني أقتل موسى-ادعوني أستجب-فتحهما ابن كثير وحده-إني أخاف-ثلاثة مواضع واحد من قول فرعون-إني أخاف أن يبدل دينكم-واثنان من قول مؤمن آل فرعون-إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب-إني أخاف عليكم يوم التناد-فتحهن الحرميان وأبو عمرو-لعلي أبلغ الأسباب-فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن عامر-مالي أدعوكم إلى النجاة-كذلك إلا ابن ذكوان وأفوض أمري إلى الله فتحها نافع وأبو عمرو وهذا معنى قوله مع إلي وموضع هذه الكلمات رفع أي هي ذروني وكذا وكذا أو نصب على البدل من مضافاتها في البيت السابق وقوله وإني ثلاثة ينبغي أن يكون ثلاثة منصوبا على الحال وهو كما سبق تقريره في سورة القصص وأنث العدد هناك وذكره هنا باعتبار الكلمات والألفاظ وقوله لعلي على حذف حرف العطف وفي مالي أي وياء الإضافة في مالي أيضا وهو عطف على المعنى لأن ما تقدم فيه كذلك ياءات الإضافة فهو قريب من قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء) ، إلى أن قال وفي الرقاب أي وتدفع أيضا في فك الرقاب وفي الإنفاق في سبيل الله تعالى وموضع قوله مع إلى نصب على الحال أي مصاحبا للفظ إلى والله أعلم ، وفيها ثلاث زوائد "يوم التلاق-يوم التناد" أثبتهما نافع في الوصل وابن كثير في الحالين "اتبعوني أهدكم" أثبتها في الوصل أبو عمرو وقالون وفي الحالين ابن كثير وقلت في ذلك ، (يا اتبعوني أهدكم والتلاق والتناد ثلاث في الزوائد تجتلا)
سورة فصلت
(1015)

(2/396)


وإسكان نحسات به كسره (ذ)كا وقول مميل السين لليث أخملا
النحس بالإسكان مصدر نحس نحسا نقيض سعد سعدا واسم الفاعل نحس بكسر الحاء والقراءة بالكسرة ظاهرة لأنها نعت لأيام وأما القراءة بالإسكان فإما مخففه منه أو صفة على فعل نحو صعب وسهل أو وصف بالمصدر نحو عدل وقوله سبحانه-في يوم نحس-لا دلالة فيه على قراءة الإسكان لأنه مضاف إلى المصدر قال أبو علي قال المفسرون في نحسات قولين أحدهما الشديدات البرد والآخر أنها المشؤومات عليهم فتقدير قوله في يوم نحس مستمر في يوم شؤم قال صاحب التيسير وروى للفارسي عن أبي طاهر عن أصحابه عن أبي الحارث إمالة فتحة السين قال ولم أقرأ بذلك وأحسبه وهما فهذا معنى قول الناظم أخمل أي ترك قول من نقل ذلك عن الليث وهو أبو الحارث راوي الكسائي وإنما أضاف الإمالة إلى السين وهي للألف في التحقيق أميلت للكسرة بعدها لما تقدم من أنه يلزم من إمالة كل ألف إمالة الآخر إذ يلزم في إمالة الفتحة إمالة فتحة الحرف الذي قبلها وإذا كان كذلك فيجوز الاقتصار على ذكر أحدهما لدلالته على الألف وقد ذكرنا في شرح قوله وراء تراء فاز وفي إمالة رأى في سورة الأنعام
(1016)
ونحشر ياء ضم مع فتح ضمه وأعداء (خـ)ـذ والجمع (عم عـ)ـقنقلا

(2/397)


أي ذوياء وأعداء بالرفع لأنه مفعول ما لم يسم فاعله وهو يحشر بضم الياء وفتح الشين وأما نافع وحده فقرأ بفتح النون وضم الشين أي نحشر نحن أعداء الله بالنصب لأنه مفعول به وأما-وما تخرج من ثمرات من أكمامها-فقريء بالإفراد وبالجمع ووجههما ظاهر ، قال الجوهري العقنقل الكثيب العظيم المتداخل الرمل وقال غيره في قول امريء القيس ، (بنا بطن غبت ذي حقاف ) ويروي بطن حقف ذي قفاف عقنقل ، أي رمل منعقد داخل بعضه في بعض وقال ابن سيدة العقنقل من الأودية ما عظم واتسع ونصبه الناظم على الحال أي عم الجميع مشبها عقنقلا في الكثرة والاجتماع والعظمة والسعة بخلاف الأفراد ثم ذكر الكلمة المختلف في جمعها فقال
(1017)
لدى ثمرات ثم ياشركائى المضاف ويا ربي به الخلف (بـ)ـجلا
أي المضاف في هذه السورة من الياءات يا شركائي ويا ربي فقصر لفظ يا في الموضعين ضرورة أراد-أين شركائي-قالوا فتحها ابن كثير وحده-ولئن رجعت إلى ربي-فتحها نافع وأبو عمرو ثم قال به أي بياربي الخلف عن قالون في فتحه وهذا لم يذكر في ياءات الإضافة لأن صاحب التيسير ذكر هنا وقال في غير التيسير بالوجهين أقرأنبها فارس بن أحمد
سورة الشورى والزخرف والدخان
(1018)
ويوحى بفتح الحاء (د)ان ويفعلون غير (صحاب) يعلم ارفع (كـ)ـما (ا)عتلا

(2/398)


يريد كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله-ومن فتح الحاء بني الفعل لما لم يسم فاعله ورفع اسم الله تعالى على الابتداء أو بفعل مضمر كما تقدم في (يسبح له)-(رجال) ، في سورة النور ومعنى دان انقاد وأطاع وقيل يقال دان الرجل إذا عز ويفعلون بالغيب لأن قبله-يقبل التوبة عن عباده-وبالخطاب ظاهر وتقدير النظم وغيب يفعلون قراءة غير صحاب فحذف المضاف من المبتدأ والخبر للعلم بهما ، وأما يعلم المختلف في رفع ميمه ونصبه فهو-ويعلم الذين يجادلون- ولا خلاف في رفع ويعلم ما تفعلون-لأنه عطف على-يقبل التوبة ويعفو-ويعلم-وأما المختلف فيه فرفعه على الاستئناف والذي بعده فاعل أو مفعول فهذه قراءة ظاهرة فلهذا قال فيها كما اعتلا وقراءة النصب مشكلة أجود ما تحمل عليه ما قاله أبو عبيد قال وكذلك نقرؤها بالنصب على الصرف كالتي في آل عمران (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) ، قلت معنى الصرف أن المعنى كان على جهة فصرف إلى غيرها فتغير الإعراب لأجل الصرف وتقديره أن يقال كان العطف يقتضي جزم-ويعلم-في الآيتين لو قصد مجرد العطف وقد قريء به فيهما شاذا لكن قصد معنى آخر فتعين له النصب وهو معنى الاجتماع أي يعلم المجاهدين والصابرين معا أي يقع الأمران مقترنا أحدهما بالآخر ومجرد العطف لا يتعين له هذا المعنى بل يحتمله ويحتمل الافتراق في الوجود كقولك جاء زيد وعمرو يحتمل أنهما جاءا معا ويحتمل تقدم كل منهما على الآخر وإذا ذكر بلفظ المفعول معه كان وقوع الفعل منهما معا في حالة واحدة فكذا النصب في قوله ويعلم أفاد الاجتماع فلهذا أجمع على النصب في آية آل عمران قال الزمخشري فيها-ويعلم الصابرين-نصب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع كقولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، قلت والعبارة عن هذا بالصرف هو تعبير الكوفيين ومثله لا يسعني شيء ويضيق عنك أي لا يجتمع الأمران ولو رفعت الواو للعطف تغير المعنى فهذا الجمع معنى مقصود وضع النصب دليلا

(2/399)


عليه فكذا النصب في-ويعلم الذين يجادلون في آياتنا-أي يقع إهلاكهم والعلم معا مقترنين ، واعتراض النحاس على أبي عبيد في تسويته بين الآيتين وقال-ويعلم الصابرين-جواب لما فيه النفي فالأولى به النصب وهذا وهم ليس هو بجواب للنفي بل المعنى على ما ذكرناه ولو كان جوابا لما ساغت قراءة الحسن بالجزم ، وقال الزجاج النصب على إضمار أن لأن قبلها جزاء تقول ما تصنع أصنع مثله وأكرمك على معنى وأن أكرمك وإن شئت وأكرمك بالرفع على معنى وأنا أكرمك ويجوز وأكرمك جزما ، قلت النصب في هذا المثال على ما قررناه من معنى الجمعية أي أصنعه مكرما لك فالنصب يفيد هذا المعنى نصا والرفع يحتمله على أن تكون الواو للحال ويحتمل الاستئناف ، وقال الزمخشري ما قاله الزجاج فيه نظر لما أورده سيبويه في كتابه قال واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف وهو نحو من قوله ، وألحق بالحجاز فأستريحا ، فهذا يجوز وليس بحد للكلام ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا لأنه ليس بواجب أن يفعل إلا أن يكون من الأول فعل فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه قال ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة ، قلت النصب بالواو في هذا المعنى ليس بضعيف بل هو قوى بدليل الإجماع على نصب ما في آل عمران وأما بالفاء فضعيف لأن الفاء لا تفيد ما تفيده الواو من معنى الجمعية فلهذا كانت قراءة من قرأ في آخر البقرة يحاسبكم به الله فيغفر-بالنصب شاذة وقد أنشد الأعشى في بيتين نصب ما عطف بالواو لهذا المعنى ، (ومن يغترب عن أهله لا يزل يرى وتدفن منه الصالحات) ، مع أنه لا ضرورة إلى النصب فالرفع كان ممكنا له فما عدل إلى النصب إلا لإرادة هذا المعنى وهذا النصب بالواو لهذا المعنى كما يقع في العطف على جواب الشرط

(2/400)


يقع أيضا في العطف على فعل الشرط نحو إن تأتني وتعطيني أكرمك قال أبو علي فينصب تعطيني وتقديره إن يكن إتيان منك وإعطاء أكرمك ، قلت مراده أن يجتمعا مقترنين ولو أراد مجرد وقوع الأمرين معرضا عن صفة الجمعية لكان الجزم يفيد هذا المعنى فقد اتضحت ولله الحمد قراءة النصب على هذا المعنى من العطف-إن يشإ يسكن الريح-فتقف السفن أو إن يشأ يعصف الريح فيغرقها وينج قوما بطريق العفو عنهم ويحذر آخرين بعلمهم ما لهم من محيد ، فإن قلت كيف يوقف العفو على الشرط وهذا الكلام خارج مخرج الامتنان ولهذا قيده بقوله عن كثير ولو كان معلقا على المشيئة لأطلق العفو عن الكل نحو-ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ، قلت إنما علقه على الشرط ليتبين أنه إنما يفعل ذلك بمشيئته وإرادته لا بالاستحقاق عليه وأما ويعلم فإن جعلنا الذين بعده فاعلا سهل دخوله في حيز الشرط وإن جعلناه مفعولا فالمعنى يعلمه واقعا نحو إلا لنعلم من يتبع الرسول-أي نبقيهم على الكفر ولا يسهل لهم الإيمان-حتى يؤتوا- ولهذا للإشكال قال ابن القشيري رحمهما الله في تفسيره ويعف معطوف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى قال وقريء ويعفو بالرفع ، قلت فيكون مستأنفا ويعلم عطف عليه إن كان مرفوعا ونظيره في هذه السور-فإن يشأ الله يختم على قلبك ثم استأنف فقال-ويمحو الله الباطل ويحق-الحق-وبعضهم جعل يمح مجزوما عطفا على يختم واستدل بأنه كتب في المصحف بغير واو فيكون الاستئناف بقوله ويحق كقوله في براءة-ويتوب الله على من يشاء-ويجوز أن تكون قراءة القراء ويعف بغير واو لمعنى الأخبار المستأنف وحذف الواو ليس للجزم بل للتخفيف كما تحذف الألف والياء لذلك فالجميع حرف علة والواو أثقلها فالحذف لها أقيس وأولى قال الفراء كل ياء أو واو تسكنان وما قبل الياء مكسور وما قبل الواو مضموم فإن العرب تحذفها وتجتريء بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء قال أبو علي حذفت الألف كما حذفت الياء وإن كان

(2/401)


حذفهم لها أقل منه في الياء لاستحقاقهم لها وذلك في نحو قولهم أصاب الناس جهد ولوتر ما أهل مكة عليه وقولهم حاش لله ورهط ابن المعلى فحذفها في الوقف للقافية كما حذفت الياء وقد حذفوا من لم يك ولا أدر قلت وفي القرآن-يوم يأتي وما كنا نبغي-وإذا كان الأمر كذلك فحذف الواو من يعفو أولى لأنها أثقل وليشاكل ما قبله من المجزوم فهو كما قالوا في صرف-سلاسلا وقواريرا-كما يأتي وكما رووا رجعن مأزورات غير مأجورات ولما لم يمكن صورة الجزم في ميم ويعلم حركت بالحركات الثلاث وذكر الزمخشري لقراءة النصب وجها آخر فقال هو عطف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن منه قوله تعالى-ولنجعله آية للناس-وقوله-وخلق الله السموات والأرض بالحق- ولتجزى كل نفسي بما كسبت-قلت ومثله-وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون ولتنذر أم القرى ولكن كل هذه المواضع ذكر فيها حرف التعليل بعد الواو ولم يذكر في ويعلم الذين ، وقال ابن القشيري في تفسيره في بعض المصاحف وليعلم باللام فهذا يقوي قراءة النصب ويؤيد الوجه الذي ذهب إليه الزمخشري
(1019)
بما كسبت لا فاء (عم) كبير في كبائر فيها ثم في النجم (شـ)ـمللا
سقطت الفاء من فيها في المصحف المدني والشامي وثبتت في مصاحف العراق ووجه دخولها تضمين ما في قوله وما أصابكم من مصيبة معنى الشرط وهي بمعنى الذي وإذا تضمن الذي معنى الشرط جاز دخول الفاء في حيزه وجاز حذفها وأما كبائر الإثم بالجمع فظاهر وقراءة الإفراد تقدم لها نظائر فهو في اللفظ إفراد يراد به الجمع لأنه للجنس واختار أبو عبيد الجمع فإن الآثار التي تواترت كلها بذكر الكبائر لم نسمع لشيء منها بالتوحيد ومعنى شملل أسرع
(1020)
ويرسل فارفع مع فيوحي مسكنا (أ)تانا وأن كنتم بكسر (شـ)ـذا العلا

(2/402)


أي فارفع الفعلين ألا أن فيوحي لما كان لا تظهر فيه علامة الرفع ألحق ذلك قوله مسكنا وهو حال من فاعل ارفع أي ارفعه مسكنا له فهو مثل قوله ناصبا كلماته بكسر لما كان المعلوم من النصب أن علامته الفتح بين هناك أن علامته الكسر ورفع يرسل على تقدير أو هو يرسل والنصب بإضمار أن فيكون عطفا على وحيا عطف مصدر على مثله من جهة المعنى وقوله فيوحي عطف على يرسل رفعا ونصبا وانتهى الخلاف في حروف عسق-وليس فيها من ياآت الإضافة شيء وإنما فيها زائدة واحدة وهي-ومن آياته الجوار-أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو وفي الحالين ابن كثير ثم تمم البيت بذكر حرف من سورة الزخرف وهو (أن كنتم قوما مسرفين) ، تقرأ أن بالفتح والكسر فالفتح ظاهر على التعليل أي لأن كنتم والكسر على لفظ الشرط قال الزمخشري هو من الشرط الذي يصدر عن المستدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الأجير إن كنت عملت فوفني حقي وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه استجهالا له قال الفراء تقول أسبك أن حرمتني تريد إذ حرمتني وتكسر إذا أردت إن تحرمني ومثله (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم) ، بكسر أن وبفتح ومثله (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا)و(أن لم يؤمنوا) ، والعرب تنشد قول الفرزدق (أتجزع أن أذنا قبيبة جزنا ) ، وأنشدوني (أنجزع أن بان الخليط المودع ) ، وفي كل واحد من البيتين ما في صاحبه من الكسر والفتح وقول الناظم وإن كنتم مبتدأ وشذا العلا خبره وبكسر في موضع الحال من المبتدأ وإن كان منونا وإن كان مضافا إلى مثله فهو الخبر
(1021)
وينشأ في ضم وثقل (صحابه) عباد برفع الدال في عند (غـ)ـلغلا

(2/403)


أي ضم الياء وشدد الشين ويلزم من ذلك فتح النون ومعنى ينشأ بالفتح والتخفيف يربي وينشأ يربي كلاهما ظاهر ولفظ بالقراءتين في-عباد الرحمن-وعند الرحمن-ونص على حركة الدال لأن اللفظ لا ينبى عنها أي عباد مرفوع الدال يقرأ في موضع عند والتعبير عن الملائكة بأنهم عباد الرحمن ظاهر وأما عبارة عند فأشار إلى شرف منزلتهم وقد جاء في القرآن التعبير عنهم بكل واحد من اللفظين-بل عباد مكرمون إن الذين عند ربك لا يستكبرون-ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته-وغلغل من قولهم تغلغل الماء في النبات إذا تخلله وقد غلغلته أنا والمعنى أن عباد تخلل معناه معنى عند فكان له كالماء للشجر لا بد للشجر منه فكذا صفة العبودية لا بد منها لكل مخلوق وإن اتصف بإطلاق ما يشعر برفع المنزلة كلفظ عند وما أشبهها
(1022)
وسكن وزد همزا كواو أؤشهدوا (أ)مينا وفيه المد بالخلف (بـ)ـللا
أشهدوا مفعول وسكن يعني سكن الشين المفتوحة من قوله تعالى-أشهدوا خلقهم-وزد بعد همزة الاستفهام همزة مسهلة كالواو أي همزة مضمومة مسهلة بين بين كما يقرأ-أؤنبئكم-فيكون أصله أشهدوا أي حضروا ثم دخلت عليه همزة الاستفهام التي بمعنى الإنكار فهو من معنى قوله تعالى-(ما أشهدتهم خلق السموات والأرض)-الآية وعن قالون خلاف في المد بين هاتين الهمزتين وهو يمد بلا خلاف بين الهمزتين من كلمة مطلقا ومعنى بلل قلل وقراءة الباقين من شهدوا بمعنى حضروا ثم دخلت على الفعل همزة الإنكار وفي معنى هذه الآية قوله سبحانه في سورة والصافات منكرا عليهم ، (أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون)
(1023)
وقل قال (عـ)ـن (كـ)ـفؤ وسقفا بضمه وتحريكه بالضم (ذ)كر (أ)نبلا

(2/404)


يعني-قل أو لو جئتكم-قرأه حفص وابن عامر-قال-على الخبر أي قال النذير وقراءة الباقين على حكاية ما أمر به النذير أي قلنا له إذ ذاك قل لهم هذا كلام وتقدير البيت وقل يقرأ ثم قال وسقفا بضمه أي بضم السين وتحريك القاف جمعا قال أبو علي سقف جمع سقف كرهن ورهن قال وسقف واحد يدل على الجمع ألا ترى أنه قد علم بقوله-لبيوتهم-أن لكل بيت سقفا قال أبو عبيد ولم تجد مثال فعل بجمع على فعل غير حرفين سقف وسقف ورهن ورهن ، قلت وأجمعوا على إفراد التي في النحل (فخر عليهم السقف من فوقهم) ، (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) ، وقوله ذكر أنبلا أي نبيلا أي ذكر هذا اللفظ في حال نبله أو ذكر شخصا نبيلا أي أفهمه أنه أحد الحرفين المجموعين على هذا الوزن
(1024)
و(حـ)ـكم (صحـ)ـاب قصر همزة جاءنا وأسورة سكن وبالقصر عدلا
الحاء من وحكم رمز أبي عمرو وقد سبق استشكاله والتنبيه عليه في مواضع يريد-حتى إذا جاءنا قال-فقراءة القصر على أن الجائي واحد وهو الذي عشى عن ذكر الرحمن عز وجل وقراءة المد على أن الجائي اثنان هو وقرينه وهو القائل لقرينه-يا ليت بيني وبينك-الآية وأسورة جمع سوار كأخمرة في جمع خمار وأساورة جمع الجمع وأجمع أساور وهو لغة في السور وهو موافق لقوله- يحلون فيها من أساور-فهو بالهاء وبغير الهاء واحد والله أعلم
(1025)
وفي سلفا ضما (شـ)ـريف وصاده يصدون كسر الضم (فـ)ـى (حـ)ـق (نـ)ـهشلا

(2/405)


أي ضما قاريء شريف يريد ضم السنن واللام قالوا هو جمع سليف كرغف في جمع رغيف وبفتح السين واللام جمع سالف كخدم في جمع خادم وكلاهما بمعنى واحد وقال أبو علي سلف جمع سلف مثل أسد وأسد ووثن ووثن وسلف اسم من أسماء الجمع كخدم وطلب وحرس وكذلك المثل يراد به الجمع فمن ثم عطف على سلف في قوله-فجعلناهم سلفا مثلا-واختار أبو عبيد قراءة الفتح وقال هي التي لا تكاد العامة تعرف غيرها لأن الآثار التي نقلتها الفقهاء إلينا إنما بقفا فيها كلها السلف كذلك ذكرهم معاد ويبدأ ولم يسمع فى شيء منها السلف وقوله وصاد يصدون قال الشيخ الهاء في وصاده إضمار على شربطة التفسير قلت يكون قوله يصدون بدلا من الضمير كما تقول ضرب زيدا ومررت به زيد ويجوز أن يكون على التقديم وللتأخير أي ويصدون صاده كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى-ومن وراء إسحاق يعقوب-على قراءة من رفع يعقوب أن التقدير ويعقوب من وراء إسحاق وقوله كسر إما مبتدأ ثان أو بدل اشتمال والعائد على يصدون محذوف أي كسر الضم منه أو كسر ضمه على قيام الألف واللام مقام الضمير نحو-مفتحة لهم الأبواب أي أبوابها وقد سبق معنى في حق نهشلا في سورة النساء وكسر الصاد وضمها في يصدون هنا لغتان مثل الخلاف في كاف يعكفون وراء يعرشون وهو من الصديد الذي هو الجلبة والصياح والضجيج وقيل الضم من الصدود الذي هو الإعراض قال أبو علي لو كانت من هذا لكان إذا قومك عنه يصدون ولم يكن منه وجوابه أن المعنى من أجل هذا المثل صدوا عن الحق وأعرضوا عنه وقرأت بخط ابن مجاهد في معاني القرآن يصدون منه وعنه سواء وقال الفراء العرب تقول يصد ويصد مثل يشد ويشد وينم وينم لغتان
(1026)
ءآلهة كوف يحقق ثانيا وقل ألفا للكل ثالثا ابدلا

(2/406)


يريد آلهتنا خير أم هو-فيها ثلاث همزات ثنتان مفتوحتان والثالثة ساكنة فأجمع على إبدالها ألفا لسكونها وفتح ما قبلها واختلف في الثانية فحققها الكوفيون على أصلهم في باب الهمزتين من كلمة وسهلها الباقون بين بين على أصولهم في قراءة-آمنتم-وحفص يسقط الأولى من-آمنتم-وأثبتها هنا والكلام في التحقيق والتسهيل والإبدال وعدم المد بين الهمزتين كما سبق في مسئلة-ءآمنتم-في الأصول وقوله ءآلهة مبتدأ وكوف خبره أي قراءة كوف ثم بينها بقوله يحقق ثانيا أي ثاني حروفه وإنما قال ذلك لأنه يمكن اتزان البيت بقراءة آلهة على لفظ التسهيل وهذا مما استدل به على أن الهمزة المسهلة برنة المحققة ويجوز أن يكون كوف مبتدأ ثانيا وما بعده خبره والجملة خبر الأول وقوله ألفا ثاني مفعولي أبدل والمفعول الأول هو مرفوع أبدل العائد على ءآلهة وثالثا نصب على التمييز من ذلك الضمير على قول من أجاز تقديم التمييز على عاملة أي أبدل هذا اللفظ ثالثا أي ثالث حروفه أبدل ألفا فيكون تقدير هذا النظم أبدل ثالثا ألفا كما لو قلت ريد كسى رأسا قلنسوة ولو قال ثالثه أبدلا لكان أظهر ووصل همزة القطع جائز للضرورة وفي عبارة الناظم نقل حركة همزة أبدل إلى التنوين فانضم وانحذف الهمزة كما يقرأ ورش-غرووا-أولئك مأواهم-وقد سبق شرح مثل هذا البيت في باب الهمزتين من كلمة
(1027)
وفي تشتهيه تشتهي (حق صحبة) وفي ترجعون الغيب (شـ)ـايع (د)خللا
اختلف المصاحف الأئمة في هذه الكلمة فكتبت الهاء في مصاحف المدينة والشام وحذفت من غيرها ووجه القراءتين ظاهر لأن الجملة صلة ما وحذف العائد من الصلة إلى الموصول جائز والغيب في قوله-وعنده علم الساعة وإليه ترجعون-شايع دخللا قبله وهو-فذرهم يخوضوا-والخطاب على الالتفات واختار أبو عبيد الغيب
(1028)

(2/407)


وفي قيله اكسر واكسر الضم بعد (فـ)ـي (نـ)ـصير وخاطب تعلمون (كـ)ـما (ا)نجلا
هكذا وقع في الرواية في جميع النسخ وفي-قيله-اكسر اللام وهو سهو والصواب على ما مهده في خطبته أن تكون اخفض لأنها حركة إعراب ثم قال واكسر الضم يعني في الهاء وهذا على بابه لأنه حركة بناء وإنما قال في الثانية اكسر الضم وقال في الأولى اكسر ولم يقل اكسر الفتح لأن الفتح ضد الكسر فكفى الإطلاق والضم ليس ضدا للكسر فاحتاج إلى بيان القراءة الأخرى وقوله بعد أي بعد ذلك الكسر وقوله في نصير في موضع الحال أي كائنا في رهط نصير أي في جملة قوم ينتصرون لتوجيه القراءتين فوجه الجر العطف على لفظ الساعة في قوله-وعنده علم الساعة-و-قيله-أي وعلم قيله وقيل الواو في وقيله للقسم وجوابه-إن هؤلاء-وأما النصب فعطف على موضع الساعة فإنه في موضع نصب أي يعلم الساعة ويعلم قيله وقيل عطف على-سرهم ونجواهم-وقيل هو نصب على المصدر أي وقال قيله أي شكا شكواه والقيل والقول واحد ومنه قول كعب بن زهير ، (يسعى الوشاة جنابتها وقيلهم إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول) ، ذكر الوجهين الأخيرين الأخفش والفراء وذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو علي وسبقه إليها الزجاج واختار العطف على موضع الساعة وصدق لأن الجر عطف على لفظها فيتحد معنى القراءتين وذكر النحاس وجهين آخرين أن يكون عطفا على مفعول محذوف أي ورسلنا يكتبون ذلك وقيله أو وهم يعلمون الحق وقيله واختار أبو عبيد قراءة النصب قال لكثرة من قرأ بها ولصحة معناها إنما هي في التفسير-أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم-ونسمع-قيله يا رب-وقال النحاس القراءة البينة بالنصب من جهتين إحداهما أن المعطوف على المنصوب يحسن أن يفرق بينهما وإن تباعد ذلك لانفصال العامل والمعمول فيه مع المنصوب وذلك في المخفوض إذا فرقت بينهما قبيح والجهة الأخرى أن أهل التأويل يفسرون الآية على معنى النصب قال والهاء في قيله تعود

(2/408)


إلى النبي محمد أو إلى عيسى بن مريم عليهما السلام ، قلت وإذا كان المعنى يصح على عطف وقيله المنصوب على مفعول-وهم يعلمون-المحذوف أي إلا من شهد بالحق وهم يعلمونه ويعلمون قيله فيجوز أن يقال إن القراءتين عطف على بالحق النصب على الموضع والجر على اللفظ والذي شهد بالحق ذكر في التفسير أنهم الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام وقال الزمخشري بعد حكايته للوجوه الثلاثة المتقدمة والذي قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر اللفظ وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه ، قلت أما على قراءة الجر فواضح جوازه وقد تقدم ذكرنا له وأما على قراءة النصب فغلط لأن حرف القسم موجود وهو الواو فلا نصب مع وجودها والله أعلم ، ثم قال وخاطب-تعلمون-يعني الذي هو آخر السورة ووجه الخطاب فيه والغيب ظاهر وقد سبقت نظائرهما والله أعلم
(1029)
بتحتي عبادي اليا ويغلي (د)نا (عـ)ـلا ورب السموات اخفضوا الرفع (ثـ)ـملا

(2/409)


أي هاتين الكلمتين في سورة الزخرف الياء يعني ياء الإضافة المختلف في فتحها وإسكانها الأولى-من تحتي أفلا تبصرون-فتحها نافع والبري وأبو عمرو والثانية-يا عبادي لا خوف عليكم-فتحها في الوصل أبو بكر وسكنها في الحالين نافع وأبو عمرو وابن عامر وحذفها الباقون في الحلين وفيها زائدة واحدة واتبعون هذا صراط أثبتها في الوصل أبو عمره وحده ثم ذكر الخلاف في آخر سورة الدخان فقال ويغلي يعني كالمهل تغلي في البطون قرأه بالتذكير ابن كثير وحفص أي يغلي الطعام والباقون بالتأنيث أي تغلي الشجرة وعلا حال أو تمييز أي دنا ذا علاء أو دنا علاه والخفض في-رب السموات-في أول السورة على البدل من قوله-رحمة من ربك-والرفع على الابتداء وخبره-لا إله إلا هو-أو يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السموات وثملا حال من فاعل اخفضوا أي مصلحين وقد تقدم
(1030)
وضم اعتلوه اكسر (غـ)ـنى إنك افتحوا (ر)بيعا وقل إني ولي الياء حملا
أي ذا غنى والضم والكسر في تا-فاعتلوه-لغتان وهو القود بعنف والفتح في-ذق إنك-أي لأنك أنت والكسر ظاهر وهما على وجه التهكم والاستهزاء وربيعا حال أي ذوي ربيع أو ذا ربيع على أن يكون حالا من الفاعل أو المفعول والربيع النهر الصغير فحسن من جهة اللفظ قوله افتحوا ربيعا والألف في آخر حملا ضمير يرجع إلى إني ولي والياء بالنصب مفعول ثان لجملا أي أتت ياء الإضافة المختلف فيها فيهما أراد-إني آتيكم بسلطان-فتحها الحرميان وأبو عمرو-وإن لم تؤمنوا لي-فتحها ورش وحده وفيها زائدتان-أن ترجمون-وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون-أثبتهما في الوصل ورش وحده وقلت فيهما مع-الجوار-في الشورى-واتبعوني-في الزخرف ، (وواتبعوني والجوار وترجمون فاعتزلون زائدات لدى العلا)
سورة الجاثية و الأحقاف
(1031)
معا رفع آيات على كسره (شـ)ـفا وإن وفي أضمر بتوكيد أولا

(2/410)


يعني-آيات لقوم يوقنون-آيات لقوم يعقلون-قرءا بالرفع والنصب وعلامة النصب الكسر ولا خلاف في الأول وهو-إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين-أنه منصوب بالكسر لأنه اسم إن وأما-آيات لقوم يوقنون-فرفعها ونصبها أيضا ظاهران كقولك إن في الدار زيد وفي السوق عمرو وعمرا فهذا جائز باتفاق فالنصب على تقدير وإن في السوق عمرا فحرف إن مقدر قبل في والرفع عطف على موضع اسم إن أو على استئناف جملة ابتدائية أو يكون عمرو فاعل في السوق على رأى من يجوز ذلك فكذا قوله تعالى-وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات-وذلك لظهور حرف في من قوله-وفي خلقكم-وأما قوله تعالى-(واختلاف الليل والنهار)-فلم يأت فيه حرف إن ولا حرف في فهنا اختلف النحاة فقيل إن الواو نائبة عنهما وإن اختلف عملهما لفظا ومعنى وهذا هو الذي يسمى عندهم العطف على عاملين أي على عمل عاملين أو معمولي عاملين نحو إن في الدار زيدا والحجرة عمرا أي وإن في الحجرة عمرا أي وإن في اختلاف الليل والنهار آيات وعلى قراءة الرفع تكون الواو نائبة عن حرف في أي وفي اختلاف الليل والنهار آيات عطفا على قوله-وفي خلقكم آيات-فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضا عطف على عاملين وهما حرف في والابتداء المقتضي للرفع ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة لأن الابتداء ليس بعامل لفظي وقد استدل أبو الحسن الأخفش بهذه الآية على جواز العطف على عاملين وصوبه أبو العباس في استدلاله بهذه دون غيرها وقال أبو بكر بن السراج العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار للتأكيد قال أبو الحسن الرماني هو كقولك إن في الدار زيدا والبيت زيدا فهذا جائز بالإجماع لأنه بمنزلة إن زيدا في الدار والبيت فهما قال فتدبر هذا الوجه الذي ذكره ابن السراج فإنه حسن جدا لا يجوز حمل كتاب الله تعالى إلا عليه وقد يثبت القراءة بالكسر ولا عيب في القرآن على وجه وللعطف على عاملين عند من

(2/411)


أجازه عيب ومن لم يجزه فقد تناهى في العيب فلا يجوز حمل هذه الآية إلا على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره ، قلت ولا ضرر فيما ذهب إليه من ذهب من العطف على عاملين وسنتكلم إن شاء الله تعالى عليه في شرح النظم من النحو ونبين وجهه من القياس وقد استدل على ذلك بأبيات تكلف المانعون له تأويلها قال الزجاج ومثله في الشعر ، (أكل امريء تحسبين امرءا ونار توقد بالليل نارا) ، أهل قال عطف على ما عملت فيه كل وما عملت فيه تحسبين وأنشد أبو علي الفرزدق ، (وباشر راعيها العلا بلسانه وجنبيه حر النار ما يتحرف) ، قال فهذا عطف على الفعل والهاء وأنشد أيضا ، (أوصيت من سره قلبا حرا بالكلب خيرا والحماة شرا) واختار أبو عبيد قراءة الكسر اعتبارا بقراءة أبي بن كعب لآيات في المواضع كلها قال لأنها دالة على أن الكلام نسق على الحرف الأول ، وقول الناظم وإن وفي أضمر قال الشيخ قال رحمه الله لم أرد بقولي اضمر الاضمار الذي هو كالمعطوف به وإنما أردت أن حرف العطف ناب في قوله-وفي خلقكم-عن أن وفي قوله واختلاف عن أن وفي وإذا كانت الآيات توكيدا خرج عن العطف على عاملين الذي يأباه أكثر البصريين وخرج عن إضمار حرف الجر الذي هو قليل في الكلام ، قلت فهذا معنى قوله بعد ذلك بتوكيد أولا وكأنه جمع بين القولين فإن من يرى العطف على عاملين أضمر أن وفي بخلاف من أكد وقال الزمخشري هو من العطف على عاملين سواء نصبت أو رفعت فالعاملان إذا نصبت هما أن وفي أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في-واختلاف-والنصب في-آيات-إذا رفعت فالعاملان الابتداء وفي وهو على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه وقد أباه سيبويه فهو على مذهبه على إضمار في والذي حسنه تقدم ذكره في الآيتين قبلها أو ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله أو على التكرير ورفعها بإضمار هي ، قلت التكرير هو التوكيد الذي ذكره ابن السراج وإضمار في هو قول أبي علي في الحجة وقد

(2/412)


بسطه وتكلف بيانه وحاصله أنه أعمل حرف الجر مضمرا وذلك قليل في كلامهم مستضعف وليس القول بالعطف على عاملين بأضعف من هذا وأما النصب على الاختصاص والرفع بإضمار هي فوجه آخر زاده من تصرفه وتقدير الكلام على العطف على عاملين-إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين-وإن في خلقكم آيات وإن في اختلاف الليل والنهار آيات وعلى قول التأكيد إن في السموات والأرض وفي خلقكم واختلاف الليل لآيات آيات آيات وتفرقت كما تفرق بين الفواصل-فبأي آلاء ربكما تكذبان-ويل يومئذ للمكذبين-ءإله مع الله-إن في ذلك لآيات-في سورة الروم أي إن في كل واحد من هذه المذكورات آيات وتارة تقصد الجملة كما في آل عمران-إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات-وفي البقرة زاد على ذلك-والفلك التي تجري في البحر-إلى قوله-لآيات لقوم يعقلون-والتقدير في قراءة الرفع على قول التأكيد وفي خلقكم وما يبث من دابة واختلاف الليل إلى آخره آيات آيات
(1032)
لنجزي يا نص (سما) وغشاوة به الفتح والإسكان والقصر (شـ)ـملا
أي ذو ياء نص سما أي منصوص على الباء نصا رفيعا لأن الضمير في الفعل يرجع إلى اسم الله تعالى قبله من قوله-أيام الله-وقراءة الباقين بنون العظمة وغشوة وغشاوة واحد وهو ما يغطي العين عن الأبصار وفيها لغات أخر ولم يختلفوا في التي في البقرة أنها غشاوة وقول الناظم غشاوة مبتدأ وحكى لفظ القرآن فأتى به منصوبا وشملا به خبر أي شمل بهذا اللفظ الفتح في الغين والإسكان في الشين والقصر وهو حذف الألف وفي شرح الشيخ في شمل ضمير يرجع إلى غشاوة ولو أراد ذلك لم يحتج إلى قوله به والله أعلم
(1033)
ووالساعة ارفع غير حمزة حسنا المحسن إحسانا لكوف تحولا

(2/413)


إعراب غير حمزة كما سبق في قوله فأطلع ادفع غير حفص يريد-والساعة لا ريب فيها-نصبها عطف على لفظ-إن وعد الله حق-ورفعها عطف على موضع اسم إن أو على الابتداء قال أبو الحسن الأخفش الرفع أجود في المعنى وأكثر في كلام العرب إذا جاء بعد خبر إن اسم معطوف أو صفة أن يرفع قال أبو علي يقوى ما ذهب إليه أبو الحسن قوله-إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين-لم تقرأ العاقبة فيما علمت إلا مرفوعة ، قلت والأولى في تقدير قراءة الرفع العطف على موضع اسم إن ليتحد معنى القراءتين ويكون قوله لا ريب فيها جملة مستقلة فهي على وزان الآية التي في سورة الحج-وإن الساعة آتية لا ريب فيها-والمعنى وإذا قيل إن وعد الله حق وإن الساعة حق وذلك على وفق ما في الصحيحين من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام يتهجد أنت الحق ووعدك حق والساعة حق ، وأما-ووصينا الإنسان بوالديه حسنا-فهذه قراءة الجماعة كالتي في العنكبوت سواء وقراءة الكوفيين هنا-إحسانا-اعتبارا بالتي في سورة البقرة والأنعام وسبحان وذكر أبو عبيد أنها في المصاحف مختلفة أيضا فكل قرأ بما في مصحفه ومعنى إحسانا أي تحسن إليهما إحسانا ومعنى حسنا أي وصية ذات حسن أي تفعل بهما فعلا ذا حسن ولم يقرأ هنا بفتح الحاء والسين كما قرأ في البقرة-وقولوا للناس حسنا-إلا في قراءة شاذة ووجهها ظاهر أي يفعل بهما فعلا حسنا وقول الناظم تحولا هو خبر حسنا أي تحولا حسنا إحسانا في قراءة الكوفيين وقوله المحسن كلمة حشو لا تعلق لها بالقراء لا رمزا ولا تقييدا وهي صفة حسنا أي المحسن شرعا وعقلا وإنه ليوهم أنه رمز لنافع وتكون قراءة غيره وغير الكوفيين حسنا بفتح الحاء والسين كما قرأ به في البقرة وترك قيدها لظهورها فليس بأبعد من قوله في سورة طه-وأنجيتكم-واعدتكم-ولو أنه قال حسنا الذي بعد إحسانا لم يوهم شيئا من ذلك لأنه كالتقييد للحرف
(1034)

(2/414)


وغير (صحاب) أحسن ارفع وقبله وبعد بياء ضم فعلان وصلا
أي وقراءة غير صحاب أحسن ثم بينها بقوله ارفع أي بالرفع وقال الشيخ التقدير أحسن ارفع لهم قال ويجوز نصب غير على إسقاط الخافض وتقديرا حسن ارفع لغير صحاب ، فإن قلت لو أراد ذلك لقال لغير صحاب ، قلت إنما عدل إلى الواو لأنها تفصل بين المسألتين يريد-أحسن ما عملوا-وقبل أحسن وبعده فعلان وصلا بياء ضمت هذا تقدير النظم ومعناه أن الجماعة قرءوا يتقبل ويتجاوز على بناء الفعلين لما لم يسم فاعله فأولهما ياء مضمومة وأحسن مرفوع لأنه مفعول ما لم يسم فاعله وقراءة صحاب بنون العظمة المفتوحة على بناء الفعلين للفاعل وأحسن منصوب لأنه مفعول يتقبل الذي قبله ومفعول يتجاوز قوله عن سيئاتهم
(1035)
وقل عن هشام أدغموا تعدانني نوفيهم باليا (لـ)ـه (حق نـ)ـهشلا
القراءة بنونين مكسورتين هو الأصل لأن الأولى علامة رفع الفعل بعد ضمير التثنية مثل تضربان والثانية نون الوقاية وهشام أدغم الأولى في الثانية كما أدغم في-أتحاجوني-لوجود المثلين ورويت أيضا عن ابن ذكوان مع أنهما قرءا في الزمر تأمرونني بنونين فأظهرا ما أدغم غيرهما وكثير من المصنفين لم يذكروا هذا الإدغام في-أتعدانني-ولم يقرأ أحد بحذف إحدى النونين كما في-تأمرونني-و-تحاجوني-وحكى الأهوازي رواية أخرى بفتح النون الأولى وهي غلط فلهذا يقال في ضبط قراءة الجماعة بنونين مكسورتين وأما-ليوفيهم أعمالهم-فقراءته بالياء والنون ظاهرة وقد سبق معنى نهشلا
(1036)
وقل لا ترى بالغيب واضمم وبعده مساكنهم بالرفع (فـ)ـاشيه (نـ)ـولا

(2/415)


قوله بالغيب أي بسورة الغيب وإنما هو من باب التذكير لأجل الاستثناء المفرغ نحو ما يقوم إلا هند ولا يجوز في هذا التأنيث إلا في شذوذ وضرورة وإنما ذكر لفظ الغيب دون التذكير لأن القراءة الأخرى بالخطاب لا بالتأنيث ولهذا فتحت التاء أي لا نرى أيها المخاطب لا مساكنهم بالنصب لأنه مفعول ترى المبني للفاعل ومن قرأ يرى بضم الياء رفع مساكنهم لأنه مفعول ما لم يسم فاعله ثم ذكر ياءات الإضافة فقال
(1037)
وياء ولكني ويا تعدانني وإني وأوزعني بها خلف من بلا
أي بهذه الأربعة خلاف القراء في الفتح والإسكان أراد-ولكني أراكم-فتحها نافع وأبو عمرو والبزي-أتعدانني إن أخرج-فتحها الحرميان-إني أخاف عليكم-فتحها الحرميان وأبو عمرو-أوزعني أن أشكر-فتحها ورش والبزي
ومن سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى سورة الرحمن - عز وجل -
(1038)
وبالضم واقصر واكسر التاء قاتلوا (عـ)ـلى (حـ)ـجة والقصر في آسن (د)لا
يريد-والذين قاتلوا في سبيل الله-قرأها حفص وأبو عمرو-قتلوا-وكلاهما ظاهر فصفة المجموع أنهم قاتلوا وقتلوا أي قتل منهم والماء الآسن هو المتغير فمن قصر فهو من أسن بكسر السين يأسن يفتحها فهو أسن كحذر ومن مد فهو من أسن بفتح السين يأسن بكسر السين وضمها فهو آسن على وزن فاعل كضارب وقاتل وكل ذلك لغات وقد سبق معنى دلا
(1039)
وفي آنفا خلف (هـ)ـدى وبضمهم وكسر وتحريك وأملي (حـ)ـصلا

(2/416)


أي والقصر في آنفاذ وخلف عن البري يريد قوله تعالى-ماذا قال آنفا-أي الساعة قال أبو علي يجوز أن يكون توهمه مثل حاذر وحذر وفاكه وفكه والوجه المد وأما-وأملي لهم-على بناء الفعل للفاعل فالضمير فيه لله تعالى كما قال تعالى-إنما نملي لهم ليزدادوا إثما-وقيل يجوز أن يعود على ما قبله مجازا أي الشيطان سول لهم وأملي وقراءة أبي عمرو على بناء الفعل لما لم يسم فاعله وهو يحتمل الأمرين فضم الهمز وكسر اللام وحرك الياء بالفتح فقوله وبضمهم وما بعده متعلق بقوله حصلا وأملي مبتدءا وحصلا خبره أي حصل بالضم والكسر والتحريك والله أعلم
(1040)
وأسرارهم فاكسر (صحابا) ونبلوننكم نعلم اليا (صـ)ـف ونبلو واقبلا
صحابا حال من فاعل اكسرا ومفعوله أي ذا صحاب ويجوز أن يكون على تقدير اكسروا صحابا فهو أمر لمفرد لفظا وهو لجماعة تقديرا وهذا كما سبق في قوله ، (زد الهمز ثملا وخاطب يستطيعون عملا ) ، وأسرار بفتح الهمزة جمع سر وبالكسر مصدر أسر وأما الياء والنون في هذه الكلمات الثلاث هي-وليبلونكم حتى يعلم-ويبلو-فالنون للعظمة والياء لأن قبله-والله يعلم أعمالكم-وأراد الناظم ويبلونكم ويعلم ويبلو الياء صف فيها فقدم وأخر للضرورة أو يكون أراد ويبلو كذلك أي بالياء وأراد وأقبلن فأبدل من نون التأكيد ألفا أي صف وأقبل وفرغ الكلام في سورة القتال
(1041)
وفي يؤمنوا (حق) وبعد ثلاثة وفي ياء يؤتيه (غـ)ـدير تسلسلا
يريد-لتؤمنوا بالله ورسوله-وبعدها ثلاثة ألفاظ أيضا وهي-وتعزروه وتوقروه وتسبحوه-قرأ الأربعة بالغيب حق أي ليؤمن المرسل إليهم ويفعلوا كيت وكيت وقرأ الباقون بالخطاب وهو ظاهر وأما-فسنؤتيه أجرا عظيما-فالياء فيه والنون كما سبق في-ولنبلونكم-وقوله غدير تسلسلا عبارة حسنة حلوة وأشار إلى كثرة أمثال ذلك وقد تقدم والله أعلم
(1042)

(2/417)


وبالضم ضرا (شـ)ـاع والكسر عنهما بلام كلام الله والقصر وكلا
يريد-إن أراد بكم ضرا-قال أبو علي الضر بالفتح خلاف النفع وفي التنزيل-(ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا)-والضر بالضم سوء الحال وفي التنزيل-فكشفنا ما به من ضر-والأبين في هذا الفتح عندي ويجوز أن يكونا لغتين في معنى كالفقر والفقر والضعف والضعف وقوله عنهما أي عن حمزة والكسائي المدلول عليهما بالشين شاع وكلام إذا كسرت لامه وقصر أي حذفت ألفه صار كلم وهو بمعنى كلام كقوله-يحرفون الكلم عن من مواضعه-والأكثر في المضاف إلى الله استعمال الكلام نحو- برسالاتي وبكلامي-حتى يسمع كلام الله-وقوله والقصر عطف على والكسر وقوله وكلا خبر عنهما فالألف فيه ضمير التثنية أي وكل الكسر والقصر بلام كلام فكسرت ولم تمد الفتحة فيها فقصرت كما قال وفي يتناجون اقصر النون مكانات مد النون
(1043)
بما يعملون (حـ)ـج حرك شطأه (د)عا (مـ)ـاجد فآزره (مـ)ـلا
يريد-بما يعملون بصيرا- ، هم الذين كفروا-قرأه أبو عمرو وحده بالغيب والباقون بالخطاب ولا خلاف في الذي-بما تعملون خبير-بل ظننتم أنه بتاء الخطاب والخلاف في الحرفين في الأحزاب وشطأه بسكون الطاء وفتحها لغتان وهو فراخ الزرع وآزره وأزره بالمد والقصر أي قواه وأعانه وقيل المد بمعنى ساواه أي ساواه الشطء والزرع وعلى الأول يجوز أن تكون الهاء في فآزره للشطأ أو للزرع لأن كل واحد منهما مقو للآخر ، وملا جمع ملاء وهو الملحفة وقد سبق ذكرها في مواضع وهي هنا حسنة المعنى على تقدير ذا ملأ لأن تقويت طافات للزرع والتفافها يشبه الاشتمال بالملا والله أعلم ، وانتهى إلى هنا ذكر الخلاف في سورة الفتح ثم ذكر ما في الحجرات وما بعدها فقال
(1044)
وفي يعملون (د)م يقول بياء (إ)ذ (صـ)ـفا واكسروا أدبار (إ)ذ (فـ)ـاز (د)خللا

(2/418)


يريد آخر الحجرات-والله بصير بما تعملون-قرأه ابن كثير وحده بالغيب والباقون بالخطاب وكلاهما ظاهر وأما-يوم يقول لجهنم-فالخلاف فيه بالياء والنون ظاهر وأما- أدبار السجود-فهو بالكسر مصدر أدبر وبالفتح جمع دبر أي وقت أدبار السجود وإنما قال في الكسر فاز دخلل لموافقته الذي في آخر الطور فهو مجمع على كسره
(1045)
وباليا ينادى قف (د)ليلا بخلفه وقل مثل ما بالرفع (شـ)ـمم (صـ)ندلا

(2/419)


يريد-واستمع يوم ينادي المناد-ياء ينادي محذوفة في الرسم لأنها محذوفة في الوصل لالتقاء الساكنين فإذا وقف عليها فكلهم يحذفها اتباعا للوصل والرسم وابن كثير أثبتها في أحد الوجهين عنه على الأصل وليست هذه معدودة من الياءات الزوائد وإن كانت محذوفة في الرسم لأن تلك شرطها أن يكون مختلفا في إثباتها وصلا ووقفا وهذه وإن اختلف في إثباتها وقفا فلم يختلف في حذفها وصلا وإنما عد من الزوائد-فما أتاني الله-فبشر عباد الذين-لأن من فتحهما أثبتهما وصلا وهي ياء إضافة قابلة للفتح وهذه ياء ينادي لام الفعل فهي ساكنة في حال الرفع ولكن في قاف ثلاثة زوائد المناد بعد ينادي أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو وفي الحالين ابن كثير-فحق وعيد-من يخاف وعيد-أثبتهما في الوصل ورش وحده وأما-(مثل ما أنكم تنطقون)-في سورة والذاريات فشمم صندلا أي شمم قارئه وسامعه طيبا لظهور الوجه فيه لأنه صفة لحق أي إنه لحق مثل نطقكم وما زائدة ووجه الفتح أنه في موضع رفع ولكنه فتح فتحة بناء لإضافته إلى غير متمكن كقوله ، (وتداعا منخراه بدم مثل ما أثمر حماض الخيل) ، هكذا أنشده أبو عثمان وأبو عمرو بالفتح وهو نعت مجرور ومنه قوله ، (لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ) ، بفتح غير فهو فاعل يمنع وقيل هو نعت مصدر محذوف أي لحق حقا مثل ما وقيل حال من الضمير في لحق لأنه مصدر وصف به وأجاز الجرمي أن بكون حالا من لحق نفسه وإن كان بكسرة وأجاز هذا رجل مقبلا أي لحق كأنها مثل نطقكم وقال أبو عبيد وقال بعض العرب يجعل مثل نصبا أبدا ، فيقولون هذا رجل مثلك وقال الفراء العرب تنصبها إذا رفع بها الاسم يعني المبتدأ فيقولون مثل من عبد الله ويقولون عبد الله مثلك وأنت مثله لأن الكاف قد تكون داخلة عليها فتنصب إذا لقيت الكاف قلت وهذه لغة غريبة وفيها نظر
(1046)
وفي الصعقة اقصر مسكن العين (ر)اويا وقوم بخفض الميم (شـ)ـرف (حـ)ـملا

(2/420)


هذا تقييد لما لفظ به فالقصر حذف الألف من الصاعقة وفي قوله مسكن العين نظر وصوابه مسكن الكسر فإن الإسكان المطلق ضده الفتح على ما تقرر في الخطبة وغيرها فما وقع ذلك إلا سهوا عما التزمه باصطلاحه فإن قيل الصعقة لا كسر فيها فكيف يقول مسكن الكسر قلت وكذلك لا بد فيها فكيف قال اقصر إنما ذلك باعتبار القراءة الأخرى أي أسكن في موضع الكسر ولم يتعرض الشيخ لهذا في شرحه أولا ثم في آخر عمره زاد في شرحه نكتا في مواضع هذا منها فقال قوله مسكن العين أراد به عين الفعل كما قال لا عين راجع وهذا زيادة إغراب في البيت وغير مخلص من الإشكال والصاعقة اسم النازلة والصعقة مصدر صعقتهم فقوله فأخذتهم الصعقة كما قال-فأخذتهم الصيحة-قال أبو علي قيل إن الصعقة مثل الزجرة وهو الصوت الذي يكون عن الصاعقة قوله وقوم يريد وقوم نوح بالخفض عطف على وفي موسى-وقوله-وفي موسى-عطف على-وتركنا فيها آية-أي وفي موسى وفي عاد وفي ثمود وقوم نوح آيات والنصب على وأهلكنا قوم نوح أو واذكر قوم نوح وانقضى النظم لما في الذاريات ثم شرع في حروف والطور فقال
(1047)
وبصر وأتبعا بواتبعت وما ألتنا اكسروا (د)نيا وإن افتحوا (ا)لجلا

(2/421)


أي قرأ أبو عمرو-والذين آمنوا واتبعناهم-موضع قراءة غيره-واتبعتهم-وكلاهما واضح وقد مضى ذكر الخلاف في ذرياتهم الذي بعد اتبعناهم والذي بعد-ألحقنا بهم- في سورة الأعراف وأما-وما ألتناهم-فكسر اللام ابن كثير وحده وفتحها غيره وهما لغتان وفيها لغات أخر ذكرها الشيخ في شرحه والكل بمعنى النقصان وقوله دنيا من قولهم هو ابن عمي دنيا ودنيا وإذا كسرت الدال نونت وإذا ضممتها لم تنون أي قريبا يشير إلى أنه قريب من الحرف المذكور قبله وهو-واتبعناهم-وقال الشيخ يعني إن ألتنا بالكسر قريب من ألتنا بالفتح كابني العم ثم قال وأن افتحوا الجلا بفتح الجيم وقصر الممدود أي ذا الجلا يعني الجلى ورضى في أول البيت الآتي متصل به معنى ورمزا فهو في موضع نصب على التمييز أي الجلى رضاه ويجمعهم أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو رضى وموضع الخلاف هو قوله-إنه هو البر الرحيم-وهو مشكل فإن قبله موضعين لا خلاف في كسرهما وهما-إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين-إنا كنا من قبل ندعوه إنه-ولا يليق الفتح لا بقوله-إنه هو البر-على تقدير لأنه أو ندعوه بأنه أي نصفه بهاتين الصفتين فالذي فتحه نافع والكسائي وكسره الباقون على الابتداء فلهذا قال الجلا رضاه أي الواضح أمره بجواز ذلك فيه وكأنه قيده بذلك والله أعلم
(1048)
رضا يصعقون اضممه (كـ)ـم (نـ)ـص والمسيطرون (لـ)ـسان (عـ)ـاب بالخلف (ز)ملا

(2/422)


أي اضمم ياءه فيبقى فعلا لم يسم فاعله من أصعقهم فيكون مثل يكرمون وقيل يقال صعقهم فيكون مثل يضربون ومن فتح الياء فهو مضارع صعق اللازم لقوله تعالى-فصعق من في السموات-وكلتا الآيتين إشارة إلى صعقة تقع يوم القيامة شهد ذلك ما في صحيح البخاري من قول النبي صلى الله عليه وسلم فإن الناس يوم القيامة يصعقون وقد بينا ذلك في مسألة مفردة مذكورة في الكراسة الجامعة وقوله كم نص أي كم قاريء نص عليه أو كم مرة وقع من قارئه وناقله وقوله لسان أي لغة والزمل الضعيف أي قرأه بالسين هشام وقنبل وحفص بخلاف عنه ثم بين قراءة غيرهم فقال
(1049)
وصاد كزاي (قـ)ـام بالخلف (ضـ)ـبعه وكذب يرويه هشام مثقلا

(2/423)


أي قرأه الباقون بالصاد وأشم الصاد زايا خلف وخلاد بخلاف عنه والكلام في هذا كما سبق في الصراط تعليلا وشرحا لعبارة الناظم فإنه استغنى باللفظ عن القيد وفيه نظر نبهنا عليه هنا والضبع العضد أي أشد وأقوى وانتهى ذكر ما في الطور من الحروف ثم انتقل إلى سورة والنجم فقال وكذب يعني-ما كذب الفؤاد ما رأى-شدده هشام أي لم يكذب ما رآه بعينه قال أبو علي كذب يتعدى إلى مفعول بدله قوله ، (كذبتك عينك أم رأيت بواسط ) ، ومعنى كذبتك أي أرتك ما لا حقيقة له فمعنى-ما كذب الفؤاد ما رأى-أي لم يكذب فؤاد ما أدركه بصره أي كانت رؤية صحيحة غير كاذبة وإدراكا على الحقيقة قال ويشبه أن يكون الذي شدد أكد هذا المعنى-أفتمارونه على ما يرى-أي أترومون إزالته عن حقيقة ما أدركه وعلمه قال الزمخشري ، ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبراءيل عليه السلام أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق وقريء ما كذب أي صدقه ولم يشك أنه جبريل بصورته وقال أبو عبيد وبالتخفيف نقرأ وهي في التفسير ما كذب في رؤيته يقول إن رؤيته قد صدقت ، قلت قد سبق في قوله تعالى-(ولقد صدق عليهم إبليس ظنه)-أي في ظنه فكذا هنا ما كذب فيما رأى أي في رؤيته أي صدق فيها
(1050)
تمارونه تمرونه وافتحوا (شـ)ـذا مناءة للمكي زد الهمز وأحفلا

(2/424)


هذا مثل قوله سكارى معا سكرى أي قراءة حمزة والكسائي اللفظ الثاني وهو تمرونه وسكرى وقوله وافتحوا زيادة بيان هنا أي افتحوا التاء وكان له أن لا يذكره كما لم يذكر فتحه السين في سكرى وشذا حال من الفاتحين أو من المفتوح أي ذوى شذا أو ذا شذا ومعنى-أفتمارونه-أفتجادلونه وبخهم سبحانه في مجادلتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره لهم صلى الله عليه وسلم من الإسراء به وتمرونه بمعنى تجحدونه قال الزمخشري أفتمارونه من المراء وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مري الناقة كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه وقريء أفتمرونه أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ولما فيه من معنى الغلبة عدي بعلى كما يقول غلبته على كذا وقيل أفتمرونه أفتجحدونه وأنشدوا ، (لئن هجرت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخا ما كان يمريكا) ، وقال يقال مريته حقه أي جحدته وتعديته بعلى لا تصح إلا على مذهب التضمين وقال النحاس قال قال محمد بن زيد يقال مراه عن حقه وعلى حقه إذا منعه منه ودفعه عنه وعلى بمعنى عن قال بنو كعب ابن ربيعة يقولون رضي الله عليك أي عنك ومناة على وزن نجاة ومناءة بزيادة همزة بعد الألف على وزن مجاعة لغتان قال جرير (أزيد مناة توعدنا ابن تيم ) ، وأنشد الكسائي (ألا هل أتى التيم ابن عبد مناءة ) ، وقوله واحفلا أرادوا حفلن فأبدل من نون التوكيد الخفيفة ألفا للوقف أي احتفل بهذه القراءة فاحتج لها لأن من الناس من أنكر المد قال أبو علي قال أبو عبيد اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة ولعل مناءة بالمد لغة لم أسمع بها عن أحد من رواة اللغة وقد سمع زيد مناة عبد مناة ولم أسمع بالمد ، قال الزمخشري في اشتقاق اللفظين على القراءتين كأنها سميت مناءة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي كانت تراق ومناة مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها ، قلت ومن الأول تسمية منى لكثرة ما يراق فيها من دماء الأضاحي والنسك في

(2/425)


الحج وقال الجوهري عبد مناة بن أد بن طابخة وزيد مناة بن تميم بن مرة يمد ويقصر قال هو ابن الحارثي ، (الأهل أتى التيم بن عبد مناءة )
(1051)
ويهمز ضيزى خشعا خاشعا (شـ)ـفا (حـ)ـميدا وخاطب تعلمون (فـ)ـطب (كـ)ـلا
أي ويهمز المكي ياء ضيزى والهمز في ذلك وتركه لغتان يقال ضازه حقه يضازه أي إذا نقصه وجار فيه على وزن حساه يحساه ويقال ضازه يضيزه مثل باعه يبيعه فوزن ضئزى بالهمز فعلى بكسر الفاء قالوا هي مصدر وصف به كالذكرى وإذا لم تهمز فوزنها عندي كذلك وهي مصدر أيضا والتقدير قسمة ءات ضيزى وقال النحاة وزنها فعلى بضم الفاء وإن كانت في لفظ ضيزى مكسورة اعتبارا بالأصل كما يقال في وزن يبض فعل وفي وزن بيوت فعول قال أبو علي لأنهم لم يجدوا في الصفات شيئا على فعلى يعني بكسر الفاء مع ألف التأنيث قلت لا نجعلها صفة بل مصدرا كالمهموز قال أبو علي حكى التوزى الهمز في هذه ضأزه يضأزه إذا ظلمه وأنشد ، (إذا ضأزانا حقنا في غنيمة ) ، قلت وانتهى الكلام في حروف سورة النجم ثم قال الناظم خشعا خاشعا مثل سكارى معا سكرى أي قوله تعالى-(خشعا أبصارهم)-يقرأه شفا حميدا خاشعا وهما لغتان في اسم الفاعل إذا وقع فاعلا مجموعا هل يفرد في نفسه أو يجمع جمع تكسير تقول مررت بزيد قاعدا غلمانه وقعودا غلمانه سواء في ذلك الحال والصفة نحو مررت برجل قاعد غلمانه وقعود غلمانه وسنوضح ذلك في شرح الناظم إن شاء الله تعالى قال الزمخشري وفي خشعا بالجمع هو لغة تقول أكلوني البراغيث وليس كذلك فإن أكلوني لغة ضعيفة وتلك فصيحة قال أبو علي يرجح مررت برجل حسان قومه على حسن قومه قال الزمخشري ويجوز أن يكون في خشعا ضميرهم ويقع أبصارهم بدلا عنه ، قلت يعني- يخرجون من الأجداث خشعا-فهو حال وقيل يجوز أن يكون مفعول-يدع الداع-أي يدعو قوما-خشعا أبصارهم-ثم قال وخاطب يعلمون بمعنى قوله-سيعلمون غدا من-الخطاب فيه والغيب ظاهران وكلا تمييز

(2/426)


وهو المرعى وأبدل الهمزة ألفا لما سكنت للوقف وكنى به عن العلم المقتبس من المخاطب ويجوز أن يكون كلا مصدر كلأه أي حرسه وحفظه كلأ كضرب ضربا ثم نقل حركة الهمزة إلى اللام وحذفت الهمزة ثم يكون هذا المصدر تمييزا أو في موضع الحال ليطيب حفظك أو طب واحفظ وفي هذه السورة ثماني زوائد و-يوم يدع الداع-أثبتها في الوصل ورش وأبو عمرو وفي الحالين البزي-مهطعين إلى الداع-أثبتها في الوصل نافع و أبو عمرو وفي الحالين ابن كثير ونذر في ستة مواضع واحد في قصة نوح واثنان في قصة عاد وواحد في قصة ثمود واثنان في قصة لوط أثبت الستة في الوصل ورش وحده وتقدم ثلاث زوائد في سورة ق فقلت فيه ، (وزد نذري ستا كذا الداع فيهما بقاف المنادي مع وعيدي معا علا]
سورة الرحمن - عز وجل -
(1052)
ووالحب ذو الريحان رفع ثلاثها بنصب (كـ)ـفى والنون بالخفض (شـ)ـكلا
ثلاثها بمنزلة كلها في صحة الإضافة وأنث العدد قصدا إلى الكلمات وأطلق الرفع والنصب في الثلاث على حسب ما يليق بكل منها فرفع الحب والريحان بالضمة فيهما ونصبهما بالفتحة فيهما ورفع ذو بالواو ونصبها بالألف ، وفي قوله في البقرة ناصبا كلماته بكسر لم يجتز بلفظ النصب حتى يبين أنه بالكسر لتيسر ذلك عليه ثم وتعسره هنا وإلا فالمعهود في عبارته بالنصب إنما هو الفتحة ورفع الثلاثة بالعطف على فاكهة أي فيها فاكهة والحب والريحان وذو صفة للحب ونصبها بفعل مضمر أي وخلق الحب ذا العصف والريحان ورسمت ذا بالألف في المصحف الشامي وخفض حمزة والكسائي النون من الريحان على تقديمه ذو العصف وذو الريحان والريحان الورق الذي يشم والعصف ورق الزرع ولا خلاف في جره لأنه مضاف إليه صريحا وقوله شكل من شكلت الكتاب إذا قيدته بالضبط بما يدل على الحركات مأخوذ من شكال الدابة لأن اللفظ قبل شكله متردد من جهات يتعين بالشكل بعضها
(1053)

(2/427)


ويخرج فاضمم وافتح الضم (إ)ذ حمى وفى المنشآت الشين بالكسر (فـ)ـاحملا
يريد-منهما اللؤلؤ-قرأه الجماعة على إسناد الفعل إلى الفاعل وقرأه نافع وأبو عمرو على أنه فعل ما لم يسم فاعله فضما الياء وفتحا الراء-المنشآت-بكسر الشين وفتحها نعت للجوار وهي السفن فقراءة الفتح ظاهرة لأنها أنشئت وأجريت وقيل المرفوعات الشرع وقيل في معنى الكسر إنها تنشيء الموج بجريها أو ترفع الشرع أو تنشيء السير على طريق المجاز نحو مات زيد ومرض فمات يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه وهو في الحقيقة لغيره والفاء في فاحملا زائدة وهي رمز والشين مفعول به أي احمل الشين بالكسر أي انقلها كذلك وأراد احملن بنون التأكيد فأبدلها ألفا كما سبق في نظائر له ثم تمم الرمز فقال
(1054)
(صـ)ـحيحا بخلف نفرغ الياء (شـ)ـائع شواظ بكسر الضم مكيهم جلا
أي كسر الشين حمزة وأبو بكر بخلاف عنه وأما-سنفرغ لكم أيها الثقلان-فالخلاف فيه بالياء والنون ظاهر قال أبو علي وليس الفراغ هنا فراغا من شغل ولكن تأويله القصد كما قال جرير ، (الآن قد فرغت إلى تميم ) ، وقال الزمخشري المراد التوفر على النكاية أي لا يكون له شغل سواه ستنقضي شؤن الدنيا فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم والشواظ بكسر الشين وضمها لغتان وهو اللهب وقوله جلا ليس برمز لأنه قد صرح بالقاريء وهو مكيهم فلا رمز معه والله أعلم
(1055)
ورفع نحاس جر (حق) وكسر ميم يطمث في الأولى ضم (تـ)ـهدى وتقبلا

(2/428)


رفع مفعول جر وحق فاعله ورأيت في بعض النسخ رفع بالضم على الابتداء وجر بالرفع خبره وحق مجرور بالإضافة كلا اللفظين صواب ووجهه ظاهر ووجه رفع نحاس العطف على شواظ وجره عطف على نار أي الشواظ من نار ونحاس وفي النحاس قولان أحدهما أنه الدخان والثاني أنه الصفر المذاب وفي الشواظ أيضا قولان لأهل اللغة قال أبو عبيد هو اللهب لا دخان فيه وقال بعضهم لا يكون الشواظ إلا من النار والدخان جميعا فإن قلنا النحاس بمعنى الدخان والشواظ ما لا دخان فيه ظهرت قراءة الرفع وعلى القول الآخر تظهر قراءة الجر وإن قلنا النحاس هو الصفر المذاب ظهرت أيضا قراءة الرفع واستخرج أبو علي وجها لقراءة الجر على قولنا الشواظ ما لا دخان فيه وهو أن التقدير وشيء من نحاس فيحذف الموصوف وتقام الصفة مقامه ثم حذفت من من قوله ومن نحاس لأن ذكره قد سبق في من نار ويقال طمث البكر يطمثها ويطمثها بفتح الميم في الماضي وبكسرها وبضمها في المضارع إذا دماها بالجماع وعني بالأولى التي بعدها-كأنهن الياقوت-ضم الميم الدوري عن الكسائي وإعراب قوله نهدي وتقبلا سبق في شرح قوله في باب الإمالة أمل تدعي حميدا وتقبلا
(1056)
وقال به الليث في الثان وحده شيوخ ونص الليث بالضم الاولا
به أي بالضم والثاني هو الذي قبله-حور مقصورات-وإلا ولا نصب بالضم كقوله عن الضرب مسمعا ، قال صاحب التيسير أبو عمر عن الكسائي-لم يطمثهن-في الأول بضم الميم وأبو الحارث عنه في الثاني كذلك هذه قراءتي والذي نص عليه أبو الحارث كرواية الدوري وقال في غيره قرأت على فارس ابن أحمد في رواية أبي الحارث كرواية الدوري وقال طاهر بن غلبون إن الضم في الأول للدوري وعكس ذلك لأبي الحارث اختيار من أهل الأداء
(1057)
وقول الكسائي ضم أيهما تشا وجيه وبعض المقرئين به تلا

(2/429)


قال الداني في غير التيسير على أن الكسائي خير فيهما فقال ما أبالي أيهما قرأت بالضم أو الكسر بعد أن لا أجمع بينهما قال أبو عبيد كان الكسائي يروي فيهما الضم والكسر وربما كسر إحداهما وضم الأخرى فقول الكسائي هذا وجيه أي له وجاهة لأن فيه الجمع بين اللغتين وبعض المقرئين به تلا يعني بهذا التخيير كابن أشتة وغيره ممن لم يذكر غير التخيير
(1058)
وآخرها ياذي الجلال ابن عامر بواو ورسم الشام فيه تمثلا
أي يا ذو الجلال آخر السورة قرأها ابن عامر بواو أي جعل مكانها واوا ولزم من ذلك ضم الذال قبلها فلهذا لم ينبه عليه وقصر لفظ يا ضرورة يعني قوله سبحانه-تبارك اسم ربك ذي الجلال-فهو بالياء نعت للرب وبالواو نعت للاسم لأن المراد بالاسم هنا لمسمى لأنه إشارة إلى الأوصاف الذاتية وهي المراد تسبيحها وتنزيهها والثناء عليها بقوله-سبح اسم ربك الأعلى-وقد استقصينا بيان ذلك وتحقيقه في آخر كتاب البسملة الأكبر وقوله تمثل أي تشخص الواو في رسم المصحف الشامي وقد أجمعوا على الأول أنه بالواو وهو-ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام-
سورة الواقعة والحديد
(1059)
وحور وعين خفض رفعهما (شـ)ـفا وعربا سكون الضم (صـ)ـحح (فـ)ـعتلى

(2/430)


الخفض عطف على-فاكهة ولحم طير-من باب تقلدت بالسيف والرمح أي إنهم جامعون بين هذه الأشياء ، وفاكهة ولحم طير معطوفان إما على أكواب وإما على جنات النعيم فإن كانا على أكواب فالمعنى أنه ينعمون بحور عين كما نعموا بما قبله وإن كانا على جنات فالمعنى أنهم في مقارنة بحور عين أو معاشرة حور عين وأما وجه الرفع فعلى تقدير ولهم حور عين أو وفيها حور عين أو عطف على ولدان وجوز أبو علي أن تكون عطفا على الضمير في متقابلين ولم يؤكد لطول الفصل وجوز أيضا أن تكون على تقدير وعلى سرر موضونة حور عين وأما عربا فضم الراء وإسكانها لغتان وسبق لها نظائر مثل نذرا ونذرا وهو جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها
(1060)
وخف قدرنا (د)ار وانضم شرب (فـ)ـى ندى الصفو واستفهام إنا (صـ)ـفا ولا
يعني-نحن قدرنا بينكم الموت-التخفيف والتشديد في قدرنا لغتان وقد سبق ذلك في سورة الحجرات وشرب الهيم بضم الشين وفتحها مصدر شربت الإبل ، وقيل الضم الاسم كالشغل والفتح المصدر وجاء المفتوح جمع شارب كركب وصحب في غير هذا الموضع وقوله تعالى-ءإنا لمغرمون-على الخبر قرأه شعبة بزيادة همزة الاستفهام الذي بمعنى التقدير وقوله صفا ولا أي شديد متابعة أوصاف متابعته أو هو صفا ذا ولاء أي متابعة فنصبه على الحال ، وعلى الأول تمييز وصفا بمعنى شديد مقصور والذي بمعنى صاف ممدود فقصر ، ضرورة فإن كان من الصفاء الممدود فالتقدير الاستفهام ذو صفا وإن كان مقصورا فالتقدير مشبه صفا في قوته
(1061)
بموقع بالإسكان والقصر (شـ)ـائع وقد أخذ اضمم واكسر الخاء (حـ)ـولا

(2/431)


يعني إسكان الواو وحذف الألف بعدها من قوله سبحانه-بمواقع النجوم-فهو من باب الإفراد والجمع وقد سبق لهما نظائر ، وتم الكلام في حروف سورة الواقعة ثم شرع في سورة الحديد قرأ أبو عمرو وحده-وقد أخذ ميثاقكم-على بناء الفعل للمفعول والباقون بفتح الهمزة والخاء على بنائه للفاعل وهو الله تعالى وحولا حال وهو العالم بتحول الأمور
(1062)
وميثاقكم عنه وكل (كـ)ـفى وأنظرونا بقطع واكسر الضم (فـ)ـيصلا
عنه أي عن أبي عمرو ورفع القاف من ميثاقكم لأنه مفعول أخذ الذي لم يسم فاعله ونصبه غيره لأنه مفعول أخذ المسمى للفاعل وأما-وكل وعد الله الحسنى-فرفعه على الابتداء كبيت الكتاب كله لم أصنع وكتب كذلك في مصحف الشام وهو في الأصل مفعول وعد ولكن إذا تقدم المفعول على الفعل ضعف عمله فيه فيجوز رفعه وقراءة الجماعة بالنصب على الأصل وقد أجمعوا على نصب الذي في سورة النساء وأما-انظرونا نقتبس-بقطع الهمزة المفتوحة وكسر الظاء قراءة حمزة وحده فبمعنى أمهلونا أي ارفقوا بنا كي ندرككم وقراءة الباقين بوصل الهمزة وضم الظاء بمعنى انتظرونا أو التفتوا إلينا يقال نظرته إذا انتظرته وأنظرته إذا أخرته وأمهلته وفيصلا حال بمعنى حاكما
(1063)
ويؤخذ غير الشام ما نزل الخفيف (إ)ذ (عـ)ـز والصادان من بعد (د)م (صـ)ـلا

(2/432)


يريد-لا يؤخذ منكم فدية-قراءة الجماعة بالتذكير لأن تأنيث الفدية غير حقيقي وأنث ابن عامر على اللفظ-وما نزل من الحق-بالتخفيف والتشديد ظاهران لأن ما نزله الله فقد نزل هو ومعنى إذا عز أي هذا قليل في الكتاب العزيز نحو-وبالحق نزل-والأكثر ذكر التنزيل والإنزال مسند إلى اسم الله تعالى وقوله ما نزل مبتدأ والخفيف خبره وقوله ويؤخذ غير الشام على تقدير تذكير يؤخذ قراءة غير أهل الشام فحذفت هذه المضافات للعلم بها ثم قال والصادان من بعد أي من بعد ما نزل يريد الصادين من قوله-إن المصدقين والمصدقات-أي والصادان كذلك يريد بالتخفيف لابن كثير وأبي بكر وهما بالتخفيف بمعنى الذين صدقوا الله ورسوله والتشديد بمعنى المتصدقين فأدغمت التاء في الصاد فهو مثل المزمل والمدثر وروى عن أبي بن كعب رضي الله عنه إظهار التاء فيهما وقوله-وأقرضوا الله-عطف على الفعل المفهوم من هذا اللفظ تقديره إن الذين صدقوا أو اصدقوا وأقرضوا فمعناه على التخفيف إن الذين آمنوا وعملوا هذا النوع من الخير وهو الإقراض الحسن ومعناه على التشديد إن الذين تصدقوا وكان إقراضهم لله تعالى على الوجه الأحسن وهو من أطيب الكسب صادرا عن نية خالصة ومقصد صالح وقوله دم صلا أي ذا صلاء والصلاء عبر به عن الذكاء-وعن القرى بالعلم وقد سبق تحقيق المعنيين من هذا اللفظ
(1064)
وآتاكم فاقصر (حـ)ـفيظا وقل هو الغني هو احذف (عم) وصلا موصلا

(2/433)


يريد-ولا تفرحوا بما آتاكم-القصر بمعنى جاءكم والمد بمعنى أعطاكم الله واختار أبو عبيد قراءة أبي عمرو لموافقته لقوله فاتكم ولم يقل أفاتكم ووجه المد إضافة الخبر إليه دون ضده كما قال-بيده الخير-وقوله ولا تفرحوا استئناف نهي وقيل عطف على-لكيلا تأسوا-والأول أجود أما-فإن الله هو الغني-فاحذف لفظ هو في قراءة نافع وابن عامر كما هو محذوف في مصاحف المدينة والشام وأثبته غيرهما كما هو ثابت في مصاحفهم ولا خلاف في إثبات الذي في سورة الممتحنة وهو مثل هذا وهو في هذين الموضعين للفصل فحذفه غير مخل بأصل المعنى وقوله وصلا نصب على التمييز وموصلا نعته أي عم وصله الموصل إلينا أي عم نقله وخبره فذكره الأئمة في كتبهم
من سورة المجادلة إلى سورة ن
(1065)
وفي يتناجون اقصر النون ساكنا وقدمه واضمم جيمه (فـ)ـتكملا
أراد بقصر النون حذف الألف التي بعدها في حال سكونه النون وتقديمه على التاء فإذا فصلت ذلك وضممت الجيم صار ينتجون على وزن يذهبون هذه قراءة حمزة وقراءة الباقين ما لفظ به وأصلهما يفتعلون ويتفاعلون على وزن يختصمون ويتخاصمون فحذفت لام الكلمة منهما لأنها في يتناجون ياء تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم حذفت للساكن بعدها وفعل في يتناجون ما فعل في قاضون فقيل ينتجون كما قيل قاضون ومعنى القراءتين واحد إلا أن يتناجون موافق لقوله تعالى-إذا تناجيتم فلا تتناجو-وتناجوا بالبر قال أبو علي يفتعلون ويتفاعلون يجريان مجرى واحد
(1066)
وكسر انشزوا فاضمم معا (صـ)ـفو خلفه (عـ)ـلا (عـ)ـم وامدد في المجالس (نـ)ـوفلا
يريد-وإذا قيل انشروا فانشروا-كسر الشين فيهما وضمها لغتان يقال نشز ينشز أي انهضوا وهمزة انشزوا همزة وصل إذا ابتدئ بها حركت بحركة الشين وصفو خلفه مبتدأ وخبره علا عم والتوحيد والجمع في المجالس والمجلس ظاهران والنوفل الكثير العطا
(1067)

(2/434)


وفي رسلي اليا يخربون الثقيل (حـ)ـز ومع دولة أنث يكون بخلف (لـ)ـلا
يريد ياء الإضافة في قوله تعالى-(ورسلي إن الله قوي عزيز)-فتحها نافع وابن عامر وانتهى الكلام في سورة المجادلة ، وأما-يخربون بيوتهم-فالتخفيف فيها والتشديد لغتان من أخرب وخرب مثل أنزل ونزل وقيل الإخراب أن تترك الموضع ربا والتخريب الهدم وقيل معنى التخفيف أنهم يعطلونها ويعرضونها للخراب بخروجه منها ويخربون مفعول خرب الثقيل نعته ثم قال ومع دولة أي ومع رفع دولة أنث تكون التي قبله بخلف عن هشام يريد-كي لا يكون دولة-والذي في كتابي التيسير والتبصرة لمكي أن هشاما رفع دولة واختلف عنه في تأنيث يكون وتذكيره والذي ذكره أبو الفتح فارس أن الخلاف في الموضعين أحد الوجهين مثل قراءة الجماعة بتذكير يكون ونصب دولة وهو قول صاحب الروضة والثاني تأنيث تكون ورفع دولة وهو الذي ذكره طاهر ابن غلبون وأوه ولم يذكر المهدوي وابن شريح لهشام إلا رفع دولة ولم يتعرضا للخلاف في يكون وابن مجاهد وغيره لم يذكروا الخلاف في الكلمتين أصلا وتوجيه هذه القراءات ظاهر من رفع دولة جعل كان تامة ومن نصب قدر كيلا يكون الفيء دولة أي يتداوله الأغنياء بينهم مختصين به دون الفقراء وتأنيث دولة ليس بحقيقي فجاز تذكير يكون المسند إليها وذكر الأهوازي في بعض الروايات فتح الدال والمشهور ضمها بلا خلاف وحكى أبو عبيد فتح الدال عن أبي عبد الرحمن السلمي قال ولا نعلم أحدا فتحها قال والفرق بين الضم والفتح أن الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول بعينه والدولة بالفتح الفعل وقرأت في حاشية النسخة المقروءة على الناظم رحمه الله قوله بخلف لا أراد لائيا أي مبطئا وجاء هذا من اللأى قال الشيخ وسألته عن قوله بخلف لا فقال إن شئت قلت سمي بلا النافية لأنه قد أثبت التأنيث ونافية يثبت التذكير وإن شئت قلت بخلف لاء اسم فاعل من لاء إذا أبطأ لأن التذكير عن هشام أقل من

(2/435)


الرواية من التأنيث ولأنه لا فصل هنا فيحسن من جهة العربية ، قلت يقال لأي لأيا مثل رمي رميا أي أبطأ واللأى مثله فاسم الفاعل من لأي لاء مثل رام وقاض والوقف عليه كالوقف على ماء والله أعلم
(1068)
وكسر جدار ضم والفتح واقصروا (ذ)وى (أ)سوة إني بياء توصلا
يجوز في وكسر الرفع على الابتداء وخبره ضم إن كان فعل ما لم يسم فاعله وإن كان فعل أمر فالنصب في وكسر لأنه مفعول والفتح عطف عليه رفعا ونصبا أي ضم الجيم والدال واحذف الألف فيصير جدر وهو جمع جدار وهو كما سبق في المواضع المختلف فيها في إفرادها وجمعها وذوي أسوة حال من فاعل اقصروا أي متأسين بمن سبق من القراء ثم ذكر ياء الإضافة في الحشر وهي-إني أخاف الله-فتحها الحرميان وأبو عمرو ثم ذكر حروف سورة الممتحنة فقال
(1069)
ويفصل فتح الضم (نـ)ـص وصاده بكسر (ثـ)ـوى والثقل شافيه كملا
يعني-يوم القيامة يفصل بينكم-قرأ عاصم يفصل مضارع فصل بالتخفيف على بناء الفعل للفاعل ومثله قراءة حمزة والكسائي إلا أنه مضارع فصل بالتشديد وقرأ الباقون على بناء الفعل للمفعول وخففوا الصاد المفتوحة سوى ابن عامر فإنه شددها ولم ينبه الناظم على فتح الفاء لمن قرأ بالتشديد لأن التشديد يرشد إليه ووجه هذه القراءات ظاهر
(1070)
وفى تمسكوا ثقل (حـ)ـلا ومتم لا تنونه واخفض نوره (عـ)ـن (شـ)ـذا (د)لا
أمسك ومسك من باب أنزل ونزل ويشهد لقراءة أبي عمرو-والذين يمسكون بالكتاب-شددها الأكثر ومتم نوره-في سورة الصف من نون ونصب نوره فهو الأصل مثل زيد مكرم عمرا ومن أضاف فحذف التنوين وخفض المفعول فللتخفيف وقوله عن شذا أي شذا دلا وقد سبق معناهما
(1071)
ولله زد لاما وأنصار نونا (سما) وتنجيكم عن الشام ثقلا

(2/436)


يعني قوله تعالى-كونوا أنصار الله-زد لام الجر على اسم الله ونون أنصار فيصير أنصارا لله وقراءة الباقين على الإضافة كما أجمعوا على الإضافة في الحرف الثاني وهو-قال الحواريون نحن أنصار الله-لم يقرأ أحد منهم أنصارا لله لأنهم أخبروا عن تحقق ذلك فيهم واتصافهم بصحة الإضافة والنسبة ، فإن قلت فمن أين يعلم أن الخلاف في الأول دون الثاني ، قلت هو غير مشكل على من تدبر صورة الخط فإن الثاني لو نون لسقطت الألف من اسم الله وهي ثابتة في الرسم وأما الأول فأمكن جعل الألف صورة التنوين المنصوب فلم تخرج القراءتان عن صورة الرسم والنون في قوله نونن للتأكيد وأنجى ونجى كأمسك ومسك وقوله عن الشام أي عن قاريء الشام
(1072)
وبعدي وأنصاري بياء إضافة وخشب سكون الضم (ز)اد (ر)ضا (حـ)ـلا
أي في الصف لفظان كل واحد منهما ياء إضافة مختلف في إسكانها وفتحها الأول-من بعدي اسمه-فتحها الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر والثاني-من أنصاري إلى الله-فتحها نافع وحده وليس في سورة الجمعة شيء من الحروف التي لم تذكر بعد ولكن فيها أشياء مما يتعلق بما سبق كلفظ هو والإمالة وصلة ميم الجمع وهذا قد علم مما تقدم فيها وخشب بإسكان الشين وضمها لغتان كثمر وثمر أي سكون الضم فيه زاد حلاه رضى أو هو ذو حلا
(1073)
وخف لووا (إ)لفا بما يعملون (صـ)ـف أكون بواو وانصبوا الجزم (حـ)ـفلا

(2/437)


يريد-لووا رءوسهم-لوى رأسه ولواه إذا عطفه وأماله أي أعرض معناهما واحد وفي التشديد زيادة تكثير قال أبو علي التخفيف يصلح للقليل والكثير والتكثير يختص بالكثرة وإلفا حال من لووا أو هو أليف للمشدد لأن معناهما واحد- يعملون في آخر السورة الغيب فيه والخطاب ظاهران وقرأ أبو عمرو-وأكون من الصالحين-عطفا على-فأصدق-لفظا وهي قراءة واضحة وقرأ غيره بإسكان النون وحذف الواو لالتقاء الساكنين ووجه ذلك أنه مجزوم عطفا على موضع فأصدق لأن الفاء لو لم تدخل لكان أصدق مجزوما لأنه جواب التحضيض الذي هو في معنى التمني والعرض والكل فيه معنى الأمر وما كان كذلك ينجزم جوابه على قاعدة في علم العربية مقررة وإن كان فيه فاء انتصب قال أبو علي أعني السؤال عن ذكر الشرط والتقدير أخرني فإن تؤخرني أصدق فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم كأنه جزاء الشرط حمل قوله وأكن عليه مثل ذلك قراءة من قرأ-من يضلل الله فلا هادي له-ونذرهم-وأنشد ، (أيا سلكت فإنني لك كاشح وعلى انتقاصك في الحياة وازدد) ، قال حمل ازدد على موضع الفاء وما بعدها ومثله ، (قابلوني بليتكم لعلي أصالحكم واستدرج نويا) ، قال حمل واستدرج على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من-لعلى-واختار أبو عبيد هذه القراءة لاتفاق المصاحف على كتابة هذا الحرف بحذف الواو قال وفي القرآن ما لا يحصى من تكون ويكون في موضع الرفع والنصب لم تحذف الواو في شيء منها إنما حذفوا في موضع الجزم خاصة قال وكان من حجة أبي عمرو فيها أن قال إنما حذفت الواو اختصار في الخط كما حذفوها في كلمن وكان أصلها أن تكون بالواو ، قلت وكذلك كان يقول في-إن هذان لساحران-إن الياء حذفت في الرسم فلهذا يحكي عنه أنه قال ما وجدت في القرآن لحنا غير-إن هذان-وأكن من الصالحين-يعني في كتابة القرآن ووجه حذفهما على قراءته أنهما من حروف المد فكما تحذف الألف كثيرا اختصارا فيكذ أختاها وقد قال الفراء العرب قد تسقط الواو

(2/438)


في بعض الهجاء كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه قال ورأيت في مصاحف عبد الله-فقولا-فقلا بغير واو ف ق ل ا ، قلت والاعتماد في القراءتين على صحة النقل فيهما وإنما هذا اعتذار عن الخط وقوله حفلا جميع حافل وهو حال من فاعل وانصبوا أي متمكنين بكثرة العلم وسعته من توجيه القراءتين
(1074)
وبالغ لا تنوين مع خفض أمره لحفص وبالتخفيف (عـ)ـرف (ر)فلا
أي لا تنوين فيه لأنه مضاف إلى ما بعده والكلام في-بالغ أمره-كما سبق في-متم نوره والتشديد في (عرف بعضه) ، سورة التحريم بمعنى أعلم إعلام متابعة فأعرض عن بعض أو أغضا عنه إحسانا وتكرما ولهذا قيل ما زال التثاقل من شأن الكرام ، ومعنى عرف بالتخفيف جازى وهو إشارة إلى ذلك القدر من المعاتبة أو إلى غيره ومنه (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) ، ويطلق هذا اللفظ أيضا مشعرا بالوعد والوعيد فيقال عرفت ما صنع فلان ومنه (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) ، قال الفراء عرف بالتخفيف أي غضب من ذلك وجازى عليه كما تقول للرجل يسيء إليك لأعرفن لك ذلك وهو وجه حسن وتقدير النظم وعرف رفل بالتخفيف أي عظم
(1075)
وضم نصوحا شعبة من تفوت على القصر والتشديد (شـ)ـق تهللا

(2/439)


قال أبو الحسن والأخفش نصحته في معنى صدقته توبة نصوحا أي صادقة وقال الفتح كلام العرب وقراءة الناس ولا أعرف الضم قال أبو علي يشبه أن يكون مصدرا قال الفراء كأن الذين قرءوا نصوحا أرادوا المصدر مثل قعودا والذين قالوا نصوحا جعلوه من صفة التوبة ومعناها أن يحدث نفسه إذا تاب من ذنب أن لا يعود إليه أبدا وذكر الزمخشري في تفسيره وجوها حسنة في ذلك وقال النصوح مصدر نصح كالنصح مثل الشكور والشكر أي ذات نصوح أو انتصح نصوحا ثم شرع الناظم في سورة الملك فقال من تفوت يريد-ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت-أي تباين واختلاف فإذا حذفت الألف وشددت الواو صار تفوت وهو بمعناه تفاوت وتفوت مثل تظاهر وتظهر والقراءتان مصدرا هذين الفعلين وقوله تفاوت مبتدأ وشق تهللا خبره وقوله على القصر والتشديد شق في موضع الحال أي مقصورا مشددا أي هذا اللفظ على ما فيه من القصر والتشديد شق تهلله وهو من قولهم شق ناب البعير إذا طلع والمعنى طلع تهلله أي لاح وظهر أو يكون من شق البرق إذا سطع من خلال السحاب ومعنى تهلل تلألأ وأضاء ويجوز أن يكون تهللا حال أي ذا تهلل والله أعلم
(1076)
وآمنتمو في الهمزتين أصوله وفي الوصل الأولى قنبل واوا ابدلا

(2/440)


يريد-ءأمنتم من في السماء-حكمه مذكور في باب الهمزتين من كلمة فهو مثل-ءأنذرتهم-داخل في عموم قوله وتسهيل أخرى همزتين بكلمة البيت فقد عرف حكم هذه الكلمة من هناك ومعنى أصوله أي أصول حكمه وسبق أيضا في الباب المذكور أن قنبلا أبدل الهمزة الأولى واوا لانفتاحها وانضمام ما قبلها في قوله-النشور- ، ويسهل الثانية على أصله وهذا لإبدال إنما يكون عند اتصال هذه الكلمة بالنشور فإذا وقف على النشور حقق الهمزة إذا ابتدأ كغيره فهذا معنى قوله وفي الوصل أي إبدال قنبل الهمزة الأولى واوا في حالة الوصل دون الوقف ، فإن قلت لهذا البيت فائدة غير الأذكار بما تقدم بيانه والمتقدمات كثيرة فلم خصص الناظم الأذكار بهذا دون غيره ، قلت له فائدتان غير الأذكار إحداهما لما ذكر مذهب قنبل هذا في باب الهمزتين لم يبين أنه يفعل ذلك في الوصل بل أطلق فنص على الوصل هنا ليفهم أنه لا يفعل ذلك في الوقف على ما قبل-ءأمنتم-لزوال المقتضى لقلب الهمزة واوا وهو الضمة ولم يقنع بقوله ثم موصلا فإن استعمال موصل بمعنى واصل غريب على ما نبهنا عليه هناك والفائدة الأخرى النصوصية على الكلمة فإنه لما ذكر الحكم هناك كان كلامه في-ءآمنتم-بزيادة ألف بعد الهمزتين وفتح الميم وهذه الكلمة لفظها غير ذلك فإن بعد الهمزتين فيها ميما مكسورة
(1077)
فسحقا سكونا ضم مع غيب يعلمون من (ر)ض معي باليا وأهلكني انجلا

(2/441)


يعني أن الكسائي وحده ضم حاء-فسحقا لأصحاب السعير-وقرأ-فستعلمون من هو في ضلال-بالياء على الغيبة وإنما قال من إحترازا من الذي قبله-فستعلمون كيف نذير-فإنه بالخطاب بغير خلاف وقرأ غير الكسائي بإسكان حاء-فسحقا -وخطاب-فستعلمون-من وجه القراءتين في الموضعين ظاهر وسكونا في البيت بدل من فسحقا بدل اشتمال أي ضم فسحقا سكونه ويجوز أن يكون سكونا مفعول ضم وقوله فسحقا مبتدأ أو مفعول فعل مضمر فهو من باب زيدا اضرب رأسه يجوز فيه الرفع والنصب والنصب أقوى في العربية والعائد محذوف على التقديرين أي سكونا فيه أو سكونه وقوله رض فعل أمر من راض الأمر رياضة أي رض نفسك في قبول دقائق العلم واستخرج المعاني ثم ذكر ما في سورة الملك من ياءات الإضافة فقال-معي انجلا باليا وكذا-أهلكني-يريد-معي أو رحمنا-سكنها حمزة والكسائي وأبو بكر-إن أهلكني الله-سكنها حمزة وحده وفيها زائدتان نذير ونكير أثبتهما معا في الوصل ورش وحده ولم يبق من ياءات الزوائد إلا أربع في سورة الفجر وسيأتي بيانها في موضعها وقد نظمت الجميع في بيت هنا فقلت ، (نذيري نكيري الملك في الفجر أكرمني أهانني بالوادي ويسرى تكملا) ، أضاف الكلمتين إلى الملك أي حرفا هذه السورة واكتفى بذكر الملك بعد نكيري عن ذكره بعد نذيري فهو كقوله ، (بين ذراعي وجبهة الأسد ) ، وهما مبتدأ والخبر محذوف أي زائدتان ثم قال في الفجر زوائد وهي كيت وكيت ويجوز أن يكون الملك مرفوعا على أنه خبر المبتدأ على حذف المضاف أي زائدا الملك والله أعلم
من سورة ن إلى سورة القيامة
(1078)
وضمهم في يزلقونك (خـ)ـالد ومن قبله فاكسر وحرك (ر)وى (حـ)ـلا

(2/442)


أي ضمهم في ياء-ليزلقونك بأبصارهم-خالد أي مقيم ونافع وحده فتح الياء يقال إذا أزال قدمه ويقال زلقه أيضا فزلق هو والمعنى إنهم لعدوانهم له ينظرون إليه نظرا يكاد يهلكه ، وأما-وجاء فرعون ومن قبله-بفتح القاف وسكون الياء فمعناه والطغاة الذين قبله ومعناه بكسر القاف وفتح الباء والذين معه من أشياعه وأتباعه وقوله ومن قبله مفعول فاكسروا الفاء زائدة وروى حال منه أو من الفاعل أي ذا روى حلو أي اكسر من قبله وحركه مرويا له بالحركات التي يستحقها وبالاحتجاج له بما يوافقه
(1079)
ويخفى (شـ)ـفاء ماليه ماهيه فصل وسلطانيه من دون هاء (فـ)ـتوصلا
يعني-لا تخفى منكم خافية-تذكير تخفى وتأنيثه ظاهران وحذف حمزة هاء السكت من قوله-ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانية خذوه-إذا وصل الكلام بعضه ببعض وكذلك-ماهية نار حامية-في سورة القارعة وهذا نظير ما فعل هو والكسائي في-يتسنه-واقتده أو أثبتها الباقون لثباتها في خط المصحف فهو وصل بنية الوقف وكلهم أثبتها وقفا وفي سورة الحاقة أربع أخر كتابيه مرتين-وحسابيه مرتين أثبت حمزة هاء هن كالجماعة جمعا بين الأمرين ويعقوب الحضرمي حذف الجميع وصلا وحذف الكسائي في يتسنه واقتده لخفاء هاء السكت فيهما لأنهما فعلا جزم وقد قيل ليسا للسكت وترك الحذف هنا لوضوح الأمر
(1080)
ويذكرون يؤمنون (مـ)ـقاله بخلف (لـ)ـه (د)اع ويعرج (ر)تلا
يعني-قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون-الغيب فيهما لمن رمز له والخطاب للباقين و-يعرج الملائكة-بالتذكير للكسائي والباقون بالتأنيث ووجه القراءتين في الحرفين ظاهر وقد سبق لهن نظائر
(1081)
وسال بهمز (غـ)ـصن (د)ان وغيرهم من الهمز أو من واو أو ياء ابدلا

(2/443)


أي غصن ثمر دان يعني همز-سأل سائل-جعله لظهور أمره كغصن ثمر داني من يد من يجنيه ونافع وابن عامر قرءا بالألف من غير همز وتلك الألف تحتمل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون بدلا من الهمز وهو الظاهر وهو من البدل السماعي-قال حسان ، (سألت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصب) ، فيكون بمعنى قراءة الهمز ، الوجه الثاني أن تكون الألف منقلبة عن واو فيكون من سأل يسأل وأصله سول كخول قال أبو زيد سمعت من يقول هما يتساولان وقال المبرد يقال سلت أسأل مثل خفت أخاف وهما يتساولان وقال الزجاج يقال سألت أسأل وسلت أسال والرجلان يتساولان ويتساءلان بمعنى واحد ، والوجه الثالث أن تكون الألف منقلبة عن ياء من سال يسيل أي سال عليهم واد يهلكهم روى ذلك عن ابن عباس فهو من باب باع يبيع فتقدير البيت سال همز ألفها غصن دان وغيرهم أبدل هذه الألف من الهمز الذي قرأ به غصن دان أبو أبدلها من واو أو من ياء وقد تبين كل ذلك
(1082)
ونزاعة فارفع سوى حفصهم وقل شهاداتهم بالجمع حفص تقبلا
ذكر الزجاج في توجيه كل قراءة من الرفع والنصب ثلاثة أوجه ، أما الرفع فعلى أن-نزاعة-خبر لأن بعد خبر أو هي خبر لظى والضمير في أنها ضمير القصة أو خبر مبتدأ محذوف أي هي نزاعة ، وأما النصب فعلى الاختصاص أو على تقدير تتلظى نزاعة أو على الحال المؤكدة قال يكون نزاعة منصوبا مؤكدا لأمر النار وجوز الزمخشري أن تكون نزاعة بالرفع صفة لظى أن أريد به اللهب ولم يكن علما على النار إلا أن هذا القول باطل بدليل أنه لم يصرف ، وأما-والذين هم بشهاداتهم قائمون-فالإفراد فيه والجمع كما سبق في نظائره والإفراد أنسب لقوله بعده-والذين هم على صلاتهم يحافظون-وهو مجمع عليه
(1083)
إلى نصب فاضمم وحرك به (عـ)ـلا (كـ)ـرام وقل ودا به الضم (أ)عملا

(2/444)


أي اضمم النون وحرك بالضم الصاد وهو اسم مفرد وجمعه أنصاب وكذلك النصب بفتح النون وسكون الصاد وهو قراءة الباقين وهو ما نصب ليعبد من دون الله تعالى وقيل نصب جمع نصب مثل سقف في جمع سقف وقيل هو جمع نصاب وقيل النصب العلم وقيل الغاية وقيل شبكة الصائد ، وقال أبو علي يمكن أن يكون النصب والنصب لغتين كالضعف والضعف ويكون التثقيل كشغل وشغل وطنب وطنب ودا اسم الصنم بفتح الواو وضمها لغتان واختار أبو عبيد الفتح وقال كانوا يتسمون بعبد ود وأما الود فالغالب عليه المودة
(1084)
دعائي وإني ثم بيتي مضافها مع الواو فافتح إن (كـ)ـم (شـ)ـرفا (عـ)ـلا

(2/445)


يريد-دعائي إلا فرارا-أسكنها الكوفيون-ثم إني أعلنت لهم-فتحها الحرميان وأبو عمرو-وبيني مؤمنا-فتحها حفص وهشام ثم شرع في سورة الجن فقال افتح إن مع الواو يعني مهما جاء وإن فالخلاف في فتحها وكسرها احترز بذلك عن أن يأتي مع الفاء نحو-فإن له نار جهنم-فهو متفق على كسره وعن أن المجردة عن الواو نحو-وأنه استمع-فهو متفق على فتحه-فقالوا إنا سمعنا-متفق على كسره فإن كانت مع الواو ليست مشددة فمتفق أيضا على فتحها نحو-وإن لو استقاموا-فضابط مواضع الخلاف أن تكون أن مشددة بعد واو وذلك في اثنى عشر حرفا متوالية أوائل الآي جميعها لا يخرج عن أنه إنا أنهم ، وهي-وأنه تعالى جد ربنا-وإنه كان يقول-وأنا ظننا أن لن تقول-وأنه كان رجال-وأنهم ظنوا-وأنا لمسنا-وإنا كنا نقعد-وأنا لا ندري-وأنا منا الصالحون-وأنا ظننا أن لن نعجز-وأنا لما سمعنا الهدى-وأنا منا المسلمون-وأما-وأن المساجد-وأنه لما قام فسيأتي ذكرهما فهذه الاثنا عشر فتحها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وهم نصف القراء وكسرها الباقون ومضى معنى قوله كم شرفا علا في أول سورة الأعراف فوجه الكسر العطف على-أنا سمعنا-فالكل في حيز القول أي-فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا-وقالوا إنه تعالى جد ربنا-وأنه كان يقول-وأنا ظننا-إلى آخر ذلك ، وقيل إن قوله-وأنه كان رجال-وأنهم ظنوا-آيتان معترضتان في كلام الله تعالى في أثناء الكلام المحكي عن الجن وقيل بل هما أيضا من كلامهم يقوله بعضهم لبعض وأما الفتح فقيل عطف على أنه استمع فيلزم من ذلك أن يكون الجميع داخلا في حيز أوحى أي أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن وأنه تعالى جد ربنا فهذا وإن استقام معناه في هذا فلا يستقيم في-وأنه كان يقول سفيهنا-وأنا لمسنا-وأنا كنا-إذ قياسه سفيههم ولمسوا وكانوا ، وقال الزجاج ذكر بعض النحويين أنه معطوف على الهاء المعنى عنده فآمنا به وبأنه تعالى جد ربنا وكذلك ما بعدها ، قال وهذا رديء في القياس لا يعطف على الهاء

(2/446)


المكنية المخفوضة إلا بإظهار الخافض ، قال مكي وهو في أن أجود منه مع غيرها لكثرة حذف حرف الجر مع أن ، ثم قال الزجاج لكن وجهه أن بكون محمولا على معنى آمنا به لأن معنى آمنا به صدقناه وعلمناه فيكون المعنى وصدقنا أنه تعالى جد ربنا قال الفراء فتحت أن لوقوع الإيمان عليها وأنت مع ذلك تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض فلا يمنعك ذلك من إمضائهن على الفتح فإنه يحسن منه فعل مضارع الإيمان فوجب فتح أن نحو صدقنا وألهمنا وشهدنا كما قالت العرب ، وزججن الحواجب والعيونا فنصب العيون لاتباعها والحواجب وهي لا تزجج إنما تكحل فأضمر لها الكحل
(1085)
وعن كلهم أن المساجد فتحه وفي أنه لما بكسر (صـ)ـوى (ا)لعلا

(2/447)


فتحه بدل من المساجد نحو أعجبني زيد حسنه وعن كل القراء افتح-وأن المساجد لله-لأنه معطوف على أنه استمع وكذا-وإن لو استقاموا-وقيل تقديره ولأن المساجد لله فلا تدعوا كما سبق-وأن هذا صراطي مستقيما-وأن الله ربي وربكم-وأن هذه أمتكم-وإنما نص الناظم على هذا المجمع عليه لئلا يظن أن فيه خلافا لأنه يشمله قوله مع الواو فافتح أن ، وأما قوله-وأنه لما قام عبد الله-فلم يكسره إلا أبو بكر ونافع على الاستئناف والباقون فتحوا عطفا على-أنه استمع-وهذا مما يقوى أن فتح-وأن المساجد-على ذلك وقيل إن فتح-وإنه لما قام-وكسره على ما سبق في الاثنى عشر وأنه من تمام كلام الجن المحكي ويشكل عليه-كادوا يكونون-لأن قياسه كدنا نكون إلا أن يقال أخبر بعضهم عن فعل بعض وقوله صوى العلا مبتدأ تقدم عليه خبره أي وصوى العلا في -أنه لما-أي في هذا اللفظ المكسور والصوى العلا بالصاد المهملة المضمومة وفتح الواو الربى ونحوها وهي أيضا أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة يستدل بها على الطريق الواحدة صوة مثل قوة وقوى أي أعلام العلا في هذا ، قال الشيخ وفي قراءة الكسر ارتفاع كارتفاع الصوى ودلالة كدلالتها لظهور المعنى فيها والله أعلم ، وقرأت في حاشية النسخة المقروءة على الناظم رحمه الله قال نبه بهذا على أن الكسر فصيح بالغ لقوة دلالته على الاستئناف قال وانظر فصاحة القراءة واهتمامهم في نقلهم حين أجمعوا على فتح-وإن المساجد-ليبينوا أنه غير معطوف وأن معناه واعلموا أو نحوه من الإضمار لما دل عليه-فلا تدعوا-فيكون-وأنه لما قام-معطوفا عليه قال ويكاد الفتح والكسر يتقابلان في الحسن
(1086)
ونسلكه يا كوف وفي قال إنما هنا قل (فـ)ـشا (نـ)ـصا وطاب تقبلا
الياء والنون في نسلكه ظاهران وقال-إنما ادعوا ربي-يعني عبد الله قراءة حمزة وعاصم قل على الأمر مثل الذي بعده-قل إني لا أملك لكم-وقوله نصا وتقبلا منصوبان على التمييز

(2/448)


(1087)
وقل لبدا في كسره الضم (لـ)ـلازم بخلف ويا ربي مضاف تجملا
لم يذكر في التيسير عن هشام سوى الضم وقال في غيره وروى عنه كسرها وبالضم آخذ ، قال الفراء المعنى فيها واحد لبده ولبده أي كادوا يركبون النبي صلى الله عليه وسلم رغبة في القرآن وشهوة له يعني الجن ، وقال الزجاج المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الصبح ببطن نخلة كاد الجن لما سمعوا القرآن وتعجبوا منه أن يسقطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقيل-كادوا-يعني به جميع الملل تظاهرات على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ومعنى لبدا يركب بعضهم بعضا وكل شيء ألصقته لشيء إلصاقا شديدا فقد لبدته ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش ثم ذكر أن كسر اللام وضمها في معنى واحد وكذا قال الزمخشري وقال هو ما يلبد بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد وحكى أبو علي عن أبي عبيد لبدا بالكسر أي جماعات واحدها لبدة قال قتادة تلبد الجن والإنس على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه قال واللبد بالضم الكثير من قوله-أهلكت مالا لبدا-وكأنه قيل له لبد لركوب بعضه على بعض ولصوق بعضه ببعض لكثرته فكأنه أراد كادوا يلصقون به من شدة دنوهم للاستماع مع كثرتهم فيكون على هذا قريب المعنى من قوله لبدا إلا أن لبدا أعرف بهذا المعنى وأكثر ثم قال ويا ربي أي وياء ربي فقصره ضرورة أي هذه ياء الإضافة في سورة الجن يريد-ربي أمدا-فتحها الحرميان وأبو عمرو
(1088)
ووطئا وطاء فاكسروه (كـ)ـما (حـ)ـكوا ورب بخفض الرفع (صحبتـ)ـه (كـ)ـلا

(2/449)


لم تكن له حاجة إلى قوله فاكسروه فإنه قد لفظ بالقراءتين فهو مثل خشعا خاشعا وقل قال وما أشبه ذلك فالرمز فيه للفظ الثاني ولكنه قال فاكسروه زيادة في البيان مثل ما ذكرناه في قوله تمارونه تمرونه وافتحوا ولو قال هنا واكسروه بالواو كان أولى من الفاء كما قال ثم وافتحوا ، وسببه أن الفاء تشعر بأن هذه مواضع الخلاف وليس ذلك كله بل هو جزء منه فإن لفظ وطاء يشتمل على كسر الواو وفتح الطاء والمد بعدها وإذا قاله بالواو بعد الإشعار بذلك وصار من باب التخصيص بعد التعميم للاهتمام بالمخصص نحو وجبرئيل وميكائيل ونخل ورمان ، بيانه أن لفظ وطاء يغني عن قيوده لأنه كالمصرح بالقيو الثلاثة فإذا نص بعد ذلك على قيد منها كان من ذلك الباب ولو قال موضع فاكسروه فاقرءوه لكان رمزا لحمزة فعدل إلى لفظ يفهم قيدا من قيود القراءة وكان له أن يقول ووطأ كضرب قل وطاء كما حكوا كقوله إذا قل إذ ويحصل له تقييد القراءة الأولى ومعنى القراءة بالكسر والمد أن عمل-ناشئة الليل أشد-مواطأة أي موافقة لأنه يواطأ فيها السمع القلب للفراغ من الأشغال بخلاف أوقات النهار وقوله-وطأ-بفتح الواو وسكون الطاء والقصر بمعنى الشغل أي هو أشق على الإنسان من القيام بالنهار وفي الحديث ، اللهم اشدد وطئتك على مضر ، وهو-أقوم قيلا-أي أشد استقامة وصوابا لفراغ البال والمعنى أشد ثبات قدم في العبادة من قولهم وطأ على الأرض وطاء والناشئة القيام بعد النوم فهو مصدر بمعنى النشأة وقيل هي الجماعة الناشئة أي القائمون بالليل لأنها تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض وترتفع وقيل هي ساعات الليل والكلام في خفض-رب المشرق-ورفعه كما سبق في سورة الدخان الخفض على البدل من ربك في قوله-واذكر اسم ربك-والرفع على أنه خبر أي هو رب المشرق وكلا بمعنى حفظ وحرس وأفرده على لفظ صحبة وسبق مثله
(1089)

(2/450)


وثاثلثه فانصب وفا نصفه (ظـ)ـبى وثلثى سكون الضم (لـ)ـلاح وجملا
يجوز وثا ثلثه بإسكان اللام وصلة الهاء ويجوز ثلثه بضم اللام وسكون الهاء وكلاهما لضرورة الوزن وفي كل وجه منها إخلال بلفظ الكلمة في القرآن من جهة إسكان اللام في الأول وإسكان الهاء في الثاني إلا أن الوجه الثاني أقرب فإنه لفظ الوقف على هذه الكلمة فهو واصل بنية الوقف ، وأما إسكان اللام من ثلثه فلم ينقل في هذه القراءات المشهورة وقد حكاه أبو عبيد ثم الأهوازي بعده عن ابن كثير ووجهه ظاهر كما قرأ هشام بإسكان اللام من ثلثي الليل للتخفيف ، فكلاهما سواء فلو كانت هذه القراءة مما ذكر في هذه القصيدة لكان الاختيار وثا ثلثه بإسكان اللام وقصر لفظ ثا ضرورة وكذا لفظ فانصفه وظبى جمع ظبة السيف وهو حده أي ذا ظبا أي صاحب حجج تحميه عن الطعن والاختيان عليه فإن أبا عبيد قال قراءتنا التي نختار الخفض كقوله سبحانه-علم أن لن تحصوه-فكيف يقدرون على أن يعرفوا نصفه وثلثه وهم لا يحصونه ووجه النصب في ونصفه وثلثه العطف على محل أدنى أي تقوم أقل من الثلثين وتقول نصفه وتقوم ثلثه والخفض عطف على ثلثي الليل أي وأقل من نصفه وثلثه ومجموع القراءتين محمول على اختلاف الأحوال لتكرر الليالي واختلافها فمرة يقوم نصف الليل محررا ومرة أقل منه وكذلك الثلث وتارة أقل من الثلثين أي إن ربك يعلم أنكم تأتون بالواجب مرة وبدونه أخرى ، لكن الثلثين ما تكملون لطوله فيقع منكم الغلط فيه وجعل الفراء والزجاج قوله-ونصفه وثلثه-على قراءة النصب تفسيرا للأدنى المذكور وهو مشكل من جهة أن واو العطف تمنع من ذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مخيرين بين هذه التقديرات الثلاثة في قيام الليل على اختلاف مراتبها في الأجر وأقرب شيء لهذا الحكم التخيير بين خصال كفارة اليمين على تفاوت مراتبها والتخيير بين نفري الحجج وقيل إنما وقع التخيير بين هذه الثلاثة

(2/451)


باعتبار تفاوت الأزمان فالنصف عند الاعتدال وما قاربه وقيام الثلثين أو الأدنى من ثلثي الليل عند الطول وقيام الثلث عند قصر الليل والدليل على التخيير قوله تعالى في أول السورة-قم الليل إلا قليلا نصفه-وللعلماء في إعراب نصفه قولان مشكلان ، أحدهما أنه بدل من الليل ويلزم منه التكرير فإن قوله قم نصف الليل إلا قليلا هو الثلث فأي حاجة إلى قوله-أو انقص منه قليلا-وإن كان البدل بعد الاستثناء كأنه قال قم أكثر الليل نصفه أي نصف أكثر الليل أو انقص منه كان ذلك ردا إلى تنصيف مجهول فقوله قم ثلث الليل كان أخصر فأولى ، الوجه الثاني أن نصف بدل من قليلا وهو مشكل من جهة استثناء النصف وتسميته قليلا فكيف يكون نصف الشيء قليلا بالنسبة إلى الباقي وهما متساويان فإن كان الباقي كثيرا فالآخر مثله وإن كان المستثنى قليلا فالآخر مثله فلا يستقيم في إعراب نصفه إلا أن يكون مفعول فعل مضمر دل عليه ما تقدم أي قم نصفه أو انقص أو زد ، ويكون في فائدة الآية التي قبلها وجهان ، أحدهما أنه إرشاد إلى المرتبة العليا وهي قيام أكثر الليل ثم خير بينه وبين ما دونه تخفيفا لأنه تكليف في ابتداء أمر لم يعتادوه ومنه ما جاء في صفة عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم في حقه ، نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ، قال نافع فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا وهذا موافق لما دلت عليه آية أخرى في سورة والذاريات في صفة المؤمنين-كانوا قليلا من الليل ما يهجعون-وذلك أن الموفقين إذا أخذوا أنفسهم بقيام الليل واعتادوه صار أشهى إليهم من راحة النوم لولا حظ الطباع البشرية من ذلك القدر القليل ، الوجه الثاني أن يكون المراد من الليل جنس الليالي لا كل ليلة بانفرادها على الصفة التي بينت في الآية الأخرى وهذا كما يوصى بعض المسافرين لخوف الحر فيقال سر الليل ثم يبين له فيقال ارحل من نصف الليل أو ثلثه أو أوله

(2/452)


ويكون قوله تعالى-إلا قليلا-استثناء لليالي الأعذار من مرض أو غلبة نوم أو نحو من ذلك ثم انتقل إلى سورة المدثر فقال
(1090)
ووالرجز ضم الكسر حفص إذا قل إذ وأدبر فاهمزه وسكن (عـ)ـن (ا)جتلا
يعني راء-والرجز فاهجر-وفسر المضموم بالأوثان والمكسور بالعذاب ، وقال الفراء إنهما لغتان وإن المعنى فيهما واحد وقال أبو عبيد الكسر أفشى اللغتين وأكثرهما ، وقال الزجاج معناهما واحد وتأويلهما اهجر عبادة الأوثان والرجز في اللغة العذاب قال لله تعالى-فلما وقع عليهم الرجز-فالمعنى ما يؤدي إلى عذاب الله-فاهجر-قال أبو علي المعنى وذا العذاب فاهجر وقوله إذا قل إذ يعني اجعل موضع إذا بالألف إذ بغير ألف واهمز أدبر وسكن الدال لحفص ونافع وحمزة ورمزه في أول البيت الآتي يعني-والليل إذا أدبر-كتب في المصحف بألف واحدة بين الذال والدال فجعلها هؤلاء صورة الهمزة من أدبر وجعلوا إذ ظرفا لما مضى وجعل باقي القراء الألف من تمام كلمة إذ وهي ظرف لما يستقبل وقرءوا دبر بفتح الدال على وزن رفع ، قال الفراء هما لغتان يقال أدبر النهار ودبر ودبر الصيف وأدبر وكذلك قبل وأقبل فإذا قالوا أقبل الراكب أو أدبر لم يقولوه إلا بألف ، قال وإنهما عندي في المعنى لواحد لا أبعد أن يأتي في الرجال ما يأتي في الأزمنة ، وقال الزجاج كلاهما جيد في العربية يقال دبر الليل وأدبر ، وفي كتاب أبي علي عن يونس دبر انقضى وأدبر تولى وقالوا كأمس الدابر وكأمس المدبر قال والوجهان حسنان ، وقال أبو عبيد كان أبو عمرو ويقول هي لغة قريش قد دبر الليل ، حدثنا حجاج عن هارون أخبرني حنظلة السدوسي عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأها-والليل إذا أدبر-بجعل الألف مع إذا ، قال حنظلة وسألت الحسن عنها فقال إذا أدبر فقلت يا أبا سعيد إنما هي ألف واحدة فقال فهي إذا والليل إذا دبر ، قال أبو عبيد جعل الألف مع أدبر وبالقراءة الأولى نأخذ إذا بالألف

(2/453)


دبر بغير ألف لكثرة قرائها ولأنها أشد موافقة للحرف الذي يليه ألا تراه قال-والصحيح إذا أسفر-فكيف يكون في أحدهما إذا وفي الآخر إذ ، قال وفي حرف عبد الله وأبي حجة لمن جعلها إذا ولمن جعلها أدبر جميعا حدثنا حجاج عن هرون قال في حرف أبي وابن مسعود-إذا أدبر-قال أبو عبيد بألفين ، قلت هذه القراءة هي الموافقة لقوله-إذا أسفر-موافقة تامة بلفظ إذا والإتيان بالفعل بعدها على وزن أفعل وأما كل واحدة من القراءتين المشهورتين فموافقة له من وجه دون وجه والموافقة بلفظ إذا أولى من الموافقة بلفظ أفعل فإن أفعل وفعل قد ثبت أنهما لغتان بمعنى واحد فكانا سواء وأما إذ وإذا فمتغايران ولا يعرف بعد القسم في القرآن إلا مجيء إذا دون إذ-نحو والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى-وإذ وإذا في كل ذلك لمجرد الزمان مع قطع النظر عن مضى واستقبال فهو مثل-وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب-فسوف يعلمون ، إذ الأغلال في أعناقهم-وقد حكى الأهوازي عن عاصم وأبي عمرو رواية-إذا أدبر-بألفين والله أعلم ، وقول الناظم قل إذ بكسر اللام على إلقاء حركة همزة إذ عليها بخلاف كسرة النون في قوله عن اجتلا فإنها كسرت لأجل الساكن بعدها والمعنى عن اجتلاء أي عن كشف وظهور من توجيهه وهو ممدود فلما وقف عليه سكنت الهمزة فأبدلت ألفا فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما وقد سبق ذكر ذلك في شرح أول الخطبة في قوله أجذم العلا والفاء في قوله فاهمز زائدة
(1091)
فبادر وفا مستنفره (عم) فتحه وما يذكرون الغيب (خـ)ـص وخللا

(2/454)


فبادر من تتمة رمز القراءة السابقة أي فبادر إليه وقصر لفظ وفا ضرورة-ومستنفرة-بكسر الفاء بمعنى نافرة وبالفتح نفرها غيرها ، قال أبو علي قال أبو الحسن الكسر في مستنفرة أولى ألا ترى أنه قال-فرت من قسورة-فهذا يدل على أنها هي استنفرت ويقال نفر واستنفر مثل سخر واستسخر وعجب واستعجب ومن قال مستنفرة فكأن القسورة استنفرها أو الرامي قال أبو عبيد مستنفرة ومستنفرة مذعورة قال والقسورة الأسد وقالوا الرماة ، قال ابن سلام سألت أبا سوار العنبري وكان أعرابيا فصيحا قارئا للقرآن فقلت-كأنهم حمر-ماذا فقال كأنهم حمر مستنفرة طردها قسورة فقلت إنما هو فرت من قسورة فقال أفرت فقلت نعم قال فمستنفرة ، والخلاف في-وما يذكرون-بالياء والتاء ظاهر وقد سبق في أول آل عمران معنى قوله خص وخللا يقال عم بدعوته وخلل أي خص فجمع الناظم بينهما لاختلاف اللفظين
ومن سورة القيامة إلى سورة النبأ
(1092)
ورا برق افتح (آ)منا يذرون مع يحبون (حق كـ)ـف يمنى (عـ)ـلا علا
يريد-فإذا برق البصر-أي شخص وتحير قال الأخفش المكسورة في كلام العرب أكثر والمفتوحة لغة ، قال أبو عبيدة القراءة عندنا بالكسر لأنها اللغة السائرة المتعالية والغيبة في-تحبون العاجلة وتذرون الآخرة-والخطاب فيهما ظاهران ومعنى "آمنا" أي آمنا من البرق يوم القيامة أو آمنا من النازع فيه وقوله "حق" كف لأن الحق أبدا يدفع الباطل لأن في أول الجملة حرف الردع وهو-كلا-ومعناه الزجر والكف وأما تمنى فالضمير فيه للمنى إن قريء بالياء على التذكير وإن قريء بالتأنيث فالضمير للنطفة كما أنه في سورة النجم كذلك وهو-من نطفة إذا تمنى-ومعناه تصب وتراق في الرحم وعلا بالضم مفعول علا مقدم عليه أو هو خبره-يمنى-أي ذو علا أي عال بالتذكير
(1093)
سلاسل نون (إ)ذ رووا (صـ)ـرفه (لـ)ـنا وبالقصر قف (مـ)ـن (عـ)ـن (هـ)ـدى خلفهم (فـ)ـلا

(2/455)


سلاسل على وزن دراهم وهو ممنوع من الصرف على اللغة المشهورة ولكنه كتب في المصاحف بألف بعد اللام كما كتب في الأحزاب-الظنونا-و-الرسولا-و-السبيلا-فالمتابعة لخط المصحف اقتضت إثبات تلك الألف في الأحزاب في الوصل ولم يمكن تنوينها لأجل أن كل كلمة منها فيها الألف واللام فالتنوين لا يجتمع معها وأما في-سلاسلا-فأمكن قبوله للتنوين على لغة من يصرف ذلك ، قال أبو علي قال أبو الحسن-سلاسلا-منونة في الوصل والسكت على لغة من يصرف نحو ذا من العرب قال وسمعنا من العرب من يصرف هذا ويصرف جميع ما لا ينصرف وقال هذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه فجرت ألسنتهم على ذلك وقال مكي حكى الكسائي أن بعض العرب يصرفون كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك قال ابن القشيري صرف ما لا ينصرف سهل عند العرب قال الكسائي هو لغة من يجري الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه ، قلت القرآن العربي فيه من جميع لغات العرب لأنه أنزل عليهم كافة وأبيح لهم أن يقرءوه على لغاتهم المختلفة فاختلفت القراءات فيه لذلك فلما كتبت المصاحف هجرت تلك القراءات كلها إلا ما كان منها موافقا لخط المصحف فإنه بقي كقراءة-إن هذان-كما سبق ومثل هذا التنوين فإن كتابة الألف في آخر الاسم المنصوب يشعر بالتنوين وقد بينا هذه القاعدة وقررناها في كتاب الأحرف السبعة الملقب بالمرشد الوجيز وقد وجهت هذه اللغة بأنه أصل الكلام وعلة الجمع ضعيفة في اقتضاء منع الصرف بدليل صرف باقي أبنية الجموع وكونه لا نظير له في الآحاد غير مقتض لمنع الصرف بدليل العلم المرتجل الذي لا نظير له في أسماء الأجناس يقاس عليه لا بمنع الصرف وفيه علتان العلمية وكونه لا نظير له وهذا كان أولى بالمانعية لان العلمية مانعة في مواضع بشرطها والجمع غير معروف منه منع الصرف إلا في هذا الموضع المتنازع فيه فهذا الوجه من القياس مقو لهذه اللغة المسموعة ، ووجه آخر قال أبو علي إن هذه الجموع أشبهت

(2/456)


الآحاد لأنهم قد قالوا صواحبات يوسف فلما جمع جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها فصرفوها فهذا معنى قوله إذ رووا صرفه لنا وقال الزجاج الأجود في العربية أن لا يصرف سلاسل ولكن لما جعلت رأس آية صرفت ليكون آخر الآى على لفظ واحد ، قلت ادعاء أن سلاسل رأس آية بعيد ولكن الممكن أن يقال المعرف به في القرآن هو اللغة الفصيحة وهو منع صرف هذا الوزن من المجموع بدليل صوامع ومساجد وإنما عدل عن اللغة المشهورة في سلاسل إرادة التناسب لما ذكر معها من قوله-وأغلالا وسعيرا- ، فإن قلت فكان ينبغي على هذا صرف صوامع ومساجد ليشاكلا لفظ-بيع وصلوات-من قوله تعالى-لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد- ، قلت إنما فعل ذلك في المنصوب خاصة لأن المناسبة تحصل فيه وقفا ووصلا فإن المنون بوقف عليه بالألف فكان الرسم الألف دالا على الأمرين أما غير المنصوب فإنه يوقف عليه بالسكون منونا كان أو غير منون فلا حاجة تدعوا إلى صرفه لأجل المناسبة وصلا والمناسبة في الوقف مهمة بل هي العمدة في ذلك بدليل أن جماعة ممن لم ينون في الوصل يثبت الألف في الوقف ونظير هذا الموضع قراءة من قرأ في سورة نوح-ولا يغوثا ويعوقا-بالتنوين لأجل أن قبله-ودا ولا سواعا-وبعده-ونسرا-وهذا تعليل الزمخشري في ذلك فإنه قال لعله قصد الازدواج فصرفهما لمصادفته أخواتهما منصرفات كما قريء-وضحاها-بالإمالة لوقوعه مع الممالات للازدواج هذا قوله هنا ويجيء مثل ذلك في-سلاسلا-وهو وجه سائغ فعدل عن ذلك لما وصل إليه وقال فيه وجهان ، أحدهما أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف ، والثاني أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضرى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف ، قال الشيخ هذا كلام صدر عن سوء الظن بالقراءة وعدم معرفته بطريقتهم في اتباع النقل ، قلت هذا جواب الوجه الثاني ، وأما الوجه الأول فالتنوين الذي حمله عليه يسمى بتنوين الترنم النائب مناب حرف الإطلاق ولا

(2/457)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية