صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد
المؤلف : حمزة المليباري
مصدر الكتاب : ملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
أدخله للشاملة أبو عمر عفا الله عنه وعن والديه

علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد
علوم الحديث
في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد
بقلم
د. حمزة عبد الله المليباري
ملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه ، وخاتم رسله ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وتركنا - والله - على محجة بيضاء ليلها كنهارها .
اللهم صل على محمد وعلى آله ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، في العالمين إنك حميد مجيد .
رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة .
قال الله تعالى : {يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }[التوبة:119].
المقدمة

(1/2)


أولا دواعي تأليف هذا الكتاب :
لقد تبوأ علم الحديث مكانة عظيمة لدى علماء المسلمين قديما وحديثا على اختلاف تخصصهم العلمي ، وتوجههم الفكري ، وحفزهم ذلك إلى خدمة هذا العلم الشريف ، حتى تسابقوا إلى نيل الشرف بخدمته ، وانخراطهم في صفوف المؤلفين فيه ، فكثرت الكتب في علم الحديث مع تنوع الأساليب في طرح مسائله وشرح مصطلحاته وترتيب أنواعه ، حتى وصل إلينا هذا العلم جامعا بين الأصالة والتجديد ، وشاهدا لمراحل تطوره حسب تغير الأعراف العلمية ، وحاملا في طياته جهود الأئمة في مختلف العصور في مجال حفظ السنة النبوية . فرحم الله جميع أئمتنا ، وجزاهم عنا خير الجزاء ، وجعلنا خير خلف لخير سلف .
ولا ينبغي أن يكون إجلالنا لعلمهم وإخلاصهم دافعا إلى التقليد والتقديس ، ومانعا من النهوض بواجبنا ودورنا في خدمة هذا العلم بما تقتضيه مستجدات عصرنا ، لا سيما حين نلحظ بعض أهل عصرنا يسيء استخدامه ، ويخلط فيه بين مرجعه الأصيل ومصادره المساعدة ، حتى أصبحت عنده لغة المحدثين النقاد في نقد الأحاديث مجهولة ، ومنهجهم في الجرح والتعديل غير معروف ، وطريقتهم في تلقي الأخبار وروايتها وضبطها غير مألوفة مع أن كتب مصطلح الحديث من طليعة الكتب التي يهتمون بدراستها .
ولذلك يكون م الواجب أن نبحث عن أسباب تلك السلبيات ، ونقوم بتوعية شبابنا بخطورة آثارها ، حتى نتفق جميعا على تحديد ما يلائمها من العلاج ، والعمل الجاد في سبيل ذلك، ومن ثم يتصل آخرنا بأولنا بتشييد ما بنوا ، وبالتالي نكون قد قمنا بتدوين تاريخنا بالبناء المعرفي والعطاء العلمي المتجدد .
إن متتبع كتب المصطلح بدقة بالغة يلحظ شيئا مهما ، قد يكون أحد أسباب تخلفنا عن منهج المحدثين في تصحيح الأخبار وتعليلها ، وهو أن كثرة المؤلفين في علوم الحديث ، وتنوع أساليبهم في طرح مسائلها وترتيبها بتنوع تخصصاتهم العلمية ، أدى إلى تشتت المصطلحات واختلاف الأقوال في أحكامها ، وتداخل الآراء بين أئمة الحديث وأئمة الفقه والأصول في تحرير راجحها ، وحتى في تقسيم علوم الحديث ، وتعريف أنواعها ، إلى أن صار محتواها معقدا عموما، لا سيما حين كانت تعريفات المصطلحات مصاغة وفق قواعد علم المنطق ، وأصبحت لغة المنطق هي المستخدمة في كتابة هذا العلم الشريف غالبا ، بعيدا عما يألف أهل عصرنا من الأساليب والأمثلة .
وعلى الرغم من جمع كتب المصطلح ما يتصل بمنهج المحدثين دون تقصير من أصحابها ، إلا أن استيعاب هذا المنهج لم يتحقق لدى كثير الباحثين لعدم مراعاة ما سبق ذكره آنفا عند دراستها .
ومن هنا جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب لطرح ما تعاني منه الأبحاث المعاصرة في مجال الحديث وفقهه من عدم الانضباط بقواعد النقد التي تمخض عنها جهود المحدثين النقاد القدامى ، محاولا الوصول إلى معرفة أسباب ذلك ، ثم اقتراح ما يلائمها من علاج .
ولذلك سأبذل قصارى جهدي ، متوكلا على الله سبحانه وتعالى ، وفي تقديم علوم الحديث ، وشرح مصطلحاتها ، في ضوء ما تدل عليه نصوص النقاد وعملهم التطبيقي ، مراعيا في ذلك أسلوب سهلا (بإذن الله تعالى) عسى أ، يكون هذا الكتاب أقرب إلى طبيعة التكوين النفسي لطلابنا اليوم في تناول هذا العلم ؛ إذ الغرض من الدراسة هو استيعاب منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف ، وما يتصل به من مسائل ، وفهم مصطلحاتهم في ذلك فهما صحيحا ، بأي أسلوب من أساليب التعلم ، يكون أكثر ملائمة لطبيعة التفكير النفسي للطالب ، وليس الغرض أن تقوم الدراسة دوما على ربط هذا العلم بأساليب المنطق ، بحجة أن أئمتنا المتأخرين ، قد استخدموها في ذلك إذ طريقة التدريس والتلقي تختلف باختلاف ثقافات المجتمع ، وطبيعة تكوينهم النفسي ، ونوعية انشغالاتهم العلمية ، حتى إن طريقة أئمتنا المتأخرين في ذلك لم تكن تقليدية محضة ، بل كانت مختلفة عن طريق من سبقهم من المتقدمين ، وذلك في إطار تجديد وسائل التعليم وتطويرها بمقتضى مستجدات عصورهم في مجال العلوم ، أو ليس لنا فيهم قدوة في ذلك(1) .
وإذا كانت مناهج التدريس قد تعرضت للتجديد وفق ما تقتضيه المراحل الزمنية التي مرت على الأمة في طول تاريخها ، فإن مناهجنا اليوم في تدريس علوم الحديث يجب النظر فيها، لنجدها حسب ما يقتضيه عصرنا ، دون أن يمس ذلك شيئا من العلم ومصطلحاته ، وبالتالي يستفيد الطالب من جهود السابقين جمعيا ، مع التمييز بين مناهجهم المختلفة .
وهذا الأسلوب المقترح في تدريس علوم الحديث لا يدعو إلى إهمال ما ورد في كتب المصطلح من التعريفات ، بل يدعو إلى تسهيل فهمها على طلابنا من خلال ترتيبها ترتيبا موضوعيا ، ثم عرض كل منها على التطبيقات العملية لنقاد الحديث ، وشرحها بالأمثلة ا لواقعية التي يألفها المجتمع في معالجة الأخبار التي تتداول فيما بينهم .
ولعل هذا الأسلوب مما سيسهل على طلابنا اليوم استيعاب علوم الحديث ، وفهم مضامين مصطلحاتها فهما صحيحا ، ووقوفهم على منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف ، والجرح والتعديل ، بجميع أبعاده ، جليلها ودقيقها ، وبالتالي يكون كل منهم بإذن الله تعالى قد هيأ نفسه لاحترام أهل هذا العلم ، وتقديم منهجهم على غيرهم فيما يخص الحديث ونقده.
ولا يسعني بعد بذل ما في وسعي من جهد ، إلا أن أرجو من الله تعالى أن أكون موفقا في ذلك .
ومن الجدير بالذكر أن موضوع هذا الكتاب كان مختمرا في نفسي أكثر من خمس عشرة سنة، إذ كان هذا الموضوع من المقررات الرئيسة التي قمت بتدريسها بشغف بالغ في معظم هذه الفترة الزمنية التي عشتها في الجامعات والمعاهد ، لقد كان من عادتي أن أقوم بالتحضير قبل كل درس ، مع حرصي الشديد على ربط مصطلحات الحديث بتطبيقات المحدثين النقاد ، ثم أقوم بشرحها في ضوء ذلك ، حتى وفقني الله تعالى لإعداد هذا الكتاب ، وأرجو أن يكون جهدي هذا خدمة للسنة النبوية ، وتوجيها صحيحا لطلبتها نحو إبداع علمي ، وعطاء معرفي متجدد.
والله من وراء القصد ، وله الحمد والشكر أولا وآخرا ، وهو حسبنا ، نعم المولى ونعم النصير .
__________
(1) هذا الأمر يتضح أكثر من خلال مقارنة سريعة بين ما كتبه الإمام مسلم في مقدمته على الصحيح ، أو الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث ، وبين ما ألفه ابن الصالح وغيره من كتب مصطلح الحديث .

(1/3)


ثانيا وصف علوم الحديث :
إن علوم الحديث عبارة عن جملة من القواعد التي تمخضت عنها جهود المحدثين النقاد في المجالات الآتية ؛ وهي :
نظم تعليم الحديث .
نقد الأحاديث تصحيحا وتضعيفا .
نقد رواتها جرحا وتعديلا .
فقه الحديث ومعرفة المقصود منه .
ثم قام المتأخرون بتنظير تلك القواعد وجمعها في أطر المصطلحات وتعريفاتها المصاغة طبقا لقواعد علم المنطق .
وينبغي هنا أن نركز على أربع نقاط مهمة تضمنتها هذه الجمل ، بعضها يتصل بمصدر علوم الحديث ، والأخرى بمحتواها ، وهي كالآتي :
النقطة الأولى : الذي قام به المتأخرون في مجال علوم الحديث هو جمع ما تفرق في كتب النقاد من نصوص ومصطلحات ، ثم تحديد معانيها وضبط مدلولاتها ، بوضع تعريفات لكل منها، منضبطة بقواعد المنطق ، وبأسلوب ألفه معاصروهم ، حتى استقرت تلك المصطلحات ، بحيث إذا أطلق لفظ أو مصطلح لا يتبادر إلى الذهن إلا ذاك المعنى المحدد(1) .
النقطة الثالثة : كل ما تتوقف عليه معرفة صحة الحديث وضعفه ، من قواعد وضوابط تعتبر من أهم أنواع علوم الحديث ، إلى جانب الجرح والتعديل ، وطرق التحمل والأداء .
النقطة الرابعة : ما يتوقف عليه فقه الحديث من قواعد وضوابط يعد أيضا من أهم مفردات علوم الحديث ، وليس ذلك دخيلا .
__________
(1) لعل من أهم فوائد تركيز الطالب على هاتين النقطتين ، والفصل بينهما على النحو الذي شرحنا، اعتبار ما ألفه المتأخرون والمعاصرون من كتب المصطلح مصادر مساعدة لعلم الحديث ، دون اعتبارها منابع أصيلة له ، وبالتالي تكون تعريفاتهم ونصوصهم وترجيحاتهم مما يجب عرضه على تطبيقات النقاد ليتم تحديد معنى المصطلحات التي استخدامها المحدثون النقاد ، ومنهجهم في نقد الحديث وتعليله، وذلك لئلا تكون ثقافتنا ناقصة وقاصرة من جراء الخلط بين المرجع الأصيل وبين المصدر المساعد.

(1/4)


ثالثا الأدلة على ذلك من نصوص الأئمة :
فيما يلي من نصوص الأئمة ما يؤكد على أهمية التركيز على تلك النقاط الأربع :
قال الإمام مسلم رحمه الله فيما يخص النقطة الأولى :
" واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة ، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفون بها دون غيرهم .. وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ، ويميزونهم ، حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح(1) .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى :
" أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم ، واطلاعهم ، واضطلاعهم في هذا الشأن ، واتصافهم بالإنصاف والديانة ، والخبرة والنصح ، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذبا، أو نحو ذلك . فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم ، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم(2) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
" هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا ، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غائصا واطلاعا حاويا وإدراكا للمراتب الرواة ، ومعرفة ثاقبه ، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم ، وإليهم المرجع في ذلك ، لما جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه ، دون غيرهم ممن يمارس ذلك ..." (3) .
وفيما يخص النقطة الأولى والثانية يقول السخاوي رحمه الله تعالى ، وهذا نصه :
" ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرا جدا ، للنظر فيه مجال ، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه ، كشعبة والطقان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم ؛ مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ، ثم أصحابهم ؛ مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، وهكذا إلى زمن الدار قطني والبقهقي ولم يجئ بعدهم مساو لهم ولا مقارب ، فأده العلائي"(4) .
وأما فيما يخص النقطة الثالثة والرابعة فقد قال الإمام الحاكم رحمه الله تعالى : "النوع العشرون من هذا العلم (يعني علوم الحديث) - بعد معرفة ما قدمنا ذكره من صحة الحديث إتقانا ومعرفة لا تقليدا وظنا - معرفة فقه الحديث ؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشيعة"(5) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
" فالحق أن كلا منهما (يعني معرفة فقه الحديث ومعرفة صحته وضعفه) في علم الحديث مهم لا رجحان لأحدهما على الآخر ، نعم لو قال : الاشتغال بالفن الأول (يعني فقه الحديث) أهم كان مسلما مع ما فيه ، ولا شك أن من جمعها حاز القدح المعلى ، ومن أخل بهما فلا حظ له في اسم المحدث"(6) .
وقال الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى :
" التفقه في معاني الحديث نصف العلم ومعرفة الرجال نصف العلم"(7) .
" المحدث إذا لم يعرف السقيم والصحيح والناسخ والمنسوخ فلا يعد عالما"(8) .
وقليلا ما يتذكر أهل عصرنا دور علماء الحديث في الجوانب الفقهية التي برعوا فيها ، كعلماء أهل الرأي ، وسبب ذلك يعود بقدر كبير إلى خلل في تدريس علوم الحديث ، وقلة اهتمامنا في بلورة صلتها بالجوانب الفقهية ، مع كونها من أهم مفرداتها .
وعلى كل فلتحديد محتوى علوم الحديث وترتيب مفرداتها وأنواعها على وحداتها الموضوعية، ومعرفة مرجعيتها الأصيلة ، وتمييزها من مصادرها المساعدة ، وفوائد عظيمة ، ومن أهمها إبعاد الطالب عن :
خلطه بين مناهج مختلفة .
وتقليده لغير أهله فيما يأخذه من مسائل ذلك العلم .
ومن المعلوم بديهيا أنه لا يعد شخص ما مصدرا أصيلا في علم من العلوم لمجرد أنه قد ألف كتابا فيه إلا بقدر ما يتوافر لديه من التخصص والملكة العلمية والاطلاع الواسع على الأحاديث وطريقة أصحابها في النقد ، وكم من مؤلف في علم الحديث لم يؤلف فيه إلا تقليدا لمن سبقه في كتابه ، ولم يتجاوز عمله في التأليف مجرد تلخيص ذلك الكتاب أو تهذيبه أو شرحه ، أو جمع ما تتأثر في الكتب السابقة من نصوص الأئمة ومصطلحاتهم ، دون إبداع أو تصحيح أو نقد مؤسس ، إلا ما ندر .
وما من خلط يقع من دارس علوم الحديث بين مرجعه الأصيل ومصادره المساعدة في بناء تصوراته حول مسألة من المسائل إلا وقد أسفر عن نتائج سيئة يصعب استدراكها وإصلاحها فيما بعد ، كما هو حالنا اليوم في دراسة علوم الحديث ، إذا نرى بعض المعاصرين يرد قول النقاد قائلا : "زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح " ، أو "الراوي ثقة لا يضر تفرده" ، بل بلغ غرور بعضهم بما حفظوا من تعريفات كتب المصطلح إلى قوله : "لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة ، حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها، والحمد لله إني طبقت منهج المحدثين" .
__________
(1) كتاب التمييز ، ص 218 ، للإمام مسلم .
(2) اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث ، ص79 .
(3) النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/711 لابن حجر العسقلاني ، (تحقيق د. ربيع المدخلي ، الجامعة الإسلامية ، ط1 ، سنة 1404هـ) . اختصار علوم الحديث ، ص64 الحافظ ابن كثير ، مع شرح الشيخ أحمد شاكر (الباعث الحثيث) .
(4) فتح المغيث 1/237 ، وتوضيح الأفكار 1/344 ، والنكت 2/604-605 .
(5) معرفة علوم الحديث ص63 ، للحاكم ، (ط4 ، منشورات دار الآفاق الجديدة / بيروت) .
(6) النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/230 ، لابن حجر العسقلاني .
(7) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي 1/320 ، رواه الرامهرمزي عن زنجويه عن البخاري عن ابن المديني ، ورواه الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء 11/18 ، عن طريق الرامهرمزي ، لكن رواه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/211 ، عن طريق خلاد عن زنجويه بلفظ : "التفقه في معاد الحديث.." وأورده تحت باب كتب الأحاديث المعادة ، ولذلك فإن هذا اللفظ ثابت في كتاب الخطيب ، وليس تصحيفا من الناسخ . ومن المعلوم أن الخطيب متأخر عن الرامهرمزي ، ولذا فالأصح ما ذكره الرامهرمزي ، واعتمد عليه الذهبي - كما هو في السير الذي حققه صالح السمر تحت إشراف شعيب الأرناؤوط - وهذا اللفظ هو الذي يتأيد من حيث السياق ، وإلا فما معنى التفقه في معاد الحديث حتى يشكل نصف العلم بمقابل علم الرجال ؟ والله أعلم .
(8) معرفة علوم الحديث ، ص60 للحاكم .

(1/5)


رابعا فوائد علوم الحديث :
بعد أن تأكدنا من أن مرجعية هذا العلم هي التطبيقات العلمية لنقاد الحديث وما صدر عنهم في أثنائها من النصوص ، وأن ما يتوقف عليه معرفة صحة الحديث وضعفه ، ومعرفة أحوال الرواة، وطرق التحمل والأداء ، ومعرفة فقه الحديث ، كل ذلك يشكل مفردات علوم الحديث ، يحسن بنا أن نحدد أهم فوائد دراستها ، وهي ما يلي :
معرفة منهج المحدثين النقاد في نقد الأحاديث ورواتها .
احترام نقاد الحديث فيما صدر عنهم من الأحكام ، وتقليدهم فيها .
فهم مصطلحاتهم ، وما تضمنته من الأبعاد النقدية .
الوقوف على سنة النبي صلى ا لله عليه وسلم وسيرته في ضوء منهج علمائها .
تقليص وجوه الاختلاف بين فصائل الأمة الإسلامية ، وتضييق فرص الانشقاق ، علما بأن كثيرا من الاختلافات الفقهية وغيرها يعود سببها إلى تساهل بعض العلماء في التصحيح ، أو تشدد الآخرين في التضعيف ، متجاوزين في ذلك قواعد النقد المنبثقة من جهود المحدثين النقاد .
وإذا كان من أهم فوائد هذا العلم توجيه الطالب نحو تأهله لإدراك الأخطاء والأوهام التي تقع من رواة الحديث عموما ، فإن معظم العلوم الشرعية التي تدور على الرواية والنقل تكون بحاجة ملحة إلى هذا العلم ، وبالتالي يعد أصلا عظيما للتفسير والفقه والأصول والتاريخ ؛ إذ إن هذه العلوم ، تعتمد أساسا على الرواية والنقل عن السابقين .

(1/6)


خامسا أنواع علوم الحديث وتوزيعها على الوحدات الموضوعية :
يمكن أن نوزع أنواع علوم الحديث جمعيها تحت أربع وحدات موضوعية رئيسة ، وهي كما يلي :
علم الرواية .
قواعد التصحيح والتعليل .
علم الجرح والتعديل .
فقه الحديث .
وبتنسيق أنواع علوم الحديث على هذا النمط ، من غير تفريق بين المشترك في المعنى والحكم، وذكر بعض منه في موضع ، وآخر في موضع قد يتباعدان ، كما هو الحال في كتب المصطلح عموما ، فإن كثيرا من العقد والشبه التي تكتنف هذا العلم تتبد تلقائيا ، ويصبح منهج المحدثين في نقد الأحاديث واضح المعالم لدى الجميع .
الوحدة الأولى :
تحوي هذه الوحدة - وهي علم الرواية - المسائل التالية :
طريق تحمل الحديث ، وكتابة الحديث ، وضبط الكتاب ، ورواية الحديث وشروطها ، ومعرفة آداب المحدث ، ومعرفة آداب طالب الحديث ، ومعرفة علو الإسناد ونزوله .
وتحتل هذه الوحدة مكانة رفيعة عند المحدثين وغيرهم من أهل العلم ، وذلك لأن نظمهم في التعليم قائمة على مراعاة أنواعها ، وظهور التأليف مبكرا ومستقلا في هذه الوحدة من وحدات علوم الحديث - مثل كتاب الرامهرمزي (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) - دليل واضح على مدى اهتمامهم بهذا الجانب التربوي .
وإن كان كثير من مواضيع هذه الوحدة - مثل طرق التحمل والأداء وكتابة الحديث وضبط الكتاب ومعرفة علو الإسناد ونزوله - يغلب عليها الجانب التاريخي ، ولا يوجد في دراستها اليوم كبير فائدة إذا نظرنها في مدى إمكانية تطبيقها في نظمنا في التعليم ، لكنها تلقي أضواء كاشفة على كثير من الحيثيات التي يعتمد عليها نقاد الحديث في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل ، ومن هذه الجهة تظهر الأهمية الكبيرة في دراستها اليوم ضمن مادة علوم الحديث .
الوحدة الثانية :
تحوي هذه الوحدة - وهي قواعد التصحيح والتضعيف - الأنواع الآتية :
الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، والمدلس ، والمرسل ، والمنقطع ، والمعلق ، والمعضل، وزيادة الثقة ، والعلة ، والشاذ ، والمنكر ، والمقلوب ، والمدرج ، والمصحف ، والمضطرب، والموضوع .
وتنقسم هذه الأنواع إلى ثلاث نقاط حسب الوحدة الموضوعية فيها . وسيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى .
والوحدة الثالثة :
تضم الوحدة الثالثة - وهي علم الجرح والتعديل - ما يلي :
رواه الحديث ، وطبقاتهم ، والصحابة ، والتابعون ، وأتباع التابعين ، وشروط قبول الرواية : العدالة ، والضبط ، وما يختل به كل من العدالة والضبط ، والبدعة وأثرها في العدالة، والضبط ، وما يختل به كل من العدالة والضبط ، والبدعة وأثرها في العدالة ، والجهالة ، وأثرها في رد الحديث ، والكذب ، وأثره في العدالة ، وصيغ الجرح والتعديل ، وتعارض الجرح والتعديل، وأسباب ذلك ، وعلماء الجرح والتعديل ، ومصادر هذا العلم .
وتجدر الإشارة إلى أن علم الجرح والتعديل من أهم النتائج التي تمخض عنها جهد المحدثين في نقد الأحاديث ، تصحيحا وتعليلا .
الوحدة الرابعة :
تضم الوحدة الرابعة ما يلي :
معرفة الناسخ والمنسوخ في الحديث ، ومشكل الحديث ومحكمه ، وغريب الحديث ، ومعرفة مناسبة الحديث وأسباب وروده .
وهذه المسائل التي طبقها المحدثون لمعرفة فقه الحديث ينبغي أن ندمجها في مفردات علوم الحديث ، حتى يترسخ في ذهن الطالب مدى اهتمام المحدثين النقاد بالجوانب الفقهية للأحاديث، وهي التي تطورت فيما بعد حتى استقلت بعلم أصول الفقه .
سادسا : معاني المصطلحات المتكررة في الدراسة :
بعد أن وصفنا علم الحديث ورتبنا أنواعه على الوحدات الموضوعية ، نود لفت الانتباه إلى ما يتكرر في أثناء دراسة علوم الحديث من المصطلحات العامة ، ومعانيها الراجحة ، ليكون الطالب المبتدئ على بصيرة ، وفيما يلي بيان ذلك .

(1/7)


المصطلحات العامة ، ومعانيها الراجحة :
السنة في الاصطلاح : ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التشريع من قول أو فعل أو تقرير ، أو صفة خلقية من مبدأ بعثته إلى وفاته(1) .
الحديث النبوي : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية ، سواء قبل البعثة أم بعدها ، سواء صدر على وجه التشريع أم لا ، ويطلق تجوزا على ما أضيف إلى الصحابة والتابعين .
وعليه يكون الحديث أعم من الستة ، فإن السنة لا تشمل إلا ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التشريع ، وبالتالي فحديث حفر زمزم على سبيل المثال لا يندرج تحت السنة ، حيث إنه من أخبار ما قبل البعثة ، كما لا يدخل في السنة صفة النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية باعتبارها صفات فطرية ، وليست موضوع اقتداء ، ولا يستفاد منها حكم شرعي.
الحديث القدسي : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل ، وقد يأتي بعبارة : (قال الله تعالى) ، أو (يرويه عن ربه تارك وتعالى) ، أو (إن روح القدس نفث في روعي).
الصحيحان : المقصود بهما صحيح البخاري وصحيح مسلم .
الشيخان : البخاري ومسلم .
حديث متفق عليه : اتفق على روايته البخاري ومسلم في صحيحيهما .
الكتب الستة : الصحيحان ، والسنن الأربعة .
السنن الأربعة : سنن الترمذي وسنن النسائي ، وسنن أبي داود ، وسنن ابن ماجه .
السنن : كتب رتبت فيها الأحاديث المرفوعة على الأبواب الفقهية ، ولا تذكر فيها الآثار إلا نادرا ومعلقة .
والمصنف : كتاب رتب فيه الأحاديث والآثار الموقوفة على الأبواب الفقهية وغيرها.
الموطأ : مثل المصنف .
الجامع : كتاب جامع لمواضيع النبوي وأبوابه ، أو أكثرها .
السند : عبارة عن سلسلة الرواة ، ويقال : الإسناد .
المسند : هو الكتاب الذي جمعت فيه أحاديث كل صاحبي على حدة ، كما يطلق على الحديث المتصل المرفوع(2) .
المتن : ما انتهى إليه السند من قول أو عمل أو إقرار .
الراوي : من يروي الحديث بسنده .
المحدث : من لديه أحاديث كثيرة ، سماعا ورواية ، دون تحديد عددها ، ويختلف معناه باختلاف العصور والأعراف ، مثلا : قولنا اليوم فلان محدث العصر ، يكون معناه : أنه كان ينشغل بالأحاديث تخريجا وشرحا واستدلالا ، ويكون انشغاله بذلك أكثر من أي علم آخر .
الناقد : محدث يقدر على معرفة الخطأ والصواب في أحاديث الرواي ، وتمييز الثقة من من الضعيف .
الصحابي : من لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسلم ومات على إسلامه .
التابعي : من لقي الصحابي .
المرفوع : الحديث الذي أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
الموقوف : الحديث الذي أضيف إلى الصحابي .
المقطوع : الحديث الذي أضيف إلى التابعي(3) .
الأثر : يطلق على المرفوع والموقوف ، أو يطلق على الموقوف فقط .
الثقة : الراوي الذي جمع بين صلاحه سلوكيا وبين إتقانه للأحاديث علميا .
الضعيف : من اختل فيه الجانب العلمي كإتقان الحديث .
المتروك : من اختل فيه الجانب السلوكي ، أو أهمل كليا الجانب العلمي .
العدل : الرجل الصالح حسن السلوك .
المدلس : يوصف به الراوي إذا روى عمن عاصره أو لقيه ، أو سمعه ، ما لم يسمعه منه ، بعبارة توهم أنه قد سمعه منه . وبعبارة أخرى : يوصف به الراوي إذا لم يكن صريحا فيما إذا لم يسمع الحديث ممن رواه عنه ، مع وجود معاصرة بينهما أو لقاء أو سماع ، ولو كان صريحا في ذلك لذكر اسم شيخه المباشر ، أو استعمل كلمة تدل على أنه لم يسمعه منه مباشرة ، إذا أسقط شيخه الذي سمع منه الحديث ؛ كقوله : نبئت عن فلان ، أو حدثت عن فلان ، أو أخبرت عن فلان(4) .
المرسل : يوصف به الراوي إذا روى عمن لم يعاصره ، أو يجعل خاصا بالتابعي الذي يروي الحديث عن الني صلى الله عليه وسلم مباشرة .
المتواتر : ما رواه جمع عن جمع عن جمع إلى أن ينتهي إلى متنه ، ، ويكون عدد الجمع بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب .
خبر الآحاد : ما اختل فيه شرط من شروط المتواتر .
المشهور : ما اشتهر بين المحدثين ولم يبلغ رواته مبلغ التواتر . وقد يطلق على ما أشتهر على ألسنة العوام ، وإن كان باطلا .
الغريب : حديث تفرد به راو واحد ، ولم يعرفه غيره .
العنعنة : كأن يقول الراوي في حديثه (عن فلان) .
الأنأنة : كأن يقول الراوي (أن فلانا حدث) .
__________
(1) ما ذكرنا هو الأصح فيما يظهر من خلال تتبع صنيع المحدثين وغيرهم ، وهو :
كقولهم : مصادر التشريع الكتاب والسنة .
وكلمة السنة هنا لا تشمل إلا الحديث الذي يكون صالحا للاستدلال .
وقول عبد الرحمن بن مهدي : سفيان الثوري إمام في الحديث ، وليس إماما في السنة ، والأوزاعي إمام في السنة ، وليس إماما في الحديث ، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعا .
وجاء التفريق بين الحديث والسنة من عبد الرحمن بن مهدي ، وهو أحد نقاد الحديث . ويكون قصده بالسنة ما تستمد منه الأحكام الشرعية من الأحاديث ، كالفرائض والنوافل والإباحات ، والحلال والحرام .
وقول سفيان بن عيينة : لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة ، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره ، (مقدمة الجرح والتعديل 40 - 41) .
جاءت الكتب التي تحتوي على هذا النوع من الأحاديث مشهورة باسم (السنن) ، كسنن الترمذي، وسنن النسائي وغيرهما .
نعم لقد اشتهر لدينا إطلاق السنة فيما يرادف معنى كلمة الحديث ، كقولنا : (كنت السنة) أي (كتب الأحاديث) .
ولذلك تتفق كتب المصطلح المعاصرة على ترجيح هذا المعنى المرادف للحديث وينسبونه إلى المحدثين دون ذكر دليل على ذلك ، ويمكن إجمال ما ورد في معنى السنة من الأقوال بما يلي :
أولا : السنة عند المحدثين ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية ، سواء كان قبل البعثة أم بعدها ، وعليها فالسنة مرادفة للحديث .
ثانيا : السنة عند الأصوليين ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير ، مما يصلح أن يكون دليلا على حكم شرعي .
ثالثا : السنة عند الفقهاء كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب . هذا وقد جاء عن الحافظ ابن رجب رحمه الله توضيح حول كلمة السنة ، وهذا نصه : "السنة : هي الطريقة المسلوكة ؛ فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال ، وهذه هي السنة الكاملة ، ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله ، وروي معنى ذلك عن الحسن البصري والأوزاعي والفضيل بن عياض ، ويخص كثير من العلماء المتأخرين اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد" . (جامع=
= العلوم والحكم 1/263) .
وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله :
"تطلق السنة لغة وشرعا على وجهين ؛ الوجه الأول : الأمر الذي يبتدئه الرجل فيتبعه فيه غيره ، ومنه ما ورد في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي تصدق بصرة فتبعه الناس فتصدقوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من سنن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بعده ..." الحديث .
الوجه الثاني : السيرة العامة ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى هي التي تقابل الكتاب وتسمى الهدي ، وفي صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته : أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة .
فعلى هذا فكل شأن من شؤون النبي صلى الله عليه وسلم الجزئية المتعلقة بالدين من قول أو فعل أو كف أو تقرير سنة بالمعنى الأول ، ومجموع ذلك هو السنة بالمعنى الثاني ، ومدلولات الأحاديث الثابتة هي السنة أو من السنة حقيقة ، فإن أطلقت السنة على ألفاظها فمجاز أو اصطلاح" انتهى .
(2) المسند (بكسر النون) : مصطلح محدث ، استعمل وصفا لمن يروي الحديث بإسناده في العصر الذي انقطع فيه الإسناد ، وليس لهذا المصطلح على هذا المعنى وجود في عصور الرواية. وكذلك مصطلح (الحاكم) ، ذكروه في كتب المصطلح وصفا لمن أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية سندا ومتنا ، جرحا وتعديلا وتاريخا إلى غير ذلك ، لكن ليس له أثر في نصوص النقاد ولا غيرهم ، وإنما يعرف بذلك صاحب كتاب (المستدرك) أبو عبد الله الحاكم ، ولا أدري ما مصدر هذا المصطلح .
(3) قد يرد في كلام النقاد بمعنى الحديث المنطقع والمعضل .
(4) من المتأخرين من يفرق بين الإرسال الخفي والتدليس ، ويجعل الأول مقيدا بوجود المعاصرة بين الراوي المعنعن ، والراوي المعنعن عنه ، والثاني باللقاء ، أو باللقاء والسماع ، ومنهم من لا يفرق بينها، ويجعلهما نوعا واحدا ، وأيا كان الأمر فإن الإرسال الخفي والتدليس تصفان بانقطاع خفي، بخلاف المرسل ، لكن التدليس أشد خفاء من الإرسال الخفي ، كما سيأتي شرح ذلك مفصلا في الموضوع الثالث من الوحدة الأولى .

(1/8)


سادسا مراحل التأليف في علوم الحديث :
بقى لنا شيء يكون من الأحسن أن يعرفه الطالب ، وهو إلقاء نظرة سريعة على الكتب في علوم الحديث ، وقد سبق أن من كتبه ما يعد مرجعا أصيلا ، ومنها ما يعد مصدرا مساعدا، أما النوع الأول فهو :
كتاب الرسالة للإمام الشافعي(1) .
كتاب التمييز ، للإمام مسلم .
مقدمة صحيح مسلم ، له أيضا .
رسالة الإمام أبي داود إلى أهل مكة .
خاتمة سنن الترمذي . للإمام الترمذي(2) .
وأما لنوع الثاني من كتب علوم الحديث ، وهو المصدر المساعد ، فهي على سبيل المثال:
شرح العلل لابن رجب الحنبلي .
كتاب (ما لا يسع المحدث جهله) ، لابن جماعة .
كتاب (علوم الحديث) المعروف بمقدمة ابن الصلاح ، للإمام ابن الصلاح.
كتاب (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير) ، للإمام النووي .
كتاب (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) ، للسيوطي .
كتاب (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) ، للسخاوي .
وغيرها من الكتب وهي كثيرة ، وأخص بالذكر هنا كتاب الدكتور / نور الدين عتر (منهج النقد في علوم الحديث) .
ومن الجدير بالذكر أن كتاب الحافظ ابن رجب الحنبلي شرح العلل ، وكتاب المراسل للحافظ العلائي ، وكتاب النكت للحافظ ابن حجر ، وكتاب التنكيل للشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني ، من أكثر الكتب التي تسلط الأضواء على منهج النقاد في التصحيح والتعليل، والجرح والتعديل ، وآرائهم فيما يخص علوم الحديث عموما .
ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لجميع الإخوة الذين أسهموا في إثراء هذا الكتاب بملحوظاتهم العلمية واللغوية .
سائلا الله أن يجزيهم خيرا .
وإذ أقدم هذا الكتاب أتضرع إلى الله تعالى أن يتقبل مني هذا الجهد وينفعني به في الدارين إنه سميع الدعاء .
كتبه أبو محمد
حمزة بن عبد الله المليباري
كلية الدراسات الإسلامية والعربية دبي
__________
(1) كتاب الرسالة للإمام الشافعي أول كتاب تطرق لعلوم الحديث إلى جانب أصول الفقه ، ولهذا لم يكن الكتاب مفردا في علوم الحديث ، كما أنه لم يشرح من مسائل علوم الحديث إلا بعضها .
(2) هذه الكتب غير مستوعبة لمسائل علوم الحديث ، وإنما تطرقت لبعضها ، لا سيما موضوع العلة ، والغرابة .

(1/9)


الوحدة الأولى وترتيب أنواعها وشرح مسائلها ومصطلحاتها
الوحدة الأولى وترتيب أنواعها(1)
لعل من الأفضل إلقاء نظرة سريعة على موضوعات هذه الوحدة ، وما يطلق عليها من المصطلحات .
تضم الوحدة الأولى ثلاثة موضوعات رئيسة ، وتدور عليها المصطلحات الآتية :
صحيح ، حسن ، حسن صحيح ، جيد ، لا بأس به ، زيادة الثقة ، العلة ، الشاذ ، المنكر، المقلوب ، المدرج ، المصحف ، المضطرب ، الموضوع .
والموضوعات الثلاثة هي :
الحديث الذي ثبتت صحته .
الحديث له الذي ثبت خطؤه .
الحديث الذي لم يثبت فيه هذا ولا ذاك .
وفيما يلي بيان كيف تدور تلك المصطلحات على هذه الموضوعات الثلاثة :
أما الموضوع الأول فيطلق عليه عادة مصطلح " صحيح " ، وقد يطلق عليه مصطلح "حسن"(2) ، بينما يصطلح عليه بعضهم كلمة "حسن صحيح"(3) .
وأما الموضع الثاني فيطلق عليه : (ضعيف) ، (معلول) ، (شاذ) ، (منكر) ، (مقلوب) ، (مدرج) ، (مصحف) ، (مضطرب) ، (موضع) . وإلى جانبها ألفاظ صريحة يستعملها النقاد كثيرا ؛ وهي :
(حديث غريب) ، (غير محفوظ) ، (باطل) ، (وهم) ، 0خطأ) (تفرد به فلان) ، (لا يشبه حديث فلان) (لا يجيء) وغيرها من العبارات الصريحة التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء وغيرها .
والموضوع الثالث يقول فيه : (ضعيف) (4) ، (مرسل) ، (مدلس) ، (مدلس) ، (منقطع)، (معضل) ، (معلق) وإذا تقوى نوع من هذه الأنواع بعواضد بالشروط التي سيأتي ذكرها، ولم يصل إلى حد شعور الناقد بأنه ثابت يقال : (حسن) ، (جيد) ، (لا بأس به) ، وقد يطلق عليه أيضا (صحيح) تجوزا ، ولا يريد به الموضوع الأول(5) .
__________
(1) أورد لفت القارئ إلى أن هذه الوحدة تعد الوحدة الثانية حسب الترتيب الذي سبق شرحه ، لكني أقدم هذه الوحدة في الذكر واعتبرها الوحدة الأولى نظرا لأهميتها .
(2) يقول الحافظ الذهبي : إنهم قد يقولون فيها صح : هذا حديث حسن . وانظر كتاب (نظرات جديدة) ، ص23 - 26 للمؤلف ، ففيه أمثلة تطبيقية من نصوص النقاد .
(3) من الجدير بالذكر أن النقاد لم يفرقوا بين المصطلحات ، وأنهم لم ينشغلوا بتعريفاتها لتكون مضامينها محددة ، وإنما جاء تحديدها في العصور المتأخرة حين احتاج الناس إلى ضبط المصطلحات الواردة عن النقاد القدامى ، وتحديد معانيها ، لبعدهم عن عصر النقد ، بخلاف المتقدمين ، فإنهم يفهمون معانيها بالخبرة والممارسة ، دون حاجتهم في ذلك إلى التعريف المنطقي ، وشأنه في ذلك شأن بقية العلوم الشرعية .
ولذلك فلا مانع لدى المتقدمين - لا لغويا ولا اصطلاحيا - من إطلاق الصحيح على الحسن ، والحسن على الصحيح ، أو الجمع بينهما ؛ كقول بعضهم : حسن صحيح ، وإن كان ذلك مشكلا عن المتأخرين ، لكونهم قد ضبطوا معانيها من خلال تعريفات محددة ، بحيث إذا أطلق مصطلح من المصطلحات لا يتبادر إلى الذهن إلى ذلك المعنى . وسيأتي إن شاء الله تعالى حدث خاص حول هذا الموضوع في نوع الحسن . ومن الجدير بالذكر أن الإمام الترمذي حين يحكي عن بعض النقاد
(4) تصحيحه كان يقول : "قال فلان هذا حديث حسن صحيح " أو "هذا أحسن وأصح" ، دون أن يلفظ ذلك الناقد بهذه الكلمة . فقد حكى الإمام الترمذي عن الإمامين : أحمد والبخاري تصحيحهما حديث المستحاضة الذي روته حمنة بنت جحش : بقوله : "حسن صحيح" . دون أن يرد هذا اللفظ عنهما (سنن الترمذي ، أبواب الطهارة ، باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد 1/226) .
وأما لفظهما فكما ورد في علل الترمذي : " قال محمد (يعني البخاري) : حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن ، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم ، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا ، وكان أحمد بن حنبل يقول : هو حديث صحيح " . (العلل الكبير ص58 ، تحقيق السامرائي ، ط1 ، 1409هـ ، عالم الكتب ، وسنن البيهقي 1/339) .
وفي أثناء المقارنة بين السياقين يبدو واضحا أن ما تضمنه السياق الثاني هو لفظ البخاري وأحمد ، بخلاف ما ورد في السياق الأول ، فإنه ورد مختصرا ، اختصره الترمذي بأسلوبه المعروف في التعبير في التصحيح .
ومثال آخر : يحكي فيه الترمذي عن البخاري تصحيح حديث "البحر هو الطهور ماؤه" : بقوله : "حسن صحيح" . (شرح العلل 1/ 342 - 343 ، تحقيق الأستاذ نور الدين عتر) . وفي الوقت ذاته قال الترمذي : سألت محمدا عن حديث مالك عن صفوان بن سليم في حدث "البحر هو الطهور ماؤه" فقال : "هو حديث صحيح" (العلل الكبير للترمذي ص41 ، وكذا في التمهيد لابن عبد البر 16/218). وقال الحافظ ابن حجر في هذا الحديث : "صحح البخاري - فيما حكاه عنه الترمذي في العلل المفرد - حديثه ، وكذا صححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد" (التهذيب 4/42) .
وهذا كله يدل على توسعهم في إطلاق الألفاظ والمصطلحات ، وأن الترمذي يقصد بقوله حسن صحيح ما يقصده غيره بقوله : صحيح" لا غير . والله أعلم .
( ) مصطلح (ضعيف) يطلق على كل أنواع الضعيف .
(5) سبق شرح هذا الموضوع بالأمثلة في كتاب (نظرات جديدة في علوم الحديث) للمؤلف ، ومما ينبغي لفت النظر إليه أن فهم ذلك التفاوت بين المصطلحات ، ومقصود الناقد بها يتوقف بقدر كبير على خبرة واسعة ، ودراية بمنهجهم ، وفقه مناسبة استعمالهم لها ، ولا يصلح في ذلك اعتماد كتب المصطلح اعتمادا كليا ، فإنها تذكر لك من المعاني ما هو الأغلب استعمالا .

(1/10)


وجه تقسيم هذه الأنواع تقسيما ثلاثيا
لقد قسمنا هذه المصطلحات على ثلاثة أقسام - كما رأيت آنفا - ، وذلك حسب شعور النقاد تجاه الحديث . وإلا ففي الواقع لا ينقسم الحديث سوى قسمين :
صحيح وخطأ .
لكن لن يكون بمقدور الناقد أن يعرف دوما ماذا في الواقع ، خطأ أو صواب ، لأنه قد لا يتوافر لديه من المعلومات ما يساعده على معرفة ذلك ؛ فإذا علم الناقد بصحة الحديث يعبر عن ذلك بما يدل عليه من الألفاظ ، وإذا علم بخطئه يعبر عنه بما يدل عليه من العبارات ، وإذا لم يعمل هذا ولا ذاك فتعبيره عن ذلك يكون بقدر شعوره تجاه الحديث .
وعليه فإن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى شعور الناقد ، وأما في واقع الأمر فلا يكون له إلا قسمان : خطأ ، وصواب .
وإذا رجعنا إلى أنفسنا نجد هذا التقسيم واقعيا ، إذ الخبر الذي نسمعه لا يكون في الواقع إلا صوابا ، أو خطأ ، لكن ليس بمقدورنا أن نعرف هذا الواقع دائما ، وبالتالي ينقسم هذا الخبر بالنسبة إلى شعور المخاطب إلى تلك الأقسام الثلاثة ؛ لأنه قد يعرف أن الخبر صواب، أو أنه طأ ، أو لا يعرف شيئا ، وإن كان يتنوع ما يعبر به المخاطب عما يجول في خلده تجاه الخبر الذي سمعه ، بيد أنه لا يخرج عن قسم من هذه الأقسام .
وإذا كان الموضوع الأول يضم جميع المسائل المتعلقة بمعرفة صحة الحديث وثبوته ، فإن الموضوع الثاني باعتباره مقابل الأول يشمل جميع الأنواع التي تكون لها صلة بمعرفة الخطأ في الحديث - سواء أكان الراوي معتمدا في خطئه أم غير متعمد - والأنواع هي :
العلة ، والشاذ ، والمنكر ، والمقلوب ، والمدرج ، والمصحف ، والمضطرب ، والموضع. غير أن نوع (الموضوع) يجب أن يكون ذكره في باب خاص ، لكون روايه كذابا ووضاعا . ويلحق به ما رواه المتروك بسبب فسقه ، لأنه مثل الوضاع في عدم جواز الرواية عنه .
ومن الجدير بالذكر أن مصطلح (العلة) أو (المعلول) يشكل موضوعا عاما يندرج تحته بقية الأنواع المذكورة ، وليس نوعا قسيما ، وهي : الشاذ ، والمنكر ، والمقلوب ، والمدرج ، والمصحف ، والمضطرب .
وأما الموضوع الثالث فيمثل درجة متوسطة بين هذين الموضوعين ، وعريضة ، إذ يجذبها أحيانا أحد الطرفين : الصحيح أو المعلول ، بقدر ما تتوافر في الحديث من العواضد الخارجية ، غير أنه لا يرقي إلى الصحيح ، كما لا ينزل إلى الضعيف الذي تبين خطؤه . ومن هنا قد يكون موقف النقاد تجاه الحديث الذي يندرج تحت هذا النوع مضطربا ، كما اضطرب المتأخرون في تحديد معنى مصطلح (الحسن) الذي يكون أساسه هذه الدرجة المتوسطة ، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث الحسن .
والعنوان الذي يطابق هذا الموضوع هو "الضعيف المنجبر" ، ويشمل الأنواع التالية :
المرسل ، والمعلق ، والمدلس ، والمنقطع ، والمعضل ، وما رواه الضعيف غير المتروك بشرط أن لا يظهر للناقد ما يدل على صحته ولا خطئه ، وأما إذا تقوى نوع من هذه الأنواع بالوجوه التي سيأتي تفصيلها فيقال عنه : (حسن) وتستعمل فيه ألفاظ أخرى ، مثل (جيد) و (لا بأس به) و (صالح) و (مقبول) .
وبقي لنا تصنيف مسألة زيادة الثقة ، فإن زيادة الثقة من حيث كونها مسألة لا تشكل نوعا خاصا مستقلا عن مسائل الصحيح والحسن والمعمول ، ولا خارجة من حدودها ؛ إما أن تكون صحيحة ، أو حسنة ، أو معلولة ، ويكون كل ذلك تبعا لدلالة القرائن المحتفة بها . وأما من حيث كونها كلمة اصطلاحية فتظل نوعا يحتاج إلى تعريف ، ولتوضيح ذلك سنخصص لها فصلا خاصا .
وعلى هذا الترتيب الموضوعي ستكون دراستنا لأنواع الوحدة الأولى إن شاء الله تعالى.

(1/11)


مصطلح (صحيح) وأبعاده النقدية
الموضوع الأول
من الوحدة الأولى
مصطلح (صحيح) وأبعاده النقدية
الموضوع الأول
من الوحدة الأولى
مصطلح الصحيح وأبعاده النقدية
وفيه ما يأتي :
معنى مصطلح الصحيح .
العناصر المهمة لمعرفة صحة الحديث .
نماذج توضيحية لما صح من أحاديث الضعفاء .
تلخيص القضايا المنهجية المتعلقة بالتصحيح .
تعريف الصحيح في كتب المصطلح .
توجيه هذا التعريف .
تباين منهجي بين النقاد والمتأخرين في التصحيح .
مثال توضيحي للحديث الصحيح .
ماذا يفيد الحديث الصحيح : العلم أو الظن ؟
مصادر الصحيح .
الصحيحان والموازنة بينهما .
مراتب الأحاديث الصحيحة .
الكتب المستخرجة .
قولهم في أصح الأسانيد .

(1/12)


الحديث الصحيح(1)
الحديث إذا تبين للناقد أنه تم نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ، من غير خطأ ولا وهم ، فإنه يعبر عنه غالبا بأ،ه (صحيح) ، وقد يعبر عنه بأنه (حسن) ، بينما يستعمل الإمام الترمذي في ذلك لفظه (حسن صحيح) .
وبقدر ما يتوافر لدى الناقد من القرائن يتقوى شعوره ، حتى يصل إلى العلم بأن الحديث ثابت عن مصدره ، وأنه تم نقله عنه عبر رواته من غير وهم ولا خطأ ، مع كونه من خبر الآحاد، ولا يتوقف الجزم بذلك أبدا على تواتره ، كما هو الشائع لدى كثير من المثقفين الذين ينظرون في الحديث من زاوية ثقافتهم ، دون احترام أهله من الناقد القدامى ، ودون اعتبار شعورهم تجاه الحديث .
وبما أن هذا الأمر من علم الخاصة ؛ فإنه لا يمكن أن يكون للجميع شعور النقاد وإحساسهم تجاه الحديث ومدى إفادته اليقين والعلم ، ولذا يتعين على غيرهم التسليم بذلك ، سواء أفاد ذلك عنده الظن أم لا .
__________
(1) من الأفضل أن يتأمل القارئ – قبل قراءة هذا الموضوع الذي شرح منهج المحدثين النقاد في تصحيح الأخبار وتضعيفها – أسلوبه الشخصي في معالجة الخبر الذي يسمعه ، سواء أكان ذلك عبر وسائل الإعلام ، أم عن طريق فردي ، وذلك يتضح ما يلي :
معنى الصحيح عموما .
طريقته في معرفة صحة الخبر الذي يعالجه ، أو خطئه .
حاجة ذلك إلى خلفية علمية ، أو تخصص علمي في موضوع ذلك الخبر ، أو في ملابساته .
وأما الشخص الجاهل غير المتحفظ فلا يكون من عادته إلا تقليد من ينقل إليه الخبر ، وبالتالي يكون بعيدا عن معرفة صوابه وخطئه ، واعتداله في ذلك .
كما لا ينسى القارئ أن يطرح أسئلة على نفسه :
هل يصدق أحدنا الأخبار كلها دائما ؟
هل يكذب بها دائما ؟
أليس هو يكذب حينا ، ويصدق حينا آخر ، أو لا يعلم هذا ولا ذاك حينا ثالثا ؟
وما معيار ذلك إذن ؟
ألا يكون معيار ذلك هو : اعتماده على مدى :
موافقة الخبر للواقع الذي يعرفه أو يعرف ملابساته .
أو مخالفته له .
ج- أو التفرد بما له أصل ، أو بما ليس لها أصل .
د- أو اعتماد الحالة العامة لذلك الرجل الناقل ، إذا لم يتبين له شيء من ملابسات ذلك الخبر؟
- ألا تعتقد جازما أن الذي يكون بمقدوره معرفة صحة الخبر وخطئه هو من لديه خلفية علمية حول موضوع الخبر أو ملابساته ؟ أما غيره فليس له ناقة في ذلك ولا جمل .

(1/13)


العناصر المهمة لمعرفة صحة الحديث
كيف يقوى شعور الناقد بذلك ؟
والسؤال الذي نطرحه هنا : كيف يقوى شعور الناقد بأن الراوي لم يخطئ ولم يهم ولم يكذب في حديثه الذي رواه عمن فوقه ؟ وللإجابة على ذلك أقول :
إن ناقد الحديث يحس بذلك عن يقين ويطمئن به شعوره ، أو يغلب عليه الظن إذا توفر في الحديث ما يلي :
أن يكون رواة الحديث كلهم معروفين بصلاح الدين ، وحسن السيرة والسلوك ، بحيث لا يتوقع أحد ممن يعرف ذلك احتمال كذبهم فيما يحدثون به عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فيما يدعون به من لقائهم وسماعهم ، وذلك ما يعنيه المحدثون بالعدالة الدينية . وهذا أمر يجب تحققه في الراوي منذ البداية ، وإلا أصبح متروكا ، وإذا تبين للمحدث أنه متروك لا يستساغ له سماع حديثه ، ولا الرواية عنه .
أن يصرح كل رواه باسم شيخه الذي سمع منه ذلك الحديث ، وهو المقصود باتصال السند .
أن لا تخالف رواية كل راو من رواة الحديث الأمر الواقع في رواية ذلك الحديث ، أو الواقع العملي الذي ثبت عن مصدر ذلك الحديث ، أو عن مصدره الأعلى ، ولا سيما عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ويتحقق ذلك إما بموافقة الحديث الواقع ، أو أن يكون لما تفرد به الراوي أصل لدى شيخه. وهذه النقطة هي مناط حكم الحديث بسلامته من شذوذ وعلة .
وفيما يلي توضيح هذه العناصر الثلاثة :
+++++

(1/14)


العنصر الأول العدالة الدينية
أما العنصر الأول : فقد بالغ المحدثون في الالتزام به ، فإذا تبلور هذا الالتزام في حياة الراوي أثناء معاملاته اليومية مع غيره ، إذا كان معاصرا ، أو أشتهر اسم الراوي بين أصحاب الحديث دون أن ينقل في حقه ما يدل على فسقه أو على فساد عقيدته ، إن كان غير معاصر، يكون ذلك – أي الالتزام والشهرة – دليلا قويا بل قاطعا ، على أن الراوي قد تحققت فيه العدالة الدينية(1) .
+++++
__________
(1) بالإضافة إلى وسائل أخرى قد تكون ركيزة لدى المحدثين النقاد في حكمهم على الراوي بمدى التزامه بالصدق ، ومن أهمها استعمال التاريخ .
قال سفيان الثوري : لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ .
وقال حفص بن غياث : اتهمتم الشيخ فاحسبوه بالسنين .
وقال عفير بن معدان الكلاعي : قدم علينا عمر بن موسى حمص ، فاجتمعنا إليه في المسجد ، فجعل يقول : "حدثنا شيخكم الصالح" .
فلما أكثر قلت له : "من شيخنا الصالح" ؟ سمه لنا نعرفه " .
قال : فقال : " خالد بن معدان " .
قلت له : "في أي سنة لقيته" ؟
قال : لقيته سنة ثمان ومائة .
قلت : فأين لقيته ؟
قال : لقيته في غزاة أرمينية .
قال : فقلت : اتق الله يا شيخ ، ولا تكذب ، مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة ، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين . (الكفاية في معرفة الرواية ص119) . وسيأتي هذا الموضوع بشيء من التفصيل في وحدة " الجرح والتعديل" .

(1/15)


العنصر الثاني اتصال السند
وأما العنصر الثاني فيعرف بما يلي :
1- تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث ، كقوله ك (سمعت فلانا) أو (سمعنا فلانا) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا) ، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه ، وأنه سمع منه ذلك الحديث .
ومثال ذلك : قال الإمام البخاري في صحيحه :
" حدثنا بن سعيد الأنصاري ، قال : أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي ، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي ، يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"(1) .
وهذا مثال واضح لمعرفة اتصال السند ، إذ صرح كل من رواته بما يدل على سماعه ممن فوقه ، وكانت ألفاظهم في ذلك مختلفة ، وهي : (حدثنا) و (أخبرني) و (سمعت) ، ومن المعلوم أن هؤلاء الرواة جميعا عدول ثقات بحيث لا يتصور في حقهم احتمال كذب في ذلك ، ويتأيد ذلك بطبقاتهم الزمنية ، وصحبة كل منهم مع من فوقه(2) .
2- عنعنة الراوي ، إذا لم يكن مدلسا ، أو مرسلا(3) ، فتفيد عنعنته الاتصال ، وأما إن
كان الراوي المعنعن مدلسا ، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث(4) .
وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عموما ، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به احتمال الانقطاع ، من القرائن .
ومثال الحديث المعنعن :
قال الإمام البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "نعم المنيحة اللقحة الصفي منحة ، والشاة الصفي تغدو بإناء وتروح بإناء"(5) .
ورواية مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة معنعنة ، وهذه العنعنة تفيد الاتصال ، إذا الرواة غير مدلسين ، إلى جانب شهرتهم بتاريخهم الحافل المتميز باهتمام كل منهم بأحاديث شيخه خاصة ، وبالأحاديث عامة(6) .
+++++
__________
(1) صحيح البخاري ، كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي 1/12 ، (فتح الباري ، مكتبة الرسالة الحديثة / عمان ، الأردن) .
(2) فائدة : يكون مثل هذا السند الصحيح مما يعول عليه علماء الجرح والتعديل عادة في تدوين تاريخ الراوي ، ولقائه مع من فوقه ، وإثبات سماعه منه عموما .
ويتضح ذلك جليا لمن يتتبع كتب العلل والجرح والتعديل ، لا سيما كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري ، ولعل من الأفضل أن أذكر مثالا واحدا لذلك
يقول عبد الله بن أحمد : قلت (لأبي) : إنهم يقولون لم يسمع (ابن أبي ذئب) من الزهري؟
قال : قد سمع من الزهري ، حدثناه يحي بن سعيد عن ابن أبي ذئب حدثني الزهري ، فذكرنا غير حديث ، فيها : "حدثني الزهري" ، وفيها أيضا : "سألت الزهري" (علل الإمام أحمد 1/538) .
وكان الإمام أحمد قد أثبت سماع ابن أبي ذئب من الزهري عموما من خلال صيغ التلقي الصريحة على ذلك ؛ حيث وقعت هذه الصيغ في بعض الأسانيد الصحيحة الثابتة .
(3) العنعنة في هذه الحالة تفيد اتصال السند ، بدون خلاف ، وحتى في حالة ما إذا لم يثبت تاريخيا أن الراوي المعنعن لم يلتق مع من فوقه ، ولم يتبين أنه سمعه ولا نقيضه ، يعني في حالة الإبهام ، كما صرح بذلك الإمام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه ، فإن العنعنة عندئذ تحمل على الاتصال بمجرد المعاصرة بينهما ، مع إمكانية اللقاء ، بشرط أن ذلك الراوي الثقة كان ممن يصعب البحث عن
(4) تفاصيل لقاءاته مع من روى عنه الأحاديث ، كما يقع ذلك في طبقة التابعين ، حيث لا تتوفر المعلومات التاريخية والكافية فيما يخص تفاصيل علاقتهم ولقائهم مع بعض الصحابة .
وليس كما هو الشائع لدى الكثيرين من إطلاق مذهب مسلم باكتفائه بالمعاصرة ، والبخاري بثبوت اللقاء ، ثم يوصف البخاري بتشدده ، والآخر بتساهله ، أو قد يوصف كل منهما بالاعتدال ، لكن حسب مواطن الاحتجاج لما يميل إليه الباحث .
والواقع أن مذهب مسلم في ذلك مقيد بحالة الإبهام ، وليس ذلك مطلقا ، ولم يختلف معه في ذلك لا البخاري ولا علي بن المديني ، وهو أمر انعقد الاجتماع عليه ، كما ادعى الإمام مسلم رحمه الله ، وللشيخ حاتم الشريف جزاه الله خيرا بحث ماتع حول هذا الموضوع .
وهذا الأسلوب المتمثل في اعتماد الحالة العامة عند الإبهام ليس غريبا ، بل هو معول عليه في التصحيح والتضعيف أيضا ، وحين لم تتوافر القرائن فيما يرويه الراوي من الحديث تكون حالة الراوي أساسا لدى النقاد في تصحيح ذلك الحديث وتضعيفه وتحسينه
كما نعول على هذا الأسلوب في معالجة القضايا اليومية ، إذا لم نجد قرائن تدل على حقيقة الأمر ، اعني في حالة كون الأمر مبهما .
وموضوع العنعنة والأنأنة سيأتي بشيء من التفاصيل في النقطة الثالثة من هذه الوحدة حين نتحدث عن الانقطاع .
( ) سيأتي إن شاء الله تعالى في الموضوع الثالث من هذه الوحدة تفاصيل التدليس والمدلسين ، وأنهم ليسوا على مستوى واحد في إفادة عنعنتهم الاتصال والانقطاع .
(5) كتاب الهبة ، باب فضل المنيحة 5/242 (فتح الباري) المنيحة في الأصل : العطية ، والمراد هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد هي لصاحبها . (اللقحة) : الناقة ذات اللبن ، القريبة العهد بالولادة. (الصفي) الكريمة الغزيرة البن ، ويقال لها الصفية أيضا . قوله : (منحة) تمييز (راجع فتح الباري) .
(6) ثم إن الاتصال يزداد وضوحا من خلال جمع طرق الحديث ، كما يتأكد من خلالها على سلامته من وهم راويه وخطئه . ومن الجدير بالذكر أن كثيرا من المعلومات المتعلقة بالإسناد والمتن وفقهه تتوقف على جمع الروايات ، ومقارنة بعضها ببعض .
لفتة علمية مهمة :
إن صيغ التحمل التي تقع في سلسلة الإسناد ، كـ حدثنا ، وأخبرنا وأنبأنا ، أو عنعنة غير المدلسين ، تعد الأصل في معرفة اتصال السند ، وهذا واضح لمن يتتبع عمل النقاد ، لكن يجدر بنا أن نلفت الانتباه إلى أن هذه الصيغ والألفاظ قد لا تفيد اتصال السند بمفردها ، لتساهل بعض رواة الحديث في استخدام هذه الكلمات في غير معناها الحقيقي ، الذي هو السماع والتلقي المباشر ، أو لوقوع وهم منه في استعمالها ، بدلا عن الصيغة التي استخدمها شيخه ، ويكون بمقدور الباحث أن يكتشف هذه الأمور الخفية من خلال جمع الروايات ومقارنة بعضها بعض ، وموظفا في ذلك ما ورد عن النقاد من النصوص حول انقطاع السند أو اتصاله .
ولهذا قال الحافظ ابن رجب :
" ولا يعتبر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد ، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه ، ويكون منقطعا" .
" وذكر أحمد عن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم أخبرنا منصور بن زاذان ، قال أحمد : ولم يسمعه هشيم من منصور . ولم يصح قول معمر وأسامة عن الزهري سمعت عبد الرحمن بن أزهري" (شرح العلل 2/594) .
وقال الحافظ ابن عبد البر في مبحث العنعنة من مقدمة التمهيد 1/26 :
" إنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع " .
وقال الإسماعيلي :
" إن عادة المصريين والشاميين ذكر الخبر فيما يروونه " (فتح الباري 1/645 كتاب الصلاة ، باب فضل استقبال القبلة) .
يعني : أنهم يتساهلون في استعمال صيغ التلقي ، ويذكرون (أخبرنا) و (حدثنا) ، وإن لم يكن ذلك الحديث مما سمعه الراوي من شيخه . وقد قاله الإسماعيلي في مناسبة تعليله رواية يحيى بن أيوب ، عن حميد حدثنا أنس : (أمرت أ، أقاتل الناس) .
يعني الإسماعيلي : أن يحيى بن أيوب تساهل حين استعمل لفظه (حدثنا) مع كون حميد لم يسمع هذا الحديث من أنس مباشرة . ويحيى بن أيوب هذا من ضعفاء مصر . =
= وقال الحافظ ابن حجر :
" ويلتحق بالتدليس ما يقع من بعض المدلسين من التعبير بالتحديث أو الإخبار عن الإجازة ، موهما بالسماع ، ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئا " .
وقال ابن القطان الفاسي في صدد نقد حديث الذهب :
" إن الناس قالوا إن رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام منقطعة على أن يحيى قال : حدثنا زيد بن سلام ، وقد قيل : إنه دلس ذلك ، ولعله أجازه زيد بن سلام ، فجعل يقول حدثنا زيد" .
وقال ابن عبد البر – بعد أو أورد رواية يحيى بن أبي كثير التي قال فيها حدثنا أبو سلام :
" ولم يسمعه يحيى من أبي سلام ، ولا يصح " (التمهيد 16/115) .
وعن علي بن المديني :
" قلت ليحي بن سعيد القطان : يعتمد على قول فطر بن خليفة (حدثنا) ويكون موصولا؟
فقال : لا .
فقلت : أكان ذلك منه سجية ؟
قال : نعم " .
وكذا قال الفلاس :
" إن القطان قال له : وما ينتفع بقوله فطر : (حدثنا عطاء) ، ولم يسمع منه " .
ويقول الإمام أحمد :
" كان سجية في جرير بن حازم أن يقول : حدثنا الحسن قال حدثنا عمرو بن تغلب" .
وأبو الأشهب يقول : عن الحسن قال : "بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن تغلب" . (علل أحمد 1/267) .
إذن كيف يعتمد قول جرير عن الحسن حدثنا عمرو بن تغلب في إفادته الاتصال ، وهو يقول : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن تغلب ؟
وقال أبو عبيد الحداد :
" كتب لأبي حرة حديثه (سمعت الحسن) ، أو (حدثنا الحسن) ، فقال : ما قلت هذا ، أنا أقول هذا ؟ قال (أي الإمام أحمد) : فما قال في شيء (سمعت الحسن) إلا في ثلاثة أشياء" (علل أحمد 1/267).
ومن المعلوم أ، أبا حرة معروف بتدليسه عن الحسن (علل أحمد 1/267) .
وإن كانت هذه النصوص واضحة وجلية في دلالتها على أن المعرفة الحديثية والتاريخية هي أساس نقد الأحاديث ورواتها ، وحتى في الحكم على الأسانيد بانقطاعها أو باتصالها ، فإن اعتماد ظاهر السند، وقياس الحكم على أحوال الرواة ومراتبهم في الجرح والتعديل ، يصبح غير منهجي ، لا سيما حين يكون ذلك ردا على نقاد الحديث الذين حكموا بخلاف مقتضى ظاهر السند .

(1/16)


المؤنن وإزالة الشبهة عنه
يذكر في كتب المصطلح في هذه المناسبة مصطلح (الأنأنة) أو (المؤنن) ، ويقال في مثال ذلك : "حدثنا فلان أن فلانا حدثه بكذا" ، وهو : نحو حديث مالك ، عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب قال كذا ، وفرق بعضهم بين (عن) و (أن) : فرأوا أن (أن) محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر.
_______________
= وبناء على ذلك فإن حكم أحد من النقاد بانقطاع سند قال فيه الراوي (أخبرنا) أو (حدثنا) لا ينبغي لنا أن نعترض عليه بحجة أن المدلس إذا صرح بالسماع زال الخوف من احتمال تدليسه ، ثم نحكم على السند باتصاله ، بل يتعين علينا تسليم الحكم لذا الناقد ، دون استفسار ، وذلك لأن حكمه على السند بانقطاعه إنما هو بناء على ما توافرت لديه من المعرفة الحديثية والتاريخية .
ومما يزيدنا شعورا بعمق موضوع الاتصال أن كلمة (قال) تفيد الاتصال في حق بعض الرواة ، حتى ولو كان مدلسا ، مثلا إذا قال حجاج الشاعر : (قال ابن جريج) فذلك يعني أنه قد سمعه ، ولا يحتمل ذلك للانقطاع . وكذلك إذا قال ابن جريج : (قال عطاء) فإنه يفيد الاتصال أيضا ، مع كون ابن جريج مشهورا بالتدليس .
وهذا – كما ترى – مخالف للقاعدة المعروفة في كتب المصطلح ، وهي : أن المدلس إذا قال : (قال) لا يحمل على الاتصال ، ويكون شأنه في ذلك شأن العنعنة .
ومخالف أيضا لقول النقاد : إذا قال ابن جريج : (قال) فذلك شبه الريح .
وجواب ذلك :
أولا : لأن ابن جريج قد صحب شيخه ، ولازمه ملازمة طويلة حتى استوعب جميع أحاديثه بحيث لم يفته شيء منها ، وحينئذ تكون روايته عنه بأي صيغة كانت مما لا يحتمل فيه التدليس ، ومن المعلوم أنه لا يعول على ظاهر ألفاظ التلقي في حالة ما إذا دلت الأدلة والقرائن على خلافه .
ثانيا : قول بعض النقاد : (إذا قال ابن جريج : قال ، فذلك شبه الريح) إنما هو في حق شيوخه الذين لم يستطع استيعاب أحاديثهم ، لعدم مجالسته معهم طويلا . ولا صلة لهذا القول بروايته عن عطاء ، فإنه ينبغي استثناؤه منه . (راجع كتاب الموازنة للمؤلف ص276) .
وإن كان في هذه النصوص ما يدلنا على أن رواية المدلس قد تظل منقطعة ، مع أنه قد وقعت في سنده صيغة تنص على سماعه ممن فوقه كـ (حدثنا) و (أخبرنا) ، كما يدل على أن المدلس إذا قال (قال) فقد يحمل على الاتصال ، وحتى إذا لم يرد في طرق أخرى تصريحه بالسماع ، فبذلك كنا قد وقفنا على دقة علم الحديث ومنهج أهله في النقد ، الأمر الذي يمنع الباحث من الاستعجال في حكمه على الحديث بناء على ظاهر السند ، لا سيما في رده أحكام النقاد بما يخالف الظاهر .
وفي ضوء ما سبق يمكن التخليص بأنه إذا ثبت لقاء الراوي بشيخه ، واشتهرت صحبته له ، وتبين من خلال جمع الروايات ومقارنة بعضها ببعض أنه قد انتفى ما يعكر صحة سماعه منه لذلك الحديث الذي رواه ، فيكون ذلك المعول عليه في معرفة اتصال سنده ، وإن لم يرد عن ذلك الراوي تصريح بالسماع .
أقول : هذا غريب من قائله ، لأن المثال الذي ذكره لتوضيح صورة (المؤنن) لا يصلح لأنه بصدد بيان اختلاف العلماء حول إفادته الاتصال والانقطاع ، فإن المثال لا يختلف في اتصاله أحد ، لأنه صرح باتصال السند حيث قال : (أن فلانا حدثه) ، فصيغة (حدثه) – سواء استخدام معه كلمة (أن) أو لا – صريحة بسماع الراوي من شيخه ، وإذا استخدمت فيه (أن) يفيد التأكيد على الاتصال ، إذن كيف يقال بوجود الاختلاف حول هذا الإسناد المؤنن في إفادة الاتصال ، إذن كيف يقال بوجود الاختلاف حول هذا الاسناد المؤنن في إفادة الاتصال والانقطاع ؟ والمثال الثاني ليس له صلة بأن في إفادة الاتصال أو الانقطاع ، فإن كلمة (حدث) أو (قال) أو (أخبر) – سواء استخدمت فيها (أن) أو لا – غير صريحة في إفادة الاتصال ، بل تفيد الاتصال إذا لم يكن الراوي مدلسا ، وليس لأنأنته صلة في ذلك . ومن المعلوم أن (أن) لا تشكل بمفردها السند ، فلا يقال : (أن فلانا أن فلانا) ، وليس لها معنى إلا إذا جاءت مع كلمة ، مثل (حدثني) أو (حدث) أو (قال لنا) أو (قال) ونحوها ، بخلاف (عن) فإنها تستقل بالمعنى ، وتتكون منها الأسانيد ، ويقال "الإسناد المعنعن" .
وقياسا على ذلك قيل : "المؤنن" ، ولم يرد هذا المصطلح في كلام القدامى ممن تطرق لبيان ذلك ، كمسلم وابن عبد البر وحتى العلائي من المتأخرين .
والواقع أن المؤنن الذي وقع فيه اختلاف بين العلماء هو الإسناد الذي ينتهي بـ (أن)، ومثاله : "عن مالك عن سعيد بن المسيب أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم " فأن هنا ليست كعن لأن (أن) هنا تفيد الانطقاع ، وأما إذا قيل المثال (عن) مثلا : عن سعيد بن المسيب عن رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفاد الاتصال هنا ، فإن سعيدا يحكي عن رجل .
وأما (المؤنن) كما في المثال المذكور آنفا فلا يفيد إلا الانقطاع ، لأنه لم يكن حاضرا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا معنى قوله الإمام البرديجي أن (أن) محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر . وفي مثل هذا تفيد (أن) الانقطاع ، ولن تكون (أن) مثل (عن) .
وأما قول بعض الأئمة أن (عن وأن) سواء ، فمثال ذلك كما قال ابن عبد البر : مالك عن هشام بن عروة أن أباه قال ، ولا يختلف هذا الإسناد عن الإسناد المعنعن الذي فيه (عن أبيه) بدلا (أن أباه قال) ، وكلاهما سواء في إفادة الاتصال والانقطاع . وهذا الموضع بحاجة إلى مزيد من التضويح والأمثلة .
+++++

(1/17)


خلاصة الفكر حول مسألة الاتصال
خلاصة القول حول مسألة الاتصال :
أن صيغ التلقي التي ترد في السند ك (حديثنا) و (أخبرنا) وعنعنة غير المدلسين ، وغيرها مما سبق ذكره ، تعد أصلا في معرفة اتصاله وانقطاعه عموما ، غير أنه قد تعتريها بعض الحالات ، تجعل تلك الصيغ غير معول عليها لدى النقاد في معرفة الاتصال ، وذلك لأسباب يعرفونها ؛ منها:
وهم أحد الرواة في استخدام صيغة التحديث بدلا عن الصيغة التي ذكرها شيخه .
توسع الراوي في استخدام صيغة التحديث في غير معناها الحقيقي تجاوزا .
وبالتالي يكون الاعتماد في ذلك على ما نص عليه الأئمة في هذا المجال ، كما أن المعاصرة قد لا تكفي بمردها في ثبوت الاتصال ، لا سيما في حالة وجود نص صريح من أولئك الأئمة النقاد على انقطاع السند ، اللهم إلا إذا توفرت عند الباحث المعاصر معرفة تاريخية دقيقة وشاملة حول ذلك الراوي ، ومدى علاقته بمن روى عنه ، وكيف تلقى ذلك الحديث منه بالتحديد ن وذلك من خلال جمعه الروايات ، وفقه نتائج المقارنة بينها ، واطلاعه على آراء الأئمة(1) .
ولعل من المفيد ذكر بعض الأمثلة لندلل على أن معرفة الاتصال تتوقف على خلفية علمية تاريخية ، وأنها لا يكفي في ثبوت ذلك الاعتماد صيغ التلقي في بعض الأحيان ، وحتى لو كانت المعاصرة بين الرواة جلية في ضوء التاريخ
قال الإمام أحمد :
" حج عيسى بن يونس سنة ثلاث وثمانين ، في السنة التي مات فيها هشيم ، وخرجت إلى الكوفة في تلك السنة فمرضت ورجعت ، وقدم عيسى الكوفة بعد ذلك بأيام ، ولم أسمع منه ، ولم يحج عيسى بعد تلك السنة ، وعاش بعد ذلك ستين " . (العلل ومعرفة الرجال 1/559 ، تحقيق وصي اتلله ، وط:الأولى سنة 1408هـ ، المكتب الإسلامي ، دار الخاني ، بيروت) .
ومن له إحاطة بمثل هذا الحدث التاريخي الذي يتعرض له آحاد الرواة لا يتسرع إلى إثبات السماع بين الرواة بمجرد وجود المعاصرة ، أو بإمكانية السماع ، حتى ولو وقع من الراوي من صيغ التحمل ما يدل ظاهره على ذلك ، لاحتمال أن يكون قد وقع ذلك خطأ أو تساهلا أو تدليسا منه أو ممن بعده .
وقال الإمام أحمد :
" يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من الزهري ابن شهاب شيئا ، إنما كتب إليه الزهي ، ويروي عن رجل عنه ، لم يسمع من الزهري شيئا " .
وقال الإمام أحمد :
وقال مرة : " يزيد ابن أبي حبيب عن الزهري كتاب إلا ما سمى بينه وبين الزهري " (العلل ومعرفة الرجال 1/538) .
وفي هذين النصين وغيرهما من النصوص التي ترد في كتب العلل وكتب الضعفاء ما يؤكد على أن اتصال السند تتوقف معرفته بقدر كبير على خلفية إسنادية وتاريخية ، وأنه لا يتأهل أحد لذلك بمجرد نظر سطحي في صيغ التلقي الواردة في سلسلة الإسناد ، وبمراجعة عامة لتاريخ رواة الحديث.
وأما أهمية هذا العنصر في معرفة صحة الحديث فتكمن في أن العنصر الثالث الذي سيأتي الحديث عنه مباشرة يتوقف البحث عنه بقدر كبير على معرفة مصدر الراوي الذي سمع منه الحديث ، إذ لو لم يعرف ذلك المصدر وأصبح الإسناد منقطعا لكان البحث عن الواقع الحديثي أو العملي أو التاريخي الخاص به متوقفات ، وبالتالي لا يعرف هل أخطأ الراوي في روايته عن مصدره الحقيقي أو أصاب ، وه لحدث عنه فعلا كما سمعه منه . كما سيتضح ذلك جليا في المبحث الآتي .
+++++
__________
(1) ولذلك يجب على الباحث الذي يتصدى لمهمة تصحي الأحاديث وتعليلها أن يكون عالما بملابسات كل رواية ، وملما بتتبع القرائن التي تحف بها ، وفاهما بما تضمنه نصوص النقاد من الأبعاد النقدية ، ومراعيا لأسباب تداخل الروايات على رواتها عموما .
ولصعوبة نقد الحديث في العصور المتأخرة يقول الحافظ الذهبي :
" وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث ، فإن أولئك الأئمة ، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود ، عاينوا الأصول ، وعرفوا عللها ، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد ، وفقدت العبارات المتيقنة ، ويمثل هذا ونحوا فطالت علينا الأسانيد ، وفقدت العبارات المتيقنة ، وبمثل هذا ونحوه دخل داخل على الحاكم في تصرفه في المستدرك "الموقظة للذهبي : ص46 ، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ، ط2 ، سنة 1412هـ ، دار البشائر الإسلامية ، بيروت) .
ولئن أطلت الحديث في مسألة اتصال السند بعض الشيء فذلك إحساسا مني بخطورة ما يروج في بعض البحوث المعاصرة من تساهل كبير في الحكم على السند باتصاله معتمدا على ظاهر صيغ التلقي، أو على تاريخ الراوي العام ، الذي يمكن الاستدلال به على وجود المعاصرة بينه وبين من روى عنه الحديث ، وإمكانية سماعه منه عموما ، في الوقت ا لذي يتفق فيه أئمة النقد على أن السند منقطع ، والراوي لم يسمع أصلا ممن فوقه ، أو لم يسمع منه ذلك الحديث بعينه . =

(1/18)


العنصر الثالث عدم مخالفة الحديث الواقع
وبقى لنا العنصر الثالث ، وهو عدم مخالفة الواقع ، أو الواقع العملي ، ويتحقق هذا العنصر إما بموافقة ما رواه الراوي الأمر الواقع في رواية ذلك الحديث ، أو بتفرده بما له أصل في الواقع ، ويعد هذا من أهم عناصر التصحيح ، إذ يعتبر الحديث صحيحا بمجرد تحقق هذا العنصر، وإن كان روايه ضعيفا بشرط أن لا يكون متروكا ، كما أن هذا العنصر يكون في غاية من الدقة والغموض ؛ حيث يحتاج الناقد في معرفة ذلك إلى خلفية علمية وملكة نقدية .
ولذلك قال يزيد بن أبي حبيب : "إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة"(1) .
وقال بعض الحافظ : " إن لم يكن للحديث عندي مائة طريق فأنا فيه يتيم"(2) .
وقال الإمام علي بن المديني : "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه"(3) .
وقال ابن معين : " لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه"(4) .
وقال الإمام أحمد : " الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه ، والحديث يفسر بعضه بعضا"(5).
+++++
__________
(1) كتاب الجامع لأخلاق الراوي 2/212 للخطيب البغدادي .
(2) سنن الدارمي 1/161 ، كتاب التعديل والتجريح 1/386 ، (تحقيق أبو لبابة ، ط1 . سنة 1406هـ ، دار اللواء) .
(3) الجامع لأخلاق الراوي 2/295 .
(4) تاريخ بغداد 6/94 ، سير أعلام النبلاء 12/150 .
(5) الجامع لأخلاق الراوي 2/212 ، وأما اليوم فقد خرق الناس نهج المحدثين ، وكثر فيهم من يعرف الحديث من خلال رواية واحدة !! وإذا أنكر عليه أحد تساهله في ذلك واستعجاله في الحكم ، ونصحه باحترام النقاد ، فإنه يكون قد عرض نفسه للخطر ، والله المستعان .

(1/19)


الواقع الحديثي
أم الواقع الحديثي فأعني به ما ثبت عن المحدث الذي روى عنه الحديث ، فبمقدور الناقد أن يقف على الواقع ، وتحديده بكل دقة ، من خلال معاينته أصول ذلك المحدث ، أو بحفظ ما يتداوله أصحابه الثقات عنه ، لا سيما أكثرهم مجالسة له وحفظا وضبطا لأحاديثه .
وفي هذا الصدد تصدر عن النقاد عبارات مختلفة : كقولهم : (المشهور عن فلان كذا) و (المحفوظ في هذا الحديث كذا) و (الثابت عن فلان كذا) و (ما رواه الثقات عنه كذا) ، ونحو ذلك من عبارات النقد التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء وسنن الترمذي .
ولعل من المفيد أن أذكر هنا أنموذجا لذلك :
قال الإمام أحمد – وهو في مناسبة ذكر الوهم الذي وقع فيه شيخه وكيع ، أحد كبار أئمة الحفاظ المكثرين - : " الحديث الذي رواه وكيع عن ابن أبي ذنب عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الظهر والعصر ، إنما هو حديث داود بن قيس هو من حديث ابن أبي ذئب"(1) .
وتفيد هذه العبارة بأن الأمر الواقع في هذا الحديث هو أن يضاف إلى داود بن قيس ، وليس إلى ابن أبي ذئب . فإذا خالف أحد هذا الواقع الثابت في رواية هذا الحديث يعتبر واهما ومخطئا، ولا يثق بذلك إلا من قد مارس منهج القوم وأحاط بأسسه وتيقن دقته(2) .
+++++
__________
(1) علل الإمام أحمد 2/30 .
(2) ومن الجدير بالذكر مخالفة الراوي للأمر الواقع ، أو تفرده بما لا أصل له ، تكون هي المناط في مفهوم مصطلح (الشاذ) المعبر عنه بمخالفة الثقة لما رواه الجامعة ، أو بمخالفته للأوثق . وعلى هذا يكون معنى الشاذ هو : مخالفة الراوي للواقع الحديثي ، أو تفرده بما لا أصل له ، كما سيأتي في الموضع الثاني من هذه الوحدة .

(1/20)


الواقع العملي
وأما الواقع العملي فأقصد به العمل المشهور عن الشيخ ، أو فتواه ، أو عقيدته ، أو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة في الجانب العملي(1) .
ولإيضاح هذا الأمر أذكر هنا مثالا واحدا ، روي عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله ما الطهور بالخفين ؟ قال : للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن(2) .
يقول الإمام مسلم : "هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة ، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين ، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به ، فلما أنكره الذي في الخبر من قوله : ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم ، والقول الآخر : ما أبالي على ظهر حمار مسحت أو على خفي ، بان ذلك أن غير حافظ المسح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن من أسند ذلك عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم واهي الرواية ، أخطأ فيه إما سهوا أو تعمدا"(3) .
لقد رسم الإمام مسلم من خلال هذه الفقرة منهج نقده لحديث أبي هريرة في المسح ، وأن ه أعل هذا الحديث لكونه مخالفا لما ثبت عنه من إنكاره مسح الخفين .
وهذه صورة مخالفة الحديث الواقع العملي ، ومراعاة ذلك عند التصحيح.
فإذا كان الحديث الذي يروى عن شخص مخالفا لما ثبت عنه ، أو لم يكن له أصل عنده ، فإنه يتوقف عن قبوله كل من يعرف ذلك ، دون أن يغتر بظاهر سند الحديث ولا بشخصية رواية(4) .
__________
(1) لعلماء الأصول في ذلك قاعدة كلية لمعالجة مسألة : "إذا عمل الراوي بخلاف حديثه الذي رواه" ، وبموجب هذه القاعدة يبقى الحديث ثابتا عندهم ، وأنهم لا يحكمون بضعفه لاحتمال كون الراوي قد ترك العمل به لوجود دليل أقوى ، أو للاحتياط ، أو لوجود إشكال عنده ، أو لأنه يرى الحديث منسوخا .
لا يكون هذا الموقف مسلما إلا إذا ثبت الحديث عمن أضيف إليه ، وأما قبل ثبوته عنه ، ولمجرد كون الحديث قد أضيف إليه من قبل ثقة أو غيره فلا ، ولذلك فتعميم هذه القاعدة حتى في الحال التي لم يثبت فيها الحديث عن الراوي يكون غير منهجي ، وإن عمل الراوي بخلاف الحديث قد يشكل لدى النقاد قرينة قوية على خطأ رواية ذلك الحديث عنه ، لا سيما إذا كان الثقات قد رووا هذا الحديث عن راو آخر ، كما في المثال .
يمكن التفريق بين الثابت وغيره في مثل هذه المناسبة بشهر الرواية وغرابتها ، ففي حال ثبوت الحديث عن الراوي يكون مشهورا بين الثقات ، وأما في غير ذلك فيكون الحديث غريبا عن الراوي ، لا يعرفه الثقات . والله أعلم .
(2) الإمام مسلم في التمييز ص209 ، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف 1/209، وابن عدي في الكامل 5/64 .
(3) التميز ص 208-209 .
(4) وبقدر ما يتوفر لدى الناقد من المعرفة والفهم والذوق الحديثي يحس عن يقين بأن ذلك الحديث خطأ، أو يغلب عليه الظن بذلك .
ولا شك أن هذه الأمور تكون في غاية من الدقة والغموض ، ولا يقف على حقيقتها إلا الناقد الجهيذ، وليس لغيره إلا التسليم له والقبول ، لا سيما فيما يخص التمييز بين حالتي التفرد : التفرد بما له أصل والتفرد بما ليس له أصل .
وبقدر مطابقة الراوي للواقع ومخالفته له وتفرده بما له أصل أو بما ليس له أصل ، يحدد المحدثون درجات ذلك الراوي في الحفظ والضبط والإتقان عموما ، ومراتبه في سلم الجرح والتعديل بدقة بالغة.
وذلك أن الراوي إن كان صادقا فيما رواه عن شيخه ، ومنصفا في نقله ، فإن بذلك يصبح مطابقا لغيره من الثقات ، أو منفردا بما له أصل ثابت عن ذلك المصدر . =

(1/21)


نماذج توضيحية لتصحيح النقاد أحادي الضعفاء(1)
ولعل من الأفضل أن أسوق هنا بعض الأمثلة ليكون الموضوع واضحا وجليا .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن فضيل بن سليمان جملة من الأحاديث على سبيل الاحتجاج والتصحيح ، وفضيل بن سليمان ليس من الثقات ، بل ممن ضعف لسوء حفظه ، ولذلك قال الحافظ ابن حجر ملخصا آراء النقاد حول مرتبته : (صدوق له خطأ كثير) .
منها : ما أخرجه البخاري عن فضيل بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالو : إن قوما يأتونا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ قال: سموا الله وكلوه(2) ، وهو ما وافقه أبو خالد سليمان بن حيال الأحمر ومحمد بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن محمد وأسامة بن حفص(3) .
كما أخرج البخاري في صحيحه ما صح من أحاديث إسماعيل بن أبي أويس مع أنه قد أتفق النقاد على تضعيفه ، على وجه الاعتماد والتصحيح ، وليس على وجه الاستئناس والاستشهاد .
وقد جمع الحافظ ابن حجر في مقدمة شرح لصحيح البخاري أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم ممن أخرج لهم الإمام البخاري في صحيحه ، سواء على سبيل الاعتماد والاحتجاج ، أو على سبيل الاستئناس والاستشهاد ، وعقد لذلك فصلا خاصا .
وكذلك الإمام مسلم في صحيحه لم يختلف أسلوبه في ذلك عن أسلوب الإمام البخاري ، فقد أخرج مسلم على وجه التصحيح ما صح من أحاديث سويد بن سعيد واسباط بن نصر ، وقطن بن نسير ، وأحمد بن عيسى المصري ، وهم متكلم فيهم لسوء الحفظ(4) .
ومن أحاديث الضعفاء التي نصل الإمام الترمذي على صحتها ما رواه شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قال : "من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ، ما كان يبول إلا قاعدا" .
وقال الترمذي : " حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح"(5) .
وحديث شريك هذا مما تابعه فيه سفيان الثوري (6).
وشريك مشهور بالضعف ، ومع ذلك صحح حديثه لإمام الترمذي بقوله : (حديث عائشة أحسن وأصح) (7).
وفي هذه النماذج ما يؤكد أن ما رواه الضعيف إذا وافق أحاديث الثقات أو الواقع الحديثي يعد صحيحا على منهج نقاد الحديث ، لكونه قد حفظه بإتقان وضبط ، وبالتالي فلا داعي لإخراج هذا النوع من الأحاديث الصحيحة من حد الصحيح ، ولا لذكر القيود فيه ليتحرز بها من الصدوق والضعيف(8) .
ولعله يرى عدم اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحيح لأنه هناك لم يصرح عنه نفسه باختيار شيء ، بل اقتصر على نقل ما عند المحدثين " . (النكت 2/653) .
وهنا قد أكد الحافظ أن نفي الشذوذ من شروط الصحيح عند المحدثين ، دون غيرهم .
ثم إن الحافظ ابن حجر - في أثناء رده على الإمام الدار قطني فيما كان يعترض على الإمام البخاري بأحاديث أختلف الرواه فيها - لم يكن يدعي أن الشذوذ ليس قادحا في صحة الحديث ، وأن انتفاءه في الحديث ليس شرطا في ذلك لدى أصحاب الصحاح .
وفيما يبدو أن هذا الكلام لم يصدر من الحافظ ابن حجر على سبيل التعقيد والتأصيل ، وإنما هو مجرد نزاع في مسألة الشاذ ، كما عبر عن ذلك السخاوي بقوله : "إن الحافظ قد مال إلى النزاع" ، وكيف لا‍! وهو الذي حرر مسألة الشذوذ ، مؤكدا على قدحها في صحة الحديث .
على أن كتب العلل والسنن والمسانيد تزخر بأحاديث الثقات التي أعلها النقاد بالمخالفة والتفرد ، وليس من الإنصاف العلمي غض الطرف عن هذا الواقع الملموس ليعول على قول الحافظ الذي يعد مجرد نزاع في مسألة الشذوذ الذي يكون عبارة عن المخالفة : هل يشترط في الصحيح خلوه من شذوذ أو لا ، دون أن يؤصل ذل كفاعدة .
__________
(1) وأما إذا كذب الراوي في الرواية ، أو اخطأ فيها فيسفر ذلك عن تصادمه بالواقع ، أو تفرده بما لا أصل له في أحاديث شيخه . وهذا هو شأن الكاذبين والمخطئين والواهمين في نقل الأخبار ، ولا يحس بغلطهم وكذبهم إلا من له معرفة سابقة حول ملابسات موضوع تلك الأخبار. كما يقول المثل : "أهل مكة أدرى بشعابها" .
( ) انظر كتاب (منهج البخاري في التصحيح والضعيف من خلال الجامع الصحيح) للأخ أبي بكر الكافي جزاه الله خير الجزاء ص149 - 158 .
(2) كتاب البيوع ، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات 4/345 .
(3) أنظر البخاري ، كتاب التوحيد ، باب السؤال بأسماء الله .. 13/391 ، وكتاب الذبائح والصيد ، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم 9/550 .
(4) صيانة صحيح مسلم ص94 - 98 .
(5) سنن الترمذي 1/17 (تحقيق أحمد شاكر) .
(6) رواه الحاكم في مستدرك 1/189 من طرق متعددة عن سفيان .
(7) واعترض على الإمام الترمذي في تصحيحه شراح سنن الترمذي وسنن النسائي وغيرهم ، بحجة أن شريكا ضعيف ، وقال بعضهم : إن قوله : حديث عائشة أصح وأحسن لا يدل على صحته، ولذلك قال ابن القطان : "إنه لا يقال فيه صحيح ، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف" .
أقول : لا مجال لهذا الاعتراض على الترمذي فإنه وغيره من الأئمة النقاد ، يصححون من أحاديث الضعفاء ما تأكدوا على أنهم قد حفظوه بضبط وإتقاتن ، كما سبق .
وأما مصطلح (هذا أصح بشيء في الباب وأحسن) فيفيد الصحة عنده ، بخلاف قوله : (أحسن شيء في هذا الباب حديث فلان) أو (أصح شيء في هذا الباب حديث فلان) ، إذ لا يفيد إلا مطلق الترجيح من بين المرويات التي وردت في الباب ، وهذا ما تبين لي بالاستقرار ، حيث يستخدم الإمام الترمذي في سننه مصطلح (حديث فلان أحسن وأصح) فيما صححها البخاري ومسلم .
وعليه فإن هذا المصطلح المركب يكون أكد في إفادة الصحة من قوله المعتاد : (حسن صحيح) . والله أعلم .
(8) هنا لفتة علمية مهمة لابد من التلويح إليها في هذه المناسبة ، وهي :
أن بعض المعاصرين يصححون الأحاديث بناء على ظاهر سندها ، حتى وإن أعلها نقاد الحديث بالتفرد أو المخالفة . وربما يستدلون في ذلك بقول الحافظ ابن حجر الذي ورد في تدريب الراوي (1/65) :
" وهو (يعني أن يشترط خلو الحديث من شذوذ) مشكل ، لأن الإسناد إذا كان متصلا وكان رواته كلهم عدولا ضابطين ، فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ، ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته ؟ فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف ، بل يكون من باب صحيح أو أصح" .
ثم قال : "فإن قيل " يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به ، قلت : لا مانع من ذلك ، إذ لس كل صحيح يعمل به ، بدليل المنسوخ" أهـ.
وإن كان هذا النص يفيد بظاهره أن ثقة الراوي واتصال السند يكفيان في الحكم على الحديث بصحته، وأن خلوه من شذوذ وعلة ليس من شروط الصحيح ، غير أن الحافظ نفسه ينقض هذه القاعدة جملة وتفصيلا ، ولذا فإن هذا النص الذي يعد غريبا بالنسبة إلى الحافظ ابن حجر لا يصح اعتماده ، دون عرضه على نصوصه وأعماله التي تدل بوضوح على أنه يعتبر خلو الحديث من شذوذ وعلة من أهم شروط الصحيح .
وإليك بعض هذا النصوص .
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله :
"صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط ، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة" . (النكت 1/404) .
وقال أيضا : "وهذا (يعني قبول زيادة الثقة مطلقا) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول ، وجرى على هذا الشيخ محيي الذين النووي في مصنفاته . وفيه نظر كثير ؛ لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم . ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعني بمروياته ، كالزهري وأضرابه ، بحيث يقال : إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه ، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها ، والذي يغلب على الظن في هذا ,أمثله تغليط راوي الزيادة .
" وقد نص الشافعي في (الأم) على نحو هذا فقال في زيادة ملك ومن تابعه في حديث : "فقد عتق منه ما عتق) : إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه ، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد وهو فرد ، فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددا أنها تكون مردودة . انتهى (النكت 2/688) .
= وقال أيضا في رده على الدار القطني :
" وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل" . (هدي الساري مقدمة فتح الباري ص1/11) .
وقال أيضا :
" وأما المخالفة فينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط والصدوق شيئا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا ، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير قد بين في الفصل الذي قبله بحمد الله تعالى . (هدي الساري 1/384 - 385) .
هذا ، والحافظ ابن حجر قد صرح بأن سلامة الحديث من الشذوذ والعلة شرط أساسي في الصحيح، حيث قال في تعريف الصحيح :
" خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته" . (شرح النخبة ص54- تحقيق نور الدين عتر ط2 . ، سنة 1414هـ الصباح ، دمشق) .
وقال أيضا مستدركا على تعريف ابن الصلاح :
"وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح ، فيقال : هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه ، إذا اعتضد ، عن مثله إلى منتهاه ، ولا يكون شاذا ولا معللا ". (النكت 1/417) .
وقال تعليقا على ابن الصلاح في مبحث تعارض الوصل والإرسال .
" وهنا شيء يتعين التنبيه عليه ، وهو : أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذا . وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عددا ، ثم قالوا : تقبل الزيادة من الثقة مطلقا فلو اتفق أن يكون من أرس لأكثر عددا أو ضبط حفظا أو كتابا على من وصل ايقبلونه أم لا ؟ أم هل يسمونه شاذا أم لا ؟ لابد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض" . (النكت 2/612).
ثم قال الحافظ في مبحث الشاذ : "وعلى المصنف " (يعني ابن الصلاح) إشكال أشد منه وذلك أنه يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذا كما تقدم ، ويقول : إنه لو تعارض الوصل والإرسال قدم الوصول مطلقا سواء كان رواه الإرسال أكثر أو أقل حفظا أم لا ، ويختار في تفسر الشاذ أنه الذي يخالف روايه من هو أرجح منه . وإذا كان راوي الإرسال أحفظ ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة فقد ثبت كون الوصل شاذا فكيف يحكم له بالصحة مع شرطه في الصحة أن لا يكون شاذا؟".
وتابع الحافظ قائلا : "هذا في غاية الإشكال ، ويمكن أن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة إنما يقوله المحدثون ، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال ، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك ، والمصنف قد صرح باختيار ترجيح الوصل على الإرسال=

(1/22)


هذا ويمكن الجمع بين ذلك القول وبين هذه النصوص ، بأن القول السابق الذي هو مصدر شبه لدى بعض المعاصرين إنما هو في حالة عدم تبين خطأ المخالف من خلال القرائن ، إذ المخالفة لا تعتبر بحد ذاتها شاذة ، وقد أوضح ابن الصلاح وغيره من الأئمة ، ومنهم الحافظ ابن حجر ، في نوع العلة بأن المخالفة أو التفرد التي تصحبها قرائن تنبه العارف بهذا الشأن أنه خطأ ووهم ، هي التي تعد علة، وليس مجرد المخالفة ، ولعل هذه المخالفة هي التي تكون موضوع تساؤل الحافظ ابن حجر ، فيما أرى. (والله تعالى أعلم وأجل) .

(1/23)


تلخيص الفكرة المنهجية حول مصطلح الصحيح وأبعاده النقدية
بعد هذه الجولة يكون من المفيد أن نلخص ما سبق من القضايا المنهجية ، وذلك كما يلي:
إذا توفرت في الحديث عدالة رواية واتصال سنده ، وسلم من شذوذ وعلة يعد صحيحا ، وإن كان رواية ضعيفا .
منهج المحدثين في التصحيح هو التأكد من موافقة الحديث للواقع ، أو تفرد الراوي بما له أصل ، وذلك من خلال القرائن المحيطة به .
الجرح والتعديل ليس هو أساس التصحيح والتضعيف عند المحدثين النقاد كما يزعم كثير من الناس اليوم ، بل هو نتيجة تمخض عنها نقدهم للأحاديث تصحيحا وتضعيفا .
معنى سلامة الحديث من شذوذ وعلة ، هو أن لا يكون مخالفا للواقع ، ولا غريبا ليس له أصل .
تكون مهمة التصحيح من اختصاص المحدثين النقاد الذين يعرفون القرائن التي تحيط برواية الأحاديث ، وملابساتها ، دون غيرهم ، وإن كانوا من كبار الأئمة في مجالات أخرى ؛ كالفقه والتاريخ والتفسير وغير ذلك من العلوم الشرعية .
قد تكون ثقة الراوي معولا عليها في الحكم على الحديث ، وذلك فقط حين يصعب على الناقد معرفة ا لواقع المتعلق بالحديث الذي يريد تصحيحه . وعلى هذا المحمل يحمل من نصوص بعض النقاد ما يدل ظاهره على إطلاق الحكم بصحة ما رواه الثقة عن الثقة ، وحجته . وسيأتي قريبا هذا الموضوع بمزيد من التفصيل إن شاء الله تعالى.
قول الترمذي (حسن صحيح) لا يختلف في المعنى عن قول النقاد (صحيح) .
ما رواه الضعيف قد يكون صحيحا ، كما قد يكون ما رواه الثقة ضعيفا ، ومن كانت رتبه متوسطة بينهما - كالصدوق مثلا - يكون أولى بذلك كله . وبقدر ما يكون للراوي من تفوق علمي يقل وهمه وشذوذه ، وأما أن يكون معصوما من الأخطاء والشذوذ فلا .
تأسيس الفكرة حول هذا الواقع المهم يجعل الباحث وقافا عند أقوال النقاد ، ويمنعه من استعجاله بالحكم على الحديث تصحيحا أو تضعيفا أو تحسينا وفق مراتب رواته في سلم الجرح والتعديل .
إذا اتفق النقاد على تصحيح حديث أو تضعيفه لا ينبغي لنا اعتراضه بل يتعين قبوله، لأن صحة الحديث ليست تابعة لحال الراوي فقط بل يرجع الأمر فيها إلى شعور الناقد بوقوع خطأ فيه من راويه أو عدمه . وهذا متوقف على خلفية علمية حديثة وتاريخية كما سبق .
إن عملية التصحيح مهمة علمية يحتاج فيها الناقد إلى خلفية علمية واسعة تؤهله لمعرفة الواقع الحديثي والعملي ، ولا يستطيع القيام بها عابر سبيل في مصطلحات علوم الحديث . وبدون المعرفة الحديثية لا ينبغي لأحد تصحيح الأحاديث ولا تضعيفها . حتى الحكم على الأسانيد اتصالا وانقطاعا وتدليسا وإرسالا(1) .
ولكي يتم تأسيس فكرة منهجية واضحة حول منهج المحدثين في تصحيح الأحاديث يحسن بنا أن ننظر في تعريف الصحيح الذي استقرت عليه كتب المصطلح ، وربطه مع منهج نقاد الحديث في التصحيح .
ولا شك أن هذه المقارنة تكون أنفع وأجدى لوقف الطالب على حقيقة ما تحويه المصطلحات وتعريفاتها من القضايا الجوهرية إن شاء الله تعالى .
__________
(1) ولذا قال البيهقي : " وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه لا يعرف بعدالة الرواة وجرهم وإنما يعرف بكثرة السماع ومجالسة أهل العلم بالحديث ومذاكرتهم والنظر في كتبهم والوقوف على روايتهم حتى إذا شذ منها حديث عرفه" . (معرفة السنن والآثار 1/144) .
وقال الحاكم : "إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط ، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (معرفة علوم الحديث ، ص59) .
ولهذا قال الحافظ ابن حجر : " ... صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط ، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة" .

(1/24)


الصحيح في كتب المصطلح
مقدمة ابن الصلاح وما بعدها
ما سبق اعتماده في التصحيح من العناصر الثلاثة يشمله تعريف الصحي الذي ذكره ابن الصالح رحمه الله تعالى في مقدمته ، وهو :
" المسند المتصل بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معلولا" .
وهذا التعريف لا يشمل إلا الحديث المرفوع ، إذ جاء مقيدا بقوله : (المسند المتصل) يعني المرفوع .
ولذا فإن اللاحقين ، وإن اتفقوا مع ابن الصلاح في اصل هذا التعريف ، غير أنهم جعلوا التعريف شاملا للمرفوع والموقف ، وأذكر هنا بعض التعريفات على سبيل المثال .
يقول الإمام النووي :
" الصحيح ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة"(1) .
ويقول الحافظ ابن حجر :
" خبر الآحاد بنقل عدم تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته"(2) .
فهذا التعريف كما ترى شاملة للمرفوع وغيره ، حيث لم يقيدوه بكونه مسندا . وهذه ملحوظة فنية . وإما الجانب الذي يهمنا هنا فهو أن هذه التعريفات تضمنت أربعة عناصر، وهي:
أن يكون الراوي عدلا .
أن يكون ضابطا متقنا .
أن يتصل الإسناد .
أن يكون حديثه خاليا من الشذوذ والعلة(3) .
والذي نلحظه في هذه التعريفات هو ذكر قيد زائد على ما سبق شرحه ، وهو أن يكون الرواة معروفي الضبط والإتقان .
وبهذا القيد يخرج من حد الصحيح ما رواه الضعيف ، وكذا ما رواه الصدوق الذي يكون دون مرتبة الثقة ، وعليه فلا تعد أحاديثهما صحيحة ، حتى وإن توبعت من قبل الثقات ، وتيقن صوابها ، وذلك لفقدان شرط من شروط الصحيح ، وهو أن يكون الراوي ضابطا(4) .
__________
(1) تدريب الراوي 1/36 .
(2) المقنع في علوم الحديث 1/14 .
(3) شرح النخبة ص54 ، (تحقيق نور الدين عتر ، ط2 ، سنة 1414هـ ، مطبعة الصباح ، دمشق).
(4) تعقب الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح بن الإشكال ذاته : إذ قال :
"وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح ، وكان على شرط الحسن إذا روي من وجه آخر لا يدخ لفي التعريف الذي عرف به الصحيح أولا ، فإما أن يزيد في حد الصحيح ما يعغطي أن هذا أيضا يسمى صحيحا ، وإما أن لا يسمى هذا صحيحا ، والحق أنه من طريق النظر أنه يسمى صحيحا ، وإما أن لا يسمى هذا صحيحا ، والحق أنه من طريق النظر أنه يسمى صحيحا ، وينبغي أن يزداد في التعريف بالصحيح ، فيقال : هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه ، إذا اعتضد ، عن مثله إلى منتهاه ، ولا يكون شاذا ولا معللا . وإنما قلت ذلك ، لأنني أعتبرت كثيرا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم الحكم عليها بالصحة إلا بذلك". (النكت 1/417) .
وهذا الذي قاله الحافظ ابن حجر هو الحق الذي يتأيد بعمل النقاد عموما ، وبصنيع الإمامين : البخاري ومسلم ، في صحيحيهما خصوصا ؛ إذ لا فرق عندهم في التصحيح بين حديث الثقة والصدوق والضعيف إذا أصاب كل منهم فيما رواه ، غير أن الفرق بينهم هو تفاوت نسبة الصواب والخطأ في المرويات . فنسبة الخطأ في أحاديث الثقة تكون أقل بالنسبة إلى الصواب ، وأما الصدوق فتكون نسبة خطئه أعلى من الثقة ، وأما الضعيف فنسبة خطته تكون أكثر بالنسبة إلى صوابه ، ولا تقدر هذه النسبة إلا بقدر مروياته .
هذا إذا جعلنا قول الحافظ : (أو القاصر عنه) شاملا للصدوق غير المتروك ، وأما إذا جعلناه خاصا بالصدوق - كما هو ظاهر كلامه وصنيعه في جعل حديث الضعيف حسنا لغيره إذا تقوى - فلا يكون تعريفه جامعا لما يصح من أحاديث الضعيف . وسيأتي ما يعزز هذه الفكرة من الأمثلة الحديثية من الصحيحين . إن شاء الله تعالى .

(1/25)


كيف يوجه قول ابن الصلاح
ليكون تعريف ابن الصلاح للصحيح خاليا من الاعتراض - وهو أنه لم يكن جامعا لنوعيه، وهما الصحيح لذاته ، والصحيح لغيره - يمكن توجيهه بأحد الاعتبارين ، وهما :
أ- أن التعريف الذي ذكره ابن الصلاح إنما قصد به الصحيح لذاته ، دون النوع الثاني ، وبالتالي يكون ضبط الراوي وإتقانه قيدا مهما في تعريف (الصحيح لذاته) ، كما جاء تعريف الحافظ ابن حجر مقيدا بذلك ، وهذا التوجيه واضح وجلي .
ب- أن التعريف جامع لقسمي الصحيح : صحيح لذاته وصحيح لغيره ، لكن تكون ثقة الراوي شرطا أغلبيا للصحيح ، وليس شرطا احترازيا يحترز به عن حديث الصدوق والضعيف.
وتوضيح هذا التوجيه أنك إذا تتبعت كتب الصحاح وما صححه النقاد عموما من الأحاديث وجدت أكثرها من مرويات الثقات ، كما تجد أكثر مرويات الثقة صحيحة ، ولولا ذلك لكان راويها ضعيفا ، بينما تكون أغلب الأحاديث الضعيفة من مرويات الضعفاء ، كما تكون أكثر مرويات الضعيف ضعيفة أيضا ، ولولا أن الأمر كذلك ما كان راويها ضعيفا، بل يكون من الثقات ، وبناء على هذا الواقع لعل ابن الصلاح اضاف في التعريف أن يكون الراوي ضابطا .
ولو كان هذا التوجيه مطابقا لما قصده ابن الصلاح من ذكر هذا القيد في تعريفه للصحيح لكان التعريف سليما من الاعتراض السابق ذكره ، ومنسجما مع عمل النقاد القدامى عموما ، إذ يطلقون الصحة على ما قد حفظه الضعيف وأتقنه من الأحاديث(1) .
ثانيا : ما يتعلق باتصال السند .
أما الأمر الأول فيرجع إلى الفقرات من 1 إلى 4 .
ولا يخهد ش في ذلك قوله في الفقرة الرابعة : " ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي " لأنه يرجع أيضا إلى حال الراوي ، وليس إلى حديث معين بذاته ، وإن كان هذا قد يفهم من ظاهر هذا المقطع.
وبين هذين الأمرين فرق واضح ؛ إذ الأول وصف عام للراوي ، والثاني وصف خاص للحديث ، ولا تلازم بينهما .
توضيح ذلك أن مفاد هذا المقطع هو :
أن يتعود الراوي على أن لا يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف حديث الثقات عن النبي صلى ا لله عليه وسلم . يعني ذلك أن يكون نادرا الغلط في مروياته عموما ، وذلك ليثق الناقد بما يتفرد بروايته ، وتطمئن نفسه إلى صوابه في حالة ما إذا لم يتوافر لديه من القرائن والمعلومات ما يدل على وهمه أو صوابه ، حيث تشكل الحالة العامة للراوي حينئذ أصلا يرجع إليه .
ولذا يكون الأقرب إلى الصواب أن يرجع مفاد هذا المقطع إلى حال الراوي العام ، وليس إلى حديث معين بذاته ، وذلك لمطابقته مع سياق النص ؛ إذا كانت الجمل :
" ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي " معطوفة على كلمة (أن يكون مدلسا) السابق ذكرها، فعلى هذا يكون المعنى : بريا من أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث الثقات خلافه عن النبي" ، وهذا وصف عام للراوي ، كما في الجملة السابقة في التدليس سواء بسواء .
ثم إن هذه الجملة أفادت بذاتها أن المقصود هو الحال العام للراوي ، حيث أن لفظه (ما يحدث الثقات) مبهمة تفيد العموم ، يعني به أي حدث كان يحدث به ، ثم قال : (ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه..) الأمر الذي يعطي للقارئ مزيدا من التوضيح حول الموضوع الذي نحن بصدده ، وهو أن ما تضمنته الفقرات السابقة كله راجع إلى حال الراوي عموما .
وإذا كان مما لابد من أن يكون الراوي ممن لا يحدث مخالفا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن باب أولى أن يكون الحديث الذي رواه يجب أن لا يخالف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة ، ليحتج به ، ويعمل ؛ فإنه في حالة مخالفته له لا يعمل به بدون شك .
وبعد هذا يمكن التخليص بأن جميع هذه الفقرات من رقم 1 إلى 4 ترتكز على تقرير حال الراوي من حيث عدالته وضبطه وفهمه وعنايته بالحديث وصراحته في الراوية .
وأما الأمر الثاني - وهو اتصال السند - فيظهر جليا من الفقرة الخامسة .
وعلى هذا فكون الحديث سليما من شذوذ وعلة لم يتبلور في هذا النص ، كشرط من شروط الصحيح ، بل يكفي عند الإمام الشافعي في الاحتجاج بالخبر أن يكون روايه ثقة عالما ، أو ثقة صاحب كتاب صحيح ، وأن يكون سنده متصلا .
هل قول الإمام الشافعي تعريف لمصطلح "الصحيح؟ ؟
ومن الجدير بالذكر أنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لم يذكر ذلك ، كتعريف عام لمصطلح (الصحيح) ، بل كان شرحه متصلا بأقل ما تقوم به الحجة من الأحاديث ، ويثبت به خبر الواحد عن الواحد ، وذلك في سبيل دفاعه عن موقف أهل السنة والجماعة تجاه خبر الآحاد من السنة. ولذلك جاء كلامه في نوع خاص من الأخبار ؛ حيث كان ذلك محمل خلاف جوهري بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع ممن يشترط العدد من الرواة ليكون الحديث حجة لديهم .
وإذا كان الإمام الشافعي في صدد تحرير مسألة النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم - وهي متى يجب العمل بخبر الواحد عن الواحد الذي لم يحتف به ما يدل على غلطه أو صوابه من القرائن والملابسات ، وهل يكون العمل به مطلقا أم مقيدا بشروط معينة - فإن ابن الصلاح قد عالج موضوعا أعم من ذلك ؛ فوضع تعريفا عاما للحديث الصحيح ، سواء أكان الحديث مشهورا أم لا، وسواء احتفت به القرائن أو لا .
وبالتالي فالذي نلحظه في تعريف ابن الصلاح من بعض الاستدراكات التي سيأتي ذكرها، لا صلة له بفحوى نص الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حيث كان مقيدا بأقل ما يحتج به خبر الواحد عن الواحد. وكون الراوي ثقة يعد شرطا مهما في الاحتجاج والعمل وذلك ليطمئن بحالة العام شعور الناقد إلى أن هذا الراوي لم يكن مخطئا فيما رواه ، مع أن الباطن لا يعلمه إلا الله .
وهذا كله فيما يتصل بتحليل نص الإمام الشافعي رحمه الله تعالى .
وأما بقية الأئمة كالحميدي والذهلي والحاكم والخطيب فلم يتطرقوا أيضا في نصوصهم لذكر سلامة الحديث من شذوذ وعلة ، كما تعرض له ابن الصلاح ، إلا ما تضمنه نص الحميدي والحاكم من إشارة لطيفة إلى ذلك القيد ، كما سيأتي تحليلها ، إن شاء الله تعالى . وإليك نصوصهم مع التحليل.
ثانيا : نص عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري .
قال عبد الله بن الزبير الحميدي :
" فإن قال قائل : فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟ قلت : هو أن يكون الحديث ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متصلا غير مقطوع ، معروف بالرجال ، أو يكون حديثا متصلا ، حدثنيه ثقة معروف ، عن رجل جهلته ، وعرفه الذي حثني عنه ، فيكون ثابتا ، يعرف من حدثنيه عنه ، حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ...
ثم قال : فهذا الظاهر الذي يحكم به ، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه وإداخله بينه وبين من حدث عنه رجلا أو أكثر ، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال ، فلا نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا فلا يسعنا حينئذ فبوله لما ظهر لنا منه " (الكافية ص42-52). =
وإن كان هذا النص يفيد بظاهره أن مدار الاحتجاج هو اتصال السند وثقة الراوي ، كما سبق عن الإمام الشافعي فإن الجملة الأخيرة - وهي قوله : "فلا نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه" - تضمنت إشارة واضحة إلى أن ما رواه الثقة عن الثقة وكان سنده متصلا ، لا ينبغي الإطلاق عليه بأنه حجة ، بل يجب الاستثناء من ذلك ما يظهر للنقاد شذوذه وعلته.
وبهذا الاستثناء وحده يتم التطابق بين فحوى النصوص التي يوهم ظاهرها إطلاق الاحتجاج بخبر الواحد عن الواحد ، وبين طبيعة التطبيق العملي لدى أصحابها ؛ حيث تدل على أن ذلك ليس مطلقا، بل كان الاحتجاج مقيدا بما أشار إليه الحميدي آنفا . وهذا بعينه سبق بيانه في أثناء تحليل نص الإمام الشافعي .
والذي يفهم من خلال المقارنة بين هذه النصوص وبين عملهم التطبيقي أنهم لم يقصدوا بهذه النصوص سوى معالجة قضية تتصل بموقف أهل السنة تجاه خبر الآحاد ، وهي ما مدى وجوب العمل بما رواه الواحد عن الواحد ، في حالة ما إذا لم يكن محتفا به شيء من القرائن التي تدل على صوابه أو غلطه، وما هي معايير الاحتجاج بهذا النوع من السنة .
__________
(1) يبدو من خلال تتبع نصوص الإمام ابن الصالح الآتية في مبحث الحسن والضعيف وغيرهما يظهر لنا ما يمنع هذا التوجيه ؛ إذ يكون مقياس التصحيح والتحسين والتضعيف في هذه المباحث هو حال الراوي ومرتبته في سلم الجرح والتعديل ، فكان ابن الصلاح يعد حديث الصدوق حسنا ، وحديث الضعيف ضعيفا ، وإذا روي حديثهما من طرق أخرى صار عنده حديث الأول صحيحا لغيره ، وحديث الثاني حسنا لغيره ، ولذا فإن القيد المذكور في التعريف لم يكن إلا من أجل أن يحترز مما رواه الصدوق والضعيف . والله أعلم .
وعليه فالإشكال المذكور باق في التعريف ، حيث يكون غير جامع لجميع أنواع الصحيح لدى النقاد، ولذا فحل هذا الإشكال لا يتم إلا بجعل التعريف خاصا بـ (صحيح لذاته) ، كما سبق ذلك عن الحافظ ابن حجر .
هنا فائدتنا ؛ الفائدة الأولى - وهي مهمة - : =
= قد تكون ثقة الراوي شرطا للصحيح .
لم ينفرد الإمام ابن الصلاح بذكر ثقة الراوي قيدا مهما للحديث الصحيح ، بل تبلور ذلك في نصوص الأئمة المتقدمين ؛ كالشافعي والحميدي والذهلي والخطابي والحاكم والخطيب رحمهم الله تعالى جمعيا .وإن كانت نصوصهم تدل بظاهرها على أن مدار الصحيح عندهم أمران ؛ وهما ؛ ثقة الراوي واتصال السند ، فإن ابن الصلاح جعل شروط الصحيح عند أهل الحديث ثلاثة أمور ، وهي : ثقة الراوي واتصال السند والخلو من شذوذ وعلة . وسأركز فيما بعد على هذه النقطة بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى .
وفيما يلي نصوصهم :
أولا : قول الإمام الشافعي :
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : "فقال لي قائل أحدد لي القول ، ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة . فقلت : خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي ، أو من انتهى به إليه دونه ، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا ؛ منها :
أن يكون من حدث به ثقة في دينه معروفا بالصدق في حديثه عاقلا لما يحدث به عالما بما يحيل معاني ا لحديث من اللفظ .
وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع لا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحال إلى حرام وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث .
حافظا إذا حدث به من حفظه حافظا لكتابه إذا حدث من كتابه إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم .
بريا من أن يكون مدلسا : يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه ، ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي .
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه ، حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ، أو إلى من انتهى به إليه دونه ، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه ، ومثبت على من حدث عنه ، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت" . "الرسالة 1/369) .
ويدور هذا النص على أمرين ؛ وهما :
أولا : ما يتصل بحال الراوي عموما ؛ كالعدالة والبط والإتقان وعدم التدليس .

(1/26)


ولقد كان موقف أهل السنة تجاه خبر الواحد عن الواحد هو : أن الحديث إذا جاء براوية الثقة عن الثقة ، وكان سنده متصلا ، يكون صالحا للاحتجاج به ، ويكون ذلك هو الأصل فقط إذا لم يظهر للنقاد ما يدل على أن الحديث فيه خطأ ، وأن في إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهما، وذلك نظرا لما يتصف به ا لراوي الثقة عموما من الوعي والإتقان والعناية ، وأما في الباطن فيحتمل أن يكون وهما أو صوابا ، بخلاف الخبر الذي تحيط به القرائن التي تدل على حقيقة الأمر من الصواب أو الخطأ.
وشأن هذه المسألة : أعني بها مسألة التصحيح والاحتجاج ، لا يختلف عن شأن القضاء ؛ حيث إن القاضي لم يكن مكلفا فيه يقوم به الشاهدان ، وهذا لا يعني بالضرورة تقاعس القاضي عن بحث الأدلة والملابسات التي تساعده على تحري الحقائق بدقة بالغة ، بل يجب عليه البحث عنها ، وإذا وقف القاضي على الحقائق بعد التحري فليس أمامه إلا القضاء بها ، وإن كان ذلك خلاف ما يظهر لأول وهلة عند النظر ، وقد يكون هذا الظاهر هو الأصل الذي يتعين الرجوع إليه إذا شهد به الشاهدان وكان القاضي قد عجز عن معرفة ما يحيط به من القرائن والملابسات التي تدل على الحقيقة .
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاستنباط الفقهي ، فإن المجتهد غير مكلف إلا باجتهاد في سبيل معرفة المقصود من النصوص ، وقد يتمكن من ذلك وقد لا يتمكن ، كل ذلك تبعا لما يتوافر فيه من آليات البحث ، وإذا لم يقف المجتهد – بعد أن استنفد ما في وسعه من جهد – على ملابسات النص وقرائنه المحتفة به فليس له إلا قبول ما يظهر من النص ، وقد يكون ذلك غير مقصودا أصلا، إذ هو غير مكلف في تلك الحالة بمعرفة ا لباطن .
وعلى كل فالذي فهمه المجتهد من النصوص بعد اجتهاده يكون أمرا باطنيا بالنسبة إلى غيره ممن ينظر في النصوص نظرة عابرة وغير مؤسسة.ومن المعلوم أنه لا يجوز لأحد أن يستند إلى ظاهر النصوص، دون أن يبحث عن مناسبة ورودها ، وما تحف به من القرائن ، وما يمكن أن يكون مفسرا لها من عمل الصحابة ، بحجة أنه لم يطالب إلا بمعرفة الظاهر .
وإن كان القضاء والاجتهاد مما لا يجوز لأحد أن يتصدى له قبل التأهل ، ولا يعذر له الخوض فيه بكونه لم يكلف ببواطن الأمور ، فكذلك لا يجوز الباحث العادي أن يزاحم صفوف النقاد في التصدي لعملية التصحيح والتضعيف ، ولا يبرر له ذلك بكونه لم يكلف بالحكم إلا بما يفهمه من ظاهر السند.
وذلك أن ظهور العلة وعدم ظهورها في أحاديث الثقات إنما هو بالنسبة إلى شعور النقاد المجربين المطلعين على ملابسات الرواية وخفاياها وحدهم ، وأما غيرهم فلا ينبغي لهم إلا تسليم الأمر لنقاد الحديث في ذلك ، وهم وحدهم المتأهلون لتصحيح الحديث بناء على ظاهر السند بما تقتضيه القرائن والملابسات التي تحيط بذلك الحديث .
وأما أن يقول الباحث العادي الذي لم يشم رائحة منهج المحدثين في التصحيح والتضعيف مثلا " هذا الحديث صحيح ، لاتصال سنده بالثقات ، ولم تظهر لي علة فيه ، وأن الباطن لم نكلف بمعرفته" معتمدا في ذلك كله على تقريب التهذيب ، ونحوه من كتب التراجم ، فغير مقبول على الإطلاق، بل يعد ذلك انحرافا خطيرا عن الجادة !! ، وطمسا لمعالم نقد المحدثين !!! ، لا سيما حين يرد على الناقد تصحيحه أو تضعيفه .
وقال السخاوي : " .. ترى الجامع بين الفقه والحديث ، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر ، لا ينكر عليهم ، (أي نقاد الحديث) بل يشاركهم ، ويحذو حذوهم ، وربما يطالبهم الفقيه، أو الأصولي العاري عن الحديث ، بالأدلة" ، (فتح المغيث 1/274 ، ط1 ، سنة 1407هـ ، إدارة البحوث الإسلامية ، بنارس) .
وقال أيضا (رحمه الله ، ولله دره) :
" وأما من لم يتوقف من المحدثين والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة (وهي العدالة والضبط والاتصال) صحيحا ، ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده ، فشاذ وهو استرواح ، حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص وتتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيا وإثباتا فضلا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك ، وربما تطرق إلى التصحيح متمسكا بذلك من لا يحسن ، فالأحسن سد هذا الباب". (فتح المغيث 1/20) .
وفي نهاية تحليل قول الحميدي يتجلى بوضوح أنه يطلق الحجة على ما رواه الثقة عن الثقة، إلا إذا ظهر فيه خطأ لأمثاله من النقاد .
وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما سبق من قول الإمام الشافعي .
ثالثا : نص الإمام محمد بن يحي الذهلي :
وقال محمد بن يحيى الذهلي : "ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصول غير المنقطع الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح" . (الكفاية 20) .
رابعا : نص يحيى بن محمد الذهلي :
وقال يحيى بن محمد بن يحيى :
" لا يكتب الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يرويه ثقة عن ثقة حتى يتناهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة ، ولا يكون فيهم رجل مجهول ولا رجل مجروح ، فإذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة وجب قبوله والعمل به وترك مخالفته " . (الكافية ص20) .
خامسا : نص الخطابي والحاكم :
وقال الخطابي :
الصحيح ما اتصل سنده وعدلت نقلته" (معالم السنن 1/11 ، هامش مختص سنن أبي داود للمنذري).
قال الحاكم :
" صفحة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبي زائل عنه اسم الجهالة ، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة " . (معرفة علوم الحديث ، ص26) .
وهذه النصوص باستثناء قول الحاكم – كما ترى – تدل بظاهرها على أن الاحتجاج يتم بمجرد اتصال اسند برواية الثقات ، وأما سلامة الحديث من شذوذ وعلة فغير منصوص عليها في تلك النصوص . ولكن حين ننظر إلى واقع عملهم في هذا المجال نجد فيه ما يؤكد أن الاحتجاج بما رواه الثقة عن الثقة ليس على الإطلاق ، بل هو مقيد بما لم يظهر لهم فيه شذوذ ولا علة ، كما سبق ذلك عن الحميدي ؛ إذ هم مرة يردون ما رواه الثقة مع اتصال سنده ، وإن كان ذلك قليلا ، وأخرى يقبلونه ويحتجون به ، وكتبهم في العلل والأحكام تزخر بذلك .
وإذا كان كلامهم فيما يخص الاحتجاج بخير الثقة عن الثقة مقيدا بحالة ما إذا لم يقترن به ما يدل على خطئه أو صوابه من الأدلة والقرائن فإن مرجع الاحتجاج بخبر الواحد هو ما يكون أصلا في الرواة، وذلك لأن الله تعالى يكلف الإنسان إلا بما ظهر له دون الباطن . وأما إذا ظهر للعالم حقيقة الأمر أو باطنه بفضل علمه وتخصصه وملكته فلا مجال لغيره أن يرفضه مستندا إلى أنه غير مكلف بالاطلاع على الباطن .
ومن خلال ما سبق من التوضيح تتبين أهمية القيد بخلو الحديث من شذوذ وعلة في تصحيح الحديث، سواء تأكد الناقد ذلك من خلال القرائن أم من ظاهر السند ، ولذا جاء قول الحاكم في صفة الحديث الصحيح وصفا دقيقا للحديث الصحيح ، وإن كان فيه نوع إيهام بالنسبة إلى غير المتخصصين . وهذا نصه :
" أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبي زائل عنه اسم الجهالة ، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة" . (معرفة علوم الحديث ص26) .
وفي ضوء ذلك فما ذكره ابن الصلاح في تعريف الصحيح جمعا بين القيدين – وهما : كون الراوي ثقة ، وأن يخلو الحديث من شذوذ وعلة – ينبغي تأويله بما سبق ، وهو أن ثقة الراوي قيد أغلبي ، وليس احترازيا ، وأن هذا التعريف خاص بما رواه الثقة فقط دون غيره ، كما قيد بذلك الحافظ ابن الحجر ، وإلا يكون ذلك تضييقا لمفهوم الصحيح عند نقاد الحديث ، هذا ويمكن الاستغناء عن ذكر الضبط كشرط، بذلك الخلو من شذوذ وعلة أو بالعكس .
وعلى ذلك فإن تعريف ابن الصلاح إذا ارتكز الراوي ضابطا ، إضافة إلى قيد الخلو عن الشذوذ والعلة لن يستقيم إلا إذا اعتبرنا فيه تغليب أحاديث الثقات على غيرهم ، وليس لإخراج ما يصح ما أحاديث الضعيف وأحاديث الصدوق ، حيث إن الضعيف قد يضبط حديثه ، ويرويه مطابقا للواقع الحديثي .
ولذلك نرى النقاد ينصون على صحة ذلك الحديث ، غير أن الفارق بين الثقة والضعيف يظهر بجلاء في نسبة الموافقة والمخالفة والتفرد ؛ فتكون نسبة الموافقة على أحاديث الأول كثيرة ، وفي الثاني قليلة ، كما سبق ، هذا ويضم الصحيحان عددا لا بأس به من صحيح أحاديث الصدوق والضعيف غير المتروك ، غير أ، ذلك لم يكن منهم على وجه الاستيعاب والأصالة والمقصود ، كما هو الشأن في أحاديث الثقات ، وإنما وقع اختيارهما لهذا النوع من الأحاديث الصحيحة لأسباب علمية ؛ ومن أهمها أن يكون سند الضعيف عاليا من سند الثقة . كما نص الإمام مسلم على ذلك .
لقد نقل الإمام ابن الصلاح فيه عن مسلم قوله : "إنما أدخلت من حديث أسباط ، وقطن ، وأحمد ، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلى عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول ، فاقتصر على ذلك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات" (صيانة صحي مسلم ص94-98) .
وجاء في سير أعلام النبلاء 11/418 بسياق آخر ، وهو : "وقال إبراهيم بن أبي طالب قلت لمسلم كيف اتجزت الرواية عن سويد في الصحيح ؟ قال : فمن أين كنت آتي نسخة حفص بن ميسرة؟ قلت (القائل الذهبي) : ما كان لمسلم أن يخرج له في الأصول ، وليته عضد أحاديث حفص بين ميسرة بأن رواها بنزول درجة أيضا" .
الفائدة الثانية :
في الواقع أن شروط الصحيح تختلف باختلاف أنواع الحديث وطبيعة روايتها ، وباختلاف طبقات الرواة الزمنية أيضا ، وعلى سبيل المثال فما كان شرطا في الخبر غير المشهور فليس مطلوبا أن يتوافر جميعه في الخبر المشهور ، بل يكفي فيه من الشروط ما تقتضيه طبيعة شهرة الحديث ، وكذلك الحديث الذي تحيط به الملابسات والقرائن تختلف شروطه عن الحديث العاري عن هذه القرائن ، ولكل منهما مقتضياته ، وخصوصياته .
وعلى ذلك فحديث الضعيف غير المتروك إذا وافقه الثقة أو الثقات يكون صحيحا ، لدلالة هذه الموافقة على أن روايه الضعيف قد حفظه بضبط وإتقان ، بينما يضعف الحديث إذا تفرد به هذا =

(1/27)


تلخيص الموضوع
أولا : تعريف الإمام ابن الصلاح وغيره من الملاحقين لمصطلح الصحيح تتضمن أربعة عناصر ؛ وهي : عدالة الراوي ، وضبطه ، واتصال السند وخلوه من الشذوذ والعلة .
ثانيا : في هذا التعريف تضييق لمدلول الصحيح ، إذ قيدوه بثقة رواته ، وبالتالي لا يعد حديث الضعيف والصدوق صحيحا ، بينما النقاد يصححونه إذا أصاب كل منهما في الرواية، ويحكمون عليه بالصحة دون قولهم : (صحيح لغيره) أو (صحيح لذاته) .
الضعيف ، فقدان أحد أهم شروط الصحيح ، بخلاف الخبر العاري عن تلك القرائن ، وبالتالي فما كان شرطا في خبر الواحد عن الواحد من كونه ثقة لم يكن شرطا في الحديث الذي يرويه غير واحد ، كما سيأتي من الأمثلة ما يعزز ذلك إن شاء الله تعالى .
وأما ما يتصل بخلاف طبقات الرواة الزمنية فما كان مطلوبا في الطبقات المتأخرة قد لا يطالب جميعه في الطبقات المتقدمة ، إذ أسباب وقوع الخطأ في الطبقة المتأخرة قد كثرت خلاف الطبقة المتقدمة، فإن كان التفرد مقبولا في الطبقة المتقدمة بالشروط التي سبق ذكرها عن الإمام الشافعي ، فإن التفرد في الطبقة المتأخرة يثير التساؤل : كيف تفرد الراوي بحديثه ، وغيره حريص على سماعه وروايته ، وأنه قد توافرت دواعي انتشار ذلك الحديث عن صاحبه ، لا سيما حين يكون صاحب الحديث مدرسة في الحديث ، بخلاف طبيعة الطبقة المتقدمة .
ولذا يتوقف قبوله على مراعاة ما تقتضيه طبيعة الرواية ، حتى يطمئن شعور الناقد بصواب ما تفرد به الراوي .
فمثلا : تفرد الإمام أحمد بحديث ليس كتفرد بن المسيب ، ولكل من هذين التفردين أسباب خاصة، وتكون نتائجها مختلفة بعضها عن بعض ، بل كلما يكون مصدر الحديث مشهورا في الطبقة المتأخرة تكون عوامل الشهرة والانتشار أوفر ، ووقوع تفرد بالحديث فيها يسترعي انتباه الناقد ، بينما لا يكون الأمر كذلك في الطبقة المتقدمة فإن عوامل الشهرة والتعدد فيها تكاد منعدمة .
ولذلك لا يقاس تفرد الإمام أحمد على تفرد سعيد بن المسيب ، ولا تطلق هنا القاعدة (الثقة عن الثقة حجة على رأي أهل السنة) يعني إذا قبل النقاد ما تفرد به سعيد بن المسيب لا يعني بالضرورة أن ما تفرد به الإمام أحمد أيضا مقبول وصحيح مثله .
وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأمثلة التوضيحية ما يعزز هذه الفكرة من الأدلة الواقعية .
وقد حررت هذه الفكرة بعد دراسة نماذج كثيرة من كلا النوعين ؛ ما أعله النقاد وما صححوه من أحاديث الثقات مع كون كل منها غربيا .
ثالثا : إن كان يمكن توجيه ما ورد في التعريف من القيود بأنه كان باعتبار الأغلب في استعمال النقاد لمصطلح الصحيح ، أو بأنه تعريف لقسم خاص من الصحيح ، وهو الصحيح لذاته ، فإنه ينبغي أخذ هذه الملحوظة بعين الاعتبار ، حين نتعامل مع نصوص النقاد ، حتى لا نخطئ في فهم مقصودهم .
رابعا : هذه الملحوظة حول تعريف الصحيح المستقر في كتب المصطلح ، لم تكن واضحة إلا بعد ربط المصطلحات وتعريفاتها بالتطبيقات العملية لنقاد الحديث ، واعتبار كتب المصطلح مصادر مساعدة في علم الحديث .
خامسا : إن أحوال الرواة (من حيث الضبط وسوء الحفظ) تتوقف معرفتها بدقة على معرفة نسبة الصواب والخطأ فيما رووه من الأحاديث والآثار . وسيأتي في الوحدة الثانية توضيح لهذا الجانب بتوسع إن شاء الله تعالى .

(1/28)


تباين منهجي بين النقاد والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتضعيفها
مما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في هذه المناسبة وجود تباين منهجي بين المحدثين النقاد وبين غيرهم كمتأخري المحدثين ، والفقهاء وأئمة الأصول في التصحيح والضعيف ، وذلك تفاديا للخلط بين المعنيين المختلفين لمصطلح الصحيح ، وتفسير ما صححها الفقهاء أو المتأخرون في ضوء منهج النقاد أو بالعكس.
لذلك أشار إلى ذلك التابين المنهجي للإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد تعريف الصحيح(1) بقوله :
"فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث"(2) .
يعني بأهل الحديث نقاد الحديث المتقدمين ، ومن سار على نهجهم ، فإنهم هم الذين يصححون الحديث بعد تأكدهم من سلامة الحديث من الشذوذ والعلة ، أي من الغرابة والمخالفة المردودتين .
وتبعه كل من صنف في مصطلح الحديث عموما ، في تخصيص ذلك التعريف بأهل الحديث دون غيرهم من الفقهاء وعلماء الأصول .
وأوضح ابن دقيق العيد منهج الفقهاء والأصوليين بقوله :
" ومداره (يعني الصحيح) بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة ، على ما قرر في الفقه ، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندا"(3) .
كما بينه أيضا في شرح الإلمام : "إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريق غير طريق الآخر، فإن الذي تقتضيه قواعد الأصول والفقه أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالرواية ، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه ، فمتى حصل ذلك ، وجاز ألا يكون غلطا ، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه من الوجوه الجائزة، لم يترك حديثه" .
وقال الصنعاني معقبا عليه :
" وهو صريح في اختلاف الاصطلاحين في مسمى الصحيح من الحديث كما قررناه"(4) .
وهذا التباين المنهجي - المتمثل في أن النقاد يعتمدون في التصحيح على سلامة الحديث من الشذوذ والعلة مع عدالة الراوي واتصال السند ، وأن الفقهاء وأئمة الأصول كان تعويلهم على ظاهر السند ، أي ثقة الراوي واتصال السند ، والتجويز العقلي بأن لا يكون غلطا - شبه متفق عليه بين الأئمة .
وفي ضوء هذا التباين المنهجي في التصحيح ينبغي تقديم المتقدمين لكونهم أدرى بالحديث ، كما هو شأن كل العلوم ، وقد ألف الناس قديما وحديثا أن يقدم في كل فن أهله عند الاختلاف ، وهذا لا يعني بالضرورة أنهم معصومون من الخطأ .
ويقول السخاوي :
" .. ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم ، بل يشاركهم ويحذو حذوهم ، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة" .
" هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله ، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن ، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين" .
" فتقليدهم ، والمشي وراءهم ، وإمعان النظر في تواليفهم ، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم ، وجودة التصور ، ومداومة الاشتغال وملازمة التقوى والتواضع ، يوجب لك
(إن شاء الله) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله"اهـ(5) .
ويقول أيضا :
" وأما من لم يتوقف من المحدثين (يعني المتأخرين) والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة (وهي العدالة والضبط والاتصال) صحيحا ، ثم إذ ظهر شذوذ أو علة رده ، فشاذ ، وهو استرواح ، حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص وتتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيا وإثباتا فضلا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك ، وربما تطرق إلى التصحيح متمسكا بذلك من لا يحسن ، فالأحسن سد هذا الباب"(6) .
والمتتبع لأسلوب عامة محدثي عصرنا في التصحيح ، يتجلى له بوضوح أنهم سالكوا مسلك الفقهاء وأئمة الأصول ، مع إغفالهم بأن ذلك يتنافى مع منهج المحدثين ، أو ربما يزعمون بأنه لا تباين بينهم في ذلك(7) !! .
__________
(1) بغض النظر عما سبق من الملحوظات حول تعريف ابن الصلاح للصحيح عند أهل الحديث.
(2) علوم الحديث ، المشهور بت (مقدمة ابن الصلاح) ص11-13 ، (تحقيق نور الدين عتر ، ط3 ، سنة 1418هـ) .
(3) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص186 ، (تحقيق عامر الصبري ، ط1 ، سنة 1417، دار البشائر الإسلامية ، بيروت) .
(4) توضيح الأفكار ، 1/23 .
(5) فتح المغيث 1/274 ، (إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية ببنارس ، ط1 ، سنة 1407) .
(6) فتح المغيث 1/20 ، (تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان ، ط2 ، سنة 1388، المكتبة السلفية) .
(7) وإذا كان الذي يقوم بالتصحيح بناء على تلك الشروط الثلاثة - قبل البحث عن مدى سلامة الحديث من شذوذ وعلة ، ثم إذا ظهر له ذلك رده - ، شاذا ، وعمله ذلك استرواح كما قال الحافظ السخاوي ، فالذي لا يرده بعد أن عله أئمة النقد بالمخالفة أو التفرد ، ثم يعقبه بقوله : (إنه زيادة الثقة ، وهي مقبولة) ، أو (إن الراوي ثقة ، ولا يضر تفرده) ، أو بقوله : "لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية ، لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها" ، يعني لا يقبل العلة لا بالمخالفة ولا بالتفرد ، يكون هو أغرب من الأول ، كما هو حال كثير من محدثي زماننا.
وعلى الرغم من أن هذا الموضوع المتعلق بضرورة اعتماد أقوال النقاد قد أشبع بحثا من قبل كثير من علمائنا ، وإيراد نصوص كثيرة عن المتأخرين أنفسهم في تأييد ذلك ، فإن من الناس من ينكر علينا هذا الموقف ، متشبثا بقول حق أريد به الباطل ، وهو أن المتقدمين ليسوا بمعصومين ، وأن منهجهم عمل اجتهادي وليس بوحي .
وإني أتساءل مع هؤلاء الإخوة :
هل سلامة الحديث من العلة شرط مهم لتصحيح الحديث عندكم ؟
الذي لا يعتبر ذلك شرطا على أي منهج تصنفونه : منهج النقاد أو منهج الفقهاء ؟
أليس موضوع العلة معقدا وغامضا لا يكتشفه إلا أقذاذ الناس من المتقدمين ، كما هو مقرر في جميع كتب المصطلح ؟
هل تزعمون أن اكتشاف العلة ، والتأكد من خلو الحديث منها يكون في متناول الجميع متقدما كان أو متأخرا ؟

(1/29)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية