صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تهذيب الآثار للطبري
مصدر الكتاب : موقع جامع الحديث
http://www.alsunnah.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذكر ما لم يمض ذكره من أخبار أبي يحيى حكيم بن سعد ، عن علي رضوان الله عليه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مما صح عندنا سنده عنه ذكر خبر من ذلك

(4/70)


1375 - حدثني أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي ، قال : حدثنا يحيى بن إسحاق البجلي ، قال : أخبرنا شريك ، عن عمران بن ظبيان ، عن أبي يحيى ، قال : لما أتي علي بابن ملجم قال : اصنعوا به كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل جعل له أن يقتله ، فقال : « اقتلوه ، وحرقوه »

(4/71)


القول في علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ، لعلل : إحداها : أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم يصح إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه . والثانية : « أن عمران بن ظبيان عندهم ليس ممن يثبت بمثله في الدين حجة » والثالثة : « أن شريكا عندهم كان كثير الغلط ، ومن كان كذلك من أهل النقل وجب التوقف في نقله » والرابعة : « أن الصحيح عندهم في أمر الذي كان جعل له جعل لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسلم وحسن إسلامه ، وكان له بلاء في ذات الله ، وقد قال بعضهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم » أمر بصلبه ، ولم يأمر بإحراقه « والخامسة : » أن أهل السير لا تدافع بينهم أن عليا رضوان الله عليه إنما أمر بقتل قاتله قصاصا ، ونهى عن أن يمثل به «

(4/72)


ذكر الرواية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بصلب الذي أعطي جعلا على الفتك به

(4/73)


1376 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن الحسن ، في الذي « جعل له أواق على أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأطلع الله نبيه عليه ، فأخذه فصلبه ، فكان أول من صلب في الإسلام »

(4/74)


1377 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، قال : أخبرنا النضر بن شميل ، قال : أخبرنا جرير بن حازم ، عن الحسن ، أن رهطا من قريش جلسوا في الحجر بعد بدر فقالوا : قبح الله العيش بعد موت آبائنا ببدر ، ليتنا أصبنا رجلا يقتل محمدا ، وجعلنا له ، فقال رجل : أنا والله جريء الصدر ، جواد الشد ، جيد الحديد أقتله ، قال : فجعل له أربعة رهط ، كل رجل منهم أوقية من ذهب ، فخرج حتى قدم المدينة ، فنزل على رجل من قومه مسلم ، فقال له : ما جاء بك ؟ قال : أسلمت فجئت . قال : فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما في نفسه ، فبعث إلى الرجل الذي نزل عليه ينظر ضيفه ، فيشده وثاقا ، ثم ابعث به إلي . قال : فجعل الرجل ينادي حين خرجوا به : هكذا تفعلون بمن تبعكم هكذا تفعلون بمن اختار دينكم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اصدقني » ، حتى ظن الناس أنه لو صدقه خلى عنه ، فقال : ما جئت إلا لأسلم ، فقال : « كذبت » ، ثم قص رسول الله صلى الله عليه وسلم قصته في قصة القوم ، فقال : « ما كان ذلك ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلب على ذباب (1) ، فإنه لأول مصلوب
__________
(1) ذباب السيف : حد طرفه الذي بين شفرتيه وما حوله من حديه

(4/75)


ذكر من قال : إن الذي جعل له الجعل على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم ، ولم يقتل ولم يصلب

(4/76)


1378 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، قال : جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش وهو في الحجر بيسير ، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش ، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، ويلقون منه عناء وهم بمكة ، وكان ابنه وهيب بن عمير في أسارى بدر ، فذكر أصحاب القليب ومصابهم ، فقال صفوان : « والله إن في العيش خير بعدهم » فقال له عمير : « صدقت والله ، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي ، لركبت إلى محمد حتى أقتله ، فإن لي قبله علة ، ابني أسير في أيديهم ، فاغتنمها صفوان منه ، فقال : فعلي دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أسوتهم ما بقوا ، لا يسعهم شيء ، ويعجز عنهم ، قال عمير : » فاكتم علي شأني وشأنك « قال : أفعل ، قال : » ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له وسم ، ثم انطلق حتى قدم المدينة « فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم ، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ بعيره على باب المسجد متوشحا السيف ، فقال : هذا الكلب عدو الله قد جاء متوشحا سيفه فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره ، قال : » فأدخله علي « ، قال : فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه ، فلببه بها ، وقال لرجال ممن كان معه من الأنصار : ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده ، واحذروا هذا الخبيث عليه ، فإنه غير مأمون ، ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال : » أرسله يا عمر ، ادن يا عمير « ، فدنا ، ثم قال : انعموا صباحا ، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام ، تحية أهل الجنة « ، قال : أما والله إن كنت يا محمد لحديث عهد بها ، قال : » ما جاء بك يا عمير « ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ، فأحسنوا فيه ، قال : » فما بال السيف في عنقك ؟ « قال : قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت شيئا ؟ قال : » اصدقني ، ما الذي جئت له ؟ « قال : ما جئت إلا لذلك ، فقال : » بلى ، قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دين علي ، وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له ، والله حائل بيني وبينك « ، فقال عمير : » أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا ، وصفوان ، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ، وساقني هذا المساق ، ثم شهد شهادة الحق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فقهوا أخاكم في دينه ، وأقرئوه ، وعلموه القرآن ، وأطلقوا له أسيره » ، قال : ففعلوا ، ثم قال : يا رسول الله ، إني كنت جاهدا في إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة ، فأدعوهم إلى الله ، وإلى الإسلام ، لعل الله أن يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم ، قال : فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلحق بمكة ، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام ، تنسيكم وقعة بدر ، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه ، فحلف ألا يكلمه أبدا ، ولا ينفعه بنفع أبدا ، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ، ويؤذي من خالفه أذى شديدا ، فأسلم على يديه أناس كثير

(4/77)


ذكر من قال : إن عليا إنما أمر بقتل قاتله ولم يأمر بإحراقه ، ونهى عن المثلة به ، وأن الذي أحرق قاتله قوم من العامة

(4/78)


1379 - حدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي ، قال : حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني ، قال : أخبرنا إسماعيل بن راشد ، قال : ذكروا أن ابن الحنفية ، قال : والله إني لأصلي الليلة التي ضرب علي فيها في المسجد الأعظم ، في رجال كثير من أهل المصر (1) يصلون قريبا من السدة ، ما هم إلا قيام وركوع وسجود ، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره ، إذ خرج علي لصلاة الغداة (2) ، فجعل ينادي : أيها الناس ، الصلاة ، الصلاة ، فما أدري : أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات ، أو نظرت إلى بريق السيف ، وسمعت قائلا يقول : « الحكم لله لا لك يا علي ، ولا لأصحابك » فرأيت سيفا ، ثم رأيت ناسا ، وسمعت عليا يقول : « لا يفوتنكم الرجل ، وشد الناس عليه من كل جانب ، فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم ، وأدخل على علي ، فدخلت فيمن دخل من الناس ، فسمعت عليا يقول : » النفس بالنفس ، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني ، وإن بقيت رأيت فيه رأيي « قال : وقد كان علي نهى الحسن عن المثلة (3) ، وقال : يا بني عبد المطلب ، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين ، تقولون : » قتل أمير المؤمنين ، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي ، انظر يا حسن ، إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة ، ولا تمثل بالرجل « فلما قبض علي رضوان الله عليه ، بعث الحسن إلى ابن ملجم ، فقال للحسن : » هل لك في خصلة (4) ؟ إني والله ما أعطيت عهدا إلا وفيت به ، إني كنت أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية ، أو أموت دونهما ، فإن شئت خليت بيني وبينه ، ولك والله علي إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت ، أن آتيك حتى أضع يدي في يدك ، فقال له الحسن : « أما والله حتى تعاين النار فلا ، ثم قدمه فقتله ، ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوار ، ثم أحرقوه بالنار »
__________
(1) المصر : البلد أو القرية
(2) الغداة : الصبح
(3) المثلة : جدع الأطراف أو قطعها أو تشويه الجسد تنكيلا، وقد تطلق على النذر بما يرهق النفس أو يشوهها
(4) الخصلة : خلق في الإنسان يكون فضيلة أو رزيلة

(4/79)


ذكر ما في هذا الخبر ، أعنى خبر علي رضوان الله عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه قبل ، من الفقه والذي فيه من ذلك ، الإبانة عن صحة قول القائلين بإطلاق إحراق جيفة المشركين ، ومن كان سبيله سبيلهم ، ممن قتل بحق وهو مقيم على الكفر ، أو الردة عن الإسلام ، مصر عليها غير تائب منها ، وفساد قول من أنكر إحراق جيفة من قتل كذلك إن قال لنا قائل : ما أنت قائل فيما

(4/80)


1380 - حدثكم به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي إسحاق الدوسي ، عن أبي هريرة ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيهم ، فقال لنا : إن ظفرتم (1) بهبار بن الأسود ، أو بنافع بن عبد القيس فحرقوهما بالنار ، فلما كان الغد بعث إلينا فقال : « إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله ، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما » وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن تحريق ذوات الأرواح ؟ قيل : هذا خبر صحيح غير مدافع ، معناه معنى ما روى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بإحراق جيفة المشرك الذي جعل له على قتله بعد قتله ، وذلك أنه لا تعذيب على مقتول أو ميت في إحراق جيفته ، وإنما التعذيب له في إحراقه حيا ، وهو الإحراق الذي روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه ، فغير جائز لأحد إحراق حي بالنار ، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يعذب أحد منهم أحدا بالنار ، مشركا كان أو مسلما ، فأما إحراق جيفته فإنه غير محظور ، إذا كان المحرقة جيفته مات أو قتل على الشرك ، أو على كبيرة مصر عليها ، ولا سيما إن كان القتل قتلا على الردة ، فقد فعل ذلك الصديق بين ظهراني المهاجرين بكثير من أهل الردة ، فأحرق جيفهم بعد القتل ، وفعله أيضا من بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بقوم ارتدوا عن الإسلام
__________
(1) ظفرتم به : قدرتم عليه

(4/81)


ذكر الأخبار الواردة بذلك

(4/82)


1381 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : سمعت أبا عمرو الشيباني ، يقول : بعث عتبة بن فرقد إلى علي برجل تنصر ، ارتد عن الإسلام قال : فقدم عليه رجل على حمار ، أشعر عليه صوف ، فاستتابه (1) علي طويلا وهو ساكت ، ثم قال كلمة فيها هلكته ، قال : ما أدري ما تقول ، غير أن عيسى كذا كذا ، فذكر بعض الشرك ، فوطئه علي ، ووطئه الناس ، فقال : كفوا ، أو أمسكوا ، فما كفوا عنه حتى قتلوه ، فأمر به فأحرق بالنار ، فجعلت النصارى تقول : « شهيدا ، شهيدا » يقولون : « شهيد وجعل أحدهم يأتي بالدينار أو الدرهم يلقيه ، ثم يجيء كأنه يطلبه ، يعتل به ليصيبه من رماده أو دمه »
__________
(1) الاستتابة : طلب الرجوع عن المعصية إلى الطاعة

(4/83)


1382 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عمرو الشيباني ، أن رجلا ، من بني عجل كان طويل الجهاد ، فتنصر ، فكتب فيه عتبة بن فرقد إلى علي قال : « فكتب إليه أن يسرح به إليه » قال : فجيء به رجلا مكبلا في الحديد ، فوضع بين يدي علي ، فجعل علي يكلمه ويديره ، حتى تكلم بكلمة كانت فيها هلكته ، قال : « ما أدري ما تقول ، غير أنه شهد أن عيسى ابن الله ، قال : » فوثب عليه فوطئه ، ووطئه الناس « فقال : أمسكوا ، فأمسكوا ، فإذا هو قد مات ، فأمر به فحرق ، فجعلت النصارى تقول : » شهيدا ، فجعلوا يأخذون ما وجدوا من عظامه ، ومن دمه «

(4/84)


1383 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : حدثني نعيم بن أبي هند ، قال : حدثني سويد بن غفلة ، قال : ارتد ناس من السودان عن الإسلام قال : فأمر بهم علي أن يحرقوا ، قال : فجعل ينظر إلى السماء ، وينظر إلى الأرض ، ويقول : الله أكبر ، صدق الله ، وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ، احفروا ها هنا ، ففعل ذلك مرة أو مرتين ، أو أكثر من ذلك ، قال : ثم انطلق فدخل ، قال : فانطلقت حتى ضربت عليه الباب ، قال : فقيل : من هذا ؟ قلت : سويد بن غفلة ، قال : فذهب ليجلس فأخذت بيده ، قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن هذه الشيعة قد شمتت بنا ، فأخبرني : أرأيت نظرك إلى السماء ، ونظرك إلى الأرض ، وقولك : الله أكبر ، صدق الله ، وبلغ الرسول ؟ عهد إليك نبي الله صلى الله عليه وسلم هذا ؟ قال : فقال : لأن أقع من السماء أحب إلي من أن أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل ، « هل علي بأس أن أنظر إلى السماء ؟ هل علي بأس أن أنظر إلى الأرض ؟ » قلت : لا ، قال : فهل علي بأس أن أقول : « صدق الله ورسوله ؟ » قلت : لا ، قال : « فإني رجل مكايد »

(4/85)


1384 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، ومحمد بن جعفر ، عن عوف ، وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : أخبرنا عوف بن أبي جميلة ، عن أبي رجاء ، أن ناسا من أهل اليمن ارتدوا عن الإسلام زمن علي بن أبي طالب ، فبعث علي جارية بن قدامة ، وبعث معه جيشا ، وكنت في ذلك الجيش ، قال : فسار حتى إذا بلغ حفر عدي وتيم ، أراد أن يسرع السير ، فأرذى رجالا ، وأرذاني فيهم ، ثم أسرع السير ، حتى إذا بلغ البلد جمع أولئك الذين ارتدوا عن الإسلام ، فضرب أعناقهم ، وحرق أجسادهم بالنار ، وبذلك أمره علي ، فقال القائل من أهل اليمن : ألا صبحاني قبل جيش محرق ومن قبل بين من سليمى مفرق

(4/86)


1385 - حدثني الحسين بن علي ، قال : حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة ، حدثنا نوح بن ربيع الأنصاري أبو مكين ، قال : حدثني شريح أبو أمية ، قال وكان خال أبي : أنهم « وجدوا ثلاثة نفر في سرب ، ومعهم أصنام » قال : فرفعوا إلى علي بن أبي طالب ، فأمر بهم علي ، فأدرجوا في بوار ، ثم أحرقهم

(4/87)


1386 - حدثنا ابن بشار ، وابن المثنى ، قالا : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن علي بن أبي طالب ، « أتي بناس من الزط يعبدون ، وثنا (1) فأحرقهم »
__________
(1) الوثن : كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد. والصنم : الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما.

(4/88)


1387 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا أيوب ، عن عكرمة ، أن عليا ، « أحرق ناسا ارتدوا عن الإسلام » حدثني يعقوب بن إبراهيم ، وأبو كريب محمد بن العلاء ، قالا : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن علي ، مثله

(4/89)


1388 - حدثنا محمد بن خلف ، قال : حدثنا خلف بن عمر ، عن علي بن هاشم ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي الطفيل ، قال : أتي علي بقوم زنادقة ، فقالوا : أنت هو ، قال : من أنا ؟ قالوا : أنت هو ، قال : ويلكم من أنا ؟ قالوا : أنت ربهم ، فقال علي : إن قوم إبراهيم غضبوا لآلهتهم فأرادوا أن يحرقوا إبراهيم بالنار ، فنحن أحق أن نغضب لربنا ، ثم قال : يا قنبر ، دونكهم ، فضرب أعناقهم ، ثم حفر لهم حفر النار ، وألقاهم فيها ، فأنشأ النجاشي الحارثي يقول : لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما قربوا حطبا ، ونارا فذاك الهلك نقدا غير دين

(4/90)


1389 - حدثني ابن خلف ، قال : حدثنا شبابة بن سوار ، عن سلام بن أبي القاسم ، عن أبيه ، وحدثني ابن خلف ، قال : حدثنا نصر بن مزاحم ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي الطفيل ، قال : أتي علي بناس من الزنادقة ، فقالوا : أنت ربنا ، فقال : « ويلكم ما تقولون ؟ فاستتابهم (1) ، فلم يرجعوا ، فأمر قنبرا فضرب أعناقهم ، ثم حفر لهم حفر النيران ، فأضرمها (2) ، ثم ألقاهم فيها »
__________
(1) الاستتابة : طلب الرجوع عن المعصية إلى الطاعة
(2) أضرم : أشعل

(4/91)


1390 - كتب إلي السري بن يحيى الحنظلي يقول : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عمن حدثه ، عن نافع ، قال : كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد في قتاله أهل الردة : « لا تظفرن بأحد قتل المسلمين إلا قتلته ، ونكلت به عبرة ، ومن أحببت ممن حاد الله أو صاده ممن ترى أن في ذلك صلاحا فاقتله ، فأقام على بزاخة شهرا يصعد عنها ويصوب ، ويرجع إليها في طلب أولئك وقتلهم ، فمنهم من أحرق ، ومنهم من قمطه ورضخه (1) بالحجارة ، ومنهم من رمى به من رءوس الجبال »
__________
(1) الرضخ : الشدخ. والرضخ أيضا : الدق والكسر

(4/92)


1391 - وكتب إلي السري يقول : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : « قتلهم ، والله كل قتلة : بالنيران ، والردي ، والرضخ ، والحرق على غير قصاص » فإن قال قائل : فهل من خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن بإحراق جيفة من قتل من المشركين أو من أهل الكبائر ، بعد قتله ، غير الذي رويت لنا عن علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد علمت منازعة من ينازعك في صحة خبر علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل : إن فيما ذكرت من فعل الصديق ، وأمير المؤمنين من ذلك بين ظهراني المهاجرين والأنصار ، من غير نكيرهم ذلك ، أوضح البرهان على أن ذلك سنة ماضية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لولا ذلك لم يتقدم الصديق ، وأمير المؤمنين على فعل ذلك بينهم ، ولو كان فعلهما ما فعلا من ذلك غير سنة ماضية ، لكان من بحضرتهم من المهاجرين ، والأنصار قد أنكروا ذلك ، مع أن عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا غير الذي روينا عن علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، نذكر ما صح عندنا منه سنده

(4/93)


1392 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا أبو حمزة ، عن عبد الكريم ، وسئل عن أبوال الإبل فقال : حدثني سعيد بن جبير ، عن المحاربين قال : كان ناس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نبايعك على الإسلام ، فبايعوه وهم كذبة ، وليس الإسلام يريدون ، ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « هذه اللقاح تغدو (1) عليكم وتروح ، فاشربوا من أبوالها وألبانها » ، قال : فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ يصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قتلوا الراعي ، وساقوا النعم فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس : أن « يا خيل الله اركبي » ، قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا ، قال : وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم ، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم ، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أسروا منهم ، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله » (2) الآية قال : فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ، ونفوهم من أرض المسلمين ، وقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وصلب ، وقطع ، وسمر (3) الأعين ، قال : فما مثل نبي الله صلى الله عليه وسلم قبل ، ولا بعد ، قال : ونهى عن المثلة (4) ، وقال : « لا تمثلوا بشيء » ، قال : وكان أنس بن مالك يقول نحو ذلك ، غير أنه قال : « أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم » قال : وبعضهم يقول : « هم ناس من بني سليم ، ومنهم من عرينة ، وناس من بجيلة ، فإذ كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا من إحراق جيفة المشرك مرة ، وقذفه بها أخرى في قليب (5) ، وتركه إياها ثالثة بالعراء ، وكان الله تعالى ذكره قد جعل لأمته التأسي به في أفعاله ، فللمسلمين من الفعل بمن قتلوا من أعدائهم من المشركين ، ولإمامهم من الفعل بمن قتله على ردة أو موبقة عظيمة ، مثل الذي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن ذكرنا من أهل الشرك والردة »
__________
(1) الغدو : السير والذهاب والتبكير أول النهار
(2) سورة : المائدة آية رقم : 33
(3) سمر العين : أحمى لهم مسامير الحديد ثم كحلهم بها وفقأ أعينهم.
(4) المثلة : جدع الأطراف أو قطعها أو تشويه الجسد تنكيلا، وقد تطلق على النذر بما يرهق النفس أو يشوهها
(5) القليب : البئر التي لم تطو

(4/94)


القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب فمن ذلك قول عمير بن وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه : انعموا صباحا ، يعني بذلك : نعمتم عند الصباح ، وهي تحية كان أهل الجاهلية يحيون بها ملوكهم ، وفيها لغتان : إحداهما انعم صباحا ، والآخر : عم صباحا ، ومن اللغة الأولى قول امرئ القيس بن حجر : ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي وهل ينعمن من كان في العصر الخالي ؟ ومن اللغة الأخرى قول عنترة بن شداد العبسي : يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحا دار عبلة واسلمي وأما قول شريح : أنهم وجدوا ثلاثة نفر في سرب ، فإن السرب ها هنا ، بفتح السين والراء ، حفيرة تكون في الأرض ، يقال منه : « انسرب الوحشي في سربه » ، إذا دخل في جحره ، والسرب أيضا ، بفتح السين والراء الماء يصب في القربة الجديدة أو المزادة ، حتى ينتفخ السير ، وتستد مواضع الخرز ، يقال منه : سرب الماء يسرب سربا إذا سال ، ومنه قول ذي الرمة : ما بال عينك منها الماء ينسكب ؟ كأنه من كلى مفرية سرب ومنها أيضا قول جرير بن عطية : بلى فارفض دمعك غير نزر كما عينت بالسرب الطبابا يعني بقوله سرب سائل وأما السرب بفتح السين وسكون الراء ، فمعنى غير ذلك ، وهو المال الراعي ، كالإبل ونحوها ، يقال منه : أغير على سرب القوم ، إذا ذهب بإبلهم ، وجاء سرب بني فلان ، إذا جاءت إبلهم ، ومنه قولهم : « اذهبي ، فلا أنده سربك » يراد به : لا أرد إبلك ، كانت الجاهلية تقول ذلك للمرأة إذا أرادوا فراقها وطلاقها ، يعنون بذلك : اذهبي فلا حاجة لي فيك ، والسرب أيضا ، بفتح السين وسكون الراء ، الطريق ، يقال : « خل له سربه ، يعني به طريقه » ومنه قول ذي الرمة : خلى لها سرب أولاها ، ونجنجها مخافة الصيد حتى كلها هيم وأما الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا » فإنه يعنى بقوله : « في سربه : في نفسه ، وهو مكسور السين مسكن الراء ، ويقال : فلان واسع السرب ، يعنى به : أنه رخي البال ، وأما قولهم : » مر بي سرب من قطا ، وظباء ، ونساء ، فإنه بكسر السين وسكون الراء ، وهو القطيع من ذلك يجمع سروبا ، ومنه قول أبي داود الإيادي : أوحشت من سروب قومي تعار فأروم ، فشابة فالستار بعدما كان سرب قومي حينا لهم النخل كلها والبحار يقال منه : « سرب على الإبل » ، يعنى به : أرسلها قطعة قطعة ، ومرت بي سربة من خيل وحمر وظباء ، بضم السين وسكون الراء ، ومنه قول ذي الرمة : « سوى ما أصاب الذئب منه وسربة ، أطافت به من أمهات الجوازل » وأما قولهم : فلان بعيد السربة ، فإنه يعنى به : بعيد المذهب ، وأما قول أبي رجاء : حتى إذ بلغ حفر عدي وتيم ، أراد أن يسرع السير ، فأرذى رجالا ، وأرذاني فيهم ، فإنه يعني بقوله : فأرذى رجالا خلفهم وترك الشخوص بهم معه ، لضعفهم ، ، وعجزهم عن السير معه ، وأصله من قولهم للناقة التي قد ضعفت عن السير من الهزال ، والجهد الذي بها ، إذا تركت فلم تستتبع : « رذية ، تجمع : رذايا ، ومنه قول أبي داود الإيادي : وعنس قد براها لذة الموكب ، والشرب رذايا كالبلايا ، أو كعيدان من القضب ، وأما قول سعيد بن جبير : ثم قالوا : » إنا نجتوي المدينة ، فإنهم عنوا بقولهم : « نجتوي المدينة ، نستوبئها ، وإنما هو نفتعل من الجوى ، والجوى : فساد الجوف من داء يكون به » يقال منه جوي فلان فهو يجوى جوى ، مقصور ، ومنه قول الطرماح بن حكيم : أيا صاحبي هل من سبيل إلى هند وريح الخزامى غضة بالثرى الجعد وهل لليالينا بذي الرمث رجعة فتشفي جوى الأحشاء من لاعج الوجد وأما قول سعيد بن جبير : فجاء الصريخ يصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يعني بالصريخ : المستغيث ، يقال : جاء صريخ القوم ، فأصرخهم بنو فلان ، يراد بذلك : جاء مستغيثهم فأغاثهم الآخرون ، ومنه قول الله تعالى ذكره : « ما أنا بمصرخكم ، وما أنتم بمصرخي » (1) يعني به : « ما أنا بمغيثكم ، وما أنتم بمغيثي »
__________
(1) سورة : إبراهيم آية رقم : 22

(4/95)


ذكر خبر آخر من أخبار أبي يحيى ، عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم

(4/96)


1393 - حدثنا أحمد بن منصور ، قال : حدثنا عبد الصمد بن النعمان ، قال : أخبرنا عبد الملك وهو أبو سلام ، عن عمران بن ظبيان ، عن حكيم بن سعد ، عن علي ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسير قال : « اللهم بك أصول (1) ، وبك أحل ، وبك أسير »
__________
(1) أصول : أسطو وأقهر وأثب وأهجم

(4/97)


القول في علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح لعلتين إحداهما : أنه خبر لا يعرف له مخرج من وجه يصح عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا من هذا الوجه ، والثانية : « أن المعروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض هذا القول أنه إنما كان يقوله إذا كان في حرب ، فأما الذي كان يقول إذا أراد السفر ، فغير ذلك »

(4/98)


ذكر الرواية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقول بعض ما في خبر علي هذا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا كان في حرب

(4/99)


1394 - حدثنا علي بن سهل الرملي ، قال : حدثنا الحسن بن بلال ، عن حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أيام حنين يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر ، فقيل : يا رسول الله : إنك تحرك شفتيك بشيء ما كنت تفعله ، فما هذا الذي تقول ؟ قال : أقول : « اللهم بك أحول (1) ، وبك أصول ، وبك أقاتل »
__________
(1) أحول : أحتال وأدفع وأمنع

(4/100)


1395 - حدثنا القاسم بن بشر بن معروف ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أيام حنين إذا سلم من صلاة الصبح حرك شفتيه ، فقيل : يا رسول الله ، إنك لتفعل شيئا ما كنت تفعله ، فما هو ؟ قال : أقول : « اللهم بك أحاول ، وبك أصاول (1) ، وبك أقاتل »
__________
(1) أصاول : أثب وأهاجم وأسطو وأقهر

(4/101)


1396 - وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عمران ، عن أبي مجلز ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضر العدو قال : « اللهم أنت عضدي (1) ، وأنت نصيري ، وبك أحول (2) ، وبك أصول ، ولك أقاتل »
__________
(1) العضد : الناصر والمعتمد والمستعان
(2) أحول : أحتال وأدفع وأمنع

(4/102)


ذكر الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان يقوله إذا أراد السفر وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أشياء نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره ، فمن ذلك ما

(4/103)


1397 - حدثنا هناد بن السري ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج في السفر قال : « اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من الضيعة في السفر ، والكآبة في المنقلب ، اللهم اقبض لنا الأرض ، وهون علينا السفر » ، فإذا أراد الرجوع قال : « آيبون تائبون ، لربنا حامدون » ، فإذا دخل بيته ، قال : « توبا توبا ، لربنا أوبا ، لا يغادر علينا حوبا (1) »
__________
(1) الحوب : الإثم والذنب

(4/104)


1398 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبان ، قال : حدثنا الوليد بن أبي ثور ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر يقول : « اللهم إني أعوذ بك من الضيعة في السفر ، والكآبة (1) في المنقلب ، اللهم اقبض لنا الأرض ، وهون علينا السفر ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل » ، فإذا جاء مقبلا قال : « تائبون آيبون حامدون لربنا عابدون ، فإذا كان يوم يدخل المدينة قال : توبا إلى ربنا توبا ، لا يغادر عليه منا حوبا (2) »
__________
(1) الكآبة : تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن
(2) الحوب : الإثم والذنب

(4/105)


1399 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن عاصم ، عن عبد الله بن سرجس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر قال : « اللهم إني أعوذ بك من وعثاء (1) السفر ، وكآبة (2) المنقلب (3) ، والحور (4) بعد الكون ، ودعوة المظلوم ، وسوء المنظر في الأهل والمال »
__________
(1) الوعثاء : الشدة والمشقة
(2) الكآبة : تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن
(3) المنقلب : الرجوع أو العودة
(4) الحور : النقصان بعد الزيادة. وقيل من فساد أمورنا بعد صلاحها. وقيل من الرجوع عن الجماعة

(4/106)


1400 - حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا عاصم ، عن عبد الله بن سرجس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا قال : « اللهم إني أعوذ بك من وعثاء (1) السفر ، وكآبة (2) المنقلب (3) ، والحور (4) بعد الكون ، ودعوة المظلوم ، والمنظر في الأهل والمال » ، وإذا رجع قال مثل ذلك ، إلا أنه يقول : « وسوء المنظر من الأهل والمال »
__________
(1) الوعثاء : الشدة والمشقة
(2) الكآبة : تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن
(3) المنقلب : الرجوع أو العودة
(4) الحور : النقصان بعد الزيادة. وقيل من فساد أمورنا بعد صلاحها. وقيل من الرجوع عن الجماعة

(4/107)


1401 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا المحاربي ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن سرجس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : « اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، أعوذ بك من وعثاء (1) السفر ، وكآبة (2) المنقلب (3) ، والحور (4) بعد الكون ، ودعوة المظلوم ، وسوء المنظر في الأهل والمال »
__________
(1) الوعثاء : الشدة والمشقة
(2) الكآبة : تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن
(3) المنقلب : الرجوع أو العودة
(4) الحور : النقصان بعد الزيادة. وقيل من فساد أمورنا بعد صلاحها. وقيل من الرجوع عن الجماعة

(4/108)


1402 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، قال : حدثنا سعيد ، عن عبد الله بن بشر الخثعمي ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا قال : « اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم أصحبنا بنصح ، وأقلبنا بذمة ، اللهم ازو (1) لنا الأرض ، وهون علينا السفر ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء (2) السفر ، وكآبة (3) المنقلب (4) »
__________
(1) ازو : اطو والمراد تقصير السفر حتى لا تزداد المشقة
(2) الوعثاء : الشدة والمشقة
(3) الكآبة : تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن
(4) المنقلب : الرجوع أو العودة

(4/109)


1403 - وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر قال : « اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء (1) السفر ، وكآبة (2) المنقلب (3) ، وسوء المنظر في الأهل والمال ، اللهم اطو (4) لنا الأرض ، وهون علينا السفر »
__________
(1) الوعثاء : الشدة والمشقة
(2) الكآبة : تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن
(3) المنقلب : الرجوع أو العودة
(4) اطو : قرب لنا الأرض ، وسهل السير فيها

(4/110)


1404 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا جرير ، عن فطر ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج في سفر قال : « اللهم بلاغا يبلغ خيرا ، مغفرة منك ورضوانا ، بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم هون علينا السفر ، واطو لنا الأرض ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء (1) السفر ، وكآبة (2) المنقلب »
__________
(1) الوعثاء : الشدة والمشقة
(2) الكآبة : تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن

(4/111)


1405 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : حدثني أبي قال : حدثنا ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن علي الأزدي ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر ، كبر ثلاثا ، ثم قال : « سبحان الذي سخر لنا هذا ، وما كنا له مقرنين (1) ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، والعمل بما ترضى ، اللهم هون علينا السفر ، واطو (2) عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء (3) السفر ، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال » ، وإذا رجع قالها ، وزاد فيها : « آيبون ، تائبون ، لربنا حامدون » وحدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن جريج ، أن أبا الزبير ، أخبره أن عليا الأزدي أخبره ، أن عبد الله بن عمر علمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ، فذكر نحوه ، إلا أنه قال : « ومن العمل ما ترضى »
__________
(1) أقرن للشيء : أطاقه وقوي عليه
(2) اطو عنا بعده : قربه لنا
(3) الوعثاء : الشدة والمشقة

(4/112)


1406 - وحدثني هلال بن العلاء الرقي ، قال : حدثنا سعيد بن عبد الملك الحراني ، قال : حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن زيد ، عن أبي الزبير ، عن علي بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به دابته كبر ثلاثا ، ثم قال : « سبحان الذي سخر لنا هذا ، وما كنا له مقرنين (1) ، اللهم إنا نسألك البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم هون علينا سفرنا هذا ، واطو (2) لنا عنا بعده ، اللهم أعوذ بك من وعثاء (3) السفر ، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال » وكان إذا دخلها قالها أيضا ، ثم قال : « آيبون تائبون ، لربنا حامدون » ومن ذلك أيضا مما رواه آخرون ، ما
__________
(1) أقرن للشيء : أطاقه وقوي عليه
(2) اطو عنا بعده : قربه لنا
(3) الوعثاء : الشدة والمشقة

(4/113)


1407 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، وأبو هشام الرفاعي قالا : حدثنا المحاربي ، عن عمر بن مساور العجلي ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك ، قال : لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا قط إلا قال حين ينهض من جلوسه : « اللهم بك انتشرت (1) ، وإليك توجهت ، وبك اعتصمت ، اللهم أنت ثقتي ، وأنت رجائي ، اللهم اكفني ما همني ، وما لا أهتم به ، وما أنت أعلم به ، اللهم زودني التقوى ، واغفر لي ذنبي ، ووجهني للخير أينما توجهت » قال : ثم يخرج ومن ذلك ما رواه آخرون ، وهو ما
__________
(1) انتشرت : أي ابتدأت سفري

(4/114)


1408 - حدثني به محمد بن سنان القزاز قال : حدثنا إسحاق بن إدريس ، قال : حدثنا أبو إسحاق الأسلمي ، عن عبد العزيز بن عمر ، عن ريان بن عبد العزيز ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبان بن عثمان ، عن عثمان بن عفان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من خرج مخرجا فقال حين يخرج : بسم الله ، وآمنت بالله ، واعتصمت بالله ، وتوكلت على الله ، عصمه الله من شر مخرجه » واختلف فيما كان السلف يقولون في ذلك : نحو اختلاف الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه . نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره

(4/115)


1409 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أنه كان إذا سافر دعا بهذا الدعاء : « اللهم بلاغا يبلغه رضوانك والجنة ، إنك على كل شيء قدير » قال : فكان أبو إسحاق يزيد فيه : عن عبد الله بن عمر حديث أبي الأحوص : اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، والعون على الظهر ، والمستعان على الأمر

(4/116)


1410 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا المحاربي ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود ، أنه كان يقول : إذا أراد الرجل منكم السفر فليقل : « اللهم بلاغا يبلغ خيرا ، مغفرة منك ورضوانا ، بيدك الخير ، أنت على كل شيء قدير ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل . اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء (1) السفر ، وكآبة المنقلب ، اللهم اطو (2) لنا الأرض ، وهون علينا السفر »
__________
(1) الوعثاء : الشدة والمشقة
(2) اطو لنا الأرض : قربها لنا وسهل السير فيها

(4/117)


1411 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كان أحدهم إذا سافر قال : « اللهم بلغ بلاغا يبلغ مغفرة منك ورضوانا ، بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، وأنت الخليفة في الأهل ، هون علينا السفر ، واطو (1) لنا الأرض ، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء (2) السفر ، وكآبة المنقلب »
__________
(1) اطو لنا الأرض : قربها لنا وسهل السير فيها
(2) الوعثاء : الشدة والمشقة

(4/118)


1412 - وحدثني سلم بن جنادة السوائي ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : « كان أصحاب عبد الله إذا أرادوا سفرا قالوا : » اللهم بلاغا يبلغ خيرا ، مغفرة منك ورضوانا ، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم اطو لنا الأرض ، وهون علينا السفر ، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء (1) السفر ، وكآبة المنقلب «
__________
(1) الوعثاء : الشدة والمشقة

(4/119)


1413 - وكان آخرون يقولون في ذلك ما حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا المحاربي ، عن الأصبغ بن زيد الواسطي ، عن رجلين ، سماهما ، عن مكحول ، قال : ما أراد عبد سفرا فقال هؤلاء الكلمات إلا كلأه الله وكفاه ووقاه : اللهم لا شيء إلا أنت ، ولا شيء إلا ما شئت ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، هو مولانا ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ، حسبي الله لا إله إلا هو ، اللهم فاطر السموات والأرض ، أنت وليي في الدنيا والآخرة ، توفني مسلما ، وألحقني بالصالحين فإذا كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روينا عنه مما كان يقوله إذا أراد سفرا ، وعن أصحابه ما قد ذكرنا من قيلهم ، فأحب لمن أراد سفرا لحج ، أو عمرة ، أو غزو جهاد في سبيل الله ، أو تجارة ، أو فيما أراد ، مما لم يكن سفره في معصية لله ، أن يقول ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قد بينا ، وأي الذي روي عنه من القيل الذي ذكرنا عنه أنه كان يقوله قاله قائل ، فقد أحسن ، وإن هو تعدى ذلك فقال بعض الذي ذكرنا أن ابن مسعود كان يقوله ، أو غيره ، فقد أجزأه وأحب الأقوال إلي أن يقوله ، إذا أراد ذلك مريد ، ما جمع جميع ذلك ، وهو أن يقول : بسم الله ، آمنت بالله واعتصمت به ، وتوكلت عليه ، اللهم إني بك أنتشر وأسير وأحل ، وإليك أتوجه ، وبك أعتصم ، فإنك ثقتي ورجائي ، اللهم اكفني أموري كلها ، ما همني منها ، وما لا أهتم به ، وما أنت أعلم به ، اللهم زودني التقوى ، واغفر لي ذنوبي ، ووجهني للخير أينما توجهت ، اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ، والعمل بما ترضى ، اللهم بلغني بلاغا يبلغ خيرا ، مغفرة منك ورضوانا ، بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم هون علي السفر ، واطو لي الأرض ، واصحبني منك بنصح ، وأقلبني بذمة ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال ، اللهم لا شيء إلا ما شئت ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، لن يصيبني إلا ما كتبت لي ، أنت مولاي ، عليك أتوكل ، وبك أستعين في أموري كلها ، حسبي الله لا إله إلا هو ، اللهم فاطر السموات والأرض ، أنت وليي في الدنيا والآخرة ، توفني مسلما ، وألحقني بالصالحين . فإنه إذا قال ذلك جمع جميع ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نهوضه لسفره ، وما كان السلف يدعون به ، وإن لم يقل من ذلك شيئا لم يحرج إن شاء الله ، لأن ذلك غير فرض قيله على أحد بإجماع الجميع ، في حال عزمه على السفر

(4/120)


القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : « اللهم إني بك أصول » ، يعني صلى الله عليه وسلم بقوله : « بك أصول » ، بك أسطو على أعدائك ، يقال للفحل من الإبل إذا عدا على آخر ، واثبا عليه بالعض : صال عليه ، ومنه قول عمرو بن كلثوم التغلبي : فصالوا صولهم فيمن يليهم وصلنا صولنا فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا يعني بقوله : آبوا : رجعوا . يقال منه : آب فلان من سفره فهو يؤوب أوبا وإيابا ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « توبا لربنا أوبا » ، يعني بالأوب : الرجوع . وأما قوله « لا يغادر حوبا » ، فإنه يعني به : لا يدع ذنبا ، يقال منه : غادر فلان فلانا بموضع كذا : إذا تركه ، ومنه قول النابغة الذبياني : فغادرهن منعفرا زهيقا وآخر مثبتا يشكو الجراحا والحوب : مصدر من قول القائل : « حاب فلان فهو يحوب حوبا وحوبا » ، ومنه قول أمية بن الأسكر : وإن مهاجرين تكنفاه عباد الله ، قد خطئا وحابا وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر » فإنه يعني بالوعثاء الشدة والمشقة ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة : إذا كان هادي الفتى في البلاد صدر القناة أطاع الأميرا وخاف العثار إذا ما مشى وخال السهولة وعثا وعورا ومنه أيضا قول الكميت بن زيد : وأين ابنها منا ومنكم ، وبعلها خزيمة ، والأرحام وعثاء حوبها وإنما الوعثاء من الوعث ، وهو الدهس يشتد فيه المشي ، فيضرب مثلا في كل شديدة شاقة على عاملها . وأما الكآبة ، والحور بعد الكون ، وقوله : اللهم ازو لنا الأرض ، فقد بينت معاني ذلك كله قبل ، فيما مضى من كتابنا هذا

(4/121)


ذكر خبر آخر من أخبار علي رضوان الله عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله

(4/122)


1414 - حدثني إسماعيل بن موسى السدي ، قال : أخبرنا محمد بن عمر الرومي ، عن شريك ، عن سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة ، عن الصنابحي ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أنا دار الحكمة ، وعلي بابها » القول في علل هذا الخبر وهذا خبر صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ، لعلتين : إحداهما : أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه . والأخرى : أن سلمة بن كهيل عندهم ممن لا يثبت بنقله حجة . وقد وافق عليا في رواية هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره

(4/123)


1415 - ذكر ذلك ، حدثني محمد بن إسماعيل الضراري ، قال : حدثنا عبد السلام بن صالح الهروي ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنا مدينة العلم ، وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » حدثني إبراهيم بن موسى الرازي - وليس بالفراء - قال : حدثنا أبو معاوية ، بإسناده ، مثله قال أبو جعفر : هذا الشيخ لا أعرفه ، ولا سمعت منه غير هذا الحديث

(4/124)


ذكر خبر آخر من أخبار علي رضوان الله عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله

(4/125)


1416 - حدثنا علي بن سهل الرملي ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان ، عن سعد يعني ابن إبراهيم أنه سمع عبد الله بن شداد ، يقول : سمعت عليا ، يقول : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي رجلا قط غير سعد بن أبي وقاص ، سمعته يقول يوم أحد : « ارم ، فداك أبي وأمي »

(4/126)


1417 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الله بن شداد ، عن علي ، قال : ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد ، إلا لسعد ، فإنه قال : « ارم فداك أبي وأمي »

(4/127)


1418 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، قال : سمعت عبد الله بن شداد ، يقول : قال علي : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد غير سعد بن مالك ، فإنه جعل يقول يوم أحد : « ارم ، فداك أبي وأمي »

(4/128)


1419 - حدثنا أحمد بن منصور ، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن ابن شداد ، قال : سمعت عليا ، يقول : « ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد غير سعد »

(4/129)


القول في علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد وافق عبد الله بن شداد في رواية هذا الخبر عن علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره ، نذكر ما صح من ذلك عندنا سنده ، ثم نتبع جميعه البيان إن شاء الله

(4/130)


1420 - حدثنا الحسن بن الصباح البزار ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، وعلي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن علي ، قال : ما جمع النبي صلى الله عليه وسلم أبويه إلا لسعد قال : « ارم : فداك أبي وأمي ، أيها الغلام الحزور » وقد وافق عليا في رواية هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره من أصحابه . ذكر ذلك

(4/131)


1421 - حدثني أبو علقمة الفروي ، قال : حدثنا إسحاق ، يعني الفروي ، قال : حدثتني عبيدة بنت نابل ، عن عائشة ، عن سعد بن أبي وقاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أنبلوا سعدا ، فدى له أبي وأمي »

(4/132)


1422 - حدثنا أحمد بن منصور ، قال : حدثنا يحيى الحماني ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر المخرمي ، عن إسماعيل بن محمد ، عن عامر بن سعد ، عن سعد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد للمسلمين : « أنبلوا سعدا ، ارم يا سعد ، رمى الله لك ، ارم ، فداك أبي وأمي » القول في البيان عن هذا الخبر ، وعما فيه من الفقه إن قال لنا قائل : أرأيت قول علي : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي رجلا قط غير سعد بن أبي وقاص ، أصحيح أم سقيم ؟ فإن كان سقيما ، فما السبب الذي أسقمه ؟ وإن كان صحيحا فما أنت قائل فيما

(4/133)


1423 - حدثكم به بحر بن نصر الخولاني قال : حدثنا يحيى بن حسان ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن عبد الله بن الزبير ، قال يوم الخندق : للزبير : يا أبه ، لقد رأيتك وأنت تحمل على فرسك الأشقر . قال : هل رأيتني أي بني ؟ قال : نعم ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع حينئذ لأبيك أبويه ، يقول : « احمل فداك أبي ، وأمي »

(4/134)


1424 - حدثنا أحمد بن منصور ، قال : حدثنا سليمان بن حرب الواشحي ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : « كنت وعمر بن أبي سلمة في الأطم (1) يوم الخندق ، فكان يطأطئ (2) فأنظر إلى القتال ، وأطأطئ له فينظر إلى القتال ، فرأيت أبي يجول في السبخة (3) ، يكر على هؤلاء مرة وعلى هؤلاء مرة فقلت له : يا أبه ، قد رأيتك تكر في السبخة على هؤلاء مرة ، وعلى هؤلاء مرة فقال : قد جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم أبويه » وقال : هذا الزبير بن العوام يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع له أبويه ؟ قيل له : إن قول الزبير هذا غير دافع صحة ما قال علي ، ولا قول علي دافع صحة ما قال الزبير ، لأن عليا إنما أخبر عن نفسه أنه لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد . وجائز أن يكون جمع للزبير أبويه ولم يسمعه علي ، وسمعه الزبير ، فأخبر كل واحد منهما بما سمع . وليس في قول قائل : لم أسمع فلانا يقول كذا وكذا نفي منه أن يكون سمع ذلك منه غيره ، ولا في قول قائل : سمعت فلانا يقول كذا وكذا ، إيجاب منه أن يكون لا أحد إلا وقد سمع من فلان الخبر الذي أخبر عنه أنه سمعه منه ، فكذلك خبرا علي والزبير رحمة الله عليهما اللذان ذكرنا عنهما . القول في البيان عما في هذا الخبر من الفقه والذي فيه من ذلك : الدلالة على صحة قول القائلين بإجازة تفدية الرجل بأبويه ونفسه ، وفساد قول منكري ذلك . فإن ظن ظان أن تفدية النبي لله من فداه بأبويه ، إنما جاز لأن أبويه كانا مشركين ، فأما المسلم فإنه غير جائز له أن يفدي مسلما ولا كافرا بنفسه ، ولا بأحد سواه من أهل الإسلام ، اعتلالا منه بما
__________
(1) الأطم : البناء المرتفع
(2) طأطأ : خفض
(3) السبخة : الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر

(4/135)


1425 - حدثني به يحيى بن داود الواسطي قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : أخبرني مبارك ، عن الحسن ، قال : « دخل الزبير على النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاك (1) ، فقال : كيف تجدك ، جعلني الله فداك ؟ فقال له : » أما تركت أعرابيتك بعد ؟ « . قال الحسن : لا ينبغي أن يفدي أحد أحدا »
__________
(1) الشاكي : المريض

(4/136)


1426 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا هارون بن المغيرة ، عن إسماعيل ، عن الحسن ، قال : قال الزبير بن العوام : كيف أصبحت يا نبي الله ، جعلني الله فداك ؟ قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أما تركت أعرابيتك بعد ، يا زبير » ؟

(4/137)


1427 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن سوار بن عبد الله ، عن الحسن ، أن الزبير ، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشتكي ، فقال : ما أكثر ما نعهدك جعلني الله فداك فقال له : « أما تركت أعرابيتك بعد ؟ » . أو كما قال :

(4/138)


1428 - حدثني سلم بن جنادة السوائي ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن منكدر ، عن أبيه ، قال : دخل الزبير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كيف أصبحت ، جعلني الله فداك ؟ فقال : « ما تركت أعرابيتك »

(4/139)


1429 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدثنا أبو حمزة ، عن جابر ، قال : قال رجل لعمر بن الخطاب : جعلني الله فداك ، قال : « إذن يهينك الله » قيل : هذه أخبار واهية الأسانيد ، لا تثبت بمثلها في الدين حجة ، وذلك أن مراسيل الحسن أكثرها صحف غير سماع ، وأنه إذا وصلت الأخبار فأكثر روايته عن مجاهيل لا يعرفون . ومن كان كذلك فيما يروي من الأخبار ، فإن الواجب عندنا أن نتثبت في مراسيله ، وأن المنكدر بن محمد عند أهل النقل ممن لا يعتمد على نقله . وبعد ، فلو كانت هذه الأخبار التي ذكرناها عن المنكدر بن محمد عن الحسن ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحاحا ، لم يكن فيها لمحتج بها حجة في إبطال ما روينا عن علي ، والزبير رحمة الله عليهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الخبرين اللذين ذكرناهما عنه أنه فدى من فدى بأبويه ، ولا كان في ذلك دلالة على أن قيل ذلك غير جائز ، إذ لا بيان فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى الزبير عن قيل ذلك له ، بل إنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : « أما تركت أعرابيتك بعد » ، والمعروف من قيل القائل إذا قال : إن فلانا لم يترك أعرابيته بعد ، أنه إنما نسبه إلى الجفاء لا إلى فعل ما لا يجوز فعله . فلو صح خبر الحسن الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قيله ما قال للزبير ، لم يعد أن يكون ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم نسبة لقول الزبير الذي قال له إلى الجفاء ، وإعلاما منه له أن غيره من القول والتحية ألطف وأرق منه ، هذا هذا . وقد روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد لا تشبه أسانيد خبر الحسن في الصحة ، أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جعلنا الله فداك ، فلم ينكر ذلك عليهم ، ولم يغير ، نذكر من ذلك ما حضرنا ذكره

(4/140)


1430 - ذكر ذلك : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال : حدثنا موسى بن داود ، قال : حدثنا عبد الله بن المؤمل ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أول من يهلك من الناس قومك » قلت : جعلني الله فداك ، أبنو تيم ؟ قال : « لا ، ولكن هذا الحي من قريش »

(4/141)


1431 - وحدثني عمران بن موسى القزاز ، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : حدثنا يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس بن مالك ، أن أبا طلحة ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : « جعلني الله فداك يا رسول الله »

(4/142)


1432 - حدثنا محمد بن موسى الحرشي ، قال : حدثنا حماد بن عيسى الجهني ، قال : حدثنا محمد بن يوسف الصنعاني ، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين وكان من أصحابه قال : جاء الجهني وهو عبد الله بن أنيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « مرني بليلة أجيء فأصلي خلفك ، جعلني الله فداك »

(4/143)


القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب « فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد » ارم ، فداك أبي وأمي ، أيها الغلام الحزور « . والحزور من الغلمان هو الذي قد قوي واشتد وخدم ، يجمع : حزاورة ، وحزورين ، ومنه قول أبي النجم العجلي : لم يبعثوا شيخا ولا حزورا بالفأس إلا الأرقب المصدرا وقد تقول العرب للرجل الذي قد بلغ أشده : حزور ، ومنه قول نابغة بني ذبيان : وإذا نزعت نزعت من مستحصف نزع الحزور بالرشاء المحصد وأما قول سعد ، مخبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للمسلمين يوم أحد : » أنبلوا سعدا « فإنه يعني بقوله : » أنبلوا سعدا « ، أعطوه النبل . يقال منه : استنبلني فلان ، فأنبلته ، يراد به : سألني نبلا فأعطيته . فأما الرجل يكون معه النبل فإنه يقال : هو رجل نابل ونبال ، كما يقال للرجل الذي يكون معه سيف : هو رجل سائف ، وسياف ، وأما قولهم : » ما انتبلت نبله « ، فإنه معنى غير هذا ، وإنما يقال ذلك للرجل يأتيك فلا تكترث له ، ولا تعلم به ، وفيه لغات أربع ، يقال : ما انتبلت نبله ، ونبله ، ونباله ، ونبالته ، ومثله : ما مأنت مأنه ، ولا شأنت شأنه ، ولا ربأت ربأه ، كل ذلك بمعنى واحد ، وهو : ما اكترثت له ، ولا علمت به . وأما قول العرب للرجل : نبلني عرقا ، ونبلني أحجارا ، فإن معناه : أعطني . وأما النبل في الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : » اتقوا الملاعن ، وأعدوا النبل « ، فإنها الحجارة التي تعد للاستنجاء بها ، يقال ذلك لها كذلك لصغرها ، والعرب تسمي كل شيء صغير نبلة ، كما تسمي بها كل شيء كبير . وهو من الأضداد ، يجمع نبلا ، ومنه قول بيهس ، الذي كان يلقب نعامة : إن كنت أزننتني بها كذبا جزء ، فلاقيت مثلها عجلا أفرح أن أرزأ الكرام ، وأن أورث ذودا شصائصا نبلا ، وحكي عن الأصمعي أنه كان يقول : إنما هو : النبل ، بضم النون ، وفتح الباء ، فأما المحدثون فإنهم يروون ذلك بفتح النون والباء ، والصواب في ذلك عندي ما رواه المحدثون ، لأن الرواة يروون عن بيهس الذي ذكرت بفتح النون والباء لا يختلفون في ذلك ، وذلك وجه صحيح ، وفيه الدلالة على صحة رواية المحدثين إياه بفتح النون والباء »

(4/144)


ذكر خبر آخر من أخبار علي رضوان الله عليه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله

(4/145)


1433 - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ، قال : أخبرنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن ذي حدان ، عن علي ، قال : « سمى الله الحرب خدعة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو على لسان محمد صلى الله عليه وسلم » القول في علل هذا الخبر وهذا الخبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ، لعلل : إحداها : أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم يصح إلا من هذا الوجه . والثانية : أن المعروف من رواية ثقات أصحاب علي هذا الخبر عن علي الوقوف به عليه غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثالثة : أن سعيد بن ذي حدان عندهم مجهول ، ولا تثبت بمجهول في الدين حجة . والرابعة : أن الثقات من أصحاب أبي إسحاق الموصوفين بالحفظ إنما رووه عنه ، عن سعيد ، عن رجل ، عن علي . والخامسة : أن أبا إسحاق عندهم من أهل التدليس ، وغير جائز الاحتجاج من خبر المدلس عندهم مما لم يقل فيه : حدثنا ، أو سمعت ، وما أشبه ذلك

(4/146)


ذكر من روى هذا الخبر عن علي ، فوقفه عليه ، ولم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4/147)


1434 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال : حدثنا أبو حصين ، عن سويد بن غفلة ، عن علي ، أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا حدثتكم عن الحرب ، فإنما الحرب خدعة

(4/148)


1435 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن سويد بن غفلة ، عن علي ، قال : إذا حدثتكم فيما بيني وبينكم ، فإن الحرب خدعة

(4/149)


1436 - حدثني عيسى بن عثمان الرملي ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن سويد بن غفلة ، قال : كان علي يمر بالنهر أو بالساقية فيقول : « صدق الله ورسوله ، فقلنا : يا أمير المؤمنين ، ما تزال تقول هذا ، قال : إذا حدثتكم فيما بيني وبينكم ، فإنما الحرب خدعة »

(4/150)


1437 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، عن علي ، قال : « إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ، فاعلموا أنى لأن أقع من السماء إلى الأرض ، أحب إلي من أن أقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، ولكن الحرب خدعة »

(4/151)


ذكر من روى هذا الخبر عن أبي إسحاق فقال فيه : عنه ، عن سعيد ، عن رجل ، عن علي ، ولم يقل : عن سعيد بن ذي حدان ، عن علي

(4/152)


1438 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن ذي حدان ، عمن سمع عليا ، يقول : « سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة » وقد وافق عليا رحمة الله عليه في رواية هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه ، نذكر من ذلك ما حضرنا ذكره ، ثم نتبع جميعه البيان إن شاء الله

(4/153)


1439 - حدثنا الحسن بن الصباح البزار ، والحسن بن عرفة ، وعمرو بن مالك البصري قالوا : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمع جابر بن عبد الله ، يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة »

(4/154)


1440 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، قال : سمعت جابرا ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة » أو « خدعة »

(4/155)


590 - قال : ثنا يوسف عن أبيه عن أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، في « الحر : يتزوج أربع مملوكات إن شاء ، وثلاثا وثنتين »

(4/156)


1442 - وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه ، قال : حدثنا علي بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن واقد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة »

(4/157)


1443 - وحدثني محمد بن عبد الله بن سعيد ، وجابر بن الكردي الواسطيان ، قالا : حدثنا يعقوب بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله بن الحارث بن فضيل ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة »

(4/158)


1444 - حدثني محمد بن عوف الطائي ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني ، قال : حدثني إبراهيم بن عقيل ، عن أبيه ، عن وهب ، قال : سألت جابرا : « هل قال النبي صلى الله عليه وسلم : » الحرب خدعة « ؟ قال : نعم »

(4/159)


1445 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة »

(4/160)


1446 - وحدثني محمد بن عوف الطائي ، قال : حدثنا أبو أيوب الدمشقي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن بشير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الحرب خدعة »

(4/161)


1447 - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال : حدثنا يحيى بن خليف بن عقبة ، عن سفيان ، عن طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : الرجل يرضي امرأته ، وفي الحرب ، وفي صلح بين الناس »

(4/162)


1448 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري ، قال : حدثنا أبو ثوابة فضالة بن مفضل بن فضالة قال : حدثنا أبي ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة »

(4/163)


1449 - حدثني محمد بن سهل ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى (1) بغيرها وقال : « الحرب خدعة »
__________
(1) ورى : أخفى مراده وستر غايته وأوهمهم بأمر آخر

(4/164)


1450 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن مطر بن ميمون المحاربي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه إلى رجل من اليهود ، فأمره بقتله ، فقال له : يا رسول الله ، إني لا أستطيع ذلك ، إلا أن تأذن لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما الحرب خدعة ، فاصنع ما تريد »

(4/165)


1451 - وحدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا عبد الله بن واقد ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الطفيل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه « لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث : رجل كذب امرأته ليستصلح خلقها ، ورجل كذب ليصلح بين امرأين مسلمين ، ورجل كذب في خديعة حرب ، فإن الحرب خدعة »

(4/166)


1452 - وحدثني عمرو بن مالك النكري ، قال : حدثنا مسلمة بن علقمة المازني ، عن داود بن أبي هند ، عن شهر بن حوشب ، عن الزبرقان ، عن النواس بن سمعان الكلابي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مالي أراكم تتهافتون في الكذب كما يتهافت الفراش في النار ألا إن كل كذب مكتوب على ابن آدم إلا في ثلاث : كذب الرجل امرأته ليرضيها ، وكذب الرجل في الحرب ، فإن الحرب خدعة ، وكذب الرجل في الإصلاح بين الرجلين ، فإن الله يقول : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ، أو معروف أو إصلاح بين الناس (1) ) »
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 114

(4/167)


1453 - وحدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، قال : سمعت داود ، عن شهر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ، فنزلوا على رجل ، فأتاهم بعتود ، أو شاة ليذبحوها ، فقالوا : مهزولة فأبوا (1) أن يذبحوها ، وله ظلة فيها غنم له ، قال : فقالوا : أخرج الغنم حتى نكون في الظل ، فقال : أخشى على غنمي ، أرض فيها السموم ، أن تخدج ، فقالوا : أنفسنا أحب إلينا من غنمك فأخرجوا الغنم ، وكانوا في الظلة ، فأخدجت غنمه ، قال : فانطلق فأخبر بصنيعهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما جاءوا ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال له الرجل ، فقالوا : كذب وأثم ، ما كان مما يقول شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل منهم : « إن يكن في أحد من أصحابك خير ، فعسى أن تكون أنت تصدقني » ، فأخبره كما أخبره الرجل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار » . ثم قال : « إن الكذب يكتب كله ، لا محالة كذبا ، إلا أن يكذب الرجل في الحرب ، فإن الحرب خدعة أو قال : خدعة وأن يكذب الرجل بين الرجلين ليصلح بينهما ، وأن يكذب أهله » يعني امرأته
__________
(1) أبى : رفض وامتنع

(4/168)


1454 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثني عبد الأعلى ، قال : حدثنا داود ، عن شهر بن حوشب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ، فانطلقوا حتى نزلوا على أعرابي معه غنيمة له ، فقالوا : اذبح لنا . فأتاهم بعتود له ، قال : فقالوا : هذا مهزول قال : ثم أتاهم بآخر فقالوا : هذا مهزول . قال : فأخذوا شاة سمينة فذبحوها فأكلوا ، قال : فلما انتصف النهار ، واشتد الحر ، قال : وله غنيمة له في ظلة له ، فقالوا : أخرج غنمك حتى نستظل في هذا الظل ، فقال : إن غنمي ولد ، وإني متى ما أخرجها فنفستها السموم تخدج ، فقالوا : أنفسنا أحب إلينا من غنمك ، قال : فأخرجها فخدجت . قال : وأتى جبريل إلى النبي صلى الله عليهما فأخبره بأمرهم ، فانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءت السرية ، فسألهم ، فجعلوا يحلفون بالله ما فعلنا قال : وقال الأعرابي : والذي بعثك بالحق لقد فعلوا الذي أخبرتك ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إنسان منهم وقال : « إن يك في القوم خير فعند هذا » ، فدعاه فسأله ، فأخبره مثل الذي قال الأعرابي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار ، إن كل كذب مكتوب كذبا لا محالة ، إلا ثلاثة : الرجل يكذب في الحرب ، فإن الحرب خدعة ، والرجل يكذب بين الرجلين ليصلح بينهما ، والرجل يكذب امرأته ليمنيها »

(4/169)


1455 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال : حدثنا سفيان بن عقبة السوائي ، عن سفيان الثوري ، عن ليث ، عن شهر ، عن أسماء ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : كذب الرجل امرأته لترضى عنه ، وكذب في إصلاح بين اثنين ، وكذب في الحرب » قال أبو جعفر : فيما أظن أنا

(4/170)


1456 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الرازي ، قال : حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن شهر بن حوشب ، قال : حدثتني أسماء ابنة يزيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أيها الناس ، ما يحملكم أن تتايعوا في الكذب كما يتتايع الفراش في النار ؟ كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصلات : إلا امرؤ كذب امرأته لترضى عنه . أو رجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح ذات بينهما ، ورجل كذب في خديعة حرب »

(4/171)


1457 - حدثني محمد بن سنان القزاز ، قال : حدثنا عبيد الله بن عامر أبو عاصم ، عن داود ، عن شهر ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كل كذب مكتوب على صاحبه لا محالة ، إلا أن يكذب الرجل بين الرجلين يصلح بينهما ، ورجل يعد امرأته ، ورجل يكذب في الحرب ، والحرب خدعة »

(4/172)


1458 - حدثني محمد بن عوف الطائي ، قال : حدثنا أبو المغيرة ، قال : حدثنا صفوان ، قال : حدثنا عمرو بن عثمان بن جابر ، عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الحرب خدعة »

(4/173)


1459 - حدثنا عمرو بن مالك النكري ، قال : حدثنا مبشر بن إسماعيل ، قال : حدثنا صفوان بن عمرو السكسكي ، عن عثمان بن جابر ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة »

(4/174)


1460 - وحدثني محمد بن عبد الله بن سعيد ، وجابر بن الكردي الواسطيان قالا : حدثنا يعقوب بن محمد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن عمران ، قال : حدثنا إبراهيم بن صابر الأشجعي ، عن أبيه ، عن أمه : ابنة نعيم بن مسعود الأشجعي ، عن أبيها قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق : « خذل عنا ، فإن الحرب خدعة »

(4/175)


1461 - حدثنا عمرو بن مالك ، قال : حدثنا محمد بن الحارث الحارثي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة »

(4/176)


1462 - وحدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، قال : حدثنا أبو زرعة ، قال : حدثنا حيوة ، قال : حدثني ابن الهاد ، قال : حدثني عبد الوهاب بن أبي بكر ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه : أم كلثوم ابنة عقبة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا أعده كذبا : الرجل يصلح بين الناس ، يقول القول يريد به الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث امرأته ، والمرأة تحدث زوجها »

(4/177)


1463 - حدثنا أبو كريب ، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : حدثنا ابن علية ، عن معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم ابنة عقبة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا ، ونمى (1) خيرا »
__________
(1) نمى : بلغ

(4/178)


1464 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدثنا ليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن عبد الوهاب ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم ابنة عقبة ، قالت : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا أعده كذابا : الرجل يصلح بين الناس ، يقول القول لا يريد به إلا الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث المرأة ، والمرأة تحدث زوجها »

(4/179)


1465 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم ابنة عقبة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ليس الكاذب من أصلح بين الناس وقال خيرا ، أو نمى (1) خيرا »
__________
(1) نمى : نقل الحديث بين الناس وبلغه بنية الإصلاح

(4/180)


1466 - حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث : الرجل يصلح بين الرجلين ، وفي الحرب » قال أبو جعفر : وأظنه قال : « والرجل يحدث امرأته »

(4/181)


1467 - حدثني أحمد بن المقدام العجلي ، قال : حدثنا الفضيل بن سليمان ، قال حدثنا عبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه ، قال : حدثتني أمي أم جندب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ليس الكاذب من أصلح بين اثنين ، وقال خيرا أو نوى (1) خيرا »
__________
(1) نوى الأمر : قصده وعزم عليه

(4/182)


القول في البيان عن معاني هذه الأخبار « إن قال لنا قائل : أخبرنا عن هذه الأخبار التي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيله : » الحرب خدعة « ، وأن الكذب فيها وفي المعنيين الآخرين اللذين رويت عنه أنه رخص فيهما الكذب ، أسقيمة أم صحيحة ؟ فإن كانت سقيمة ، فما الذي أسقمها ؟ وإن كانت صحيحة فما وجهها ؟ وما معناها ؟ وقد علمت ما »

(4/183)


1468 - حدثك به ابن عبد الرحيم البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثني موسى بن عقبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألا وإياكم وروايا الكذب ، فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل ، ولا يعد الرجل صبيه ما لا يفي له به ، ألا إن الكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار ، والصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة ، وإنه يقال للصادق : صدق وبر ، وللكاذب : كذب وفجر ، ألا إن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كاذبا ، ويصدق حتى يكتب عند الله صديقا »

(4/184)


1469 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا إسحاق ، يحدث ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أنه قال : إن « شر الروايا روايا الكذب ، إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، ويقال للصادق صدق وبر ويقال للكاذب كذب وفجر ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم قال : » إن الرجل يصدق حتى يكتب صديقا ، ويكذب حتى يكتب كذابا «

(4/185)


1470 - وحدثني عمر بن إسماعيل الهمداني ، قال : حدثنا يعلى بن الأشدق ، عن عبد الله بن جراد ، قال : قال أبو الدرداء : يا رسول الله ، هل يسرق المؤمن ؟ قال : « قد يكون ذلك » . قال : فهل يزني المؤمن ؟ قال : « بلى ، وإن كره أبو الدرداء » قال : هل يكذب المؤمن ؟ قال : « إنما يفتري الكذب من لا يؤمن ، إن العبد يزل الزلة ثم يرجع إلى ربه فيتوب ، فيتوب الله عليه » قيل : قد اختلف السلف من علماء الأمة قبلنا في الكذب الذي أباح صلى الله عليه وسلم ، وفي معاني هذه الأخبار التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نذكر في ذلك أقوالهم ، ثم نتبع جميع ذلك البيان عنه إن شاء الله . فقال بعضهم : الكذب محظور حرام على كل أحد ، غير جائز استعماله في شيء : لا في حرب ، ولا في غيرها . قالوا : والذي أذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه من ذلك من معاني الكذب المتعارف بين الناس خارج . قالوا : وإنما الذي أذن فيه من ذلك ، كالذي فعله بالأحزاب عام الخندق ، إذ راسلت يهود قريظة أبا سفيان بن حرب ومن معه من مشركي قريش للغدر بمن في الآطام من ذراري المسلمين ونسائهم ، كالذي

(4/186)


1471 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان ومن معه من الأحزاب يوم الخندق : أن اثبتوا ، فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم . فسمع ذلك نعيم بن مسعود الأشجعي ، وهو موادع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عند عيينة بن حصن حين أرسلت بذلك بنو قريظة إلى الأحزاب ، فأقبل نعيم إلى رسول الله فأخبره خبر ما أرسلت به بنو قريظة إلى الأحزاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فلعلنا نحن أمرناهم بذلك » ، فقام نعيم بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من عند رسول الله ليحدث بها غطفان ، وكان نعيم رجلا لا يملك الحديث فلما ولى نعيم ذاهبا إلى غطفان ، قال عمر بن الخطاب : لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، هذا الذي قلت إما هو من عند الله فأمضه ، وإما هو رأي رأيته ، فإن شأن بني قريظة هو أيسر من أن يقول شيئا يؤثر عليك فيه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بل هذا رأي رأيته ، إن الحرب خدعة » . ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثر نعيم فدعاه ، فقال له رسول الله : « أرأيتك الذي سمعتني أذكر آنفا ؟ اسكت عنه فلا تذكره لأحد » . فانصرف نعيم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء عيينة بن حصن ومن معه من غطفان ، فقال لهم : هل علمتم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قال : شيئا قط إلا حقا ؟ قالوا : لا ، قال : فإنه قد قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة : « فلعلنا نحن أمرناهم بذلك » ، ثم نهاني أن أذكره لكم ، فانطلق عيينة حتى لقي أبا سفيان بن حرب ، فأخبره بما أخبره نعيم عن رسول الله ، فقال : إنما أنتم في مكر من بني قريظة . قال أبو سفيان : فنرسل إليهم نسألهم الرهن ، فإن دفعوا إلينا رهنا منهم فصدقوا ، وإن أبوا فنحن منهم في مكر . فجاءهم رسول أبي سفيان يسألهم الرهن ، فقال : إنكم أرسلتم إلينا تأمرون بالمكث ، وتزعمون أنكم ستخالفون محمدا ، ومن معه ، فإن كنتم صادقين فأرهنونا بذلك من أبنائكم ، وصبحوهم غدا . قالت بنو قريظة : قد دخلت علينا ليلة السبت ، ولسنا نقضي في ليلة السبت ولا في يومها أمرا ، فأمهلوا حتى يذهب السبت . فرجع الرسول إلى أبي سفيان بذلك ، فقال أبو سفيان : ورءوس الأحزاب معه : هذا مكر من بني قريظة ، فارتحلوا . فبعث الله تبارك وتعالى عليهم الريح حتى ما كاد رجل منهم يهدي إلى رحله ، فكانت تلك هزيمتهم « فبذلك يرخص الناس الخديعة في الحرب

(4/187)


1472 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن عطاء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : « قالوا كذا ، وفعلوا كذا ، صنعوا كذا » فذهب العين فأخبرهم ، فهزموا ، ولم يكذب ، ولكن قال : أفعلوا كذا ، أصنعوا كذا ؟ استفهام . قال : فذكرته لمغيرة فأعجبه « قالوا : فالذي رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم من الخديعة في الحرب ، نحو الذي روي عنه أنه فعله فيها من القول الذي يقول القائل فيها مما يحتمل معاني ، موهما بذلك من سمعه ما فيه الوهن على العدو ، كايدهم بذلك من قيله ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعيم بن مسعود إذ أخبره برسالة اليهود إلى أبي سفيان : » فلعلنا نحن أمرناهم بذلك « ، فقال قولا محتملا ظاهره أن يكون معناه أن اليهود فعلوا ما فعلوا ، من إرسالهم الرسل فيه إلى أبي سفيان بما أرسلوا به ، إما عن أمره ، أو عن غير أمره . وذلك ، لا شك ، أنه كما قال صلى الله عليه وسلم من أن القوم لم يفعلوا إلا عن أحد ذينك الوجهين ، إما عن أمره ، وإما عن غير أمره ، وذلك هو الصدق الذي لا مرية فيه . وإنما كان يكون ذلك كذبا لو قال : » إنما أرسلت اليهود إلى أبي سفيان بما أرسلت به إليه ، بأمرنا إياهم بذلك « ، فأما قوله : » فلعلنا نحن أمرناهم بذلك « ، فمن الكذب بمعزل قالوا : ومن الخديعة التي أذن صلى الله عليه وسلم فيها في الحرب ما روي عن كعب بن مالك أنه كان إذا أراد غزو قوم ورى بغيرهم . قالوا : وكالذي روي عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك ، كان يفعل أهل الدين والفضل في مغازيهم ، قالوا : ومن ذلك ما

(4/188)


1473 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا سعيد بن أبي أيوب ، أن تميم بن سحيم ، شيخا من أهل مصر حدثهم قال : غزوت مع مالك بن عبد الله الخثعمي وعقد له على الصائفة مقتل عبد الله بن الزبير فسمعته يقوم في الناس كلما أراد أن يرتحل ، فيحمد الله ويثني عليه ، ثم يقول : إني دارب بالغداة ، إن شاء الله ، درب كذا وكذا . فتفرق عنه الجواسيس بذلك ، فإذا أصبح توجه إلى غيره . قال : وكان شيخا كبيرا ، فسمته الروم : الثعلب

(4/189)


1474 - وحدثنا مجاهد بن موسى ، قال : حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا عبد الله بن عون ، قال : قيل عند محمد : إنه يصلح الكذب في الحرب ، فأنكر ذلك وقال : ما أعلم الكذب إلا حراما . قال ابن عون : فغزوت ، فخطبنا معاوية بن هشام فقال : اللهم انصرنا على عمورية وهو يريد غيرها ، فلما قدمت ذكرت ذلك لمحمد فقال : أما هذا فلا بأس وقال : ليس كل العلم أوتي محمد قالوا : وهذا النوع من الكلام جائز استعماله في الحرب وغيرها . قالوا : وقد استعمل مثل ذلك في غير الحرب أئمة من سلف الأمة

(4/190)


ذكر بعض من روي ذلك عنه

(4/191)


1475 - حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي ، قال : حدثنا قراد ، قال : حدثنا هشام ، عن معبد بن خالد ، قال : لقيني شريح فقال : قد أكلت اليوم ما قد أتى عليه عشر سنين ، قال : قلت : إنك لا تزال تجيئنا بالعجائب قال : كانت عندي ناقة منذ عشر سنين ، فنحرتها اليوم فأكلتها

(4/192)


1476 - حدثني سلم بن جنادة ، قال : حدثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن طلحة بن مصرف ، قال : عاتبت إبراهيم امرأته في جارية ، وفي يده مروحة ، قال : فجعل إبراهيم يقول : اشهدوا أنها لها ويشير بالمروحة فلما قامت قال : على أي شيء أشهدتكم ؟ قالوا : أشهدتنا على أنها لها . قال : أو لم تروني وأنا أشير بالمروحة ؟

(4/193)


1477 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، في رجل مر على عشار فقال : أنا أمشي إلى البيت وهو يعني بيته ، قال : ليس عليه شيء

(4/194)


1478 - وحدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن مطرف ، أنه أبطأ على ابن زياد أو زياد فقال : « ما رفعت جنبي منذ وضعني الله ، أو نحوه »

(4/195)


1479 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، أنه كان يعلمهم إذا بعث السلطان إلى الرجل قال : « ما أبصر إلا ما بصرني غيري ، وما اهتدي إلا ما سددني غيري ، ونحو هذا »

(4/196)


1480 - وحدثني ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : « كان لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء ، يكلمون به الناس ، يدرءون عن أنفسهم اتقاء الكذب »

(4/197)


1481 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : « كان لهم كلام يتكلمون به في المعاريض » وقال آخرون : بل الكذب الذي رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الخلال الثلاث ، هو جميع معاني الكذب

(4/198)


ذكر من قال ذلك

(4/199)


1482 - حدثني أحمد بن المقدام العجلي ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن ابن عزرة ، أنه أخذ بيد ابن الأرقم فأدخله على امرأته فقال : أتبغضينني ؟ قالت : نعم . قال له ابن الأرقم : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : كبرت علي مقالة الناس . فأتى ابن الأرقم عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فأخبره ، فأرسل إلى ابن عزرة فقال له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : كبرت علي مقالة الناس . فأرسل إلى امرأته ، فجاءته ومعها عمة لها منكرة ، فقالت : إن سألك فقولي : إنه استحلفني ، فكرهت أن أكذب ، فقال لها عمر ما حملك على ما قلت ، قالت إنه استحلفني فكرهت أن أكذب ، فقال عمر : بلى ، فلتكذب إحداكن ولتجمل ، فليس كل البيوت يبنى على الحب ، ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام

(4/200)


1483 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن محمد بن الزبير الحنظلي ، قال : سمعت الزهري ، يقول : قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لقيس بن مكشوح المرادي : أنبئت أنك تشرب الخمر . فقال : قد والله أراك يا أمير المؤمنين أسأت ، أما والله ما مشيت خلف ملك قط إلا حدثت نفسي بقتله . قال : فهل حدثت نفسك بقتلي ؟ قال : لو هممت لفعلت . فقال عمر : لو قلت نعم ، لضربت عنقك ، اخرج ، لا والله لا تبيت الليلة معي . فقال له عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين ، لو قال نعم ، لضربت عنقه ؟ قال : لا ، ولكني استرهبته بذاك

(4/201)


1484 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد ، عن النزال بن سبرة الهلالي ، قال : كنا في نفر عند عثمان بن عفان وحذيفة عنده ، فقال له عثمان : إنه بلغني عنك كذا وكذا ، وقلت كذا وكذا . فقال حذيفة : والله ما قلته - وقد سمعناه قبل ذلك يقوله - فلما خرج قلنا : أليس قد سمعناك تقوله ؟ قال : بلى . قلنا : فلم حلفت ؟ قال : « إني لأشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله »

(4/202)


1485 - حدثني علي بن مسلم الطوسي ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا السري بن يحيى ، والحكم بن عطية ، سمعا محمد بن سيرين ، يقول : دخل الأحنف مع عمه على مسيلمة ، فلما خرجا قال له عمه : يا ابن أخي ، كيف رأيت الرجل ؟ فقال الأحنف : ما رأيت نبيا صادقا ، ولا كاذبا حازما . فقال رجل من أصحاب مسيلمة : لأخبرنه بما قلت . قال : إذا أخبره أنك قلته ، ثم ألاعنك

(4/203)


1486 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، قال : كنا ندخل على الحسن وهو مستخف ، فتأتيه الهدية من عند بعض إخوانه ، فيقول : أنا والله في سعة . فأعجب منه أنه خائف محروم ، وهو يقول : أنا في سعة ؟

(4/204)


1487 - حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن يزيد ، قال : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن ابن شهاب ، قال : « ليس بكذاب من درأ عن نفسه » وقال آخرون : الذي رخص في ذلك هو المعاريض دون التصريح

(4/205)


ذكر من قال ذلك

(4/206)


1488 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا المعتمر ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ، فيما أرى أنه قال : حسب امرئ من الكذب أن يحدث بكل ما سمع . وقال فيما أرى قال عمر : « أما إن في المعاريض ما يكفي الرجل من الكذب »

(4/207)


1489 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، قال : أحسب أبا عثمان ذكر عن عمر ، أنه قال : إن « في المعاريض لمندوحة عن الكذب »

(4/208)


1490 - حدثني مخلد بن الحسين ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي ، عن عبد الملك بن عقار ، عن محمد بن عبيد الله ، قال : قال عمر بن الخطاب : أما في معاريض الكلام ما يغنيكم عن الكذب

(4/209)


1491 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، قال : قال ابن عباس : « ما أحب أن لي ، بمعاريض الكلام كذا وكذا »

(4/210)


1492 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن بعض أصحابه ، قال : « ما يسرني أن لي بمعاريض الكلام كذا وكذا »

(4/211)


1493 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن حبيب بن الشهيد ، عن عمرو بن سعيد ، قال : قال حميد بن عبد الرحمن : ما أحب أن لي ، بنصيبي من المعاريض مثل أهلي ومالي

(4/212)


1494 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن ابن عون ، عن محمد ، قال : قال حميد بن عبد الرحمن : « ما يسرني بالمعاريض مائة ألف »

(4/213)


1495 - حدثنا علي بن سهل الرملي ، قال : حدثنا زيد بن أبي الزرقاء ، قال : « سئل سفيان عن الرجل ، يزوره إخوانه وهو صائم ، فيكره أن يعلموا بصومه ، وهو يحب أن يطعموا عنده ، ففي أي ذلك الفضل : في ترك ذلك ، أو الدعاء لهم بالطعام ؟ قال : » إطعامهم أحب إلي ، وإن شاء قام عليهم وقال : قد أصبت من الطعام ، قيل له : ويقول : قد تغديت ، ينوي أمس أو قبل ذلك ؟ قال : نعم « وقال آخرون : لا يصلح الكذب في شيء تصريحا ولا تعريضا في جد ولا لعب

(4/214)


ذكر من قال ذلك

(4/215)


1496 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : « لا يصلح الكذب في هزل ولا جد ، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئا ، ثم لا ينجزه »

(4/216)


1497 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : قال عبد الله : « لا يصلح الكذب في جد ولا مزح »

(4/217)


1498 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدثنا المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : « لا والذي لا إله غيره ، لا يصلح الكذب في هزل ولا جد ، اقرءوا إن شئتم : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) ) »
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 119

(4/218)


1499 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا عبيدة ، يحدث عن عبد الله بن مسعود ، قال : « الكذب لا يحل منه جد ، ولا هزل ، اقرءوا إن شئتم ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) ) وهي في قراءة عبد الله ( وكونوا من الصادقين ) ، فهل ترون من رخصة في الكذب ؟ »
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 119

(4/219)


1500 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : إن « الكذب لا يصلح منه جد ، ولا هزل »

(4/220)


1501 - حدثني سلم بن جنادة ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، قال : حدثنا الأعمش ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، وعن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، قال : قال عبد الله : لا يصلح الكذب هزله ولا جده ، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ، ثم يخلفه ، ثم قرأ : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) ) .
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 119

(4/221)


1502 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، قال : ذكرت لإبراهيم حديث أبي الضحى ، عن مسروق ، أنه قال : « رخص في الكذب في الإصلاح بين الناس ، فقال إبراهيم : كانوا لا يرخصون في الكذب في هزل ولا جد »

(4/222)


1503 - حدثني سلم بن جنادة ، قال : حدثنا حفص ، قال : حدثنا مسعر ، قال أبو السائب : أحسبه عن ابن عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : « دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز ، فخرج وعليه ثوب قد كان دخل فيه ، فجعل الناس يقولون : هذا كساك أمير المؤمنين ؟ فجعل يمسحه ويقول : جزى الله أمير المؤمنين خيرا . قال : فقال لي أبي : يابني ، اتق الله ، وإياك والكذب وما يشبهه » والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال : إن الكذب الذي أذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه : في الحرب ، وفي الإصلاح بين الناس ، وعند المرأة تستصلح به هو ما كان من تعريض ينحى به نحو الصدق ، غير أنه مما يحتمل المعنى الذي فيه الخديعة للعدو ، إن كان ذلك في الحرب ، أو مراد السامع إن كان في إصلاح بين الناس ، أو مراد المرأة إن كان ذلك في استصلاحها ، وذلك كالذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في خديعة الحرب لنعيم بن مسعود : « فلعلنا أمرناهم بذلك » ، وكقول مالك بن عبد الله الخثعمي : إنا داربون غدا درب كذا ، ثم يصبح من الغد فيدرب غيره من الدروب وذاك أنه لما لم يقل : إنا داربون غد يومنا هذا ، فإنه متى أدرب بعد يومه فقد أدرب غدا ، لأن كل ما بعد يومه ذلك يسمى غدا . وكذلك قول معاوية بن هشام : اللهم انصرنا على عمورية وهو يريد غيرها من الكذب بمعزل . فما كان من تعريض على هذا الوجه ، فإنه جائز لا بأس به في الحرب . وأما الكذب في استصلاح الرجل المرأة ، فمثل قول إبراهيم النخعي حين وجدت عليه امرأته بسبب جاريته : اشهدوا أنها لها ، وهو يشير إلى المروحة التي هي في يده ، كقوله لها : هي حرة من غير أن يسمي الجارية باسمها ، وهو يعني بذلك امرأته الحرة أو أخته أو غيرهما من نسائه ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يظن السامع غير الذي نواه في نفسه ، إذ كان كلاما يتوجه لوجوه ، ويحتمل معاني . وأما ما روي عن عمر من قوله لامرأة ابن عزرة : فلتكذب إحداكن ولتجمل ، فإنه من هذا النوع الذي ذكرت أنه لا بأس به من المعاريض التي كان يرخص فيها . فأما صريح الكذب ، فذلك غير جائز لأحد في شيء ، كما قال عبد الله بن مسعود : لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ، للأخبار التي ذكرتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما مضى بتحريمه الكذب . وأما قول حذيفة إذ قال له عثمان : إنه بلغني عنك كذا وكذا وحلفه أنه ما قاله ، وقول الأحنف للذي قال له : لأخبرن مسيلمة بما قلت : لئن أخبرته لأخبرنه أنك قلته ثم ألاعنك ، وما أشبه ذلك ، فإن ذلك من معاني الكذب التي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أذن فيها خارج « » وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه عند الخوف عليها ببعض ما حرم الله عليه في غير حال الضرورة ، كالذي يضطر إلى الميتة ، أو الدم المسفوح ، أو لحم الخنزير ، فيأكل ذلك ليحيي به نفسه . فكذلك الخائف على نفسه من عدو أو لص ، أو غيرهما ، إذا خافه على نفسه أن يهلكها ، أو بعض حرمه أن ينتهكه ، أو مال له أن يسلبه ، فقال في ذلك قولا مما يرجو به النجاة منه ، أو السلامة ، فلا حرج عليه في ذلك ، وإن كان مبطلا في الذي قال من ذلك . وذلك أن الله تعالى ذكره قد أباح في حال الضرورة لخلقه ما منع في غيرها ، ووضع عنهم الحرج في ذلك ، فغير آثم من كذب في تلك الحال لينقذ نفسه من هلكة قد أشفت عليها ، كما غير آثم من خاف عليها عطبا لجوع ، أو عطش قد نزل به ، بحيث لا يقدر على دفع غائلة ذلك إلا ببعض ما حرم الله تعالى ذكره : من أكل ميتة ، أو لحم خنزير ، وما أشبه ذلك من المحرمات . وسواء هما ، لمن جعلت له دفع المكروه عن نفسه بالكذب في الحال التي جعلت ذلك له حلف مع كذبه أو لم يحلف ، في أنه لا حرج عليه ولا إثم «

(4/223)


القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب « فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رواه النواس بن سمعان عنه : » ما لكم تتهافتون في الكذب كما يتهافت الفراش في النار « ؟ يعني بقوله صلى الله عليه وسلم » تتهافتون « : تتساقطون ، يقال منه : تهافت البق علي والذبان ، فهي تتهافت تهافتا . وتتهافت : تتفاعل من الهفت ، يقال في السالم من فعله بغير زيادة : هفت البق علي فهو يهفت هفتا ، كما قال رؤبة بن العجاج » ترى بها من كل مرشاش الورق كثمر الحماض من هفت العلق وأما الفراش ، فإنها جمع فراشة ، وهي في البرد وأيام الشتاء تبدأ ، فيما ذكر ، دودا ، فإذا انحسر البرد وأقبلت أوائل الصيف ، والحر صار له أجنحة ، وإياه عنى الطرماح بقوله : وانساب حيات الكثيب ، وأقبلت ورق الفراش لما يشب الموقد وإنما قال صلى الله عليه وسلم : « كما يتهافت الفراش في النار » لأنها إذا أوقدت النار رمت بأنفسها فيها وتساقطت . وأما الفراش ، في غير هذا ، فإنها العظام الرقاق التي يركب بعضها بعضا في أعالي الخياشيم إلى الجمجمة ، وكل رقيق من عظم ، أو حديد ، أو غيره فهو فراشة . ومن ذلك قيل لفراشة القفل : فراشة ، لدقتها ، يقال من ذلك ضرب فلان رأس فلان فأطار فراشه ، إذا أطار العظام التي ذكرت ، ومنه قول نابغة بني ذبيان : يطير فضاضا بينها كل قونس ويتبعها منهم فراش الحواجب والفراش أيضا : البقية من الماء تبقى في الغدر ، يقال منه : ما بقي في الغدير إلا فراشة ، إذا كان الذي بقي فيه القليل من الماء ، ومنه قول ذي الرمة : وأبصرن أن القنع صارت نطافه فراشا ، وأن البقل ذاو ويابس وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء ابنة يزيد : « أيها الناس ، ما يحملكم على أن تتايعوا في الكذب كما يتتايع الفراش في النار » ، فإن التتايع شبيه المعنى بالتهافت ، ثم تستعمله العرب في التسرع أحيانا ، وفى اللجاج أحيانا ، وأحيانا في متابعة الشيء بعضه في إثر بعض ، ولذلك تأول الشيباني قول رؤبة : فأيها الغاشي القذاف الأتيعا إن كنت لله التقي الأطوعا فليس وجه الحق أن تبدعا أنه عنى بالأتيع الذي يتبع بعضه بعضا ، وتأول أبو عبيدة معمر بن المثنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لولا أن يتتايع فيه الغيران والسكران » ، أنه بمعنى اللجاج ، وتأوله آخرون أنه بمعنى التسرع . وكل ذلك قريب المعنى ، بعضه من بعض ، لأن المتسرع إلى الأمر غير متثبت فيه ، كالذي يلج فيه فلا ينزع في حال ينبغي له النزوع عنه فيها ، وإذا لج فيه تابع الأمر الذي هو فيه بعضه إثر بعض . وأما قول شهر بن حوشب : فأتاهم بعتود ، فإن العتود الجذع من أولاد المعز ، ومنه الخبر الذي رواه البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي بردة بن نيار : « عد لضحية أخرى » ، قال : يا رسول الله عندي عتود جذع هي خير منها ، تجمع عتدانا ، وعتدا ، ومن جمعه على عتدان قول الأخطل واذكر غدانة عتدانا مزنمة من الحبلق تبنى حولها الصير ويروى : واذكر غدانة عدانا مزنمة بإدغام التاء في الدال . وأما قول إبراهيم النخعي : كان لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا ، يدرءون به عن أنفسهم ، فإنه عنى بقوله : يدرءون عن أنفسهم ، يدفعون به عنها إذا خافوا عليها مكروها ممن لا طاقة لهم به ، ومنه قول الله تعالى ذكره : ( قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (1) ) يعني بقوله جل جلاله : ( فادرءوا ) ، فادفعوا . ومنه قول الشاعر : أقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني ؟ ويروى : تقول إذا درأت وأما قول عمر : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، فإنه يعني بقوله : لمندوحة : لسعة ، يقال : قد اندح بطن فلان واندحى ، ويعني به : استرخى واتسع ، ومنه قول الراجز : أنعتها إني من نعاتها مندوحة البطون وادقاتها ويقال : لي عن هذا الأمر مندوحة ، ومنادح ، يعني به : سعة ، كما قال الطرماح : ولي في ممضات الهجاء عن الخنا منادح في جور من القول ، أو قصد يعني بقوله : منادح ، سعة ، ويقال : قد انتدحت الغنم في مرابضها ، إذا تبددت واتسعت من البطنة . ولي عن هذا الأمر مندوحة ، ومنتدح ، والمنتدح ، المكان الواسع ، وهو الندح ، وجمعه أنداح
__________
(1) سورة : آل عمران آية رقم : 168

(4/224)


ذكر خبر آخر من أخبار علي رحمة الله عليه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم

(4/225)


1504 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن علي ، قال : جاء عمار يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « ائذنوا له ، مرحبا بالطيب المطيب »

(4/226)


1505 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، أراه عن علي ، قال : استأذن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « مرحبا ، ائذنوا للطيب المطيب »

(4/227)


1506 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن علي ، أن عمارا ، استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « الطيب المطيب ائذن له »

(4/228)


1507 - وحدثنا الحسن بن خلف الواسطي ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن علي ، قال : استأذن عمار بن ياسر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « ائذنوا له » ، فلما دخل قال : « مرحبا بالطيب المطيب » «

(4/229)


القول في علل هذا الخبر وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ، لعلل : أحدها : أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه . والثانية : أنه خبر قد حدث به عن أبي إسحاق ، عن هانئ ، عن علي غير من ذكرنا ، فوقف به على علي ، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . والثالثة : أنه قد حدث به عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، يحيى بن يمان فجعله بالشك ، وقال : عن هانئ بن هانئ ، أراه عن علي . والرابعة : أن أبا إسحاق عندهم مدلس ، ولا يحتج عندهم من خبر المدلس بما لم يقل فيه : حدثنا ، وسمعت ، وما أشبه ذلك . والخامسة أن هانئ بن هانئ عندهم مجهول ، ولا تثبت الحجة في الدين إلا بنقل العدول المعروفين بالعدالة .

(4/230)


ذكر من روى هذا الخبر فجعل هذا الكلام من كلام علي ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم

(4/231)


1508 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثام ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، قال : كنا عند علي ، فدخل عليه عمار بن ياسر فقال : مرحبا بالطيب المطيب ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه »

(4/232)


ذكر خبر آخر من أخبار علي رضوان الله عليه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4/233)


1509 - حدثني جعفر ابن ابنة إسحاق بن يوسف الأزرق ، قال : حدثنا جدي إسحاق بن يوسف قال : حدثنا شريك ، قال : حدثنا سليمان بن مهران ، قال : سمعت شقيق بن سلمة ، يقول : سمعت حلاما الغفاري ، يقول : سمعت علي بن أبي طالب يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء (1) ، من ذي لهجة أصدق من أبي ذر »
__________
(1) الغبراء : الأرض

(4/234)


القول في علل هذا الخبر هذا الخبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ، لعلل : إحداها : أنه خبر لا يعرف له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخرج يصح إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه . والثانية : أن حلاما الغفاري عندهم مجهول غير معروف في نقلة الآثار ، ولا يجوز الاحتجاج بمجهول في الدين . والثالثة : أن شريكا عندهم كثير الغلط ، ومن كان كذلك كان الواجب التوقف في خبره . وقد وافق عليا رحمة الله عليه في رواية هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره من أصحابه ، نذكر ما صح عندنا سنده مما حضرنا ذكره من ذلك

(4/235)


1510 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن عثمان أبي اليقظان ، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء (1) من ذي لهجة أصدق من أبي ذر »
__________
(1) الغبراء : الأرض

(4/236)


1511 - وحدثني أبو شرحبيل الحمصي بن أخي أبي اليمان ، قال : حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، قال : حدثني شهر بن حوشب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن غنم ، أنه زار أبا الدرداء بحمص ، فمكث عنده ليالي ، فأمر بحماره فأوكف له ، فقال أبو الدرداء : لا أراني إلا مشيعك . فأمر بحماره فأسرج ، فسارا جميعا على حماريهما ، فلقيا رجلا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية ، فعرفهما الرجل ولم يعرفاه ، فأخبرهما خبر الناس . ثم إن الرجل قال : وخبر آخر كرهت أن أخبركماه ، أراكما تكرهانه فقال أبو الدرداء : فلعل أبا ذر نفي قال : نعم ، قال : فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرار ، ثم قال أبو الدرداء : ارتقبهم واصطبر كما قيل لأصحاب الناقة ، اللهم إن كذبوا أبا ذر فإني لا أكذبه ، اللهم وإن اتهموه فإني لا أتهمه ، اللهم وإن استغشوه فإني لا أستغشه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمنه حين لا يتمن أحدا ، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد ، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده ، لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته ، بعد الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء ، من ذي لهجة أصدق من أبي ذر »

(4/237)


1512 - وحدثني أبو شرحبيل الحمصي ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي مريم ، عن حبيب بن عبيد ، عن غضيف بن الحارث ، قال : قال أبو الدرداء وذكرت له أبا ذر : والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدنيه دوننا إذا حضر ، ويتفقده إذا غاب ، ولقد علمت أنه قال : « ما تحمل الغبراء (1) ، ولا تظل الخضراء لبشر يقول ، أصدق لهجة من أبي ذر »
__________
(1) الغبراء : الأرض

(4/238)


ذكر خبر آخر من أخبار علي رضوان الله عليه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله

(4/239)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية