صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية
المؤلف : عبد الوهاب المسيري
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : موقع صيد الفوائد
www.saaid.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بتنسيقه و فهرسته أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - لملتقى أهل الحديث

وعيد التدشين ليس في الواقع من الأعياد التي وردت في العهد القديم. وقد كان هذا العيد عيدا بلا أهمية كبيرة. ولذا، فهو العيد الوحيد (باستثناء عيد النصيب) الذي لا يحرم فيه العمل. وكان يحتفل به بطريقة بسيطة جدا، فتوقد شمعة واحدة في أول يوم، ثم شمعتان في اليوم التالي، وهكذا إلى أن توقد الشموع الثمانية. وكان رب الأسرة يتلو دعاء، وتنشد الأسرة أغنية بسيطة لشكر الإله يشار فيها إلى السلوقيين بوصفهم " الكلاب" (حرفيا: العدو الذي ينبح). وكان الأطفال يلعبون لعبة بسيطة. ولم تكن أيام عيد التدشين تختلف عن أيام الأسبوع الأخرى. ولكن العيد بحكم توقيته (الخامس والعشرين من ديسمبر) يقع في الفترة نفسها التي يحتفل فيها المسيحيون بأهم أعيادهم (عيد الميلاد). ولما كان أعضاء الجماعات اليهودية يكتسبون هويتهم من خلال الحضارة التي يعيشون بين ظهرانيها، فإن عيد التدشين يكتسب أهمية خاصة، حتى صار هذا العيد غير المهم من أهم الأعياد على الإطلاق وأصبح صدى لعيد الكريسماس. فهناك المينوراه المقابل لشجرة الكريسماس، كما أن الهدايا تعطى للأطفال في ذلك العيد. وقد تمت علمنة العيدين بحيث تحولا إلى مناسبتين للمرح واللعب. بل بلغ تقليد الكريسماس إلى حد أن الأدعية التي كانت تتلى في عيد التدشين والأغاني والألعاب التقليدية لأطفال اليهود اختفت تقريبا وحل محلها ما يسمى «شجرة الحانوخه» (التدشين)، وهي تعادل شجرة الكريسماس. وهناك «العم ماكس رجل الحانوخه» الذي يوزع الهدايا، وهو مقابل سانتا كلوز. ومن الطريف أن العيد، بعد أن فقد هويته اليهودية تماما، ينظر إليه باعتباره أهم تعبير عن الهوية اليهودية.
ويحتفل بالعيد في إسرائيل على أنه عيد ديني قومي، فتوقد الشمعدانات في الميادين العامة، وتنظم مواكب من حملة المشاعل. وأثناء الاحتفال، يصعد آلاف الشبان إلى قلعة ماسادا.
عيد النصيب (بوريم)
Purim

(14/224)


«عيد النصيب» هو الاسم العربي لعيد البوريم، و«بوريم» كلمة عبرية مشتقة من كلمة «بور» أو «فور» البابلية ومعناها «قرعة» أي «نصيب». وكان عيد النصيب يدعى أيضا «يوم مسروخت» إشارة إلى «الباروكة» التي كان يرتديها الشخص في عيد النصيب في القرن الأول قبل الميلاد (وقد سمى العرب هذا العيد «عيد الشجرة» أو «عيد المساخر»). وعيد النصيب يحتفل به في الرابع عشر من آدار. وهو عيد بابلي، كانت الآلهة البابلية تقرر فيه مصير البشر. ويوم الرابع عشر من آدار هو اليوم الذي أنقذت فيه إستير يهود فارس من المؤامرة التي دبرها هامان لذبحهم، ولهذا ففي اليوم الذي يسبق العيد يصوم بعض اليهود ما يسمى «صوم (تعنيت) إستير»، إحياء لذكرى الصوم الذي صامته إستير وكل اليهود في شوشانه قبل ذهابها إلى الملك تستعطفه لإلغاء قرارات هامان (حسب الرواية التوراتية). وكان قد تقرر بالقرعة (أي بالنصيب) أن يكون يوم الذبح في الثالث عشر من آدار ـ ومن هنا التسمية.

(14/225)


ويحتفل اليهود بهذا العيد بأن يقرأ أحدهم سفر إستير من إحدى اللفائف الخمس (أي من مخطوطة خاصة مكتوبة بخط اليد) ليلة العيد وفي يوم العيد نفسه. ويتعين على الجميع، وضمن ذلك النساء والأطفال، أن ينصتوا إلى القارئ. ويصاحب هذا العيد الكثير من الصخب، إذ كان اليهود عند ذكر اسم هامان، أثناء قراءة سفر إستير، يحدثون جلبة أو يدقون بالعصى التي في أيديهم وكأنهم يضربون هامان وينكلون به. ويتوقف القارئ تماما عن التلاوة حتى يتلاشى الصوت، ثم يتلو مرة أخرى إلى أن يصل إلى كلمة «هامان» مرة أخرى. ويقدم اليهود في هذا العيد الهدايا إلى الأصدقاء والمحتاجين، كما أن الأسر تتبادل الطعام. ومن العادات الأخرى، تناول فطيرة خاصة يدعونها «أذن هامان». وكذلك كان أعضاء الجماعات يحتفلون بالعيد بارتداء الأقنعة، كما كانوا يقومون في العالم الغربي بتمثيل مسرحيات عن قصة إستير التي مثلت أول مرة في جيتو البندقية عام 1531، وهي مسرحيات متأثرة بالكرنفالات الإيطالية والتمثيليات المسيحية التي تسمى التمثيليات الأخلاقية (بالإنجليزية: مورلايتي بلييز morality plays). كما كانوا يسرفون في الشراب حتى أن بعض فقهاء اليهود أفتوا بأنه بوسع اليهودي أن يغرق في الشراب إلى درجة أنه لا يعرف (أثناء قراءة سفر إستير) الفرق بين الدعاء على هامان، والدعاء لمردخاي. وجاء في المشناه أنه قد تلغى كل الأعياد إلا عيد النصيب لأن اليهود سيظلون دائما مخلصين لإلههم ولشعبهم. ولذا، سيكون هناك دائما هامان يتآمر لتدمير الشعب. ومع هذا، اختفى هذا العيد تقريبا في الولايات المتحدة نظرا لتفاعل اليهودية الأمريكية مع محيطها الحضاري، فهذا العيد يقع في فبراير حيث لا توجد أية أعياد أمريكية أو مسيحية، الأمر الذي أدى إلى ضمور العيد، على عكس عيد التدشين الذي يتزامن مع احتفال عيد الميلاد المسيحي، ولهذا أصبح عيدا مهما للغاية.

(14/226)


وهناك أعياد نصيب أو بوريم خاصة بكل جماعة يهودية تحتفل فيها بنجاتها من إحدى الكوارث مثل بوريم القاهرة (28 آدار الذي أصبح يحتفل به ابتداء من عام 1524) وبوريم بادوا (10 إيلول)، وهناك أعياد بوريم خاصة بكل فرد. والاحتفال بهذه الأعياد الخاصة يشبه الاحتفال بالعيد الديني، فتكتب قصة المناسبة التي يقام العيد من أجلها على لفيفة وتقرأ أثناء الاحتفال، وتقام الولائم وتتلى أدعية خاصة. وكان عيد البوريم وصوم إستير من أهم الأعياد بالنسبة إلى يهود المارانو المتخفين، فقد كانوا مضطرين إلى إظهار غير ما يبطنون، تماما مثل إستير التي كانوا يعدونها بطلتهم الدينية.
عيد الفصح أو الفسح
Passover
«عيد الفصح» أو «عيد الفسح» هو المصطلح المقابل العربي للكلمة العبرية «بيساح». ويبدأ عيد الفصح في الخامس عشر من شهر نيسان ويستمر سبعة أيام في إسرائيل (وعند اليهود الإصلاحيين) وثمانية أيام عند اليهود المقيمين خارج فلسطين. ويحرم العمل في اليومين الأول والأخير (وفي اليومين الأولين واليومين الأخيرين خارج فلسطين). وتقام الاحتفالات طوال الأيام السبعة. أما الأيام الأربعة الوسطى فيلتزم فيها بتناول خبز الفطير دون أن يقترن ذلك بطقوس احتفالية كبرى. وعيد الفصح أول أعياد الحج اليهودية الثلاثة. وإذا أخذنا المغزى التاريخي للعيد، فإنه يشار إليه بالأسماء التالية:
1 ـ «حج البيساح». و«بيساح» كلمة عبرية تعني «العبور» أو «المرور» أو «التخطي»، ومن هنا التسمية الإنجليزية «باس أوفر Passover» إشارة إلى عبور ملك العذاب فوق منازل العبرانيين دون المساس بهم وإشارة إلى عبور موسى البحر.
2 ـ وهو أيضا العيد الذي كان يضحى فيه بجمل أو جدي (باشال).
3 ـ وهو كذلك عيد خبز الفطير غير المخمر (حج هامتسوت).
4 ـ يحتفل في هذا العيد بذكرى نجاة شعب يسرائيل من العبودية في مصر (زمن حيروتينو) ورحيلهم عنها.

(14/227)


أما إذا نظرنا إلى معنى العيد الطبيعي أو الكوني، فإنه يشار إليه بأنه «عيد الربيع». ويكون العبور هنا هو عبور الشتاء وحلول الربيع محله (حج هاآبيب).
ويذكر سيسل روث أن كلمة «بيساح» نفسها لا تعني العبور وحسب، وإنما هي مأخوذة من جذر بمعنى «يرقص» أو «يقفز». ولعل هذا يربط بين كل المعاني التاريخية والطبيعية السابقة. وهكذا نجد أن ميلاد الشعب بالخروج من مصر، وميلاد الطبيعة والكون، شيئان متداخلان تمام التداخل في إطار البنية الحلولية اليهودية.
ويبدو أن عيد الفصح نتاج امتزاج عيدين قديمين: أولهما عيد أبيب (الربيع أو الاخضرار). وهو عيد الاحتفال بالربيع على عادة الحضارات التي سادت الشرق الأدنى القديم، وقد كانت تصاحبه طقوس صاخبة احتفالا بالخصوبة. وكان المحتفلون يقدمون أول أبكار الأرض إلى المعبد (خروج 23/19). أما العيد الآخر، فهو عيد المتسوت (الخبز غير المخمر)، وهو عيد غير معروف الأصل. وهناك إشارة في سفر الخروج (23/15) تذكر أن خروج جماعة يسرائيل من مصر قد تزامن مع هذا العيد، أي أن الخروج كان بالصدفة أثناءه. وكانت العبادة اليسرائيلية القديمة تحرم استخدام الخميرة في الخبز في بعض أوقات السنة. وقد امتزجت طقوس العيدين السابقين مع عناصر أخرى من العبادة اليسرائيلية والحضارات الوثنية التي عاش أعضاء جماعة يسرائيل بين ظهرانيها لتكون طقوس عيد الفصح.

(14/228)


والواقع أن طقوس الاحتفال بهذا العيد كثيرة ومعقدة، نظرا لتعدد مصادرها الأمر الذي يبين تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي بشكل واضح. ورغم أن هذه المصادر دنيوية، وأحيانا وثنية، فإن حاخامات اليهود قد فسروها بطريقة تضفي عليها مغزى دينيا. ويبدأ العيد بليلة التفتيش عن الخميرة. ويجب على اليهودي فيها أن يتأكد من أن أية خميرة تصلح للخبز قد أبعدت عن البيت تماما، ثم بعد ذلك يبدأ الاحتفال نفسه، ويسمى «سدر»، وهي كلمة عبرية معناها «نظام». ويتبع السدر نظاما محددا فيقرأ القيدوش في البداية ويحمد اليهودي الإله على أنه أعطى جماعة يسرائيل أعيادها، ثم تغسل الأيدي فيما يشبه الوضوء. وتدور معظم الطقوس حول أمرين: مائدة الفصح، وحكاية الفصح. فتوضع على مائدة الفصح حزمة من النباتات المرة كالخس أو الشيكوريا أو الكرفس (مارور)، ثم كأس من الماء المالح أو المخلوط بالخل (رمز الحياة القاسية التي عانوا منها في مصر، ورمز دموع جماعة يسرائيل) أو المأكولات الكريهة على النفس (مثل تلك التي أكلها أسلافهم أثناء الفرار في الصحراء)، وبجانب ذلك يوضع شيء من الفاكهة المهروسة أو المدقوقة في الهون والمنقوعة في النبيذ (رمز الملاط الذي كانوا يستخدمونه في البناء في مصر)، كما يوضع ذراع خروف مشوي (تذكرة بالحمل الذي كان يضحى به)، وبيضة مسلوقة (تذكرة بقربان العيد). ولنا أن نلاحظ أن التفسيرات التي أوردناها للطقوس لا يأخذ بها كل اليهود، كما أنها ظهرت في فترة لاحقة لظهور الطقوس نفسها.

(14/229)


ولكن أهم شيء على مائدة الفصح هو خبز المتسوت أو خبز الفطير الذي لا تداخله خميرة، والذي لا يأكل اليهود سواه طيلة هذا اليوم؛ تذكيرا لهم بأنهم عند فرارهم مع موسى من وجه فرعون لم يكن لديهم وقت للتأنق في الخبز والانتظار على العجين (حسب تفسير الحاخامات)، أو يقال لأن الخميرة تشبه الشر المخبأ (حسب تفسير القبالاه). ويوضع على مائدة عيد الفصح ثلاثة أرغفة من خبز الفطير ترمز إلى كل من الكهنة واللاويين وجماعة يسرائيل. ومن يأكل خبزا مخمرا في هذا اليوم ينظر إليه وكأنه انفصل عن الشعب اليهودي انفصالا كاملا. وقد يضيف البعض رغيفا رابعا رمزا لليهود المضطهدين في بعض بلاد العالم.
ويتم تناول هذه الأطعمة والمأكولات حسب نظام معين، فتغمس الأعشاب في الماء المالح، ويكسر رغيف الفطير الأوسط، ويخبأ نصفه ليبحث الأطفال عنه ولا يؤكل هذا النصف إلا بعد نهاية الوجبة. والنظام الذي يتبعه السدر متأثر تماما بنظام المأدبات في الحضارة اليونانية الرومانية كما عرفها معلمو المشناه (تنائيم). وفي مثل هذه المأدبات، كان الضيوف يأكلون مشهيات (خضراوات مغموسة في الخل، وفاكهة مهروسة) ثم يدخلون بعد ذلك إلى غرفة العشاء نفسها حيث يشاركون في الوجبة الأساسية التي تتكون من لحم وخبز وهم مضطجعون على الأرائك. وكان الضيوف يشربون الخمر مع المشهيات، ثم يشربونها مرة ثانية مع الطعام نفسه، ومرة ثالثة وأخيرة بعد العشاء.

(14/230)


وقد ظهر أثر هذه العادة في مائدة عيد الفصح إذ تبنى اليهود فكرة الكؤوس الثلاثة وأضافوا إليها كأسا رابعة تشرب أثناء تلاوة القاديش. ولذا، توضع على مائدة الفصح أربعة أقداح (أربع كوسوت) من النبيذ يشربها أعضاء الأسرة، وهي ترمز إلى وعد الإله لليهود بتخليصهم وقيامه بإنقاذهم من مصر بنفسه دون وساطة. وقد تمت عملية الإنقاذ على أربع مراحل (سأخرجكم، وسأرسلكم، وسأخلصكم، وسأجعلكم شعبي المختار)، كما يقال إن الكؤوس الأربع رمز للشعوب الأربعة التي أذلت العبرانين، وهم: البابليون والفرس واليونانيون والرومان، ويضاف قدح خامس يترك دون أن يمسه أحد لأنه كأس النبي إيليا الذي سينزل من السماء قبل قدوم الماشيح المخلص. كما يضاف أحيانا الآن قدح سادس وتصحبه صلاة شكر للإله على قيام دولة إسرائيل! وأمام مائدة الفصح، توضع أريكة يضطجع عليها رئيس العائلة، ويقص على أفراد أسرته قصة الخروج، وهذا الجزء من السدر يسمى «هاجاداه». ويأخذ القص شكل إجابة عن أسئلة يوجهها أطفال الأسرة. وهي على ثلاث صيغ تناسب كل صيغة سنا معينا. ويجب على كل يهودي أن يستمع إلى القصة ويخوض التجربة كما لو كانت تجربة شخصية يخوضها بنفسه. ويتبادل أعضاء الأسرة التهنئة بهذا العيد بقولهم: « نلتقي العام القادم في أورشليم »، وهي التهنئة التي حولتها الصهيونية من مفهوم ديني معنوي إلى مفهوم سياسي. ويتداول اليهود في هذا العيد كتبا يطلق عليها اسم «هاجاداه» تحتوي على قصة الخروج من مصر.

(14/231)


وهذا العيد يرتبط أساسا بواقعة الخروج من مصر، ولذا نجد أن الصراع، بين السلوقيين حكام سوريا والبطالمة حكام مصر، قد ألقى بظلاله على عيد الفصح، فالمدراش الخاص بعيد الفصح والذي وافقت عليه سلطات الهيكل تحت نفوذ البطالمة، أكد أن لابان هو تجسيد سوريا (آرام) التي كان يحكمها السلوقيون، وأنه يحاول الفتك بأخيه يعقوب، ولذا فقد جاء إلى مصر حسب أوامر الإله. ولكن بعد سنة 200 ق. م، وبعد استيلاء السلوقيين على الحكم، تغيرت موازين القوى في المنطقة وتغيرت من ثم طقوس عيد الفصح فتم تأكيد وضع مصر كمنفى بإيعاز من السلوقيين منافسي البطالمة، وأصبح الخروج من مصر هو الحرية (ويقال إن يهود الإسكندرية كانوا يتحدثون عن الخروج دون تأكيد وضع مصر).
وارتبط عيد الفصح بتهمة الدم، إذ كان يسود الاعتقاد بين العامة أن أعضاء الجماعات اليهودية يعجنون خبزهم بدم طفل مسيحي. ويقال إنه، لهذا السبب، كانت تفتح الأبواب بعد الانتهاء من مأدبة الفصح حتى يرى غير اليهود ما يدور في المنزل. ولم يكونوا يشربون نبيذا أحمر في هذه المأدبة للسبب نفسه.

(14/232)


ويحتفل كثير من أعضاء الجماعات اليهودية والإسرائيليين بعيد الفصح كمناسبة قومية. ولذا، فإنهم لا يتبعون كثيرا من طقوسه، وبالذات الخاصة بخبز الفطير. وقد لوحظ أن 10% من الإسرائيليين الذين لا يتناولون خبز الفطير في هذا العيد يتدافعون إلى المخابز في الأحياء العربية لشراء الخبز المخمر، وتضاعف هذه المخابز إنتاجها في هذه الفترة نظرا لأنه يحظر بيع مثل هذا الخبز في تلك الفترة في المناطق اليهودية. وقد أصدر رئيس لجنة الداخلية بالكنيست مؤخرا قرارا يمنع السكان العرب في القدس من بيع الخبز والمأكولات الأخرى التي تحتوي على خميرة أثناء أسبوع عيد الفصح (باعتبار أن القدس بيت جماعة يسرائيل). ودخل الجنود الإسرائيليون، وأجبروا المخابز على إغلاق أبوابها كما أجبروا الحوانيت على عدم بيع الخبز. وبذا أصبح مفروضا على العرب أن يأكلوا خبز الفطير أثناء ذلك العيد.
ويختلف السفارد عن الإشكناز في الاحتفال بهذا العيد. فالسفارد يأكلون، على سبيل المثال، الأرز والبقول (كالحمص والفول)، وهو ما لا يفعله الإشكناز. كما أن السفارد يحرصون على أن يقذف بعضهم بعضا بالبصل ليذكروا أنفسهم بالمصريين حيث كانوا يضربون اليهود، في حين أن الإشكناز يرون أن هذه طريقة شرقية «متخلفة» للاحتفال بالعيد.
سدر
Seder
«سدر» كلمة عبرية تعني «نظام» أو «ترتيب». وتشير «سدر» كمصطلح إلى الاحتفالات بالأعياد التي تحتاج إلى ترتيبات مسبقة. وهي عادة تشير إلى الليلة الأولى (الليلتين الأوليين خارج فلسطين) من احتفال عيد الفصح (خروج 23/14 ـ 19) حيث تتسم بطقوسها المركبة الخاصة بحمل التضحية (باشال)، وفطير الخبز غير المخمر (متسوت)، والأعشاب البرية (مارور)، والكؤوس الأربع (أربع كوسوت). وتقام هذه الطقوس على النحو التالي:
1 ـ تبدأ الاحتفالات بقراءة القيدوش التي يحمد فيها اليهودي الإله على أنه أعطى جماعة يسرائيل أعيادها،ويشرب أول كأس من الخمر.

(14/233)


2 ـ يغسل رب الأسرة يديه فيما يشبه الوضوء.
3 ـ تغمس الأعشاب في الخل أو الماء المملح.
4 ـ توضع أرغفة خبز الفطير، الواحد فوق الآخر، قبل ابتداء الاحتفال. وأثناء الاحتفال نفسه، يقطع الرغيف الذي في الوسط إلى نصفين، ويخبأ النصف الذي يدعى «أفيكومان»، أي «ما بعد المأدبة»، ويؤكل في نهاية المأدبة تذكرة بحمل التضحية الذي كان يؤكل في الماضي مع نهاية المأدبة حتى يبقى طعمه في الفم. ومن المعتاد أن يبحث الأطفال عن النصف المخبأ. وتعطى جائزة لمن يعثر عليه. وبعد تناوله، لا يؤكل شيء بقية الليلة.
5 ـ تتلى أنشودة دينية بالآرامية يتم فيها ترديد ما معناه: "هذا هو خبز المعاناة الذي أكله آباؤنا في مصر. من هو في جوع فليأت وليأكل. ومن هو في عوز فليأت وليحتفل بعيد الفصح معنا هذا العام. العام القادم في أورشليم. في هذا العام نحن مازلنا عبيدا، وسنكون أحرارا في العام القادم".
6 ـ تتلى الهاجاداه، فيتلو أصغر الأطفال الأربعة أسئلة تبدأ بالعبارة «ماه نيشتاناه »، أي "لم هذه الليلة مختلفة عن بقية الليالي؟" وتروى قصة الهاجاداه أساسا من أجل الأطفال، فيروي القاص (رب البيت المضطجع على أريكته) قصة العبودية في مصر والخروج منها. ويشرح الراوي رموز مائدة الفصح، ويلي ذلك قراءة العبارة التالية: "في كل عصر يتعين على اليهودي أن يعتبر نفسه وكأنه خرج هو نفسه من مصر". وبذا، ينتهي الجزء المسمى «الهاجاداه» في السدر، ثم تشرب الكأس الثانية بعد تلاوة دعاء يحمد اليهود فيها الإله على خلاصهم في الماضي، ويطلبون منه الخلاص في المستقبل.
7 ـ غسل اليدين مرة أخرى قبل قطع خبز الفطير.
8 ـ يتلى دعاء شكر للإله « الذي... أعطى الخبز ».
9 ـ يؤكل أجزاء من رغيف خبز الفطير الأول (العلوي)، ثم يؤكل نصف الرغيف الثاني (الأوسط).
10 ـ تغمس الأعشاب الخضراء في الفاكهة المهروسة، وتؤكل.

(14/234)


11 ـ تصنع شطيرة (ساندويتش) من رغيف خبز الفطير الثالث (السفلي) والأعشاب المريرة، وتؤكل.
12 ـ تؤكل الأطعمة الأخرى في مأدبة العيد.
13 ـ يبحث الأطفال عن نصف الرغيف المخبأ ويؤكل.
14 ـ تتلى صلاة شكر، وتشرب الكأس الثالثة.
15 ـ تتلى مزامير الشكر للإله (مزامير 115 ـ 118)، وتشرب الكأس الرابعة، ويفتح باب المنزل. ومع نهاية المأدبة، تتلى بعض فقرات العهد القديم (خروج 12/42) للدلالة على أن أعضاء جماعة يسرائيل لا يخافون شيئا، وإن كان يقال إن السبب الحقيقي هو إعطاء فرصة لغير اليهود لأن يروا أنهم لا يأكلون خبزا معجونا بدم طفل مسيحي، وللسبب نفسه كانوا يشربون نبيذا أبيض، مع أن النبيذ الأحمر مفضل حسب العرف الديني.
خبز الفطير (متساه)
Matzah

(14/235)


«خبز الفطير» هو الخبز الذي لا تدخله خميرة، ويعبر عنه في العبرية بكلمة «متساه» وجمعها «متسوت»، وهو نوع من الخبز يمكن إعداده بسرعة. ولذا، يشار إليه بأنه الخبز الذي يعد للضيوف غير المتوقعين (تكوين 19/3). وهو أيضا «خبز الخروج» أو الخبز الذي يأكله اليهود في عيد الفصح الذي يسمى أيضا «عيد المتسوت». والتفسير الديني لخبز الفطير هو أن أعضاء جماعة يسرائيل، عند خروجهم من مصر، كانوا في عجلة من أمرهم، فعجنوا خبزهم بدون خميرة، لأنه لم يكن لديهم وقت للتأنق. ولكن يبدو أن هذا الخبز يعود إلى أحد احتفالات الربيع في كنعان، فقد كانت تعد فطائر من عجين غير مخمر من المحصول الجديد وتؤكل بوصفها جزءا من الطقس الديني. ويلاحظ أن حظر استخدام الخميرة في المنزل ينطبق على كل أيام عيد الفصح. أما أكل خبز الفطير نفسه، فهو فريضة دينية يجب أن يؤديها اليهودي في اليوم الأول من عيد الفصح (وفي اليومين الأول والثاني بين أعضاء الجماعات خارج إسرائيل) وإن كان من المستحسن أن يؤكل هذا الخبز طيلة الأسبوع. وفي إسرائيل يتزاحم المواطنون اليهود على المخابز العربية لشراء خبز عادي، حتى لا يضطروا إلى أكل خبز الفطير حيث يكون محظورا على المخابز اليهودية أن تحتفظ بخميرة أثناء فترة العيد. ومؤخرا، طبق هذا الحظر على المخابز العربية في القدس. وفي الآونة الأخيرة، لجأت الحاخامية إلى حيلة شرعية حتى لا يكون هناك أي خميرة في إسرائيل فتباع أية خميرة في إسرائيل لأحد العرب قبل عيد الفصح، ثم تشترى بعد العيد!
كتاب احتفالات عيد الفصح (هاجاداه)
Haggadah

(14/236)


«هاجاداه» كلمة عبرية معناها «القص» أو «القول»، وهي الصيغة الثابتة التي تروى بها قصة الخروج في الليلة الأولى من احتفالات عيد الفصح، وهي جزء من السدر (النظام). والنطاق الدلالي للكلمة مرن، فهي قد تستخدم للإشارة إلى كل السدر، كما تستخدم للإشارة إلى الكتب التي تحوي القصة، أو تشير إلى كتب السدر نفسها. وهي تشير أيضا إلى مجموعة الصلوات والأدعية والتعليقات المدراشية والمزامير وقصة العبودية في مصر والخروج منها، وإلى شكر الإله على تخليص اليهود من العبودية والتوسل إليه أن يخلصهم في العام القادم.
وسرد قصة الخروج فرض ديني، فقد جاء في سفر الخروج (13/8): « وتخبر ابنك في ذلك اليوم قائلا من أجل ما صنع إلي الرب حين أخرجني من مصر». ويكتفي القراءون بقراءة الفقرات المناسبة في العهد القديم، ولكن اليهود الحاخاميين يفضلون أن يأخذ القص شكل العرض والتفسير المدراشي لهذه الفقرات، فتأخذ شكل أسئلة وأجوبة. ويطرح هذه الأسئلة أصغر الأطفال الموجودين في المأدبة، فيقول: «ماه نيشتاناه»: أي "لم هذه الليلة مختلفة عن بقية الليالي؟"، ثم يتبعه بأربعة أسئلة عن خبز الفطير (متسوت)، والأعشاب المرة (مارور)، وعن عادة الاضطجاع أثناء الأكل. والإجابة عن هذه الأسئلة هي الهاجاداه بالمعنى المحدد للكلمة. وهي تأخذ أيضا شكل صيغة ثابتة مقررة من قبل، فتبدأ الإجابة بالإشارة إلى أن اليهود كانوا عبيدا في مصر، يتبعها بعض التعليقات المدراشية على فقرات من سفر التثنية (26/5 ـ 8) وذكر الأوبئة العشرة، ثم تتلى أنشودة شكر.

(14/237)


وكتب الهاجاداه مكتوبة بالعبرية وبها بعض العبارات الآرامية، وهي عادة محلاة بالصور. وتحتفظ كثير من الكيبوتسات في إسرائيل بهاجاداه خاصة بها، مصورة تصويرا خاصا، ولها ألحانها الخاصة أيضا. كما أصدر الجيش الإسرائيلي هاجاداه خاصة به محلاة بصور عسكرية، وتهدف هذه الطبعة إلى المزج بين كل المهاجرين الذي يتسمون بعدم التجانس الثقافي. وقد بدأت بعض الجماعات اليهودية مؤخرا في إصدار طبعات من الهاجاداه تحذف بعض الصيغ التقليدية، وتضيف مادة جديدة مثل الإشارة إلى الحركة الصهيونية وتأسيس إسرائيل. وقد ألف الكاتب الإسرائيلي حاييم حزاز هاجاداه إسرائيلية حديثة تماما للاحتفال بعيد الاستقلال لا بعيد الفصح، باعتبار أن استقلال إسرائيل أكثر أهمية من الخروج القديم من مصر فهو يمثل التحرر الحقيقي والكامل لليهود من كل بلاد العبودية. كما وضعت بعض مفكرات حركة اليهودية المتمركزة حول الأنثى كتاب هاجاداه خاصا بالنساء، فبدلا من كأس النبي إلياهو وضعن كأس الكاهنة مريم وبدلا من الأبناء الأربعة نجد البنات الأربع، وهكذا. كما وضعت إحدى الجماعات اليهودية المدافعة عن البيئة هاجاداه «بعد تحرير الحمل»، أي أنه لا يتم التضحية بالحمل أو أكل لحمه ويكتفى بأكل الأعشاب والخضروات.
الميمونه
Maimuna

(14/238)


يقال إن كلمة «الميمونه» تعود إلى كلمة «ميمون» العربية بمعنى «السعيد»، و«الميمونه» احتفال يعقده يهود المغرب، وكثير من العرب اليهود، في آخر يوم من أيام عيد الفصح. وهو اليوم الذي يوافق ذكرى وفاة ميمون بن يوسف (والد موسى بن ميمون) الذي عاش في فاس لبعض الوقت. وفي هذا اليوم، تصف على الموائد تلك الأطعمة والمشروبات التي لها دلالة رمزية مثل دوارق اللبن الحلو، وأكاليل أوراق الشجر والزهور، وغصون شجر التين، وسنابل القمح، كما يوضع دورق فيه سمكة حية (رمزا للخصوبة). ويتضمن الطعام خسا يغمس في العسل واللبن المخيض، وفطائر مغطاة بالزبد والعسل. ويوضع إناء فيه دقيق، داخله بعض الأشياء والحلي الذهبية (رمزا للثراء)، وإناء فيه خميرة (لخبز أول رغيف بالخميرة بعد انتهاء الحظر على استخدامها). وأحيانا يوضع طبق من الدقيق عليه خمس بيضات، وخمس حبات فول وبلح. وفي ليلة هذا الاحتفال، لا يأكل اليهود سوى منتجات الألبان وبسكوبت صنع بطريقة خاصة تسمى «موفليتا»، ولا يأكلون أي نوع من اللحم. كما أنهم يزورون بعضهم البعض ويتبادلون الطعام. وفي يوم الميمونه نفسه، يخرج اليهود إلى الحقول والمقابر والشواطئ. ويحتفل يهود المغرب في إسرائيل بالميمونه، وهو ما يثير حفيظة اليهود الإشكناز بسبب طابعه الشرقي.
عيد الاستقلال
Independence Day

(14/239)


«عيد الاستقلال» ترجمة لعبارة «يوم هاعتسماءوت» العبرية. و«عيد الاستقلال» هو العيد الذي يحتفل فيه الإسرائيليون بإنشاء الدولة الصهيونية (يوم 14 مايو حسب التقويم الميلادي، 5 إيار حسب التقويم اليهودي). ويشير له الفلسطينيون باصطلاح «النكبة»، باعتبار انه ذكرى ما حل بهم من تشريد نتيجة لاغتصاب المستوطنين الصهاينة لواطنهم. وإذا كان يوم 5 إيار يوم جمعة أو سبت، فإن الاحتفال بالعيد يكون يوم الخميس الذي يسبقه ويكون عطلة رسمية في إسرائيل. وتبدأ احتفالات العيد على جبل هرتزل في القدس بجوار مقبرته. ويبدأ المتحدث باسم الكنيست الاحتفال بأن يوقد شعلة، ثم اثنتى عشرة شعلة أخرى رمزا للقبائل العبرية الاثنتى عشرة، ثم يسير حملة المشاعل في استعراض. وكان الاستعراض العسكري للقوات المسلحة الإسرائيلية، والذي كانت تعرض فيه أحدث الأسلحة التي حصلت عليها الدولة، أهم فقرات الاحتفال، ولكنه توقف بعد عام 1968. وقد حل محله الآن استعراض عسكري لفصائل الجدناع. وتقام احتفالات رياضية وراقصة، كما تمنح جوائز إسرائيل في ذلك اليوم. وينتهي الاحتفال بإطلاق المدافع، على أن يكون عدد الطلقات مساويا لعدد سني الاستقلال، ولهذا فقد أطلقت أربعون طلقة عام 1988.
وداخل الإطار الحلولي، يكتسب الاحتفال بمناسبة قومية أبعادا دينية ويكون للاحتفال جانب ديني، وقد قررت الحاخامية الكبرى في إسرائيل أن يبدأ الاحتفال بقراءة المزامير (107، 97، 98)، وينتهي بالنفخ في البوق (شوفار) الذي لا يستخدم إلا في المناسبات الدينية الجليلة مثل عيد رأس السنة (روش هشاناه). وتتلى العبارات التالية: « فلتكن مشيئتك أن تجعل من نصيبنا أن نسمع الشوفار يعلن مقدم الماشيح سريعا، كما جعلت من نصيبنا أن نرى بداية الخلاص». وتعدل الصلوات في ذلك اليوم، كما هو الحال دائما مع الأعياد اليهودية.

(14/240)


وبرغم صبغ المناسبة القومية بصبغة دينية فاقعة، فإن بعض العناصر التي يقال لها «دينية» في إسرائيل لا ترى أن تعبير الحاخامية عن أهمية المناسبة كاف. وبالفعل، فقد أدخلت هذه العناصر كثيرا من التعديلات على الصلوات، كما قرروا قراءة أجزاء من التوراة (من سفر التثنية 7/1ـ 8/18 و30/1 ـ 10). وهناك دعوة الآن إلى إلغاء يوم الصيام الخاص بهدم الهيكل وبسقوط القدس في أيدي الرومان باعتبار أنه تم استردادها كما تم إنشاء الهيكل الثالث (الدولة الصهيونية).
وقد قامت الأوساط غير الدينية، هي الأخرى، بصياغة قراءات وأدعية للاحتفال بهذا اليوم على نمط الاحتفال بعيد الفصح. وقد كتب المؤلف الإسرائيلي حاييم حزاز هاجاداه للجيش الإسرائيلي بهذه المناسبة. أما وزارة المعارف، فقد نشرت مختارات وأدعية، وقررت شرب ثلاث كؤوس من الخمر (على غرار الكؤوس الأربعة في عيد الفصح): أولاها للدولة، والثانية للقوات المسلحة، والثالثة للشعب اليهودي. ومن بين الإضافات الأخرى، إعلان عدد السنوات التي مرت منذ استقلال الدولة قبل النفخ في البوق (شوفار) في صلاة المساء، وهم في هذا يتبعون نمطا دينيا معروفا لدى يهود اليمن الذين يتبعون النهج السفاردي، إذ يتلى دعاء يذكر فيه المصلون السنوات التي مرت منذ هدم الهيكل. أما العبارة التي تتلى في عيد الاستقلال في إسرائيل، فهي: "اسمعوا يا إخوتي،... اليوم [كذا] مضت [كذا] سنوات منذ بداية خلاصنا، وعلامته تأسيس الدولة". ولعل تغيير الصلوات والأدعية للتعبير عن المناسبة القومية، وكذلك صياغة الاحتفال بعيد الاستقلال على نمط الأعياد اليهودية، وخصوصا عيد الفصح، تعبير آخر عن تداخل الجانب الديني والجانب القومي، والمطلق والنسبي، الذي هو بدوره تعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي.

(14/241)


ويحتفل نواطير المدينة، وهي جماعة يهودية معادية للصهيونية، بيوم الاستقلال على أنه يوم صوم وحداد، ويحرقون فيه علم إسرائيل. هذا، وعادة ما تستخدم كلمة «استقلال» في العالم الثالث للإشارة إلى استقلال بلد مستعمر في آسيا أو أفريقيا عن القوة الإمبريالية الغربية التي تستعمره. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد تم إعلان الدولة الصهيونية حينما نجح المستوطنون الصهاينة، بمعاونة الإمبريالية الغربية، في احتلال جزء من فلسطين، وفي طرد جزء كبير من سكان البلد الأصليين، وفرضوا وجودهم فرضا عن طريق القوة المسلحة، أي أن ما يسمى «الاستقلال الإسرائيلي» هو في واقع الأمر «احتلال واستيطان وإحلال» من منظور الفلسطينيين الذي فقدوا أرضهم.
ويسبق عيد الاستقلال، يوم الذكرى، وهو يوم إحياء ذكرى الجنود الذين سقطوا في حرب 1948. وكانت إسرائيل قد أعدت لاحتفالات ضخمة للذكرى الأربعين لإنشاء الدولة، كما أعدت لعمل إعلامي ضخم. ولكن اندلاع الانتفاضة فوت الفرصة على الصهاينة إذ أن الصحافة العالمية ركزت اهتمامها على الفلسطينيين، وعلى إبداعهم في نضالهم اليومي ضد الدولة الصهيونية.
يوم الذكرى
Remembrance Day
«يوم الذكرى» هو ترجمة لعبارة «يوم هازيخارون» العبرية. و«يوم الذكرى» هو يوم يقيمه المستوطنون الصهاينة قبل يوم 5 إيار، وهو اليوم الذي يحتفلون فيه بعيد الاستقلال. ويكرس هذا اليوم لذكرى الجنود الذين سقطوا في حرب 1948 والحروب التي تلتها.

(14/242)


ويبدأ هذا اليوم بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة في مغرب اليوم السابق، فتنكس الأعلام، وتغلق دور اللهو بأمر القانون، وتقام الصلوات في المعابد اليهودية، وتوقد الشموع فيها، كما تعلن صفارات الإنذار في الصباح عن دقيقتي حداد يتوقف فيهما النشاط تماما في الدولة الصهيونية بكاملها. ثم تطلق صفارة إنذار أخرى للإعلان عن انتهاء اليوم وبداية عيد الاستقلال. ويتلى في الصلوات التي تقام في ذلك اليوم المزمور (144) الذي يقول: "مبارك الرب صخرتي الذي يعلم يدي القتال وأصابعي الحرب ". وقد لاحظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي اليهودي يشياهو لابيوفيتش أن الاحتفال بيوم الذكرى يزداد حدة عاما بعد عام لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يوما بعد يوم.
عيد الأسابيع (شفوعوت)
Shavout
«عيد الأسابيع» يشار إليه بالعبرية بكلمة « شفوعوت» أي «الأسابيع». وعيد الأسابيع أحد الأعياد اليهودية المهمة، فهو من أعياد الحج الثلاثة، مع عيد الفصح وعيد المظال جنبا إلى جنب. ويأتي هذا العيد بعد سبعة أسابيع من عيد الفصح ومن هنا تسميته. ومدة هذا العيد يومان، هما السادس والسابع من شهر سيفان (9 - 10 يونيه)، وهو بهذا يعتبر من أعياد الحصاد. وكان يهود مصر الذين لا يعرفون العبرية يسمونه باليونانية «بنتيكوست»، ويعني «الخمسين»، لأنه كان يقع بعد مرور تسعة وأربعين يوما، أو بعد سبعة أسابيع من اليوم الذي يقدم فيه الفلاحون اليهود أولى ثمار الحصاد (بكوريم)، مع رغيفين، إلى الكهنة في الهيكل.

(14/243)


لكن هذا العيد ليس عيدا زراعيا وحسب، وإنما هو أيضا عيد له مناسبة تاريخية، وهي نزول التوراة والوصايا العشر على موسى فوق جبل سيناء، فهو إذن عيد زواج الإله بالشعب. ولذا، فهم يزينون المعابد بالزهور والنباتات ويقيمون حفل زفاف للتوراة وكأنها عروس. أما في التراث القبالي، فإن الليلة السابقة على العيد هي الليلة التي تعد فيها العروس نفسها للزواج من العريس. ولهذا، فإن كل من يقرأ في كتب العهد القديم الأربعة والعشرين ويفسرها تفسيرا صوفيا حلوليا، يعتبر وكأنه يزين العروس. وأثناء الليل، يصبح القبالي الدارس للتوراة شاهدا على زفاف التوراة (أو الشخيناه) إلى الإله. وإذا سئل العريس (الإله) في اليوم التالي عمن زين الشخيناه، فستكون الإجابة: إنه ذلك العارف بأسرار القبالاه. وقد تطورت طريقة الاحتفال حتى أنه (في اليوم التالي) كان أحد اليهود يرفع التوراة قبل قراءة الوصايا العشر، ثم يقرأ عقد زواج بين العريس (الرب) والعذراء (جماعة يسرائيل) التي هي أيضا الشخيناه. وقد أوحى إليهم الرقم 49، وهو حاصل ضرب 7*7، بتأويلات صوفية حلولية عديدة، فهو يمثل الفترة التي قضاها أعضاء جماعة يسرائيل في الصحراء بعد خروجهم من مصر إلى أن حان وقت خلاصهم وزواجهم بالتوراة.
ويقرأ في هذا العيد سفر راعوث، وهي امرأة من مؤاب تهودت وأظهرت ولاء للشعب اليهودي. ويقال أيضا إن الملك داود، وهو من نسل راعوث، توفي في ذلك اليوم. كما ترد في سفر راعوث إشارة إلى الشعير والقمح. وفي إسرائيل يأخذ أعضاء مزارع الكيبوتس والموشاف باكورة إنتاج الأرض، ويقدمونه لا إلى الهيكل، وإنما إلى الصندوق القومي اليهودي.
التاسع من آف
Ninth of Av

(14/244)


«التاسع من آف» ترجمة لعبارة «تشعاه بآف» العبرية. وهو يوم صوم وحداد عند اليهود في ذكرى سقوط القدس وهدم الهيكلين الأول والثاني (وهما واقعتان حدثتا في التاريخ نفسه تقريبا حسب التصور اليهودي). وتربط التقاليد اليهودية بين هذا التاريخ وكوارث يهودية أخرى يقال إنها وقعت في اليوم نفسه، حتى وإن كان الأمر ليس كذلك، مثل: سقوط قلعة بيتار (135م)، وطرد اليهود من إنجلترا (1290)، وطردهم من إسبانيا (1462).
ويقرأ كتاب المراثي في المعبد اليهودي بعد صلاة المساء في هذا العيد. كما تقرأ أثناء صلاة الصباح، أو بعدها، مراث تتناول كوارث التاريخ اليهودي في ضوء شموع خافتة، ويجلس المصلون إما على الأرض أو يجلسون على مقاعد منخفضة (علامة الحداد). ويزور اليهود المدافن في ذلك اليوم، ويصلون من أجل عودة جماعة يسرائيل إلى فلسطين. وفي التاسع من آب، يحرم الاستحمام والأكل والشرب والضحك والتجمل، ولا يحيي المصلون بعضهم البعض في ذلك اليوم.
ويقال إن الماشيح سيولد في التاسع من آف ـ ولذا، فإن بعض نساء اليهود يمسحن شعورهن بالزيت. ولا يحتفل اليهود الإصلاحيون بهذا اليوم. وقد اقترح مناحم بيجين أن يحتفل بذكرى الإبادة في التاسع من آب، ولكن المؤسسة الدينية رفضت اقتراحه بدعوى أن التاسع من آب مناسبة دينية، أما الإبادة فليست كذلك.
بهجة التوراة (سمحات توراه)
Simchat Torah

(14/245)


«بهجة التوراة» ترجمة لعبارة «سمحات توراه» العبرية، وهو عيد يلي اليوم الثامن الختامي (شميني عتسيريت) وهو اليوم الأخير من عيد المظال. وخارج فلسطين، يدمج العيدان، ويحتفل بهما في يوم واحد. وهو عيد ظهر متأخرا في العراق (في القرن التاسع أو العاشر). وهو أيضا اليوم الذي تختتم فيه الدورة السنوية لقراءة أسفار موسى الخمسة في المعبد. ويحتفل به داخل المعبد بأن تحمل لفائف الشريعة، ثم يتم الطواف بها سبع مرات (أما الأولاد، فإنهم يحملون الأعلام الصغيرة ويسيرون أمام الكبار). ويسمى كل طواف باسم أحد الآباء؛ فالطواف الأول باسم إبراهيم، والثاني باسم إسحق، والثالث باسم يعقوب، والرابع باسم موسى، والخامس باسم هارون، والسادس باسم يوسف، والسابع باسم داود. ويقرأ في هذا الاحتفال آخر سفر من أسفار موسى الخمسة. والمصلي الذي يقوم بالقراءة يطلق عليه اسم «عريس التوراة». ثم يدعى مصل آخر، ويسمى «عريس سفر التكوين» ليبدأ الدورة السنوية لقراءة أسفار موسى الخمسة مرة أخرى. ويسمى القارئ باسم «العريس» لأن التوراة عروس جماعة يسرائيل، وكل قراءة جديدة هي بمثابة حفل عرس متجدد.
وقد سمي هذا العيد بعدة تسميات، إلى أن استقر اسمه على ما هو عليه. ففي فترة التلمود، كان يسمى «آخر أيام العيد». وعلى أيام الفقهاء (جاءونيم)، كان يسمى «يوم الكتاب» و «يوم النهاية». ولم يسم «سمحات توراه» إلا في آخر أيام هؤلاء الفقهاء.
عيد الثامن الختامي (شميني عتسيريت)
Shemini Atzeret

(14/246)


«الثامن الختامي» تطابق العبارة العبرية «شميني عتسيريت». وعيد الثامن الختامي عيد يهودي مستقل عن عيد المظال، ولكنه ضم إليه كيوم ثامن. ولا يعرف السبب في الاحتفال بهذا العيد، وإن كان من الواضح أنه عيد زراعي قديم، إذ يتم فيه ترديد دعاء خاص بطلب نزول المطر، وذلك أثناء دعاء الصلاة الإضافية (موساف). فقد جاء في سفر اللاويين (23/36): « في اليوم الثامن يكون لكم محفل مقدس ». ويضاف يوم تاسع للاحتفال خارج فلسطين، وهو يوم بهجة التوراة (سمحات توراه). أما في فلسطين، فإنهم يحتفلون ببهجة التوراة وعيد الثامن الختامي في يوم واحد.
عيد رأس السنة للأشجار
New Year for Trees
«رأس السنة للأشجار» هي ترجمة للعبارة العبرية «روش هشاناه لا إيلانوت». ويحتفل بهذا العيد في السادس عشر من شفاط حسب مدرسة هليل، والأول من شفاط حسب مدرسة شماي. وهو اليوم الذي يجب بعده أن يحسب اليهودي عشور النباتات التي كان عليه أن يقدمها للهيكل، فأي ثمار بعد ذلك التاريخ تجب عليها العشور. ولم ترد في التلمود أية إشارات إلى طريقة محددة للاحتفال بهذا العيد، وإن كان من المعروف أنه يحرم فيه الصوم. وقد اكتسب العيد دلالة خاصة لدى القباليين حيث تكتسب الشجرة في رؤيتهم للكون دلالة ومركزية. ويحتفل الإشكناز بتناول أنواع معينة من الفواكه، وخصوصا التي تنبت في فلسطين. أما السفارد، فإنهم يحتفلون به بطريقة مركبة، إذ يأكلون خمسة عشر نوعا مختلفا من الفواكه. ويصاحب ذلك قراءة نصوص مناسبة من العهد القديم والتلمود والزوهار. وفي إسرائيل، فإن هذا العيد قد أصبح العيد القومي للشجرة حيث يقوم أطفال المدارس بغرس الأشجار.
عيد القمر الجديد
New Moon

(14/247)


«القمر الجديد» هي ترجمة للعبارة العبرية «روش حودش». ويحتفل به بعد رؤية القمر الجديد كل شهر. وكان العبرانيون يمتنعون عن العمل في هذا اليوم ويذهبون إلى الهيكل، ولعله كان استمرارا لأحد أعياد القمر الوثنية. ولكن الطقوس الاحتفالية قد اختفت بعد العودة من بابل (إلا النساء، فكن يمنحن إجازة في ذلك اليوم مكافأة لهن على إحجامهن عن إعطاء حليهن لصنع العجل الذهبي). ولكن اليوم، مع هذا، لم يفقد أهميته إذ أن تحديد التقويم (وأول يوم في الشهر) كان من أهم الوظائف التي يضطلع بها السنهدرين. وفي هذا اليوم، يحرم الصوم والحداد.
لاج بعومير
Lag Ba'omer
كلمة «لاج» معناها «الثالث والثلاثون»، أما «عومير» فمعناها «حزمة من محصول الشعير». وهو عيد يهودي غير مهم يحتفل به في يوم 18 إيار، أي في اليوم الثالث والثلاثين من فترة السبعة أسابيع الممتدة من ثاني أيام عيد الفصح حتى عيد الأسابيع. وفي هذا اليوم، يتم إنهاء فترة الحداد ويسمح بالزواج وبقص الشعر.
ولا تعرف المناسبة التي من أجلها يحتفل بهذا العيد. ويقال إنه انتهى في هذا اليوم الوباء الذي انتشر بين تلاميذ الحاخام عقيبا. ولذا، فإنه يسمى «عيد العلماء». ولكن جاء أيضا في بعض الأقوال الحاخامية الأخرى أنه اليوم الذي حدث فيه طوفان نوح، وأنزل فيه الإله المن من السماء. وفي العصور الوسطى، اعتبر أن هذا اليوم اليوم الذي مات فيه الحاخام سيمون بار يوحاي الذي ينسب إليه الزوهار. ولذا، يحتفى القباليون بهذا اليوم. وقد أصبح قبره في الجليل مزارا يحج إليه الحسيديون في ذلك اليوم، فيأتون بأطفالهم ليقصوا شعورهم لأول مرة ويشعلوا النيران ويرقصوا طيلة الليل. ويحتفل بهذا العيد في إسرائيل حتى الوقت الحالي.
السنة السبتية (شنة شميطاه) وسنة اليوبيل
Shemittah and Jubilee Year

(14/248)


«السنة السبتية» (بالعبرية: «شنة شميطاه») هي السنة التي يجب أن تراح فيها الأرض، وكلمة «شميطاه» كلمة عبرية معناها «تبوير الأرض لإراحتها». وقد جاء في العهد القديم، في سفر اللاويين وفي مواضع أخرى، أن الإله يأمر شعبه بأن يزرع الأرض ست سنوات على أن يريحها في السنة السابعة.وكل ما ينمو على الأرض في هذه السنة يصبح ملكا مشاعا للجميع يحرم الاتجار فيه، كما تصبح كل الديون بين اليهود وكأنها قد وفيت ودفعت، كما يحرر العبيد اليهود في هذه السنة. ويذكر المؤرخ يوسيفوس ثلاث سنوات سبتية في الفترة التاريخية التي يتناولها.ويبدو أن مثل هذه الاحتفالات كان موجودا بين شعوب الشرق الأدنى القديم. ويلاحظ أن شعائر السنة السبتية تنطبق على فلسطين وحدها،أما الشعائر الخاصة بالديون فتنطبق على أعضاء الجماعات اليهودية أينما كانوا.
ولا شك في أن الدافع وراء الاحتفال بالسنة السبتية ديني قومي، أي أنه تعبير عن النزعة الحلولية داخل اليهودية. فهو، من ناحية، تنفيذ لكلمة الإله وتعبير عن الإيمان بأن الأرض هي ملك له وحده يهبها من يشاء. ولكنه، من ناحية أخرى، تأكيد للرابطة العضوية (الحلولية) التي تربط اليهودي بالأرض المقدسة، كما أنه ينطوي على إسقاط حق أي إنسان في امتلاك هذه الأرض حتى ولو كان فلسطينيا عاش فيها مئات السنين. ولأن الإله في الوجدان اليهودي يصطبغ بصبغة قومية يهودية، فإن ملكيته للأرض تأكيد لملكية اليهود لهذه الأرض بصورة أبدية.

(14/249)


وتتسع دائرة سنة الراحة حتى إنه، بعد سبع دورات كل دورة فيها مكونة من سبعة أعوام، تحل السنة الخمسون التي يطلق عليها «سنة اليوبيل» نسبة إلى كلمة «يوبيل»، وهي كلمة عبرية تشير إلى «قرن الكبش» (أي بوق الشوفار). وفي سنة اليوبيل، تطبق كل شعائر السنة السبتية وتضاف إليها شعيرة أخرى، وهي إعادة الأرض المرهونة إلى أصحابها، كما تعاد الأرض المبيعة إلى ملاكها الأصليين، وكأن من اشتراها قد استأجرها وحسب طيلة هذه المدة، ولا يبقى سوى الأرض الموروثة في حوزة صاحبها.
وتأخذ دائرة السنة السبتية في الاتساع إلى أن تشمل الزمان كله ثم تنغلق حين تصل إلى «سبت التاريخ»،أي نهايته،حين تستريح الأرض كلها ويأتي الماشيح ليقود شعبه بأسره إلى أرض الميعاد. وهكذا تظل الدائرة في الاتساع إلى أن تبتلع كل الزمان والمكان كما هو الحال دائما في الأنظمة الحلولية. وقد أفتى بعض علماء اليهود بأن طقوس سنة اليوبيل لا تنفذ إلا بعودة جميع اليهود واستيطانهم في فلسطين (ذلك لأن الاحتفال بها يؤدي إلى مجاعة،باعتبار أن السنة الخمسينية اليوبيلية تتبع عادة سنة سبتية،أي السنة السابعة في الدورة السابعة).

(14/250)


وقد تسببت السنة السبتية في التضييق على اليهود إذ كان أصحاب الأموال يرفضون إقراضها خشية إلغاء الديون في السنة السبتية. ولذا، فقد أصدر الحاخامات ما سمي «بروزبول»، وهي كلمة يونانية معناها «قبل المجلس» تمنع إلغاء الديون في السنة السبتية. ولإقامة شعائر السنة السبتية يلجأ الإسرائيليون إلى كل أنواع الفتاوى والحيل (التحلة)، فقد أصدر بعض الحاخامات (ومن بينهم الحاخام الصهيوني كوك) فتوى في أوائل هذا القرن، مفادها أن على القاطنين في الأرض المقدسة أن يبيعوها بشكل صوري إلى بعض الأغيار، وبذلك تصبح الأرض غير يهودية، ويمكن بالتالي زراعتها (وهذا يشبه من بعض الوجوه الفتوى الخاصة بضرورة بيع تذاكر مباريات كرة القدم التي تجرى يوم السبت في اليوم الذي يسبقه). وبالفعل، يتم بيع أرض إسرائيل كل ست سنوات إلى جندي درزي، على أن يبيعها مرة أخرى إلى الحكومة الإسرائيلية بعد انتهاء العام (ويعد هذا من أهم الأمثلة على التحلة). هذا وقد اعترض بعض الحاخامات بأن بيع الأرض نفسه محرم، فكان الرد أن بيعها بيعا حقيقيا أمر محرم، لكن بيعها الوهمي ليس محرما! ويحاول الإسرائيليون من اليهود الأرثوذكس إجراء تجارب دينية علمية لزراعة الخضراوات في الماء لتحاشي زراعتها في اليابس. ولكن بعض الأرثوذكس ينطلقون من الرؤية اليهودية الخاصة بالبقية الصالحة، وينفذون تعاليم التوراة بحذافيرها ويمتنعون عن زراعة الأرض، وإن كانوا يقومون بتخزين الحبوب، كما يحاولون التحايل على الدورة الزراعية. وقد أثيرت القضية مرة أخرى عام 1986 ـ 1987، وكانت سنة سبتية، إذ اقترح أن تستورد إسرائيل الحبوب. وقد فتح بعض اليهود الأرثوذكس محلات لبيع فواكه مستوردة غير مزروعة في فلسطين، كما صدروا المحاصيل الإسرائيلية. ويساهم يهود الولايات المتحدة في تمويل الاحتفال بالسنة السبتية عن طريق «صندوق شميطاه» لجمع التبرعات وإرسالها إلى الإسرائيليين الذين

(14/251)


ينفذون التعاليم الدينية تنفيذا حرفيا. وقد كان عام 1993 ـ 1994 (عام 5754 في التقويم اليهودي) سنة سبتية.
سنة اليوبيل
Jubilee Year
انظر: «السنة السبتية وسنة اليوبيل».
الباب التاسع عشر: الفكر الأخروي
الفكر الأخروي (إسكاتولوجي)
Eschatology
«الفكر الأخروي» يشار إليه في الإنجليزية بكلمة «إسكاتولوجي» من الكلمة اليونانية «إسكاتوس» ومعناها «آخر» أو «بعد». ويشير المصطلح إلى المفاهيم والموضوعات والتعاليم الخاصة بما سيحدث في آخر الزمان، وإلى العقائد الخاصة بعودة الماشيح، والمحن التي ستحل بالبشرية بسبب شرورها، والصراع النهائي بين قوى الشر وقوى الخير (حرب يأجوج ومأجوج)، والخلاص النهائي، وعودة اليهود المنفيين إلى أرض الميعاد، وإلى يوم الحساب وخلود الروح والبعث، وهي الموضوعات التي تظهر أساسا في كتب الرؤى (أبوكاليبس)، والتي تعود جذورها إلى الحضارات البابلية والمصرية والكنعانية، وخصوصا الفارسية الزرادشتية.

(14/252)


وقبل الخوض في هذا الموضوع بتعريفاته المختلفة وتناقضاته المتعددة، لابد أن نميز بين التفكير الأخروي داخل إطار حلولي والتفكير الأخروي داخل إطار توحيدي، فالفكر الديني التوحيدي يفترض وجود إله خارج الزمان والطبيعة ويتجاوزهما ومن ثم تتحدد الثنائيات الفضفاضة المختلفة (التي يشكل الإله نقطة الوصل بينها دون أن يملأ الثغرة التي تفصل بينها). وينجم عن ذلك أن التفكير الأخروي يتحدد باعتباره حدثا كونيا يقع لا في آخر الزمان وإنما خارجه، ولا يقتصر على مجموعة من البشر دون أخرى بل يشمل كل البشر، ويرتبط تماما بفكرة الثواب والعقاب للفرد لا للجماعة، أي أن التفكير الأخروي (ورؤية الخلاص) يدور في إطار أخلاقي عالمي إنساني. أما التفكير الأخروي في الإطار الحلولي، فيقف على النقيض من ذلك تماما وبسبب حلول الإله في التاريخ والإنسان والطبيعة وكمونه فيها، فإن كل الثنائيات تمحي (أو تتحدد بشكل صلب)، وتقع الآخرة في نهاية التاريخ (داخل الزمان لا خارجه)، وهي حدث تاريخي وكوني في آن واحد تدور أحداثه حول شعب واحد مختار لا أفراد مسئولين، كما أنها لا ترتبط بالقيم الأخلاقية أو الثواب والعقاب. فرؤية الخلاص لا علاقة لها بالقيم الأخلاقية.
ويمكننا أن نقول إن التفكير الأخروي اليهودي كان يدور في البداية داخل إطار حلولي كامل ثم تحرر منه بالتدريج في كتب الأنبياء. ثم عاد وبدأت عملية السقوط التدريجي في الحلولية في أسفار الرؤى (أبوكاليبس)، وتزايدت معدلات الحلولية في التلمود، إلى أن نصل إلى القبالاه حيث نصل إلى نقطة وحدة الوجود الروحية التي يتبعها حلول بدون إله في العصر الحديث، أي وحدة الوجود المادية.

(14/253)


وهناك، في العهد القديم، عبارة ليست مرادفة تماما لكلمة «إسكاتولوجي» وهي عبارة «أحريت هياميم» التي تحمل تضمينات أخروية وتعني حرفيا «نهاية الزمان» أو «آخر الأيام». وتعني عبارة «آخر الأيام» التي سنستخدمها في هذه الموسوعة ثلاثة أشياء مختلفة:
1 ـ ففي أسفار موسى الخمسة، قد تكون العبارة بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة». وبالتالي، فإن الإشارة في مثل هذا السياق تنصرف إلى مراحل تاريخية زمنية تالية، وقد تأتي بعدها مراحل أخرى.
2 ـ ولكن العبارة قد ترد أيضا بمعنى «الأيام الأخيرة»، وهي هنا تعني «آخر المراحل التاريخية» التي لا تأتي بعدها مراحل أخرى، ولكنها تظل مع هذا مرحلة زمنية.
3 ـ ثم اكتسبت العبارة، فيما بعد، دلالة جديدة تماما، بحيث أصبحت تشير إلى ما بعد البعث. وفي القرون الأخيرة قبل الميلاد وبعده، ظهر مصطلح آخر هو «كيتس هياميم»، ويعني حرفيا «نهاية الأيام» (دانيال 12/13)، وهو مفهوم يشير بوضوح إلى ما بعد البعث، قارن ذلك بمصطلح «وقت المنتهى» (دانيال 8/17).
وقد اجتازت المفاهيم الأخروية عدة تطورات، ولكن على الطريقة الجيولوجية التي يتسم بها النسق الديني اليهودي. فالمفاهيم الحلولية القديمة للآخرة لم تكن تستبعد، بل كان يكتفى بضم المفاهيم الجديدة إليها، فتتعايش معها جنبا إلى جنب أو تكون الواحدة فوق الأخرى. ولذا، لا يتسم الفكر الأخروي اليهودي عبر تاريخه بالوضوح أو التحدد، إذ ظلت هناك أسئلة خلافية تركت دون حسم من بينها ما يلي:
1 ـ هل ستقع آخر الأيام داخل الزمان والتاريخ أم ستقع خارجهما؟
2 ـ هل تختص آخر الأيام بمصير الشعب اليهودي وحده أو تختص بمصير الشعوب كافة؟ وهل للشعب اليهودي دور خاص أم أنه سيكون شعبا واحدا ضمن شعوب أخرى عديدة متساوية في المصير؟
3 ـ هل المقصود بالشعب اليهودي الشعب ككيان جماعي أو اليهود كأفراد؟
4 ـ ما هي علاقة البعث بالثواب والعقاب في آخر الأيام؟

(14/254)


وإذا نظرنا إلى أسفار موسى الخمسة وأسفار يوشع والقضاة، وإلى الفكر الديني اليسرائيلي في القرون الأولى من حكم الملوك، لما وجدنا أية إشارة إلى مفاهيم أخروية محددة حقيقية. ومع هذا، يمكن القول بأن ثمة عناصر أخروية تسم الفكر الديني اليهودي في مرحلة ما قبل السبي. فأعضاء جماعة يسرائيل كانوا يعبدون الإله الذي اختارهم، وعقد عهدا أو ميثاقا معهم، وحل في تاريخهم، ولذا فإنه يتجلى فيه من آونة إلى أخرى مثلما فعل حينما خرج بهم من مصر، ثم هزم أعداءهم ووعدهم بأرض كنعان وساعدهم على غزوها. ولقد أصبح تدخل الإله في التاريخ، ونصره للشعب، من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي فيما بعد، وإن كانت الآخرة هنا مجرد نقطة تحول جوهرية في التاريخ نفسه، مثل الخروج من مصر أو الاستيطان في كنعان، ولا تشكل نقطة نهاية إذ تتبعها مرحلة تاريخية أخرى مختلفة نوعيا عن المرحلة السابقة ولكنها تظل مع هذا نقطة في الزمان، وهي في هذا لا تختلف كثيرا عن التغيرات النوعية أو الطفرات التي تؤدي إلى «التقدم» إذا ما أردنا استخدام المصطلحات الحديثة. والواقع أن هذا المفهوم الأخروي يعني التدخل المستمر من قبل الإله في التاريخ وحلوله فيه، وإن كان ثمة نهاية، فهي تتجلى في الفكرة البدائية الخاصة بيوم الرب، ذلك اليوم الذي ستسود فيه جماعة يسرائيل على الجميع، أي أنها رؤية أخروية حلولية مادية تتحقق داخل التاريخ.

(14/255)


وقد تطور الفكر الأخروي اليهودي على يد الأنبياء، وظهر كل من عاموس وهوشع مع بداية حكم الملوك، فطور الأول فكرة يوم الرب، بحيث تحولت إلى فكرة يوم الحساب، وهو مفهوم أكثر عالمية وأخلاقية إذ أنه اليوم الذي سيحاسب فيه الإله اليهود وغير اليهود. وقد تعمق المفهوم الأخروي، إذ يشير عاموس إلى تغيرات ستدخل على الطبيعة مثل كسوف الشمس، وقد استخدمها بشكل مجازي، ولكنها مع هذا فسرت حرفيا ثم أصبحت عنصرا ثابتا في الفكر الأخروي منذ ذلك التاريخ. ورغم أن عاموس يتحدث عن عقاب الآثمين من اليهود وغير اليهود، فإنه يعرف أن الإله وفي لشعبه. وهنا ظهرت في سفر عاموس، ثم في سفر هوشع، فكرة البقية الصالحة التي ستنجو من الهلاك، وظهرت أيضا فكرة تجديد الميثاق أو العهد مع الإله واسترجاع جماعة يسرائيل وعودتها، كما ظهرت فكرة السلام الذي سيعم الأرض ويشمل كل الأمم.
ورغم أن كثيرا من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي قد تحددت على يد الأنبياء، فلم تكن هناك حتى هذه الفترة إشارات إلى آخرة تقع خارج التاريخ، إذ تظل الآخرة مجرد مرحلة زمنية لها ملامحها الفريدة ومختلفة عما سبقها من مراحل. ويلاحظ أن الفكر الأخروي يتطور من خلال سياقين: أحدهما محلي، وهو ما يحدث داخل المجتمع العبراني، والآخر دولي، وهو ما يحدث حوله ويؤثر فيه. وقد تأثر فكر عاموس الأخروي بالاستقطاب الاجتماعي الذي شهده عصره، فظهرت فكرة العقاب الذي سيحيق بالآثمين من جماعة يسرائيل. كما أن ظهور القوة الآشورية يشكل القطب الثاني، فقد تحولت القوة العالمية التي تتهدد العبرانيين إلى أداة العقاب التي سيستخدمها الإله للقصاص من الشعب المذنب.

(14/256)


وتعمقت كل هذه الاتجاهات في نبوءات أشعياء الذي تنبأ بخراب كامل لجماعة يسرائيل وللأمم الوثنية (ويلاحظ أن الاضطرابات التي تصاحب آخر الأيام بدأت تأخذ بعدا كونيا). وقد قام أشعياء بوصف الملك الثاني ليهودا والذي سيكون في المستقبل، وأدخل بذلك فكرة الماشيح، كما وصف السلام الذي سيعم العالم، ويأخذ شكل عودة إلى حديقة عدن، وبذا بدأت تظهر بذور فكرة الجنة في الفكر الأخروي. أما في سفر ميخا، فتظهر فكرة جبل صهيون كمركز للخلاص النهائي، كما تظهر موضوعات مثل قرب النهاية في سفر صفنيا، والحرب الكونية التي تسبق النهاية في سفر يوئيل. ويلاحظ أن الآخرة، رغم كل التحولات التاريخية والكونية المصاحبة لها، لا تزال زمنية، وما يحدث فيها هو واقعة تاريخية داخل الزمان.
وتشكل واقعة السبي نقطة تحول في تاريخ الأفكار الأخروية، إذ تكتسب فكرة العودة وإعادة بناء الهيكل مركزية حقيقية تظهر في سفر حزقيال، وتصبح الحرب الكونية، حرب ياجوج وماجوج، من العلامات المهمة على آخر الأيام. ويصبح التاريخ مجرد تعبير عن خطة إلهية مقررة مسبقا. كما أن الأبعاد الكونية أصبحت أكثر وضوحا وبروزا، وأصبحت الأفكار الأخروية لا تتحدث عن بداية مرحلة تاريخية جديدة، وإنما عن تحول كوني كامل نتيجة تدخل إلهي. ثم تظهر، في سفر ملاخي، شخصية إلياهو العجائبية التي ستأتي في يوم الرب.

(14/257)


ويدل ظهور كل هذه الموضوعات ضمن الفكر الأخروي، على أن الفكر الرؤياوي (الأبوكاليبسي) أخذ يتغلغل ويحل محل الفكر النبوي، كما يتضح في الإصحاحات الستة الأخيرة في سفر زكريا التي أشارت إلى أن الشعب المختار سيعاني قبل الخلاص. وتبدأ النزعة الرؤيوية في التعمق حتى أن إصحاحات 24/1 ـ 27/13من سفر أشعياء يطلق عليها «أبوكاليبس أشعياء». وقد كان مجال التفكير الأخروي، كما تقدم، هو «هذه الدنيا»، و«المستقبل». ولكن عدة انتكاسات حلت باليهود فقد سمح لهم قورش بالعودة، وبناء الهيكل دون أن يسمح لهم بتأسيس ملك يهودي في ولاية يهودا، أي دون أن يسمح بعودة القوة السياسية اليهودية، وبالتالي لم يسودوا العالمين كما كانت تقول النبوءات الأولى. ثم زال حكم الفرس وظهرت الإمبراطورية اليونانية كقوة عظمى، وبعدها الإمبراطورية الرومانية التي أحكمت قبضتها عليهم تماما وهدمت الهيكل. بعد هذه الانتكاسات العديدة، اكتسب التفكير الأخروي أبعادا جديدة، وأصبح مجاله «العالم الآخر»، «في المستقبل»، «خارج الزمان».

(14/258)


وقد اكتملت ملامح الفكر الأخروي اليهودي ومعظم ثوابته مع سفر دانيال، فهو يقدم رؤية لتاريخ العالم، وتاريخ الممالك الأربع التي ستزول وتحل محلها المملكة التي لا تزول (الملكوت الأبدي). كما يظهر مفهوم ابن الإنسان الذي يأتي مع سحب السماء (أي من الإله) مقابل وحوش البحر الأربعة (الإصحاح السابع). ويبدو أن ثمة إرهاصات لفكرة البعث في أشعياء (26/19) وفي المزامير (73 / 23ـ 26)، ولكنها تظهر في دانيال بشكل لا إبهام فيه (12/1ـ 3)، ويصبح البعث بعثا لأفراد لا لأمم، وبالتالي يصبح الحساب حسابا أخلاقيا فرديا لا قوميا جماعيا. وتظهر في آخر سفر دانيال واحدة من أولى المحاولات لحساب آخر الأيام. وقد ازدادت الرؤية الأخروية اليهودية تبلورا بعد ذلك، فظهرت في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد كتب الرؤى التي تدور حول موضوعات أخروية نشورية. ويلاحظ أن فكرة شيول غير المحددة اكتسبت تحددها في آخر هذه الفترة وأصبحت كلمة «جهنم» تدل عليها، ووضعت «جهنم» مقابل «حديقة عدن» التي تحدد مفهومها هي الأخرى فأصبحت «الجنة». وأصبح الشيئان مرتبطين بفكرة البعث والثواب والعقاب في العالم الآخر.
ومع هذا، فإن عدم التجانس وسمة الجيولوجية ظلا واضحين في الفكر اليهودي الأخروي، فعند هدم الهيكل، أي في تاريخ متأخر نسبيا، كان هناك فريق كبير من اليهود (الصدوقيون) لا يزال ينكر البعث. أما الأسينيون، فمع أنهم اهتموا بالتفكير الأخروي وجعلوه محور رؤاهم، فإن الآخرة بالنسبة إليهم كانت في هذه الدنيا، ولا يوجد أي ذكر للبعث في المخطوطات التي خلفوها، فمخطوطات البحر الميت تتحدث عن النهاية ولا تتحدث قط عن جنة أو جهنم (فقد كان يدور الحديث عن الموت كعقاب أزلي للآثمين، وعن الحياة الأزلية للصالحين).

(14/259)


وفي يهودية العصور الوسطى في الغرب، أخذ الحاخامات بالمفاهيم الأخروية بعد تبلورها. ولكن عملية التبلور لم تكن كاملة، فالمضمون الأخلاقي للأفكار الأخروية بدأ يزداد شحوبا مرة أخرى، واكتسبت رؤية الخلاص مضمونا قوميا. كما ميز الحاخامات بين أيام الماشيح، أو العصر المشيحاني، وبين العالم الآتي أو الآخرة، إذ أن الأولى تسبق الثانية، وتشكل مرحلة انتقالية، وهذا يدل على أن عدم التجانس مازال قائما بين الإيمان بالآخرة كمرحلة تاريخية داخل الزمان والإيمان بها كآخرة تقع في آخر الزمان وخارجه. ويلاحظ أن الحاخامات قد نصحوا اليهود بألا يحاولوا أن يحسبوا متى تأتي آخر الأيام ونهاية الزمان، كما أنهم حرموا أن يحاول اليهودي التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكيتس)، وأصبح الإيمان بالآخرة إحدى العقائد اليهودية الأساسية التي تبناها القباليون، ولكنهم أدخلوها في أنساقهم الحلولية فظهرت الدورات الكونية والتناسخ وعودة الشخيناه. ولذا، نجد أن من هموم القباليين الكبرى الحسابات القبالية الخاصة بالنهاية. وقد انسلخ الفكر الأخروي تماما عن الفكر الأخلاقي وأصبح مرتبطا إلى حد كبير بالسحر وبالخلاص القومي للشعب اليهودي وهلاك كل الأغيار. ويلاحظ أن الفكر الأخروي اليهودي في العصر الحديث يزداد اختلاطا، إذ تتراجع أفكار أخلاقية أساسية مثل البعث والثواب والعقاب والآخرة لتحل محلها أفكار عامة مثل العصر المشيحاني (في اليهودية الإصلاحية) أو فكرة التقدم (في اليهودية التجديدية).

(14/260)


وقد تأثر الفكر الصهيوني بالفكر الأخروي اليهودي الحلولي (حلولية بدون إله) بمعنى أن الآخرة هي النهاية داخل الزمان أو آخر مرحلة تاريخية، أو هي نهاية التاريخ التي تصل بالجدل والصراع والانحرافات إلى نهايتها، فيكون « الخروج » الكامل من تاريخ الأغيار بكل شذوذه وعنفه، ويكون « الدخول » في كنعان حيث يمكن استئناف التاريخ اليهودي بكل مثالياته. ومثل هذا التفكير الأخروي البدائي عادة ما يأخذ شكلا هندسيا متناسقا تكون فيه النهايات شبيهة بالبدايات.
وإذا كانت بداية التاريخ اليهودي من وجهة النظر الصهيونية هي الخروج من أرض العبودية في مصر ودخول أرض الميعاد، فالنهاية الأخروية هي الخروج أيضا من أرض العبودية في مصر أو روسيا أو أي منفى آخر، ودخول أرض الميعاد أيضا، أي أن النهاية لابد أن تشبه البداية حتى يكتمل الاتساق الهندسي. وإذا كان دخول كنعان قد أدى إلى إنشاء الهيكل والعبادة القربانية المركزية (حيث يحل الإله وسط الشعب في قدس الأقداس)، فإن الدخول الحديث إلى فلسطين يؤدى إلى إنشاء الدولة الصهيونية، بحيث يحل الإله فيها بالنسبة للمتدينين اليهود، فتصبح دولة مقدسة. أما بالنسبة إلى الملحدين، فهي دولة مقدسة بذاتها إذ أن حلوليتهم حلولية بدون إله ووحدة وجود مادية.
أسفار الرؤى (أبوكاليبس)
Apocalypse

(14/261)


«الرؤيا» ترجمة لكلمة «أبوكاليبس» اليونانية الأصل والتي تعني الكشف عن الغيب، وخصوصا عن آخر الأيام (إسكاتولوجي) ويوم الحساب. ويتم الكشف عن طريق الأحلام والرؤى والغيب، وفي الدراسات العربية يطلق على الكتب التي تتناول هذه الأشياء مصطلح «أسفار الرؤي»، وذلك لاعتمادها على الرؤى في سرد الأحداث وفي شرح الأفكار المتضمنة فيها. وتستخدم الكلمة للإشارة إلى الكتب الدينية اليهودية والمسيحية التي تحتوي على مثل هذه الرؤى، مثل سفري حنوخ وسفر صعود موسى وسفر باروخ وكتاب اليوبيل، وتعد ضمن الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا). وتعد الإصحاحات الأخيرة من سفر دانيال (8/17 ـ 12/13) ضمن أسفار الرؤى، ويشار إلى بعض إصحاحات كتاب أشعياء بوصفها أبوكاليبس أشعياء (24/1 ـ 27/13). كما أن مخطوطات البحر الميت، هي الأخرى تدخل ضمن كتب الرؤى وتضم الكثير من الأسرار التي تقع خارج نطاق المعرفة الإنسانية كأسرار السماء والأرض والملائكة والشياطين.

(14/262)


وتأخذ كتب الرؤى شكل نبوءة على لسان بطل تاريخي قديم (ذائع الصيت مات منذ زمن بعيد) يدعي أنه يرى أحداث ذلك التاريخ كله منذ بدايته حتى نهايته، وأن هذه المعرفة قد أخفيت (باليونانية «أبوكريفون») طيلة هذه السنين حتى الوقت الحاضر، وهو عادة زمن الأزمة (ومن هنا نجد أن معظم كتب الرؤى من الكتب الخفية). ولا تعنى كتب الرؤى بالحاضر، كما أنها تورد إشارات سريعة إلى الماضي، أما المستقبل والنهاية فقد وجه إليهما اهتمام بالغ فتم وصفهما بالتفصيل. وتنقل هذه الكتب رؤاها من خلال نسق مركب من الرؤى الرمزية والصور الخيالية الباهرة تلعب فيه الحيوانات والطيور والزواحف والوحوش ذات الرؤوس البشرية دورا أساسيا. والواقع أن أدب الرؤى غامض للغاية، يحتمل العديد من التفسيرات بحيث يمكن توظيفه لأي غرض ولإثبات أي شيء، وهي سمة سيتصف بها الماشيح فيما بعد. ويرى مؤرخو اليهودية أن جذور الصوفية اليهودية والقبالاه ترجع إلى هذه الكتب. ولأن الرؤية الواردة في هذه الكتب لم تكن تساندها شرعية الرؤية الإلهية، فمؤلفوها كانوا ينسبونها إلى شخصيات توراتية. كما أن الخوف من الاضطهاد السياسي كان سببا أساسيا لإخفاء شخصية المؤلف. وقد استخدم مؤلفو كتب الرؤى موضوعات كتب الأنبياء بعد تطويرها وتغيير معناها بما يتناسب مع ظروف وشخوص تاريخية معاصرة لهم.
وكتب الرؤى تعبير عن الطبقة الحلولية في اليهودية تنبع من الإيمان بأن أعضاء الشعب المختار الراهن أمة من الأنبياء والقديسين والكهنة يمتلكون إمكانيات نبوية خارقة خاصة، وأن تقاليد النبوة عندهم لا تزال ممكنة ومفتوحة ومتاحة.

(14/263)


ومما يزيد من حدة التأملات الرؤياوية (الأبوكاليبسية) عندهم أنهم، وهم الشعب المختار، كانوا دائما يذوقون صنوف الويل والعذاب الأرضيين، فتجربتهم التاريخية هزيمة تلو هزيمة، وانكسار إثر انكسار، على أيدي الآشوريين والبابليين، ثم زادت الأمور سوءا بعد العودة من بابل، وتوقف سلسلة أنبياء اليهودية، وبعد إعادة بناء الهيكل. وقد عاد اليهود من المنفى تحدوهم تطلعات مشيحانية، وأمل في أن تسود جماعة يسرائيل مرة أخرى. ولكن الماشيح لم يأت بل تدهور حالهم وأصبح الحاضر تحفه المشاكل، وبدأت نذر الشر تظهر في الأفق، فقد ظهرت الإمبراطورية الرومانية بقوتها الضخمة لتهيمن على الشرق الأدنى القديم، وفلسطين، ثم دمرت الهيكل تماما على يد تيتوس، ثم القدس على يد هادريان. وفي هذه المرحلة الأخيرة الخطرة (من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد) ظهرت أسفار الرؤى.

(14/264)


وقد ساعد كل ذلك على انصراف اليهود عن الحاضر إلى التأمل الأخروي في آخر الأيام، إذ كان من غير المنطقي، من وجهة نظرهم، أن يتركهم الإله في عذابهم الدنيوي دون نهاية سعيدة. وقد ترسخ لديهم الإيمان، تحت تأثير الأفكار الفارسية، بالفكرة الثنوية التي ترى أن الوجود يتكون من عالمين: العالم الحاضر ويحكمه الشيطان ومصيره الزوال، والعالم القادم ويحكمه إله الخير والنور؛ وهو عالم حر تنتشر فيه السعادة الأبدية، يأتي بعد انتصار إله النور على إله الظلام. ولذا، فقد آمنوا بأن الإله سيرسل حتما من يرفع عنهم العذاب. بل إنهم يؤمنون بأنه كلما تأخر يوم الخلاص، زادت شدة العذاب الذي سيحيق بأعدائهم، علما بأن زيادة الآلام علامة اقتراب الخلاص والنصر (وهذا هو النمط الأساسي في كتب الرؤى). وستأخذ النهاية الرؤياوية للبؤس اليهودي صورة عودة الماشيح أو انتصار داود أو تنصيب سليمان معلما للأمم، أو عودة اليهود إلى أرض الميعاد. وقد تبنى مؤلفو كتب الرؤى فلسفة للتاريخ ذات أصل فارسي، فقد كان الفرس يقسمون تاريخ العالم إلى ممالك ثلاث: الآشورية والميدية والفارسية، ثم أضافوا إليها فيما بعد المملكة اليونانية. وقد تبنى مؤلفو كتب الرؤى هذا التقسيم، وأحلوا محل آشور بابل التي كانت لا تزال عالقة بذاكرتهم التاريخية، وأضافوا مملكة خامسة هي مملكة اليهود الأزلية. وهناك بعض رؤى الأبوكاليبس المسيحية التي ترى أن الخلاص النهائي مرتبط بعودة اليهود إلى فلسطين وتنصرهم، وتسمى «الرؤى الاسترجاعية» نسبة إلى استرجاع اليهود إلى فلسطين، أو «الرؤى الألفية» نسبة إلى الألف عام التي سيحكم فيها الماشيح الأرض.
وتجب التفرقة بين كتب الرؤى (أبوكاليبس) وكتب النبوة، فكلتاهما وسيلة لمعرفة الإرادة الإلهية. ولكن، بينما تدور كتب الأنبياء داخل نطاق رؤية توحيدية، تدور أسفار الرؤى داخل رؤية حلولية، وتمكن التفرقة بينهما على النحو التالي:

(14/265)


1 ـ من نقط الاختلاف الأساسية، موقف كتب الأنبياء والرؤى من التاريخ والمجتمع. فالأنبياء توجهوا برسالاتهم مباشرة إلى مجتمعاتهم وركزوا على الحاضر، وأشاروا إلى الخيارات الفلسفية والأخلاقية المطروحة مطالبين جماعة يسرائيل باتخاذ موقف محدد واستجابة مباشرة. وقد كان المستقبل بالنسبة إلى الأنبياء لا يزال عملية مستمرة تستطيع الإرادة الإنسانية أن تلعب فيها دورا. أما مؤلفو كتب الرؤى، فكانوا يركزون على البدايات والنهايات، وعلى النهايات أكثر من البدايات. فكانوا يرون التاريخ عملية موصدة مغلقة، وما العصر الذي يعيش فيه الكاتب سوى حلقة من سلسلة متكاملة قررها الإله من قبل، وهي عادة الحلقة الأخيرة. ويقال إن هذه الرؤية متأثرة بالرؤية الإغريقية الهيلينية للتاريخ والتي تنظر إليه باعتباره دائرة هندسية مغلقة. ولكن يمكننا أن نقول إن انغلاق كتب الرؤى تعبير عن الحلولية الكامنة فيها.
2 ـ لا تنشغل كتب الرؤى بالتاريخ انشغال كتب الأنبياء به، فهى قد تتعامل معه ومع أحداثه ولكنها لا تحترم تفاصيله. فالعقلية الرؤياوية تتوقع وتؤيد التغيير في المجتمع، لكنه تغيير غير تاريخي لأنه غير مرتبط بمسار التاريخ، كما أنه يأخذ شكل انفجارأو تحول فجائي جوهري في كل شيء إذ يتم التحول عن طريق التدخل (أو الحلول) المباشر والفجائي للإله في شئون البشر وفي التاريخ. هذا على عكس رؤية معظم الأنبياء التي كانت تبشر بأن إرادة الإله تتحقق داخل التاريخ من خلال أحداثه لا من خلال تدخل مباشر، فتصبح آشور مثلا أداة العقاب الإلهي.

(14/266)


3 ـ لكل هذا، نجد أن كتب الأنبياء منشغلة بالمضمون الأخلاقي لرسالاتهم وبإبلاغها، وبكيفية تحقيق الخلاص داخل التاريخ أو تعديل مساره عن طريق التوبة والعودة. ويحجم الأنبياء عن ذكر ما رأوه في لحظة الوحي، أما كتاب الرؤى فيعطون وصفا تفصيليا لكل شيء؛ السماء أو البلاط المقدس أو الملائكة. وعيون كتاب الرؤى مركزة دائما على النهاية (لحظة التدخل الفجائي) حين ينتهي التاريخ كلية، فالنهاية دائما وشيكة الوقوع، هذا على عكس النهاية الأخروية عند الأنبياء، فقد كانت هذه النهاية عند معظمهم في المستقبل البعيد. ويلاحظ أن رؤية النهاية عند كتاب كتب الرؤى كانت شخصية وتاريخية في آن واحد، إذ يرد في الإصحاح 12 من سفر دانيال أول ذكر واضح لبعث الموتى ولعملية العقاب والثواب (دانيال 12/13). ومن الواضح أن كتب الرؤى تشكل عودة لرؤية الحلولية اليهودية، كما مهدت للقضاء على تأثير رؤى الأنبياء التي وجدت تطورها الحقيقي في المسيحية.
والتفكير الصهيوني تفكير رؤياوي علماني يؤمن بأنه لا حل للمسألة اليهودية عن طريق التدرج التاريخي (الاستنارة أو الاندماج أو الثورة الاجتماعية) أو عن طريق التعامل مع الواقع التاريخي المتعين، وإنما يجب أن يتم « الآن وهنا » على الفور (الدولة الصهيونية ـ العودة ـ تكوين جيش من اليهود يغزو فلسطين ويطرد العرب)، أي أن الصهيونية تتعجل وتعمل من أجل «نهاية التاريخ»، وذلك بطرح رؤى مثالية فاشية يتم فرضها على الواقع التاريخي لا عن طريق الحلول الإلهي لصالح الشعب اليهودي وإنما عن طريق العنف والتحالف مع الإمبريالية (مثلا)، ومن هنا فإن الصهيونية تعبير عن الحلولية بدون إله.
الآخرة أو العالم الآخر (الآتي)
World to Come

(14/267)


«الآخرة» أو «العالم الآخر» هي المقابل العربي للمصطلح العبري «عولام هبا»، وهو مصطلح يهودي أخروي يعني «العالم الآتي في آخر الأيام» (مقابل «عولام هازيه»، أي «هذا العالم»). ومفهوم الآخرة أو العالم الآخر مفهوم أخروي، أخذ في الظهور التدريجي، واكتسب كثيرا من ملامحه بعد العودة من بابل، ثم صار إحدى الأفكار الدينية الأساسية في التلمود. وهذا العالم الآتي يشير إلى عدة أشياء متناقضة، فهو قد يشير إلى المستقبل وحسب، وقد يشير إلى العصر المشيحاني (الألفي) قبل أو بعد يوم الحساب وقبل أو بعد البعث، وقد يشير إلى الآخرة بمعنى نقطة خارج الزمان. وقد قرنه بعض الحاخامات بالجنة وحسب. وهو قد يشهد التحرر القومي لليهود من ظلم الأمم الأخرى، ولكنه قد يشهد تحرر الكون بأسره، أي أنه يعكس كل تناقضات التفكير الأخروي اليهودي، وتأرجحه ما بين الرؤية الحلولية والرؤية التوحيدية.
آخر الأيام (اليوم الآخر)
End of Days; Aharit Ha Yamim
«آخر الأيام» أو «اليوم الآخر» مصطلح عربي يقابل المصطلح العبري «أحريت هياميم»، وهو مصطلح أخروي يهودي، ويكون بأحد معنيين:
1 ـ يكون بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة»، أي في فترة زمنية مقبلة تتلوها أيام وفترات أخرى.
2 ـ ويكون بمعنى «في الأيام الأخيرة»، ويعني آخر المراحل الزمنية التي لن يأتي بعدها مراحل أخرى، ومع هذا، فإن هذه المرحلة الأخيرة تقع داخل الزمان.
وإذا كان المعنيان السابقان مختلفين، فإنهما متفقان في أنهما يقعان داخل الزمان. ومع هذا، فقد تغير المجال الدلالي للمصطلح قليلا في القرن الأول قبل الميلاد بحيث أصبح يشير إلى آخر الزمان كمرحلة تقع خارج التاريخ كلية، يتم فيها بعث الموتى وحسابهم.
يوم الرب
Day of the Lord

(14/268)


«يوم الرب» مصطلح يهودي أخروي حلولي، وهو اليوم الذي سيكشف فيه الإله عن نفسه للأمم بكل قوته وعظمته في آخر الأيام ليحطم أعداء جماعة يسرائيل، بسبب ما اقترفوه من آثام في حق شعبه المقدس المختار. وستعلو جماعة يسرائيل في ذلك اليوم، وتسمو على العالمين، بعد أن تتجدد قوتها وتنتقم من أعدائها، وتؤسس مملكة قوية. وهذا المفهوم البدائي القومي ينم عن رغبة عميقة في الانتقام، ويحمل تضمينات عسكرية (تماما كما نقول في العربية «يوم داحس والغبراء» أو «يوم الخندق»)، ويجعل الآخرة أمرا مختصا بالجماعة لا بالأفراد.
وقد حول عاموس المفهوم تماما حين أسماه «يوم يهوه»، فلم يعد هذا اليوم يوم انتقام جماعة يسرائيل من أعدائهم، وإنما أصبح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم» أو «يوم القضاء العالمي الشامل»، وهو اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل الناس، يهودا كانوا أو أغيارا، دون تمييز أو تفرقة. ويعد هذا أهم التطورات التي دخلت على المفاهيم اليهودية الأخروية.
يوم الحساب
Day of Judgement

(14/269)


«يوم الحساب» ترجمة لمصطلح «يوم هدين»، وهو مصطلح عبري بمعنى "اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل البشر في آخر الأيام". وهو تطوير لمصطلح «يوم الرب» ذي الطابع الحلولي القومي المتطرف الذي كان يعني حدوث الخلاص (الثواب والعقاب) داخل إطار قومي. وقد تحول هذا المفهوم القومي الأخير (على يد النبي عاموس وغيره من الأنبياء) إلى مصطلح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم والقضاء» (العالمي والشامل)، وهو يوم سيحاسب فيه كل الناس يهودا كانوا أو أغيارا دون تمييز أو تفرقة. وقد حذر عاموس شعبه من أن الإله سيحطم جماعة يسرائيل بسبب فسادها (عاموس 5/18)، وأكد كل من إرميا وحزقيال (إرميا 31/29 ـ 30، حزقيال 18) المسئولية الفردية، كما أكد كثير من الأنبياء أن النفي عقوبة تستحقها جماعة يسرائيل. لكن أول إشارة للثواب والعقاب بعد البعث ترد في أشعياء (إصحاح 26)، ودانيال (12/2): "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي". وتطور المفهوم، فأصبح المصطلح يشمل الموتى الذين سيبعثون يوم الحساب "حتى يشملهم الحساب هم أيضا ".

(14/270)


ويلاحظ أن مفهوم يوم الحساب، الذي لم يستقر بصورته الجديدة إلا بعد المرحلة البابلية، لم يفقد محتواه القومي تماما، إذ نكتشف أن اليهود سيتطهرون في يوم الحساب من آثامهم ثم تعود البقية الصالحة منهم إلى أرض الميعاد ليحيوا حياة سعيدة هنيئة كما جاء في سفر هوشع (2، 14). كما يجب التنبيه أيضا إلى أن يوم الحساب ليس مثل يوم القيامة أو الآخرة، لأنه (حسب كثير من التفسيرات) سيحل قبل البعث النهائي، أي أنه واقعة تاريخية (وفي هذه الدنيا)، وهو مثل المرحلة الألفية سيقع قبل الآخرة ولن يحاسب فيه إلا الأحياء الموجودون في الدنيا بالفعل. وكان البعض يرى أن الإله يحاسب العالمين أربع مرات كل عام. وكان البعض يؤمن بأن عيد رأس السنة اليهودية هو اليوم الذي يحاسب فيه الإله البشر، وأن أحكامه تصبح نهائية في يوم الغفران.
والواقع أن دولة إسرائيل هي، بمعنى من المعاني، محاولة علمانية لترجمة مفهوم الفردوس اليهودي الأرضي إلى واقع حقيقي.
البعث
Resurrection

(14/271)


«البعث» تقابلها في العبرية كلمة «تحيت هميتيم». وفي الواقع، فإن ثمة إطارين لفهم فكرة البعث: الإطار التوحيدي، وفي نطاقه نجد أن الإيمان بالبعث يعني الإيمان بعودة الروح إلى الجسد في المستقبل (في اليوم الآخر) لتثاب أو تعاقب. وداخل الإطار الحلولي، وفي نطاقه أشكال مختلفة لفكرة البعث من بينها الإيمان بتناسخ الأرواح، أو الإيمان بخلود الروح وحسب دون بعث، أو الإيمان بأن بعض الأرواح وحدها هي التي تبعث ولا يبعث البعض الآخر، أو الإيمان بأن الموتى يحيون بعد الموت في عالم خاص بهم. ولا توجد في كتب العهد القديم الأولى أية إشارات إلى بعث الموتى أو الحياة الأبدية، إذ يبدو أن العبرانيين القدامى لم يكونوا من المؤمنين بالبعث، وإنما كانوا يؤمنون بأن الإنسان جسد يفنى بالموت. وحتى بعد أن ظهرت فكرة خلود الروح، فإن هذه الفكرة لم تكن بعد مرتبطة بفكرة البعث والخير والشر والثواب والعقاب، إذ أن الروح كانت تذهب بعد الموت إلى مكان مظلم يسمى «شيول»، حيث تبقى إلى الأبد، بغض النظر عما ارتكبته من أفعال في هذا العالم الدنيوي. وتتضح هذه الرؤية العدمية في سفر أيوب الذي جاء فيه: « اذكر أن حياتي إنما هي ريح، وعيني لا تعود ترى خيرا... السحاب يضمحل ويزول، وهكذا الذي ينزل إلى الهاوية (شيول) لا يصعد » (أيوب 7/7 ـ 9). "أما الرجل فيبلى ويموت الإنسان يسلم الروح فأين هو... الإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم" (أيوب 14/10 ـ 12).

(14/272)


وقد كانت مكونات فكرة البعث موجودة، فإحدى صفات الإله أنه يحيي الموتى، وقد رفع إليه إلياهو بالفعل. ويبدو أن هناك إرهاصات لفكرة البعث في سفر أشعياء (26/19)، ولكنها لا تظهر بشكل واضح لا إبهام فيه إلا في سفر دانيال (وتحت تأثير فارسي): "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي" (سفر دانيال 12/1 ـ 3). وبعد ظهور المفهوم، حاول مفسرو العهد القديم أن يقوموا بعملية إسقاط لهذه الفكرة على نصوص سابقة لتفسر على أنها تتحدث عن البعث، كما فعل راشي مع مزمور 17/15. ومع هذا، لم تستقر الفكرة تماما في اليهودية. وعند هدم الهيكل، كان الصدوقيون لا يزالون ينكرون البعث. ويبدو أن الأسينيين أيضا لم يكونوا يؤمنون به، على عكس الفريسيين.

(14/273)


وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أسس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن، حتى بعد ظهور فكرة البعث بشكلها الكامل، ظهرت عدة إشكاليات من بينها زمن البعث، فالتفكير الأخروي اليهودي يتضمن عنصرين: أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد (وهذه أسئلة أثارها حسداي قريشقش). كما أن فكرة البعث احتفظت بكثير من العناصر الحلولية، ولذلك نجد أنها تكتسب بعدا قوميا وتظل مرتبطة بالعودة القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث، هناك خلاف حول من يبعث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيبعثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيبعثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيبعث في آخر الأيام. وثمة بعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفية بتأكيد عقيدة خلود الروح. وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة.

(14/274)


والواقع أن في إنكار البعث إنكارا للمسئولية الشخصية وإنكارا لفكرة الضمير الفردي، فالأخلاقيات اليهودية الحلولية أخلاقيات جماعية قومية لا تميز بين الخير والشر بقدر تمييزها بين اليهود والأغيار. وإنكار البعث تعبير مباشر عن النزعة الحلولية. فإذا كان الإله يحل في الأمة والأرض ولا يتجاوز المادة والتاريخ ويجمع بينهما، فإن البعث الفردي (والمسئولية الخلقية) تصبح أمورا مستحيلة وغير مرغوب فيها، فالبعث هو التوحد مع الأمة المقدسة والبحث عن الاستمرار والخلود من خلالها، وربما الدفن في الأرض المقدسة. ومن هنا كان الاهتمام المتطرف في إسرائيل بالدفن والمدافن، وباستعادة جثث الموتى من الجنود الإسرائيليين، بل من الشائع لدى بعض الجماعات اليهودية شراء تراب من أرض فلسطين (ومن القدس بالذات) لينثر على رأس المتوفي أملا في أن يحوز بذلك البركة الخاصة بالبعث. وفي إطار الحلولية الصهيونية بدون إله ووحدة الوجود المادية التي تقدس الأرض، بدأ بعض الشباب الإسرائيلي يشعر بأن هذه الأرض المقدسة أصبحت تطالب بمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى. ولعل ما يدعم إحساسهم هذا، رفض يهود العالم الهجرة إليها وحرص الكثيرين منهم في الوقت نفسه على أن يدفن فيها.
تناسخ الأرواح
Transmigration of the Souls

(14/275)


«تناسخ الأرواح» مصطلح يقابله في العبرية مصطلح «جلجول هنيفيش»، وهو يعني الإيمان بأن أرواح البشر تعود بعد الموت إن عاجلا أو آجلا وتستقر في جسد إنسان آخر، وهي عقيدة مرتبطة تماما بالفكر الحلولي وتحل محل فكرة البعث التوحيدية (وتشبه فكرة العود الأزلي لنيتشه) وهي عقيدة تستند إلى الإيمان بخلود الروح ولكنها لا تحرر الروح تماما من الزمن. وقد آمن القراءون بشكل من أشكال تناسخ الأرواح. وتظهر الفكرة أيضا وبشكل أوضح في القبالاه؛ سواء في الزوهار أو في القبالاه اللوريانية. وبحسب ما جاء في التراث القبالي، كانت أرواح كل البشر جزءا من الآدم قدمون؛ الإنسان الأول أو الكامل، ولكن خطيئة آدم الأولى أدت إلى اغتراب روح البشر عن الإله. وروح كل إنسان جزء من روح آدم، ومن هنا فإن كل الأرواح تشارك في حالة السقوط والنفي. فإذا اقترف الإنسان آثاما في حياته، فإن روحه تتجسد في أشكال أدنى من الحياة. ولذا، يتعين على الإنسان أن يفعل الخير حتى تحل روحه في أجساد الأبرار لكي تصل الروح إلى حالة الإصلاح (تيقون) وهي استقرارها في مكانها الطبيعي في روح آدم. وقد تستقر روح أحد المذنبين في جسد إنسان آخر، فتمتلكه وتستحوذ عليه، وتشكل أثرا سيئا فيه، ويمكن طرد هذه الروح بطقوس دينية خاصة.

(14/276)


ومن المفاهيم المهمة الأخرى المرتبطة بتناسخ الأرواح، فكرة «تلقيح الروح» (بالعبرية: عبور)، وذلك حينما تلقى روح شخص ما ظلالها على روح شخص آخر (حي) دون أن تسكن جسده بالضرورة. وقد يكون الهدف من عملية التلقيح هذه سلبيا أو إيجابيا. وإذا كانت الروح الهائمة روحا مذنبة، فهي تلقي بظلالها على الشخص لتكفر عن سيئاتها. وبالتالي، فهي ستتلبس الشخص الحي، وفي هذه الحالة، يقال لها «ديبوق» ولابد من طردها. وقد تلقي الروح الهائمة بظلالها على روح شخص آخر لهدايته، وإضفاء هيبة عليه. وتذكر القبالاه اللوريانية حالات عديدة لتناسخ الأرواح، منها أن روح هارون حلت في عزرا، كما حلت روح يعقوب في مردخاي، في حين أن روحى موسى وسيمون بن يوحاي كانتا تلقيان بظلالهما على روح إسحق لوريا. ويقال إن روح حاييم فيتال (تلميذ لوريا) لم تتأثر قط بخطيئة آدم.
وفكرة تناسخ الأرواح تعبير عن التيار الحلولي في اليهودية، وقد سادت هذه الفكرة بين اليهود وهيمنت على كثير منهم منذ القرن السابع عشر، فقد كان شبتاي تسفي (ومن تبعه) يتحدث عن حلول روح الإله في تسفي أو حلول روح تسفي فيمن أتى بعده. وقد أصبحت هذه الفكرة مركزية بين الحسيديين. ومن مظاهر ذلك ما يفعله الأتباع على قبر أبي حصيرة إذ يلقون أجسادهم عليه أملا في أن تحل روحه فيهم وتسمى تلك العملية «شيطوح» أو «التسطح على القبر».
خلود الروح
Immortality of the Soul

(14/277)


لا يوجد في يهودية ما قبل التهجير، ولا في معظم العهد القديم، إيمان واضح بخلود الروح. ولعل هذا يعود إلى النزعة الحلولية التي تمحو كل الثنائيات وترى أن الروح إن هي إلا جزء من الجسد تفنى بفنائه، وأن الموت إن هو إلا نقصان فيما يسمى «المادة الحيوية». ولذا، فقد أخذت الحياة الآخرة عندهم شكل شيول، وهو مكان محايد لا يعرف الثواب أو العقاب. ولم يقدر لمفهوم خلود الروح أن يتبلور، بسبب تخبط الفكر الديني اليهودي بين الفكر الديني التوحيدي المصري وفكر بلاد الرافدين الحلولي، فقد أخذ بخلود الروح عن المصريين من ناحية وعن بلاد الرافدين من ناحية أخرى. وفي عبادة يسرائيل، أي في يهودية ما قبل التهجير، نجد أن ما يضفي معنى على الأشياء ليس حياة الفرد، وإنما تاريخ الأمة. ولذا، فإن الكتاب المقدس هو تاريخ الأمة، ويصبح هذا التاريخ محط اهتمام الإله واهتمام الشعب، ويصبح الخلود هو خلود الشعب. وقد طرح بعض الأنبياء فكرة خلود روح الفرد، وإن كان بشكل متردد وغير قاطع. ولا نعرف على وجه الدقة متى بدأت الفكرة تضرب بجذور راسخة في العقيدة اليهودية، ولكن يمكن القول بأن الفكرة بدأت تأخذ شكلا محددا في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد وبدأ الفريسيون يبشرون بها. واليهودية الهيلينية تفترض هي الأخرى فكرة خلود الروح، وأصبحت فكرة البعث التي تفترض خلود الروح إحدى العقائد الأساسية لليهودية.

(14/278)


ومع تزايد هيمنة الحلولية على النسق الديني اليهودي، نجد أن خلود الروح يأخذ عند القباليين شكلا آخر هو إيمانهم بتناسخ الأرواح. وهو مفهوم يفترض خلود الروح ولكنه لا يحررها تماما من الزمان. وقد يكون مما ساعد على عدم تبلور فكرة موحدة ومحددة عن البعث، تخبط الفكر الأخروي اليهودي بين الأفكار المتناقضة عن العصر المشيحاني والآخرة أو العالم الآخر (الآتي)، وكذلك العقائد الألفية قبل وبعد العصر المشيحاني. ويظهر هذا التخبط في فكر موسى بن ميمون نفسه الذي أنكر أن كل الناس ستبعث.
وفي العصر الحديث، أعيد طرح القضية مرة أخرى، وبعثت من جديد بعض الأفكار الحلولية القديمة. فرفض المفكر الديني موريتس لازاروس فكرة خلود روح الفرد وفكرة الآخرة. أما هرمان كوهن، فيرى أن خلود الروح في اليهودية ينطبق على الشعب ككل، لا على أفراده، فالشعب هو وحده الذي لا يموت (فتاريخه أزلي)، والروح الفردية تكتسب استمرارها من خلال هذا التاريخ، وهذا هو ما ورد في العهد القديم، أما ما عدا ذلك فأساطير، ولذا يجب ألا يجرى التفكير في مصير الإنسان بعد الموت. أما المفكر الصهيوني آحاد هعام، فيرى أن الإيمان بخلود الروح علامة من علامات الضعف ومرض الروح، ولذا فهو يسخر من الآخرة ومن الإيمان بها، ويرى أن الالتصاق العضوي بالأمة يحقق مثل هذا الخلود، وبذا تحل فكرة الشعب العضوي (فولك) محل فكرة خلود الروح والبعث واليوم الآخر.
الموت
Death

(14/279)


كلمة «موت» العربية يقابلها في العبرية كلمة «مافت»، التي كانت تستخدم كذلك للإشارة إلى إله الموت في العبادة الكنعانية القديمة الذي كان دائما يصارع بعل إله المطر والخصب. ويعود بعل في شهر المطر ويموت في نهايته، أما موت، فيعود إلى الحياة حينما يتوقف المطر، ويموت حينما يهطل المطر مرة أخرى. وهذه رؤية ثنوية للإله وجدت طريقها إلى العهد القديم، إذ ينظر إلى الموت باعتباره قوة مستقلة عن الإله، وله رسله (هوشع 13/14، أمثال 16/14). وتوجد عبارات عديدة في العهد القديم يفهم منها أن أعضاء جماعة يسرائيل تصوروا أن الموت ضرب من ضروب العودة إلى الأسلاف والانضمام إليهم (تكوين 49/33، عدد 27/13) وهو تعبير عن الطبقة الحلولية داخل اليهودية باعتبارها تركيبا جيولوجيا تراكميا، ومن هنا الاهتمام بمكان الدفن في اليهودية إذ أصبح من الضروري أن يدفن اليهودي بجوار أسلافه. وقد تأثر مفهوم الموت بعدم الإيمان بالبعث، فكان الموت ينظر إليه (في سفر أيوب مثلا) باعتباره نهاية مطلقة وعدما كاملا وفناء لا يرجى منه شفاء.

(14/280)


وقد ورد في العهد القديم سببان يفسران الموت: الأول أن الإنسان خلق من تراب، ولذا فإنه لابد أن يعود إلى التراب (تكوين 2/7، أيوب 10/9). أما سفر التكوين، فيعطي سببا آخر وهو أن الموت عقاب على الذنوب التي يرتكبها الإنسان وعلى معصية آدم (الأولى) التي طرد بسببها من الجنة، فلم يعد بمقدوره أن يأكل من شجرة الحياة الأزلية (تكوين 3/22 ـ 24). والموت، بهذا المعنى، عقوبة سيرفعها الإله عن الناس في الآخرة، أي في العالم الآخر (الآتي). وكان الموت يعني الذهاب إلى أرض الموتى (شيول) التي لا عودة منها دون أن يكون هناك ثواب أو عقاب. وظهر فيما بعد الإيمان بخلود الروح وبالبعث، وذلك بعد الاحتكاك بالفرس واليونان، وتطورت المفاهيم الأخروية، وتقبل الفكر الحاخامي الموت كحقيقة طبيعية حتمية. وحينما ظهر التفكير القبالي، طرحت قضية الموت مرة أخرى، فالفكر القبالي يرى أن الموت نتيجة خلل حدث في الكون بعد حادثة تهشم الأوعية. وقد حاول الفكر القبالي أن يهون من نهائية الموت، فطرح فكرة تناسخ الأرواح التي تجعل الزمان الإطار المرجعي الأساسي، إن لم يكن الوحيد، والذي تمكن هزيمته عن طريق دورات التناسخ.

(14/281)


وفي العصر الحديث، اتخذ الفكر اليهودي مواقف متفاوتة متضاربة من حقيقة الموت تعكس التناقضات القديمة. وقد عاد الفكر القبالي إلى الظهور من خلال الحاخام الصهيوني إسحق كوك الذي يرى، على طريقة القبالاه اللوريانية، أن الموت ليس حقيقة نهائية يقبلها المؤمن، وإنما هو عيب في الخلق، وعلى الشعب أن يصلح هذا العيب ويزيله وينقذ الطبيعة من الموت بالتوبة والصلاة. ويتفق هذا الموقف تماما مع موقف كوك الحلولي المتطرف. فالحلولية لا يمكن أن تقبل الموت لأن هذا يعني وجود مسافة بين الخالق والمخلوق. وقد كان كوك يرى أن تزايد متوسط عمر الفرد في القرن العشرين إحدى علامات اقتراب زوال الموت، وربما الانتصار النهائي عليه، وهذا اتجاه غنوصي واضح.
الانتحار
Suicide
بالعبرية «إيبود»، ويعد الانتحار، حسب التصور الديني اليهودي، جريمة مثل القتل. ويشير الحاخامات إلى ما جاء في سفر التكوين (9/5) على أنه تحريم للانتحار. ولهذا، فإن المنتحر أو القاتل المحكوم عليه بالإعدام كان لا يدفن في داخل المقابر اليهودية، كما أنه لم تكن تقام من أجله الشعائر الدينية الخاصة بالدفن. ومع هذا، فقد ورد في العهد القديم أربع حالات انتحار، وهي انتحار كل من: شمشون، وشاؤول وحامل درعه، وأحيتوفل. وفي العصر الحديث، قرر الحاخامات أن من ينتحر لا يتمتع بكامل قواه العقلية، ولذلك يمكن دفنه مع بقية الموتى وبالطريقة نفسها التي يدفنون بها.

(14/282)


وتختلف معدلات الانتحار بين اليهود والإسرائيليين باختلاف الظروف الاجتماعية ومعدلات التقدم والتخلف. فقد لاحظ دوركهايم، في أواخر القرن التاسع عشر، أن معدلات الانتحار بين أعضاء الجماعات اليهودية منخفضة قياسا إلى الكاثوليك والبروتستانت. كما لوحظ أن نسبة الانتحار في إسرائيل كانت آخذة في التناقص حتى عهد قريب. ولكن، مع زيادة نسبة الاضطرابات النفسية في الكيان الصهيوني، زادت نسبة الانتحار، فقد بلغ عدد المنتحرين عام 1984 نحو مائتين وسبعين منهم مائتان وأربعون يهوديا، وهي نسبة ليست عالية بالقياس إلى اليابان أو الدول الاسكندنافية المشهورة بارتفاع معدلات الانتحار فيها ولكنها على أية حال أعلى في إسرائيل منها في معظم الدول الغربية. وقد بلغ عدد الذين حاولوا الانتحار وأخفقوا ودخلوا المستشفى للعلاج نحو ألف وأربعمائة، وهذا يشكل نصف العدد الحقيقي لأنه لا يتم عادة الإبلاغ عن محاولات الانتحار. ولا تضم هذه الأرقام حالات الانتحار في الحبس أو السجون. ويقال أيضا إن هذه الأرقام ليست دقيقة لأن الاعتبارات الدينية تجعل بعض الأسر تبلغ عن حادث الانتحار كما لو كان حادثة عادية، كما يقال إن بعض المنتحرين ينفذون انتحارهم بحيث يبدو كما لو كان حادثة حتى لا يسببوا حرجا لأسرهم. وقد لوحظ ارتفاع معدلات الانتحار بين الجنود الإسرائيليين أثناء التورط الإسرائيلي في لبنان. كما انتحر عدد من يهود الفلاشاه بعد استيطانهم فلسطين بسبب عدم تكيفهم مع الأوضاع الجديدة. وبعد الانتفاضة، انتحر أكثر من ثلاثين جنديا خلال عام 1989، وكان معظمهم من الجنود النظاميين (ولذا، فقد أدخل الجيش الإسرائيلي لأول مرة ضباطا متخصصين في الطب النفسي). وتمجد الصهيونية فكرة الانتحار الجماعي. ومعظم الأساطير القومية، مثل أسطورة ماسادا وشمشون بل وبركوخبا، هي أساطير انتحارية. ولذلك، فإن أحد المفكرين الإسرائيليين (يهوشفاط حركبي) سمى النزعة

(14/283)


الانتحارية عند الإسرائيليين «أعراض بركوخبا». ويتحدث الكتاب الغربيون عن «عقدة ماسادا».
الدفن والمدافن
Burial and Burial Places
تتسم العقائد الأخروية «قبيراه» عند اليهود بعدم تحددها أو تبلورها، إذ تتعايش داخل إطارها عدة أفكار غير متجانسة بل ومتناقضة على طريقة اليهودية الجيولوجية، بعضها حلولي بدرجات متفاوتة من الحلول والبعض الآخر توحيدي. ويلاحظ أن شعائر الدفن والمدافن تكتسب أهمية خاصة داخل الإطار الحلولي. وقد دخل على اليهودية بعض المفاهيم البابلية عن أرض الموتى. وحسب هذه المفاهيم، يتوقف مصير الموتى لا على ما اقترفوه من آثام، وما أدوه من حسنات، وإنما على الطريقة المادية للدفن، وهل تمت طقوس الدفن حسب القواعد المرعية أم لا؟ وهل وضع بجوارهم طعام أم لا؟ وتوجد مثل هذه الأفكار في العهد القديم، إذ يجب تقديم طعام للموتى على أن يكون قد دفعت عشوره.
ويؤكد العهد القديم أهمية الدفن، وخصوصا في مقبرة الأسرة (تكوين 47/29 ـ 30، 49/29). وقد اهتم الآباء بمكان دفنهم وأعدوا العدة لذلك. والسير التي وردت في العهد القديم تنتهي دائما بسرد تفاصيل دفن الشخص الذي وردت سيرته. ويعد عدم دفن الجثمان عقوبة قاسية تلحق بصاحبه، ومع هذا لم تكن هناك طريقة عبرانية محددة للدفن إذ استمر العبرانيون في استخدام طرق الدفن السائدة في فلسطين قبل التسلل العبراني. ولم ترد قواعد محددة للدفن في العهد القديم.

(14/284)


لكل ما تقدم، تشغل طقوس الدفن جزءا مهما في اليهودية، وتأخذ أشكالا متنوعة. ويقوم اليهود بغسل موتاهم في أسرع وقت ممكن، ثم يقومون بدفنهم في احتفال يجب أن يتسم بالبساطة بعد أن يتلوا صلاة القاديش. ويستخدم الإشكناز توابيت يدفنون فيها الموتى، أما اليهود الشرقيون فيدفنون موتاهم في الأرض مباشرة كما هي عادة المسلمين. وعادة ما يدفن اليهودي الذي يموت ميتة طبيعية في شال الصلاة (طاليت) الذي كان يستخدمه أثناء حياته. أما من يقتل فيؤخذ بملابسه الملطخة، ويلف بشاله حتى لا يفقد أي جزء من أعضاء جسمه. ويقوم اليهود بختان الطفل الذي يموت قبل أن يختن، ثم يطلق عليه اسم عبري ويدفن.
وهناك عدة طقوس ذات طابع حلولي شعبي مرتبطة بمراسم الدفن، فإحدى صلوات الإشكناز في الجنازة اليهودية كانت تتضمن طلب الغفران من الجثة، وهي عادة ظلت قائمة حتى عام 1887 حينما أوقفها الحاخام الأكبر في إنجلترا. ويلقي السفارد عملات في الجهات الأربع كهدية أو رشوة للأرواح الشريرة. ويدفن اليهود في اليمن وأقدامهم موجهة نحو القدس. وفي ليبيا، إذا كانت أرملة الميت حبلى، فإنهم يرفعون النعش وتمر الأرملة تحته حتى تبين أن الميت هو أبو الجنين الذي تحمله. ولا شك في أن كل هذه العادات متأثر بالمحيط الحضاري الذي يعيش فيه أعضاء الجماعات اليهودية.
وتحظى المدافن اليهودية بالاهتمام نفسه الذي تحظى به طقوس الدفن، وهي تسمى «بيت الأحياء»، كما يطلق عليها أيضا اسم «بيت الأزلية». وتقع المدافن اليهودية عادة خارج حدود المدينة لأن جثث الموتى أحد مصادر النجاسة. ويزور اليهود المقابر في الأعياد ليقدموا الصلوات أمام قبور الموتى حتى يتشفعوا لهم عند الإله. ولابد من دفن جميع اليهود في المكان نفسه بالطريقة نفسها، ويحتفظ بأماكن خاصة في المدافن للعلماء والحاخامات والشخصيات البارزة.

(14/285)


وللدفن في الأرض المقدسة دلالة خاصة (وهذا أمر منطقي في الإطار الحلولي)، فمع حلول الإله في الأرض والشعب، وعدم تجاوزه لهما، فإن الخلود الفردي يتراجع ويحل محله الخلود عن طريق التوحد مع الأمة والأرض. فإبراهيم اشترى لنفسه قبرا في فلسطين، أما موسى فلم يدفن هناك، وقد قلل هذا من شأنه. ولا يزال كثير من أثرياء اليهود في العالم يشترون قطع أرض في إسرائيل ليدفنوا فيها. وجرت العادة خارج فلسطين على أن يرش على رأس الميت تراب يحضر خصيصا من فلسطين. كما أن الحكومة الإسرائيلية وجهت عنايتها البالغة لنقل رفات معظم الزعماء الصهاينة فور إعلان دولة إسرائيل، وبذلت جهدا كبيرا لاسترداد جثث الجنود الإسرائيلين الذي قتلوا أثناء حرب أكتوبر. ولا يجوز إخراج جثة اليهودي المدفونة من الأرض إلا لإعادة دفنها في مدافن العائلة أو في أرض إسرائيل. ويقال في الفلكلور الديني في التلمود إن جثة الميت خارج فلسطين تزحف تحت الأرض بعد دفنها حتى تصل إلى الأرض المقدسة وتتوحد معها.
وقد تحولت المدافن إلى حلبة أساسية للصراع بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية. فالإشكنازي الذي يتزوج سفاردية كان لا يمكن أن يدفن في مدافن السفارد. كما أن السيطرة على المدافن أصبحت من أهم مظاهر الهيمنة الحاخامية في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي حدا بأحد الباحثين إلى القول بأنه إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أنه لا خلاص للمسيحي خارج الكنيسة، فإن المؤسسات اليهودية في أمريكا اللاتينية حولت الدفن في المقابر اليهودية إلى شيء يشبه الخلاص من خلال الكنيسة (لا خلاص خارج المدافن!). وتقوم مجالس الجماعات اليهودية المختلفة بجمع الرسوم الباهظة من أعضاء الجماعة اليهودية. ومع تزايد معدلات العلمنة، بدأت تخف حدة هذا التوتر نظرا لعدم اكتراث كثير من أعضاء الجماعات، في الوقت الحالي، بمكان الدفن أو مراسمه.

(14/286)


وتشكل القداسة والنجاسة مشكلة أساسية في عملية الدفن كما هو متوقع في الإطار الحلولي، وتعبر القداسة (أو انعدامها) عن درجات الحلول الإلهي. فالكهنة، أي أولئك اليهود الذي يفترض أنهم من نسل الكهنة، وهم الذين يعبرون عن الحلول الإلهي بدرجة أعلى من بقية اليهود، يدفنون إما في نهاية صف المقابر أو في الصف الأمامي وعلى بعد أربع خطوات من المقبرة، وذلك حتى يتسنى إقامة حاجز يقي أقارب الميت (وهم أيضا من الكهنة) من الدنس الذي قد يلحق بهم لو لمسوا جثث الموتى من اليهود العاديين أو اقتربوا منها. وعادة لا يجوز دفن اليهود في مقابر غير اليهود. ولكن، إن لم تتوافر مدافن خاصة بهم، فيمكن دفنهم في مقبرة عامة على أن يكون هناك فاصل من أربع خطوات بين مقبرة اليهودي ومقبرة أي من الأغيار (ونلاحظ أن الخطوات الأربع هي أيضا المسافة التي يجب أن تفصل الكاهن عن اليهود العاديين).

(14/287)


ويتبدى الفصل الحاد بين اليهود والأغيار، الذي يشكل مقولة أساسية في اليهودية، في الموقف من مدى قداسة المدافن والموتى أو نجاستها. فمدافن غير اليهود، على عكس مدافن اليهود، لا تدنس الكهنة نظرا لانعدام قداستها. ولا يمكن إزالة مدافن اليهود لأنها مقدسة، أما مدافن العرب والمسلمين وغير اليهود فيمكن هدمها بكل بساطة. وعلى سبيل المثال، أزيلت مئات المقابر في إسرائيل لإقامة هيلتون تل أبيب. ولكن، عندما هدمت الحكومة الأردنية بعض مقابر اليهود على جبل الزيتون، حدث احتجاج على ذلك وبشدة. وقد أثيرت مؤخرا قضية مقابر اليهود في حي البساتين في القاهرة، إذ تقرر بناء طريق سريع حول القاهرة يمر بهذه المقابر، وهو ما سيؤدي إلى نقل بعضها بضعة أمتار. وهناك فتاوى حاخامية تذهب إلى أنه يجوز نقل هذه المقابر، وهناك سوابق لذلك. ومع هذا، قررت المؤسسة الصهيونية تحويل هذه الواقعة إلى مناسبة للصراع، وإلى وسيلة للضغط على الحكومة المصرية، وتأكيد فكرة الشعب اليهودي على حساب السيادة المصرية. فصرح الحاخام هرتس فرانكيل (من بروكلين) بأن المقبرة، حسب العقيدة اليهودية، أكثر قداسة من المعبد اليهودي، وهو أمر قد يكون صحيحا من منظور حلولي يهودي يساوي بين الإله (المعبد) والإنسان (المقبرة) بل يعلي من شأن الإنسان على الإله ومن ثم يعلي من شأن المقبرة على المعبد. ولكن ذلك ليس صحيحا من منظور حاخامي توحيدي معتدل. وقد أضاف الحاخام فرانكيل أيضا أن المقابر اليهودية جزء من التراث اليهودي وتاريخ الشعب اليهودي، فأعطى مضمونا أيديولوجيا للمقابر. وقد جندت المؤسسة الصهيونية بعض رجال الكونجرس للضغط على الحكومة المصرية لبناء كوبري يمر فوق المقبرة بدلا من نقل المقابر. وقد طبع مؤخرا في إسرائيل ما يسمى «محذوفات التلمود» جاء فيه أنه إذا مر يهودي على مقبرة فعليه أن يلقي عليها دعاء بالبركة إن كانت المقبرة مقبرة يهودي، وعليه أن

(14/288)


يلعن أمهات الموتى إن كانت المقبرة لغير يهودي.
وقد غير اليهود الإصلاحيون كثيرا من طقوس الدفن، فأصبح من الممكن دفن الميت بعد يوم أو يومين في ملابس عادية، كما أنهم يصرحون بإحراق الجثة. وفي الآونة الأخيرة، هناك اتجاه أخذ في التزايد نحو إحراق جثمان الميت وذر رماده أو الاحتفاظ به في وعاء خاص، وذلك بسبب تزايد العلمنة، وهي ممارسة يعترض عليها اليهود الأرثوذكس لأنها تتنافى مع الشريعة اليهودية.
وتطبق قوانين الدفن والمدافن تطبيقا كاملا في إسرائيل. وقد أثار أفنيري، في الكنيست، مسألة التفرقة التي تمارسها الدولة في دفن الجنود الإسرائيليين الذين يسقطون أثناء القتال، إذ يدفنون دون تمييز في بادئ الأمر، ثم تقوم دار الحاخامية (سرا) بغرس شجرة أمام القتلى الذين لم تعترف الحاخامية بيهوديتهم، حتى يتم عزلهم عن بقية المدفونين.

(14/289)


وقد أثيرت مؤخرا حادثة جثة تيريزا أنجليلوفيتش، المستوطنة الصهيونية التي هاجرت من رومانيا إلى إسرائيل مع زوجها ودفنت في مقابر اليهود، وقد اختطفت جثتها لدفنها في مقبرة منفصلة، لأنها لم تتهود بالطريقة المعتمدة لدى الحاخامية. وفي نهاية الأمر، أعيد دفنها في مقابر اليهود. وتقدمت شولاميت ألوني باقتراح إنشاء مقابر لليهود العلمانيين مستقلة عن مقابر المتدينين. ومن القضايا التي أثيرت أخيرا، الطلب الذي تقدمت به إحدى أمهات الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا في لبنان بأن يزال من فوق شاهد قبر ابنها عبارة « عملية السلام من أجل الجليل »، وهو الاسم الرسمي للغزو الإسرائيلي للبنان. وقد أشارت الأم إلى أنها لم تكن عملية وإنما كانت حربا، ولم تكن من أجل السلام كما أنها لم تحققه. كما أشارت إلى أن ابنها لم يسقط في الجليل وإنما في لبنان. وطلبت الأم تغيير التاريخ المكتوب على قبر ابنها من التاريخ العبري إلى التاريخ الجريجوري، وقد وافقتها المحكمة على طلبها هذا. ويطلب كثير من أعضاء الجماعات اليهودية أن يدفنوا في إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع ثمن المقابر. وقد لوحظ أن بعض المهاجرين السوفييت يصلون أحيانا ومعهم توابيت لبعض أفراد الأسرة ليدفنوا في فلسطين، ولكنهم يكتشفون أن أسعار المدافن باهظة، وأنهم غير قادرين على دفع الثمن. وتنوي بلدية القدس المحتلة بناء مقابر تابعة لها في الضفة الغربية بالقرب من معليه أدوميم.
التشريح
Autopsy

(14/290)


لا يوجد تحريم واضح لعملية التشريح في العهد القديم. وبحسب ما جاء في القانون الإسرائيلي، يمكن تشريح جثث الموتى إذا لم يطالب بغير ذلك آخر، أو نص الميت على ذلك في وصيته. كما يمكن تشريح الجثث لأسباب قانونية لمعرفة سبب الوفاة أو لأي أسباب أخرى. وقد وافق الحاخام الأكبر على القانون الإسرائيلي، إلا أن ثمة معارضة قوية من جانب بعض الحاخامات الأرثوذكس. وتطرح القضية من آونة إلى أخرى في إسرائيل.
الثواب والعقاب
Retribution, Reward and Punishment
الإيمان بالثواب والعقاب في الآخرة هو إحدى العقائد الأساسية في الطبقة التوحيدية في اليهودية، وهي طبقة واحدة توجد بجوار طبقات أخرى مختلفة عنها من أهمها الطبقة الحلولية. ولذا، لا توجد إشارات واضحة في أسفار موسى الخمسة إلى فكرة الثواب والعقاب، وإن كان ثمة ثواب وعقاب فإنهما يأخذان شكلا قوميا ينصرف إلى الشعب اليهودي ككل، أو إلى الشعوب الأخرى، لا إلى الأفراد. كما أن الثواب والعقاب في العهد القديم عادة ما يتمان داخل الزمان. ولذا، فقد جاء في الوصايا العشر أن طاعة الوالدين تطيل العمر. كما جاء في سفر التثنية: "فإذا سمعتم لوصاياي... أعطي مطر أرضكم في حينه" (11/13 ـ 14). ويثير سفر أيوب قضية معاناة الأبرار وازدهار الأشرار، ومع هذا فإن السفر يحل هذه الإشكالية بالعودة إلى النمط المادي القديم، أي بمكافأة أيوب في هذا العالم. فبعد طول معاناة، وبعد تأملات عدمية تنكر البعث، يقول السفر: "بارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه، وكان له أربعة عشر ألفا من الغنم وستة آلاف من الإبل وألف فدان من البقر وألف أتان، وكان له سبعة بنين وثلاث بنات… ولم توجد نساء جميلات كبنات أيوب في كل الأرض وأعطاهن أبوهن ميراثا بين إخوتهن" (42/13 ـ 15).

(14/291)


ولكن بعد أن أكد الأنبياء فكرة المسئولية الخلقية، أصبح من الصعب تقبل هذا الرأي الخاص بالمكافأة المادية المباشرة في هذا العالم، وظهرت فكرة يوم الحساب، ثم فكرة البعث وفكرة جهنم حيث يعاقب الفرد المخطئ ويثاب المصيب. وقد وضع فقهاء اليهود الثواب والعقاب في إطار أخروي، رغم وجود النصوص التوراتية التي تؤكد أن مسألة الثواب والعقاب الإلهى تتعلق بأمور الدنيا. وقد ساد هذا التفسير بين فقهاء اليهود في العصور الوسطى في الغرب وفي العالم الإسلامي، وإن كان التلمود يضم نصوصا كثيرة هي استمرار للأفكار الحلولية القديمة. ويتعمق التيار الحلولي مع القبالاه التي ترى أن الثواب والعقاب يتمان من خلال تناسخ الأرواح. فإذا كان الإنسان خيرا، حلت روحه في جسد إنسان خير. أما إذا كان شريرا، فإنها تحل في جسد إنسان وضيع أو حتى في جماد أو حيوان.
وعلى كل، فإن فكرة الثواب والعقاب، برغم تحددها وتبلورها في الفكر الديني اليهودي، لم تستبعد الأفكار الأخرى، وبما أن اليهودية تركيب جيولوجي تراكمي يضم الأفكار دون صهرها بحيث تتعايش هذه الأفكار بكل تناقضاتها داخل النسق الواحد. فليس من المستغرب أن يطرح الفكر الديني اليهودي فكرة الثواب والعقاب للنقاش مرة أخرى في العصر الحديث. وقد ذكر كل من كوهلر وكابلان وبوبر أن فكرة الثواب والعقاب لا يمكن أن تؤخذ بشكل حرفي، بل لا تنطبق على الفرد، فهي تنطبق على المجتمع ككل، وبذلك فقد قرنوا فكرة الثواب والعقاب بفكرة التقدم والتخلف، بل إن كابلان يقرن الإله نفسه بالتقدم.

(14/292)


وقد طرحت القضية مرة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية، أي بعد الإبادة النازية ليهود أوربا، وظهر ما يسمى «لاهوت ما بعد أوشفيتس»، وهي عبارة تشير إلى تساؤل أساسي يطرحه الفلاسفة الدينيون اليهود، وهو: هل من الممكن، بعد أوشفيتس، الاستمرار في الإيمان بالإله بعد ما حاق باليهود من عذاب وإبادة؟ وقد تحدث بوبر عن «خسوف الإله». أما ريتشارد روبنشتاين، فقال إنه لم يعد بوسعه أن يقبل المفهوم التقليدي للإله، إذ أن مثل هذا الإله عليه أن يتحمل مسئولية أوشفيتس، باعتبار أن الإبادة النازية لليهود كانت حدثا فريدا في تاريخ اليهود، ورفض أن يكون النازيون هم أداة عقاب الإله. ولقد رد عليهم فاكنهايم فقال إن رفض الفكرة التقليدية للإله يعني انتصار هتلر. وتؤمن الجماعات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة برغم صهيونيتها الواضحة بأن أوشفيتس عقاب إلهي حل باليهود نظرا لرفضهم المسيح عيسى بن مريم. كما أن الحاخام مناحيم إيمانويل هارتوم يرى أن الإبادة النازية عقاب لليهود من الإله على خطاياهم، وحيث إنهم لا يزالون مستمرين فيما هم فيه، فقد يحل بهم العقاب مرة أخرى.
حلقة الأعالي
Academy on High

(14/293)


«حلقة الأعالي» هي ترجمة للعبارة العبرية «يشيفا شيل معلاه». وقد وردت في الأدب الأخروي (إسكاتولوجي)، وخصوصا في العصر التلمودي، فكرة حلولية مفادها أنه توجد حلقة تلمودية (يشيفا) في السماء يترأسها الإله حيث يستمر الأتقياء والعلماء في دراسة التوراة، ومناقشاتهم لها وللقضايا الدينية الأخرى. وفي كل يوم، يطرح الإله تفسيره للتوراة، ويذكر آراء العلماء الآخرين. وتذكر الأجاداه أن المناقشات الحادة كانت تدور بين الإله وأعضاء حلقة الأعالي. ويدرس في هذه الحلقة التلمودية الأطفال الصغار الذين ماتوا قبل أن تتاح لهم فرصة دراسة الشريعة. ولكن لا يدخل هذه الحلقة، من بين الكبار، إلا من درس في الحلقات التلمودية أو المدارس التلمودية العليا على الأرض، أو أولئك الذين لم يدرسوا ولكنهم عاونوا الآخرين على الدراسة.
وقد طور القباليون هذا المفهوم، بحيث أصبح هناك حلقتان: تسمى إحداهما حلقة السماء، وتسمى الأخرى حلقة الأعالي. ويترأس الأولى ملاك، ويترأس الثانية الإله. ويمكن أن ينتقل عضو الحلقة الأولى بعد أن ينجح إلى الحلقة الثانية التي تعد أعلى مرتبة.
وهذه الفكرة الأخروية الطريفة الساذجة هي تعبير حاد عن التيار الحلولي اليهودي في اليهودية الذي يعادل تماما بين الإله والإنسان، وبين الأرض والسماء، بحيث يسقط تناقضات العالم الأرضي وصراعاته وسماته على ما يدور في السماء. وفي صلاة يوم الغفران، يطلب المصلون، قبل تلاوة دعاء كل النذور، أن تسمح لهم هذه الحلقة بإقامة الصلاة مع المخطئين.
الجنة
Paradise

(14/294)


«الجنة» هي الترجمة العربية لكلمة «جن عيدن» العبرية. كما توجد كلمة أخرى في العبرية هي «باراديس» وتعني «جنة». والكلمة من أصل فارسي، وتعني «بقعة يحيط بها سور»، ولعلها ذات صلة بالكلمة اليونانية «باراديوس» التي أصبحت في الإنجليزية «باراديز paradise». ويشكل مفهوم الجنة أحد المفاهيم الأخروية اليهودية المتأخرة. وقد ورد في العهد القديم (سفر التكوين) أن الإله غرس جنة عدن ليقطن فيها آدم وحواء. وهذه الجنة بقعة جغرافية في هذا العالم. والواقع أن اليهودية الأولى، أي عبادة يسرائيل الحلولية، لم تعرف الحياة الآخرة أو العالم الآخر أو البعث. وثمة مشاكل عديدة في قصة جنة عدن هذه تتعلق بشجرة الحياة والمعرفة ودلالتها الرمزية. ومفهوم جنة عدن هو أصل مفهوم الفردوس الأرضي (الموجود بعيدا في الشرق) الذي يقطن فيه الصالحون.

(14/295)


وقد تطور مفهوم الجنة مع تطور المفاهيم الأخروية الأخرى، وظهرت مفاهيم مثل: العالم الآخر (الآتي)، والمستقبل، والعصر المشيحاني، وكلها مفاهيم تدور حول فكرة الفردوس (وإن كان هذا الفردوس فردوسا أرضيا داخل الزمان). ومع ظهور فكرة البعث وفكرة الثواب والعقاب الفرديين، صارت فكرة الجنة مرتبطة بهذه الأفكار وأصبحت جنة عدن "حديقة في العالم الآخر". بل ذهب بعض الحاخامات، لحل مشكلة الثنائية بين جنة عدن والجنة أو الفردوس الأرضي والفردوس السماوي، إلى أن جنة عدن نقلت إلى السماء. ومع هذا، لم يتبلور المفهوم تماما، واختلط بمفهوم العالم الآتي وتداخل مع المفاهيم الفردوسية الأخرى. وهكذا، فإننا نجد أن الفكر القبالي يجعل الجنة (باراديس) في متناول العارفين بالقبالاه الذين يصلون إلى معنى التوراة الخفي، فيخترقون سطح توراة الخالق ليصلوا إلى توراة الفيض، ومن هنا ذهب القباليون إلى أن بارديس هي التفسير المتعمق للتوراة. والحروف المكونة لكلمة «بارديس» هي الحروف الأولى لمستويات التفسير الأربعة: ب = بيشاط (حرفي)، ر = ريميز (رمزي)، د = ديراش (وعظي)، س = سود (باطني أو صوفي حلولي). وفي العصر الحديث، تخلى الفكر الديني اليهودي عن هذه الفكرة تماما، وهي لم تكن في أي وقت إحدى العقائد الأساسية.
أرض الموتى (شيول)
Sheol
«أرض الموتى» ترجمة لكلمة «شيول» العبرية التي تستخدم كاسم علم، وهي مجهولة الأصل وتأتي دائما في صيغة المؤنث وبدون أداة تعريف ولا تظهر في اللغات السامية الأخرى. وتشير الكلمة إلى مكان يسكن فيه الموتى. وقد أشير إليه بأسماء أخرى، مثل «عفر»، أي «تراب»، و«جفر»، أي «قبر»، كما استخدمت عبارات شتى للإشارة إليه مثل «مكان السكنى»، و«أماكن الأرض السفلى»، و«أرض الظلمة». وتقع شيول إما تحت الأرض، أو تحت الماء، أو تحت قاعدة الجبال، وأحيانا تصور على هيئة تنين مخيف.

(14/296)


وتعتبر شيول مكانا محايدا، أي أنه لم يكن مكانا للثواب والعقاب يتساوى فيه الملوك والعامة والأثرياء والفقراء والسادة والعبيد والأخيار والأشرار، بل هو يكاد يكون مجرد مكان للدفن. ورغم أن الإله يتحكم (حسب التصور اليهودي) في العالمين العلوي والسفلي، فإن الموتى لا يمكنهم التواصل معه أو التسبيح له (مزامير 115/17)، ذلك أنهم قد انحدروا إلى أرض السكون. ومع هذا، فيمكن استدعاء الموتى من هناك ليجيبوا عن أسئلة الأحياء. وشيول تشبه في كثير من النواحي عالم الأراللو أو عالم الظلمات في بلاد أرض الرافدين، فهو عالم مظلم لا حساب فيه وينسى من ينزل إليه.
ومفهوم كلمة «شيول» مفهوم منطقي في السياق الحلولي الوثني للعهد القديم وعبادة يسرائيل، فالديانة القديمة ترى أن الجسد والروح شيء واحد، وأن الحياة الآتية امتداد للحياة الحالية. ولذا، فإن حياة ما بعد الموت، إن وجدت، فليست إلا صورة شاحبة لهذه الحياة تتسم بنوع من نقصان الحيوية. وحين يموت المرء، تذهب روحه وجسده إلى أرض الموتى.
وقد تطور هذا المفهوم فيما بعد، في فترة ما بعد السبي البابلي حين ظهرت فكرة الثواب والعقاب الفرديين، بحيث أصبحت شيول المكان الذي ينتظر فيه الموتى يوم الحساب حين يبعثون ليحاسبوا. ولذا، فقد قسمت شيول إلى أقسام مختلفة، ينتظر الأخيار في مكان خاص بهم، وينتظر الأشرار في أماكن أخرى مختلفة كل حسب درجة شره. ومن هنا، تداخل مفهوم كلمة «شيول» مع مفهوم كلمة «جيهنوم» (جهنم) وهو مكان العذاب الدائم للمذنبين.
جهنم
Hell

(14/297)


«جهنم» من الكلمة الآرامية «جيهينوم»، ويقابلها في العبرية كلمة «جي بني هنوم»، أي «وادي أبناء هنوم». و«جهنم» أحد المفاهيم الأخروية اليهودية، ولم يظهر إلا متأخرا. فقد ظهرت في بداية الأمر كلمة أرض الموتى (شيول)، وهي كلمة ذات مفهوم محايد غير مرتبط بالثواب والعقاب أو البعث والحساب. ومع تطور الفكر اليهودي من الحلولية إلى التوحيدية، ودخول أفكار خلود الروح الفردي والبعث والحساب، تطور مفهوم أرض الموتى لتعبر عنه كلمة «جهنم»، أي «المكان الذي سيعاقب فيه الأشرار». وكان المعروف أن عقاب المذنبين سيتم داخل الزمان، ولذا كان يشار إليه باعتباره «الوادي الملعون»، ثم تحول إلى المكان الذي سيعاقب فيه الآثمون بعد البعث.
ومع هذا، ظل المفهوم قلقا غير محدد، مثله مثل معظم المفاهيم الأخروية، فليس من المعروف ما إذا كان الآثمون سيدخلون جنهم بعد البعث أم بعد الموت؟ ولم يحدد الفكر الديني مدى العقوبة، فثمة رأي يذهب إلى أن الآثمين من جماعة يسرائيل سيعاقبون مدة عام، ثم تباد أرواحهم بعد ذلك. وذهب الحاخام عقيبا إلى أنهم سيذهبون إلى الجنة بعد قضاء فترة العقوبة. وكان الرأي يذهب إلى أن كل أعضاء جماعة يسرائيل، باستثناء قلة مذنبة صغيرة، سيكون لهم نصيب في الآخرة أو العالم الآخر (الآتي). ويقال إن إبراهيم سيقف عند باب جهنم وينقذ من دخولها المختونين من نسله. وسيستريح كل المذنبين من العذاب، ومن ضمنهم غير اليهود، يوم السبت. وقد أنكر بعض حاخامات فلسطين وجود جهنم وقالوا إن أرواح الأشرار ستباد تماما يوم الحساب. وفي العصر الحديث، أسقط كثير من المفكرين الدينيين اليهود فكرة جهنم تماما. وقد كان الأمر بالنسبة إليهم يسيرا لأنها لم تصبح قط ضمن العقائد اليهودية المستقرة.
الملائكة
Angels

(14/298)


«الملائكة» صيغة جمع عربية لكلمة «ملاك» التي تقابلها «ملاك» العبرية ومعناها «مرسل» لأداء «مل آخاه» أي «مهمة» أو «بعثة». ويمكن القول بأن الملائكة داخل إطار حلولي تختلف تماما عنها داخل إطار توحيدي، فهم داخل الإطار التوحيدي رمز للغيب وتعبير عن قدرة الإله اللانهائية التي تتجاوز مقدرات البشر وإدراكهم. أما داخل الإطار الحلولي، فالأمر جد مختلف، فهم ليسوا رسل الإله وحسب وإنما هم جزء منه ووسطاؤه. ولذا، يشار إلى الملائكة في التراث الديني اليهودي باعتبارهم «بنو إلوهيم» أو «بنو إليم»، أي «أبناء الإله» أو «قيدوشيم»، أي «المقدسون»، وأحيانا «إيش»، أي «رجل». أما أسماء مثل: «آرئيليم»، أو «كروبيم» أو «سيرافيم» أو «أوفانيم»، فتستخدم للإشارة إلى الملائكة المرتبطين بالعرش أو المركبة الإلهية. وقد عرف الشرق الأدنى القديم آلهة مجنحة لها رؤوس بشر ذكور وإناث، هي التي تظهر أمام القصور الآشورية، كما عرفتها العبادة الكنعانية.
ويظهر الملائكة في الأجزاء الأولى من العهد القديم على هيئة بشر. وهم يضطلعون بوظائف عديدة، من بينها حماية العبرانيين أثناء خروجهم من مصر وأثناء تجوالهم في البرية، ويفسرون لزكريا ودانيال الرؤى (أبوكاليبس) التي شاهدها. كما أنهم يقومون بعقاب المذنبين، مثلما فعلوا عند تحطيم سدوم وعموراه. وهم يحيطون بالعرش الإلهي، ومنهم أيضا الجوقة التي تسبح للإله. ومن أهم أحداث العهد القديم، حادثة الصراع بين يعقوب والملاك (الذي ظهر فيما بعد أنه الإله)، وقد صرعه يعقوب، وسمي «يسرائيل»، أي «الذي تصارع مع الإله» أو «من صرع الإله». ويرتكب الملائكة الحماقات، فقد ورد في العهد القديم (تكوين 6/1ـ 2): "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أن أبناء الإله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا".

(14/299)


وبعد العودة من بابل ترسخ مفهوم الملائكة في العقيدة اليهودية، وأصبح للملائكة أسماء وطبقات. وقد تزايد عددهم وتزايدت أسماؤهم في كتب الرؤى (أبوكاليبس)، وظهرت فكرة رئيس الملائكة الذي سقط. ومع هذا، فقد استمرت فرق مثل الصدوقيين في إنكار الملائكة، وهو جزء من إنكارها لفكرة البعث والإله المتجاوز للطبيعة والتاريخ.
والإيمان بالملائكة داخل الإطار الحلولي هو إحدى العقائد الأساسية في التلمود. وقد تعمق الاهتمام بهم مع ظهور التراث القبالي ووصوله إلى ذروته، وهو تعبير عن هيمنة الحلولية. ويضم كتاب الزوهار، وغيره من الكتب القبالية، قوائم طويلة بأسماء الملائكة، ومهمة كل واحد منها والوقت الذي يزداد فيه نفوذ كل ملاك ومكانه في الأبراج السماوية. وقد استخدمت أسماؤهم في القبالاه العملية، في إعداد التمائم والتعاويذ المختلفة. بل يصبح الملائكة، شأنهم في هذا شأن عزازيل، قوى مستقلة عن الذات الإلهية، أي آلهة صغيرة لها إرادة مستقلة تقف على باب السماء تمنع دخول أدعية البشر للإله، ولذا يحاول اليهود خداعهم. ولاتقاء شرهم، يتلون بعض الأدعية في صلاة الصباح بالآرامية بدلا من العبرية. وحينما يسمع الملائكة الأدعية بالآرامية، فإنهم يحتارون في أمرها. وأثناء حيرة حارس بوابة السماء، تدخل الأدعية الأخرى دون أن يدري.

(14/300)


وقد اتهم اليهود بأنهم من عبدة الملائكة من فرط اعتمادهم عليها وتضرعهم لها. ولا يزال كتاب الصلوات الأرثوذكسي يتضمن تضرعات موجهة إلى الملائكة، مثل تلك الموجهة إلى ملاك الرحمة (ملآخ هارحيم). أما أنشودة "شالوم عليخم مل آخي هاشاريت"، أي "السلام عليكم يا ملائكة العون"، فهي تنشد في المعبد أو في المنزل بعد صلاة المساء. وتتضمن الصلاة الإضافية (موساف) التي تتلى في السبت والأعياد في المعابد الأرثوذكسية تضرعا إلى الملائكة، وكذا الأدعية التي تتلى أثناء نفخ الشوفار في احتفال رأس السنة. هذا على الرغم من أن موسى بن ميمون أدان أية صلاة لغير الإله.
وقد استبعدت كتب اليهودية الإصلاحية أية إشارة إلى الملائكة تقريبا، كما استبعدت اليهودية المحافظة معظمها، وخصوصا تلك الصلوات ذات الأصل القبالي. وقد احتفظ الأرثوذكس بطقوس الصلوات القديمة، دون أن يضفوا أهمية غير عادية على الكلمات والفقرات الصوفية كما كان الحال في الماضي.
وقد أثيرت مؤخرا (في إسرائيل) قضية خاصة بالملائكة، إذ صنع المثال الإسرائيلي إدوارد لفين ثلاثة تماثيل للملائكة لتزيين دار البلدية في القدس، ولكنه نظرا لأنه نشأ في روسيا جعل الملائكة تشبه تلك التي تظهر في الأيقونات البيزنطية، وقد طلب إليه تهويدها فأضاف إليها نجمة داود!
الكروب (الملائكة)
Cherub; Kerub

(14/301)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية