صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الاعتقاد - البيهقي ]
الكتاب : الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث
المؤلف : أحمد بن الحسين البيهقي
الناشر : دار الآفاق الجديدة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1401
تحقيق : أحمد عصام الكاتب
عدد الأجزاء : 1

لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحبط من وراءهم

(1/246)


باب معرفة جمل ما كلف المؤمنون أن يعقلوه ويعملوه ويعطوا من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه
قال الله عز و جل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقال فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقال وأتموا الحج والعمرة لله وعلقه بالاستطاعة في آية أخرى وهي البلوغ والزاد والراحلة وتخلية الطريق وأمر بالجهاد وحض عليه حتى يقوم به من فيه الكفاية في غير آية من كتابه وحرم الفواحش والربا والقتل والظلم وقطيعة الرحم في غير موضع
أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير بن جناح القاضي بالكوفة أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ثنا عبد الله بن موسى أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان قال سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسا قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن ألا تغزو فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء

(1/247)


الزكاة والحج وصوم رمضان
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ أخبرنا أحمد بن سليمان إملاء ببغداد ثنا هلال بن العلاء وثنا عبد الله بن جعفر الرقي ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن زيد بن أبي أنيسة عن جبلة بن سحيم ثنا أبو المثنى العبدي سمعت ابن الخصاصية يقول أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبايعه على الإسلام فاشترط علي
تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتصلي الخمس وتصوم رمضان وتؤدي الزكاة وتحج البيت وتجاهد في سبيل الله قال قلت يا رسول الله أما اثنتان فلا أطيقهما إيتاء الزكاة فما لي إلا عشر ذودهن رسل أهلي وحمولتهن وأما الجهاد فيزعمون أنه من ولى فقد باء بغضب من الله فأخاف إذا حضرني قتال كرهت وجشعت نفسي قال فقبض رسول الله يده ثم حركها ثم قال
لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة قال ثم قلت يا رسول الله أبايعك فبايعني عليهن كلهن
أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار ببغداد أخبرنا الحسين بن يحيى بن عباس القطان ثنا حفص بن عمرو يعني الربالي ثنا بهز بن أسد العمي ثنا شعبة ثنا محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان بن عبد الله أنهما سمعا موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب الأنصاري أن رجلا قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال القوم ما له فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم دعوه

(1/248)


أرب ما له فقال صلى الله عليه و سلم
تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم درها قال كأنه كان على راحلته
حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا أبو الوليد ثنا شعبة قال الوليد بن العيزار أخبرني قال سمعت أبا عمرو الشيباني يقول أخبرني صاحب هذه الدار وأومأ بيده إلى دار عبد الله قال سألت النبي صلى الله عليه و سلم أي العمل أحب إلى الله قال
الصلاة لوقتها قلت ثم أي قال
بر الوالدين قلت ثم أي قال
الجهاد في سبيل الله قال حدثني بهن ولو استزدته لزادني
أخبرني أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك رحمه الله أخبرنا عبد

(1/249)


الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة عن عبد الله بن أبي بكر عن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكبائر فقال
الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور أو قال قول الزور
أخبرنا أبو عبد اله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الربيع بن سليمان ثنا عبد الله بن وهب أخبرنا سليمان بن بلال عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات
أخبرنا أبو طاهر الفقيه أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الحدود أحدكم يعني الخمر حين يشربها وهو مؤمن والذي نفس محمد بيده لا ينتهب أحدكم نهبة ذات شرف يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن

(1/250)


فإياكم وإياكم
قال الشيخ رضي الله عنه وإنما أراد والله أعلم أن هذه الأفعال ليست من أفعال من يكون مؤمنا مستكمل الإيمان وكان الزهري يقول من الله القول وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم قال الزهري وكانوا يجرون الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كما جاءت تعظيما لحرمات الله ولا يعدون الذنوب شركا ولا كفرا
أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ ببغداد أخبرنا أحمد بن يوسف يعني ابن خلاد النصيبي ثنا الحارث بن محمد ح
وأخبرنا أبو علي بن الصواف ثنا محمد بن يحيى المروزي قالا حدثنا عاصم بن علي ثنا عاصم بن محمد عن واقد بن محمد قال سمعت أبي وهو يقول قال عبد الله يعني ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع
ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة قالوا شهرنا هذا قال
أي بلد تعلمونه أعظم حرمة قالوا بلدنا هذا قال
أتعلمون أي يوم أعظم قالوا يومنا هذا قال
فإن الله تعالى حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في

(1/251)


بلدكم هذا ألا هل بلغت ثلاثا كل ذلك يجيبونه ألا نعم
أخبرنا أبو طاهر الفقيه أخبرنا حاجب بن أحمد ثنا عبد الرحيم ابن منذر ثنا جرير أخبرنا سهيل ح
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا ثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أخبرنا ابن عيينة عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا العباس بن الوليد بن مزيد أنا محمد بن شعيب أخبرنا عتبة بن أبي الحكم الهمداني حدثني عمرو بن جارية اللخمي عن أبي أمامة الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت كيف تصنع بهذه الآية قال أية آية قلت قوله يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا

(1/252)


سألت عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يدان لك به فعليك نفسك ودع عنك أمر العوام فإن من ورائك أياما الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله
قال الشيخ وأما ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص من الأحكام وغيرها فما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا فقد قال الشافعي رحمه الله هذه درجة من العلم ليس يبلغها العامة وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يجرح غيره ممن تركها إن شاء الله تعالى واحتج في ذلك بقول الله عز و جل وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وجعل مثال ذلك الجهاد في سبيل الله والصلاة على الجنازة ودفنها ورد السلام وغير ذلك من فرائض الكفايات
وهو فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس أخبرنا الربيع عن الشافعي فذكره
قال الشيخ وإذا عرف العبد ما تعبد به فحق عليه أن يطلب

(1/253)


موافقة الأمر فيما تعبد به ويخلص له النية فيما يعلمه من العبادات ويدعه من المنكرات حتى يكون مطيعا للأمر ممتثلا قال الله عز و جل وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
وقال النبي صلى الله عليه و سلم
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا يحيى بن سعيد أنا محمد بن إبراهيم أخبره أنه سمع علقمة بن وقاص يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إنما الأعمال بالنيات فذكره

(1/254)


باب القول في إثبات نبوة محمد المصطفى صلى الله عليه و سلم
وهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب سماه الله محمدا وأحمد صلى الله عليه و سلم وسماه أسماء أخر ذكرناها في كتاب الدلائل ودلائل النبوة كثيرة والأخبار بظهورالمعجزات ناطقة وهي وإن كانت في آحاد أعيانها غير متواترة ففي جنسها متواترة متظاهرة من طريق المعنى لأن كل شيء منها مشاكل لصاحبه في أنه مزعج للخواطر ناقض للعادات وهذا أحد وجوه التواتر الذي يثبت بها الحجة وينقطع بها العذر وقد جمعناها في كتاب مع بيان ما جرى عليه أحوال صاحب المعجزة أيام حياته صلى الله عليه و سلم في خمسين جزءا ونحن نشيرها هنا إن شاء الله في معجزاته ودلائل نبوته إلى ما يليق بهذا الكتاب على طريق الاختصار
فمن دلائل نبوته التي استدل بها أهل الكتاب على صحة نبوته ما

(1/255)


وجدوا في التوراة والانجيل وسائر كتب الله المنزلة من ذكره ونعته وخروجه بأرض العرب وإن كان كثير منهم قد حرفوها عن مواضعها
أخبرنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا أبو صالح حدثني الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن سلام أنه كان يقول إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويتجاوز ولن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة بأن يشهد أن لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا
وقال عطاء بن يسار أخبرني الليثي أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال عبد الله بن سلام فهذان عالمان من أهل الكتاب شهدا ببعض ما وجدا في كتبهم من صفة محمد صلى الله عليه و سلم ولهذا شواهد عنهما وعن غيرهما ذكرناها في كتاب الدلائل
ورويناه عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خرج يبتغي الدين حتى أتى على شيخ بالجزيرة فأخبره بالذي خرج له فقال ممن أنت قال من أهل بيت الله قال فإنه قد خرج في بلدك نبي وهو خارج قد طلع نجمه فارجع فصدقه وآمن به وروينا معناه في حديث سلمان الفارسي وغيره

(1/256)


ومن دلائل ما حدث بين يدي أيام مولده ومبعثه صلى الله عليه و سلم من الأمور الغريبة الأكوان العجيبة القادحة في سلطان أمة الكفر والموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة بذكره كأمر الفيل وما أحل الله بحزبه من العقوبة والنكال ومنها خمود نار فارس وسقوط شرفات إيوان كسرى وغيض ماء بحيرة ساوة ورؤيا الموبذان وغير ذلك
ومنها ما سمعوه من الهواتف الصارخة لا من باب الكون والاتفاق لا والذي بعثه بالحق وسخر له هذه الأمور ما يرتاب عاقل في شيء من ذلك وإنما هو أمر إلهي وشيء غالب سماوي ناقض للعادات يعجز عن بلوغه قوة البشر ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
قال وقد انتظم جملة ما ذكرناه في هذا الفصل قوله سبحانه وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم

(1/257)


قال ومن دلائل نبوته صلى الله عليه و سلم أنه كان أميا لا يخط كتابا بيمينه ولا يقرأه ولد في قوم أميين ونشأ بين ظهرانيهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار المتقدمين وليس فيهم منجم يتعاطى علم الكوائن ولا مهندس يعرف التقدير ولا فيلسوف يبصر الطبائع ولا متكلم يهتدي لرسوم الجدل ووجوه المحاجة والمناظرة والاستدلال بالحاضر على الغائب
ولم يخرج في سفر ضاربا إلى عالم فيعكف عليه ويأخذ منه هذه العلوم وكل هذه معلوم عند أهل بلده مشهور عند ذوي المعرفة والخبرة بشأنه يعرف العالم والجاهل والخاص والعالم منهم فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية وقد كان ذهب معالم تلك الكتب ودرست وحرفت عن مواضعها ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها من سقيمها إلا القليل ثم حاج كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حذاق المتكلمين وجهابذة المحصلين لم يتهيأ لهم نقض شيء منه فكان ذلك من أدل شيء على أنه أمر من عند الله عز و جل
وهذا هو معنى قوله سبحانه أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ففيه إشارة إلى ما اقتصصنا من حاله ووصفنا من أمره في أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يعرف بدرس الكتب وطلب الأخبار وإنما هو شيء أنزله الله عليه فهو يتلوه عليهم وكفى به دلالة على صحة أمره وصدق دعواه
ومن دلائل نبوته وصدقه فيما جاء به من عند الله سبحانه من القرآن العظيم أنه تحدى الخلق بما في القرآن من الإعجاز ودعاهم إلى معارضته والإتيان بسورة مثله فنكلوا عنه وعجزوا عن الإتيان بشيء

(1/258)


منه واختلف أهل العلم في إعجاز القرآن منهم من قال إعجازه من جهة البلاغة وحسن اللفظ دون النظم ومنهم من قال إعجازه في نظمه دون لفظه فإن العرب قد تكلمت بألفاظه ومنهم من قال إعجازه في إخباره عن الحوادث وإنذاره بالكوائن في مستقبل الزمان ووقوعها على الصفة التي أنبأ عنها ومنهم من قال إعجازه في أن الله أعجز الناس عن الإتيان بمثله وصرف الهمم عن معارضته مع وقوع التحدي وتوفر الدواعي إليه لتكون آية للنبوة وعلامة لصدقه في دعواه
وقد ذهب بعض العلماء إلى إثبات الإعجاز للقرآن من جميع هذه الوجوه ولا معنى لقول من زعم أن الإعجاز في لفظه لأن الألفاظ مستعملة في كلام العرب ومتداولة في خطابها لأن البلاغة ليست في أعيان الأسماء ومفرد الألفاظ وحسب دون أن تكون هذه الأوضاع معتبرة بمحالها ومواضعها المصرفة إليها والمستعملة فيها
قال الشيخ أبو سليمان رحمه الله وبيان ذلك أن العرب قد تعرف لفظ الصدع في لغتها وتتكلم به في خطابها ثم إنك لا تجده مستعملا لهم في مثل قوله فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ويستعمل العرب اسم الضرب ثم لا تجد لهم مستعملا في مثل قوله فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا وكذلك لفظ النبذ ثم لا تجد لهم في مثل قوله تعالى فانبذ إليهم على سواء إلى ما يجمع هذا الكلام من الوجازة والاختصار وحذف المقتضى وإعمال الضمير والاقتصار على الوحي المفهم وكقوله تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإن حقيقته نخرج منه النهار إلا أن موضع البلاغة

(1/259)


هاهنا في السلخ أنه إخراج الشيء مما لابسه وعسر انتزاعه منه لالتحامه به ذلك قياس الليل ومثاله وكقوله عز و جل عذاب يوم عظيم أي يوم لا يعقب للمعذبين غدا ولا ينتج لهم خيرا قال وقد استحسن الناس في الإيجاز قولهم القتل أنفى للقتل وبينه وبين قول الله سبحانه ولكم في القصاص حياة تفاوت في البلاغة والإيجاز
وبيان ذلك أن في هذا الكلام كل ما في قولهم القتل أنفى للقتل وزيادة معان ليست فيه منها الإبانة عن الفداء لذكر القصاص ومنها الإبانة عن الغرض المرغوب فيه لذكر الحياة ومنها بعده عن التكلف وسلامته من تكرار اللفظ الذي فيه على النفس مشقة وعلى السمع مؤونة
قال الشيخ وقوله في القصاص حياة أوجز في العبارة فإنه عشرة أحرف وقول من قال القتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا قال وإذا تأملت هذه المعاني من القرآن وتتبعتها منه كثر وجودك لها وإنما ذكرنا هذا القدر ليكون مثالا مرشدا إلى نظائر منه
وأما إعجازه من جهة النظم فالمعجز منه نظم جنس الكلام الذي باين به القرآن سائر أصناف الكلام التي تكلمت بها العرب فإن أجناس كلام العرب التي تكلمت بها خمسة 1 المنثور الذي تستعمله العرب في محاورة بعضهم بعضا 2 والشعر الموزون 3 والخطب 4 والرسائل 5 والسجع

(1/260)


وكل نوع منها نمطه غير نمط صاحبه ونظم كلام القرآن مباين لهذه الوجوه الخمسة مباينة لا تخفى على من يسمعه من عربي فصيح أو ذي معرفة بلسان العرب من غيرهم حتى إذا سمعه لم يلبث أن يشهد بمخالفته لسائر هذه الأنواع من الكلام والحجة إنما قامت على قريش وسائر العرب بوقوفهم على ذلك من أمره وأن هذا الفرق بينه وبين سائر الكلام هو موضع الحجة
وبذلك صار معجزا للخلق وقائما مقام الحجج الذي بعث الله بها رسله واحتج بها على الناس مثل فلق البحر وإحياء الموتى ومنع النار من الإحراق ولذلك قال سبحانه وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله إلى أن قال تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة الآية
وقال بعض العلماء إن الذي أورده المصطفى صلى الله عليه و سلم على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان المتقدمين في اللسان بكلام مفهوم المعنى عندهم فكان عجزهم أعجب من عجز من شاهد من المسيح إحياء الموتى لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه ولا في إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة فدل على أن العجز عنه إنما كان لأن يصير علما على رسالته وصحة نبوته وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح
فإن قيل أن وجه ما يظهر به بينونة القرآن من سائر أنواع الكلام هو ما يقع من السجع في مقاطع الكلام ومنتهى الآيات نحو قوله والطور وكتاب مسطور وقوله والشمس وضحاها

(1/261)


والقمر إذا تلاها وما أشبه ذلك من سور القرآن والسجع في كلام العرب كثير غير عديم ولا غريب فكيف جعلتم ذلك علما للإعجاز
قيل ليس شيء من هذا سجعا وإنما هي فواصل تفصل بين الكلامين بحروف متشاكلة في المقاطع تعين على حسن إفهام المعاني والفواصل بلاغة والسجع عيب ذلك أن الفواصل تابعة للمعاني وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها والسجع تكلف وليس فيه أكثر من تأليف أواخر الكلم على نمط وهو مأخوذ من سجع الحمامة وهو موالاتها الصوت على نمط لا يختلف فمن شبه الفواصل التابعة لمعاني الكلام المفيدة حسن الإفهام بالسجع الخالي عن المعنى المتتبع له المتكلف على سبيل الاستكراه فقد ذهب عن الصواب وأخطأ مذهب القياس
وأما من ذهب إلى أن إعجازه لما فيه من الأخبار الصادقة عن الأمور الكائنة فوجهه بين وشواهده كثيرة كقوله سبحانه الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فكان الأمر كما نطق به القرآن فظهرت فارس على الروم فاغتم به المسلمون وسر به المشركون فوعد الله المسلمين بظهور الروم على فارس في بضع سنين فظهروا عليها لتسع سنين وقيل لسبع وفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب
وقال عز و جل في قصة بدر وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين
أخبرنا أبو عبد الله الحاكم ثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ثنا

(1/262)


جعفر بن محمد بن شاكر ثنا أبو نعيم ثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من القتلى يعني يوم بدر قيل له عليك بالعير ليس دونها شيء فناداه العباس وهو في وثاقه أنه لا يصلح لك قال لم قال لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أنجز لك وعدك
قال الشيخ وحين التقى هو والمشركون ببدر قال وهو في قبته
اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم فاخذ أبو بكر بيده فقال حسبك حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر فتلا ما كان قد نزل من أخبار الله تعالى إياه بهزيمة المشركين فكان كما أخبر
وقال تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا فدخل المسجد الحرام

(1/263)


على الصفة التي نطقت بها الآية في عمرة القضية وكان ما وعده الله في هذه السورة من الفتح القريب وهو فتح خيبر وقيل الصلح بالحديبية وقال فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها قيل فتح خيبر وأخرى لم تقدروا عليها قيل هو ما أصابوا بعده وقال تعالى ليظهره الله على الدين كله ولو كره المشركون وقد وقع الظهور والغلبة بحمد الله
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي رحمه الله تعالى قال قد أظهر الله دينه الذي بعث به رسوله صلى الله عليه و سلم على الأديان بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل وأظهره بأن جماع الشرك دينان أهل الكتاب ودين الأميين فقهر رسول الله الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه صلى الله عليه و سلم وهذا ظهور الدين كله
وقال الله عز و جل وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون فوعدهم في حال الخوف والشدة وغلبة أهل الكفر ظهورهم واستخلافهم في الأرض وتمكينهم من القيام بأمور دينهم الذي ارتضى لهم وتبديلهم من الخوف بالأمن وبأصحابه وأتباعه جميع ما وعدهم به وفي

(1/264)


ذلك دليل على صحة نبوته وصدقه في دعوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني محمد بن صالح بن هانئ ثنا أبو سعيد محمد بن شاذان ثنا أحمد بن سعيد بن أحمد الدارمي ثنا علي بن الحسين بن واقد حدثني أبي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه إلى المدينة وآواهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات قرأ إلى قوله ومن كفر بعد ذلك يعني بالنعمة فأولئك هم الفاسقون قال الشيخ وفي مثل هذا المعنى قوله عز و جل والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون
زعم بعض أهل التفسير أنها نزلت في المعذبين بمكة حين هاجروا إلى المدينة بعدما ظلموا فوعدهم الله في الدنيا حسنة يعني بها الرزق الواسع فأعطاهم ذلك فروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعطى الرجل عطاءه من المهاجرين يقول خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل

(1/265)


وحين امتنع أبو لهب من الإسلام وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أنزل الله عز و جل فيه تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب فمات أبو لهب على شركه وصلي النار بكفره وإنما نزلت وأبو لهب حي فلم يمكنه مع حرصه على تكذيب رسول الله صلى الله عليه و سلم ونقض كلمته أن يظهر الإسلام ليشكك الناس في النبي صلى الله عليه و سلم وفيما أخبرهم من شأنه ولا يجوز أن تقع هذه الأمور على الاتفاق وتستمر على الصدق فلا يختلف شيء منها إلا أن يكون من قبل الله علام الغيوب
وأما الصرفة والتعجيز مع توهم القدرة منهم على الإتيان بمثله فإنما يعلم ذلك بعدم المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة إليه وذلك ما لا يجوز أن يشك فيه عاقل من أنهم لو كانوا قادرين عليه لبادروا إليه مع حرصهم على إبطال دعوته ونقض كلمته ولما خرجوا في أمر إلى نصب القتال والتغرير بالأنفس وإتلاف الأموال ومفارقة الأهل والأوطان ولكان ذلك أيسر عليهم من مباشرة الخطوب ومقاساة هذه الشدائد والكروب فلما لم يفعلوه دل على عجزهم عن ذلك وسبيل هذا سبيل رجل عاقل اشتد به العطش وبحضرته ماء فجعل يتلوى من شدة الظمأ ولا يشرب الماء فلا يشك شاك أنه عاجز عن شربه أو ممنوع لسبب يعوقه عنه وأنه لم يتركه اختيارا مع توفر الدواعي له وشدة الحاجة منه إليه وهذا بين والحمد لله
ومن دلائل صدقه أنه كان من عقلاء الرجال عند أهل زمانه وقد قطع القول فيما أخبر عن ربه عز و جل بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فلولا علمه بأن ذلك من عند علام الغيوب وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلاف وإلا لم يأذن له

(1/266)


عقله في أن يقطع القول في شيء يكون بأنه لا يكون وهو بعرض أن يكون
وقد روينا في كتاب الدلائل من الأخبار التي وردت في قراءة النبي صلى الله عليه و سلم بعض ما نزل عليه على المشركين الذين كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة وإقرارهم بإعجازه ما يكشف عن جملة مما أشرنا إليها ونحن نقتصرها هنا على ما
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني يزيد بن زياد مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا حليما قال ذات يوم وهو جالس وحده في المسجد يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل منها بعضها ويكف عنا قالوا بلى يا أبا الوليد فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك فلما فرغ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
أفرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاسمع مني قال افعل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا فمضى رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأها عليه فلما سمعها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السجدة فسجد فيها ثم قال سمعت يا أبا الوليد قال فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي أني والله سمعت قولا ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا

(1/267)


السحر ولا الكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ
وروينا هذا في حديث جابر بن عبد الله وفيه من الزيادة فيما حكى عتبة لأصحابه قال فأجابني بشيء والله ما هو سحر ولا شعر ولا كهانة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم حتى بلغ فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسكته بفيه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب
وروينا عن عكرمة مرسلا في قصة الوليد بن المغيرة أنه قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم إقرأ علي فقرأ عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون قال أعد فأعاد النبي صلى الله عليه و سلم فقال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما يقول هذا بشر وقال لقومه والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئا من هذا والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته

(1/268)


وروينا في حديث أم سلمة في قصة دخول جعفر بن أبي طالب على النجاشي وقوله للنجاشي بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وعفافه وتلا علينا تنزيلا لا يشبهه شيء غيره
والأخبار الصحيحة المشهورة المروية من طرق شتى في معجزات رسول الله صلى الله عليه و سلم كثيرة وهي في كتاب دلائل النبوة مكتوبة والمعرفة بها لمن وقف عليها وأمعن النظر فيها حاصلة وإنما يذكر في هذا الكتاب من الدلائل أطرافها ومن الآيات والمعجزات ما يكون بلغة لمن لم يصل إلى معرفة جميعها
فمنها ما أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز ثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ثنا يونس بن محمد ثنا شيبان عن قتادة عن أنس بن مالك قال إن أهل مكة سألوا نبي الله صلى الله عليه و سلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد ثنا سعيد بن سليمان ثنا هشيم ثنا مغيرة عن أبي الضحاك عن مسروق عن عبد الله يعني ابن مسعود قال انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين فقال كفار أهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة انظروا السفار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم

(1/269)


به فسئل السفار وقدموا من كل وجه فقالوا رأينا
ومنها ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر أحمد بن الحسن ومحمد بن موسى بن الفضل قالوا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا عثمان بن عمر ثنا معاذ بن العلاء عن نافع عن أبي بن عمران أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر حن الجذع فأتاه فالتزمه
وحدثنا السيد أبو الحسن العلوي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سعيد النسوي ثنا إسحاق بن إبراهيم بن فهد الهاشمي ثنا عبد الله بن رجاء ثنا أبو حفص بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء فذكره بإسناده ومعناه قال فأتاه النبي صلى الله عليه و سلم فمسحه فسكن
وأخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حبيب البخاري أخبرنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا أيوب بن سليمان بن بلال قال حدثني أبو بكر بن أويس عن سليمان بن بلال قال قال يحيى بن سعيد أخبرني حفص بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري أنه سمع جابر بن عبد الله يقول كان المسجد في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم مسقوفا على جذوع من نخل فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خطب يقوم إلى جذع فلما صنع المنبر كان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاءها رسول الله صلى الله عليه و سلم فوضع يده عليها فسكنت
ورواه عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بن عبد الله وقال في

(1/270)


آخره فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فضمها إليه كانت تئن أنين الصبي الذي يسكت كانت تبكي على ما تسمع من الذكر عندها
وفي حديث سهل بن سعد الساعدي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة فأقبل الناس عليها فرقوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لو احتضنه لحن إلى يوم القيامة
وفي حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم معنى قول ابن عباس وفي حديثه في هذه القصة فلما قعد رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد بخواره
وفي حديث أم سلمة فلما فقدته تعني الخشبة خارت كما يخور الثور حتى سمعها أهل المسجد وأمر الحنانة من الأمور الظاهرة والأعلام الباهرة التي أخذها الخلف عن السلف ورواية الأحاديث فيه كالتكلف
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو محمد بن أبي الحسن أخبرنا عبد الرحمن يعني ابن أبي حاتم الرازي قال قال أبي قال عمرو بن أبي سواد قال لي الشافعي رحمه الله ما أعطى الله عز و جل نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه و سلم فقلت أعطى عيسى عليه السلام إحياء الموتى فقال

(1/271)


أعطى محمد صلى الله عليه و سلم الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع له صوت فهذا أكبر من ذاك
ومنها ما
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي أخبرني الحسن بن سفيان ثنا محمد بن بشار العبدي ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله هو ابن مسعود قال إنكم تعدون الآيات عذابا وكنا نعدها بركة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم قد كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه و سلم الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام وأتي النبي صلى الله عليه و سلم بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فقال النبي صلى الله عليه و سلم حي على الطهور المبارك والبركة من السماء حتى توضأنا كلنا
وروينا في حديث أبي ذر تسبيح الحصيات في كف رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم في يد أبي بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان
ومنها ما أخبرنا أبو بكر بن الحسين بن فورك أخبرنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت سالم بن أبي الجعد
قال شعبة وأخبرني حصين بن عبد الرحمن قال سمعت سالم بن أبي الجعد قال قلت لجابر كم كنتم يوم الشجرة قال كنا ألفا وخمسمائة وذكر عطشا أصابهم قال فأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم بماء في قدر فوضع يده

(1/272)


فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون قال فشربنا ووسعنا وكفانا قال قلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف كفانا كنا ألفا وخمسمائة
ورواه عبد العزيز بن مسلم وابن فضيل عن حصين وفيه من الزيادة فشربنا وتوضأنا
وفي رواية الأعمش عن سالم عن جابر فتوضأ الناس وشربوا قال فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه وعلمت أنه بركة
ورواه أيضا عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم وفي بعض الروايات عنه قول النبي صلى الله عليه و سلم حي على الوضوء والبركة من الله فأقبل الناس فتوضأوا وشربوا وجعلت لا هم لي إلا ما أجعل في بطني من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم والبركة من الله
وفي رواية ابن عباس قال فرأيت العيون تنبع بين أصابعه قال فأمر بلالا ينادي في الناس الوضوء المبارك وهذا يكون في وقت آخر فإن ابن عباس لم يشهد الحديبية
ورواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه صنع ذلك والأشبه أن ذلك كان بالمدينة
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا علي بن حمشاد العدل أخبرنا أبو المثنى ثنا مسدد ثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس أن

(1/273)


رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه قال أنس فجعلت أنظر إلى الماء ينبع بين أصابعه قال أنس فحزرت من توضأ منه ما بين السبعين إلى الثمانين
ورواه عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس قال خرج النبي صلى الله عليه و سلم إلى قباء ورواه حميد عن أنس قال حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم فذكر الحديث وذكر عدد الثمانين وزيادة وفي كل ذلك دلالة على أنه كان في وقت آخر سوى ما رواه جابر ومن تابعه
وروى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه كانوا بالزوراء والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فدعا بقدح فذكر الحديث غير أنه قال قلت لأنس يا أبا حمزة كم كانوا قال زهاء ثلاثمائة فيشبه أن يكون هذا مرة أخرى
وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه كان مع النبي صلى الله عليه و سلم في بعض أسفاره قال فتبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فقال
هل من ماء يا أخا صداء فقلت لا إلا شيء قليل لا يكفيك فقال صلى الله عليه و سلم
اجعله في إناء ثم ائتني به ففعلت فوضع كفه في الماء قال الصدائي فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور فهذا يكون خبرا عن قصة أخرى

(1/274)


ومنها ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن رجاء أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان نزلنا يوم الحديبية وهي بئر فوجدنا الناس قد نزحوها فلم يدعوا فيها قطرة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعا بدلو فنزع منها ثم أخذ منه بفيه فمجه فيها ودعا الله فكثر ماؤها حتى صدرنا وركائبنا ونحن أربع عشرة مائة
ورواه أيضا سلمة بن الأكوع والمسور بن مخرمة وقد صنع مثل هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم بآبار وقد ذكرنا صنعه بكل واحدة منها في كتاب الدلائل
ومنها ما أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا أحمد بن منصور الرمادي ثنا عبد الرزاق ح
وأخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصغاني بمكة ثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أنا معمر عن عوف بن أبي رجاء العطاردي عن عمران بن حصين قال سرى رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر هو وأصحابه قال فأصابهم عطش شديد فأقبل رجلان من أصحابه قال أحسبه عليا والزبير أو غيرهما قال إنكما ستجدان بمكان كذا وكذا امرأة معها بعير

(1/275)


عليه مزادتان على البعير فائتياني بها قال فأتيا المرأة فوجداها ركبت بين مزادتين على البعير فقالا لها أجيبي رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت ومن رسول الله أهذا الصابئ قالا هو الذي تعنين وهو رسول الله حقا فجاءا بها فأمر النبي صلى الله عليه و سلم فجعل في إناء من مزاديتها شيء ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول وفي رواية ابن إسحاق قال ما شاء أن يقول ثم أعاد الماء في المزادتين ثم أمر بغطاء المزادتين ففتحت ثم أمروا الناس فملأوا آنيتهم وأسقيتهم فلم يدعوا يومئذ إناء ولا سقاء إلا ملأوه قال عمران بن حصين فكان يخيل إلي أنهما لم يزدادا إلا امتلاءا قال فأمر النبي صلى الله عليه و سلم بثوبها فبسط ثم أمر أصحابه فجاؤا من أزوادهم حتى ملأ لها ثوبها ثم قال لها اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقانا قال فجاءت أهلها فأخبرتهم فقالت جئتكم من عند أسحر الناس أو أنه لرسول الله حقا قال فجاء أهل ذلك الحواء حتى أسلموا كلهم
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا الحسن بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب ثنا عبد الوهاب بن عطاء أنا عوف بن أبي جميلة فذكره بإسناده ومعناه يزيد وينقص وقال في آخره قال فكان المسلمون يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي فيه فقالت يوما لقومها إن هؤلاء القوم عمدا يدعونكم هل لكم في الإسلام فأطاعوها فجاءوا جميعا فدخلوا الإسلام
قال الشيخ وهذا لأنه صلى الله عليه و سلم كان يرجو إسلامهم بما أرى المرأة منهم من معجزاته فأخبرتهم بذلك فعلموا تصديقه فأسلموا

(1/276)


وحديث الميضأة الذي رواه عمران وأبو قتادة الأنصاري من هذا الباب فقتادة الأنصاري من هذا الباب فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأبي قتادة أمعكم ماء قال قلت نعم ميضأة فيها شيء من ماء فتوضأ القوم وبقي في الميضأة جرعة فقال
ازدهر يا أبا قتادة فإنها سيكون لها شأن فذكر الحديث في سيرهم فلما اشتدت بهم الظهيرة قالوا يا رسول الله هلكنا عطشا قال
لا هلك عليكم ثم قال يا أبا قتادة ائتني بالميضأة فأتيته بها فقال حل لي غمري يعني قدحه فحللته فأتيته به فجعل يصب ويسقي الناس فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
أحسنوا الملء فكلكم سيصدر عن ري فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغيره فصب لي فقال اشرب يا أبا قتادة قلت اشرب أنت يا رسول الله فقال
إن ساقي القوم آخرهم شربا فشربت ثم شرب بعدي وبقي في الميضأة نحو ما كان فيها وهم يومئذ ثلاثمائة
أخبرنا علي بن بشران أخبرنا أبو جعفر الرزاز أخبرنا محمد بن عبيد الله بن يزيد ثنا يزيد بن هارون أنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة فذكره وفي آخره تصديق عمران بن حصين عبد الله بن رباح في روايته
ورواه سليمان بن المغيرة عن ثابت فقال فيه فلما رأى الناس ما في الميضأة تكالبوا عليها فقال
أحسنوا الملء كلكم سيروى
ومنها ما أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا تمتام وهو محمد بن غالب ثنا موسى بن إسماعيل ثنا عكرمة عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال غزونا مع

(1/277)


رسول الله صلى الله عليه و سلم فأصابنا جهد شديد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
اجمعوا بعض مزاودكم فأمر نبي الله بنطع فمد قال فجاء القوم بشيء في أجربتهم فنبذوه قال فتطاولت أحزره حتى كم هو فإذا هو كربضة الشاة ونحن أربع عشرة مائة فأكلنا حتى شبعنا أجمعين قال ثم تطاولت له بعد ما شبع القوم أحزره كم هو فإذا هو كربضة الشاة قال فحشونا جربنا منه ثم أتي رسول الله صلى الله عليه و سلم بنطفة في إداوة فصبها في قدح فرفعنا منها حتى تطهرنا بأجمعنا ثم جاء بعد ذلك ثمانية نفر قالوا هل من وضوء فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
فرغ الوضوء
ورواه النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار وقال في الحديث فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة
وروى أبو هريرة قصة الأزواد وقال فدعا عليها حتى ملأ القوم أزودتهم
وروي في مثل ذلك عن أبي عمرة الأنصاري

(1/278)


وعن أبي حبيش العقاري
وعن ابن عباس كلهم عن النبي صلى الله عليه و سلم
ومنها ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا جعفر بن محمد بن شاكر ثنا محمد بن سابق ثنا شيبان عن فراس قال قال الشعبي فحدثني جابر بن عبد الله أن أباه استشهد يوم أحد وترك ست بنات وترك عليه دينا كثيرا فلما حضر جداد النخل أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم قلت يا رسول الله قد علمت أن والدي قد استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا فأنا أحب أن يراك الغرماء قال اذهب فبيدر كل تمرة على حدة ففعلت ثم دعوته فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه ثم قال ادع أصحابك فما زال يكيل لهم حتى أدى الله أمانة والدي وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى إخوتي بتمرة فسلم الله البيادر كلها حتى إني لأنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/279)


كأنه لم ينقص منه ثمرة واحدة
ومنها ما أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر الفقيه ثنا عثمان بن سعيد أنا القعنبي فيما قرأ على مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول قال أبو طلحة لأم سليم لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه و سلم ضعيفا أعرف به الجوع فهل عندك من شيء فقالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخذت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه و سلم جالسا في المسجد ومعه أناس فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسلك أبو طلحة قال فقلت نعم فقال طعام فقلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لمن حوله قوموا ننطلق قال فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته قال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت الله ورسوله أعلم
قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو طلحة معه حتى دخلا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
هلمي ما عندك يا أم سليم فجاءت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/280)


ففته وعصرت عليه أم سليم عكة لها فآدمته ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ما شاء الله أن يقول ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم والقوم سبعون رجلا أو ثمانون
ورواه سعد بن سعيد عن أنس بن مالك وزاد في آخره قال ثم هيأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها
ورواه النضر بن أنس عن أنس وقال وأكل منها بضع وثمانون رجلا وفضل منها فضل فدفعها إلى أم سليم فقال
كلي وأطعمي جيرانك
وفي حديث جابر بن عبد الله أنه دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم على صاع من شعير وعناق فدعا الله على القدر والتنور فأكلوا وهم ثلاثمائة

(1/281)


قال وأكلنا وأهدينا لجيراننا فلما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ذهب كل ذلك
وفي حديث سمرة في القصعة التي كانت تمد من السماء
وفي حديث أبي أيوب فيما صنع من الطعام
وفي الشاة التي اشتراها من الأعرابي

(1/282)


وفي اللبن الذي دعا عليه أهل الصفة

(1/283)


وفيما خلف على عائشة من الشعير وفيما أعطى الرجل من الشعير وفيما بقي عند المرأة من السمن في العكة وغير ذلك في سائر هذه الأحاديث وغيرها مما في معناها بأسانيدها مما يطول به الكتاب وفيما أشرنا إليه كفاية وبالله التوفيق
ومنها ما أخبرنا به أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروذباري وأبو عبد الله الحسين بن عمر بن برهان الغزال في آخرين قالوا أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا الحسن بن عرفة ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال كنت أرعى غنما لعقبة بن معيط فمر بي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر رضي الله عنه فقال يا غلام هل من لبن قال قلت نعم ولكني مؤتمن فقال هل من شاة لم ينزل عليها الفحل فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى

(1/284)


أبا بكر قال ثم قال للضرع اقلص فقلص قال ثم أتيته بعد هذا فقلت يا رسول الله علمني من هذا القول فمسح رأسي وقال
يرحمك الله فإنك عليم معلم ورواه حماد بن سلمة وغيره عن عاصم فقال
هل عندك من جذعة لم ينزل عليها الفحل بعد فأتيته بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم الضرع فدعا فحفل الضرع
وقد صنع مثل هذا في غير موضع وصنع ذلك بشاة أم معبد حين مر بها في الهجرة حتى قال فيها الهاتف الأبيات المذكورة في قصتها
ومنها ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن

(1/285)


جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبيد الله بن موسى وعبد الله بن رجاء وأبو عمرو الغداني ح وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن إسحاق أنا محمد بن سليمان بن الحرث ثنا عبيد الله بن موسى وعبد الله بن رجاء قالا حدثنا إسرائيل بن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب مر البراء فليحمله إلى رحلي فقال له عازب لا حتى تحدثني كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه و سلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكما قال أدلجنا من مكة ليلا فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل أرى من ظل نأوي إليه فإذا صخرة فانتهيت إليها فإذا بقية ظل لها قال فسويته ثم فرشت لرسول الله صلى الله عليه و سلم فروة ثم قلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ثم ذهبت أنفض ما حولي هل أرى من الطلب أحدا فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أريد يعني الظل فسألته فقلت له لمن أنت يا غلام فقال لرجل من قريش فسماه فعرفته فقلت هل في غنمك من لبن قال نعم قلت هل أنت حالب لي قال نعم فأمرته فاعتقل شاة من غنمه وأمرته أن ينفض درعها من التراب ثم أمرته أن ينفض كفيه فقال هكذا فضرب إحدى كفيه على الأخرى فحلب لي كثبة من لبن وقد رويت و معي لرسول الله صلى الله عليه و سلم إداوة على فمها خرقة فصببت على اللبن حتى برد أسفله فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فوافقته وقد استيقظ فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قلت قد آن الرحيل يا رسول الله قال فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن

(1/286)


مالك بن جعثم على فرس له فقلت هذا الطلب لقد لحقنا يا رسول الله قال
لا تحزن إن الله معنا فلما دنا منا وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة قلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله وبكيت فقال
ما يبكيك فقلت أما والله ما على نفسي أبكي ولكنني إنما أبكي عليك قال فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال
اللهم اكفناه بما شئت قال فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها ثم قال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادعو الله أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بإبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
لا حاجة لنا في إبلك وغنمك ودعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق راجعا إلى أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة ليلا
ورواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء عن أبي بكر قال به وأتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض فقلت يا رسول الله أتينا فقال
لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فارتطمت فرسه إلى بطنها
ورواه الزهري عن عبد الرحمن بن مالك المدلجي عن أبيه عن سراقة فذكر قصة خروجه خلف النبي صلى الله عليه و سلم قال حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر التلفت ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يداها فلما استوت قائمة إذا غبار ساطع في السماء مثل الدخان قال فعرفت أنه منع مني وأنه طاهر

(1/287)


والأحاديث في دعائه على آحاد المشركين ودعائه لآحاد المسلمين واستسقائه وعائه بالحبس وإجابة الله تعالى إياه في مسائل

(1/288)


كثيرة وهي في كتاب الدلائل بأسانيدها مذكورة
ومنها ما أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد فنزلنا منزلا بفلاة من أرض ليس فيها علم ولا شجر فقال لي
يا جابر خذ هذه الإداوة وانطلق بها فملأت الإداوة ماء وانطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى فإذا شجرتان بينهما أذرع فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا جابر انطلق فقل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله صلى الله عليه و سلم الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما ففعلت فزحفت حتى لحقت بصاحبتها فجلس خلفهما حتى قضى حاجته ثم رجعنا فركبنا رواحلنا فسرنا فكأنما علينا الطير تظللنا فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله صلى الله عليه و سلم معها صبي تحمله

(1/289)


فقالت يا رسول الله إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه فوقف رسول الله صلى الله عليه و سلم فتناوله فجعله بينه وبين مقدمة الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
اخسأ عدو الله أنا رسول الله فأعاد ذلك ثلاث مرات ثم ناولها إياه
فلما رجعنا فكنا بذلك الماء عرضت لنا المرأة معها كبشان تقودهما والصبي تحمله فقالت يا رسول الله اقبل مني هديتي فوالذي بعثك بالحق نبيا إن عاد إليه بعد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم
خذوا أحدهما منها وردوا الآخر ثم سرنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم بيننا فجاء جمل ناد فلما كان بين السماطين خر ساجدا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أيها الناس من صاحب هذا الجمل فقال فتية من الأنصار هو لنا يا رسول الله قال فما شأنه قال سنونا عليه منذ عشرين سنة فلما كبر سنه وكانت عليه شحيمة فأردنا نحره لنقسمه بين غلمتنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم تبيعونيه قالوا يا رسول الله هو لك قال
فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله قالوا يا رسول الله نحن أحق أن نسجد لك من البهائم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن

(1/290)


وقد روى عبادة بن الوليد عن جابر بن عبد الله قصة انقياد الشجرتين لنبينا صلى الله عليه و سلم واجتماعهما حتى استتر بهما ثم افتراقهما
وروى يعلى بن مرة عن أبيه وقيل عنه دون أبيه أنه شهد هذه المعجزات الثلاث من رسول الله صلى الله عليه و سلم كما شهدهن جابر
وروينا في حديث ابن عباس دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزوله من النخلة ومشيه إليه ورجوعه إلى مكانه
وفي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم دعاؤه الشجرة وإقبالها إليه حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال ثم رجعت

(1/291)


إلى منبتها وفي حديث سلمان الفارسي حين كاتب قومه على كذا وكذا نخلة يغرسها لهم ويقوم عليها حتى تطعم فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فغرس النخل كلها إلا نخلة واحدة غرسها غيره فأطعم نخله من سنته إلا تلك النخلة
وفي حديث جابر وغيره في قصة خيبر إخبار الذراع إياه بأنها مسمومة

(1/292)


وفي حديث أبي سعيد الخدري شهادة الذئب لنبينا صلى الله عليه و سلم وفي حديث النعمان بن بشير وسعيد بن المسيب شهادة زيد بن خارجة الأنصاري بعدما مات لنبينا صلى الله عليه و سلم بالرسالة

(1/293)


وفي حديث روي عن عمر وغيره في شهادة الضب لنبينا صلى الله عليه و سلم وفي حديث ربعي بن حراش شهادة أخيه بعدما مات لنبينا صلى الله عليه و سلم بالرسالة

(1/294)


وفي حديث الأعمش عن شمر بن عطية عن أشياخه شهادة الصبي الذي شب ولم يتكلم لنبينا بالرسالة وفي حديث معيقيب شهادة الرضيع لنبينا صلى الله عليه و سلم بالرسالة
وفي قصة أحد أن نبينا صلى الله عليه و سلم أعطى عبد الله بن جحش عسيبا من نخل وكان قد ذهب سيفه فرجع في يد عبد الله سيفا وفي مغازي محمد بن إسحاق بن يسار ثم الواقدي في قصة بدر أن عكاشة بن محصن انقطع سيفه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم عودا فإذا هو سيف أبيض طويل القامة فلم يزل عنده حتى هلك
وفي كتاب الواقدي أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم قضيبا كان في يده فقال
اضرب به فإذا هو سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد وفي قصة بدر وقيل

(1/295)


أحد عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته على وجنته فدعا به رسول الله صلى الله عليه و سلم فغمز حدقته براحته فكان لا يدري أي عينه أصيبت
وعن رفاعة بن رافع أنه رمي يوم بدر بسهم ففقئت عينه فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعا له فما آذته
وبصق في عين علي رضي الله عنه يوم خيبر من رمد كان بها ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ثم لم يشك عينيه
وله من دعواته واستسقائه واستشفائه وإجابة الله تعالى إياه في جميع ذلك آيات كثيرة ودلالات واضحة ومعجزاته أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى وإنما نشيرها هنا من كل جنس إلى مقدار ما يتضح به ما قصدناه في هذا الكتاب
وقد روينا أن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم رأوا جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي ودحية غائب

(1/296)


ورأى جماعة من المشركين جماعة من الملائكة الذين أمد رسول الله صلى الله عليه و سلم بهم يوم بدر
ورأى سعد بن أبي وقاص يوم أحد رجلين أحدهما عن يمين النبي صلى الله عليه و سلم والآخر عن يساره عليهما ثياب بياض يقاتلان عنه أشد القتال ما رآهما قبل ذلك ولا بعده وإذا هما ملكان
وأما أخبار النبي صلى الله عليه و سلم عن الكوائن أيام حياته وبعد وفاته وظهور صدقه في جميع ذلك فهي كثيرة وهي في كتاب الدلائل منقولة فإنه صلى الله عليه و سلم أخبر حين كان بمكة بما أفسدت الأرضة من صحيفة قريش فأتي بها فوجدت كما قال
وحين أخبر عن مسراه إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات السبع وكذب فيه أخبرهم عن العير التي رآها في طريقه وعن قدومها وعن

(1/297)


نبأ بيت المقدس فكان كما قال
وأخبر أصحابه بما وقع لزيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة بموته ونعاهم قبل أن يجيء خبرهم
ونعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وأخبر عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة وأخبر عن أشياء وجد تصديقه في جميعها ورواية جميع ذلك ها هنا مما يطول به الكتاب
ووعد أمته الفتوح التي وجدت بعده وحذرهم الفتن التي بدت في آخر خلافة عثمان وظهرت عند قتله وبعده وأخبرهم بمدة بقاء

(1/298)


الخلفاء بعده وأشار إلى الملوك الذين يكونون بعدهم من بني أمية ثم بني العباس فكانوا كما قال وسمى جماعة من أصحابه شهداء فأدركوا الشهادة بعده
وأخبر بأن عبد الله بن سلام لا يدرك الشهادة غير أنه يموت على الإسلام فكان كما أخبر وأخبر عن البلاء الذي أصاب عثمان بن

(1/299)


عفان وعن قتل عمار بن ياسر
وقتل ابن ابنته الحسين بن علي وإصلاح الحسن بن علي ابن

(1/300)


ابنته بين فئتين عظيمتين من المسلمين فوجد تصديقه في جميع ذلك ونعى نفسه إلى ابنته فاطمة وأخبر أنها أول أهله لحوقا به فكان كما قال
وبشر أمته بكفاية الله شر الأسود العنسي ومسيلمة الكذابين فكان كما قال وذكر أويسا القرني ووصفه بما وجد تصديقه بعده وارتد رجل من الأنصار ولحق بالكفار وكان قد قرأ البقرة وآل عمران ثم مات فقال النبي صلى الله عليه و سلم لا تقبله الأرض فدفن مرارا

(1/301)


فلم تقبله الأرض ولكل جنس من أجناس دلائل صدقه أشياء ذكرناها في كتاب دلائل النبوة ومن أراد معرفتها بأسانيدها رجع إليها إن شاء الله تعالى
ولنبينا صلى الله عليه و سلم مرتبة عظيمة ومنزلة شريفة بما كان له من خاتم النبوة وكانت له علامة ظاهرة في كتفه عرفه بها أهل الكتاب وبسائر صفاته التي وجدوها مكتوبة في كتبهم ثم بما كان من شق قلبه واستخراج حظ الشيطان منه وغسله وكان أمرا ظاهرا شاهده جماعة كانوا معه وكان أنس بن مالك يقول كنت أرى أثر المخيط في صدره ثم بما كان له من المعراج ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى

(1/302)


المسجد الأقصى ثم عرج به إلى سدرة المنتهى وكان ذلك في اليقظة وكل ما أخبر عنه من رؤية من رآه تلك الليلة من الملائكة والنبيين والجنة والنار وغير ذلك من آيات ربه كان رؤية عين
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أن أحمد بن جعفر القطيعي قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله عز و جل وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس قال وهي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه و سلم ليلة أسري به وقد ذكرنا قصة المعراج وشق الصدر وصفة خاتم النبوة في كتاب دلائل النبوة
وأما قول الله عز و جل ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى فقد قالت عائشة أنا أول هذه الأمة سأل عن هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين

(1/303)


السماء إلى الأرض
وفي حديث عبد الله بن مسعود في هذه الآية فكان قاب قوسين أو أدنى قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت جبريل عليه السلام له ستمائة جناح
وعن عبد الله بن مسعود في قوله ولقد رآه نزلة أخرى قال رأى جبريل له ستمائة جناح
وعن أبي هريرة مثل ذلك وذهب ابن عباس إلى أنه رأى ربه مرتين وحمل الآيتين على رؤيته عز و جل والله أعلم
وقد مضى ذكر أقاويلهم وأقاويل غيرهم في ذلك بأسانيدها في كتاب

(1/304)


الأسماء والصفات وكتاب الرؤية
فصل
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعدما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء وقد رأى نبينا صلى الله عليه و سلم جماعة منهم ليلة المعراج وأمر بالصلاة عليه والسلام عليه وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وقد أفردنا لإثبات حياتهم كتابا فنبينا صلى الله عليه و سلم كان مكتوبا عند الله عز و جل قبل أن يخلق نبيا

(1/305)


ورسولا وهو بعد ما قبضه نبي الله ورسوله وصفيه وخيرته من خلقه والذين يبلغون عنه أوامره ونواهيه خلفاؤه فرسالته باقية وشريعته ظاهرة حتى يأتي أمر الله عز و جل صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما

(1/306)


باب القول في كرامات الأولياء
قال الله عز و جل في قصة مريم عليها السلام كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وقال في قصة سليمان عليه السلام قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك
وآصف لم يكن نبيا وإنما لا يجوز ظهور الكرامات على الكاذبين فأما على الصادقين فإنه يجوز ويكون ذلك دليلا على صدق من صدقه من أنبياء الله عز و جل وقد حكى نبينا صلى الله عليه و سلم من الكرامات التي ظهرت على جريح الراهب والصبي الذي ترك السحر وتبع الراهب والنفر الذين آووا إلى غار من بني إسرائيل فانحطت

(1/307)


عليهم الصخرة وغيرهم ما يدل على جواز ذلك وقد ظهر على أصحابه في زمانه وبعد وفاته ثم على الصالحين من أمته ما يوجب اعتقاد جوازه وبالله التوفيق
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك أنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عمر بن أسيد بن حارثة حليف بني زهرة وكان من أصحاب أبي هريرة قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عشرة رهط عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بمائة رجل رام فاتبعوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر فقالوا هذا تمر يثرب فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فقالوا انزلوا ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا فقال عاصم أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة كافر اليوم اللهم بلغ عنا نبيك السلام فقاتلوا فقتل منهم سبعة ونزل ثلاثة على العهد والميثاق فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم وكتفوهم فلما رأى ذلك منهم أحد الثلاثة قال هذا والله أول الغدر فعالجوه فقتلوه وانطلقوا بخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة إلى مكة فباعوهما وذلك بعد وقعة بدر فاشترى بنو الحارث خبيبا وقد كان قتل الحارث يوم بدر قالت ابنة الحارث فكان خبيب أسيرا عندنا فوالله إن رأيت

(1/308)


أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد رأيته يأكل قطفا من عنب وما بمكة يومئذ من ثمره وإن هو إلا رزق رزقه الله خبيبا قالت واستعار مني موسى يستحد به للقتل قالت فأعرته إياه ودرج ابن لي وأنا غافلة فرأيته يجلسه على صدره قالت ففزعت فزعة عرفها خبيب قالت ففطن لي فقال أتحسبين أني قاتله ما كنت لأفعله قالت فلما أجمعوا على قتله قال لهم دعوني أصلي ركعتين وقال لولا أن تحسبوا أن بي جزعا لزدت قالت وكان خبيب أول من سن الصلاة لمن قتل صبرا ثم قال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ... فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي حال كان في الله مصرعي ... وذلك في جنب الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ... قال وبعث المشركون إلى عاصم بن ثابت ليؤتوا من لحمه بشيء وكان قتل رجلا من عظمائهم فبعث الله مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا إسماعيل بن محمد بن الفضل البيهقي ثنا جدي أبو ثابت حدثني إبراهيم بن سعد فذكره بإسناده ومعناه وذكر قول المرأة والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يأكل قطفا من عنب وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمره وقال في الشعر وذلك في ذات الإله وزاد واستجاب الله لعاصم

(1/309)


يوم أصيب فأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم وذكر في عاصم ما بعث الله عليه من الدبر حتى حمته
وذكره محمد بن إسحاق بن يسار في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة وزاد فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به قال وقد كان عاصم أعطى الله عهدا لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته قال ابن إسحاق فكان عمر بن الخطاب يقول يحفظ الله المؤمن فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منهم في حياته
وروينا عن بريدة بن سفيان استجابة الله دعاء خبيب على الذين قتلوه فلم يحل الحول ومنهم أحد غير رجل لبد في الأرض حين رآه يدعو وفي هذا الحديث الصحيح كرامات ظهرت على من سمى فيه
أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا أحمد ابن منصور الرمادي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن ثابت عن أنس بن مالك أن أسيد بن حضير الأنصاري ورجلا آخر من الأنصار تحدثا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم يتقلبان وبيد كل واحد منهما عصية فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشى في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير ورواه قتادة عن أنس

(1/310)


فلم يسم الرجلين قال ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما
وقد روينا عن حمزة بن عمرو الأسلمي وأبي عيسى بن جبر أنهما أكرما بقريب من ذلك فأضاءت أصابع حمزة ونور في عصا أبي عيسى
أخبرنا أبو الحسين بن بشران ثنا عبد الرزاق ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا أحمد بن منصور ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن قتادة قال كان مطرف بن عبد الله بن الشخير وصاحب له سريا في ليلة مظلمة فإذا طرف سوط أحدهما عنده ضوء فقال لصاحبه أما إنا لو حدثنا الناس كذبونا قال مطرف المكذب أكذب
يقول المكذب بنعمة الله أكذب ومطرف بن عبد الله كان من كبار التابعين وإنما أوردته عقيب حديث الصحابة لكونه شبيها بما أكرموا به

(1/311)


وقد روينا نزول الملائكة للقرآن عند قراءة أسيد بن حضير وذلك أنه رأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فقال النبي صلى الله عليه و سلم تلك الملائكة أتت لصوتك
وروينا تسليم الملائكة على عمران بن حصين وروينا عن جماعة من الصحابة أن كل واحد رأى جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق بن أيوب الفقيه أنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان أنه حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال مرة من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس أو كما قال وأن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم بعشرة فهو وأنا وأبو بكر وأمي ولا أدري قال وامرأتي وخادم بين بيتنا وبين بيت أبي وأن أبا بكر تعشى عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم لبث حتى صليت العشاء ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله فقالت له امرأته ما حبسك عن أضيافك أو قالت عن ضيفك قال أو ما عشيتهم قالت أبوا حتى تجيء وقد عرضوا عليهم

(1/312)


فغلبوهم قال فذهبت أنا واختبأت وقال يا غنثر وسب وقال كلوا وذكر كلمة وقال والله لا طعمته أبدا قال وايم الله ما كنا نأخذ لقمة إلا وربا من أسفلها أكثر منها قال وشبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك قال فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر قال لامرأته يا أخت بني فراس ما هذا قالت لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات فأكل منها أبو بكر وقال إنما كان ذلك من الشيطان يعني يمينه ثم حملها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وكان بيننا وبين قوم عهد فمضى الأجل فعرفنا اثني عشر رجلا مع كل رجل أناس الله أعلم كم مع كل رجل قال فأكلوا منها أجمعون
قال الشيخ رضي الله عنه وقد روينا كرامات ظهرت على عدة من الأولياء في حياة نبينا صلى الله عليه و سلم وله شواهد كثيرة ذكرناها في كتاب دلائل النبوة وغيره وقد روينا في فضائل الصحابة كرامات ظهرت على بعضهم بعد وفاة

(1/313)


النبي صلى الله عليه و سلم وإعادتها في هذا الكتاب مما يطول شرحه فاقتصرنا منها على بعضها وفيه كفاية
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا حمزة بن العباس العقبي ثنا عبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولي حدثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى سارية قال فبينا عمر يخطب قال فجعل يصيح وهو على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل قال فقدم رسول الجيش فسأله فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا وإن الصائح ليصيح يا سارية الجبل يا سارية الجبل فشددنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله فقيل لعمر إنك كنت تصيح بذلك
وحدثني ابن عجلان وحدثني إياس بن معاوية بن قرة بذلك
وقد روينا من أوجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال ما كنا ننكر ونحن متوافرون إن السكينة تنطق على لسان عمر
وعن عبد الله بن مسعود ما رأيت عمر قط إلا وكان بين عينيه

(1/314)


ملكا يسدده وعن عبد الله بن عمر قال كان عمر يقول القول فننتظر متى يقع
قال الشيخ وكيف لا تكون وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة فهو عمر بن الخطاب وهذا الحديث أهل في جواز كرامات الأولياء وفي قراءة أبي بن كعب وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث وقرأها ابن عباس كذلك
ثم في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قيل كيف يحدث قال يتكلم الملائكة على لسانه وذلك يوافق ما روينا عن علي وعبد الله في عمر رضي الله عنه
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أن عبد الله بن جعفر قال ثنا يعقوب بن سفيان ثنا محمد بن عزيز الإيلي عن سلامة بن روح عن عقيل حدثني ابن شهاب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كم من ضعيف متضعف ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك وأن البراء لقي زحفا من المشركين فقالوا له يا

(1/315)


براء إن النبي صلى الله عليه و سلم قال لو أقسمت على الله لأبرك فاقسم على ربك قال أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم فمنحوا أكتافهم ثم التقوا على قنطرة السويس فأوجعوا في المسلمين فقالوا أقسم يا براء على ربك قال فأقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم ورزقتني الشهادة فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا
أخبرنا أبو زكريا بن إسحاق أنا أبو عبد الله بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنا جعفر بن عوف أنا أسامة بن زيد عن محمد بن عمرو عن محمد بن المنكدر عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه و سلم قال ركبت سفينة في البحر فانكسرت بي فركبت لوحا منها فأخرجني إلى أجمة فيها أسد إذ أقبل الأسد فلما رأيته قلت يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل نحوي حتى ضربني بمنكبه ثم مشى معي حتى أقامني على الطريق ثم همهم وضربني بذنبه فرأيت أنه يودعني
قال الشيخ محمد بن عمرو هذا هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ورواه أيضا سعيد بن عبد الرحمن عن ابن المنكدر

(1/316)


باب القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى آله ورضي عنهم
قال الله تبارك وتعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار
فأثنى عليهم ربهم وأحسن الثناء عليهم ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم ثم وعدهم المغفرة والأجر العظيم فقال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما
وأخبر في آية أخرى برضاه عنهم ورضاهم عنه فقال والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ثم بشرهم بما أعد لهم فقال وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم
وأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعفو عنهم والاستغفار لهم فقال فاعف عنهم

(1/317)


واستغفر لهم وأمره بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم وتنبيها لمن بعدهم من الحكام على المشاورة في الأحكام فقال وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله وندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم وأن لا يجعلوا في قلوبهم غلا للذين آمنوا فقال والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم وأثنى رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى آله عليهم وشبههم بالنجوم ونبه بذلك أمته إلى الإقتداء بهم في أمور دينهم كما يهتدون بالنجوم في ظلمات البر والبحر في مصالحهم
فقال ما أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي ثنا أبو حامد بن الشرقي ثنا أبو صالح أحمد بن منصور زاج ثنا الحسين بن علي الجعفي عن مجمع بن يحيى عن ابن أبي بردة يعني سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن أبي موسى

(1/318)


قال صلينا مع النبي صلى الله عليه و سلم المغرب فقلنا لو انتظرنا حتى نصلي معه العشاء قال ففعلنا فخرج إلينا فقال ما زلتم هاهنا فقلنا نعم يا رسول الله قلنا نصلي معك العشاء قال أصبتم أو أحسنتم ثم رفع رأسه إلى السماء فقال
النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون
وروي عنه في حديث موصول بإسناد آخر غير قوي وفي حديث منقطع أنه قال
إن مثل أصحابي كمثل النجوم في السماء من أخر بنجم منها اهتدى والذي رويناه هاهنا من الحديث الصحيح يؤدي بعض معناه
وقد أشار النبي صلى الله عليه و سلم إلى الحواريين والأصحاب الذين ينصرون دينه ويأخذون بسنته ويقتدون بأمره فقال في رواية عبد الله بن مسعود عنه
ما من نبي بعثه الله عز و جل إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره
ثم أنه صلى الله عليه و سلم شهد بكونهم خير أمته فقال في رواية عبد الله بن مسعود عنه وفي رواية عائشة وعمران بن حصين وأبي هريرة
خير الناس

(1/319)


قرني وفي بعضها
خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم
وقال في رواية عمر بن الخطاب
أكرموا أصحابي فإنهم خياركم
وفي رواية أخرى
احفظوني في أصحابي وأمر فيما روي عنه بمحبتهم ونهى عن سبهم وأخبر أمته بأن أحدا منهم لا يدرك محلهم ولا يبلغ درجتهم وأن الله تعالى غفر لهم
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروذباري ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري ثنا جعفر بن محمد القلانسي ثنا آدم بن أبي إياس ثنا شعبة عن الأعمش قال سمعت ذكوان يحدث عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ولا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر

(1/320)


حدثنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا علي بن سعيد النسوي حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثنا عبيدة بن أبي رائطة الكوفي عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مفضل المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه
أخبرنا أبو محمد بن يوسف أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا الحسن بن محمود الزعفراني ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا الحصين عن سعيد بن عبيد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة فاغرورقت عينا عمر

(1/321)


أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريح أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول عند حفصة
لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها قالت بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة وإن منكم إلا واردها فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد قال الله عز و جل ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا
ثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك أنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود قال
إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه و سلم خير قلوب الناس فاختار محمد صلى الله عليه و سلم فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار له أصحابه فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق أنا زياد بن الخليل التستري ثنا كثير بن يحيى أبو مالك ثنا أبو عوانة بن أبي بلج

(1/322)


عن عمرو بن ميمون قال كنا عند ابن عباس فقال أخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم فهل حدثنا أنه سخط عليهم بعد
وأخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو بكر القطان ثنا أحمد بن يوسف ثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم قال أمر الله عز و جل بالاستغفار لهم يعني أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وهو يعلم أنه سيحدثون ما أحدثوا
حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن الأزهر بن منيع ثنا أبو أسامة عن سفيان عن نسير بن دعلوق قال سمعت ابن عمر يقول لا تسبوا أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فإن مقام أحدهم ساعة أفضل من عمل أحدكم عمره

(1/323)


باب القول في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وآله وأزواجه
قال الله عز و جل إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وابتدأ الآية في نساء النبي صلى الله عليه و سلم وتخييرهم فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كان لهن ما أعد الله لهن من الأجر العظيم ثم ميزهن عن نساء العالمين في العذاب والأجر ثم أبانهن منهن فقال يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض فساق الكلام إلى قوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وإنما ورد بلفظ الذكور لإدخال غيرهن معهن في ذلك ثم أضاف البيوت إليهن بقوله واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وجعلهن أمهات المؤمنين فقال النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وحرم نكاحهن بعد وفاة نبيه صلى الله عليه و سلم فقال وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا

(1/324)


وأنزل في براءة عائشة بنت الصديق مما رميت به في قوله الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه إلى آخر الآيات فهي تتلى في مساجد المسلمين وفي صلواتهم وفي محاريبهم وتكتب في مصاحفهم وألواحهم إلى يوم الدين وفيها بيان عفتها وحصانتها وطهارتها وكبير إثم من رماها وعظيم عذابه ولعنه في الدنيا والآخرة وكفى لها بذلك شرفا ولمن وقع فيها عذابا معدا ولعنا متتابعا عاجلا وآجلا
أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير بن جناح القاضي بالكوفة ثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم ثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري ثنا جعفر يعني ابن عون ويعلى عن أبي حيان التيمي عن يزيد بن حيان قال سمعت زيد بن أرقم قال قام فينا ذات يوم رسول الله صلى الله عليه و سلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيبه وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فاستمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال
وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات فقال له حصين يا زيد من أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته قال بلى إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال آل علي وآل جعفر وآل العباس وآل عقيل فقال كل هؤلاء يحرم الصدقة قال نعم
قال الأستاذ الإمام رضي الله عنه قد بين زيد بن أرقم أن نساءه من أهل بيته واسم أهل البيت لكل من النساء تحقيق وهو متناول للآل واسم الآل لكل من يحرم الصدقة من أولاد هاشم وأولاد المطلب

(1/325)


لقول النبي صلى الله عليه و سلم
إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وإعطائه الخمس الذي عوضهم من الصدقة بني هاشم وبني المطلب وقال إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وقد يسمى أزواجه آلا بمعنى التشبيه بالنسب فأراد زيد تخصيص الآل من أهل البيت بالذكر
ولفظ النبي صلى الله عليه و سلم في الوصية بهم عام يتناول الآل والأزواج وقد أمرنا بالصلاة على جميعهم فقال ما
أخبرنا أبو علي الروذباري أنا أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حبان بن يسار الكلابي حدثني أبو مطرف عبد الله بن طلحة عن عبيد الله بن كريز حدثني محمد بن علي الهاشمي عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال
من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد

(1/326)


قال الشيخ وأمر في حديث أبي حميد الساعدي بالصلاة عليه وعلى أزواجه وذريته ويحتمل أنه أفردهن بالذكر من جملة أهل البيت على وجه التأكيد كما أفرد الذرية على وجه التأكيد ثم رجع إلى التعميم في حديث أبي هريرة ليدخل فيها غير الأزواج والذرية من آله الذين يقع عليهم اسم أهل البيت والله أعلم
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي من أصل كتاب قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن مكرم ثنا عثمان بن عمر ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن شريك بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت في بيتي أنزلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت قالت فأرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال هؤلاء أهلي قالت فقلت يا رسول الله أما أنا من أهل البيت قال بلى أن شاء الله قال أبو عبد الله هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته
قال الشيخ وهذا يؤكد ما ذكرنا من دخول آله وأزواجه في أهل بيته وعلينا محبتهم جميعهم وموالاتهم في الدين
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو النضر محمد بن محمد بن

(1/327)


يوسف الفقيه ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا علي بن بحر بن بري ثنا هشام بن يوسف الصنعاني ثنا عبد الله بن سليمان النوفلي عن محمد بن علي بن عباس عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي
حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي ثنا يحيى بن أبي بكير ثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول على المنبر
ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله صلى الله عليه و سلم لا ينفع قومه يوم القيامة بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة وإني أيها الناس فرط لكم على الحوض
قال الشيخ وقد روينا في فضائل أهل البيت والصحابة رضي الله عنهم في كتاب الفضائل ما ورد فيهما وفيما روينا عن عائشة عن فاطمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لها
ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين
وفيما روي عن حذيفة وأبي سعيد وغيرهما عن النبي صلى الله عليه و سلم فاطمة سيدة نساء أهل الجنة زاد أحدهما في روايته إلا ما كان من مريم

(1/328)


بنت عمران وآسية بنت مزاحم وفي رواية ابن عباس
أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم
وفي حديث أبي موسى وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم
فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام
وقال لابنته فاطمة
ألست تحبين ما أحب قالت بلى قال فأحبي هذه يعني عائشة
وقال عمار بن ياسر بمشهد علي رضي الله عنهما لمن نال من عائشة اسكت مقبوحا منبوحا تؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقال عمار إنها زوجة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الدنيا والآخرة
وفي حديث أبي سعيد وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم الحسن والحسين سيدا

(1/329)


شباب أهل الجنة وجميع ذلك مع غيره مذكور في كتاب الفضائل بأسانيدها ومن أراد الوقوف عليها رجع إليه إن شاء الله تعالى

(1/330)


باب تسمية العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما روي عنه بالجنة
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز ثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور ثنا يحيى بن سعيد عن صدقة بن المثنى حدثني جدي رباح ابن الحرث أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة فقال سعيد بن زيد أشهد على رسول الله صلى الله عليه و سلم بما سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه و سلم فأني لم أكن أروي عنه كذبا يسألني عنه إذا لقيته أنه قال
أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن مالك في الجنة وتاسع المسلمين لو شئت أن أسميه لسميته قال فرجع أهل المسجد يناشدونه يا صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم من التاسع قال نشدتموني بالله والله عظيم أنا تاسع المسلمين ورسول الله صلى الله عليه و سلم العاشر ثم أتبع ذلك يمينا والله لمشهد شهده رجل مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أفضل من عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح

(1/331)


وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن المقرئ ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا صالح بن مسمار حدثني ابن أبي فديك عن موسى بن يعقوب عن عمر بن سعيد عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد حدثه في نفر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال
عشرة في الجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر فقال القوم ننشدك الله يا أبا الأعور أنت العاشر قال نشدتموني بالله تالله أبو الأعور في الجنة وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه شهد لجماعة سواهم بالجنة وروينا في الباب قبله قوله فيمن شهد بدرا وفيمن بايع تحت الشجرة

(1/332)


باب تسمية الخلفاء الذين نبه رسول الله صلى الله عليه و سلم على خلافتهم بعده وعلى مدة بقائهم
أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن موسى ثنا حشرج بن نباته حدثني سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك قال لي سفينة أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي فنظرنا فوجدناها ثلاثين سنة
تابعه عبد الوارث بن سعيد عن سعيد بن جمهان
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن مرزوق البصري بمصر ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد حدثني أبي ثنا سعيد بن جمهان عن سفينة أبي عبد الرحمن مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال
خلافة النبوة ثلاثون سنة وروي عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم

(1/333)


أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو عمرو بن السماك ثنا حنبل بن إسحاق وحدثني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ثنا إسحاق بن عيسى عن أبي معشر ح
قال وحدثنا حنبل قال ثنا عاصم بن علي ثنا أبو معشر قال استخلف أبو بكر في شهر ربيع الأول حين توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ومات لثمان بقين من جمادي الآخرة يوم الاثنين في سنة ثلاث عشرة فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشرة ليال وقتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وقتل عثمان بن عفان يوم الجمعة لثمان عشرة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما وقتل علي بن أبي طالب في رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان سنة أربعين فكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر وقيل إلا شهرين
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروذباري أنا أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود ثنا محمد بن المثنى ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة عن أشعث بن عبد الرحمن عن أبيه عن سمرة بن جندب أن رجلا قال يا رسول الله إني رأيت كأن دلوا أدلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيبها فشرب شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بعراقيبها فشرب حتى تظلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيبها فشرب حتى تظلع ثم جاء علي فأخذ بعراقيبها فانتشطت وانتضح عليه منه شيء

(1/334)


2 - قال الأستاذ الإمام رضي الله عنه شرب أبي بكر رضي الله عنه قصر مدته والانتضاح منه على علي رضي الله عنه ما أصابه من المنازعة في ولايته والله أعلم
وشواهد هذا الباب قد ذكرناها في كتاب الفضائل وفي كتاب دلائل النبوة
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا إدريس بن علي المؤدب قال سمعت أبا بكر عبد الله بن محمد بن زياد قال سمعت الربيع بن سليمان

(1/335)


يقول سمعت الشافعي يقول في الخلافة والتفضيل نبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم
أخبرنا أبو منصور عبد القاهر بن طاهر أخبرنا أبو أحمد الحافظ قال سمعت أبا عروبة السلمي يقول سمعت الميموني يقول سمعت أحمد بن حنبل وقيل إلى ما تذهب في الخلافة قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فقيل له كأنك تذهب إلى حديث سفينة قال اذهب إلى حديث سفينة وإلى شيء آخر رأيت عليا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يتسم بأمير المؤمنين ولم يقم الجمع والحدود ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن له قبل ذلك

(1/336)


باب تنبيه رسول الله صلى الله عليه و سلم على خلافة أبي بكر الصديق بعده وبيان ما في الكتاب من الدلالة على صحة إمامته وإمامة من بعده من الخلفاء الراشدين
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ رحمه الله ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا الحسين الجعفي عن زايدة عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبي موسى قال مرض رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال
مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقوم مقامك لا يستطيع يصلي بالناس قال فقال
مروا أبا بكر يصلي بالناس فإنكن صواحبات يوسف قال فصلى أبو بكر في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم
أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق أنا

(1/337)


معمر عن الزهري قال أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر عن عائشة قالت لما دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم بيتي قال
مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت قلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه فلو أمرت غير أبي بكر قالت والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا فقال ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صواحب يوسف
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أخبرني أنس بن مالك الأنصاري وكان تبع النبي صلى الله عليه و سلم عشر سنين وخدمه وصحبه أن أبا بكر الصديق كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه و سلم الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف النبي صلى الله عليه و سلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورق مصحف ثم تبسم يضحك قال فهممنا أن نفتتن ونحن في الصلاة من فرح برؤية رسول الله صلى الله عليه و سلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي صلى الله عليه و سلم خارج إلى الصلاة قال فأشار إلينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل النبي صلى الله عليه و سلم وأرخى الستر فتوفي من يومه ذلك
قال الشيخ وهذا الذي رواه أنس بن مالك من إرخاء الستر بعدما نظر إليهم وأظهروا الفرح بمكانهم صفوفا خلف أبي بكر كان في الركعة الأولى من صلاة الصبح ثم أنه وجد في نفسه خفة فخرج فأدرك الركعة الثانية فصلاها خلف أبي بكر فلما سلم أبو بكر أتم

(1/338)


رسول الله صلى الله عليه و سلم الركعة الأخرى وتوفي من يومه ذلك هكذا ذكره موسى بن عقبة في مغازيه وكذلك عروة بن الزبير وبمعناه ذكره عبد الله بن أبي مليكة ويشهد له ما
أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن أنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن خنبب ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا أيوب بن سليمان ثنا أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن حميد الطويل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أنه قال آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه و سلم مع القوم صلى في ثوب واحد موشحا به خلف أبي بكر الصديق
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيدا أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول
بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعته فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن وكذلك رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم
قال الشافعي رؤيا الأنبياء وحي وقوله وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد

(1/339)


الذي بلغه عمر في طول مدته
أخبرنا بذلك أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي فذكره
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في المخرج على كتاب المسلم ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أنا إبراهيم بن سعد ح
وأخبرنا أبو عبد الله أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني ثنا جدي ثنا أبو ثابت ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال أتت النبي صلى الله عليه و سلم امرأة فكلمته في شيء فأمرها أن ترجع إليه قالت يا رسول الله أرأيت إن رجعت فلم أجدك كأنها تعني الموت قال فإن لم تجديني فائتي أبا بكر
وقد روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث أبي قتادة في قصة الميضأة عموم قول النبي صلى الله عليه و سلم
وإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد وقبيصة عن سفيان عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعي عن ربعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر

(1/340)


واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن مسعود
ورواه إبراهيم بن سعد عن سفيان عن عبد الملك عن هلال مولى ربعي عن حذيفة ورواه عمرو بن هرم عن أبي عبد الله وربعي عن حذيفة وروي عن ابن الزعراء عن ابن مسعود كلاهما عن النبي صلى الله عليه و سلم
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي ثنا يزيد بن هارون أخبرنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم في اليوم الذي بدي به فقلت وارأساه قال لوددت أن ذلك كان وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك قالت فقلت غيرة كأني بك في ذلك اليوم معرسا ببعض نسائك قال وأنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
قال رحمه الله وقد روينا في حديث أبي سعيد الخدري وفي حديث ابن عباس جلوس النبي صلى الله عليه و سلم على المنبر في ابتداء مرضه وقوله
يا أيها الناس إن أمن الناس علي بنفسه وماله أبو بكر

(1/341)


وفي حديث ابن المعلى
ما من أحد من الناس أمن علينا في صحبته وذات يده من ابن أبي قحافة
وفي حديث أبي الدرداء وغيره عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال
إن الله بعثني إليكم فقلتم كذب وقال أبو بكر صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي
فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه ثم بالاقتداء به وبعمر بن الخطاب رضي الله عنهما على ذلك وإنما لم ينص عليه نصا لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته
وقد دل كتاب الله عز و جل على إمامة أبي بكر ومن بعده من الخلفاء قال الله عز و جل وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وقال الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر
فلما وجدت هذه الصفة في الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل على أن خلافتهم حق ودل أيضا على إمامة الصديق قول الله عز و جل في سورة براءة للقاعدين عن نصرة

(1/342)


نبيه صلى الله عليه و سلم والمتخلفين عن الخروج معه في غزوة الحديبية فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا وقال في سورة أخرى سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله يعني قوله لن تخرجوا معي أبدا ثم قال كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا وقال قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا الداعي لكم إلى قتالهم يؤتكم أجرا حسنا وإن تتولوا يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما
وهل الداعي لهم إلى غير ذلك النبي صلى الله عليه و سلم الذي قال الله له فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا وقال في سورة الفتح يريدون أن يبدلوا كلام الله فمنعهم من الخروج مع نبيه صلى الله عليه و سلم وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه و سلم
وقد قال مجاهد في قوله أولي بأس شديد هم فارس والروم وكذلك قال الحسن البصري وقال عطاء هم فارس وفي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فارس وفي رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس هم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قتلوا في أيام أبي بكر الصديق وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني

(1/343)


حنيفة من أهل اليمامة وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا أيام عمر وهو الداعي إلى قتال كسرى وأهل فارس وإن كانوا أهل فارس والروم فإنه أراد تنحية أهل الروم عن أرض الشام وقد قوتلوا في أيام أبي بكر ثم تم قتالهم وتنحيتهم عن الشام في أيام عمر مع قتال فارس
فوجب بذلك إمامة أبي بكر وعمر وفي وجوب إمامة أحدهما وجوب إمامة الآخر وقد احتج بما ذكرنا من الآيات علي بن إسماعيل رحمه الله وغيره من علمائنا في إثبات إمامة الصديق رضي الله عنه
ودل أيضا على إمامة الصديق قول الله عز و جل يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فكان في علم الله سبحانه وتعالى ما يكون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم من ارتداد قوم فوعد رسوله ووعده صدق أنه يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم
فلما وجد ما كان في علمه في ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسوله صلى الله عليه و سلم آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال نا إبراهيم بن مرزوق قال نا روح بن عبادة عن عوف عن الحسن في قوله من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه قال هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب

(1/344)


حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وكذلك قاله عكرمة وقتادة والضحاك وروينا عن عبد الله بن الأهتم أنه قال لعمر بن عبد العزيز إن أبا بكر الصديق قام بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعا إلى سنته ومضى على سبيله فارتدت العرب أو من ارتد منهم فعرضوا أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة فأبا أن يقبل منهم إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قابلا في حياته فانتزع السيوف من أغمادها وأوقد النيران في شعلها وركب بأهل حق الله أكتاف أهل الباطل حتى قررهم بالذي نفروا منه وأدخلهم من الباب الذي خرجوا منه حتى قبضه الله إليه
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن علي الميموني ثنا الفريابي ثنا عباد بن كثير عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال والذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم الثالثة ثم قيل له مه يا أبا هريرة فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم وجه أسامة بن زيد في سبع مائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه و سلم وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا أبا بكر رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام

(1/345)


باب اجتماع المسلمين على بيعة أبي بكر الصديق وإنقاذهم لإمامته
وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ بن الحمامي ببغداد نا أحمد بن سلمان النجاد قال قرئ على محمد بن الهيثم وأنا أسمع ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني سليمان بن بلال عن هشام بن عروة أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أن النبي صلى الله عليه و سلم مات وأبو بكر بالسنح فقام عمر فقال والله ما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عمر والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله عز و جل فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقبله وقال بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا والذي نفسي بيده لا يذيقك الله عز و جل الموتتين أبدا ثم خرج فقال أيها الحالف على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد

(1/346)


الله فإن الله حي لا يموت وقال إنك ميت وإنهم ميتون وقال وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه الآية كلها فنشج الناس يبكون واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا منا أمير ومنكم أمير
فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما أعجبني فخشيت أن لا يبلغه أبو بكر فتكلم وأبلغ وقال في كلامه نحن الأمراء وأنتم الوزراء قال الحباب بن المنذر لا والله لا نفعل أبدا منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء يعني المهاجرين هم أوسط العرب دارا وأعزهم أحسابا فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح فقال عمر بل نبايعك أنت خيرنا وسيدنا وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس
فقال قائل قتلتم سعد بن عبادة فقال عمر قتله الله ورواه عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب في قصة السقيفة بمعنى ما روته عائشة وفيه من الزيادة عن عمر قال فلم أكره مما قال غيرهم كأن والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن

(1/347)


أومر على قوم فيهم أبو بكر وزاد أيضا قال عمر فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى أشفقت الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط أبو بكر يده فبايعه وبايعه المهاجرون والأنصار وقد ذكرناه في كتاب الفضائل بالتمام
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن خالد بن خلي ثنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة عن أبيه عن الزهري أخبرني أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس أبو بكر على منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال أنس بن مالك فتشهد عمر وأبو بكر صامت ثم قال أما بعد فإني قد قلت لكم بالأمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله عز و جل ولا عهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم ولكني قد كنت رجوت أن يعيش رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم فقال عمر وإن يك محمد صلى الله عليه و سلم قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به هدي الله محمدا صلى الله عليه و سلم فاعتصموا به تهتدوا لما هدى الله له محمدا صلى الله عليه و سلم قال ثم ذكر عمر أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وثاني اثنين وإنه أحق المسلمين بأمرهم فقوموا فبايعوه
وقد كان طائفة منهم بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعته على المنبر بيعة العامة
أخبرنا الفقيه أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروذباري رحمه الله ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ثنا أبو جعفر أحمد بن عبد الحميد الحارثي الكوفي ثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة عن

(1/348)


عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير قال فأتاهم عمر فقال يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالوا بلى قال فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر قالوا نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر
أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنا أبو الفضل بن حميرويه ثنا أحمد بن نجدة ثنا إبراهيم بن زياد ثنا عبد الله بن داود عن سلمة بن نبيط عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد قال مرض النبي صلى الله عليه و سلم فذكر الحديث في أمره أبا بكر بالصلاة بالناس ثم في وفاته ثم في رجوع الناس إلى أمر أبي بكر في وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ثم في الصلاة عليه ثم دفنه ثم في موضع دفنه ثم في أمره بني عمه بغسله ثم خروج المهاجرين إلى الأنصار فقال قائل من الأنصار منا أمير ومنا أمير فقال عمر وأخذ بيد أبي بكر من له مثل هذه الثلاثة التي لأبي بكر قال الله ثاني اثنين إذ هما في الغار من هما إذ يقول لصاحبه من صاحبه لا تحزن إن الله معنا من كان الله معهما ثم بسط يد أبي بكر وبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة
وحدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حامد المقرئ قراءة عليه قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا جعفر بن محمد بن شاكر ثنا عفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود بن أبي هند ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا

(1/349)


فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم والآخر منا قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان من المهاجرين وإن الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه و سلم
فقام أبو بكر فقال جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ثم قال أما لو فعلتم غير ذلك لما صافحناكم ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم فبايعه ثم لم ير الزبير بن العوام فسأل عنه حتى جاؤوا به قال ابن عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال مثل قوله لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم فبايعه
وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن السقا الإسفراييني نا أبو علي الحسن بن علي الحافظ ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب قالا حدثنا بندار بن بشار ثنا أبو هشام المخزومي ثنا وهيب فذكره بإسناده ومعناه غير أنه قال فقام عمر بن الخطاب فقال صدق قائلكم أما لو قلتم غير هذا لم نتابعكم وأخذ بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعوه وبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار
وحدثنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا محمد بن صالح بن هانئ ثنا الفضل بن محمد البيهقي ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم قال حدثني إبراهيم بن

(1/350)


عبد الرحمن بن عوف في هذه القصة قال ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم يعني إلى علي والزبير ومن تخلف وقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما وليلة قط ولا كنت فيها راغبا ولا سألتها الله في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة وما لي في الإمارة من راحة ولكن قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله ولوددت أن أقوى الناس مكاني عليها اليوم فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به
وقال علي والزبير ما غضبنا إلا أنا أخرنا عن المشاورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه لصاحب الغار وثاني اثنين وإنا لنعرف شرفه وكبره ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصلاة بالناس وهو حي
وكذلك رواه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة وكذلك ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في المغازي وقال في اعتذار أبي بكر إلى علي وغيره ممن تخلف عن بيعته أما والله ما حملنا على أبي بكر إلى علي وغيره ممن تخلف عن بيعته أما والله ما حملنا على إبرام ذلك دون من غاب عنه إلا مخافة الفتنة وتفاقم الحدثان وإن كنت لها لكارها لولا ذلك ما شهدها أحد كان أحب إلي أن يشهدها منك إلا من هو بمثل منزلتك ثم أشرف على الناس فقال أيها الناس هذا علي بن أبي طالب فلا بيعة لي في عنقه وهو بالخيار من أمره ألا وأنتم بالخيار جميعا في بيعتكم إياي فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من يبايعه
فلما سمع ذلك علي من قوله تحلل عنه ما كان قد دخله فقال لا حل لا نرى لها غيرك فمد يده فبايعه هو والنفر الذين كانوا معه وقال جميع الناس مثل ذلك فردوا الأمر إلى أبي بكر وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك لأنه استقدمه على الصلاة بعده فكانوا يسمونه

(1/351)


خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى هلك
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق فذكر قصة السقيفة ثم ذكر بيعة العامة من بعد يوم السقيفة ثم ذكر ما نقلناه
وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ذهب فيما خيرهم فيه من مبايعته مذهب التواضع وليستبرئ قلوبهم في استخلافه حتى إذا عرف منهم الصدق سكن إلى اجتماعهم على ذلك في السر والعلانية وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب فلا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلا وأجل قدرا من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح اجماع قط والاجماع أحد حجج الشريعة ولا يجوز تعطيله بالتوهم
والذي روى أن عليا لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث في قصة فاطمة رضي الله عنها وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلا وجعله من قول الزهري منقطعا من الحديث
وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من أهل المغازي أن عليا بايعه في بيعة العامة التي جرت في السقيفة ويحتمل أن عليا بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ

(1/352)


لم تسمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم في باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة في طلبته وكان أبو بكر معذورا فيما منع فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري
ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخرا خطأ ومن زعم أن عليا بايعه ظاهرا وخالفه باطنا فقد أساء الثناء على علي وقال فيه أقبح القول
وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه و سلم قالوا بلى قال أبو بكر ثم عمر
ونحن نزعم أن عليا كان لا يفعل إلا ما هو حق ولا يقول إلا ما هو صدق وقد فعل في مبايعته أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية وقال في فضلهما ما نقلناه في كتاب الفضائل فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل
وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه فلا طائل لسخط غيرها ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل وبالله العصمة والتوفيق
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور أنا أبو حمزة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها فقال يا فاطمة

(1/353)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية