صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ النكت على مقدمة ابن الصلاح - الزركشي ]
الكتاب : النكت على مقدمة ابن الصلاح
المؤلف : بدر الدين أبي عبد الله محمد بن جمال الدين عبد الله بن بهادر
الناشر : أضواء السلف - الرياض
الطبعة الأولى ، 1419هـ - 1998م
تحقيق : د. زين العابدين بن محمد بلا فريج
عدد الأجزاء : 3

أن اختلاف الرواية في الحديث مما يمنع الاحتجاج به قال وهذا صحيح بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها أما إذا كان الترجيح واقعا لبعضها إما لأن رواته أكثر أو أحفظ فينبغي العمل بها إذ الأضعف لا يكون مانعا من العمل بالأقوى والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح قال فتمسك بهذا الأصل فإنه نافع في مواضع عديدة منها أن المحدثين يعللون الحديث بالاضطراب ويجمعون الروايات العديدة فيقوم في الذهن منها صورة توجب التضعيف والواجب أن ينظر إلى تلك الطرق فما كان منها ضعيفا أسقط عن درجة الاعتبار ولم يجعل مانعا من التمسك بالصحيح الأقوى "

(2/227)


وقال ابن حزم في كتاب الإعراب " إذا اختلفت الألفاظ من طرق الثقات أخذ بجميعها ما أمكن ذلك فأن تعذر عليه أخذ بالزائد في حكمه قال وكم من خبر شديد الاضطراب قال به العلماء كالخبر في " إيجاب الزكاة في عشرين دينارا فصاعدا " ( أ116 ) وهو خبر شديد الاضطراب فمرة روي عن أبي إسحاق عن الحارث وعاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى الله عليه و سلم ومرة روي عن أبي إسحاق أنه

(2/228)


الاضطراب إسنادا ولفظا
ومنها خبر ابن عباس في " تحريم كل ذي مخلب من الطير " فإنه روي

(2/230)


عن ابن عباس مرفوعا ورواه علي بن الحكم عن ميمون بن مهران فأدخل فيه بين ميمون وبين ابن عباس سعيد بن جبير
ومنها " خبر رافع في كراء الأرض "

(2/231)


ومنها " خبر تحريم المتعة " فما نعلم خبرا أشد اضطرابا منه مرة حرمت في

(2/232)


خيبر ومرة في حنين ومرة في الفتح ومرة أن عمر حرمها
ومنها " الغسل عن الإكسال "

(2/233)


وخبر " النهي عن صوم أيام التشريق "
قال وإنما وقع في هذا قوم من أئمة الحديث إما غلطا فيجتنب وإما على سبيل المذاكرة لا على رد السنة
والحق الذي لا يجوز مخالفته أن ما رواه الثقة ( د71 ) بالإسناد المتصل يجب الأخذ به ولا يرد بأنه قد اختلف فيه رواته ولا بأنه قد رواه قوم ضعفاء ولا بأنه قد أرسله رواته ولا بأن واقفه أكثر

(2/234)


209 - ( قوله ) " " ومن أمثلته "
أي من أمثلة الاضطراب في الإسناد الحديث رواه أبو داود وابن ماجه ورواية بشر بن المفضل أخرجها أبو داود وأما رواية سفيان الثوري عن

(2/235)


إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة فلم أجده هكذا بل أخرجه ابن ماجه من حديث عمار بن خالد ثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث ابن سليم عن أبي هريرة فصرح بأن الرواية عن جده حريث وأن بين محمد وحريث عمرا وأخرجها أبو داود من جهة علي بن المديني عن سفيان عن إسماعيل عن [ أبي ] محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث - رجل من بني عذرة - عن أبي هريرة فالظاهر أنه اختلف فيه على ابن عيينة وهذا اضطراب آخر لم يذكره ابن الصلاح إلا أنه أشار إليه

(2/236)


وأما رواية حميد بن الأسود فلم أجدها هكذا فإن ابن ماجه رواها عن إسماعيل بن عياش ثم حول إلى طريقة ابن عيينة السابقة فلعله مما اختلف فيه على حميد
واعلم أن هذا الحديث صححه أحمد وابن حبان وابن المنذر وغيرهم وقال البيهقي " لا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى " وكأنهم رأوا أن هذا الاضطراب ليس قادحا

(2/237)


شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ " ليس في المال حق سوى الزكاة " فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل وقول البيهقي " إنه لا يحفظ لهذا اللفظ إسنادا " قد بينا أن ابن ماجه رواه

(2/239)


@ 240 @

(2/240)


النوع العشرون المدرج
حقه أن يقول " تمام العشرين " أو نحوه فإن العشرين اسم للمجموع وليس هو المراد هنا وإنما المراد واحد منها وهو مكملها وقد وقع التعبير بالتكميل في كلام الشافعي في الأم وقد رجع المصنف إلى الصواب فيما سيأتي إذ قال النوع الموفي ثلاثين
210 - ( قوله ) " [ في تعريفه ] أن يذكر الصحابي أو من بعده عقب ما يرويه إلى آخره "
هكذا قيده بالعقب ولا شك أن المدرج قد يكون في أول الحديث أو وسطه وقد ذكر الخطيب في كتاب المدرج ( أ117 ) كثيرا من أمثلته كحديث أبي هريرة " أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار " وكحديث بسرة

(2/241)


" من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ " قال الدارقطني " كذا رواه

(2/242)


عبد الحميد عن هشام ووهم في ذكر " الأنثيين والرفغ " والمحفوظ أنه من قول عروة نعم ضعف الشيخ تقي الدين في الاقتراح الطريق إلى الحكم بالإدراج إذا وقع في الوسط فقال " ومما يضعف أن يكون مدرجا في أثناء لفظ الرسول لا سيما إن كان مقدما على اللفظ المروي أو معطوفا عليه بواو العطف كما لو قال " من مس أنثييه وذكره فليتوضأ " بتقديم لفظ " الأنثيين " على " الذكر " فها هنا يضعف الإدراج لما فيه من اتصال هذه اللفظة بالعامل الذي هو من لفظ الرسول صلى الله عليه و سلم " انتهى

(2/243)


قيل وهذا ذكره مثالا وإلا فلم يرد تقديم " الأنثيين " وهذا عجيب فقد ذكر رواية تقديمها على " الذكر " في كتابه الإمام من جهة الطبراني وقال هناك إنما يكون الإدراج بلفظ تابع يمكن استقلاله عن اللفظ السابق فيدرجه الراوي ولا يفصل
211 - ( قوله ) " ومن أمثلته ما رويناه في التشهد إلى آخر الحديث "
رواه أبو داود وما ذكره من الإدراج ذكره الأئمة منهم أبو داود والدارقطني في سننيهما

(2/244)


وابن حبان والحاكم في صحيحيهما والبيهقي في المعرفة ونقله عن الحفاظ والخطيب في كتابه المدرج وغيرهم ونقل النووي في الخلاصة الاتفاق عليه وأما قول الخطابي في المعالم " اختلفوا فيه هل هو من قول النبي صلى الله عليه و سلم أو من قول ابن مسعود " ومراده اختلاف الرواة في وصله وفصله لا اختلاف الحفاظ فإنهم متفقون على أنها مدرجة على أنه قد اختلف على زهير فيه فرواه

(2/245)


المقرىء وأبو النضر هاشم بن القاسم وموسى بن داود الضبي [ ويحيى بن يحيى النيسابوري وأبو داود الطيالسي ] ويحيى بن أبي بكير الكرماني وغيرهم هكذا مدرجا ورواه شبابة بن سوار عنه ففصله كما سبق

(2/246)


212 - ( قوله ) " القسم الثاني مثاله حديث ابن عيينة إلى آخره "
هذا الحديث رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك فرقهما والنسائي من رواية سفيان بن عيينة كلهم عن عاصم قال موسى بن هارون الحمال وذلك عندنا وهم وإنما أدرج عليه وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل هكذا رواه مبينا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد

(2/247)


فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادهما كما ذكرنا قال موسى بن هارون الحمال " وهذه رواية مضبوطة اتفق عليه زهير وشجاع بن الوليد وهما أثبت له رواية ممن روى " رفع الأيدي من تحت الثياب " عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل
213 - ( قوله ) " في الثالث إلى آخره "
هذا الحديث متفق عليه من طريق مالك

(2/248)


وليس في الأول " ولا تنافسوا " وهي في الحديث الثاني قال الخطيب " وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك عن ابن شهاب وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد "
214 - ( قوله ) " في الرابع أن يروي عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده إلى آخره "
ما ذكره من رواية ابن مهدي وابن كثير عن سفيان بلا إدراج يقتضي أن

(2/249)


غيرهما روي عنه خلاف ذلك وهو كذلك فقد قال الدارقطني في علله " يشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لابن مهدي وابن كثير ( أ118 ) فجعل اثنين منهم واحدا ولم يذكر بينهم خلافا وحمل حديث واصل على حديث الأعمش ومنصور وقد فصل الثوري ليحيى بن سعيد فحدثه عن منصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل وحدثه عن واصل عن أبي وائل عن ابن مسعود قال الدارقطني " والتفصيل هو الصواب لأن ( د72 ) شعبة ومهدي بن ميمون روياه عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله كما رواه يحيى عن الثوري " انتهى
واعلم أنه اختلف على ابن مهدي أيضا فرواه محمد بن بشار عن ابن مهدي

(2/250)


عن سفيان عن واصل عن أبي وائل عن ابن شرحبيل وهذا يقدح في المثال إلا أن يقال لعله لما روى سفيان والعبدي الحديث عن الثلاثة جمعا روى ابن مهدي حديث واصل على انفراده وأشار الدارقطني إلى أن الأعمش أيضا قد اختلف عليه فروى أبو شهاب وأبو معاوية وشيبان الحديث عن الأعمش كما تقدم

(2/251)


215 - ( قوله ) " واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور في هذا النوع "
فيه أمران
أحدهما لم يبين حكم فاعل ذلك وقد سبق في التدليس أن الماوردي والروياني وابن السمعاني في القواطع قالوا " إن فاعله مجروح ساقط العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وكان ملحقا بالكذابين "

(2/252)


الثاني لم يتكلم على تفاوت هذه المراتب وأقواها في المنع الأول لخلطه المرفوع بالموقوف ونسبته إلى النبي صلى الله عليه و سلم ما لم يقله وأخفها الأخير لرجوع الخلاف إلى الإسناد خاصة لا سيما إذا كان الكل ثقات

(2/252)


النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع
216 - ( قوله ) " هو شر الأحاديث الضعيفة "
فيه أمران
أحدهما هذه العبارة سبقه إليها الخطابي وقد استنكرت منه فإن الموضوع لا يعد في الأحاديث للقطع بكونه غير حديث وأفعل التفضيل إنما يضاف لبعضه وهذا الإشكال يرد أيضا على إفراد المصنف له بنوع فإنه إذا لم يكن حديثا فكيف يعد من أنواع الحديث ويمكن أن يقال إنهم أرادوا بالحديث القدر المشترك وهو ما يحدث به
ومن حكمه أنه لا تحل روايته إلا لقصد بيان حال راويه لقوله صلى الله عليه و سلم " من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " رواه مسلم وهو أول

(2/253)


حديث في صحيحه وقال الترمذي عقبه " سألت أبا محمد يعني السمرقندي قلت له من روى حديثا وهو يعلم أن إسناده خطأ أيخاف أن يكون قد دخل في حديث النبي صلى الله عليه و سلم أو إذا روى حديثا مرسلا فأسنده بعضهم أو قلب إسناده يكون قد دخل في هذا الحديث ؟ فقال إنما معنى هذا الحديث إذا روى الرجل حديثا ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أصل فحدث فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث

(2/254)


الثاني ما ذكره هنا فيه إيهام مخالفة لقوله في قسم الضعيف " إن ما عدم فيه جميع صفات الحديث الصحيح والحسن هو القسم الأخر الأرذل " والصواب ما ذكره هنا ويحمل ما ذكره ثم على أنه أراد ما لم يكن موضوعا إلا أن يريد بذلك كون راويه كذابا ومع ذلك لا يلزم من وجود كذاب في السند أن يكون الحديث موضوعا إذ مطلق كذب الراوي لا يقتضي وضع الحديث
217 - ( قوله ) " [ وإنما يعرف كون الحديث ] موضوعا بإقرار واضعه يعني كحديث نوح بن أبي مريم في فضائل ( أ119 ) القرآن [ انتهى ]
فيه أمران

(2/255)


أحدهما اعترضه الإمام أبو الفتح القشيري وقال " قول واضعه يعني كحديث نوح بن أبي مريم ليس بقاطع بوضعه لجواز كذبه فيما أقر به " يعني إما للتنفير عن ذلك الحديث المروي أو لنوع آخر فيحصل لغيره الريبة والشك فيه وجوابه إن كان الحديث لا يعرف إلا من طريق ذلك الشخص كان إقراره بذلك مسقطا لروايته وقد حكم الشرع على المقر بمقتضى إقراره وإن كان يحتمل أن يكون في نفس الأمر خلافه فلا نظر إلى ذلك
الثاني اقتضى أنه لا يثبت بالبينة وهذا كما قال الفقهاء إن شهادة الزور تثبت بالإقرار دون البينة فيجوز أن تشرك الرواية الشهادة في هذا الحكم أيضا ( إذا رفعت الرواية ) للحاكم ولكن ظاهر تصرف المحدثين خلافه

(2/256)


218 - ( قوله ) " أو نازل منزلة إقراره "
أي مثاله " قيل لزائدة لم تركت حديث الكلبي ؟ قال مرض الكلبي فكنت أختلف إليه فسمعته يقول مرضت فنسيت ما كنت أحفظه فأتيت آل محمد فتفلوا في في فحفظت كل ما نسيت فقلت لله علي لا أروي عنك شيئا أبدا "

(2/257)


كذب الراوي كما جاء عن عمر بن موسى قال ثنا شيخكم الصالح وأكثر من ذلك فقيل له من هو ؟ قال خالد بن معدان فقيل له في أي سنة لقيته ؟ قال سنة ثمان ومائة في غزاة أرمينية فقيل له اتق الله يا شيخ ولا تكذب مات خالد سنة أربع ومائة ولم يغز أرمينية قط
وكغياث بن إبراهيم لما زاد لأجل المهدي ذكر " الجناح " في حديث " لا سبق إلا في خف أو حافر " فتقرب إليه بذلك فلما قام عنه قال أشهد أن قفاك

(2/258)


قفا كذاب رواه ابن أبي خيثمة ونسبه القرطبي في أوائل تفسيره إلى أبي البختري القاضي وذكر أبو حيان التوحيدي في البصائر عن القاضي

(2/259)


أبي حامد المروروذي أن رجلا أتى باب المهدي ومعه نعلان فقال هما نعلا رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرفه المهدي فأدخله وقبله ووصله فلما خرج قال المهدي والله ما هما بنعلي رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن أين صارتا له أبميراث أم بشراء أم بهبة ؟ لكن كرهت أن يقال أهدي إليه نعلا رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يقبلها واستخف بحكمهما "
220 - ( قوله ) " أو بقرينة في المروي فقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها

(2/260)


ركاكة ألفاظها ومعانيها "
قلت يشهد له ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى ثنا أبو خيثمة ثنا أبو عامر العقدي ثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد وأبي أسيد 262 أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " إذا سمعتم الحديث تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه قريب منكم فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث تقشعر له جلودكم وتنفر له قلوبكم واشعاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه "
وترجم عليه ذكر الأخبار عما يستحب لكم من كثرة سماع العلم ثم الافتقار والتسليم
وروى شيخ الإسلام الهروي في كتاب ذم الكلام من جهة الدارمي ثنا الحسن بن علي الحلواني

(2/261)


ثنا يحيى بن آدم ثنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إذا حدثتم حديثا عني تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أو لم أقله فإني لا أقول إلا ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر وأقول ما يعرف "
قال شيخ الإسلام " لا أعرف علة هذا الخبر ( د73 ) فإن رواته كلهم ثقات والإسناد متصل " وممن صححه عبد الحق في أحكامه والقرطبي في أول المفهم وأما القاضي عياض فإنه قال " هو حديث ضعيف ضعفه الأصيلي وغيره من الأئمة "
( أ120 ) وتأوله الطحاوي إن صح على أن ما جاء عنه صلى الله عليه و سلم موافقا لكتاب الله عز و جل

(2/263)


وما عرف من سنته غير مخالف لشريعته ولا يتحقق أنه قاله فليصدق بمعناه لا بلفظه إذ قد صح من أصول الشريعة أنه قال يغير هذا اللفظ ولا يكذب به إذ يحتمل أنه قاله صلى الله عليه و سلم
وأعلم أنه قد استعمل أئمة الحديث هذه الطريقة ولهم في معرفة ذلك ملكة يعرفون بها الموضوع وشاهده أن إنسانا لو خدم ملكا سنينا وعرف ما يحب وما يكره فجاء إنسان ادعى أنه كان يكره شيئا يعلم ذلك أنه يحبه فبمجرد سماعه

(2/264)


يبادر إلى تكذيب من قال إنه يكرهه لكن في كون ذلك من دلائل الوضع نظر وكذا قول بعضهم كون المروي مما يخل بالفصاحة فإنا إذا جوزنا رواية الحديث بالمعنى الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه و سلم بلفظه الفصيح ولم يحفظه الراوي وهذا السؤال ذكره الإمام أبو العز المقترح جد الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد لأمه ثم قال " نعم إن صرح أن هذا صيغة المصطفى وكانت تخل بالفصاحة ردت روايته وتبين وهمه " انتهى
وهنا أمور مهمة
منها قد كثر منهم الحكم على الحديث بالوضع استنادا إلى أن راويه عرف بالوضع فيحكمون على جميع ما يرويه هذا الراوي بالوضع وهذه الطريقة استعملها ابن الجوزي في كتاب الموضوعات وهي غير صحيحة لأنه لا يلزم من كونه معروفا بالوضع أن يكون جميع ما يرويه موضوعا لكن الصواب في هذا أنه لا يحتج بما يرويه لضعفه ويجوز أن يكون موضوعا لا أنه موضوع لا محالة وقد قال القاضي أبو الفرج النهرواني في المجلس المائة من كتاب الجليس الصالح " زعم جماعة من أهل صناعة الحديث وكثير ممن لا نظر له في العلم فظن أن ما

(2/265)


ضعف راويه فهو باطل في نفسه ومقطوع على إنكاره من أصله وهذا جهل ممن ذهب إليه وذلك أن راويا معروفا بالكذب في رواياته لو روى خبرا انفرد به مما يمكن أن يكون حقا أو يكون باطلا لوجب التوقف على الحكم بصحته والعمل بما تضمنه ولم يجز القطع على تكذيب روايته والحكم بتكذيب ما رواه " انتهى
وفي كتاب أدب الحديث لعبد الغني بن سعيد " من سمع عني حديثا فكذبه فقد كذب ثلاثة الله ورسوله والناقل له "
ومنها قال الحافظ أبو سعيد العلائي " الحكم على الحديث بكونه موضوعا من المتأخرين عسر جدا لأن ذلك لا يتأتى إلا بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش وأنه ليس لهذا المتن سوى هذا الطريق الواحد ثم يكون في رواتها من هو متهم بالكذب إلى ما ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة تقتضي للحافظ المتبحر بأن هذا الحديث كذب ولهذا انتقد العلماء على أبي الفرج في كتابه الموضوعات وتوسعه

(2/266)


بالحكم بذلك على كثير من أحاديث ليست بهذه المثابة ويجيء بعده من لا يد له في علم الحديث فيقلده فيما حكم به من الوضع وفي هذا من الضرر العظيم مالا يخفى وهذا بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله تعالى التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ولم يجيء بعدهم مساو لهم ولا مقارب فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم بوضع شيء كان متعمدا لما أعطاهم الله عز و جل من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح انتهى
وفيما قاله نظر فقد حكم جمع من المتقدمين على أحاديث بأنه لا أصل لها ( أ121 ) ثم وجد الأمر بخلاف ذلك وفوق كل ذي علم عليم فينبغي أن يقال إنه يبحث عن ذلك ويراجع من له عناية بهذا الشأن فإن لم يوجد عندهم ما يخالف ذلك اعتمد حينئذ
ومنها جعل بعض الأصوليين من دلائل الوضع أن يخالف العقل فقد قال الله تعالى ( لآيات لقوم يعقلون ) ولهذا أنكروا " حديث عرق الخيل " الذي

(2/267)


رواه محمد بن شجاع الثلجي قال البيهقي " هو موضوع " وقال ابن عدي " كان الثلجي يضع الأحاديث التي يشنع بها على أهل الحديث "
وجعلوا من دلائل الوضع أيضا أن يخالف نص الكتاب كما قال علي بن المديني - في حديث إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد

(2/268)


عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه " خلق الله التربة يوم السبت " الحديث قال لعل إسماعيل سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى وقال البخاري " الصواب أنه من قول كعب الأحبار " وكذا ضعفه البيهقي وغيره من الحفاظ وقالوا هو خلاف ظاهر القرآن من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام والحديث أخرجه مسلم في صحيحه من جهة ابن جريج عن إسماعيل به

(2/269)


ومنها أن يخالف صحيح السنة وهذه طريقة ابن خزيمة وابن حبان وهي طريقة ضعيفة لا سيما حيث أمكن الجمع قال ابن خزيمة في صحيحه في حديث " لا يؤمن عبد قوما فيخص نفسه بدعوة فإن فعل فقد خانهم " هذا حديث موضوع فقد ثبت قوله صلى الله عليه و سلم " اللهم باعد بيني وبين خطاياي " انتهى

(2/270)


أحد فأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يتخذ ثنية من ذهب " وروى " النهي أن يصلي إلى نائم أو متحدث " قال ابن حبان " هذان موضوعان وكيف يأمر

(2/273)


المصطفى عليه الصلاة و السلام باتخاذ الثنية من ذهب وقد قال " إن الذهب والحرير يحرمان على ذكور أمتي " وكيف ينهى عن الصلاة إلى النائم ؟ وقد

(2/274)


كان صلى الله عليه و سلم يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة " انتهى

(2/275)


ولا يخفى ما في ذلك وقد قال الذهبي في الميزان - بعد كلام ابن حبان - " هذا حكمك عليهما بالوضع بمجرد ( د74 ) ما أبديت حكم فيه نظر لا سيما خبر الثنية "
ومنها أن الوضع قد وقع ومنهم من استدل على وقوعه بقوله صلى الله عليه و سلم " إنه سيكذب علي "
فإن كان هذا صحيحا وقع الكذب وإلا فقد حصل المقصود وفيه نظر بالنسبة إلى الأحاديث الموجودة الآن لأن الاستقبال في " سيكذب " لا يعين وقتها وقد بقيت أزمان وعندهم نسخ مشهورة بالوضع وقد جمعها بعضهم في قوله

(2/276)


( أحاديث نسطور ويسر ويغنم ... وبعد أشج القيس ثم خراش )
( ونسخة دينار ونسخة تربه ... أبي هدبة القيسي شبه فراش )
221 - ( قوله ) " ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات "
يريد به أبا الفرج ابن الجوزي واعتراضه عليه صحيح كما سبق بيانه إلا أن

(2/277)


قوله إن حقه أن يذكر في الضعيف ممنوع اقتصاره على ذلك فإن فيها ما ضعفه محتمل ويمكن التمسك به في الترغيب والترهيب ومنها ماهو و حديث حسن أو صححه بعض الأئمة كـ [ حديث ] " صلاة التسبيح "

(2/278)


@ 279 @

(2/279)


@ 280 @

(2/280)


قال المحب الطبري " أخطأ بذكره له في الموضوعات ولم يكن له ذلك وقد ( أ122 ) خرجه الحفاظ في كتبهم "
وكحديث " قراءة آية الكرسي عقب الصلاة " حكم عليها بالوضع وقد

(2/281)


رواه النسائي بإسناد على شرط الصحيح قال الحافظ المزي " أساء ابن الجوزي بذكره في الموضوعات وله مثل هذا كثير " وبين قولنا " لم يصح " وقولنا

(2/282)


" موضوع " بون كبير ؛ فإن الوضع إثبات الكذب والاختلاق وقولنا " لا يصح " لا يلزم منه إثبات العدم وإنما هو إخبار عن عدم الثبوت وفرق بين الأمرين وقد ثبت من طريق آخر
222 - ( قوله ) " والواضعون للحديث أصناف "
قلت قال القاضي عياض " منهم من وضع عليه مالم يقله أصلا إما استخفافا كالزنادقة أو حسبة بزعمهم وتدينا كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الأحاديث في الفضائل والرغائب أو إغرابا وسمعة كفسقة المحدثين أو تعصبا واحتجاجا كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب أو أتباعا لهوى فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما راموه وقد تعين جماعة من كل من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلماء الرجال ومنهم من لا يضع متن الحديث ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادا مشهورا ومنهم من يقلب الأسانيد ويزيد فيها ويستعمل ذلك إما للإغراب على غيره أو لرفع الجهالة عن نفسه
ومنهم من يكذب ليدعي سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق ويحدث

(2/283)


بأحاديثهم الصحيحة عنهم
ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة أو غيرهم وحكم العرب فينسبها للنبي صلى الله عليه و سلم ترويجا لها "
قلت ومن الزنادقة محمد بن سعيد المصلوب والمغيرة بن سعيد الكندي أرادوا بذلك إيقاع الشك في قلوب الناس فرووا " أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله " وقال شيخ من الخوارج بعد توبته " أنظروا عمن

(2/284)


تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا "
قال صاحب المفهم " وقد استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم نسبة قولية ل [ فيقول ] في ذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا ولهذا نرى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين وإنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا قال وهؤلاء يشملهم الوعيد بالكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم 223 - ( قوله ) " وفيما رويناه عن الإمام أبي بكر السمعاني أن بعض الكرامية جوز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب "
قلت هذا قاله ابن السمعاني في المجلس الثالث من أماليه قال " واغتروا

(2/285)


أحدهما أنه أسقط بين طلحة وعمرو بن شرحبيل أبا عمار
والثاني أسنده والمحفوظ أنه مرسل عن عمرو بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه و سلم من غير ذكر ابن مسعود قال وقد روى الزهري عن النبي صلى الله عليه و سلم [ قال ] " من حدث عني حديثا باطلا فليتبوأ مقعده من النار " انتهى
وذكر غيره أن العلماء أجابوا عن هذه الزيادة بأجوبة
أحدها أنها زيادة باطلة اتفق الحفاظ على بطلانها وأنه لا تعرف صحتها بحال
الثاني قال الطحاوي " لو صحت ( أ123 ) لكانت للتأكيد لقوله تعالى ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ) "
الثالث أن اللام في " يضل " ليست للتعليل بل للصيرورة والعاقبة أي يصير كذبهم للإضلال

(2/287)


وبقي مما يتعلق بكلام المصنف ضبط السمعاني والكرامية أما السمعاني فسبق في الحسن وأما الكرامية ففيه خلاف وقد جرى بين الشيخ صدر الدين ابن المرحل والقاضي سعد الدين الحارثي فقال ابن المرحل هو بتخفيف الراء فأنكره الحارثي عليه فأصر ابن المرحل على التخفيف وأنشد
( الفقه فقه أبي حنيفة وحده ... والدين دين محمد بن كرام )
وذكر لي شيخنا جمال الدين ابن هشام - رحمه الله تعالى - أن الشيخ الإمام أبا الحسن السبكي - رحمه الله تعالى - أخبره أن بعض الناس إذ ذاك اتهم

(2/288)


وحكى ابن الهيصم فيه وجهين
أحدهما " كرام " بالتخفيف والفتح على وزن حلال وذكر أنه المعروف في ألسنة مشايخهم وزعم أنه بمعنى كرامة أو كريم والثاني " كرام " بالكسر على لفظ جمع كريم وحكى هذا عن أهل سجستان وأطال في ذلك
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ولا معدل عن الأول وهو الذي أورده ابن السمعاني في الأنساب وقال كان والده يحفظ الكرم فقيل له الكرام واعترضه الذهبي وقال هذا قاله السمعاني بلا إسناد وفيه نظر فإن كلمة " كرام " علم على والد محمد سواء عمل في الكرام أم لم يعمل انتهى
وقد لخص ابن الصلاح في فوائد رحلته ( د75 ) ما قاله محمد بن الهيصم في كتابه مناقب محمد بن كرام
224 - ( قوله ) وربما غلط غالط فوقع في شبه الوضع بلا تعمد كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "
قلت هذا قاله الخليلي في الإرشاد ومنه أخذه المصنف وهذا الحديث

(2/290)


رواه ابن ماجه في سننه قال حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي ثنا ثابت بن موسى أبو زيد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " وإسماعيل الطلحي وثابت بن موسى وثقهما أبو جعفر الحضرمي مطين وقال توفي

(2/291)


إسماعيل سنة 233 وغيره يقول سنة 32 فليس عندهم بصحيح قال العقيلي في تاريخه " ثابت بن موسى العابد الضرير كوفي حديثه باطل ليس له أصل ولا يتابعه عليه ثقة ثم ساق له هذا الحديث " وكذا قال ابن عدي " لا يعرف إلا به سرقه منه جماعة من الضعفاء قال وبلغني عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه ذكر له هذا الحديث عن ثابت فقال باطل شبه على ثابت وذلك أن شريكا كان مزاحا وكان ثابت رجلا صالحا فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك وكان شريك يقول حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم والتفت فرأى ثابتا دخل على شريك وكان يمازحه " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلام الذي قاله شريك هو من الإسناد الذي قرأه فحمله على ذلك وإنما ذلك قول شريك
225 - ( قوله ) " والإسناد الذي قرأه متنه حديث معروف " انتهى
هذا هو الغلط الذي أشار إليه ابن الصلاح وقد ينازع فيه من وجهين أحدهما

(2/292)


أنه قد تابع ابن موسى ( أ124 ) على روايته هذا عن شريك جماعة من الضعفاء - كما قاله ابن عدي منهم عبد الحميد بن ( بحر ) وعبد الله بن شبرمة الشريكي وإسحاق بن بشر الكاهلي وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسي
ويجاب بأن المذكورين سرقوه منه كما قال ابن عدي لكن متابعة عبد الله بن شبرمة رواها أبو نعيم في تاريخ أصبهان " ثنا أبو عمرو عثمان بن محمد ثنا محمد بن عبد السلام

(2/293)


ثنا عبد الله بن شبرمة الكوفي ثنا شريك به هكذا قال " الكوفي " وهو أحد الأئمة الأعلام احتج به مسلم وأما الشريكي الذي ذكره ابن عدي فلم أر له ذكرا في كتب الجرح والتعديل بل قد جاء الحديث من غير طريق شريك أخرجه ابن جميع في معجمه فقال " ثنا أحمد بن محمد بن سعيد الرقي ثنا أبو الحسين محمد بن هشام بن الوليد

(2/294)


ثنا جبارة [ بن ] المغلس عن كثير بن سليم عن أنس به مرفوعا " وجبارة وكثير ضعيفان
الثاني أن هذا المثال من باب المدرج لا من الموضوع ولهذا قال ابن حبان في كتاب الضعفاء " ثابت بن موسى العابد روى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " قال ابن حبان " وإنما هو قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم [ ثلاث عقد " فأدرج ] ثابت في الخبر وجعل قول شريك من كلام النبي صلى الله عليه و سلم ثم سرق [ هذا من ] ثابت جماعة

(2/295)


من الضعفاء فحدثوا به عن شريك واقترن به التمثيل بما ذكر عن أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال " من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم "
قال الحافظ أبو نعيم في الحلية في ترجمة أحمد بن أبي الحواري " ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين أنه ذكره عن النبي صلى الله عليه و سلم فوضع هذا الإسناد لسهولته وقوته وهذا الحديث لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل "
226 - ( قوله ) " وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه و سلم في فضائل القرآن سورة سورة بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه " انتهى
وهذا الباحث الذي أبهمه هو مؤمل بن إسماعيل فإنه قال حدثني شيخ بالبصرة فصرت إليه فقال حدثني شيخ بعبادان فصرت إليه فأخذ بيدي وأدخلني

(2/296)


بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال هذا الشيخ حدثني فقلت يا شيخ من حدثك ؟ قال لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن
قلت وكأن المصنف إنما أبهم الباحث لغضاضة فيه فقد قال أبو حاتم الرازي مؤمل بن إسماعيل كثير الخطأ وقال البخاري منكر الحديث
227 - ( قوله ) " ولقد أخطأ الواحدي المفسر "
وغيره كالثعلبي والزمخشري في ذكره لكن الثعلبي والواحدي ذكراه بالإسناد

(2/297)


أنه سمعه منه أو سمعه ممن سمعه منه وقد حكم البيهقي بعدم قبول قول من دلس مرة ( أ98 ) واحدة مثل القنان ثم إذا بين أنه سمعه ممن أسند الخبر إليه قبل وإن لم يبين أنه سمعه ممن سمعه منه فقد تأكد فيه شيء فيه الخلاف
179 - ( قوله ) " أما القسم الثاني فإنه أخف وفيه تضييع للمروي عنه "
أو للمروي أيضا بألا يثبته فيصير بعض رواته مجهولا قال الشيخ أبو الفتح القشيري " للتدليس مفسدة إذ يصير الراوي مجهولا فيسقط العمل بالحديث بجهالة الراوي وإن كان عدلا في نفس الأمر وهذه جناية عظمى ومفسدة كبرى وله مصلحة وهو امتحان النفس في استخراج التدليسات وإلقاء ذلك إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال
ووراء ذلك مفسدة أخرى يراعيها أرباب الصلاح والقلوب وهو ما في التدليس من التزين وقد تنبه لذلك ياقوتة العلماء المعافى بن عمران

(2/298)


فخف حاله لأنه يعرف أمره [ من الإسناد ] بخلاف من ذكره بلا إسناد وجزم به كالزمخشري فإن خطأه أشد

(2/298)


النوع الثاني والعشرون المقلوب
228 - ( قوله ) " هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليصير بذلك غريبا مرغوبا فيه " انتهى
وهذا التعريف غير واف بحقيقة المقلوب وإنما هو تفسير لنوع منه وحقيقته " جعل إسناد ( أ125 ) لمتن آخر وتغيير إسناد بإسناد " وأطلقه القشيري على ما فسرنا به غريب الإسناد قال " وهذا النوع على طريقة الفقهاء يجوز أن يكون بينهما جميعا لكن تقوم عند المحدثين قرائن وظنون يحكمون بها على الحديث بأنه مقلوب وقد يطلق على راويه أنه يسرق الحديث وقد يطلق المقلوب على اللفظ بالنسبة إلى الإسناد والإسناد بالنسبة إلى اللفظ "
فالنسبة من اصطلاحهم إطلاق المقلوب على شيئين
أحدهما ما ذكره ابن الصلاح وهو أن يكون الحديث مشهورا براو فيجعل

(2/299)


مكانه راو آخر في طبقته ليصير بذلك غريبا مرغوبا فيه كحديث مشهور بسالم فيجعل مكانه نافعا وقد كان يفعله جماعة من الوضاعين كحماد بن عمرو النصيبي وإبراهيم بن أبي حية
مثاله حديث رواه عمرو بن خالد الحراني عن حماد بن عمرو النصيبي عن

(2/300)


الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا " إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام " الحديث فهذا مقلوب قلبه حماد بن عمرو أحد الهالكين فجعله عن الأعمش وإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة هكذا رواه مسلم في صحيحه
وقد يقع ذلك غلطا من بعض الرواة الثقات ( د76 ) كحديث " المرور بين يدي المصلي " أخرجه الشيخان من حديث بسر بن سعيد أن زيد بن خالد "

(2/301)


وفي سنن ابن ماجه قال " أرسلوني إلى زيد بن خالد "
والصواب الأول قال ابن عبد البر في التمهيد " رواه ابن عيينة مقلوبا والقول عندنا قول مالك وربيعة "
الثاني أن يوجد إسناد متن فيجعل على متن آخر أو متن فيجعل بإسناد آخر وقد أشار إليه ابن الصلاح في حكاية البخاري وهذا قد يقصد به أيضا الإغراب

(2/302)


فيكون ذلك كالوضع وقد يفعل اختبارا لحفظ المحدث هل يقبل التلقين أم لا ؟
وممن فعل ذلك شعبة وحماد بن سلمة وقد أنكر حرمي على شعبة لما حدثه ( بهز أن شعبة ) قلب أحاديث على أبان بن أبي عياش فقال حرمي بئس ما صنع
229 - ( قوله ) " وكذلك ما روينا أن البخاري قدم بغداد إلى آخره "
هذه الحكاية رواها الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد فقال حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي أنا أحمد بن الحسن الرازي سمعت أبا

(2/303)


أحمد بن عدي يقول سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم ومن البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي إليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون فهم الرجل ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز وقلة الفهم ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد آخر حتى فرغ من عشرته ( أ126 ) والبخاري يقول لا أعرفه ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على " لا أعرفه "
فلما علم البخاري انهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فهو كذا وصوابه كذا وحديثك الثاني فهو كذا وصوابه كذا وحديثك الثالث والرابع على الولاء حتى أتى علىتمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى

(2/304)


أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقروا له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل
230 - ( قوله ) " ومن أمثلته ويصلح مثالا للمعلل إلى آخره "
هذا مثال للقلب بالنسبة إلى الإسناد ولم يتعرض للقلب في المتن ومثاله من حديث جرير بن حازم هذا ما أخرجه الأربعة من جهة جرير عن ثابت البناني عن أنس " رأيت النبي صلى الله عليه و سلم ينزل من المنبر فيتعرض له الرجل في الحاجة " الحديث قال الترمذي فيه " غريب لا نعرفه إلا من حديث جرير وسمعت محمدا يقول [ وهم جرير بن حازم في هذا الحديث والصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال " أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي صلى الله عليه و سلم فما زال يكلمه حتى نعس

(2/305)


بعض القوم قال محمد " والحديث هو هذا وجرير ربما يهم في الشيء وهو صدوق " ]
ومثله حديث ابن عمر " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم " هكذا في الصحيح وأخرجه أحمد في مسنده وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا " فإن كانت المرأة منا ليبقى عليها من سحورها فتقول لبلال أمهل حتى أفرغ [ من ] سحوري " قال ابن الجوزي في جامع

(2/306)


المسانيد " كأن هذا مقلوب إنما هو " إن بلالا ينادي بليل " واحتج عبد الغني ابن سعيد به على جواز السماع من وراء حجاب اعتمادا على الصوت وقال " [ إن ] ابن أم مكتوم أو بلالا ينادي بليل " وروى ابن خزيمة مثله من حديث عائشة وهو خلاف المشهور عنها لكنه لم يجعله من المقلوب بل قال " لا تضاد بين الخبرين لجواز أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم جعل الأذان بالليل نوبا بين بلال وابن أم مكتوم فحين تكون نوبة أحدهما لئلا تكون نوبة الآخر عند طلوع الفجر فجاء الخبران على حسب الحالين " وذكر ابن حبان في صحيحه نحوه
231 - ( قوله ) " فإن أطلق ولم يفسر ففيه كلام يأتي إن شاء الله تعالى " أي في النوع الثالث والعشرين

(2/307)


232 - ( قوله ) " " الثاني يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد إلىآخره "
فيه أمور
أحدها حاصله أن الضعيف لا يحتج به في العقائد والأحكام ويجوز روايته والعمل به في غير ذلك كالقصص وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب ونقل ذلك عن ابن مهدي وأحمد بن حنبل وروى البيهقي في المدخل عن عبد الرحمن ابن مهدي أنه قال " إذا روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال "
وقال العباس بن محمد " سئل أحمد بن حنبل - وهو على باب أبي النضر هاشم بن القاسم - فقيل له يا أبا عبد الله ما تقول في موسى بن عبيدة ومحمد بن إسحاق ؟ فقال أما موسى بن عبيدة فلم يكن به ( أ127 ) بأس ولكن

(2/308)


حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار عن النبي صلى الله عليه و سلم وأما محمد بن إسحاق فرجل يكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما وقبض أصابع يديه الأربع "
وقال ابن عدي في الكامل في ترجمة إدريس بن سنان الصنعاني ثنا علي ابن أحمد بن سليمان ثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم سمعت يحيى بن معين يقول " إدريس بن سنان يكتب من حديثه الرقاق " وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم " ثنا أبي ثنا عبدة قال قيل لابن المبارك - وروى عن رجل حديثا - فقيل هذا رجل ضعيف قال يحتمل أن يروى عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء قلت لعبدة مثل أي شيء ؟ قال في أدب في موعظة في زهد "

(2/309)


وحكاه الخطيب في الكفاية عن سفيان الثوري وابن عيينة وأبي زكريا الفراء المصري وغيرهم ونقل النووي في الجزء الذي جمعه في إباحة القيام فيه الاتفاق فقال ( د77 ) " أجمع أهل الحديث وغيرهم على العمل في الفضائل ونحوها مما ليس فيه حكم ولا شيء من العقائد وصفات الله تعالى بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال " إذا علمت هذا فقد نازع بعض المتأخرين وقال جوازه مشكل فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم فإسناد العمل إليه يوهم ثبوته ويؤدي إلى ظن من لا معرفة له بالحديث الصحة فينقلونه ويحتجون به وفي ذلك تلبيس قال وقد نقل بعض الأثبات عن بعض تصانيف الحافظ أبي بكر بن العربي المالكي أنه قال " إن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا "
الثاني حيث قلنا بالجواز في الفضائل شرط الشيخ أبو الفتح القشيري في شرح الإلمام أن يكون له اصل شاهد لذلك كاندراجه في عموم أو قاعدة كلية فأما في غير

(2/310)


ذلك فلا يحتج به وقال في شرح العمدة " حيث قلنا يعمل بالضعيف لدخوله تحت العمومات مثاله " الصلاة المذكورة في أول جمعة من رجب " فإن الحديث

(2/311)


فيها ضعيف فمن أراد فعلها وإدراجها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات لم يستقم لأنه صح [ " أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام " وهذا أخص من العمومات الدالة ] على فضيلة مطلق العبادة قال

(2/312)


وهذا الاحتمال الذي قلناه من جواز إدراجه تحت العمومات نريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج إلى دليل عليه ولا بد بخلاف ما إذا بني على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت ولا بتلك الهيئة وهذا [ هو ] الذي قلنا باحتماله وجواز العمل به
الثالث ما ذكره من عدم العمل بالضعيف في الأحكام ينبغي أن يستثنى منه صور [ أحدها ] ألا يوجد سواه وقد ذكر الماوردي أن الشافعي احتج بالمرسل إذا لم يوجد دلالة سواه وقياسه في غيره ومن الضعيف كذلك وقد نقل عن الإمام أحمد أنه يعمل بالضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره ولم يكن ثم ما يعارضه قال الأثرم " رأيت أبا عبد الله إذا ( أ128 ) كان الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم في

(2/313)


إسناده شيء يأخذ به ( إذا لم يجيء أثبت منه ) مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجد خلافه وقال القاضي أبو يعلى " قد أطلق أحمد القول في الأخذ بالحديث الضعيف فقال مهنا قال أحمد الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح فقيل له تأخذ بحديث " كل الناس أكفاء " وأنت تضعفه ! ؟ فقال إنما يضعف إسناده ولكن العمل

(2/314)


عليه وكذلك قال في رواية ابن مشيش - وقد سأله عمن تحل له الصدقة - إلى أي شيء تذهب في هذا ؟ فقال إلى حديث حكيم بن جبير قلت حكيم ثبت عندك

(2/315)


في الحديث ؟ قال ليس هو عندي ثبتا في الحديث قال القاضي " قول أحمد " " ضعيف " أي على طريقة أصحاب الحديث لأنهم يضعفون بما لا يوجب تضعيفه عند الفقهاء كالإرسال والتدليس والتفرد بزيادة في حديث وقوله " والعمل عليه " معناه طريقة الفقهاء وقال مهنا " سألت أحمد عن حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم " أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة " فقال

(2/316)


ليس بصحيح والعمل عليه كان عبد الرزاق يقول عن معمر عن الزهري مرسلا
قلت وهذا متعين فقد سبق عن الإمام أحمد أنه لا يعمل بالضعيف في الحلال والحرام فدل على أن مراده بالضعيف هنا غير الضعيف هناك ولا شك أن الضعيف تتفاوت مراتبه وعلى هذه الطريقة بنى أبو داود كتابه السنن وحكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتاب الجهر بالبسملة عن القاضي ابن العربي أنه سمع ابن عقيل الحنبلي في رحلته إلى العراق يقول " مذهب أحمد أن ضعيف

(2/317)


الأثر خير من قوي النظر "
قال ابن العربي " هذه وهلة من أحمد لا تليق بمنصبه " فإن ضعيف الأثر لا يحتج به مطلقا قال شيخنا شرف الدين بن قاضي الجبل من أصحابنا " من قال هذا من تصرف ابن عقيل في المذهب على القواعد وليس كذلك فقد نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله ذكره في مسائله ورواه عنه شيخ الإسلام الأنصاري في كتابه ونصه قال عبد الله قال أبي " ضعيف الحديث خير من قوي الراي "
قال شيخنا القاضي شرف الدين " وإنما أتي من أنكر هذه اللفظة على أحمد لعدم معرفته بمراده فإن الضعيف عند أحمد غير الضعيف في عرف المتأخرين فعنده الحديث ينقسم إلى صحيح وضعيف لأنه ضعف عن درجة الصحيح وأما

(2/318)


الضعيف بالاصطلاح المشهور فإن أحمد لا يعرج عليه أصلا " انتهى
وقريب من هذا قول ابن حزم إن الحنفية متفقون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي والظاهر أن مرادهم بالضعيف ما سبق
الثانية إذا وجد له شاهد مقو مؤكد ثم الشاهد إما من الكتاب أو السنة والذي من الكتاب إما بلفظه كحديث " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا " فهذه الصيغة بعينها في القرآن وأما بمعناه كحديث " نهى عن الغيبة

(2/319)


والتجسس " فهو بمعنى الذي في القرآن والحاصل أنه يتبين للحديث أصل
والذي من السنة إما بلفظه مثل أن يروى من وجهين صحيح وضعيف " كل معروف صدقة " ونحوه فيعلم بالصحيح أن للضعيف أصلا في السنة وإما بمعناه نحو ( أ129 ) " من صنع معروفا أثيب عليه إذ لا يذهب المعروف عند الله هدرا " وهذا بمثابة ما إذا أخبرنا بخبر واحد وأحدهما غير موثوق به فإنه إذا أخبرنا به الآخر الثقة ظهر لنا أن الأول صادق وإن كنا لا نعتد [ به ]
وفائدة هذا جواز العمل بخبرين لا يستقل كل واحد منهما بالحجة ويستقلان جميعا باعتضاد كل منهما بالآخر وذكر النووي في شرح المذهب من كتاب الحج أنه يعمل بالضعيف إذا روي من طرق مفرداتها ضعيفة فإنه يقوي بعضها

(2/320)


بعضا ويصير حسنا ويحتج به وقد سبق تحرير هذا في الكلام على الحسن
بقي ما لو ورد الحديث على رفع الواقع فلا يكون هذا شاهدا له لأن الكذاب لا يضع حديثا إلا على وفق واقع أو ممكن والواقع بمجرده لا يدل على الحكم شرعا فإن قيل ( د78 ) لم جوزتم العمل بالضعيف مع الشاهد المقوي ولم تجوزوه بالموضوع مع الشاهد ؟ قلنا لأن الضعيف له أصل في السنة وهو غير مقطوع بكذبه ولا أصل للموضوع أصلا فشاهده كالبناء على الماء أو على جرف هار ثم العمل بالحقيقة بذلك الشاهد إن صلح لاستقلاله
الثالثة أن يكون ( الموضوع موضع ) احتياط فيجوز الاحتجاج به ظاهرا قال النووي في كتاب القضاء من الروضة قال الصيمري لو سأل سائل فقال إن قتلت عبدي هل علي قصاص فواسع إن قتلته قتلناك فعن النبي صلى الله عليه و سلم " من

(2/321)


قتل عبده قتلناه " ولأن [ ا لقتل ] له معان
فائدة
الأحاديث التي يقع فيها تعيين المبهمات وصح أصلها في طريق آخر هل يتسامح في اسانيدها من جهة أنه لا يتعلق بتعيينه حكم شرعي أم لا ؟ فيه نظر والأقرب التسامح
233 - ( قوله ) الثالث " إذا أردت رواية الحديث الضعيف " إلى آخره "
فيه أمور
الأول ما ذكره من أنه لا يجوز رواية الضعيف إلا بصيغة التمريض شامل للضعيف الذي يمتنع العمل به وهو في الأحكام والذي شرع العمل به وهو

(2/322)


في الفضائل وهو في الظاهر ومن الناس من يجزم بـ " قال " في الضعيف إذا كان من فضائل الأعمال والأحوط المنع
الثاني شمل إطلاقه شر أنواعه وهو الموضوع ولهذا استثنى الموضوع في الثاني ولم يستثنه في الثالث والصواب المنع والفرق أنه في الضعيف لا يقطع بكذبه بخلاف الموضوع فيجب تنزيل كلام المصنف على ما عدا الموضوع
الثالث أن قوله " بغير إسناد " يقتضي أنه إذا روي بالإسناد يقال فيه بالجزم وهو كذلك اتباعا لما روي
الرابع خرج من هذا أنه لا يجوز رواية الضعيف إلا مع تبيينه وقد حكاه العلامة أبو شامة المقدسي في كتاب البدع عن جمع من المحدثين والمحققين وأهل الفقه والأصول وقال " إن جماعة من أهل الحديث يتساهلون في ذلك وهو خلاف ما عليه المحققون قال ومن تساهل فيه فهو خطأ بل ينبغي أن يبينه إن علم وإلا دخل تحت الوعيد " من كذب علي متعمدا "
قلت ولهذا كان الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة وغيره من أهل الديانة إذا روى حديثا بهذه الصفة قال " حدثنا فلان مع براءة من عهدته " وقال البيهقي في سننه باب " الاعتماد في الجلوس في الخلاء على اليسرى " إن صح ( أ128 )

(2/323)


ويلتحق بتبيين الضعف أن يذكر الإسناد ولهذا اكتفى أحمد في مسنده والطبراني في معجمه والدارقطني وغيرهم بذلك في رواية كثير من الأحاديث من غير بيان ضعفها لظهور أمر حالها بالإسناد عند من له أدنى بصيرة بهذا الشأن وقد روى الحاكم في مدخله اخبرني علي بن الحسين بن يعقوب بن شقير المقري بالكوفة ثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده فإن يكن حقا كنتم شركاء في الأجر وإن يكن باطلا كان وزره " قال الحاكم أكتبه إلا عن ابن شقير
تنبيه
سكت المصنف عن عكس ذلك وهو إذا أردت رواية الحديث الصحيح بغير إسناد فلا يأتي فيه بصيغة التمريض " روي " ونحوه ووقع ذلك فيي عبارة الفقهاء وليس يستحسن

(2/324)


157 - ( قوله ) " على ما نبهنا عليه في الفائدة السادسة "
الذي ذكره هناك تفصيل لا يوافق ما أطلقه هنا فليتأمل
158 - ( قوله ) " من جهة أن البخاري أورده قائلا فيه " قال هشام بن عمار " فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام " إلى أن قال " والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح "
يعني فقد وصله الإسماعيلي في كتاب المستخرج على البخاري فقال حدثنا الحسن وهو ابن سفيان النسوي الإمام [ قال ] ثنا هشام بن عمار فذكره

(2/452)


قريبا
يعني أنه ليس له حكم التعليق بل حكمه حكم الإسناد المعنعن لسلامة البخاري من التدليس وسبق أن المصنف خالف هذا [ في ] النوع [ الأول ]
160 - ( قوله ) " وبلغني عن بعض المتأخرين من أهل المغرب أنه جعله قسما من التعليق ثانيا وأضاف [ إليه ] مثل قول البخاري " وقال لي فلان " و " روانا فلان " فوسم ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر المنفصل من حيث المعنى وقال ومتى رأيت البخاري يقول " وقال لي " و " قال لنا " فاعلم أنه إسناد لم يذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد قال ابن الصلاح وهو مخالف لقول من هو أعرف منه وهو أبو جعفر النيسابوري فإنه قال هو عرض ومناولة انتهى

(2/532)


والحديث لا ينتهي إلى ذلك فقد حسنه الترمذي وغيره وليس بمعارض لحديث الاستفتاح لإمكان حمله على ما لا يشرع للإمام والمأموم
وقال ابن حبان في صحيحه في قوله صلى الله عليه و سلم " إني لست كأحدكم إني أطعم وأسقى " " هذا الخبر يدل على أن الأحاديث التي جاء فيها أنه كان يضع الحجر

(2/2271)


قال " أحسبه عن النبي صلى الله عليه و سلم "
ومنها خبر كعب بن عجرة " في حلق رأسه [ وهو محرم ] وهو شديد

(2/2292)


على بطنه كلها أباطيل وإنما معناها الحجز وهو طرف الإزار لا الحجر إذ الله جل وعلا كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا مع عدم الوصال حتى يشد الحجر على بطنه وما يغني الحجر عن الجوع وقال في كتابه الضعفاء في ترجمة أبان سفيان إنه روى حديث عبد الله بن أبي " أصيبت ثنيته يوم

(2/2722)


بحديث رواه يونس بن بكير عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن عمرو ابن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود يرفعه " من كذب علي متعمدا ليضل فليتبوأ مقعده من النار " قال وهذا القول منهم باطل والكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم حرام في جميع الأحوال
وأما حديث يونس بن بكير فقد جاء عنه بدون هذه الزيادة ثم ساقه كذلك وقال قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ " وهم يونس بن بكير في هذا الحديث في موضعين

(2/2862)


ابن المرحل بوضع هذا البيت
قلت وليس كذلك فقد أنشده الثعالبي لأبي الفتح البستي وأورد بعده
( إن الذين أراهم لم يؤمنوا ... بمحمد بن كرام غير كرام )
وهذا البيت يعضد ضبطه بالتخفيف لكن ما ضبطه الحارثي هو الذي ذكره غير واحد من أئمة هذا الشأن منهم الخطيب في المؤتلف والمختلف وقال الحافظ الذهبي " كرام " مثقل الراء قيده ابن ماكولا وابن السمعاني وغير واحد وهو الجاري على الألسنة وقد أنكر ذلك متكلمهم محمد بن الهيصم وغيره

(2/2892)


وينبغي تنزيل كلام ابن عساكر على ذلك ( 1 )

(3/0)


0

(3/0)


3

(3/1)


وقال الترمذي في آخر كتابه " قد روى عن أبان بن أبي عياش ( 1 ) ( 2 ) غير واحد من الأئمة وإن كان فيه من الضعف والغفلة ما وصفه أبو عوانة وغيره فلا يغتر برواية الثقات عن الناس " ( 3 ) فهذا مذهب الإمامين وهو الذي اختاره المحققون من الأصوليين
تنبيه
اعترض الشيخ تاج الدين التبريزي على كلام المصنف هنا وقال " إنه غير ظاهر في المقصود لأنه إن كان المراد بظاهر العدالة من شهد عدلان على عدالته فلا نزاع في قبول شهادته وروايته في ظاهر الشرع وإن كان باطنه بخلاف الظاهر وإن كان المراد ما اشتهر بالعدالة بين الناس فلا نزاع فيه وإن لم يكن شيء من ذلك فلا نسلم أنه يقال له ظاهره العدالة
وأما قوله بخلاف الشهادة فإنه اعتبر فيه العدالة ظاهرا وباطنا ففيه بحث فإن المعدلين إذا غلب على ظنهما صلاح رجل بعد الاعتبار والصحبة وشهدا بعدالته يعتبر تعديلهما قطعا وحكم الحاكم بشهادة الرجل المعدل وإن كان في الباطن غير عدل "
قلت مراده بالعدالة الظاهرة العلم بعدم الفسق وأما الباطنة فهي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين وقد صرح بذلك الأصحاب في كتاب الصيام وحينئذ لا يصح الاعتراض فإنه لم يرد بالباطنة ما في نفس الأمر بل ما يثبت عند الحاكم

(3/38)


@ 237 @

(3/237)


@ 257 @

(3/257)


@ 271 @

(3/271)


@ 290 @

(3/290)


3
النوع الثالث والعشرون معرفة من تقبل روايته
234 - ( قوله ) " وخوارم المروءة " ( )
فيه أمور أحدها ذكر الخطيب وغيره أن المروءة في الرواية لا يشترطها أحد غير الشافعي ( 1 ) وهو يقدح في نقل المصنف الاتفاق عليه لكن إذا حقق المراد بها صح كلامه
واعلم أن اشتراط السلامة من خوارم المروءة خارج عن العدالة فإن العدالة اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر وخوارم المروءة التلبس بما لا يعتاد به أمثاله وهي لا تقدح في العدالة كما لا يقدح فيها وجود التهمة بل إنما يقدح

(3/325)


في الشهادة ( 1 ( وقد أطلق العراقيون من أصحاب الشافعي أن من وجد فيه بعض ما هو خلاف المروءة قبلت شهادته إلا أن يكون الأغلب عليه ذلك فيرد
وحكى شريح الروياني في روضة الحكام وجهين في أنه هل يشترط المروءة في الشهادة وجريانها في الرواية أولى
الثاني لم يبين المراد بالمروءة المشترطة وقال الماوردي في الحاوي في الباب الثاني من كتاب الشهادات المروءة على ثلاثة أضرب أحدها أن يكون شرطا في العدالة بمجانبة ما يستخف من الكلام المؤذي والضحك وترك ما قبح من الفعل الذي يلهو به ويستقبح بمعرته فمجانبة ذلك شرط في العدالة وارتكابه مفض إلى الفسق ( 2 ) ومنه نتف اللحية وخضابها يعني بالسواد
والثاني ما ليس بشرط كالإفضال بالماء والطعام والمساعدة بالنفس والجاه
الثالث ( 3 ) مختلف فيه وهو نوعان عادات وصنائع ثم حكى في مخالفة العادة أربعة أوجه أحدها لا تقدح مطلقا والثاني تقدح مطلقا والثالث إن كان قد نشأ عليها في صغره لم تقدح في عدالته وإن استحدثها في كبره قدحت لأنه يصير مطبوعا بها والرابع إن اختصت بالدين قدحت كالبول قائما ( 4 ) وفي الماء الراكد وكشف العورة إذا خلا وأن يتحدث بمساوئ [ الناس ] ( 5 ) وإن

(3/326)


اختصت بالدنيا لم تقدح كالأكل في الطريق وكشف الرأس بين الناس والمشي حافيا لأن مروءة الدين مشروعة ومروءة الدنيا مستحبة
القسم الثاني الصنائع الدينية وفيها أوجه ثالثها يرد ما استرذل في الدين كمباشرة الأنجاس ( أ131 ) من ( 1 ) الكناس والحجام والزبال ومشاهدة العورات كالقيم والمزين ونحوهما ( 2 )
الثالث لم يذكر من شروطها الحرية وإن ذكره الفقهاء في الشهادات لأن العبد ( 3 ) مقبول الرواية بـ ( 4 ) [ الشروط المذكورة ] ( 5 ) إجماعا كما حكاه الخطيب ( 6 ) ولا يشترط الذكورة خلافا لما نقله الماوردي في الحاوي عن أبي حنيفة قال واستثنى أخبار عائشة وأم سلمة ولا يشترط البصر ولا العدد ولا العلم بالفقه أو الغريب أو معنى الحديث وشرط أبو حنيفة فقه ( 7 ) الراوي إن خالف القياس ( 8 )
235 - ( قوله ) " عدالة الراوي تثبت بتنصيص عدلين على عدالته وتارة بالاستفاضة " ( )
فيه أمران

(3/327)


أحدهما ظاهره الحصر في ذلك فيخرج به ما لو عمل بحديثه ( 1 ) فلا يقتضي تعديله وهو المختار عنده كما سيأتي
وذهب بعضهم إلى أن العدالة تثبت برواية جماعة من الجلة عن الشخص وهذه طريقة البزار في مسنده وجنح إليها ابن القطان أيضا في الكلام على حديث " قطع السدر " ( 2 ) في كتابه الوهم والإيهام ( 3 )
الثاني ما ذكره من اشتراط ذلك هو المشهور ونقل في طبقاته عن ابن

(3/328)


عبدان ( 1 ) أنه حكى في كتاب شرائط الأحكام عن بعض أصحابنا أنه لم يعتبر في ناقل الخبر ما يعتبر في الدماء والفروج من التزكية بل إذا كان ظاهره الدين والصدق قبل خبره ثم استغربه الشيخ وهو كذلك ( 2 ) وهو قريب من توسع ابن عبد البر الآتي
واعلم أنه يجوز تقليد الأئمة ( د79 ) في التعديل لا سيما في مثل هذه الأعصار قال ابن الأنباري في شرح البرهان في باب الاجتهاد " وصار بعض الأصوليين إلى جواز الاكتفاء بتعديل الأئمة كما ثبت عند الكافة الانقياد إلى تعديل من روى عنه ( 3 ) البخاري ومسلم في الصحيحين وإن كان الرواة عند أهل العصر مستورين وهذا اختاره الغزالي ( 4 ) وأشار إليه إمام الحرمين ( 5 ) أيضا
قال " ويبعد في حق الراوي أن يعرف حاله كل من روى له خبرا فيكتفي بتعديل الأئمة بعد أن يعرف مذهبهم ( 6 ) في التعديل مذهب مستقيم فإن الناس قد اختلفوا فيما يعدل به ويجرح قال الأنباري
" والصحيح عندنا خلاف ذلك وهذا تقليد محض ولا يكون المحدث على بصيرة من هذا الحال "
ورأيت في جملة مسائل سئل عنها الحافظ عبد الغني المقدسي أنه إذا ورد تعديل واحد من الحفاظ وتجريحه كيحيى بن معين وغيره فإن كان الرجل من أهل النقد

(3/329)


والمعرفة فعليه أن ينظر فيه ويتأمله بعده ويختار من أقوال الناس ومن ( 1 ) لم يكن من هذه المنزلة فله تقليد يحيى وغيره
236 - ( قوله ) " وتوسع ابن عبد البر فقال كل حامل علم " إلى آخره ( )
فيه أمور
أحدها أن ما لم يرتضه وافقه عليه ابن أبي الدم وقال إنه قريب الاستمداد من مذهب أبي حنيفة في أن ظاهر المسلمين العدالة وقبول شهادة كل مسلم مجهول الحال إلى أن يثبت جرحه قال وهو غير مرضي عندنا لخروجه عن الاحتياط ويقرب منه ما ذهب إليه مالك من قبول شهادة المتوسمين من أهل القافة ( 2 ) اعتمادا على ظاهر أحوالهم المستدل بها على العدالة والصدق فيما يشهدون به انتهى
ولكن خالفه جماعة من المتأخرين منهم الحافظ المزي فقال " ما قاله ابن عبد البر هو في زماننا مرضي بل ربما يتعين "
وقال الشيخ أبو الفتح بن سيد الناس " لست ارى ما قاله أبو عمر إلا مرضيا

(3/330)


قال وقد جعل ذلك إسماعيل بن إسحاق القاضي ( 1 ) تعديلا جائزا في قبول الشهادة وهي أضيق من الخبر ( أ132 ) واكتفى في قبول الشهادة بطلبه العلم مع السلامة من الجرح ثم ساق ذلك بسنده إليه وقال " من عدله رسول الله صلى الله عليه و سلم أولى ممن عدلته " قال الشيخ ولو أن مستوري الحال في دينهما تعارضا في نقل خبر وأحدهما معروف بطلب الحديث وكتابته والآخر ليس كذلك لكانت النفس إلى قبول خبر الطالب اميل ولا معنى لهذه المعرفة إلا مزية طلبا لعلم " انتهى
وقد يتوقف في الاستدلال بهذا الحديث على ما قصده ابن عبد البر من وجهين أحدهما أن قوله " يحمل " وإن كان لفظه لفظ الخبر إلا أن معناه الأمر ولا يجوز أن يكون خبرا محضا وإلا لتطرق إليه الخلف وهو مخالف لأنه قد يحمله غير عدل في الواقع ولأن كثيرا من العدول لا يحملونه وحينئذ فلا حجة فيه لا سيما على الرواية التي سيحكيها عن كتاب الرحلة للمصنف
الثاني أن ابن عبد البر نفسه قال في كتاب جامع بيان العلم إن هذا الحديث روي عن أسامة وأبي هريرة بأسانيد كلها مضطربة غير مستقيمة ( 2 ) هذا لفظه وكذا

(3/331)


قال أبو نعيم في معرفة الصحابة ولو اعترض به على الشيخ لكان أولى
الثاني أن هذا الحديث قد روي مرفوعا من من حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وابن عمر وأبي أمامة وجابر بن سمرة وأسامة بن زيد وأسانيدها ضعيفة وقال الدارقطني " لا يصح مرفوعا إنما هو عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ( 1 ) عن ( 2 ) النبي صلى الله عليه و سلم وقال ابن عدي " رواه الثقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال ثنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فذكره ( 3 )
وأورده العقيلي ( 4 ) في الضفعاء في ترجمة معان بن رفاعة ( 5 ) وقال " لا يعرف إلا به " ( 6 ) انتهى وهو مرسل أو معضل ( 7 ) ضعيف وإبراهيم الذي أرسله قال فيه

(3/332)


ابن القطان " لا نعرفه البتة في شيء من العلم غير هذا ولم يضعوا اسمه في تواريخهم "
قلت ذكره الحسن بن عرفة ( 1 ) في الصحابة حكاه عنه أبو نعيم لكنه قال " لم يتابع عليه " ( 2 )
وقال ابن الجوزي " في صحبته نظر "
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ( 3 ) فحصل أنه إما تابعي ثقة ( أم ) ( 4 ) مشكوك في صحبته بل في كتاب العلل للخلال أن أحمد بن حنبل سئل عن هذا الحديث فقيل له كأنه كلام موضوع ؟ فقال لا هو صحيح فقيل له ممن سمعته ؟ فقال من غير واحد فقيل من هم ؟ فقال حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن قال أحمد ومعان لا بأس به ووثقة ابن المديني ( 5 )
قال ابن القطان وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره ثم ذكر تضعيفه عن

(3/333)


طبقة ( 1 ) أخرى متصلة بهم منهم
إسحاق ( 2 ) الكوسج ( 3 ) والدارمي ( 4 ) والذهلي والبخاري والعجلي الحافظ نزيل المغرب
ثم من بعدهم أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ومسلم بن الحجاج وابو إسحاق الجوزجاني ( 5 ) وهو ممن يبالغ في الجرح
وأبو داود السجستاني وبقي بن مخلد وأبو زرعة الدمشقي ( 6 ) وغيرهم
ثم من بعدهم ( 7 ) عبد الرحمن بن يوسف بن خراش البغدادي ( 8 ) له مصنف

(3/333)


ابن معين وابن أبي حاتم والسعدي وابن عدي وابن حبان وقال عبد الحق حديث أبي هريرة أحسن من عبد الله بن عمرو ونازعه ابن القطان في ذلك وفيما صار إلى من تضعيفه نظر فإنه يتقوى بتعدد طرقه ومن شواهده كتاب عمر إلي أبي موسى " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور ( 1 ) أو ظنينا في ولاء أو نسب " ( 2 )
الثالث المشهور في لفظ هذا الحديث " يحمل " بفتح الفاء وضم العين من " عدوله " على أنه جمع عدل ورأيت في رحلة ابن الصلاح [ بخطه ] ( 3 ) مما نقله

(3/334)


قال الخطابي ومن روى الحديث بسكون اللام فقد أحال ( 1 ) 237 - ( قوله ) الثانية " يعرف كون الراوي ضابطا إلى آخره " ( )
لم يضبط الضبط وذكر ابن الأثير في مقدمة الجامع أن الضبط عبارة عن احتياط في باب العلم وله طرفان العلم عند السماع والحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ( د80 ) ولم يعلم ( 2 ) لم يكن معتبرا كما لو سمع صياحا لا معنى له وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه لم يكن ضبطا لمعناه ( 3 ) من حيث تعلق الحكم الشرعي به وهو الثقة ومطلق الضبط الذي هو شرط في الراوي هو الضبط ظاهرا عند الأكثر لأنه يجوز [ نقل ] ( 4 ) الخبر بالمعنى فتلحقه مهمة تبديل المعنى بروايته قبل الحفظ وقبل العلم حين يسمع ولهذا المعنى قلت الرواية عن أكثر الصحابة لتعذر

(3/336)


هذا المعنى قال ( 1 ) وهذا الشرط وإن كان على ما بينا فإن أصحاب الحديث قل ما يعتبرونه في حق الطفل دون المغفل فإنه متى صح عندهم سماع الطفل أو حضوره أجازوا روايته والأول أحوط اللدين وأولى ( 2 )
238 - ( قوله ) " التعديل مقبول من غير ذكر سببه إلى آخره " ( )
اقتصر على إيراد الصحيح من المذاهب ( 3 ) وهو اشتراط التفسير في الجرح دون التعديل ومقابلة مذاهب
أحدها عكسه لأن العدالة يكثر التصنع فيها فيسارع الناس إلى البناء على الظاهر بخلاف الجرح
وثانيها لا بد من بيان سببها للمعنيين السابقين

(3/337)


وثالثها لا يجب فيهما لأن المزكي إن كان بصيرا قبل جرحه وتعديله وإلا فلا وهو قول القاضي أبي بكر وقال إمام الحرمين " إن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه وإلا فلا " ( 1 ) والمختار ما قاله الغزالي ؛ أنه ينظر في مذاهب الجارحين والمزكين فإن كانت مختلفة توقفنا عن قبول الجرح حتى يتبين وجهه وما كان مطلقا أو غير مقيد فلا يجرح به وما ينبغي في الجارح والمعدل أن يكون عالما باختلاف المذاهب في ذلك فيجرح عند كل حاكم بما يراه ذلك الحاكم جرحا فيجرح عند المالكي بشرب النبيذ متأولا لأنه يراه قادحا دون غيره وإذ لو لم يعتبر ذلك لكان الجارح أو المعدل عار لبعض الحكام حتى يحكم بقول من لا يرى قبول قوله وهو نوع من الغش محرم ( 2 )
239 - ( قوله ) " ولذلك احتج البخاري بجماعة إلى آخره "
ما ذكره من أن احتجاجه بهؤلاء لأنه لم يفسر جرحهم مردود بل الصواب أن يقال إنما احتج بهم لأنه لم يثبت عنده الجرح وإن فسر لأنه قد جاء التفسير فيهم ( أ134 ) أما عكرمة فقال ابن عمر لنافع " لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس " ( 3 )

(3/338)


وفي الأنساب لمصعب الزبيري أن سبب ذلك في عكرمة أنه ( 1 )
إلى ابن عباس فقيل ذلك ( 2 )
وأما عاصم ( 3 ) فقال ابن معين كذاب كذاب وقال مسلم كثير المناكير وقال ابن سعد ليس بالمعروف كثير الخطأ في حديثه ( 4 )
وأما عمرو بن مرزوق فنسبه أبو الوليد ( 5 ) الطيالسي إلى الكذب ( 6 )

(3/339)


وأما ابن سعيد ( 1 ) فمعروف بالتلقين وقال ابن معين كذاب ساقط ( 2 )
وأما إسماعيل ( 3 ) فيقال إنه أقر على نفسه بالوضع كما حكاه النسائي عن

(3/340)


سلمة بن شبيب عنه وقال النضر بن سلمة كذاب ( 1 )
إلى غير ذلك من كلام الأئمة في الرجال الواقعة في الصحيحين والذي يزيح الإشكال ما قدمناه من أنه لم يثبت عنده الجرح ( 2 ) ولهذا قال إسحاق بن عيسى الطباع ( 3 ) " سألت مالك بن أنس قلت أبلغك أن ابن عمر قال لنافع " لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس ؟ " قال لا ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه ( 4 ) " وعلى تقدير ثبوت التفسير فلا شك أن في الجرح والتعديل ضربين ( 5 ) من الاجتهاد وأئمة النقل يختلفون في الأكثر فبعضهم يوثق الرجل إلى

(3/341)


الغاية وبعضهم يوهنه إلى الغاية وهما إمامان إليهما المرجع في هذا الشأن قال الترمذي " اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا فيما سوى ذلك من العلم فذكر عن شعبة أنه ضعف أبا ( 1 ) الزبير المكي ( 2 ) وعبد الملك بن أبي سليمان ( 3 ) وحكيم بن جبير ( 4 ) وترك الرواية عنهم ثم حدث شعبة عمن هو

(3/342)


دونهم في الحفظ والعدالة كجابر ( 1 ) الجعفي ( 2 ) وإبراهيم بن مسلم الهجري ( 3 ) ومحمد بن عبيد ال ( 4 ) له العرزمي " ( 5 )

(3/343)


وحينئذ ( 1 ) فلا يكون إمام منهم حجة على الآخر في قبول رواية راو أورده ( 2 ) فهذا [ محمد بن ] ( 3 ) إبراهيم التميمي قال فيه أحمد بن حنبل " يروي مناكير " ( ذكر ) ( 4 ) ذلك الباجي في رجال البخاري ( 5 ) وكذا العقيلي ( 6 ) وقال فيه ابن

(3/344)


الحذاء تكلم فيه أهل الحديث ومع هذا فاتفق أئمة الإسلام كمالك والبخاري ومسلم وغيرهم على الرواية عنه ( 1 ) وحديث " إنما الأعمال بالنيات " إنما مداره عليه وقد تلقته الأمة بالقبول لموافقته الأصول فلا يجعل قول أحمد - وإن كان إمام هذا الشأن - حجة على مالك والبخاري ومسلم وغيرهم من الأئمة ( 2 ) كما لا يكون قول بعض الأئمة حجة على بعض في المسائل الاجتهادية ولو ذهب العلماء إلى ترك كل من تكلم فيه لم يبق بأيدي أهل هذا ( 3 ) الشأن من الحديث إلا

(3/345)


اليسير بل لم يبق شيء ومن الذي ينجو من الناس سالما " وللناس قال " بالظنون وقيل " ( 1 )
وأيضا فللبخاري أن يقول إنما شرطي صحة الحديث للاتفاق على عدالة الرواة فقد يكون الحديث له طرق بعضها أرفع من بعض فيعدل عن الطريق الأصح لنزوله ( 2 ) أو لقصد تكرار الطرق أو غيرها وقد صرح مسلم بنحو ذلك فقال أبو عثمان سعيد بن عمرو ( 3 ) سمعت ( 4 ) أبا زرعة الرازي - وقد ذكر له كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم - فقال " هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا فيه شيئايتشرفون به وألفوا كتبا لم يسبقوا إليها ليقيموا لأنفسهم رئاسة قبل وقتها وأتاه ذات ( أ135 ) يوم وأنا شاهد رجل بكتاب الصحيح رواية مسلم فجعل ينظر فيه فإذا هو قد حدث عن أسباط بن نصر ( 5 ) فقال أبو زرعة ما أبعد ( 6 ) هذا من

(3/346)


الصحيح يدخل في كتابه أسباط بن نصر ثم رأى فيه قطن بن نسير ( 1 ) فقال لي هذا أطم ( 2 ) من الأول قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت ( 3 ) جعلها عن أنس ثم نظر وقال يروي عن أحمد بن عيسى ( 4 ) في كتاب الصحيح ؟ ! قال لي أبو زرعة ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد بن عيسى وأشار أبو زرعة إلى لسانه - كأنه يقول الكذب ثم قال لي يحدث عن هؤلاء ويترك محمد بن عجلان ونظراءه
قال ورأيته يذم من وضع هذا الكتاب فلما رجعت ( 5 ) إلى نيسابور في المرة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه فقال لي مسلم إنما قلت صحيح وإنما أدخلت من حديث اسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول فأقتصر على الأول ( 6 ) واصل الحديث معروف من رواية

(3/347)


الثقات ( 1 ) انتهى
وهذه فائدة جليلة أزالت الإشكال وعرف بها عذر الرجل بالتنصيص لا بالتخرص وعلم أن إلزام من ألزمهما تخريج ( 2 ) أحاديث تركاها من رواية رجال رووا عنهم وقع فيهم الكلام غير لازم لما ذكرناه لأنه قد لا يصحبها ( 3 ) من أصل الصحة ما صح ( 4 ) ب ما أخرجاه من حديث أولئك الرجال
وها هنا فائدة جليلة وهو ما جرت به عادة كثير من المتأخرين في الرجل إذا روى له البخاري ومسلم وقد تكلم فيه أن يعتمدوه ويقولوا قد جاز القنطرة قال الشيخ وهكذا نعتقده ( 5 ) وبه نقول وجرى على ذلك الحافظ أبو الحجاج ( د81 ) المزي والذهبي وغيرهم مما يظهر من تصرفهم
ونازع في ذلك الإمام الناقد شمس الدين محمد بن عبد الهادي ( 6 ) وقال

(3/348)


" الحق أن هذا القول غير مقبول على الإطلاق بل الكلام في الرجل من رجال الصحيح تارة لا يكون مؤثرا فيه ككلام النسائي في أحمد بن صالح المصري ( 1 ) وتارة يكون مؤثرا كيحيى بن أيوب المصري ( 2 ) ونعيم بن حماد ( 3 ) وسويد بن

(3/349)


سعيد ( 1 ) وغيرهم فإذا انفرد واحد منهم واشتهر الكلام فيه أو ضعفه أكثر الأئمة

(3/350)


بحديث في الحلال والحرام لم يحتج به وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن تكلم فيه وضعف فإنهم يثبتون من حديثه ما لم ينفرد به بل وافق فيه الثقات وقامت شواهد صدقه قال وفي هذا الموضع يعرض الغلط لطائفتين من الناس إحداهما ( 1 ) يرون الرجل قد أخرج له في الصحيح فيحكمون بصحة كل ما رواه حيث رأوه ( 2 ) في حديث قالوا " هذا حديث صحيح على شرط الصحيح "
وهو غلط فإن ذلك الحديث قد يكون مما أنكر عليه من حديثه أو يكون شاذا أو معللا فلا يكون من شرط أصحاب الصحيح بل ولا يكون حسنا وقد أخرج البخاري حديث جماعة ونكب ( 3 ) على بضعها خارج الصحيح
والثانية يرون الرجل قد تكلم فيه وقد ضعف فيجعلون ما قيل فيه من كلام الحفاظ موجبا لترك جميع ما رواه ويضعفون ما صح من حديثه لطعن من طعن فيه كما يقول ابن حزم ذلك في إسرائيل ( 4 ) ( أ136 ) وغيره من الثقات وكذلك ابن

(3/351)


القطان يتكلم في أحاديث كثيرة قد أخرجت في الصحيح لطعن من طعن في رواتها
وهذه طريقة ضعيفة وسالكها قاصر في معرفة الحديث وذوقه عن معرفة

(3/352)


الأئمة وذوقهم " انتهى
ويشهد له الحكاية التي أوردناها عن مسلم - رضي الله تعالى عنه ( 1 )
ويلتحق بذلك أمر ثالث وهو أن يرون الرجل ترك الشيخان حديثه فيجعلون ذلك قدحا فيه وهذا ظاهر تصرف البيهقي في كتابه السنن والمعرفة كثيرا ما يعلل الأحاديث بأن رواتها لم يخرج لهم الشيخان
والحق أنه لا يدل على ذلك كما لا يدل تركهما ما لم يخرجا من الأحاديث الصحيحة على ضعفها وبه صرح الإسماعيلي في المدخل وقال " تركه الرواية عن حماد بن سلمة ونحوه كتركه كثيرا من الأحاديث الصحيحة على شرطه لا لضعفها وإسقاطها " وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المدخل أيضا " وعلى مصنفاتهم في العلل وسؤالاتهم يعتمد في الجرح والتعديل لا على كتاب بنوا فيه على أصل وشرطوا لأنفسهم فيه شروطا انتهى
240 - ( قوله ) " فقال ما يصنع بصالح " ( )
ضبطه المصنف بضم الياء المثناة من تحت وفتح النون وقال هكذا في اصل موثوق به فيه سماع الخطيب ( 2 )

(3/353)


241 - ( قوله ) " ولقائل أن يقول إلى آخره " ( )
ما ذكره في الجواب من المخلص تبعه عليه النووي في شرح مسلم وقال " إن الجرح وإن لم يثبت بذلك لكنه يوجب التوقف " ( 1 ) وفيه نظر لأن الريبة لا توجب التوقف ولهذا لو ارتاب القاضي في الشهود فإنه يجوز له الحكم مع قيام الريبة ثم يرده ما ذكره أولا من إعراض البخاري عن أقوال الجارحين حيث لم يفسروا فيقال إذا لم يفسروا فهلا توقف كما قلتم ها هنا وإنما الجواب أن كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن المدونين فيه أهل الإنصاف والديانة والنصح إنما يطلقون هذه الألفاظ بعد ثبوت أسبابها ( 2 ) ولا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو أنه كذاب أو متروك وهذا كما يقول الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - في غير موضع " هذا حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث " ( 3 ) ولا يتبين ذلك بناء على أنه في نفس الأمر قادح على ما عرف

(3/354)


242 - ( قوله ) " فمنهم من قال لا يثبت ذلك إلا باثنين كما في الشهادات " ( )
قضيته الاتفاق عليه فيها وليس كذلك بل نقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف الاكتفاء في الشهادة أيضا بمعدل أو مجرح ومأخذ الخلاف أن الجرح والتعديل شهادة أو رواية فيكفي فيه الواحد وأعلم أنه أطلق قبول الواحد في التزكية وقضيته قبول تزكية المرأة والعبد العارفين وبه صرح صاحب المحصول وغيره وقياسه قبول جرحهما أيضا
243 - ( قوله ) " في الخامسة إذا اجتمع في شخص واحد جرح وتعديل " ( )
فيه أمور

(3/355)


أحدها ما جزم به من تقديم الجرح يقتضي تخصيص القطع بما إذا استوى الجارح والمعدل بدليل قوله بعد " فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل " إلى آخره فدل على أن الأول لا خلاف فيه وكذا ذكره ابن عساكر ( 1 ) أيضا فقال في " حديث الأطيط " ( 2 ) " أجمع أهل العلم على تقديم قول من جرح راويا على قول

(3/356)


من عدله " انتهى

(3/357)


الثاني فاته من ( أ137 ) الخلاف حكاية قول أنه إذا لم يزد يتعارضان ولا يرجح أحدهما إلا بمرجح حكاه ابن الحاجب ( 1 ) وقيل يرجح بالأحفظ
الثالث أن تقديم الجارح مشروط عند الفقهاء بأن يطلق القول فإن قال المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح لكنه تاب وحسنت حالته ( 2 ) فإنه يقدم المعدل وكذلك لو عين ( 3 ) الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق معتبر كما إذا قال قتل فلانا ظلما وقت كذا فقال المعدل رأيته حيا بعد ذلك أو كان القتيل في ذلك الوقت عندي لكن هنا يتعارضان فيتساقطا ويبقى أصل العدالة ثابتا ويحتمل أن يقال بتقديم قول المعدل لأن السبب الذي استند إليه الجارح قد تبين بطلانه فكأنه لم يكن ويبقى التعديل ( مستقلا والحكم ) ( 4 ) واحدا غير ( 5 ) أن على هذا الاحتمال يكون ثبوت عدالته بالأصالة وذكر ابن الرفعة ( 6 ) مسألة أخرى وهي ما لو شهدا بجرحه ببلد ثم انتقل إلى غيره فعدله آخران فها هنا يقدم التعديل كذا أطلقه وينبغي تقييده بما إذا كان بين انتقاله من الأول إلى الثاني مدة الاستبراء وإلا فلا يقدم
الرابع هذا كله إذا فسر الجرح فأما لو تعارض الجرح والتعديل غير مفسرين فالمقدم التعديل قاله الحافظ المزي وغيره ( 7 ) 360
الخامس أن تقديم الجرح محله - كما قاله أبو الحسن الخزرجي ( 1 ) في كتاب تقريب المدارك - " إذا كان الجارح قد علم ما لم يعلم المعدل " قال فأما إذا اختلفوا فيما ينسب إلى الراوي كقول النسائي في سماك ( 2 ) " إنه يقبل التلقين " وقال غيره " قد عرضت حديثه على رواية غيره من الثقات فوافقها " فلا يكون أحدهما حجة على الآخر بل هذا الذي عرض حديثه ونظر فيه قد علم ما لم يعلم المجرح وقال ولهذا احتج مسلم بسماك فلا يكون النسائي حجة عليه ( 3 ) قال وكذلك إذا اختلفوا فيما يظهر من الراوي هل هو جرح أم لا ؟ لا يقدم أحدهما على الاخر "

(3/359)


السادس هذا فيما إذا تعارضا ( 1 ) من قائلين فأما إذا تعارضا من قائل واحد فلم أر من تعرض له وهذا يتفق ليحيى بن معين وغيره يروى عنه تضعيف الرجل مرة وتوثيقه أخرى وكذا ابن حبان يذكره في الثقات مرة ويدخله في الضعفاء ( أخرى ) ( 2 ) ( 3 )
قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في المدخل " وهذا لأنه قد يخطر على قلب المسؤول ( د / 82 ) عن الرجل من حاله في الحديث وقتا ما ينكره قلبه فيخرج جوابه على حسب الفكرة التي في قلبه ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر فيجيب عما يعرفه في الوقت منه قال وليس ذلك بتناقض ولا إحالة ولكنه صدر عن حالين مختلفين عرض أحدهما في وقت والاخر في غيره "
قلت والظاهر في هذه الحالة أنه إن ثبت تأخر أحد القولين عن الأخر فهو المعمول ( به ) ( 4 ) وإلا وجب التوقف كما سبق ( 5 )
244 - ( قوله ) " فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل ( 6 ) أولى " ( )
يعني لأن الكثرة تقوي الظن والعمل بأقوى الظنين واجب كما في تعارض

(3/361)


الحديثين والأمارتين ( أ138 ) والصحيح تقديم الجرح لما ذكرنا يعني لأن تقديم الجرح إنما هو لتضمنه زيادة خفيت على المعدل وذلك موجود مع زيادة عدد المعدل ونقصه ومساواته فلو جرحه واحد وعدله ( 1 ) مائة قدم قول الواحد لذلك ( 2 )
245 - ( قوله ) " في السادسة إذا قال " حدثني الثقة " لم يكتف " ( )
قال ابن اأبي الدم وهذا مأخوذ من شاهد الأصل إذا شهد عليه شاهد الفرع فلا بد من تسميته للحاكم المشهود عنده بالاتفاق عند الشافعي وأصحابه فإذا قال

(3/362)


شاهد الفرع أشهدني شاهد أصل أشهد بعدالته وثقته أنه شهد بكذا لم يسمع ذلك وفاقا حتى يعينه الحاكم ثم الحاكم إن علم عدالة شاهد الأصل عمل بموجب الشهادة وإن جهل حاله اشتركا ( 1 ) ( 2 )
346 - ( قوله ) " فإن كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه على ما اختاره بعض المحققين " ( )
قلت يشير إلى نحو قول الشافعي كثيرا " حدثني الثقة " وقد اعتذر ابن السمعاني عن اكتفاء أصحابه بذلك مع عدم اكتفائهم بالتعديل المبهم ( 3 ) بأن مراجه به معينا فأراد بمن يثق به إبراهيم بن أبي يحيى ( 4 ) ( 5 )

(3/363)


وبمن لا يتهم يحيى ( 1 ) بن حسان ( 2 )

(3/364)


فصارت ( 1 ) الكناية كالتسمية قال وقيل إن الشافعي قال ذلك احتجاجا لنفسه ولم يقله احتجاجا على خصمه وله في حق نفسه أن يعمل بما يثق بصحته هذا كلامه في القواطع ( 2 ) والصواب القبول إن كان من عادته لا يروي إلا عن عدل وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر " ( 3 ) ونظيره قول مسلم بن الحجاج في صحيحه " حدثنا غير واحد " وإنما قال ذلك لأنه بلغ عنده مبلغ الاشتهار الذي لا يحتاج معه إلى تعيين الواسطة
وهنا فائدة ذكرها أبو الحسين محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الآبري السجزي ( 4 ) في مناقب الشافعي " سمعت بعض أهل المعرفة بالحديث يقول إذا

(3/365)


قال الشافعي في كتبه " أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب ( 1 ) " فهو ابن أبي فديك ( 2 ) وإذا قال أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد [ فهو يحيى بن حسان ] ( 3 ) وإذا قال " أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير " ( 4 ) فهو ابو أسامة ( 5 ) وإذا قال " أخبرنا الثقة عن الأوزاعي [ فهو عمرو بن أبي سلمة ] ( 6 ) ( 7 )
وإذا قال " أخبرنا الثقة عن صالح مولى التوأمة " ( 8 ) فهو إبراهيم بن أبي يحيى ( 5 ) انتهى

(3/366)


وذكر الإمام الرافعي في أماليه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال " ما حدث به الشافعي في كتابه فقال " حدثني الثقة " فإنما يريد به أبي قال الرافعي وهذا في الكتب القديمة أكثر ( 1 ) انتهى
وسئل يحيى بن معين " إن مالكا يقول " حدثني الثقة " فمن هو ؟ قال مخرمة ابن بكير ( 2 ) قيل له لم قـل حديث مالك ؟
قال لكثرة تمييزه " ( 3 )
247 - ( قوله ) ( أ139 ) السابعة " إذا روى العدل عن رجل وسماه لم تجعل روايته عنه تعديل منه " ( )
أي كما إذا شهد شاهد فرع على شاهد أصل لا يكون مجرد أدائه الشهادة على شهادته تعديلا منه بالاتفاق ( 4 )
واختلف أصحابنا في أن الحاكم إذا أشهد على نفسه رجلا بما ثبت عنده هل يكون ذلك تعديلا منه له على وجهين والأصح أنه لا يكون تعديلا
وحاصل ما حكاه المصنف في هذه المسألة قول ثالث وهو التفصيل بين أن يكون من عادته ألا يروي إلا عن عدل فيكون تزكية له وإلا فلا وهو الصحيح

(3/367)


عند الأصوليين ( 1 ) وجمع من أئمة الحديث ( 2 ) وقد قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين " لا نبالي ألا نسأل عن رجل حدث عنه مالك " حكاه الخليلي ( 3 )
ويخرج من كلام أبي حاتم الرازي مذهب آخر فإنه سأل أباه عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه ؟ فقال إذا كان معروفا بالضعف لم يقوه روايته عنه وإذا كان مجهولا لا تنفعه رواية الثقة عنه ثم قال ابن أبي حاتم سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن الرجل مما يقوي حديثه ؟ قال إي لعمري قلت الكلبي روى عنه الثوري قال إنما ذاك إذا لم يتكلم فيه العلماء
وكان الكلبي يتكلم فيه قال أبو زرعة أخبرنا ( 4 ) أبو نعيم ( 5 ) أنا سفيان أنا محمد بن السائب هو الكلبي وتبسم الثوري قال ابن أبي حاتم قلت لأبي ما معنى رواية الثوري عن الكلبي وهو غير ثقة عنده ؟ قال كان الثوري يذكر الرواية عن الرجل على الإنكار والتعجب فيعلقون عنه روايته ولم تكن روايته عن

(3/368)


الكلبي قبوله له " ( 1 ) انتهى
ويحتمل أن يكون هذا هو المذهب في رواية الثقات عن الشخص لا في رواية الثقة الواحد التي هي مسألتنا وهذه الطريقة يستعملها البزار في مسنده كثيرا في التعديل فيقول " تفرد به فلان وقد روى عنه الناس "
[ تنبيه ]
هل محل هذا الخلاف الذي حكاه المصنف في مجهول العدالة أو في المعروف عينه وقد جرحه قوم وروى عنه ثقة فيه نظر ( 2 ) وقال الحافظ أبو بكر ( 3 ) بن خلفون ( 4 ) " اختلف الأئمة في رواية الثقة عن المجهول الذي لا يعرف حاله إلا بظاهر الإسلام فذهبت طائفة إلى أن رواية الثقة عنه تعديلا وذهب بعضهم إلى أن رواية الرجلين عنه يخرجه عن حد الجهالة ( 5 ) وإن لم يعرف حاله وذهب بعضهم إلى أن الجهالة لا ترتفع عنه بروايتهما عنه حتى يعرف حاله وتتحقق عدالته وهذا القول أولى عندنا بالصواب " انتهى

(3/369)


[ فائدة ]
الذي عادته لا يروي إلا عن ثقة ثلاثة يحيى بن سعيد وشعبة ومالك قاله ابن عبد البر ( 1 ) وغيره وقال النسائي " ليس أحد بعد التابعين آمن على الحديث ( أ140 ) من هؤلاء الثلاثة ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم " ( 2 ) ولم يحدث مالك عن متروك إلا عن عبد الكريم أبي ( 3 ) أمية روى ( 4 ) عنه حديثين وعن يحيى بن سعيد عن عبد الغفار بن القاسم ( 5 )

(3/370)


وعبد الغفار متروك وعاصم بن عبيد الله ( 1 ) وعمرو بن أبي عمرو ولم يرو عنهما من الأحكام شيئا وكل من روى عنه مالك سوى هؤلاء فهو فيهم حجة ( 3 )

(3/371)


وقال البيهقي ( في المدخل انفرد ( 1 ) من الأئمة عن الرواية عن الضعفاء كمالك بن أبي مريم ( 2 ) ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم وقد يوجد في رواية بعضهم الرواية ) ( 3 ) عن بعض الضعفاء بخفائها عليه وظهوره لغيره كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق ( 4 ) وهو عند غيره ضعيف " ( انتهى )
وحكى الشيخ علاء الدين مغلطاي عن تاريخ قرطبة أن بقي بن مخلد قال " كل من رويت عنه فهو ثقة " ومن تاريخ ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول " إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة ( 5 ) يحتج بحديثه "
248 - ( قوله ) " وهكذا نقول إن عمل العالم ( 6 ) أو فتياه على وفق حديث ليس حكما منه بصحة ذلك الحديث " ( )
أي لإمكان أن يكون منه ذلك احتياطا ( د83 ) أو لدليل آخر وافق ذلك

(3/372)


الحديث وقضيته طرد الخلاف السابق فيه وبه صرح إمام الحرمين في البرهان فحكى قولين في أنه تعديل له أولا ثم اختار توسطا وهو أنه إن ظهر مستند فعله ما رواه ولم يكن ذلك من مسالك الاحتياط فهو تعديل وإلا فل ( 1 ) ا وأطلق في المحصول أنه تزكية إلا أن يمكن حمله على الاحتياط أو العمل بدليل آخر وافق الخبر ( 2 )
واعلم أن شيخنا ابن كثير استدرك على كلام ابن الصلاح فقال " وفي هذا نظر إذا لم يكن في الباب ( 3 ) غير ذلك الحديث إذا تعرض للاحتجاج به في فتياه إن حكمه واستشهد به عند العمل بمقتضاه " ( 4 )
وهذا منه عجيب لأن ذلك لم يلاق كلام ابن الصلاح فإ كلامه مفروض في غير هذه الحالة وانظر قوله " عمل العالم على وفق حديث ليس حكما بصحة ذلك الحديث " فعلم أن كلامه فيما إذا لم يظهر أن ذلك مستنده ونظير ذلك الخلاف الأصولي في الإجماع الموافق لخبر هل يجب أن يكون عنه

(3/373)


249 - ( قوله ) " أحدهما المجهول للعدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا وروايته غير مقبولة عند الجماهير ( ) " انتهى
وظاهره حكاية خلاف فيه وبه صرح الخبازي ( 1 ) من الحنفية وإنما قبل أبو حنيفة ذلك في عصر التابعين لغلبة العدالة عليهم ( 2 )
250 - ( قوله ) " فقد قال بعض أئمتنا المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه " ( )
وهذا الذي أبهم ( 3 ) الظاهر أنه إمام الحرمين ( 4 ) فإنه فسر المستور بأنه الذي لم يظهر منه نقيض العدالة ولم يتفق البحث في الباطن عن عدالته ولم يفصح ابن الصلاح بالخلاف في هذا القسم كما ينبغي وذكر إمام الحرمين أن المحدثين ترددوا

(3/374)


في ( 1 ) روايته وأن الذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنها لا تقبل قال وهذا المقطوع به عندنا وما ذكرناه من إطلاق العمل في كثير من كتب الحديث لا بد فيه من قيد وهو أن يروي عنه راويان فأكثر وإلا فهو مجهول العين " وكأنه استغنى عن ذلك بأنه ليس الكلام في مجهول العين ( 2 )
وما أشار إلى تصحيحه صرح بتصحيحه المحب الطبري وقال النووي في مقدمة شرح مسلم " احتج بهذا القسم ( أ141 ) والذي بعده كثير من المحققين ( 3 ) وهذا إنما هو مذهب الحنفية قال المارودي والروياني " إذا كانت عدالة الراوي شرطا في الحجة فله ثلاثة أحوال "
أحدهما أن يعلم عدالته فيحكم بصحة الحديث
وثانيها أن يعلم جرحه فلا يحكم بصحته
وثالثها أن يجهل حاله فعند أبي حنيفة يقبل ما لم يعلم الجرح وعند الشافعي لا يقبل مالم تعلم العدالة "
وقال الحافظ أبو عبد الله بن المواق ( 4 ) " المجاهيل على ضربين لم يرو عنه إلا واحد مجهول روى عنه اثنان فصاعدا وربما قيل في الأخير مجهول الحال فالأول لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في رد ( 5 ) رواياتهم ( 6 ) وإنما يحكى في ذلك خلاف الحنفية فإنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد وبين من روى عنه أكثر من واحد بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق

(3/375)


والثاني اختلفت فيهم أهل الحديث والفقهاء فذهب أكثر أهل الحديث إلى قبول رواياتهم والاحتجاج بها منهم البزار والدارقطني فنص البزار في كتاب الأشربة له وفي فوائده وفي غير موضع على أن من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته ونحو ذلك الدارقطني في الديات من سننه لما تكلم على حديث خشف بن مالك ( 1 ) عن ابن مسعود في الدية ( 2 )

(3/376)


وذهب المحققون من أهل الحديث وغيرهم إلى التوقف عن الاحتجاج بهذا الضرب ( 1 ) حتى تثبت عدالتهم ممن ذهب إلى ذلك أبو حاتم الرازي وأبو عيسى الترمذي أما أبو حاتم فإنه كثيرا ما يذكر الراوي الواحد من الرواة ويعرفه برواية جماعة من الثقات عنه ثم يسأل عنه فيقول مجهول وقد قال في زياد بن جارية ( 2 ) التميمي ( 3 ) روى عنه مكحول ويونس بن ميسرة ( 4 ) شيخ مجهول ( 5 )

(3/377)


وإنما جرى فيه خلاف من جهة أن شرط قبول الرواية هل هو العلم بالعدالة أو عدم العلم بالفسق ؟ فإن قلنا بالأول لم يقبل المستور وإلا قبلناه وهذا متوقف على ثبوت الواسطة بين العدالة والفسق وذلك باعتبار ما يظهر من تزكيته وعدمها ولهذا فرق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف فالصحيح رواية العدل والحسن رواية المستور ( 1 ) والضعيف رواية المجروح
واعلم أنه لا يشكل على من لم يقبل رواية المستور تصحيح النكاح بحضرة شاهدين مستوري العدالة لأن ذلك عند ( 2 ) المتحمل ولهذا لو رفع العقد بهما إلى حاكم لم يحكم بصحة العقد كما نقله في الروضة ( 3 ) عن الشيخ أبي حامد ( 4 ) وغيره
251 - ( قوله ) " المجهول العين إلى آخره ( ) "
اراد به من لم يرو عنه إلا واحد وهذا اصطلاح وإلا ( 5 ) فالمجهول على

(3/379)


الحقيقة نحو شيخ ورجل ( 1 ) ممن لا تعرف عينه ولا اسمه وهذا لا يختلف في رد روايته وقد استشكل بما في الصحيحين من الرواية عن جماعة نسبوا للجهالة ففي الصحيحين من طريق شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهب ( 2 ) وابنه محمد ( 3 ) كلاهما عن موسى بن طلحة ( 4 ) عن أبي أيوب حديث السائل " أخبرني بعمل يدخلني الجنة " ( 5 )

(3/380)


وقد قالوا محمد بن عثمان مجهول ( 1 )
وكذلك أخرجه مسلم عن أبي يحيى مولى آل ( 2 ) جعدة ( 3 ) ( 4 ) عن أبي هريرة " ما عاب رسول الله صلى الله عليه و سلم طعاما قط " ( 5 ) وأبو يحيى مجهول العين

(3/381)


والجواب أنه لم يقع الاحتجاج برواية من ذكر على الاستقلال أما محمد بن عثمان فلم يخرج له إلا مقرونا بأبيه عثمان وأبوه هو العمدة في الاحتجاج وكذلك أبو يحيى إنما أخرج مسلم حديثه متابعة كحديث ثقة مشهور فإن مسلما رواه أيضا من حديث الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة فصار حديث أبي يحيى ( 1 ) متابعة
252 - ( و قوله ) " ومن روى عنه عدلان وعيناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة وذكر أبو بكر الخطيب في أجوبة مسائل سئل عنها أن المجهول ( د84 ) عند أصحاب الحديث كل من لم يعرفه العلماء ومن لم يعرف حديثه إلا من

(3/382)


جهة راو واحد مثل عمرو ذي مر ( 1 ) إلى آخره " ( )
قلت عجيب نقله عن أجوبة له وهو موجود في الكفاية له ( 2 ) والمصنف كثير النقل منها ( 3 ) ثم هذا منقول عن محمد بن يحيى الذهلي ( 4 ) وغيره من الأئمة القدماء أن الجهالة لا ترتفع إلا برواية اثنين لكن قال أبو الحسن بن البراء ( 5 ) عن علي بن المديني في حديث رواه قتادة عن الحسن عن جون بن قتادة ( 6 ) جون معروف لم يرو عنه غير الحسن إلا أنه معروف وقال الآجري " سألت أبا داود عن مالك بن أبي الرجال ( 7 ) ؟ فقال حديثه مستقيم قد نظرت فيه لا أعلم حدث عنه غير الوليد بن مسلم " ( 8 )

(3/383)


وقال في ( أ143 ) موضع آخر " سألت أبا داود عن عبيد الله بن عمرو بن غانم ( 1 ) فقال أحاديثه مستقيمة ما أعلم حدث عنه غير الشعبي لقيه بالأندلس " ( 2 ) وهذا ظاهر تصرف ابن حبان في كتاب الثقات أعني الاكتفاء في العدالة برواية الواحد الثقة ونقل ذلك بعضهم عن النسائي أيضا وبه صرح ابن القطان في كتاب الوهم والإيهام ونقله البيهقي عن الشافعي وأهل الأصول كما سيأتي
وقال أبو بكر ( 3 ) محمد بن خلفون في كتاب المنتقى " اختلف الأئمة في رواية الثقة عن المجهول الذي لا يعرف حاله فذهبت طائفة إلى أنه تعديل له وتقوية وذهب آخرون إلى أن رواية الرجلين عنه يرفع عنه الجهالة وإن لم تعرف حاله وذهب بعضهم إلى أن الجهالة لا ترتفع بروايتهما عنه حتى يعرف حاله وتتحقق عدالته وإن جهل نسبه وقال وهذا أولى عندنا بالصواب "
وقال أبو العباس القرطبي ( 4 ) " الحق أنه متى عرف عدالة الراوي قبل خبره سواء روى عنه واحد أو أكثر وعلى هذا كان الحال في العصر الأول من الصحابة وتابعيهم إلى أن تنطع المحدثون " انتهى
وقال البيهقي في رسالته للجويني " الذي عندنا من مذهب الإمامين البخاري ومسلم أنهما شرطا أن يكون للصحابي الذي يروى عنه الحديث راويان فأكثر ليخرج بذلك عن حد الجهالة وهكذا من دونه ثم إن انفرد أحد الراويين ( 5 ) عنه بحديث

(3/384)


وانفرد الاخر بحديث آخر قبلاه وإنما يتوقفان في رواية صحابي أو تابعي لا يكون له إلا راو واحد كصفوان بن عسال ( 1 ) لم يرو عنه من الثقات إلا الشعبي قال وهذا عند الشافعي وغيره من الأصوليين حجة إذا كان الراوي عنه ثقة " ( 2 ) انتهى
وقال ابن عبد البر في الاستذكار في الكلام على حديث حكيم بن حزام " لا تبع ما ليس عندك " ( 3 )

(3/385)


لا أعلم لعبد الله بن عصمة ( 1 ) جرحة إلا من لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو مجهول عندهم إلا أني أقول إن كان معروفا [ بالثقة ] والأمانة والعدالة فلا يضره إذا لم يرو عنه إلا واحد " ( 3 ) انتهى
وقال الإمام أثير الدين أبو حيان ( 4 ) في بعض أماليه " قد زعم بعض من عاصرناه أنه لا تنتفي الجهالة عن الشخص وإن روى عنه اثنان وهذا مخالف لقول الحافظ أبي الحسين ( 5 ) قال والجهالة أمر نسبي رب شخص يكون مجهولا عند شخص يكون غير مجهول عند آخر هذا أبو حاتم صاحب الجرح والتعديل سأله

(3/386)


ابنه عن أبان بن حاتم ( 1 ) الذي روى عنه هشام بن عبد الملك الفخذمي ؟ فقال " مجهول " ( 3 ) وليس بمجهول فقد روى [ عنه ] ( 4 ) محمد بن المصفى ذكر ذلك الإمام أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد في مسنده فقال أنا محمد بن المصفى ( 5 ) ( 6 ) أنا أبان بن حاتم أبو سلمة الحمصي "
فهذا أبان قد روى [ عنه ] ( 8 ) الفخذمي وابن المصفى ( 7 ) وخرج بذلك عن الجهالة
وهذا أيضا أبو محمد بن حزم أسند في حجة الوداع حديثا في سنده عبيد الله [ بن ] ( 9 )

(3/387)


محمد بن إسحاق بن حبابة ( 1 ) وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ( 2 ) [ وقال ] ( 3 ) مجهولان هذا وهما من الشهرة في الدنيا وكثرة الرواة عنهما بالمحل الذي يعرفه أهل الحديث ومع ذلك فقد جهلهما ابن حزم على سعة معرفته قلت وكذلك قال في كتاب الإيصال " أبو عيسى الترمذي مجهول " ( 4 )

(3/388)


وقال الحافظ أبو عبد الله بن رشيد " قول من قال لا يخرج عن الجهالة إلا برواية عدلين إن أراد الخروج عن جهالة العين فلا شك أن رواية الواحد الثقة تخرجه عن ذلك إذا سماه ونسبه وإن أراد جهالة الحال فالحال كما لا يعلم من رواية الواحد الثقة عنه ما لم يصرح بهما كذلك لا يعلم من رواية الاثنين إلا أن يصرح أو يكون ممن يعلم أنه لا يروي ( أ144 ) إلا عن ثقة فلا فرق بين الواحد والاثنين نعم كثرة روايات الثقات عن الشخص تقوي حسن الظن به وظاهر ( 1 ) كلام بعضهم أنهم جهالة الحال لا جهالة العين " ( 2 )
253 - ( قوله ) ( 3 ) " رادا على الخطيب " قد روى عن الهزهاز الثوري أيضا " ( ) انتهى
وهذا سهو فإن الثوري لم يرو ( 4 ) عن الشعبي فكيف يروي عن شيخه ؟ ! نبه عليه الحافظ المزي نعم روى عن الهزهاز ( 5 ) الجراح بن مليح ( 6 ) ذكره ابن أبي حاتم ( 7 ) وهو أصغر من الثوري وتأخر بعده مدة فلعل الهزهاز [ تأخر بعد

(3/389)


الشعبي وسمى ابن أبي حاتم أبا الهزهاز ] " ( 1 ) مازن بالألف لا بالياء ( 2 ) كما وقع في المصنف ولعل بعضهم أماله فكتبه [ بالياء ] ( 3 ) ( 4 )
254 - ( قوله ) " إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه " ( )
هذا منازع فيه بما سبق من كلامهم لا سيما إذا كان الراوي عنه من عادته لا يروي إلا عدل والظاهر أن رواية إمام ناقل للشريعة عن رجل في مقام الاحتجاج كاف في تعريفه وتعديله ( 5 ) وقد ( 6 ) سبق أن البزار وابن القطان على أن رواية الجلة عن الشخص تثبت له العدالة
255 - ( وقوله ) معترضا على الخطيب أيضا " قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم إلا راو واحد منهم مرداس إلى آخره " ( )
هذا الاعتراض مردود لوجهين
أحدهما أن الكلام في غير الصحابي أما الصحابي فإنه يقبل حديثه وإن لم يرو عنه إلا واحد وفي الصحيحين حديث جماعة من الصحابة كذلك ولا شك أن مرداسا ( 7 )

(3/390)


وربيعة ( 1 ) صحابيان مشهوران فمرداس من أهل الشجرة وربيعة من أهل الصفة والصحابة كلهم عدول فلا تضر الجهالة بأعيانهم لو ثبتت وقال الحاكم " إن الصحابي المعروف إذا [ لم نجد له راويا غير التابعي الواحد المعروف ] ( 2 ) احتججنا به وصححنا حديثه إذ هو على شرطهما جميعا " ( 3 )
الثاني سلمنا ذلك لكن قد روى عنهما أكثر من واحد أما مرداس فقد روى عنه أيضا زياد بن علاقة ( 4 ) وأما ربيعة فروى عنه أيضا نعيم المجمر ( 5 ) وحنظلة بن علي ( 6 )

(3/391)


قيل محمد بن عمرو بن عطاء ( 1 ) وأبو عمران الجوني ( 2 )
قال النووي " ولأن الخطيب شرط في المجهول أن لا يعرفه العلماء وهذان معروفان عندهم مشهوران قال والصواب ما ذكره الخطيب وهو لم يقله عن اجتهاد بل نقله عن أهل الحديث قال وحصل مما ذكرناه من اشتهار مرداس وربيعة أن البخاري ومسلما لم يخالفا نقل الخطيب عن اهل الحديث قال وقد حكى الشيخ في النوع السابع والأربعين ( 3 ) عن ابن عبد البر أن من لم يرو عنه غير راو واحد فهو مجهول عندهم إلا أن يكون رجلا مشهورا في غير تحمل العلم كاشتهار مالك بن دينار ( 4 )

(3/392)


في الزهد وعمرو ( 1 ) بن معدي كرب ( 2 ) بالنجدة انتهى ( 3 )
وفي أمران
أحدهما ( أ85 ) ! يرد على إطلاق [ الخطيب ] ( 4 ) الوليد بن عبد الرحمن الجارودي ( 5 ) لم يرو عنه إلا ولده المنذر ( 6 ) وقد خرج الشيخان حديثه ( 7 ) عن أبيه وكذلك حصين بن محمد الأنصاري ( 8 ) احتجا به ولم يرو عنه سوى الزهري

(3/393)


واحتج البخاري بجويرية بن قدامة ( 1 ) ولم يرو عنه إلا أبو جمرة الضبعي ( 2 ) وبعبد الله ابن وديعة الأنصاري ( 3 ) ولم يرو عنه سوى أبي سعيد المقبري ( 4 ) وبعمر بن [ محمد ابن ] ( 5 ) جبير بن مطعم ( 6 ) لم يرو عنه سوى بكير بن عبد الله الأشج ( 7 ) ومحمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ( 8 ) وما روى عنه سوى الزهري

(3/394)


وهؤلاء كلهم موثقون لهم تراجم مسطورة ويكفي تخريج أحد الشيخين لهم لأنه لولا معرفتهم لما خرج لهم ولا سيما من روى عنه إمام جليل كالزهري ( 1 ) ( أ145 )
الثاني موافقته الخطيب على أن ذلك قول أهل الحديث فيه نظر لما سبق بيانه قريبا وأن مدار كلامهم على المعرفة بالرجل الثقة سواء روى عنه الواحد أو الاثنان وقد ذكر البرديجي الحافظ في كتاب المتصل والمنقطع حديثا لا تصاب ( 2 ) عند الرجل الواحد لم يضر ألا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفا ولا يكون منكرا ولا معلولا
256 - ( قوله ) " وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا برواية واحد عنه " ( )
وما قاله من بناء ذلك على هذا قد يمنع بل الظاهر أنه منهما مصي ( 3 ) ر إلى أن الراوي معروف من غير طريق هذه الرواية أو أنه احتفت به قرائن اقتضت ذلك وهذا هو الأليق بالاحتياط منهما لا سيما على طريق البخاري فإنه سلك الأحوط والتشديد وفيما قاله المصنف منافاة لطريقته 257 - ( قوله ) " والخلاف في ذلك متجه ( ) "
يعني أن أصل الرواية يثبت بواحد والتعديل فيها يكفي بواحد فينبغي أن

(3/395)


يكون الجهالة فيها ترتفع بالواحد
258 - ( قوله ) " التاسعة اختلفوا في قبول رواية المبتدع إذا لم يكفر ببدعته ( ) إلى آخره "
فيه أمور
أحدها ما ذكره من القول برد روايته مطلقا واستبعده آخرا نقله الآمدي ( 1 ) عن الأكثرين وجزم به ابن الحاجب ( 2 ) ونقله الحاكم ( 3 ) عن مالك
ثانيها ما رجحه من التفصيل نقله غيره عن نص الشافعي
ثالثها أنه اقتصر في النقل عن ابن حبان في رد الداعية ( 4 ) وسكت عن

(3/396)


الجانب ( 1 ) الاخر وقد نقل ابن حبان أيضا فيه الاتفاق على القبول قال في تاريخ الثقات في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي ( 2 ) " ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف في أن الصدوق المتقن ( 3 ) إذا كان فيه بدعة [ ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز فإن دعا إلى ] ( 4 ) بدعته سقط ( 5 ) الاحتجاج بخبره " ( 6 ) ( 7 ) انتهى
وقال عبد الله بن أحمد " قلت لأبي رويت عن أبي معاوية الضرير ( 8 ) - وكان مرجئا - ولم ترو عن شبابة بن سوار ( 9 ) - وكان قدريا - قال لأن أبا معاوية لم يكن يدعو إلى الإرجاء وشبابه كان يدعو إلى القدر " ( 10 )
وفي المسألة قول رابع لم يحكه المصنف أنه تقبل أخباره مطلقا وإن كانوا كفارا

(3/397)


أو فساقا بالتأويل ( 1 ) حكاه الخطيب ( 2 ) وقال الذهبي في الميزان " البدعة على ضربين صغرى كغلو التشيع [ أو كالتشيع ] ( 3 ) بلا غلو فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والحط على الشيخين والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة قال وأيضا فما أستحضر الآن من هذا الضرب رجلا صادقا ولا ملعونا بل الكذب شعارهم والنفاق دثارهم فكيف يقبل نقل من هذا حاله ؟ ! حاشا وكلا قال والشيعي الغالي في زمن السلف وعرفهم هو من يتكلم ( 4 ) في ( 5 ) عثمان والزبير وطلحة [ ومعاوية ] ( 6 ) وطائفة ممن حارب عليا - رضي الله عنه - وتعرض لسبهم
والغالي في زماننا وعرفنا الذي يكفر هؤلاء السادة فهذا ضال معثر ( 7 )
وقال في موضع آخر " اختلف الناس في الاحتجاج بحديث الرافضة على ثلاثة اقوال أحدهما المنع مطلقا والثاني الترخيص مطلقا إلا فيمن يكذب ويضع
والثالث التفصيل فتقبل رواية الرافضي الصدوق العارف بما يحدث وترد رواية الداعية ولو كان صدوقا ( 8 )

(3/398)


قال أشهب " سئل مالك عن الرافضة ؟ قال لا نكلمهم ولا نروي عنهم فإنهم يكذبون ( 1 ) وقال حرملة ( 2 ) " سمعت الشافعي يقول لم أر ( 3 ) أشهد بالزور من الرافضة " ( 4 ) وقال يزيد بن هارون " يكتب عن كل صاحب بدعة ( أ164 ) إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون " ( 5 )
رابعها أن ما عزاه أولا للشافعي قال فخر الدين في المحصول " إنه الحق " ( 6 ) وحكاه الحاكم في المدخل عن أكثر أئمة الحديث ( 7 ) ورجحه الشيخ أبو الفتح القشيري وقال " الذي تقرر عندنا أنه لا يعتبر المذهب ( 8 ) في الرواية إذ لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار قطعي ( 9 ) من الشريعة فإذا اعتبرنا ( 10 ) ذلك وانضم إليه التقوى والورع فقد حصل معتمد الرواية وهذا مذهب الشافعي حيث يقبل شهادة أهل الأهواء ( 11 ) قال " وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على

(3/399)


شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام " ( 1 )
قلت ونقل الخليلي في الإرشاد أن الشافعي كان يقول في إبراهيم بن أبي يحيى " حدثنا الثقة في حديثه المتهم في دينه لأنه كان يرى القدر ( 2 ) وقال الحاكم في المدخل " كان محمد بن خزيمة ( 3 ) يقول حدثنا الصادق في روايته المتهم في دينه عباد بن يعقوب " ( 4 ) ( 5 )
خامسها علل الشيخ تقي الدين عدم قبول الداعية بإهانته وبنى عليه قبول روايته فيما لم يروه [ غيره ] ( 6 ) كتقديم مصلحة الحديث على إهانته ورد ما وافق بدعته من رد الشهادة بالتهمة ( 7 )
259 - ( قوله ) " وفي الصحيحين الرواية عن المبتدعة غير الدعاة ( ) "
قلت بل والدعاة منهم عمران بن حطان الخارجي ( 8 ) مادح عبد الرحمن بن

(3/400)


ملجم قاتل علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وهذا من أكبر الدعوة إلى البدعة خرج عنه البخاري وزعم جماعة أنه من دعاة الشراة ( 1 )
ومنهم عبد الحميد بن عبد الرحمن ( 2 ) أخرج له الشيخان وقال فيه أبو داود السجستاني " كان داعية إلى الإرجاء " وغير ذلك فالظاهر أنه لا فرق ( 3 ) ولذلك

(3/401)


أطلق الشافعي النص المشهور عنه وهو قوله " أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية " ( 1 )
وقال في الأم " ذهب الناس في تأويل القرآن والسنة إلى أمور تباينوا فيها تباينا شديدا واختلفوا اختلافا بعيدا ( 2 ) فلم نر أحدا منهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه ( 3 ) وضلله ورآه استحل ما حرم الله " ( 4 ) انتهى
ومما يجب التنبيه عليه قول إمام الحرمين في النهاية في كتاب الشهادات " كان البخاري يؤلف الصحيح في الروضة بين القبر والمنبر قال فرويت عن محمد بن محيريز فغلبتني عيناي فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال تروي عن ابن محيريز وهو

(3/402)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية