صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية
المؤلف : عبد الوهاب المسيري
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : موقع صيد الفوائد
www.saaid.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بتنسيقه و فهرسته أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - لملتقى أهل الحديث

لها».
السبت
Sabbath
«السبت» الترجمة العربية لكلمة «شايات» العبرية المشتقة من كلمة «شبتو» البابلية التي كان يستخدمها البابليون للإشارة إلى أيام الصوم والدعاء، وإلى مهرجان القمر المكتمل (البدر). والسبت هو العيد الأسبوعي أو يوم الراحة عند اليهود، ويحرم فيه العمل. وبحسب ما يقوله الحاخامات، فإن الإله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع. ولذلك، فإنه بارك هذا اليوم وقدسه، وحرم فيه القيام بأي نشاط. وقد جاء أكثر من نص صريح في التوراة يفيد هذا المعنى (تكوين 2/1 ـ 3). ويرى آخرون أن تحريم العمل يوم السبت يعود إلى أن الإنسان ند للإله وشريك في عملية الخلق، فالإله عمل ثم استراح، والإنسان يعمل بدوره في الخلق ثم عليه أن يستريح، وهذا تعبير عن الطبقة الحلولية في التركيب الجيولوجي اليهودي. ويرى فريق ثالث أن تقديس السبت إحياء لذكرى خروج اليهود من مصر وتخليصهم من العبودية. وتؤكد أسفار موسى الخمسة، في غير موضع، ضرورة الحفاظ على شعائر السبت كعهد دائم بين الإله وجماعة يسرائيل. وبذا يصبح السبت إحدى علامات الاصطفاء، وإقامة هذه الشعائر يعجل بقدوم الماشيح.

(14/71)


ولم يكن عند اليهود خطيئة تفوق عدم المحافظة على شعائر السبت إلا عبادة الأوثان. ولهذا، فإن عقوبة خرق شعائر السبت الإعدام رجما. ويحرم على اليهودي، يوم السبت، أن يقوم بكل ما من شأنه أن يشغله عن ذكر الإله، مثل العمل وإيقاد النار، وضمن ذلك النار التي توقد للطهو أو التدفئة. وكذلك يحرم السفر، بل المشي مسافة تزيد على نصف ميل، ويحرم كذلك إنفاق النقود أو تسلمها، كما تحرم الكتابة. كذلك يرى البعض أن اليهودي المتمسك بتعاليم دينه لا يخرج من بيته يوم السبت، إلا وقد تأكد من أن جيوبه ليس فيها أقلام، أو أوراق أو نقود أو كبريت، إذ يجب ألا يحمل أي شيء سوى التوراة، أو كتاب الصلوات (غير أن جابوتنسكي يشير إلى أحد الحاخامات الذين أحلوا حمل التوراة والسيف معا في يوم السبت لأنهما أرسلا معا من السماء). وفي التلمود جزء كامل عن الأفعال المحرم على اليهودي القيام بها يوم السبت.
وتبدأ الاحتفالات بالسبت منذ دخوله قبل غروب شمس يوم الجمعة ببضع دقائق، وتنتهي بخروجه عشية الأحد، فتشعل ربة البيت شمعتين (شموع السبت)، وتضع على المائدة رغيفين لكل وجبة من الوجبات الثلاث. والرغيفان ذكرى للطعام الذي أرسله الإله لجماعة يسرائيل في البرية، ويكونان على شكل جدائل رمزا لإكليل العروس (إذ أن السبت يرمز له بالعروس في التراث القبالي). كما تعد ربة البيت الوجبات نفسها مقدما لأن العمل محرم في ذلك اليوم. ويغطى الطعام بالمفرش، ثم يأتي الأطفال فيباركهم الأبوان، ثم تمسك ربة البيت بكأس الخمر وتقرأ دعاء مقدم السبت (قيدوش) ثم تبارك التوابل أضواء الشموع. وتختتم الاحتفالات بقراءة دعاء انتهاء السبت (هافدالاه).

(14/72)


وقد تحول الاحتفال بالسبت في التراث القبالي إلى أهم الاحتفالات وأكثرها دلالة ورمزية إذ اعتبروه شكلا من أشكال الزواج المقدس بين الملك/العريس/الشمس/الإله/التفئيريت من جهة والملكة/العروسة/القمر/الملكوت (أي الشخيناه أو كنيست يسرائيل) من جهة أخرى. ويعد يوم السبت يوم القبالاه بالدرجة الأولى. وقد كان الاحتفال بمقدمه يشبه الزفاف، وكانت ليلة السبت الليلة التي يعاشر الإله فيها «بستان التفاح المقدس» لينجب أرواح الصالحين (أي اليهود). وكان القباليون في صفد يخرجون ظهيرة يوم الجمعة بملابسهم البيضاء إلى حقل يقع خارج المدينة وينتهي إلى بستان «التفاح المقدس» انتظارا للعروس، يغنون بعض المزامير وكذلك نشيد الأنشاد. وعند مساء السبت، يتم إنشاد الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر الأمثال وكأنه أنشودة زفاف.
وقد كبلت شعائر السبت اليهود أيما تكبيل، وهو ما اضطرهم إلى الانعزال عن الآخرين والتكتل في جماعات طائفية منغلقة. لكن اليهود كانوا يتخطون على الدوام كثيرا من التحريمات من خلال التحلة (التصريح) والرخصة التي تأخذ شكل التفاف حول الشريعة عن طريق فتوى يصدرها أي من الفقهاء اليهود. فمثلا يقوم بعض اليهود بوضع طعام يوم السبت على بعد نصف ميل من منزلهم، وبالتالي يصبح هذا المكان هو منزلهم، ويمكنهم من ثم أن يسيروا مسافة نصف ميل أخرى. كما يقوم اليهود أحيانا باستخدام الأغيار في القيام بالأعمال المحرمة مثل إيقاد النار، وهذا ما يطلق عليه «جوي السبت». وتقوم القوات المسلحة الإسرائيلية باستئجار عرب للقيام بهذه المهمة. ولما كان من الواجب على اليهودي ألا يطلب من غير اليهودي القيام بالمهمة بشكل مباشر، فإنه يلمح إلى ذلك وحسب، فإن أراد أن يشعل نارا للتدفئة قال: «الجو بارد هنا». وهناك أشكال أخرى للتحلة يمارسها اليهود في إسرائيل وخارجها.

(14/73)


كما أفتى أحد الحاخامات أنه لا مانع من أن تقوم القرود أو الكلاب المدربة على إطفاء الأنوار (يوم السبت) والقيام بأعمال منزلية أخرى، إذا لم تكن هذه الحيوانات من ممتلكات العائلة (ففي هذه الحالة تعتبر جزءا من الأسرة) وعليها أن ترتاح مع باقي أعضاء الأسرة.
وقد حاولت اليهودية الإصلاحية التخفيف من التطرف في الاحتفال بيوم السبت. أما في إسرائيل، فقد صدر قانون العمل عام 1956 وهو ينص على أن السبت يوم الراحة الأسبوعية. ويتفاوت الإسرائيليون في اتباع تعاليم السبت من مكان إلى آخر بحسب قوة أو ضعف الأحزاب الدينية داخل المجالس المحلية. فمثلا تفتح المقاهي في تل أبيب طيلة يوم السبت، في حين تغلق أبوابها نهائيا في القدس، وإن كان الوضع قد بدأ يتغير في الآونة الأخيرة مع تصاعد معدلات العلمنة. وفي بناي براك، يمنع النقل العام وتسد جميع الشوارع ولا يسمح بأي مرور، في حين تجرى عمليات المرور والنقل العام في حيفا كالمعتاد في أي يوم من أيام الأسبوع. وتزيد إذاعة إسرائيل من بث نشرات الأخبار بعد غروب يوم السبت حتى يستمع إليها من فاته سماعها طيلة اليوم، فالاستماع إلى الإذاعة محرم في ذلك اليوم المقدس. كما تمنع إذاعة أنباء الموتى أو حوادث موت في ذلك اليوم. ويقال إن نحو ربع السكان يقيمون شعائر السبت كاملة، ولكننا نعتقد أن هذا رقم مبالغ فيه، وفي الغالب سنجد أنهم يقيمون بعض شعائر السبت وحسب.

(14/74)


وقد أثيرت قضية السبت على المستوى القومي في إسرائيل أثر قيام عمدة بتاح تكفا بإصدار قانون محلي يسمح لدور العرض ومؤسسات التسلية بالعمل مساء الجمعة ويوم السبت. وقد اعتبر المتدينون هذا القانون تعديا على سياسة الأمر الواقع التي يأخذ بها كبار الصهاينة، وهي المحافظة في مجال الأمور الدينية على الوضع القائم في فلسطين إبان عهد الانتداب، وهو وضع يسمح في حالة بتاح تكفا بمشاهدة مباريات كرة القدم، ولكن لم يكن يسمح بمشاهدة العروض السينمائية.
وهذا الاتفاق يشكل حقيقة أساس التحالفات الوزارية بين الدينيين واللادينيين. لكن طرح قضية السبت والقضايا المشابهة، مرة ومرات، سيفجر قضايا مبدئية نجح الصهاينة في تسكينها منذ بداية الحركة الصهيونية مثل هوية الدولة الصهيونية الدينية ومصدر شرعيتها وتشريعها. ولا يحتفل بيوم السبت، على الطريقة الدينية، سوى 5% فقط من يهود الولايات المتحدة. أما الباقون، فيعتبرونه جزءا من عطلة نهاية الأسبوع (الويك إند week end) يمارسون فيه هواياتهم وكل ما تشتهيه أنفسهم. وتحتفل بعض الجماعات البروتستانتية المتطرفة، مثل الأدفنتست، بالسبت.
دعاء مقدم السبت (قيدوش)
Kiddush
«دعاء مقدم السبت» عبارة تقابل كلمة «قيدوش» العبرية والتي تعني «تقديس».والقيدوش دعاء يتلى احتفالا بمقدم يوم السبت والأعياد اليهودية. وتتلى الأدعية فوق كأس من الخمر قبل تناول الطعام،ويقوم رب الأسرة بترتيل الدعاء،ثم يجيب الجميع قائلين «آمين».
ويقابل دعاء القيدوش دعاء الهفدالاه الذي يعلن نهاية شعائر السبت. ولا يزال دعاء القيدوش جزءا أساسيا من الشعائر الأرثوذكسية والمحافظة، ويحافظ عليه أيضا اليهود الإصلاحيون.
دعاء انتهاء السبت (هفدالاه)
Havdalah

(14/75)


«دعاء انتهاء السبت» هي المقابل العربي لكلمة «هفدالاه» العبرية ومعناها «تمييز». والهفدالاه عبارة عن دعاء يأخذ شكل ابتهالات تتلى على النبيذ والتوابل الشمع احتفالا بانتهاء شعائر السبت، وهي بذلك تقابل القيدوش الذي تبدأ به الشعائر. وأهم الابتهالات هي تلك التي تشير إلى التمييز بين اليوم المقدس الذي سينتهي واليوم العادي الذي سيبدأ، وبين النور والظلام، وبين اليهود والأغيار، وبين يوم الراحة المقدس وأيام العمل الستة الأخرى. وليس بإمكان اليهودي أن يستأنف نشاطه العادي إلا بعد تلاوة هذا الدعاء. ويبدو أن الدعاء يعود إلى أيام المجمع الأكبر.
الصوم
Fasting

(14/76)


كلمة «صوم» العربية تقابلها في العبرية كلمة «تسوم» وتستخدم كلمة «تعنيت» مرادفا لها في اللغة العبرية. ويصوم اليهود عدة أيام متفرقة من السنة أهمها صوم يوم الغفران (في العاشر من تشري) وهو الصوم الوحيد الذي ورد في أسفار موسى الخمسة، حيث جاء فيها: «تذللون نفوسكم» (لاويين 23/27). وقد أخذت هذه العبارة على أنها إشارة إلى الصوم. ولكنها أساس للكلمة التلمودية «تعنيت» التي تفضل كلمة «صوم». وثمة أيام صوم عديدة أخرى مرتبطة بأحزان جماعة يسرائيل وردت في كتب العهد القديم الأخرى. ومعظم هذه الأيام مناسبات قومية ومن أهمها التاسع من آب، يوم هدم الهيكل (خراب الهيكل في المصطلح الديني) الأول والثاني، والسابع عشر من تموز الذي يصوم فيه اليهود بسبب مجموعة من الكوارث القومية وردت في التلمود، فهو اليوم الذي حطم فيه موسى لوحى الشريعة، وهو اليوم الذي نجح فيه تيتوس في تحطيم حوائط القدس، ودخل فيه نبوختنصر إلى المدينة، وحرق فيه الجنرال السوري إتسونيوموس لفائف الشريعة، وأقام فيه بعض الحاخامات أوثانا على جبل صهيون. كما يصوم اليهود العاشر من طيبت، وهو اليوم الذي بدأ فيه نبوختنصر حصارالقدس. ويصومون كذلك الثالث من تشري، وهو ما يعرف باسم «تسوم جداليا» لإحياء ذكرى حاكم فلسطين الذي ذبح بعد هدم الهيكل. ويصوم اليهود أيضا في الثالث عشر من آذار صوم «تعنيت إستير» أو «صيام إستير»، ويقع قبل عيد النصيب.

(14/77)


وقد قرر الحاخامات أيام صيام أخرى إضافية من بينها صيام أسابيع الحداد الثلاثة، بين السابع عشر من تموز والتاسع من آب، باعتبارها الفترة التي نهب الجنود الرومان أثناءها الهيكل والقدس، وأيام التكفير العشرة (بين عيد رأس السنة ويوم الغفران)، وأكبر عدد ممكن من الأيام في أيلول، وأول يومي اثنين وخميس من كل شهر، وثاني يوم اثنين بعد عيد الفصح وعيد المظال. وقد فسر هذا الصوم بأنه تكفير عما قد يكون المرء قد ارتكبه من إفراط أثناء العيدين السابقين. ويصومون السابع من آذار باعتباره تاريخ موت موسى، يوم الغفران الصغير (يوم كيبور قاطان)، وهو آخر يوم من كل شهر. كما يمكن أن يصوم اليهودي في أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، فهي الأيام التي تقرأ فيها التوراة في المعبد.

(14/78)


وإلى جانب أيام الصيام التي وردت في العهد القديم، والتي قررها الحاخامات توجد أيام الصيام الخاصة. فيصوم اليهودي في ذكرى موت أبويه أو أستاذه، كما يصوم العريس والعروس يوم زفافهما. وفي الماضي، كان اليهودي يصوم بعد رؤيته كابوسا في نومه. وإذا سقطت إحدى لفائف التوراة كان من المعتاد أن يصوم الحاضرون. وكان أعضاء السنهدرين يصومون في اليوم الذي يحكمون فيه على شخص بالموت. هذا ويصوم أعضاء الناطوري كارتا يوم عيد استقلال إسرائيل باعتباره يوم حداد عندهم. وفي صوم يوم الغفران والتاسع من آب يمتنع اليهود عن الشراب وعن تناول الطعام أو الجماع الجنسي، كما يمتنع اليهود عن ارتداء الأحذية الجلدية لمدة خمس وعشرين ساعة من غروب الشمس في اليوم السابق حتى غروب الشمس في يوم الصيام. أما أيام الصوم الأخرى، فهي تمتد من شروق الشمس حتى غروبها ولا تتضمن سوى الامتناع عن الطعام والشراب. وفي الماضي، كان الصائمون يرتدون الخيش ويضعون الرماد على رؤوسهم تعبيرا عن الحزن. وإذا وقع يوم الصيام في يوم سبت، فإنه يؤجل إلى اليوم التالي ما عدا صيام عيد يوم الغفران. هذا ولا يعترف اليهود الإصلاحيون بأي من أيام الصيام هذه، كما أن معظم يهود العالم داخل وخارج فلسطين لا يقيمون هذه الشعيرة ولا حتى في يوم الغفران.
صوم العاشر من طيبت
Fast of the Tenth of Tevet
«صوم العاشر من طيبت» ترجمة لعبارة «عسيريت بطيبت»، وهو صوم يقيمه اليهود في العاشر من طيبت بمناسبة حصار نبوختنصر للقدس، وهدمه الهيكل عام 587 ق.م.
التحلة
Dispensation; Heter

(14/79)


«التحلة» تقابلها في العبرية كلمة «هيتر» ومعناها الحرفي «تصريح» أو «رخصة» أو «إجازة». والتحلة تأخذ شكل التفاف حول الشريعة عن طريق فتوى يصدرها أحد الفقهاء اليهود، تسمح بإلغاء بعض الأوامر الدينية أو تسمح بالتساهل في تطبيقها استنادا إلى تحويرات شكلية حتى يتم التغلب على صعوبة أو ربما لاستحالة التطبيق الحرفي لأحد الأوامر والنواهي. ومن الناحية النظرية، لا يمكن تطبيق نظام التحلة إلا على التشريعات الحاخامية وحدها دون الشرائع التي وردت في التوراة. ولكن، من ناحية التطبيق، نجد أن الأمر مختلف، كما هو الحال في تحلة البروزبول التي أصدرها هليل حتى يتسنى جمع الديون حتى في السنة السبتية.
وقد أصدر الحاخامات، عبر التاريخ، كثيرا من التحلات مثل: بيع أرض فلسطين للأغيار بشكل صوري في السنة السبتية، إذ أن من المحرم على اليهود زراعتها في هذا العام (طالما كانت حكومتها يهودية)، وبعد انقضاء السنة السبتية يمكنهم أن يشتروها مرة أخرى. كما تباع خميرة إسرائيل قبل عيد الفصح، ثم يعاد شراؤها بعد انقضائه لأن اليهود محرم علىهم الاحتفاظ بخميرة في منازلهم أثناء هذا العيد.
ومن القوانين الدينية، تحريم دفع أجر عن عمل يتم القيام به يوم السبت، وقد خلق هذا التحريم مشكلة للحاخامات في العصر الحديث إذ أنهم يعملون يوم السبت أساسا. ويتم التحايل على هذا الحظر عن طريق دفع رواتب الحاخامات أول الشهر وأول العام. وينص في العقد على أن الأجر يدفع لهم عن الأعمال التي يقومون بها في كل أيام الأسبوع ما عدا السبت. ولكن الراتب في الواقع يدفع لهم نظير كل ما يقومون به من أعمال، وضمن ذلك يوم السبت. أما بالنسبة إلى العلماء التلموديين، فالمسألة أكثر صعوبة لأن التلمود يحظر تلقي أي أجر. ولذا، فإن رواتبهم هي نوع من التعويض عن التعطل (بالعبرية: «دمي بطالاه» أي «رسوم بطالة» أو «سخار بطالا» أي «راتب بطالة»).

(14/80)


ومن أهم أشكال التحلة، تلك الخاصة بيوم السبت. فهناك «جوي شايات»، وهو فرد من الأغيار يقوم بالأعمال المحرمة على اليهودي يوم السبت، مثل إيقاد النار. وهناك أشكال أخرى من التحلة دون اللجوء إلى الأغيار. فعلى سبيل المثال، يحرم حلب الأبقار يوم السبت، فكان يستعان بالعرب للقيام بذلك. ولكن بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين، حاول المستوطنون الالتزام بفكرة العمل العبري (أي استخدام عمال يهود وحسب واستبعاد العمال العرب)، وكان لابد من التحايل على التحريم دون اللجوء إلى العرب، فأصدر بعض الحاخامات الصهاينة فتوى مفادها أن التحريم ينصرف إلى اللبن الأبيض ولكنه لا ينطبق على اللبن الأزرق. ومن ثم، كان اللبن يصبغ باللون الأزرق، ويستخدم في صنع الجبن، وأثناء ذلك تزال الصبغة الزرقاء. وقد تم فيما بعد التوصل إلى تحلات أخرى أكثر حذقا وصقلا. فعلى سبيل المثال، يحل حلب البقرة يوم السبت إذا كان ذلك ضروريا لإراحتها، شريطة أن يدع اليهودي اللبن يسقط على الأرض. فعملت الكيبوتسات الدينية على التحايل على هذا الوضع بأن يدخل أحد أعضاء الكيبوتسات إلى الحظيرة ويضع دلوا أسفل البقرة، ثم يدخل آخر بعده وهو يتعمد ألا يرى الدلو، ويقوم بحلب البقرة لإراحتها تاركا اللبن يسقط على الأرض في الدلو الذي لم يشاهده!
ومحرم على اليهودي أخذ الربا من اليهودي. ولذا ظهر ما يسمى «هيئر عسقاه» وهي عبارة تعني حرفيا «تحلة الصفقة» أي «تحلة التعامل المالي». وهذه التحلة تأخذ الشكل التالي:
أ ) الخطوة الأولى: إذا أراد اليهودي أن يقرض يهوديا آخر بربا، فإن القرض سيسمى استثمارا، وسوف يقال إن طرفا أول سيستثمر نقوده لدى طرف ثان، وعليه أن يتعهد بدفع نسبة مئوية تسمى أرباحا (ولكنها في واقع الأمر فائدة).

(14/81)


ب) الخطوة الثانية: يقوم الطرف الأول (الدائن) بإعفاء الطرف الثاني (المقترض) من دفع الأرباح، إن خسرت العملية الاستثمارية. ولكن هذه الخطوة الثانية الضرورية لجعل العملية مباحة شرعا لا يمكن اتخاذها إلا في حضور أحد الحاخامات وبشهادته. وحيث إن الدائن يخشى اتخاذ هذه الخطوة الثانية، فإن الحاخام عادة ما يرفض تأدية هذه الشهادة بناء على ترتيب سابق. ومن ثم، تبقى عملية الإقراض بالربا قائمة. وتكتب تفاصيل هذه العملية بخطوتيها الأولى والثانية بالآرامية وتعلق على حائط الغرفة التي يتفق فيها على عملية الإقراض. وتتبع البنوك الإسرائيلية الإجراء نفسه حتى الوقت الحاضر. أما تحلات السبت، فهي كثيرة، وخصوصا بالنسبة للكيبوتسات.
والتحلة تتمسك في جوهرها بحرفية القانون وتتناسى روحه، الأمر الذي يجعل الالتفاف حول الشريعة أمرا سهلا. ويرى إسرائيل شاحاك أن الرؤية الحاخامية في تبنيها التحلة تشبه رؤية الرومان لجوبتر إذ كان بمقدورهم رشوته وخداعه، أي أن التحلة تعبير عن النزعة الحلولية داخل اليهودية. وهو يرى أن التحلة، والتراث القبالي، من أهم أسباب أزمة اليهودية الحاخامية وتآكلها في نهاية الأمر.

(14/82)


الباب الثانى عشر: المعبد اليهودي
المعبد اليهودي
Temple; Synagogue....
«المعبد» في اللغة العربية مكان العبادة (اسم المكان من الفعل «عبد»)، و«المعبد اليهودي» مكان لاجتماع اليهود للعبادة، يقال له بالعبرية «بيت هكنيست» أي «بيت الاجتماع»، ويسمى أيضا «بيت هاتيفلاه»، أي «بيت الصلاة» أو «بيت هامدراش»، أي «بيت الدراسة». وتعكس الأسماء الثلاثة بعض الوظائف التي كان المعبد يؤديها. وكان المعبد يسمى في ألمانيا «شوليه Schule»، وباليديشية «شول Shul». وفي الولايات المتحدة يطلق اسم «تمبل temple» على أي من المعابد اليهودية الإصلاحية أو المحافظة. أما الأرثوذكس فيسمون معبدهم «شول»، وهي تسمية يديشية كما هو واضح. وقد كان يطلق على المعبد باليونانية اسم «سيناجوج»، وكذلك «بروسيوكتريون»، وتعني حرفيا «بيت الصلاة». وفي الثقافة العربية، يطلق على المكان الذي تقام فيه الصلوات اليهودية اسم «المعبد» أو «الهيكل» أو «الكنيس اليهودي» .
ويعود تاريخ المعابد إلى فترة التهجير البابلي. ويبدو أن اليهود هناك كانوا يجتمعون للصلاة في أماكن خصصت لذلك الغرض. وقد بدأت تظهر إشارات إلى المعابد اليهودية في الكتابات الدينية اليهودية بعد ذلك التاريخ. ومع هدم الهيكل، أصبح المعبد المركز القومي والاجتماعي ليهود فلسطين والجماعات اليهودية المنتشرة في العالم، والمكان الذي يتدراسون فيه تراثهم الديني. ولذا، فإن انتهاء اليهودية الصدوقية والعبادة القربانية المرتبطة بالهيكل لم يتسبب في انتهاء اليهودية ككل، وخصوصا أن الفريسيين كانوا قد توصلوا إلى صياغة لليهودية تستند إلى التوراة، وتجعل المعبد اليهودي (وليس الهيكل) مركزها.

(14/83)


ويحاول المعبد أن يكون صدى للهيكل. ومعظم المعابد اليهودية في الوقت الحاضر بنيت متجهة للقدس. ويوجد حوض في الخارج يستطيع المصلون غسل أيديهم فيه قبل الصلاة، وشكل المعبد في الغالب مستطيل. وتوجد في مقدمة المعبد فجوة تغطيها ستارة (أصبحت دولابا ثابتا) هي تابوت لفائف الشريعة الذي تحفظ فيه اللفائف، وهي أكثر الأشياء قداسة في المعبد (وتقابل قدس الأقداس في الهيكل القديم). وعادة ما تزين المعابد في العصر الحديث بنجمة داود ولوحي العهد. وقد كان قارئ التوراة يقف في مكان أكثر انخفاضا (نسبيا) من أرض المعبد. وفي الوقت الحاضر، انعكس الوضع فصار القارئ يجلس على منصة عالية نسبيا تسمى «بيماه» (أو «الميمار»). وتقام في المعبد الصلوات اليومية، فبإمكان أي شخص، من الناحية النظرية، أن يؤم المصلين. غير أن من المعتاد أن يؤم المصلين أفراد تلقوا دراسة خاصة للقيام بهذه الوظيفة. وتقرأ التوراة في المعبد كل يوم سبت، وفي يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع.
وحتى القرن الخامس الميلادي كان الآرش سيناجوجوس يترأس المعبد اليهودي ويساعده الشيوخ (كبار السن). وكان الحاخام يقوم بدور المرتل (حزان)، وأحيانا كان يقوم بدور الشماس (شماش)، أي خادم الكنيسة، ولكنها وظائف أصبحت فيما بعد مستقلة. وكانت الجماعة ككل تمتلك المعبد. وفي حالات أخرى، كان يمتلكه الفرد الذي قام ببنائه.

(14/84)


وقد صار المعبد مركز الحياة اليهودية في العصور الوسطى في الغرب (بعد تحول معظم الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية). وفي معظم الأحيان، يعكس المعبد البنية الاجتماعية والحضارية للمجتمعات التي يعيش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية كما يعكس طبيعة الوظيفة التي يضطلعون بها. وكثيرا ما كان يتم تزويد المعبد بفناء صغير ومحكمة وبل وبسوق في بعض الأحيان. وبعد نشأة نظام الأرندا في أوكرانيا، أصدرت الحكومة البولندية أمرا بأن تبنى المعابد اليهودية هناك على هيئة حصون، فكانت تفتح كوات في الحوائط لتخرج منها فوهات البنادق، كما كانت تنصب عليها المدافع حتى يسهل الدفاع عنها ضد المهاجمين من الفلاحين والقوزاق. أما في أمستردام، فقد بنى اليهود (في القرن السابع عشر) معبدين كبيرين يدلان على ثراء الجماعة اليهودية وثقتها بنفسها.

(14/85)


وكانت المعابد اليهودية في أورربا تعبر عن بنية المجتمعات الأوربية بعد عصر النهضة، وهي مجتمعات كانت تتسم بالتفرقة الصارمة بين الطبقات وتزايد نفوذ وقوة طبقة التجار الأثرياء ومشاركتهم الحاخامات في السلطة والقيادة. فكان أعضاء الجماعات اليهودية يجلسون في المعبد، كل على حسب موقعه أو انتمائه الاجتماعي أو الطبقي، فيجلس الحاخامات والفقهاء وأصحاب المكانة العالية في المقدمة، ويجلس وراءهم أثرياء التجار ثم اليهود العاديون. وكانت المكانة تقاس بمقدار القرب أو البعد عن الحائط الشرقي في المعبد، فكان أعلى الناس مكانة يجلسون بالقرب منه، أما الحائط الغربي فكان يجلس إلى جواره الشحاذون والمعوزون. وكانت المعابد مكانا يتبادل فيه أعضاء الجماعات اليهودية المعلومات التجارية ويتشاجرون بالأيدي ويتناقشون بصوت عال. وكان الفوز بمقعد في المعبد يعد أمرا مهما بالنسبة إلى أعضاء الجماعة، فكان اليهودي إما أن يشتريه مدى الحياة، أو يستأجره. ولا تزال عادة شراء المقاعد للصلاة في المعبد قائمة في المعابد الأرثوذكسية، وإن كانت هناك مقاعد بالمجان لمن يثبت عجزه المالي شريطة أن يواظب على حضور الصلوات.
ولا يوجد طراز معماري خاص بالمعبد يمكن أن نسميه «الطراز اليهودي». فالطراز المعماري للمعبد اليهودي يختلف باختلاف الحضارة الأم التي ينتمي إليها اليهود. وقد تأثرت المعابد اليهودية بالطراز الهيليني إبان المرحلة الهيلينية، فمعبد ديورا يوروبوس مزين بكثير من لوحات الفسيفساء المحلاة بصور أشخاص ومناظر من العهد القديم على الطراز الهيليني، بحيث يوجد تناظر بين شخصيات العهد القديم والشخصيات الأسطورية الهيلينية. كما كانت توجد رسوم للأفلاك والأرواح والرسوم النباتية.

(14/86)


وقد انتكست حركة بناء المعابد اليهودية بعد أن قامت الإمبراطورية الرومانية بتبني المسيحية دينا. ولكن أعضاء الجماعات اليهودية عاودوا البناء بعد حركة الفتوح الإسلامية، فبنيت بعض المعابد المهمة على الطراز الأندلسي في الأندلس (أثناء حكم العرب في شبه جزيرة أيبريا) وبنيت أيضا المعابد المهمة في أوربا وتأثرت بالطرازين القوطي والباروك، ولقد كان معبد كراكوف في بولندا أكبر معابد أوربا (في القرنين 13 و14). والطراز المعماري للمعابد اليهودية ينحو منحى حديثا سواء في الشرق أم الغرب.
ويظهر أثر يهود الخزر في المعابد الخشبية التي أقيمت في الشتتلات اليهودية في بولندا، فقد أقيمت وفق طراز الباجودان (الباجودا) الذي يعود تاريخه إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو طراز مختلف تماما عن كل من طراز العمارة المحلية، وطراز البناء المستعمل لدى اليهود الغربيين والمتكرر بعد ذلك في جيتوات بولندا. كما تختلف الزخارف الداخلية لأقدم معابد الشتتل اختلافا تاما عن نمطها في الجيتو الغربي، فقد كانت جدران معبد الشتتل تغطى بالزخارف العربية الإسلامية، وتصور عليها الحيوانات التي تبين التأثير الفارسي الموجود في المشغولات الفنية للخزر المجريين.

(14/87)


كما كان تقسيم المعبد وشكله من الداخل يختلفان باختلاف المذهب الديني. فالمعابد اليهودية الحسيدية متناهية البساطة لأن حياة الشخص نفسه تعد ضربا من العبادة، والمعبد الحسيدي مكان للتجمع وحسب، وتسمى المعابد الحسيدية «شتيبليخ»، وهي كلمة يديشية تعني «الغرفة الصغيرة». وفي المعابد اليهودية الأرثوذكسية، يفصل الرجال عن النساء في الصلاة على خلاف المعابد الإصلاحية والمحافظة. وقد سمى القراءون المعبد «بيت هشتحفوت» أي «موضع السجود» أو «مسجد». وقد أدخل الإصلاحيون عنصر الموسيقى وتبعهم في ذلك المحافظون وبعض الأرثوذكس. وباستثناء الفلاشاه والسامريين، لا يخلع اليهود نعالهم في المعبد اليهودي أو أثناء أداء الصلاة. ولم يكن السفارد يسمحون للإشكناز بالصلاة في معابدهم، وحينما سمح لهم، فإنهم كانوا يصلون وراء حاجز خشبي (محيتساه) يفصلهم عن السفارد، ولا تزال هذه العادة معمولا بها بين يهود الهند.
وقد حاول دعاة التنوير بين اليهود إدخال شيء من النظام والوقار على المعبد اليهودي والصلاة اليهودية. وقد ظهر هذا في معمار المعابد الإصلاحية، فهي عبارة عن بناء فخم يشبه الكنائس أو الكاتدرائيات، لا تمارس فيه إلا الصلوات والعبادات، وهو يسمى «تمبل temple» (وليس «سيناجوج») وهو المصطلح القديم الذي كان يستخدم للإشارة إلى هيكل سليمان تعبيرا عن تقبل اليهود لشتاتهم أو انتشارهم في العالم كحالة نهائية.

(14/88)


وفي بداية القرن الحالي، حاولت المعابد الفصل بين النشاط الديني والأنشطة الاجتماعية والدراسية بحيث يكون المعبد مقصورا على العبادة، على أن تمارس الأنشطة الأخرى خارجه. وهذا تطبيق عملي للشعار الإصلاحي الاندماجي: يهودي في المنزل أو المعبد أو الحياة الخاصة، مواطن في الشارع، أي في المجتمع ككل أو في الحياة العامة. وقد حذت المعابد الأرثوذكسية، في هذا المضمار، حذو المعابد الإصلاحية والمحافظة. ولكن، يلاحظ أن هذا الوضع بدأ يتغير، حيث أصبحت المعابد تضم نوادي اجتماعية ومكتبات تضطلع بوظائف جديدة لم تعهدها المعابد اليهودية من قبل؛ مثل تنظيم الرحلات وبناء الصالات الرياضية المغلقة وحمامات السباحة والمسارح وغيرها وكل هذا يوسع ولا شك رقعة النشاط الإثني للمعابد. وتشجع الحركة الصهيونية إنشاء مثل هذه المعابد في الوقت الذي يزداد فيه أعضاء الجماعات اليهودية علمنة وابتعادا عن الدين، لأنها تصبح مراكز لتقوية الوعي القومي على حساب الإيمان الديني، كما أن الحاخام تحول إلى متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية والحركة الصهيونية. وكثيرا ما يوضع علم إسرائيل داخل المعبد. وربما يكون هذا تنفيذا لرؤية كابلان (زعيم اليهودية التجديدية) الذي طالب بإنشاء حياة يهودية عضوية تدور حول المعبد وتعبر عن نفسها من خلال النشاط الصهيوني والنشاط التربوي، على أن يقود الجماعة اليهودية ممثلون منتخبون لا حاخامات مدربون، الأمر الذي يعني صهينة أو علمنة حياة اليهودية بشكل تام. ومع هذا، يلاحظ أن الدولة الصهيونية، بامتصاصها أموال المعونات اليهودية أو الجزء الأكبر منها، تضطر بعض المعابد إلى إغلاق أبوابها في نيويورك وفي غيرها من المدن الأمريكية، وإن كان السبب الأساسي في هذا هو تزايد معدلات العلمنة. كما أن حركة أعضاء الجماعة اليهودية داخل الولايات المتحدة (من الساحل الشرقي وشيكاغو إلى ولايات فلوريدا وكاليفورنيا وغيرهما)

(14/89)


تؤدي إلى إغلاق المعابد. ومع هذا، لا يمكن اعتبار عدد المعابد مؤشرا على معدلات التدين. فأحيانا يزداد عدد المعابد لا بسبب تزايد تمسك أعضاء الجماعة اليهودية بعقيدتهم، وإنما بسبب انقسامهم إلى جماعات إثنية متناحرة يرفض أعضاؤها أن يقيموا الصلاة إلى جوار بعضهم بعضا. وبناء المعبد في مثل هذه الحالة، ليس تعبيرا عن التقوى وإنما هو تعبير عن الرغبة في الاحتفاظ بالهوية الإثنية.
وتوجد في الحاضر معابد للشواذ جنسيا ومعابد أخرى مقصورة على النساء (تحت ضغط حركة التمركز حول الأنثى)، كما أن هناك معابد من كل لون وشكل. وقد أسس القوادون والبغايا في الأرجنتين معابد يهودية بعد أن طردتهم القيادة الدينية من حظيرة الدين (حيريم)!
وتوجد في إسرائيل معابد يهودية من كل طراز، فكل جماعة يهودية هاجرت إليها أخذت معها تراثها الديني والحضاري الذي انعكس على طراز المعبد وعلى طريقة الصلاة. وقد سبب هذا التعدد والتنوع مشكلة للجيش الإسرائيلي، فتوفير المعبد وأسلوب الصلاة الخاصين بكل جندي أمر عسير للغاية بل مستحيل، وخصوصا أن الجيش هو بوتقة الصهر الحضاري والأساسي فيها. ولتخطى هذه الصعوبة، حاول الجيش أن يطور طرازا موحدا للمعابد، وأسلوبا موحدا للصلاة، أي أن الجيش الإسرائيلي (خير مفسر للتوراة على حد تعبير بن جوريون) ساهم في توحيد المعابد والصلوات بالنسبة إلى الجيل الجديد. ويبلغ عدد المعابد في إسرائيل في الوقت الحاضر نحو ستة آلاف معبد، تمولها جميعا وزارة الشئون الدينية. ومعظم المعابد أرثوذكسية، وإن كانت هناك معابد قليلة تتبع المذهبين الإصلاحي والمحافظ. ويلاحظ أن المعابد فقدت كثيرا من وظائفها التقليدية نظرا لأن الدولة تضطلع بها من خلال دار الحاخامية وأجهزتها المختلفة. كما أن العلمنة المتزايدة للحياة في إسرائيل أنقصت عدد رواد المعابد بشكل ملحوظ.

(14/90)


وأثناء الصراع الناشب بين الدينيين والعلمانيين في إسرائيل، قام اللادينيون بحرق معبد يهودي، الأمر الذي كان له صدى سلبي بين يهود العالم لأن الهجوم على المعابد اليهودية وحرقها مرتبط في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية بالنازيين والمعادين لليهود. كما أن أحدهم وضع رأس خنزير داخل المعبد.
لوحا الشريعة (لوحا العهد - لوحا الشهادة)
Tablets of the Law
«لوحا الشريعة» ترجمة للعبارة العبرية «لوحوت هاعيدوت» أو «لوحوت هابريت». والمعنى الحرفي للعبارتين هو «لوحا العهد» أو «لوحا الشهادة». ولوحا الشريعة عبارة عن لوحين من الحجر، نقشت عليهما الوصايا العشر (خروج 31/18، 32/15 ـ 16). وبحسب الرواية التوراتية، تسلم موسى اللوحين علامة على العهد بين الإله وبين جماعة يسرائيل، وقد خطت عليهما الوصايا العشر بإصبع الخالق. ولكن موسى، لدى سماعه بارتداد الشعب وعبادته العجل الذهبي، حطمهما. وغفر الإله للشعب المختار وطلب إلى موسى أن يحضر بديلا لهما. وفيما بعد، وضع اللوحان، في تابوت العهد، ولا يعرف ماذا حدث لهما.
ويقال إن لوحي الشريعة كانا في الأصل حجرين مقدسين عند قبيلة إفرايم حل فيهما الإله. ثم تحولا، مع تطور الديانة اليهودية، إلى لوحي الشريعة.

(14/91)


وقد اكتسب اللوحان مضمونا رمزيا حلوليا في التلمود، إذ أصبحا يرمزان لا إلى الشريعة المكتوبة بأسرها وحسب وإنما إلى الشريعة الشفوية والأوامر والنواهي أيضا. ومنذ العصور الوسطى في الغرب، استخدم اللوحان زخرفا يهوديا في المعابد اليهودية وغيرها من الأماكن، وخصوصا تابوت لفائف الشريعة. وفي القرن التاسع عشر الميلادي، كان اللوحان يحفران على واجهة المعابد باعتبار أنهما رمز أكثر عالمية من شمعدان المينوراه. ويأخذ اللوحان في الزخارف شكل قطعتي حجر مستطيلتين قمتهما مستديرة، ويكتب عادة عليهما الحروف العشرة الأولى من الأبجدية العبرية، أو أول كلمة من كل وصية من الوصايا العشر.
تابوت لفائف الشريعة
Ark of the Scrolls
«تابوت لفائف الشريعة» من العبارة العبرية «آرون هاقودش» عند الإشكناز، ويقابلها عند السفارد مصطلح «هيكل». والاختلاف بين التسميتين يعكس اختلافا في تاريخ التابوت عند الجماعتين، فقد كان التابوت جزءا عضويا ثابتا من المعبد عند السفارد، أما عند الإشكناز فكان جزءا تكميليا متنقلا.
وكانت كلمة «تابوت» تستخدم للإشارة إلى تابوت العهد الذي يضم لوحي الشريعة والذي كان يودع داخل خيمة الاجتماع ثم في الهيكل، وقد كانت تحل فيه روح يهوه وتسكن بين الشعب. ولكنها تشير الآن إلى الصندوق الخشبي الذي تحفظ فيه لفائف الشريعة (أسفار موسى الخمسة) في المعبد اليهودي. وهو لا يفتح إلا في المناسبات العامة. ويعتبر التابوت أقدس الأشياء في المعبد اليهودي بعد اللفائف نفسها، وعلى المصلين أن يقفوا احتراما عند فتحه. ويعده البعض المعادل المعاصر لقدس الأقداس، تماما كما أن اللفائف هي المعادل المعاصر للوحي الشريعة.

(14/92)


ويثبت التابوت في الحائط الشرقي المتجه إلى القدس. والملاحظ أنه، بمرور الزمن، تحول الصندوق إلى ما يشبه الدولاب الثابت، يوضع على مكان عال ويحلى بتاج (تاج الشريعة)، ويكتب عليه نص توراتي مناسب. وقد أصبح من المعتاد في البلاد الغربية أن يثبت على التابوت ألواح كتبت عليها نسخة مختصرة من الوصايا العشر. وكثيرا ما يغطى هذا الجزء من المعبد بستارة (باروكيت) وشيت ببعض الرموز الدينية، ويشعل أمامه (أو بالقرب منه) ما يسمى «المصباح الأزلي» (نير تاميد).
لفائف الشريعة
Torah Scrolls
«لفائف الشريعة» هو المقابل العربي للمصطلح العبري «مجيلوت توراه» الذي يشير إلى مخطوط أسفار موسى الخمسة الذي يقرأ في المعبد اليهودي، وهذا المخطوط لابد أن يقوم بكتابته كاتب خاص (سوفير)، حسب قوانين وقواعد محددة، على قطع من الرق تتم خياطتها الواحدة في الأخرى لتصبح القطع الصغيرة شريطا طويلا، ويثبت طرفا الشريط على عمودين من الخشب. وتحفظ لفائف التوراة في تابوت لفائف الشريعة ولا تخرج إلا في الصلاة أو في المناسبات المهمة. ويقوم أحد المسئولين في المعبد بحملها، والمرور بها بين المصلين (قبل الصلاة عند السفارد وبعدها عند الإشكناز).

(14/93)


وقد أحيطت اللفائف بكثير من التقديس، فهي المعادل الموضوعي الحديث ليهوه الذي يسكن بين الشعب، إذ لابد أن تلف برباط خاص ذهبي أو فضي يسمى «تاج التوراة». ويستخدم قضيب مصنوع من معدن ثمين على شكل يد للإشارة إلى الأسطر أثناء القراءة. وتوضع اللفائف في صندوق معدني أو خشبي ثمين للغاية. وعندما تبلى لفائف التوراة من كثرة الاستخدام، فإنها تدفن في مراسم دينية خاصة. وقد ازدهرت في إسرائيل صناعة كتابة اللفائف. ويبدو أنهم أحيوا التقاليد الخاصة بتابوت العهد الذي كان يضع فيه العبرانيون القدامى لوحي الشريعة أو العهد. بعد إعطائها مضمونا عسكريا، إذ تمرر لفائف الشريعة بين صفين من المقاتلين الشاهرين أسلحتهم في الحفلات التي تقيمها الفرق العسكرية الإسرائيلية. ولا تزال بعض القوات الإسرائيلية المحاربة تحمل معها لفائف الشريعة في صندوق كتب عليه: «انهض أيها الإله ودع أعداءك يتشتتون واجعل من يكرهك يهرب من أمامك». وقد أسرت القوات المصرية في حرب أكتوبر 1973 بعض القوات الإسرائيلية التي كانت تحمل لفائف الشريعة الخاصة بها.
اللفائف الخمس (مجيلوت)
Five Scrolls; Megillot
«اللفائف الخمس» هي الترجمة العربية للكلمة العبرية «مجيلوت» ومفردها «مجيلاه». وكانت كلمة «مجيلاه» تشير في البداية إلى أي كتاب مكتوب على لفائف من جلد الحيوان، ثم تم التمييز بين السفر (الكبير) والمجيلاه (الصغيرة). وأصبحت كلمة اللفائف الخمس (مجيلوت) اسما يشمل خمسة نصوص توراتية تقرأ في مناسبات خاصة من اللفائف، ويحتفظ بها داخل المعبد. وهذه النصوص هي:
1 ـ نشيد الأنشاد، ويقرأ يوم السبت وفي عيد الفصح.
2 ـ كتاب راعوث (روث)، ويقرأ في عيد الأسابيع.
3 ـ كتاب المراثي، ويقرأ في التاسع من آب.
4 ـ كتاب الأمثال، ويقرأ في عيد المظال، ولا يقرؤه السفارد.
5 ـ كتاب إستير، ويقرأ في عيد النصيب.

(14/94)


واللفائف الخمس عبارة عن خمسة أسفار من كتب الحكم والأناشيد في العهد القديم. ومن الناحية الفعلية، لا يقرأ من اللفائف (في معظم المعابد اليهودية) سوى سفر إستير. وحينما تذكر كلمة «مجيلاه» وحدها دون إضافة، يكون المقصود عادة كتاب إستير.
لفيفة سفر إستير (مجيلاه)
Megillah
«مجيلاه» كلمة عبرية تعني اللفافة التي يكتب عليها. وحين تذكر الكلمة في صيغة المفرد، فإنها عادة ما تشير إلى سفر إستير. ولكنها، حينما تذكر في صيغة الجمع، تشير إلى اللفائف الخمس.
المجيلوت
Megillot
«مجيلوت» هي صيغة الجمع لكلمة «مجيلاه» وتعني اللفافة التي يكتب عليها، و«مجيلوت» هي اللفائف الخمس.
شمعدان المينوراه
Menorah
«مينوراه» كلمة عبرية تعني «الشمعدان»، وهي من كلمة «نير» العبرية، ومعناها «نور»، ونحن نستخدم عبارة «شمعدان المينوراه» للإشارة لهذا الشمعدان الذي يوجد في كثير من المعابد اليهودية ومنازل أعضاء الجماعات اليهودية. وهو يعود إلى الشمعدان الذهبي ذي الفروع السبعة الذي كان يوضع داخل خيمة الاجتماع. وقد كان في هيكل سليمان عشرة شمعدانات ذهبية صنعها له حيرام ملك صور، فضلا عن شمعدانات فضية أخرى. وقد حمل فسبسيان شمعدان المينوراه الموجود في الهيكل الثاني (وهو الذي يظهر على قوس تيتوس). وشكل الشمعدان، حسب الرواية التوراتية، قد أوحى الإله به لصانعه على هيئة شجرة أفرعها على هيئة زهرة اللوز. وفي سفر زكريا (4/11 ـ 13) تفسير لشعلاته السبع بأنها: «أعين الإله الجائلة في الأرض كلها».
ويفسر الشمعدان أحيانا بأنه يرمز أيضا إلى أيام الخلق الستة مضافا إليها يوم السبت، ويفسر يوسيفوس شعلاته السبع بأنها ترمز إلى الكواكب السبعة. وهناك تفسير آخر يرى أن أفرعه رمز للآباء. ويرى بعض العلماء اليهود أن وصف شمعدان المينوراه، الذي ورد في سفر الخروج (25، 37)، ليس وصفا لما كان موجودا في الهيكل الأول، وإنما هو وصف لشمعدان تيتوس.

(14/95)


وفي الاحتفالات بعيد التدشين (حانوخاه)، يستخدم شمعدان له ثمانية أفرع (تدعى «حانوخياه»، ونسميه «شمعدان التدشين») بعدد أيام الاحتفال حيث يشعل فتيل أو فرع منه مساء كل يوم من شعلة مستمرة يحملها فرع تاسع يبرز على حدة بعيدا عن الأفرع الثمانية، ويسمى «شماس» (أي الخادم). ويذكر شمعدان عيد التدشين اليهود بثورة الحشمونيين الذين وضعوا رماحهم على هيئة فروع شمعدان المينوراه للإبقاء على الرمز الديني بعد دخولهم الهيكل.
وتتخذ القبالاه الحلولية شمعدان المينوراه رمزا تنطلق منه إلى بنى صوفية معقدة (فالزيت هو التوراة والضوء هو الشخيناه والفتيلة هي جماعة يسرائيل). كما أن بعض القباليين يرون أن شمعدان المينوراه رمز التجليات النورانية العشرة (سفيروت) التي ورد ذكرها في الزوهار، بحيث يصبح كل فرع من فروع الشمعدان مقابلا لأحد التجليات، ويصبح زيت الشمعدان المقابل الرمزي لرحمة الإله التي تفيض على جماعة يسرائيل وعلى الشخيناه من عل. وتتخذ دولة إسرائيل شمعدان المينوراه ذا الأفرع السبعة شعارا رسميا لها.
الفاصل (محيتساه)
Partition; Mehitzah
«الفاصل» ترجمة لكلمة «محيتساه» العبرية التي تشير إلى الحاجز الذي يفصل بين الجزء المخصص للرجال في المعبد اليهودي وذلك المخصص للنساء (والذي يوجد عادة في أعلى المعبد)، تماما مثلما كان يتم الفصل بين رواق الرجال ورواق النساء في الهيكل. وكان هناك مثل هذا الفاصل في معظم المعابد اليهودية في الغرب حتى عصر التنوير، حينما ألغته اليهودية الإصلاحية وتبعتها اليهودية المحافظة، بينما أصرت اليهودية الأرثوذكسية على الاحتفاظ به حيث يذهب الأرثوذكس إلى أن المعبد اليهودي الذي لا يحتوي على فاصل لا تجوز الصلاة فيه.

(14/96)


ويستخدم بعض اليهود الأرثوذكس ستارة للفصل بين الجنسين أثناء صلاتهم أمام حائط المبكى. وقد كان هذا مثار نزاع بين اليهود والعرب، إذ أن العرب كانوا يخشون أن تكون هذه ذريعة يستخدمها الصهاينة لفرض المزيد من الهيمنة على الأماكن المقدسة. وفي الآونة الأخيرة، يقوم دعاة حركة التمركز حول الأنثى بنزع مثل هذه الستارة باعتبارها تمييزا ضد المرأة.
وكان الفاصل يستخدم أحيانا للفصل بين السفارد والإشكناز في بعض كنائس أوربا حينما كان السفارد يشكلون الأرستقراطية المالية التي ترفض الاختلاط بالإشكناز، كما استخدمت في الهند للفصل بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة التي تشكل طوائف مغلقة تنفصل الواحدة منها عن الأخرى، كما هو الحال في كثير من أنحاء الهند.
الخزانة (جنيزاه)
Genizah
«جنيزاه» كلمة عبرية مشتقة من الفعل الثلاثي العبري «جنز» أي «كنز»، وهي تعني «مخبأ». وتستخدم الكلمة للإشارة إلى المخبأ الملحق بالمعبد اليهودي الذي تحفظ فيه الكتب المقدسة البالية من كثرة الاستعمال، وكذا الأدوات الشعائرية. كما تحفظ فيه أيضا الكتب التي تحتوي على هرطقة وتجديف، فهي لا يمكن إحراقها لاحتوائها على اسم الإله. وتخزن هذه الكتب والأشياء المقدسة إلى أن يتقرر دفنها في يوم محدد كل عدة سنوات تبلغ ست سنوات غالبا. ويقوم اليهود الأرثوذكس في العصر الحديث بدفن مثل هذه الوثائق. ويتم دفن المخطوطات في احتفال جنائزي، بعد أن تلف بالكتان كالمومياوات وتوضع في جرار ذات أغطية محكمة لحمايتها من الرطوبة بقصد صيانتها (وكان دفن الكتابات المقدسة على هذه الصورة مألوفا في مصر القديمة). وقد عثر على مجموعات كبيرة من هذه الجرار في الكهوف المختلفة حول البحر الميت، من أهمها كهف قمران، ولكن لا يمكن إطلاق مصطلح «جنيزاه» على هذه الكهوف.

(14/97)


وتعد جنيزاه المعبد اليهودي في الفسطاط بالقاهرة (معبد ابن عزرا) أهم الجنيزاوات (المخابئ) على الإطلاق. وقد اكتشف فيها الحاخام سولومون شختر آلاف الصفحات والأوراق التي استولى عليها وأرسلها إلى مكتبة جامعة كمبردج.
وتعود أهمية هذه الخزانات إلى أنها تزودنا بصورة واضحة وبمعلومات مهمة عن الجماعات اليهودية في مصر طوال الفترات الفاطمية والأيوبية والمملوكية.
المنصة (بيماه)
Bimah
«بيماه» كلمة عبرية تعني «مكانا مرتفعا» وهو منصة عالية في المعبد اليهودي توضع عليها طاولة للقراءة وتقرأ منها التوراة كما ينفخ عليها في البوق (شوفار). ويلقي الحاخام أحيانا مواعظه من المنصة، كما يقوم المرتل (حزان) في المعابد السفاردية بقيادة الشعائر من فوقها. وتسمى المنصة في المعابد الإشكنازية «الممار» (من العربية «المنبر»)، أما في المعابد السفاردية فتسمى «تيفاه» (أي «صندوق» بالعبرية). ويعود استخدام المنصة كمنبر لتلاوة التوراة إلى أيام نحميا.
وتوجد المنصة في المعابد الإشكنازية في الوسط تفصلها بعض الكراسي عن تابوت لفائف الشريعة. أما في المعابد السفاردية والشرقية، فتقع في الوسط في مواجهة التابوت لا يفصل بينهما شيء. وفي المعابد اليهودية الإصلاحية والمحافظة تدمج المنصة مع التابوت.

(14/98)


الباب الثالث عشر: الحاخام (بمعنى «القائد الديني للجماعة اليهودية»)
الحاخام (بمعنى «القائد الديني للجماعة اليهودية)»
Hakham - as a Religious Leader of the Jewish Community
«حاخام» كلمة عبرية معناها «الرجل الحكيم أو العاقل». وكان هذا المصطلح يطلق على جماعة المعلمين الفريسيين «حاخاميم»، ومنها أخذت كلمة «حاخام» لتدل على المفرد. ونستخدم في هذه الموسوعة كلمة «حاخام» للإشارة إلى الفقهاء اليهود الذين فسروا كتب المدراش وغيرها من الكتب وجمعت تفسيراتهم في التلمود «التوراة الشفوية» وجعلوها الأساس الذي تستند إليه اليهودية والمحور الذي تدور حوله. ومن هنا تكون «اليهودية الحاخامية» أو «التلمودية» مقابل «اليهودية التوراتية»، وهو اصطلاح لم يستخدمه أحد وإن كان متضمنا في كتابات القرائين.
ولكن المعنى الأكثر شيوعا هو استخدام كلمة «حاخام» للإشارة إلى القائد الديني للجماعة اليهودية الذي كان يقوم بوظيفتين: أولاهما تفسير التوراة وتطوير الشريعة الشفوية، فقد كان فقيها ومفتيا، تماما مثل الحاخامات، أي الفقهاء اليهود القدامى، ولكنه أصبح، إلى جانب ذلك، القائد الديني للجماعة اليهودية مهمته الإشراف على الصلوات في المعبد اليهودي، فكان يلعب دور المرتل (حزان). كما كان يقوم بشرح التوراة في كل من المعبد والبيت همدراش (المدرسة الملحقة بالمعبد)، وإصدار الفتاوى، والإشراف على التعليم الديني، ومراقبة تنفيذ الأوامر والنواهي (قوانين الطعام وإقامة شعائر السبت وغير ذلك). وكان يحضر حفلات الختان، كما كان يقوم بكتابة عقود الزواج ودفن الموتى إلى جانب القيام بدور الخاطبة أحيانا.....

(14/99)


ومع أن الحاخام لا يلعب دور الكاهن التقليدي، نظرا لأنه لا يقوم بدور الوساطة بين الإله والإنسان، فإنه كان يشغل مركزا قياديا في الجماعة. والواقع أن الديانة اليهودية، بتشابك شعائرها وتدخلها في صميم الحياة اليومية اليهودية، كما هو الحال في قوانين الطعام، كانت تثير كثيرا من المشاكل لليهودي فيضطر إلى اللجوء للحاخام بشكل متكرر. ومما ساعد على تداخل الحياة الدينية واليومية أن كثيرا من الحاخامات كانوا يعملون في مهن مختلفة مثل الاشتغال بالأعمال المالية المصرفية والتجارية. فسامسون فرتايمر كان من أهم المصرفيين في النمسا والمجر، ثم عين في منصب الحاخام الأكبر للمجر بعد ذلك. كما أن المفهوم الحلولي للشريعة الشفوية، الذي تنفرد به الديانة اليهودية بين الديانات التوحيدية الأخرى، دعم مركز الحاخامات وخلع عليهم ضربا من القداسة لأنهم مبشرو هذه الشريعة وحملة رايتها. كما أن البنية الحلولية في اليهودية التي جعلت الشعب أهم من الإله والشريعة الشفوية أهم من الشريعة المكتوبة، أضفت أهمية قصوى على مركز الحاخام، إذ أصبح أهم من التوراة نفسها (ما دام قادرا على تغييرها). ومن ناحية أخرى، فإن تحول الجماعات اليهودية في الغرب إلى جماعات وظيفية وسيطة، أدى إلى تزايد نفوذ الحاخامات. فالطبقة الحاكمة عادة ما تقوي نفوذ قيادات الجماعة الوظيفية حتى يسهل استخدامها وتوظيفها لأداء مهامها. ومن ثم، كان الحاخامات يعفون من الضرائب، كما كانوا يلعبون دورا أساسيا في تقديرها وجمعها. ولم يكن يباح للحاخام أن يتقاضى راتبا نظير ما كان يقوم به، فلجأ الفقه اليهودي إلى «التحلة» وإلى ما أسموه «سيخار بطالاه»، أي «بدل بطالة» أو «ديمي بطالاه» أي «رسوم بطالة»، وهو تعويض عن الوقت الذي يقضيه الحاخام في عمله الديني والإداري.

(14/100)


وفي العصر الحديث، يعطى الحاخام مكافأة سنوية أو شهرية عن أعماله، ولكن ينص في العقد على أنه يتقاضى الأجر عن الأعمال التي يؤديها خلال الأسبوع، وهي أعمال غير دينية، ولا يتقاضى أجرا عن يوم السبت، أي اليوم الذي يلقي فيه الموعظة.
وكان تنظيم الحاخامات في أي بلد يتبع الشكل السياسي السائد فيه. فإذا كان البلد مقسما إلى إمارات صغيرة يكون لكل إمارة حاخامها، أما إذا كانت السلطة مركزية فإنه كان يعين حاخام أكبر مثل الحاخام باشي في الدولة العثمانية، أو الآرش سيناجوجوس في بعض البلاد الأوربية في العصور الوسطى. وكان يوجد في إسبانيا، بعد توحيد شبه جزيرة أيبريا، منصب راب دي لاكورتي، أي حاخام البلاط، كما يوجد في بريطانيا الآن حاخام أكبر بينما لا يوجد مثل هذا المنصب في الولايات المتحدة بسبب طبيعة التنظيم المركزي في بريطانيا على عكس التنظيم الفيدرالي في الولايات المتحدة.

(14/101)


وقد حدثت تحولات عميقة في تعليم الحاخامات وسلطتهم في الغرب، إذ بدأت أهمية الحاخامات كقيادات في التراجع خلال القرن السادس عشر. ومع ظهور الممولين اليهود كنخبة قائدة تزايدت ثروتهم ونفوذهم، الأمر الذي أدى إلى تناقص نفوذ الحاخامات، كما حدث في فترة يهود البلاط حين كان يهودي البلاط القائد الفعلي. ولما ظهرت الحسيدية حل التساديك الحسيدي محل الحاخام (وكان الحسيديون ينادون على قائدهم بلفظ «ربي»). كما طرح دعاة حركة التنوير أنفسهم في عصر الانعتاق والإعتاق باعتبارهم القيادة الحقيقية، ثم جاءت الدولة القومية المركزية فقلصت نفوذ أية قيادة يهودية، إذ اضطلعت هي بكل وظائفهم تقريبا ولم يبق سوى الوظائف ذات الطابع الديني المحض. وحتى هذا وضع تحت الرقابة الشديدة حتى تضمن الدولة أن يتجه ولاء اليهود نحوها. وفي فرنسا، كان يعطى للحاخامات أحيانا مضمون المواعظ التي يلقونها، ويطلب إليهم أن يعلموا أعضاء الجماعة اليهودية الولاء الكامل للدولة. كما تحول الحاخامات في بعض البلاد إلى موظفين تابعين للحكومة يتلقون رواتبهم منها.

(14/102)


وكان الحاخامات يتلقون في الماضي تعليما دينيا صرفا تلموديا ثم قباليا في معظمه، وكانوا يشكلون الأرستقراطية الثقافية في الجيتو. ولكن مع عصر الإعتاق، أصرت الحكومات الغربية على أن يتلقى الحاخامات تعليما علمانيا إلى جانب التعليم الديني، حتى يتسنى إصلاح اليهود واليهودية. ومع أوائل القرن التاسع عشر، ظهر جيل جديد من الحاخامات تعرفوا الثقافة الدنيوية، وكان هذا أمرا جديدا تماما على اليهودية في الغرب. وقد قام هؤلاء بمحاولة إصلاح اليهودية من الداخل، وهم الذين قادوا كل الحركات الإصلاحية وأسسوا حركات فكرية مثل علم اليهودية. وقد ظهر في روسيا ما يسمى «حاخامات التاج» من خريجي المدارس الدينية التي أسستها الحكومة. ولم يكن هؤلاء الحاخامات يتمسكون بشعائر الدين، بل ساهموا بشكل فعال في تحديث اليهودية وتفكيكها من الداخل، وكان بعضهم عملاء للحكومة. ويوجد الآن حاخامات لم يتلقوا تعليما دينيا يؤهلهم لإصدار الفتاوى الدينية أو القيام بالمهام الدينية الأخرى مثل عقد الزواج، ولذا فهم ليسوا قضاة شرعيين (ديانيم: جمع «ديان»). وتوجد مدارس عليا وكليات خاصة يلتحق بها من يريد أن يضطلع بوظيفة الحاخام. ويختلف الإعداد الفكري والديني للحاخامات، من بلد لآخر، ومن مذهب ديني لآخر (إصلاحي أو محافظ أو أرثوذكسي).

(14/103)


وقد ضاقت وظيفة الحاخام وأصبحت مقصورة على الأمور الدينية في أواخر القرن التاسع عشر، كما أن وظيفته انفصلت عن وظيفة المرتل (حزان) تماما. ولكن، مع تزايد معدلات علمنة اليهودية والمعبد اليهودي، بدأت تتسع وظيفة المعبد وتأخذ شكل النادي الاجتماعي للجماعة اليهودية التي تبحث عن شكل من أشكال التضامن الإثني والاجتماعي. ومن ثم، زادت أنشطة الحاخام الاجتماعية والسياسية وتنوعت. ونتيجة لذلك، اتسعت وظيفة الحاخام، ونجده الآن يقوم بالإشراف على وظائف اجتماعية كانت خارج نطاق سلطته في الماضي. فمن الوظائف المهمة التي أصبح يقوم بها استشارات الزواج، حين تظهر مشاكل زوجية ولا يحب الزوجان أن يذهبا إلى محلل نفساني أو مستشار زواج مدني. وقد أصبحت وظيفة الحاخام في هذا (باستثناء الحاخامات الأرثوذكس) مثل وظيفة الواعظ البروتستانتي الذي يعطي الموعظة يوم الأحد، ويشرف على الأنشطة الاجتماعية لأعضاء الأبرشية ولا علاقة له بالجوانب الشرعية، مثل: الزواج والطلاق والدفن. لكن اتساع نطاق وظيفة الحاخام لا يعني زيادة هيبته أو نفوذه أو هيمنته، فقد أصبح موظفا معينا من قبل المصلين بطريقة ديموقراطية ويدفعون هم راتبه.

(14/104)


ولا يوجد زي يهودي خاص للحاخامات، فحاخامات يهود اليديشية يرتدون الزي الحسيدي الأسود الذي أخذوه عن النبلاء البولنديين. أما في إنجلترا، فهم يرتدون ملابس قساوسة الكنيسة الأنجليكانية. وكان بعض كبار الحاخامات يرتدون زيا يشبه أزياء أساقفة الكنيسة الأنجليكانية، أما في فرنسا، فهم يرتدون زيا يشبه زي الواعظ البروتستانتي فيها. وكان الحاخامات في الدولة العثمانية يرتدون الجبة والعمامة مثل الشيوخ. ويرتدي الحاخامات الإصلاحيون الزي الأوربي العادي، وإن كان بعضهم يرتدي زيا مختلفا. وقد حولت الحركة الصهيونية الحاخامات إلى ممثلين لها بين الجماعات اليهودية المختلفة، يقومون بحث المصلين على التبرع للدولة الصهيونية، وعلى ممارسة الضغط السياسي لصالحها. وقد اشتكى جرسون كوهين من أن كثيرا من يهود أمريكا يتصورون الآن أن إسرائيل معبدهم اليهودي وأن رئيس وزرائها حاخامهم الأكبر.

(14/105)


أما في إسرائيل نفسها، فإن دور الحاخامات قد تغير وتبدل بشكل جوهري، وهذا يرجع إلى طبيعة الدولة الصهيونية نفسها، فقد فقدوا كثيرا من وظائفهم التقليدية لأن المعبد لم يعد مركزا للحياة اليهودية، كما هو الحال في جميع أنحاء العالم، باعتبار أن الدولة الصهيونية كلها مركز لهذه الحياة. فالزواج مثلا يقوم به المسئولون عنه، وهم مفوضون من قبل دار الحاخامية. والجنازات تقوم بها أيضا مؤسسات خاصة بذلك. كما أن زيارة المرضى لم تعد من مهامهم. لكل هذا، نجد أن كثيرا من الحاخامات الذين هاجروا إلى إسرائيل يضطرون إلى تغيير وظيفتهم، وشغل مناصب ووظائف جديدة. ولا تعترف دار الحاخامية في إسرائيل بالحاخامات الإصلاحيين أو المحافظين، ولا بعقود الزواج، أو مراسيم التهود التي يشرفون عليها، الأمر الذي يثير مشكلة الهوية اليهودية. هذا، وقد بدأت بعض الفرق اليهودية الإصلاحية والمحافظة في الولايات المتحدة في السماح للإناث بالاضطلاع بهذه المهمة. كما رسم بعض الشواذ جنسيا حاخامات.
راباي
Rabbi
«راباي» كلمة عبرية (ترد في صيغة الجمع إلا أنها تدل على المفرد وذلك للتعظيم) معناها الحرفي «سيدي»، أو «أستاذي»، وهي من كلمة «راف» العبرية ومن الجذر السامي «رب» بمعنى «سيد». وفي هذه الموسوعة نستخدم كلمة «حاخام» التي شاعت في الدولة العثمانية. وقد تستخدم كلمة «راباي» في الوقت الحاضر مرادفا لكلمة «السيد فلان». ولذا، فحينما ينادى أحد المصلين لقراءة التوراة يقال: «راباي فلان ابن راباي فلان»، أي «السيد فلان ابن السيد فلان».
ربي
Rebbe
«ربي» بكسر الراء صيغة يديشة لكلمة «راباي» العبرية، التي تعني «حاخام». وكانت الكلمة تستخدم أساسا للإشارة إلى الحاخامات الحسيديين والتساديك، وهي كلمة ذات إيحاءات ودودة. أما كلمة «ربي» فهي طريقة نطق السفارد لكلمة «راباي».
الربانيون
Rabbis

(14/106)


كلمة «ربانيون» هي صيغة جمع المذكر في العربية لكلمة «رباني»، وهذه كلمة كان يستخدمها العرب أيام الرسول (عليه الصلاة والسلام) للإشارة إلى الحاخامات، أي رجال الدين اليهودي وفقهائه، وهي مرادفة لكلمة «أحبار».
الأحبار
Rabbis
«الأحبار» صيغة جمع عربية لكلمة «حبر» وهو «العالم». وهي كلمة كان العرب أيام الرسول (عليه الصلاة والسلام) يستخدمونها للإشارة إلى الحاخامات أي رجال الدين اليهود وفقهائه، وهي مرادفة لمصطلح «ربانيون». والأصل في الكلمة هو «حباريم» أي «الرفاق» وكذلك من كلمة «حور» أي الذين يرتدون أردية بيضاء. وربما يرجع المصطلح إلى اشتغالهم بالتدوين (محبريم).
رسامة الحاخام
Ordination
«رسامة الحاخام» هي المقابل العربي لكلمة «سميخاه» العبرية التي تعني «ترسيم الحاخام» بعد أن يتلقى الدراسة اللازمة بحيث يصير مصرحا له بأن يحكم في الأمور الخاصة بالشعائر والشرائع (وهي تعود للكلمة الآرامية «سميخا» وتعني «من يستند إليه»، أي «من هو أهل للثقة في شئون الشريعة»). ولكل فرقة يهودية حديثة معاهدها الخاصة لإعداد الحاخامات الذين سيعملون في المعابد التابعة لها. والآن، يرسم النساء والشواذ جنسيا كحاخامات في الولايات المتحدة.
المرتل (حزان)
Cantor, Hazzan

(14/107)


«المرتل» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «حزان»، المشتقة من الكلمة الآشورية «حزانو» بمعنى «الحاكم» أو «المراقب». والكلمة كانت تشير إلى أي موظف يقوم بوظيفة معينة في الجماعة، ثم صارت تشير إلى المواطن الذي توكل إليه مهمة الحفاظ على النظام والأمن في المدينة وتنفيذ أحكام الجلد. وكان الحزان يضطلع أيضا ببعض الوظائف الدينية مثل تلاوة التوراة في المعبد وإنشاد القصائد الدينية. وتشير الكلمة في الوقت الحاضر إلى المرتل وهو قائد الإنشاد في الصلوات اليهودية. ولم يكن المصلون في العصور القديمة في حاجة إلى قائد أو مرشد، ولكنهم بنسيانهم العبرية، بدأت تظهر حاجتهم إلى قائد حتى أصبح المنشد جزءا من الصلاة، وأصبح من الواجب توافر شروط معينة في الفرد ليضطلع بهذه الوظيفة. وفي العصر الحديث، يقوم الحاخام في كثير من الأحيان بدور قائد الجوقة.
وكانت هذه الوظيفة مقصورة على الذكور من قبل، ولكن الإناث سمح لهن بالقيام بها تحت ضغط حركات التمركز حول الأنثى. وقد ألغيت وظيفة المرتل في كثير من المعابد الإصلاحية، وخصوصا في أوربا.
الواعظ أو ملاك العرفان (مجيد)
Maggid
«مجيد» كلمة عبرية تعني حرفيا «من يخبر»، وجمعها العبري «مجيديم». وللكلمة معنيان، أحدهما عادي ويعني «الواعظ الشعبي المتجول». وظاهرة الواعظ المتجول معروفة منذ القدم بين الجماعات اليهودية ولكنها انتشرت في القرن الثامن عشر، ويعزى نجاح الحركة الحسيدية إلى مثل هؤلاء الوعاظ. وكانت كلمة «مجيد» في الحركة الحسيدية تشير إلى أقرب الأشخاص للتساديك، الذي يروي عنه كراماته.
والمعنى الآخر للكلمة ذو مضمون حلولي، فهي تشير إلى «الملاك»، أو «الروح السماوية» التي تنقل للعلماء الأتقياء العرفان والحكمة بطريقة مبهمة (عادة أثناء نومهم)، ولذا فنحن نشير إلى «ملاك العرفان».

(14/108)


ومن أشهر العلماء الذين تلقوا الحكمة بهذه الطريقة - حسبما جاء في الموروث الديني اليهودي - موسى كوردوفيرو، وحاييم فيتال، وجوزيف كارو، وكلهم من العارفين بأسرار القبالاه. وقد أكدت الحركات الشبتانية فكرة ملاك العرفان وأهمية المعرفة التي ينقلها إلى زعماء هذه الحركات وقادتها.
الباب الرابع عشر: الصلوات والأدعية
الصلوات اليهودية
Jewish Prayers
«تفيلاه» بالعبرية، وكانت تعني في أصلها «الإرهاق» أو «تعذيب الذات وإظهار الخضوع». والصلاة أهم الشعائر التي تقام في المعبد اليهودي. ويذكر سفر التكوين جملة صلوات متفرقة وعبادات، كما يذكر الضحايا والقرابين التي يجب أن يقدمها اليهودي للإله. ولم تكن الصلوات في بادئ الأمر محددة ولا إجبارية، بل كانت تتلى ارتجالا حسب الأحوال والاحتياجات الشخصية والعامة. وثمة إشارة إلى بعض المظاهر المقدسة مثل وضع بعض الأحجار على هيئة مذبح قبل التضرع للإله. ومع التهجير إلى بابل، بطلت الضحايا والقرابين وظهرت العبادات بالصلوات. وقد بدأ علماء المجمع الأكبر في وضع قوانينها وفي تقنينها ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد. ولم تكتمل هذه العملية إلا بعد هدم الهيكل وانتهاء العبادة القربانية المركزية التي كانت تأخذ شكل تقديم الحيوانات والنباتات، وحلت محلها الصلاة التي كان يطلق عليها «قربان الشفتين» أو «عبادة القلب». واستغرقت هذه العملية، كما تقدم، وقتا طويلا. وعلى أية حال، فإنها لم تستقر تماما، إذ كان يضاف إلى الصلوات قصائد البيوط التي يؤلفها الشعراء الدينيون. ثم أدخلت تعديلات جذرية على الصلوات ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر.

(14/109)


ولا يزال مضمون الصلوات خاضعا للتغيير حسب التغيرات السياسية والأحداث التاريخية. ففي صلاة الصبح كان اليهودي يشكر الإله على أنه لم يخلقه أمميا، أي من غير اليهود (الأغيار). والجزء الختامي من الصلاة نفسها، والذي يتلى أيضا في صلوات رأس السنة اليهودية ويوم الغفران، يبدأ بالدعاء التالي: "نحمد إله العالمين... أنه لم يجعلنا مثل أمم الأرض... فهم يسجدون للباطل والعدم ويصلون لإله لا ينفعهم". وقد حذف الجزء الأخير من الصلوات في غرب أوربا، وظل يتداول شفويا في شرق أوربا وإسرائيل. وبدأ يعاد طبعه مرة أخرى في كتب الصلوات في إسرائيل. كما يمكن أن تضاف أدعية وابتهالات مرتبطة بأحداث تاريخية وقومية مختلفة ودعاء للحكومة. وقد كانت الصلاة تقام بالعبرية أساسا. ولكن، مع حركة إصلاح اليهودية، أصبحت الصلاة تؤدى بلغة الوطن الأم، وإن كان الأرثوذكس قد احتفظوا بالعبرية، ويطعم المحافظون صلواتهم بعبارات عبرية.
وتعد الصلاة واجبة على اليهودي الذكر لأنها بديل للقربان الذي كان يقدم للإله أيام الهيكل، وعلى اليهودي أن يداوم على الصلاة إلى أن يعاد بناء الهيكل، وعليه أن يبتهل إلى الإله لتحقيق ذلك. أما عدد الصلوات الواجبة عليه فهي ثلاث صلوات كل يوم:
1 ـ صلاة الصبح (شحاريت)، وهي من الفجر حتى نحو ثلث النهار.
2 ـ صلاة نصف النهار، وهي صلاة القربان (منحه)، من نقطة الزوال إلى قبيل الغروب.
3 ـ صلاة المساء (معاريف)،من بعد غروب الشمس إلى طلوع القمر.
وكانت الصلاتان الأخيرتان تختزلان إلى صلاة واحدة (منحه ـ معاريف). ويجب على اليهودي أن يغسل يديه قبل الصلاة، ثم يلبس شال الصلاة (طاليت) وتمائم الصلاة (تفيلين) في صلاة الصباح، وعليه أيضا أن يغطي رأسه بقبعة اليرملكا. والصلوات اليهودية قد تكون معقدة بعض الشيء، ولذا سنكتفي بالإشارة إلى القواعد العامة والعناصر المتكررة:

(14/110)


1 ـ يسبق الصلاة تلاوة الأدعية والابتهالات، ثم قراءة أسفار موسى الخمسة في أيام السبت والأعياد، وتعقبها كذلك الابتهالات والأدعية، وهذه الأدعية والابتهالات لا تتطلب وجود النصاب (منيان) اللازم لإقامة الصلاة لأنها ليست جزءا أساسيا من الصلاة. أما الصلاة نفسها فتتكون من:
أ) الشماع، أي شهادة التوحيد اليهودية.
ب) الثمانية عشر دعاء (شمونة عسريه) أو العميداه. وهي تسعة عشر دعاء كانت في الأصل ثمانية عشر، ومن هنا كانت التسمية.
جـ) دعاء القاديش.
هذا وتضاف صلاة تسمى «موساف» (الإضافي) يوم السبت وأيام الأعياد. أما في عيد يوم الغفران، فتبدأ الصلاة بتلاوة دعاء كل النذور في صلاة العشاء، وتضاف صلاة تسمى «نعيلاه» (الختام).
والصلاة نوعان: فردية ارتجالية تتلى حسب الظروف والاحتياجات الشخصية، ولا علاقة لها بالطقوس والمواعيد والمواسم، وأخرى مشتركة. وهذه صلوات تؤدى باشتراك عشرة أشخاص على الأقل يطلق على عددهم مصطلح «منيان» أي «النصاب» في مواعيد معلومة وأمكنة مخصوصة حسب الشعائر والقوانين المقررة. ويردد الصلوات كل المشتركين فيها، إلا أجزاء قليلة يرددها القائد أو الإمام أو المرتل (حزان) بمفرده.

(14/111)


ويتجه اليهودي في صلاته جهة القدس، وأصبح هذا إجراء معتادا عند يهود الشرق كافة. أما في القدس نفسها، فيولي المصلي وجهه شطر الهيكل. وتوجد كتب عديدة للصلوات اليهودية لا تختلف كثيرا في أساس الصلاة والابتهالات، ولكن الخلافات تنحصر في الأغاني والملحقات الأخرى. وقد تغيرت حركات اليهود أثناء الصلاة عبر العصور، ففي الماضي كان اليهود يسجدون ويركعون في صلواتهم (ولا يزال الأرثوذكس يفعلون ذلك في الأعياد)، ولكن الأغلبية العظمى تصلي الآن جلوسا على الكراسي، كما هو الحال في الكنائس المسيحية، إلا في أجزاء معينة من الصلاة مثل: تلاوة الثمانية عشر دعاء (شمونه عسريه)، فإنها تقرأ وقوفا في صمت. ولا يخلع اليهود نعالهم أثناء الصلاة (باستثناء الفلاشاه والسامريين).
ويلاحظ أن عدد المصليات في الوقت الحاضر يزيد على عدد المصلين في كثير من المعابد اليهودية (الإصلاحية أو المحافظة) مع أن العقيدة اليهودية لا تكلف النساء بالذهاب إلى المعبد، وليس بإمكانهن تلاوة الأدعية إلا في أجزاء من أدعية معينة مقصورة عليهن ـ ولا شك في أن المحيط المسيحي قد ترك أثرا في اليهودية في هذا الشأن.

(14/112)


وقد اكتسبت الصلاة أهمية غير عادية في التراث القبالي الحلولي، فالقباليون يؤمنون بأن ما يقوم به اليهودي في العالم السفلي يؤثر في العالم العلوي. والصلوات من أهم الأفعال التي يقوم بها اليهودي في هذا المضمار، فالصلاة مثل التعويذة السحرية التي يستطيع من يتلوها أن يتحكم في العالم العلوي. ولما كان اليهود العنصر الأساسي في عملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون)، وهي العملية التي تتم بمقتضاها استعادة الشرارات الإلهية التي تبعثرت وولادة الإله من جديد، فهي تسرع بالتقريب بين العريس/الملك، والعروس/الملكة (الشخيناه) وتوحد بينهما، كما تسهم في عقد الزواج المقدس بينهما . ولذا، فإن اليهودي قبل أن يؤدي صلاته، يقول: «من أجل توحيد الواحد المقدس... مع أنثاه (الشخيناه)». والتوحيد هنا يحمل معاني جنسية صريحة. والهدف من صلاة الصباح بالذات الإسهام في عملية الجماع الجنسية هذه، وكل فقرة توازي مرحلة من مراحل الوحدة أو الجماع. فبعد الفقرة الأولى من الصلاة تقترب الابنة المقدسة مع وصيفاتها، وبعد الفقرة الثانية يضع الإله (متجسدا في الابن) ذراعه حول رقبتها، ثم يلاطفها ويربت على ثدييها. ومع نهاية الصلاة، يتم الجماع (وهذا تعبير متبلور عن الاتجاه الجنسي داخل المنظومة الحلولية، وخصوصا في مرحلة وحدة الوجود).
ويلاحظ أن كلمة «ييحود»، والتي تعني الاجتماع أو التوحيد، تستخدم في النصوص القانونية الشرعية للإشارة إلى فكرة الجماع الجنسي. وعلى ذلك فإن الييحود هو الاجتماع/الجماع. وحينما يتلو اليهودي دعاء قبل الصلاة، فإنه يقول فيه إنه سيقوم بالصلاة حتى يتحقق الزواج المقدس (هازيفوج هاقادوش). ولكل فرقة يهودية منهاج أو عرف خاص بها. ولذا، يمكننا الحديث عن «المنهاج الإشكنازي»، و«المنهاج السفاردي».
الأدعية (الابتهالات واللعنات)
Benedictions and Curses

(14/113)


كلمة «دعاء» العربية تعني «الابتهال» أو «الدعاء للناس» أو «الدعاء عليهم». وتستخدم الكلمة للتعبير عن الكلمتين العبريتين «براخاه» (حرفيا «بركة»). و«كيلالاه» (حرفيا «لعنة»)، وتشير كلمة «أدعية» إلى كل من الابتهالات واللعنات. وجمع كلمة «براخاه»، هو «براخوت» وهي مشتقة من فعل «بيراخ»، أي «يخر ساجدا على ركبتيه» أو «يتشفع» أو «يسبح الإله». لكن كلمة «براخوت» قد تعني «بركة» (منحه بركته) وقد تعني أيضا «أدعية» (دعا له)، وثمة إشارات عديدة في العهد القديم إلى منح البركات في مناسبات عدة مثل الرحيل (تكوين 74/10 خروج 4/18) وعند ولادة طفل (تكوين 5/29 وراعوث 4/14) وعند الزواج (تكوين 24/60، ومزمور 45 وراعوث 4/11 ـ 12)، ولكن أهم البركات هي تلك التي كان يمنحها الأب (المسن الذي على حافة الموت) لأبنائه، فقد بارك نوح ابنيه شيم وجافت (تكوين 9/26 ـ 27) وبارك إسحق يعقوب وعيسو (تكوين 27 و28/1 ـ 4) كما بارك يعقوب (تكوين 49) حفيديه إفرايم ومنسى (تكوين 48/13 ـ 22).

(14/114)


ويبدو أن البركة الممنوحة (مثل اللعنة) لها قوة سحرية مرتبطة بالكلمة نفسها،فهي بمنزلة صيغة سحرية.ولم تكن الكلمة مجرد تعبير عن عواطف أو مجرد دال يشير إلى مدلول، وإنما كان ينظر إليها باعتبارها حروفا تحمل قوة خارقة ينتج عنها واقع ما (مثل كلمة «الإله» الذي خلق العالم من خلالها،ومثل التوراة باعتبارها جسد الإله القادر).كما أنه إذا نطق شخص ما كلمات البركة فإنه يفقد هو نفسه قدرته على التحكم فيها وتصبح مستقلة عن إرادته، وهذا يفسر واقعة إسحق الأعمى حينما بارك يعقوب عن طريق الخطأ بدلا من عيسو لأن يعقوب قد خدعه بمساعدة أمه (تكوين 27/33 ـ 38)، كما يفسر واقعة العراف أو النبي بلعم الذي كان يحاول أن ينطق بلعنة على جماعة يسرائيل ولكنه وجد نفسه ينطق بالبركة رغما عنه (أعداد 22/12 و 23/8)،فأي من إسحق وبلعم لا يمكنه أن يغير البركة التي نطق بها، فهي مستقلة عن إرادة من تفوه بها وكأنها تعويذة سحرية.
وجاء في سفر التثنية (11/29) أن الإله نصح موسى أن يجعل البركة على جبل جريزيم واللعنة على جبل عيبال، وهذا يعني أن البركة واللعنة (كقوتين ماديتين) ستستقر واحدة منهما على جبل وستستقر الأخرى على الجبل الآخر.
ولعل هذا يفسر أهمية بركات الآباء الذين يقفون على مشارف الموت (والأزلية)، فهم يقفون في منطقة تخومية (برزخية) يستمدون قوة من العالم الذي سيتحركون إليه. ولذا، فإن بركاتهم (أو تعويذاتهم السحرية اللفظية) كانت تعد ذات قوة خاصة. ويلاحظ أن البركات واللعنات هنا لا تحمل مضمونا أخلاقيا وإنما تحمل مضمونا سحريا، الأمر الذي يشير إلى إطارها الحلولي.

(14/115)


وكما أسلفنا، تطور معنى كلمة «براخوت» وأصبحت تشير إلى الابتهالات التي تتضمن دعاء. ولكن، ومع هذا، ظل البعد السحري هناك دائما. وتشكل الأدعية المعروفة باسم الثمانية عشر دعاء (شمونه عسريه) جزءا أساسيا من الصلوات اليهودية. وأهم الأدعية التي تتلى في الصلاة هي «مبارك أنت يا إلهي» (باروخ أتاه أدوناي).
وهناك أدعية أخرى في المناسبات المختلفة من أهمها:
1 ـ أدعية الأوامر والنواهي، وتكون قبل أن يقوم اليهودي بأداء أي من الأوامر، مثل وضع تميمة الباب (مزوزاه) على الباب أو إضاءة شموع السبت.
2 ـ أدعية تقال عند الاستمتاع بشيء ما مثل الطعام والروائح العطرية.
3 ـ أدعية تقال بعد تناول الطعام.
4 ـ أدعية تقال في المناسبات، وخصوصا الدعاء الذي يقوله الأب حينما يصل ابنه سن البلوغ.
5 ـ أدعية النجاة من الضيق والأذى، وتقال عند العودة من سفر طويل أو عند النجاة من مكروه.
6 ـ دعاء الشهر، وىكون عند نهاية كل شهر لمباركة الشهر التالي.
7 ـ دعاء القمر، وىكون عند مشاهدة أشعة القمر الجديد.
8 ـ دعاء الشمس، وىكون كل ثمانية وعشرين عاما.
كما ينطق اليهودي بأدعية أخرى عندما يمر على مدافن اليهود أو عندما يرى حشدا كبيرا من أبناء ملته.

(14/116)


وعلى عكس الدعاء لشخص ما (بالبركة) يمكن توجيه اللعنة إليه أو الدعاء عليه، أي دعوة الله بإنزال اللعنة عليه. فكما يتمتم اليهودي بالأدعية، فإنه يردد اللعنات. فإذا كانت المدافن لغير اليهود، فإنه يدعو على أمم الموتى، وإذا رأى حشدا كبيرا من غير اليهود طلب من الإله أن يهلكهم. وإذا مر على منزل مهدم يملكه يهودي فإنه يدعو الإله أن يعمره مرة أخرى، أما إذا كان مالكه غير يهودي، فإنه يحمد الإله على انتقامه من الأغيار. وقد تقلص نطاق اللعنة، وأصبح ينطبق على الكنائس، وأماكن العبادة التي تخص المسيحيين وغيرهم (واستثنيت أماكن العبادة الخاصة بالمسلمين). وعدلت اللعنة، فأصبح على اليهودي أن يبصق حينما يرى صليبا ويتلو الإصحاح التالي من سفر التثنية: « ولا تدخل رجسا إلى بيتك لئلا تكون محرما مثله. تستقبحه وتكرهه لأنه محرم ». والرجس هنا إشارة إلى الصليب. وفي القرن الرابع عشر، شيد ملك بوهيميا تشارلز الرابع (وكان إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة) صليبا ضخما في براغ. وحينما أخبروه عن عادة البصق هذه فرض على أعضاء الجماعة اليهودية أن يكتبوا على الصليب لفظة «أدوناي» (أحد أسماء الإله في اليهودية) التي يجلها اليهود ولا يجسرون على الإتيان بأفعال تنم عن ازدرائها. ويجب التنبيه على أن مثل هذه الممارسات كان يقوم بها بعض الجماعات اليهودية وليس كلها، وفي بعض المراحل التاريخية وليس في كل زمان ومكان، كما أن كثيرا من هذه التقاليد الدينية العنصرية آخذة في التآكل بين غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، ولكنها آخذة في التزايد بين الصهاينة الأرثوذكس في إسرائيل. وقد استخدم سلاح استمطار اللعنات والبركات في انتخابات الكنيست عام 1988. فكان حاخامات الأحزاب الدينية يدعون بالبركات (بالمال والبنين) لكل من يدلي بصوته لمرشحهم، ويدعون باللعنات على من لا يفعل. وقد صدر قرار في إسرائيل بمنع

(14/117)


استمطار اللعنات أثناء المعارك الانتخابية.
اللعنات
Curses
«اللعنات» عكس البركات (انظر: «الأدعية [الابتهالات واللعنات]»).
الشماع
Shema
دعاء «الشماع» من كلمة «شمع» العبرية وتعني «اسمع» (ويعرف أيضا باسم «قريئات شماع» ويختصر إلى «قريشماع»). وكلمة «شماع» أول كلمة في نص من نصوص العهد القديم تقرأ في صلاة الصباح والمساء « اسمع يا يسرائيل الرب إلهنا رب واحد » (تثنية 6/4). والشماع ككل يتكون من النصوص التالية:
1 ـ « اسمع يا يسرائيل الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك. وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق وحين تنام وحين تقوم. واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك. واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك » (تثنية 6/4 ـ 9).
2 ـ « فإذا سمعتم لوصاياي التي أنا أوصيكم بها اليوم لتحبوا الرب إلهكم وتعبدوه من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم، أعطي مطر أرضكم في حينه المبكر والمتأخر. فتجمع حنطتك وخمرك وزيتك. وأعطي لبهائمك عشبا في حقلك فتأكل أنت وتشبع. فاحترزوا من أن تنغوي قلوبكم فتزيغوا وتعبدوا آلهة أخرى وتسجدوا لها فيحمى غضب الرب عليكم ويغلق السماء فلا يكون مطر ولا تعطي الأرض غلتها. فتبيدون سريعا عن الأرض الجيدة التي يعطيكم الرب. فضعوا كلماتي هذه على قلوبكم ونفوسكم واربطوها علامة على أيديكم ولتكن عصائب بين عيونكم. وعلموها أولادكم متكلمين بها حين تجلسون في بيوتكم وحين تمشون في الطريق وحين تنامون وحين تقومون. واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك. لكي تكثر أيامك وأيام أولادك على الأرض التي أقسم الرب لآبائك أن يعطيهم إياها كأيام السماء على الأرض » (تثنية 11/13 ـ 21).

(14/118)


3 ـ "وكلم الرب موسى قائلا: كلم بني يسرائيل وقل لهم أن يصنعوا لهم أهدابا في أذيال ثيابهم في أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانجوني. فتكون لكم هدبا فترونها وتذكرون كل وصايا الرب وتعلمونها ولا تطوفون وراء قلوبكم وأعينكم التي أنتم فاسقون وراءها. لكي تذكروا وتعلموا وصاياي وتكونوا مقدسين لإلهكم. أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر ليكون لكم إلها. أنا الرب إلهكم". (عدد 15/37 ـ 41).
وتقرأ الشماع في صلاة الصباح والمساء، ولا تتلى في صلاة الظهر. وعلى اليهودي أن ينطق بعبارة التوحيد قبل موته، أو ينطق له بها أحد الواقفين بجواره.
والعبارات الأولى في الشماع قد تعطي انطباعا بأن ثمة اتجاها توحيديا قويا، وأنها من ثم تشبه شهادة التوحيد الإسلامية وتقترب منها. ولكن الدارس المدقق يلاحظ الفروق الجوهرية بينهما:

(14/119)


فالشماع جزء من كل، والكل (أي التركيب الجيولوجي اليهودي) يحوي طبقة حلولية واضحة تتنافى مع التوحيد الذي تعبر عنه هذه العبارة الأولى. وحتى لو أخذنا العبارة الأولى من الشماع بمفردها، فسنلاحظ أنه بينما تبدأ الشهادة الإسلامية بضمير المتكلم (المفرد)، أي أن الإنسان الفرد صاحب الضمير الفردي والمسئولية الخلقية يشهد على أن الله، إله العالمين، واحد أحد، أما الشماع فتبدأ بخطاب إلى الأمة ككل، وهو ما يعطي الشماع بعدا جماعيا قوميا. ثم ينتقل الشماع بعد ذلك للتأكيد على أن « الرب إلهنا » والواقع أن استخدام ضمير المتكلمين، في العقيدة اليهودية بأكملها، ذو دلالة قومية جماعية عميقة، فهو يخصص الإله ويجعله مقصورا على اليهود أو الشعب المختار الذي يحل فيه الإله. لكن تخصيص الإله لشعب معين قد يفيد التوحيد ولكنه لا يفيد الوحدانية الخالصة ويجعلها تقترب من التغليبية (وهي نوع من التوحيد البدائي) يفيد الإيمان بعدد من الآلهة يترأسهم إله واحد. وهو ما يحمل معنى الشرك بالإله (على عكس الشهادة الإسلامية التي تعني عدم وجود إله آخر سوى الله). ويتأكد هذا الموضوع الأساسي في بقية الدعاء: "وتعبدوا آلهة أخرى وتسجدوا لها". ويختم الدعاء هكذا "أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من مصر ليكون لكم إلها. أنا الرب إلهكم".
ولكن الأهم من هذا كله هو بقية العبارات المستقاة من العهد القديم. فثمة إشارات عديدة إلى بعض الشعائر مثل: تمائم الصلاة (تفيلين)، وشال الصلاة (طاليت)، وتميمة الباب (مزوزاه). وتستغرق الإشارات إلى هذه الشعائر نصف الدعاء تقريبا. وهذه الشعائر ذات اتجاه حلولي واضح فهي تؤكد انفصال اليهود وقداستهم واختيارهم: (وتكونوا مقدسين لإلهكم).

(14/120)


والجزء الثاني من الدعاء (تثنية 11/13 ـ 21) يؤكد المكافأة المادية المباشرة التي سيمنحها الإله للشعب، لو أنه نفذ الوصايا. وهناك إشارة إلى « الأرض الجيدة التي يعطيكم الرب ». وبذا، تكتمل كل علامات الحلولية المتطرفة ، فثمة إله يحل في الشعب والأرض فيكتسب كل من الشعب والأرض قداسة. ولذا، لابد أن يعزل نفسه عن بقية العالم، ومن هنا كثرة الشعائر، فنحن أمام تركيب جيولوجي تراكمي مدهش يبدأ بالتعبير عن التوحيد وينتهي بالحلولية المتطرفة.
ورغم التشابه اللفظي والمضموني السطحي، فإن البنية الكامنة للشماع، والتي لابد أن ينظر إليها في علاقتها بالطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي، تدل على أن نص التوحيد اليهودي ليست له علاقة كبيرة بالشهادة الإسلامية، وهذا ينطبق أيضا على كثير من الجوانب التي يتصور أنها مشتركة بين اليهودية والإسلام مثل الختان وقوانين الطعام.
ويجب أن نشير إلى أن العنصر الحلولي ازداد قوة في القرن العشرين، كما اكتسب الشعب مطلقية وقداسة تفوق ما كان يتصور أنه تمتع بها في الماضي. وبظهور اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية (التي تعبر عن شحوب فكرة الإله داخل الثالوث الحلولي) والصهيونية (التي تعبر عن حلولية بدون إله)، ومع تزايد صهينة الدين اليهودي، ومع تزايد تأكيد مقولة الشعب العضوي (فولك)، فإننا سنكتشف أن الحديث عن وحدانية الإله هو في واقع الأمر حديث عن وحدانية الشعب وتماسكه.
الثمانية عشر دعاء (شمونه عسريه - عميداه)
(Eighteen Benedictions (Shemoneh Esreh; Amidah

(14/121)


تعتبر «الثمانية عشر دعاء» أهم أجزاء الصلاة اليهودية عند الإشكناز، وعبارة «شمونه عسريه» معناها «ثمانية عشر». أما كلمة «براخوت» التي تعني «الأدعية» (بمعنى بركات) فهي مفهومة ضمنا. وعند السفارد يشار إلى هذه الأدعية بكلمة «عميداه» وتعني «الوقوف» لأنها تتلى وقوفا. كما تعرف باسم «تفيلاه»، أي «الصلاة» وحسب. وكان عدد الأدعية (أو البركات) ثمانية عشر عندما قام جملالئل الثاني ورجال المجمع الأكبر بتقنينها وإعطائها شكلها النهائي. ومن هنا جاء الاسم، ولكن أضيف إليها دعاء إضافي، فأصبحت الأدعية تسعة عشر.
والثمانية عشر دعاء تشكل الجزء الأساسي في الصلاة اليهودية، وتتلى في كل الصلوات في كل الأيام وفي الأعياد كافة، ومن ذلك صلاة الختام (نعيلاه) التي لا تقام إلا في يوم الغفران. والأدعية هي:
1 ـ «آبوت»، أي «الآباء»، وهو إشارة إلى عهد الإله مع الآباء.
2 ـ «جبروت»، أي «القوة»، وهو وصف للمقدرة الإلهية. ويسمى أيضا «تحيت هميتيم»، أي «بعث الموتى»، إذ توجد فيه عدة إشارات إلى الإله الذي يحيي الموتى.
3 ـ «قيدوشوت»، أي «التقديس»، ويسمى أيضا «قيدوشيت هشيم»، أي «تقديس الاسم»، وهو مدح لقداسة الإله.
4 ـ «بيناه»، أي «الذكاء»، أو «بريحات حوخمه»، وهو صلاة الحكمة، ويتضمن طلب الحكمة.
5 ـ «تشوفاه»، أي «التوبة»، وهو تضرع إلى الإله لأن يأتي بالتوبة، فهو يحب التوابين.
6 ـ «سليحاه»، أي «المغفرة»، وهو دعاء من أجل المغفرة.
7 ـ «جئيولاه»، أي «الخلاص»، وهو دعاء من أجل أن يأتي الإله بالخلاص، فهو «مخلص جماعة يسرائيل».
8 ـ «بركات هاحوليم»، وهو دعاء من أجل شفاء المرضى، وينتهي هذا الدعاء بوصف الإله بأنه «هو الذي يشفي مرضى شعبه يسرائيل».
9 ـ «بركات هشانيم»، أي «دعاء من أجل السنين الطيبة»، وهو دعاء من أجل أن يجعل الإله العام المقبل عام خير.

(14/122)


10 ـ «كيبوتس جاليوت»، أي «تجميع المنفيين»، وهو دعاء من أجل جمع المنفيين، أي اليهود المنتشرين في كل بقاع الأرض، فهو «الذي سيجمع المنفيين من شعبه يسرائيل ».
11 ـ «بركات هدين»، وهو الدعاء من أجل العدل، ومن أجل أن يحكم الإله ببراءة المصلين في يوم الحساب في آخر الأيام.
12 ـ «بركات هامنيم»، وهو دعاء على المهرطقين أو الكفار، ويقصد به أساسا المسيحيون والمتنصرون من اليهود. وقد أضافه جماليل الثاني عام 100 ميلادية حتى يفصل بين المسيحيين واليهود. وجاء في هذا الدعاء:« فليحط [الإله] اليأس على قلب المرتدين، وليهلك كل المسيحيين في التو »، فالإله هو « الذي يحطم الأعداء ويذل المتكبرين ». وقد تم تعديل الصيغة على مر السنين تحت ضغط من الحكومات. ففي القرن الرابع عشر عدل هذا الدعاء ليصبح «وليهلك كل المهرطقين في التو » (ولكنهم بدأوا مرة أخرى في إسرائيل يعودون إلى الصيغة الأولى).
13 ـ «بركات تساديكيم»، أي الدعاء من أجل الصديقين.
14 ـ «بركات يروشاليم»، أي الدعاء من أجل القدس. وكان هذا الدعاء، في البداية، دعاء من أجل أن يحمي الإله القدس، ولكنه عدل ليشير إلى إعادة بناء القدس (بنيان يروشليم).
15 ـ «بركات داود»، أي الدعاء من أجل داود، أي عودة الماشيح المخلص.
16 ـ «قبلات تفيلاه»، أي قبول الصلاة، وهو دعاء بأن يسمع الإله كل صلوات جماعة يسرائيل.
17ـ «عفوداه»، أي العبادة، وهو دعاء بأن يقبل الإله الصلاة.
18 ـ «هوداءاه»، أي الحمد أو الشكر، ويتضمن هذا الدعاء الشكر والحمد للإله لما يخص به شعب يسرائيل من فضل.
19 ـ «بركات هاكوهانيم»، أي بركة الكهان، وهو الدعاء من أجل السلام، ويختم بعبارة: « فأنت الذي تبارك شعبك يسرائيل بالسلام ».

(14/123)


ويلاحظ أن الأدعية تعكس تركيب اليهودية الجيولوجي، من تأرجح بين التوحيد والحلولية، وتأرجح بين العالمية والانغلاق. كما يلعب التفسير دورا أساسيا هنا، فكثير من المصطلحات، مثل «جبروت» وغيرها، أصبحت أسماء للتجليات النورانية العشرة (سفيروت) في القبالاه اللوريانية. وقد أعطى القباليون معنى محددا لكل الأدعية واستوعبوها تماما في نسقهم الحلولي.
وكل من الثلاثة أدعية الأولى والأخيرة، هي الأساسية، وهي أيضا أقدم الأدعية وتتلى في كل الصلوات، وتحذف الثلاثة عشر الوسطى في يوم السبت والأعياد، وتحل محلها أدعية تخص العيد الذي يحتفل به.
ويبدو أن تاريخ الأدعية الثمانية عشر يعود إلى أيام جملائيل الثاني. وقد كان لها صيغ متعددة تختلف من جماعة إلى أخرى حتى أن أحد الفقهاء اليهود في أشبيلية اشتكى عام 1350 من أنه لا يوجد نص يشبه الآخر.
وفي العهد الحديث، غيرت اليهودية الإصلاحية النص من ناحية الشكل والمضمون، فاستبعدت كل الإشارات القومية وفكرة عودة الماشيح والإيمان بالبعث. وبطبيعة الحال، تم استبعاد الدعاء الثاني عشر تماما. أما المحافظون، فقد عدلوها بحيث تصبح الإشارة لا إلى المهرطقين وإنما إلى الهرطقة نفسها.
شمونه عسريه
Shemoneh Esreh
انظر: «الثمانية عشر دعاء (شمونه عسريه - عميداه)».
صلاة الختام (نعيلاه)
Neilah
«صلاة الختام» هي المقابل العربي لعبارة «نعيلاه» العبرية ومعناها «الختام»، و«نعيلاه» تعني أيضا «إغلاق البوابة». وقد كانت صلاة الختام في الماضي صلاة تقام في الهيكل قبل إغلاق البوابات (نعيلات شعاريم)، كما كانت تتلى في أيام الصوم، ولكنها لا تتلى الآن إلا في يوم الغفران. وهي آخر الصلوات الخمس التي تقام في ذلك اليوم، فهي خاتمة اليوم. ويرتدي المصلون شال الصلاة (طاليت) مثلما يفعلون في كل الصلوات في ذلك اليوم، وينفخ في البوق (شوفار) عند انتهائها.
الصلاة الإضافية (موساف)

(14/124)


Mussaph
«الصلاة الإضافية» هي المقابل العربي لعبارة «موساف» العبرية ومعناها «الإضافي». والموساف صلاة إضافية بعد صلاة الصباح في يوم السبت وفي بعض الأعياد: أعياد الحج والقمر الجديد ورأس السنة ويوم الغفران، وهي الأعياد التي كانت تتطلب قربانا إضافيا. وتتضمن الصلاة وصفا للقربان الذي كان يفترض تقديمه. كما أن الصلاة الإضافية الخاصة بيوم الغفران تتضمن وصفا لصلاة الكاهن الأعظم في ذلك اليوم.
الدعاء للحكومة
Prayer for the Government
«الدعاء للحكومة» من التقاليد الدينية الراسخة في اليهودية على عكس ما يتصوره الصهاينة والمعادون لليهود. فالاندماج من الظواهر الأساسية التي تسم الجماعات اليهودية، ويتبدى ذلك في ولائها للحكومات أو السلطات الحاكمة. وبعد سقوط آخر معاقل الحكم العبراني في المملكة الجنوبية (عند التهجير إلى بابل)، نصح إرميا المهجرين بأن يصلوا لصالح المدينة التي قامت بنفيهم (إرميا 29/7): "واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها وصلوا لأجلها إلى الرب لأنه بسلامها يكون لكم سلام". ويتكرر الشيء نفسه في عزرا (6/10): "والصلاة لأجل حياة الملك وبنيه". والإشارة هنا إلى دارا الأعظم الذي أصدر أمرا بالسماح لليهود بالاستمرار في إعادة بناء الهيكل. وكذلك في الأمثال (24/21): " يابني اخش الرب والملك". وقد ظهر المفهوم الأساسي الخاص بأن شريعة الدولة هي الشريعة التي تجعل أمن الحكومة ضرورة لأمن أعضاء الجماعة اليهودية، وأصبح مفهوما مركزيا بالنسبة إلى أعضاء الجماعات وخصوصا بعد تزايد انتشارهم. ولذا، كان اليهود يقدمون قربانا باسم دارا في الهيكل الثاني، ويدعون له، ثم للأباطرة الرومانيين من بعده. وقد قال نائب الكاهن الأعظم في التلمود: "صلوا من أجل صالح النظام القائم، لأنه لولا الخوف منه لابتلع الناس بعضهم بعضا". وبعد هدم الهيكل، أكد الحاخامات الحاجة إلى الدعاء للحكومة بشكل أكبر.

(14/125)


والدعاء للحكومة لا يعكس فقط ولاء الجماعات اليهودية للحكومات، وإنما يعكس أيضا وضعها كجماعة وظيفية وسيطة قريبة من النخبة الحاكمة. وقد كانت الحكومة في الماضي (قبل ظهور المثل الديموقراطية) تعني السلطة الحاكمة بشكل واضح ومباشر. وقد ظهر هذا الارتباط بشكل واضح حينما نشب الصراع بين الحسيديين من جهة، والمتنجديم (ممثلي المؤسسة الحاخامية) من جهة أخرى، حيث اتهم المتنجديم الحسيديين بأنهم "لا يخافون إلا الإله ولا يخافون الإنسان"، أي السلطة الحاكمة، وذلك حتى تلقي الحكومة القبض عليهم. وتحوي أقدم كتب الصلوات اليهودية دعاء لحاكم البلد، كان يتلى كل يوم سبت بعد قراءة التوراة. وقد استمر هذا التقليد حتى الوقت الحاضر في الشرق والغرب.
ويعود أقدم الأدعية إلى وادي الراين (القرن الحادي عشر). ولكن الأدعية كانت متداولة أيضا في إسبانيا في ذلك الوقت نفسه. وقد حمل يهود السفارد معهم هذا الدعاء: "هو الذي يعطي الخلاص للملوك"، الذي أحرز شيوعا ولا يزال قائما في المعابد اليهودية في الكومنولث البريطاني. ويتلو الأرثوذكس في الولايات المتحدة الدعاء السابق ولكنهم يضيفون إليه العبارة التالية: "فليبارك الخالق الرئيس ونائب الرئيس ويحميهما، هما وكل موظفي هذا البلد". ويتلو اليهود المحافظون دعاء للولايات المتحدة فيقولون: "... وحكومتها وقادتها ومستشاريها".
أما في إسرائيل، فيوجد دعاء خاص من أجل الحكومة، ويبدأ بتأكيد أن "استقلال إسرائيل هو فجر خلاصنا"، ثم يطلب من الإله أن يحمي هذه الدولة، وأن يمنح قادتها النور والحق. ويعقب ذلك دعاء من أجل رخاء يهود العالم، وأن يتم جمع شملهم. وهناك، أخيرا، دعاء من أجل جنود الجيش الإسرائيلي.
البيوط
Piyyut

(14/126)


«بيوط» كلمة عبرية مشتقة من كلمة «بويايتيس» اليونانية التي تعني «إنشاد» أو «شعر» (ومنها كلمة «بويتري poetry» الإنجليزية). وجمع الكلمة العبرية هي «بيوطيم». وهي نصوص شعرية غنائية تتناول الموضوعات الدينية وتعبر عن المشاعر الدينية، وتدخل على الصلوات اليهودية بهدف إثرائها وتزيينها، خصوصا على صلوات الأعياد والسبوت.
ولغة البيوط هي أساسا عبرية المشناه، ولكنها تستخدم مفردات العهد القديم والآرامية، كما أن كتاب البيوط نحتوا كلمات جديدة تصل إلى بضعة آلاف. وتتميز البيوط كذلك بصيغ وبنى نحوية جديدة. وقد استخدم كتاب البيوط إشارات عديدة إلى العهد القديم والمدراش لا يفهمها إلا المتخصص في الأدب المدراشي.
ويعود تاريخ البيوط إلى القرن الخامس الميلادي في فلسطين. وعندما بدأت تقحم على الصلوات، اعترض فقهاء بابل على إدخالها. كما اعترض موسى بن ميمون، فيما بعد، على الصور الشعرية التي تضمها هذه القصائد، والتي كانت متطرفة غير مقبولة من الناحية الدينية، وخصوصا في حديثها عن الإله. ولكن رغم كل هذه الاعتراضات، استمر إقحام قصائد البيوط على الصلوات حتى صارت جزءا أساسيا منها.
ويتجه الإصلاحيون، بل والأرثوذكس، إلى إنقاص عدد قصائد البيوط، حتى لا تستغرق الصلاة وقتا طويلا، ولأن أسلوبها صعب غير مفهوم لمعظم أعضاء الأبرشية. وقصائد البيوط تعبير عن عدم تحدد النسق الديني اليهودي، وعن تركيبته الجيولوجية التراكمية التي تسمح له بضم أية عناصر أو عقائد مع عدم استيعابها، أو استبعاد أي عنصر مع عدم تأثر البناء ككل.
قراءة التوراة
Reading of the Law

(14/127)


« قراءة التوراة» ترجمة للعبارة العبرية « قريئت هتوراه»، وهي قراءة أسفار موسى الخمسة على المصلين في المعبد اليهودي. ويبدو أن شعيرة قراءة التوراة هي صدى للعادة المتبعة في الشرق الأدنى القديم حين كانت المعاهدات المبرمة بين الدول المنتصرة والتابعة تنص على أن تقرأ بنود المعاهدة في مكان عام على الملك والشعب مرة كل سبعة أعوام ، وأن توضع في المعبد بالقرب من الإله. فكأن التوراة هي العقد أو المعاهدة بين الإله باعتباره الملك المنتصر وجماعة يسرائيل باعتبارها الطرف الثاني في المعاهدة، وهي توضع في تابوت الشريعة باعتبارها نص المعاهدة.
وتقرأ التوراة قبل الصلاة في يوم السبت، وفي الأعياد، وفي عيد القمر الجديد في المعبد اليهودي، وفي أيام الصوم. كما تقرأ التوراة أيضا يومي الاثنين والخميس. وتستخدم في القراءة لفائف الشريعة. وينادى على المصلي (الذكر) الذي سيقوم بالتلاوة (علياه لتوراه)، فيتلو دعاء قبل قراءة التوراة ودعاء بعد القراءة. وينادى يوم السبت على سبعة أشخاص للقراءة، وعلى ستة في يوم الغفران، وعلى خمسة في الأعياد، مثل: عيد الفصح أو عيد الأسابيع أو عيد المظال أو عيد رأس السنة، وعلى أربعة في عيد القمر الجديد، وعلى ثلاثة (وهو أصغر عدد ممكن) في الأيام والمناسبات الأخرى مثل أيام الصوم. ولابد أن تضم مجموعة القراء كاهنا، ولاويا، ويسرائيليا (أي نفرا من جماعة يسرائيل أي يهوديا). وأهم القراءات هي التي تتم يوم السبت، حيث تقرأ أسفار موسى الخمسة، جزءا جزءا، وسفرا سفرا، ويتم الانتهاء منها في دورة كاملة.

(14/128)


وكانت هناك دورتان لقراءة أسفار موسى الخمسة: إحداهما بابلية، تختم القراءة فيها في عام، والأخرى فلسطينية تستغرق القراءة فيها ثلاث سنوات، وقد سادت الصيغة البابلية. وتقسم الأسفار إلى أربعة وخمسين جزءا (باراشيوت)، وتختم الصلاة في يوم «بهجة التوراة» (سمحت توراه) أو عيد الثامن الختامي (شميني عصيريت)، وتبدأ الدورة الجديدة في اليوم نفسه. ويضطر أحيانا إلى قراءة جزءين في يوم السبت حتى يمكن إكمال الدورة في عام واحد.
وكانت لفائف الشريعة تؤخذ من تابوت الشريعة، ثم تعاد إليه بطريقة احتفالية. وإذا كان بين المصلين الذكور شخص يحمل اسم «كوهين»، ينادى عليه أولا، ثم يليه لاوي، وأخيرا الحاخام. ويقرأ اليهودي الذي وصل سن التكليف الديني (برمتسفاه) من التوراة. وكانت لفائف الشريعة توضع مرة أخرى في تابوت الشريعة. ومن ناحية أخرى، فإن دعوة أحد المصلين لأن يقرأ من التوراة كانت تعد ميزة وشرفا كبيرا. ولذا، كان كثير من المصلين يحاولون الاستئثار بهذا الفضل بإعطاء الهدايا للجماعة. ولذا، فقد كان يتم بيع هذه المزايا بالمزاد العام لتمويل المعبد. ولكن هذه العادة بدأت في الاختفاء بالتدريج، وخصوصا في المعابد الإصلاحية والمحافظة، وإن كان يبدو أنها لا تزال قائمة في الأوساط الأرثوذكسية.
وتكتفي المعابد اليهودية الإصلاحية بقراءة مقطوعات مختارة، كما أن بعضها قد أوقف هذه العادة تماما. وقد تبنت بعض المعابد المحافظة الدورة الفلسطينية، بحيث تختم القراءة مرة كل ثلاثة أعوام.

(14/129)


ومن المطالب الأساسية لحركات التمركز حول الأنثى بين يهود أمريكا المطالبة بحق قراءة المرأة التوراة في الصلاة وأمام حائط المبكى. وبالفعل، تسمح المعابد لليهودية الإصلاحية والمحافظة بذلك، على خلاف الأرثوذكس الذين يتمسكون بتعاليم دينهم. وتقوم كل عام مظاهرة أمام حائط المبكى حيث تحاول النساء الأمريكيات تلاوة التوراة وهن يرتدين شال الصلاة (طاليت).
كل النذور (دعاء)
Kol Nidre
«كل النذور» ترجمة عربية للعبارة الآرامية «كول نيدري». وهو دعاء يهودي باللغة الآرامية تفتتح به صلاة العشاء في يوم الغفران. وهي أولى الصلوات، ويبدأ ترتيله قبل الغروب، ويستمر إلى أن تغرب الشمس. ويرتدي المصلون شال الصلاة (طاليت) الذي لا يتم ارتداؤه عادة إلا في صلاة الصباح في الأيام العادية. وقد بدأت ممارسة هذه العادة منذ القرن الثامن، لكن مصدرها وأصلها غير معروفين. وقد عارضها بعض فقهاء العراق من اليهود في القرن التاسع، وأكدوا أنها عادة لا تمارس في بلادهم. ومع ذلك، فقد أصبح دعاء كل النذور الدعاء المفضل لدى اليهود، واكتسب قدسية خاصة، وهو عبارة عن إعلان إلغاء جميع النذور والعهود التي قطعها اليهود على أنفسهم، ولم يتمكنوا من الوفاء بها طوال السنة. وقد غيرها أحد الحاخامات ليجعلها تشير إلى العام المقبل، وهي الصيغة الشائعة بين الإشكناز. وتتلى هذه الصلاة ثلاث مرات، حتى تتأكد دلالتها، وحتى يسمعها الجميع، وهكذا يتخلصون من عبء الشعور بالذنب، فيبدأون الاحتفال بأقدس يوم عندهم مرتاحي الضمير تماما. ومنطوق الدعاء هو: « نعبر عن ندمنا عن كل النذور والتحريمات والأيمان واللعنات التي نذرناها وأقسمنا بها ووعدنا بها والتي حلت ولم نف بها من يوم الغفران هذا حتى الذي يليه، والذي ننتظر مقدمه السعيد، فلتكن كلها منسية، ونكون في حل منها، معفين منها، ملغاة ولا أثر لها، ولن تكون ملزمة لنا ولا سلطة لها علينا. والنذور لن تعد

(14/130)


نذورا، والتحريمات لن تعد تحريمات، ولن تعد الأيمان أيمانا ».
وقد تعرض اليهود للهجوم الشديد بسبب هذا الدعاء، فقيل إن أي وعد، أو أي قسم صادر عن يهودي، لا قيمة له ولا يمكن الوثوق به، وقيل أيضا إن هذا الدعاء كان سلاح اليهود المتخفين الذين تظاهروا بالإسلام أو المسيحية، مثل الدونمه أو المارانو، وظلوا يهودا في الخفاء. فكان دعاء «كل النذور» وسيلتهم في التحلل من كل العهود التي قطعوها على أنفسهم. وقد حاول الحاخامات جاهدين شرح المقصود بهذا الدعاء، فهو، حسب تفسير بعضهم، لا يحل اليهودي من وعوده وتعهداته أمام الآخرين (فهذه لا تحلل منها إلا باتفاق الطرفين) وإنما هو يحله من وعوده للإله. وحينما كانت تتم مناقشة مسألة منح اليهود حقوقهم في روسيا وإعتاقهم، طلب إلى اليهود إعداد مقدمة للدعاء بالعبرية يأتي فيها أن الوعود التي يحل منها هي الوعود التي قطعها اليهودي على نفسه تجاه نفسه وليس العهود التي قطعها على نفسه تجاه الآخرين. وقد أثر دعاء كل النذور في القسم اليهودي وصياغته في العصور الوسطى. وقد حذفت اليهودية الإصلاحية هذا الدعاء واستبقت اللحن وحده بعض الوقت، ولكنها أعادته في الآونة الأخيرة.
وفي انتخابات الكنيست عام 1988، قام بعض « حكماء » حزب شاس (الليتواني سليل المتنجديم) بتلاوة دعاء كل النذور على شاشة التليفزيون ليحلوا الناخبين الذين وعدوا بإدلاء أصواتهم لحزب أجودات إسرائيل (ذي الأصول الحسيدية) من وعودهم حتى يمكنهم الإدلاء بها لمرشحي حزب شاس!
وتقوم بعض الكيبوتسات العلمانية بإنشاد بعض القصائد والأغاني في عيد يوم الغفران، وقد يكون من بينها الموسيقى المصاحبة لدعاء كل النذور.
القاديش (تسابيح)
Kaddish

(14/131)


«قاديش» كلمة آرامية تعني «مقدس»، و«القاديش» نوع من أشهر التسابيح الدينية اليهودية المكتوبة بالآرامية. وأصله قديم، فقد عرف منذ عهد الهيكل الثاني، إذ كان يتلى قبل وبعد الصلاة أو قبل وبعد قراءة التوراة، إلا أنه لم يكتسب صيغته الحالية إلا في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. وتسبيح القاديش كلمات تمجيد لاسم الإله وملكه والخضوع لحكمه ومشيئته والتعبير عن الأمل في سرعة مجيء الماشيح. وقد تطور القاديش وأدخلت عليه عدة إضافات، وهو يشكل الجزء الختامي في الصلاة اليهودية (الشماع، الأدعية، القاديش). وقد تعددت الأدعية التي تسمى «القاديش»، وأصبح هناك أربعة أنواع أساسية:
1 ـ القاديش القصير (أو نصف القاديش) ويتلى قبل أو بعد أجزاء معينة من الصلاة.
2 ـ القاديش الكامل وهو الجزء الختامي في الصلاة اليهودية.
3 ـ القاديش الحاخامي ويتلى بعد الانتهاء من الدرس.
4 ـ قاديش الحداد ويتلوه أقارب الميت، وقد أصبح أهم الأنواع بعد قاديش الصلاة.
وحينما يتلى القاديش كصلاة حداد على أرواح الموتى، فإن ابن الميت هو الذي يقوم بالتلاوة (وإذا لم يكن هناك ابن، فذكر رشيد من الأسرة، أو أي يهودي متطوع). ويستمر ترتيل القاديش طيلة أحد عشر شهرا ويوم واحد من تاريخ الوفاة. والسبب في طول هذه المدة هو اعتقاد اليهود بأن عقاب الآثمين في جهنم يدوم عاما كاملا، ولهذا فيجب أن تتوقف تلاوة القاديش قبل تمام السنة حتى لا يبدو أن الفقيد كان من المذنبين، كما أن القاديش يتلى أيضا في الذكرى السنوية. وبانتشار القبالاه، أصبح قاديش الحداد نوعا من أنواع الشفاعة والصيغة السحرية التي يمكنها التأثير في الإرادة الإلهية. وهناك أسطورة يهودية مفادها أن الحاخام عقيبا قد نال المغفرة لرجل حيث علم ابنه كيف يتلو قاديش الحداد على روح أبيه.

(14/132)


وفي الوقت الحاضر، تسمح المعابد الإصلاحية والمحافظة للنساء بقراءة القاديش، ولعل هذا يرجع إلى تأثير المحيط المسيحي (حيث تقوم النساء بإشعال الشموع لإحياء ذكرى الموتى).
الاستغراق (كفاناه)
Kavanah
«الاستغراق» ترجمة لكلمة «كفاناه» العبرية التي تعني «اتجاه» أو «نية»، وهي تشير إلى حالة الاستغراق العقلية والروحية الكاملة أثناء الصلاة أو أثناء تنفيذ الأوامر والنواهي التي تأخذ شكل تركيز كامل على ما هو مقدس وإهمال كامل لغير المقدس. ويركز القباليون، وخصوصا أتباع لوريا، على هذا الجانب من التجربة الدينية. وقد كتبت دراسات عن كيفية الوصول إلى التركيز أو الاستغراق أو الشطحة الصوفية. ويرى القباليون أن الصلاة التي تتلى بهذا الاستغراق تؤثر في التجليات النورانية العشرة (سفيروت). والمفروض أن استغراق اليهودي في الصلاة يؤثر في عملية الإصلاح الكونية التي يولد الإله من خلالها من جديد أو يجمع ذاته الإلهية التي تبعثرت، فتعود كل الأشياء إلى مكانها، وضمن ذلك عودة جماعة يسرائيل إلى فلسطين. والاستغراق يؤدي إلى حالة الالتصاق الكاملة والتوحد بالإله (ديفيقوت).
كتب الصلوات اليهودية (سدور)
Prayer Books; Siddur
تسمى كتب الصلوات اليومية عند الإشكناز «سدور»، من الكلمة العبرية «سدر» التي تعني «نظام». أما بين السفارد، فتسمى كتب الصلاة «سيفر تفيلاه». وهذه الكتب تضم الصلوات اليهودية المفروضة والاختيارية، كما تضم بعض النصوص الدينية المأخوذة من الكتب اليهودية الدينية، وبعض الأدعية والأغاني (بيوط) التي تتلى في السبت، وأحيانا كل المزامير، وبعض فصول المشناه التي عادة ما تتلى قبل أو بعد الصلاة، وكل المعلومات التي قد يحتاج إليها المصلي أثناء أداء الصلاة في المعبد اليهودي. ويختلف حجم هذه الكتب حسب الغرض الذي أعدت من أجله، ولكنها جميعا تحوي الصلوات اليهودية الثلاث الأساسية.

(14/133)


ورغم شيوع كلمة «سدور» بمعنى كتب الصلاة، هناك نوعان:
(1) سدور. وتشير إلى الكتب التي تضم الصلوات الأصلية.
(2) محزور. وتضم الصلوات، وكذا الأغاني (بيوط).
وتختلف كتب الصلوات اليهودية باختلاف البيئة، فثمة اختلاف بين الكتب الإشكنازية والكتب السفاردية، وهناك أيضا اختلاف بين الكتب اليهودية الإصلاحية والكتب المحافظة والكتب الأرثوذكسية. فالإصلاحيون ترجموا كل الصلوات إلى اللغة المحلية، وأبقوا نصوصا عبرية قليلة. كما استبعدوا كل الصلوات ذات الطابع القومي الديني، مثل الصلوات من أجل العودة إلى فلسطين، والأدعية بسقوط أعداء اليهود، ودعاء كل النذور. وقد بلغ رفض الأرثوذكس لكتب الصلوات الخاصة بالإصلاحيين حد أن أحد الأعضاء المتدينين بصق، أثناء مناقشة مسألة الهوية اليهودية في الكنيست، على نسخة من كتاب صلوات إصلاحي ثم ألقاها على الأرض. أما كتب المحافظين والأرثوذكس، فقد أكدت أفكار الأمة والشعب المختار والعودة، كما أنها استبقت العبرية تأكيدا لاستقلال اليهود الديني الإثني. وتحتوي كتب المحافظين على إشارات إلى عيد استقلال إسرائيل، كما لو كان مناسبة دينية جليلة. أما كتب اليهودية التجديدية، فتحوي إشارات إلى الإبادة النازية، كما تحوي أناشيد شكر على توطين اليهود في الولايات المتحدة. كما أنها حذفت كل الإشارات إلى البعث والثواب والعقاب وكل المفاهيم غير العلمية، أي أنها تعبير عن الحلولية الدنيوية (أي حلولية بدون إله)! وكتب الصلوات اليهودية عرضة للتغيير الدائم بسبب تداخل العنصر الديني والعنصر الدنيوي حتى أن بعض يهود العالم يقومون بوضع كتب صلوات ثم يطبعونها على الاستنسل على عجل حينما تجد مناسبة قومية دينية يريدون الاحتفال الفوري بها، مثل انتصار عام 1967 الفجائي، وذلك حتى لا يضيعوا وقتهم في انتظار المطبعة.

(14/134)


وتتضمن كتب الصلوات في إسرائيل إشارات لإعلان الدولة الصهيونية، ولأولئك الذين سقطوا أثناء الدفاع عن إسرائيل. وقد نظمت حاخامية الجيش الإسرائيلي صلاة خاصة بالمظليين كتبها الحاخام جورين. وبعد حرب يونيه 1967، عدلت بعض المعابد في إسرائيل الصلوات الخاصة بها وتغير الدعاء من « الالتقاء العام القادم في أورشليم » إلى الدعاء بإعادة بنائها. وقد عدلت الصلوات في عيد استقلال إسرائيل. وثمة اتجاه لإعادة تعديلها مرة أخرى لتأكيد الأهمية الدينية لهذه المناسبة، ولتأكيد أن الخلاص يتم على يد جيش إسرائيل لا على يد الإله. وقد كان يظهر في كتب الصلاة في الماضي دعاء يقول: « نحمد الإله على أنه لم يجعلنا مثل أمم الأرض. فهم يسجدون للباطل والعدم ويصلون لإله لا ينفعهم ». وقد حذف الجزء الأخير بعد عصر التنوير، ولكنه ظل يتداول شفويا في شرق أوربا ثم أضيف من جديد في بعض كتب الصلاة في إسرائيل.
كتب صلوات العيد (محزور)
Mahzor

(14/135)


«كتب صلوات العيد» المقابل العربي لكلمة «محزور» العبرية وتعني «دورة». وتشير الكلمة إلى كتب الأدعية والصلوات الخاصة بالأعياد. وكانت كتب المحزور تضم في البداية كل صلوات العام بأكمله، ومنها الصلوات اليومية وصلاة يوم السبت، ولكنها أصبحت تضم صلوات الأعياد وحسب مقابل السدور (وهي كتب الصلوات لكل أيام السنة). ولكل فرقة يهودية كتابها الخاص بها: فهناك كتاب صلوات الأعياد للسفارد، وثلاثة للإشكناز، إذ هناك واحد للأرثوذكس وآخر للمحافظين وثالث للإصلاحيين. ويبدأ كتاب الأرثوذكس بالأدعية التقليدية، حيث يشكر اليهودي الإله لأنه لم يخلقه من الأغيار ولا عبدا ولا امرأة (أما النساء فيشكرنه لأنه خلقهن حسب مشيئته) ويختم الدعاء بالابتهال لإعادة بناء الهيكل، وبأن تقدم فيه جماعة يسرائيل القرابين مرة أخرى. ويضم الكتاب أيضا إشارات إلى الثواب والعقاب والبعث والحياة بعد الموت، واختيار جماعة يسرائيل، وشريعة الإله التي لا تتغير، وإلى المعجزات الإلهية. كما يتحدث كتاب المحزور الأرثوذكسي عن نفي جماعة يسرائيل باعتبار أن ذلك عقاب لها على خطاياها. وقد وجه أعضاء الفرق الأخرى النقد للكتاب بسبب غيبيته، وبسبب المفاهيم التي يعتبرها أعضاء الفرق الأخرى منافية لروح العصر الحديث. كما أنهم يرون فيه تجاهلا لأحداث تاريخية مهمة مثل الإبادة النازية وتأسيس الدولة، وهو نقد مقبول من وجهة نظر حلولية دنيوية، على اعتبار أن الأحداث التاريخية التي تقع لليهود تكتسب قدرا من القداسة. وقد أسقطت كتب المحزور الخاصة بالفرق الأخرى الأدعية الافتتاحية الخاصة بالأغيار والعبيد والنساء. وبدلا من ذلك، يحمد اليهودي الإله لأنه خلقه يهوديا حرا. وقد أسقطت الكتب إشارات للماشيح، ولكنها بدلا من ذلك تستخدم كلمة «الخلاص». وتحت تأثير حركة التمركز حول الأنثى، ظهرت أدعية تتحدث عن الإله باعتباره ذكرا وأنثى (ومن ثم تستخدم كلمة «الشخيناه»

(14/136)


أي التعبير الأنثوي عن الإله للإشارة إليه). ويتحدث كتاب المحزور الإصلاحي عن رب الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب، ورب الأمهات سارة ورفقة وراحيل وليئه. كذلك تسقط الكتب الإصلاحية أية إشارة للبعث واليوم الآخر والشريعة التي لا تتغير. وتشير بعض كتب المحزور إلى إنشاء إسرائيل باعتباره حدثا مقدسا، وكذا إلى هجرة اليهود السوفييت. وهناك كتب محزور علمانية (أي حلولية دنيوية بدون إله) تحتفل بدورة الأعياد باعتبارها دورة كونية، وأخرى تنظر إلى حادثة الخروج من مصر باعتبارها حدثا قوميا وحسب، وهكذا. وتتضمن كتب المحزور المحافظة قراءات بديلة بحيث يختار المصلي الصلاة التي تروق له.
الوضوء
Ablution
تنص الشريعة اليهودية على ضرورة الاغتسال أو الوضوء للتطهر قبل تأدية فرائض دينية معينة، وبعد أي شيء يسبب النجاسة. وهناك ثلاثة أشكال للوضوء:
1 ـ الحمام الطقوسي (مقفيه) للمتهودين وللسيدات بعد الدورة الشهرية.
2 ـ غسل القدمين واليدين (للكهنة قبل أداء الفرائض في الهيكل).
3 ـ غسل اليدين.
وتنص الشريعة على ضرورة أن يغسل اليهودي يديه قبل الأكل أو الصلاة، وبعد الاستيقاظ من النوم، وبعد زيارة المدافن أو دخول دورة المياه.
النصاب الشرعي (منيان)
Minyan
«النصاب الشرعي» ترجمة لكلمة «منيان» العبرية التي تعني حرفيا «عدد». وتطلق الكلمة على أية مجموعة لا تقل عن عشرة ذكور بالغين، فهذا العدد يكون النصاب الشرعي المطلوب للقيام بصلاة الجماعة اليهودية، ويعتبر أفراده ممثلين لجماعة يسرائيل. ويكون العدد نفسه مطلوبا أيضا للقيام بعملية الختان أو لإقامة شعائر دينية أخرى. وتحت ضغط حركة التمركز حول الأنثى تسمح اليهودية المحافظة أو الإصلاحية الآن بأن يكون للنساء جزء من النصاب الشرعي المطلوب.
شال الصلاة (طاليت)
Tallit

(14/137)


«شال الصلاة» ترجمة لكلمة «طاليت» العبرية التي قد تكون مستعارة من كلمة يونانية بمعنى «سرق». وتستخدم الكلمة في التلمود والمدراش بمعنى «ملاءة» أو أي رداء يشبه الملاءة. وشال الطاليت مستطيل الشكل، عادة تكون نسبة طوله إلى عرضه 9: 8 تقريبا. والضلعان الأصغران للشال محليان بالأهداب (تسيت تسيت). وعادة ما يختار المصلون شالا يصل إلى تحت الركبة. وكانت الأهداب زرقاء في العادة، ولكن خلافا نشأ بين الحاخامات بشأن اللون الأزرق ودرجة الزرقة، فتقرر أن يكون اللون أبيض. ومع هذا، هناك دائما خطوط زرقاء أو سوداء في أطراف الشال (والأبيض والأزرق هما لونا علم الدولة الصهيونية). ويكون هذا الشال عادة من الصوف أو الكتان، ولكن الحرير كثيرا ما يستخدم، وخصوصا بين الأثرياء، في الماضي وفي العصر الحديث. كما كان شال الكهنة يوشى في الماضي بخيوط من الذهب، ولكن هذا الأمر أصبح الآن مقصورا على أثرياء اليهود. وكذلك هناك أنواع من شيلان الصلاة السوداء في اليمن، والملونة في المغرب. وكان اليهود يرتدون الشال طيلة اليوم قبل التهجير البابلي، ليقيهم شر الحر. ولكن، بعد التهجير البابلي، وبعد انتشار اليهود في أنحاء العالم، تأثر اليهود بالمحيط الحضاري الذي يعيشون فيه، وأصبح الشال رداء دينيا وحسب. ويرتدي الذكور الشال أثناء صلاة الصبح، وفي كل الصلوات الإضافية، إلا في التاسع من آب حيث يرتدونه أثناء صلاة الظهيرة أيضا. كما يرتدونه في كل صلوات عيد يوم الغفران، وخصوصا في دعاء كل النذور، ليذكرهم ذلك بأوامر ونواهي العهد القديم. ويباح للصبية ارتداؤه بشروط معينة.

(14/138)


وقبل أن يرتدي اليهودي الطاليت، يتلو الدعاء التالي: "مبارك أنت يا إلهنا، ملك الدنيا، يا من قدستنا بوصاياك العشر، وأمرتنا أن نلف أنفسنا بالرداء ذي الأهداب". ويوضع الطاليت، أولا على الرأس، ثم توضع أطرافه الأربعة على الكتف الأيسر على طريقة الإسماعيليين (بالعبرية: عطيفات يشماعيليم)، والإسماعيليون هم العرب. وبعد وقفة قصيرة يدعون الأطراف الأربعة تأخذ وضعها الطبيعي، فيتدلى طرفان من كل جانب. وعلى المصلي أن يرتدي شال الصلاة قبل أن يضع تمائم الصلاة (تفيلين). وكان من عادة اليهود المغالين في تدينهم أن يرتدوا الشال والتمائم قبل الذهاب إلى المعبد ويسيروا بها في الطريق.
وأثناء الصلاة تتلى النصوص الخاصة بالأهداب،فيضع المصلون (من الأرثوذكس والمحافظين) الأهداب على عيونهم وأفواههم ويضغطون عليها.والأهداب، مثلها مثل تميمة الباب (مزوزاه)، وتمائم الصلاة (تفيلين)، تذكر اليهود بالأوامر والنواهي.
ويرتدي العريس الشال في حفل زفافه، كما يكفن به أيضا عند مماته بعد نزع الأهداب منه. والملاحظ أن عادة ارتداء الشال تختلف من مجتمع إلى آخر. وهناك نوع أصغر من الطاليت يسمى «طاليت قاطان» أو الشال الصغير (مقابل الطاليت جادول ومعناها «الشال الكبير») يرتديه اليهود الأرثوذكس بصفة دائمة تحت ملابسهم. أما الإصلاحيون، فقد استغنوا عن شال الصلاة كلية، ولا يرتديه سوى الحاخام أو المرتل (حزان) أو المصلين الذين يدعون لقراءة التوراة. وتحت تأثير حركة التمركز حول الأنثى تصرح كل الفرق اليهودية للنساء (الآن) بارتداء شال الصلاة، باستثناء بعض الجماعات الأرثوذكسية، وليس كلها. كما بدأت نصيرات حركات التمركز حول الأنثى يستخدمن شيلانا للصلاة ذات طابع أنثوي (لونها وردي ومزخرفة بالدانتيلا والشرائط).
الأهداب (تسيت تسيت)
Tiztzith

(14/139)


«الأهداب» هي الترجمة العربية لكلمة «تسيت تسيت» العبرية والتي يشار إليها أيضا بالتعبير العبري «أربع كنافوت»، أي «الأركان الأربعة». وتعود عادة ارتداء ملابس ذات أهداب (بين العبرانيين) إلى عصور سحيقة، إذ تصورهم بعض الآثار الآشورية مرتدين مثل هذه الأهداب. ويبدو أن العادة نفسها كانت آشورية وبابلية، وكانت الأهداب تعرف باسم «سيسيكتو»، وأحيانا «زيكو». ومن المفروض أنها كانت تضمن لمرتديها حماية الإله. وأي دعاء يتلوه المرء وهو ممسك بهذه الأهداب لا يمكن أن يخيب أو يرد، فكأن الأهداب نوع من أنواع التمائم.
وقد ورد في العهد القديم (عدد 15/37 ـ 41) أن الإله طلب إلى أعضاء جماعة يسرائيل أن "يصنعوا لهم أهدابا (تسيت تسيت) في أذيال ثيابهم" و"يجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانجوني"، أي اللون الأزرق، لتذكرهم بوصاياه. وقد وردت التوصية أيضا في سفر التثنية (22/12)، وإن كانت الإشارة الحرفية إلى الجدائل وليس الأهداب.
ولا يوجد في العهد القديم أي تفسير للون الأزرق، وإن كان التلمود يرى أنه لون السماء. وقد كان من الصعب الحصول على الصبغة المطلوبة، كما نشأت معركة بين الحاخامات حول درجة الزرقة المطلوبة. ولما لم تحسم المسألة، تركت الأهداب بيضاء. ومنذ القرن الثاني الميلادي، أصبح هذا رأي معظم الحاخامات، ومع القرن الثامن تقبله كل اليهود.
وقد كان العبرانيون يرتدون الأهداب على كل ملابسهم، ولكن بعد أن تبنوا أزياء اليونانيين والرومان أصبح من المعتاد أن تقتصر الأهداب على قطعة من القماش مستطيلة (مثل الشال) أهدابها زرقاء. ويسمى هنا أيضا «طاليت جادول»، أي «الشال الكبير»، مقابل «طاليت قاطان»، أي «الشال الصغير». وهو قطعة قماش صغيرة مستطيلة بها فتحة للرأس محلاة بالأهداب في أركانها الأربعة. ومن هنا الإشارة لهذا الشال أحيانا بكلمة «تسيت تسيت»، وأحيانا أخرى بكلمة «أربع كنافوت».

(14/140)


تميمة الصلاة (تفيلين)
Tefilin; Phylacteries
«تميمة الصلاة» هي المقابل العربي لكلمة «تفيلين»، وهي صيغة جمع مفردها «تفيلاه». وربما تكون الكلمة قد اشتقت من كلمة آرامية بمعنى «يربط». ولأن كلمة « تفيلاه» تعني «صلاة»، فقد ارتبطت الكلمتان في الوجدان الشعبي وأصبح من المألوف أن يقال إن كلمة «تفيلاه» بمعنى «صلاة» هي الأصل اللغوي لكلمة «تفيلين». وقد ذكر البعض أن الكلمة مشتقة من كلمة عبرية بمعنى «يفضل» أو «يميز»، وهو ما يدل على انفصال اليهود وانعزالهم عن الأغيار. وتميمة الصلاة عبارة عن صندوقين صغيرين من الجلد يحتويان على فقرات من التوراة، من بينها الشماع أو شهادة التوحيد عند اليهود كتبت على رقائق ويثبت الصندوقان بسيور من الجلد. ويبدو أن هذه التميمة تعود إلى تورايخ قديمة، بعضها يتفق مع الشكل الحالي، وبعضها لا يتفق، مثل تلك التي وجدت في كهوف قمران. وقد نشب صراع في القرن الثامن عشر بين فقهاء اليهود حول طريقة ارتداء هذه التمائم، وأخذ برأي راشي في نهاية الأمر.

(14/141)


وقد نجح الفقه اليهودي في فرض هذه التميمة بتفسيره الفقرة التالية من سفر التثنية تفسيرا حرفيا: "واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك" (تثنية 6/8). ولذا، يثبتها اليهودي البالغ حسب الترتيب التالي: يضع الصندوق الأول على ذراعه اليسرى ويثبته بسير من جلد يلف على الذراع ثم على الساعد سبع لفات ثم على اليد، ويثبت الصندوق الثاني بين العينين على الجبهة بسير أيضا كعصابة حول الرأس، ثم يعود ويتم لف السير الأول ثلاث لفات على إصبع اليد اليسرى، ويزال بعد الصلاة بالنظام الذي وضع به. ويرتدي اليهودي تمائم الصلاة بعد ارتدائه شال الصلاة (طاليت). ويلاحظ أن ترتيب ارتداء تميمة الصلاة عند السفارد مختلف نوعا ما عن ترتيبه عند الإشكناز. فيلف الإشكناز على الذراع عكس اتجاه الساعة، أما السفارد فيلفونه باتجاه الساعة، وقد تبعهم في ذلك الحسيديون. وترتدى التميمة أثناء صلاة الصباح خلال أيام الأسبوع، ولا ترتدى في أيام السبت والأعياد. ويؤكد التلمود أهمية تميمة الصلاة، فقد جاء أن الإله نفسه يرتديها حينما يسمع الفقرة التالية من سفر أخبار الأيام الأول (17/21) "وأية أمة على الأرض مثل شعبك يسرائيل".
أما القبالاه، فقد حولت شعائر ارتداء التمائم إلى تجربة صوفية حلولية، إذ على اليهودي أن يقول "لقد أمرنا أن نرتدي التمائم على ذراعنا تذكرة لنا بذراعه الممتدة، وفي مقابل القلب حتى يعلمنا أن نخضع تطلعات قلوبنا ولخدمته، وعلى الرأس في مقابل المخ ليعلمنا أن العقل،الذي يوجد في المخ،وكل الحواس والملكات،تخضع لخدمته".ويرى اليهودي أن تميمة الصلاة عاصم من الخطأ، ومحصن ضد الخطايا. وإذا حدث ووقعت التمائم على الأرض، فينبغي على اليهودي أن يصوم يوما كاملا. وقد أسقطت اليهودية الإصلاحية استخدام التمائم. وقال جايجر إنها كانت في الأصل حجابا وثنيا.
طاقية الصلاة (يرملكا)
Yarmulke

(14/142)


كلمة «طاقية» العربية يقابلها في العبرية «قبه»، ويقال لها في اليديشية «يرملكا»، وهي القلنسوة التي يلبسها اليهودي على رأسه لأداء الصلاة في المعبد ويلبسها المتدينون من اليهود الأرثوذكس على الدوام، وهي تشبه شال الصلاة (طاليت) الذي يرتديه البعض أثناء الصلاة ويرتديه الأرثوذكس في حياتهم اليومية كلها. ولا توجد أية إشارة في التوراة أو التلمود إلى ضرورة تغطية الرأس أثناء الصلاة، ولكن الشولحان عاروخ يجعل ذلك فرضا. ويبدو أن هذه العادة ذات أصل بولندي، فاليرملكا كان غطاء الرأس الخاص بالأرستقراطية البولندية. ولا يلبس اليهود الإصلاحيون الطاقية أثناء الصلاة، بينما يصر اليهود الأرثوذكس على ذلك. أما اليهود المحافظون فيلبسونها من قبيل الاهتمام بالفلكلور. وقد أثيرت مؤخرا في الولايات المتحدة مشكلة الطاقية، حيث أصر أحد الضباط اليهود على ارتدائها أثناء عمله رافضا طلب رئيسه بخلعها ولبس الزي العسكري، بل قام برفع دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا (ولكنها حكمت ضده).
البوق (شوفار)
Shofar

(14/143)


كلمة «بوق» تقابلها في العبرية لفظة «شوفار»، والبوق يكون مصنوعا من قرن كبش، ويقال إن أول بوق صنع من قرن الكبش الذي ضحى به إبراهيم افتداء لابنه. ويبلغ طول البوق ما بين عشر بوصات واثنتي عشرة بوصة. وقد استخدم العبرانيون البوق في المناسبات الدينية مثل إعلان السنة السبتية، وسنة اليوبيل، وتكريس الملك الجديد عن طريق مسحه بالزيت، كما ينفخ في البوق في عيد رأس السنة، وفي يوم الغفران بعد صلاة الختام (نعيلاه). ويتلى في رأس السنة مزمور (47): "ياجميع الأمم صفقوا بالأيادي لأن الرب علي مخوف ملك كبير على كل الأرض. يخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا". ويتلى المزمور سبع مرات رمزا لعدد المرات التي طافها أعضاء جماعة يسرائيل حول أريحا قبل أن ينفخوا في البوق، فسقطت أسوارها. ولكن لا يصح النفخ فيه إذا وقعت رأس السنة يوم سبت. ويرى بعض اليهود المتدينين أن النفخ في البوق يربك الشيطان.
وقد أعيد بعث هذا التقليد الديني في إسرائيل، فينفخ في البوق حين يؤدي رئيس الدولة اليمين، وللإعلان عن عيد رأس السنة اليهودية. ولا يزال يستخدم هذا في المعابد اليهودية، وفي بعض الأحياء اليهودية الأرثوذكسية، للإعلان عن مقدم يوم السبت. وحينما احتلت القدس عام 1967، ذهب الحاخام الجنرال جورين، ونفخ في بوقه أمام حائط المبكى، وهو نفسه البوق الذي نفخ فيه فوق جبل سيناء حينما احتلت إسرائيل شبه الجزيرة المصرية (سيناء) عدة شهور عام 1956. ويكتب على البوق في العصر الحديث عبارة «السنة القادمة في القدس».

(14/144)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية