صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية
المؤلف : عبد الوهاب المسيري
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : موقع صيد الفوائد
www.saaid.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بتنسيقه و فهرسته أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - لملتقى أهل الحديث

وفي محاولة وقف تناقص أعداد أعضاء الجماعة اليهودية، اتخذت اليهودية الإصلاحية سياسة تشجيع التبشير باليهودية كما اعترفت بأبناء الذكور اليهود (المتزوجين من إناث غير يهوديات) يهودا. ويلاحظ أن بعض أبناء الزيجات المختلطة، يعتبرون أنفسهم يهودا، ولكن أغلبيتهم العظمى لا تعبر عن انتمائها الديني بطريقة دينية أو إثنية، أي أن يهوديتهم هي في واقع الأمر اسم بلا مسمى ودال بلا مدلول. ويسبب أبناء الزيجات المختلطة مشكلة ضخمة في إسرائيل، فكثير من الإناث اللائي يتزوجن من يهود إما يتهودن على يد حاخامات إصلاحيين أو محافظين أو يحتفظن بانتمائهن الديني وينشئن أطفالهن يهودا. وترفض الحاخامية الأرثوذكسية في إسرائيل الاعتراف بيهودية هؤلاء المتهودات أو يهودية أطفالهن. كما تحاول المؤسسة الأرثوذكسية في الدولة الصهيونية أن تعيد تعريف الهوية اليهودية لتصبح: « من ولد لأم يهودية أو تهود حسب الشريعة »، أي على يد حاخام أرثوذكسي. ولو تم هذا، فإنه سيسبب ما يشبه القطيعة شبه الكاملة بين الدولة الصهيونية وأغلبية يهود الولايات المتحدة المحافظين والإصلاحيين والإثنيين. ويبدو أن تزايد معدل العلمنة يؤدي إلى الإحجام عن الإنجاب بسبب التوجه نحو اللذة وتحقيق الذات.

(12/161)


وقد ظهرت في فترة الستينيات، جماعات سوداء معادية لليهود، والمؤسسة الليبرالية البيضاء. ومع بداية الثمانينيات، كان تحالف الأقليات أو التحالف الليبرالي الذي كان يشكل أعضاء الجماعة اليهودية نواته الأساسية، والذي خاض معركة الحقوق المدنية في أوائل الستينيات، قد تحطم تماما ولم يعد لليهود فيه مكان وبدأت القيادات السوداء تتولى قيادة الأقلية السوداء التي تطالب الآن بأن تلعب دورا يتناسب مع حجمها.وقد ظهرت أقليات أخرى في المجتمع الأمريكي مثل الكاثوليك المنحدرين من أصل إسباني (هسبانيك) والأمريكيين ذوي الأصل العربي. ويبدو أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة قد بدأ يتجاوز عدد اليهود، إن لم يكن قد تجاوزه بالفعل. وكل هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تفقد وضعها كأهم أقلية داخل المجتمع الأمريكي.

(12/162)


وقد شهدت هذه المرحلة نوعين من المهاجرين: أولهما وأهمهما المهاجرون من إسرائيل، حيث استوطن الولايات المتحدة نحو 700 ألف إسرائيلي (وإذا ضم إلى هذا الرقم الأبناء، فإن الرقم يقترب من مليون). وقد أرسلت الوكالة اليهودية مجموعة من المبعوثين الإسرائيليين لإقناع الإسرائيليين بالعودة، ولإقناع بعض يهود أمريكا بالهجرة، فاستقر عدد منهم في الولايات المتحدة. والنوع الثاني هم المهاجرون من روسيا السوفيتية الذين بلغ عددهم 100 ألف من مجموع 265 ألف مهاجر سوفيتي حتى عام 1989، هذا بخلاف من تركوا إسرائيل بعد استقرارهم فيها. وقد تزايد عددهم في الآونة الأخيرة بسبب فتح باب الهجرة من الاتحاد السوفيتي مرة أخرى، واندلاع الانتفاضة في الوقت نفسه، الأمر الذي جعل الاستيطان في فلسطين المحتلة أمرا غير جذاب. ويسبب كلا الفريقين حرجا شديدا ليهود أمريكا. فالنوع الأول مرتد عن إسرائيل (بالعبرية: يورديم)، ويكونون «دياسبورا إسرائيلية»، وهو مصطلح يقوض دعائم الشرعية الصهيونية. أما النوع الثاني، فهم متساقطون ( بالعبرية: نشوريم) آثروا الهجرة إلى الجولدن مدينا (البلد الذهبية) على الهجرة إلى إرتس يسرائيل (أرض إسرائيل). وهنا تطرح القضية نفسها: هل يجب مساعدة المهاجرين الإسرائيليين والروس باعتبارهم يهودا أم يجب التصدي لهم باعتبارهم مرتدين ومتساقطين؟ ومما تجدر ملاحظته أن المهاجرين الروس يطلق عليهم مصطلح «يهود روس» وليس «يهود اليديشية» لأنهم لا يعرفون هذه اللغة. وقد جاء معظمهم من روسيا وأوكرانيا (لأن معظم المهاجرين من جورجيا يذهبون إلى إسرائيل بسبب كفاءتهم المتدنية، فجورجيا جزء من العالم الثالث، كما أن هجرتهم إلى إسرائيل تعني تحقيق الحراك الاجتماعي). وهناك نسبة عالية من المهاجرين السوفييت متزوجون من غير اليهود، و40% منهم لا يذهبون إلى المعابد اليهودية إلا في الأعياد المهمة. ومعظمهم مهنيون يحملون مؤهلات عالية وقد

(12/163)


هاجروا أساسا لأسباب اقتصادية وليست أيديولوجية. ولكن متطلبات الحياة في الولايات المتحدة تفرض عليهم أن يتقبلوا وظائف دون مستواهم الفكري ودرجة تعليمهم، الأمر الذي يسبب لكثير منهم الإحباط، كما أن أخلاقيات المجتمع الأمريكي وإيقاعه يصيبهم بالحيرة. وقد كون هؤلاء جماعة منغلقة على نفسها لا تكن كثيرا من الاحترام للحضارة الأمريكية أو ليهود أمريكا. ويبدو أن المهاجرين الروس والإسرائيليين لا يقبلون على الاندماج في الجماعة اليهودية، ذلك أن الروس يرون أنهم ليسوا يهودا أساسا. أما الإسرائيليون فيصرون على هويتهم الإسرائيلية. ومن أسباب الحرج الأخرى التي يسببها هؤلاء المهاجرون ليهود أمريكا أن الجريمة المنظمة انتشرت في صفوفهم إذ تخصصوا في تهريب الأموال وتزييفها وفي البغاء وتجارة المخدرات. وقد بدأت المافيا اليهودية الإسرائيلية والسوفيتية في الولايات المتحدة في التنسيق مع المافيا الإسرائيلية والسوفيتية في الدولة الصهيونية. هذا، وقد وضعت الولايات المتحدة قيدا على هجرة اليهود السوفييت بحيث لا يتجاوز عدد المسموح لهم بالهجرة سنويا حدا معينا (50 ألف ويصل العدد أحيانا إلى 70 ألفا) وذلك لتحويل سيل الهجرة إلى إسرائيل.
وظائف اليهود الجدد
Occupations of the Neo-Jews

(12/164)


لا يزال الهرم الوظيفي بالنسبة للأمريكيين اليهود مختلفا عن الهرم على المستوى القومي الأمريكي، ذلك أن نحو 70% من جملة الأمريكيين اليهود يعملون في أعمال الياقات البيضاء مقابل المعدل القومي البالغ 40%. كما أن نسبة من يعملون بأعمال غير يدوية قد تصل إلى 90% مقابل المعدل القومي الذي يصل إلى 38%. ومع هذا، لا يؤثر ذلك في وضعهم بتاتا باعتبار أن المجتمع الأمريكي مجتمع منفتح يوجد فيه قطاع خدمات ضخم تتزايد فيه أعمال الياقات البيضاء. ويتركز أعضاء الجماعة اليهودية في مهن مثل: الطب والهندسة والقانون والتدريس في الجامعات. وقد بلغ عدد أعضاء هيئات التدريس في الجامعات من اليهود 20% عام 1980 (25% في كليات الطب و38% في كليات الحقوق و50% في كلية الحقوق في هارفارد). وهم يشكلون أيضا 20% من جملة المحامين والأطباء. ودخل أعضاء الجماعة اليهودية مجالا جديدا هو مجالس إدارة الشركات وشركات التكنولوجيا المتقدمة. وتحولت عضوية اتحادات نقابات العمال اليهودية التقليدية، مثل عمال النسيج المتحدين والاتحاد الدولي لقمصان السيدات ونقابة المعلمين، والتي كانت تضم أغلبية يهودية، فأصبحت عضويتها سودا وأمريكيين من أصل أسباني وآسيويين، وأخذت قياداتها اليهودية تختفي. والواقع أن وضع الأمريكيين اليهود يكذب إحدى نبوءات المفكر الصهيوني العمالي بوروخوف الذي كان يطالب بضرورة أن يقف الهرم الوظيفي اليهودي المقلوب على رأسه، وكان يرى أن الولايات المتحدة لا تصلح لذلك لأنه كان يظن أن المهاجرين اليهود إن ذهبوا إلى هناك فسيتحولون إلى أعضاء في الطبقة العاملة، وأن الاقتصاد الرأسمالي سيأخذ في الانكماش بعد قليل وهو ما سيؤدي إلى أزمة اقتصادية يروح ضحيتها العمال المهاجرون اليهود. ولذا، كان بوروخوف يرى ضرورة استعمار فلسطين لإيجاد قاعدة عمالية وفلاحية يهودية كبيرة. وقد أثبتت الولايات المتحدة أن هذه المقولات ليست دقيقة تماما، فقد تحولت

(12/165)


قطاعات من اليهود إلى عمال، ولكن قطاعات أخرى تحولت إلى تجار صغار أو رأسماليين كبار. لكن الأكثر أهمية من هذا العنصر الطبقي هو العنصر الثقافي، فاليهودي المهاجر تم دمجه تماما في المجتمع بحيث لم تعد توجد طبقة عاملة يهودية أو رأسمالية يهودية وإنما طبقة عاملة أمريكية تضم أمريكيين أعضاء الجماعة اليهودية ورأسمالية أمريكية تضم رأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانب الرأسماليين الأيرلنديين والسود والعرب وغيرهم.
وقد خضع الأمريكيون اليهود للقوانين العامة لتطور المجتمع، ولملابسات أوضاعهم الثقافية الخاصة، فتحول المهاجرون إلى عمال. ولكن أولاد العمال تحولوا، بعد أن تلقوا تعليمهم الجامعي، إلى مهنيين. ولا يزال هذا هو الاتجاه السائد، ففيما بين عامي 1982 و1983 كان أربعة أخماس الشباب اليهودي ملتحقين بالجامعات، وحصل ثلاثة أرباع الرجال ونصف النساء على شهادات جامعية، وما يزيد على ثلثهم حصل على شهادات دراسات عليا. ولعل اندماج اليهود الكامل، وتحولهم إلى قطاع عضوي في المجتمع الأمريكي، يتبدى في تعيين هنري كيسنجر وزيرا للخارجية عام 1973 وتعيين إرفنج شابيرو مديرا لواحدة من أهم الشركات الأمريكية وهي شركة دي بونت عام 1974. وقد حقق كثير من أعضاء الجماعة اليهودية ثروات ضخمة وأصبحوا من كبار الرأسماليين.
الاندماج الديني والثقافي (أمركة اليهود الجدد)
(Cultural and Religious Assimilation (Americanization of the Neo-Jews

(12/166)


يلاحظ أن معدلات العلمنة آخذة في التزايد بين الأمريكيين اليهود في هذه الفترة حيث يتجلى ذلك في إقبال الشباب اليهودي على مختلف العبادات الجديدة مثل الماسونية والبهائية والانخراط فيها. وقد ورد في إحدى الإحصاءات أن 53% من اليهود لا ينتمون إلى أبرشية دينية، أي لا يذهبون إلى المعبد. ومن النسبة الباقية، ذكر 50% أنهم محافظون، وذكر 30% أنهم إصلاحيون. وهناك نسبة ضئيلة في حركة اليهودية التجديدية ولكن هذه الحركة آخذة في الانتشار والاندماج مع اليهودية المحافظة. وهذه الفرق اليهودية هي صيغ مخففة معلمنة من اليهودية الحاخامية. أما الأرثوذكس، فلا تزيد نسبتهم عن 20% من مجموع اليهود المرتبطين بأبرشية ما، أي أن الأرثوذكس أقل من 10% من يهود الولايات المتحدة. وفي إحصاء لعام 1982 ـ 1983، ورد أن النسبة انخفضت إلى 6% وحسب. ويلاحظ أن اليهود الأرثوذكس يتركزون في تجمعات سكانية يمكنهم من خلالها الحفاظ على هويتهم الدينية الإثنية. وقد حدد 18% من الأمريكيين اليهود الهوية اليهودية على أساس ديني، بينما يرى 61% أن اليهود يشكلون تجمعا إثنيا ثقافيا وحسب. وفي إحصاء عام 1990، ظهر أن 5% فقط يقيمون الشعائر الخاصة بالسبت (ويوقد 44% شموع السبت)، وأن 15% يمارسون الشعائر اليهودية الخاصة بالطعام المباح شرعيا. ولوحظ أن اليهود لا يقيمون الشعائر التي تتطلب ضبط النفس وتطويعها، بل يقيمون الشعائر الاحتفالية، مثل عيد الحانوكاه وعيد الفصح، وهو ما يدل على أن يهودية يهود أمريكا أمر مرتبط بتزجية أوقات الفراغ والترويح عن النفس أو تحقيقها، كما يدل على أنها غير مرتبطة بأداء الفرائض الدينية وتطويع النفس.

(12/167)


ويحتفل يهود الولايات المتحدة بعيد التدشين على نحو مبالغ فيه لأنه يقع في أيام الكريسماس. ولذا، أصبح هذا العيد، بمعنى من المعاني، هو الكريسماس اليهودي، فإلى جوار شمعدان الحانوكاه نجد شجرة الحانوكاه والعم ماكس رجل الحانوكاه (المعادل الموضوعي لبابانويل أو سانتاكلوز). بل إن بعض اليهود يحتفلون بالكريسماس باعتباره مناسبة قومية. وقد صرح أحد المعلقين بأن اليهودية أصبحت، بالنسبة للأمريكيين اليهود، ديانة تكمل الديموقراطية الليبرالية الأمريكية، ولم تعد انتماء إثنيا أو قوميا أو حتى دينيا بالمعنى التقليدي للكلمة. ولذا، فإن اليهودية الأمريكية تركز على القيم الأخلاقية العامة التي تتفق مع أخلاقيات المجتمع، وتستبعد كل الجوانب الثقافية أو القومية أو حتى الجمالية لليهودية، وإن أبقت على بعضها فإنها تتقبلها بشكل سطحي. وتتجلى مرونة اليهودية في الولايات المتحدة، واتجاهها العملي، في اندماج اليهودية المحافظة باليهودية الإصلاحية على مستويات القيادة وعلى مستوى الأبرشيات. وفي استطلاع للرأي أجري عام 1981، صرح كل الذين اشتركوا فيه أن يهوديتهم ليست لها علاقة البتة بمستقبلهم، أي أنها لا علاقة لها برؤيتهم للعالم أو لأنفسهم ولا تحدد سلوكهم في الوقت الحاضر ولا مشاريعهم في المستقبل.

(12/168)


وقد تنبأت إحدى الإحصاءات بأن يهود أمريكا سينقسمون، وبشكل حاد، إلى قسمين: يهود متدينين ويهود إثنيين، وأن الاستقطاب بين الفريقين سيتزايد بسبب تزايد علمنة الإثنيين وانغماسهم في الزواج المختلط، وأن الفريقين قد يتعادلان في العدد بسبب زيادة نسبة الخصوبة ومعدلات التكاثر بين المتدينين وقلة الاندماج بينهم. ولكن هذه الإحصائية تسقط تزايد معدلات العلمنة بين المتدينين أنفسهم وبين أبنائهم، أما من الناحية الثقافية، فقد ازداد اندماج اليهود في الثقافة الأمريكية، ويتبدى هذا في تزايد عدد الكتاب الأمريكيين اليهود وازدياد بروزهم ونجاحهم في التعبير باللغة الإنجليزية الأمريكية عن تجربة أعضاء الجماعة في الولايات المتحدة. كما أن الاندماج يتبدى في واقع أن الأمريكيين اليهود يعبرون عن هويتهم اليهودية داخل مؤسساتهم الأمريكية المختلفة مثل بقية أعضاء الجماعات الأخرى. وقد حققت لهم الولايات المتحدة إمكانات التعبير، إذ توجد جامعتان يهوديتان ومدرستان طبيتان يهوديتان وثلاث مدارس لاهوتية عليا وعدد كبير من المدارس التلمودية العليا (يشيفا)، وعدد كبير من المتاحف اليهودية المهمة، ومن بينها متحف للإبادة النازية في واشنطن في المنطقة التي توجد فيها المتاحف القومية. وهناك جمعية تاريخية يهودية أمريكية عمرها تسعون عاما، وعدد كبير من المؤسسات الثقافية اليهودية والمعابد المختلفة التي تلائم كل ذوق وانتماء إثني، كما أن هناك العديد من أقسام الدراسات العبرية واليهودية في الجامعات الأمريكية. ويبدو أن الثقافة الأمريكية اليهودية المكتوبة (باللغة الإنجليزية) تتمتع بنوع من الازدهار، حتى أن كل الكتابات المهمة عن العقيدة اليهودية تصدر أساسا في الولايات المتحدة وليس في إسرائيل. ومع هذا، يلاحظ أن تزايد العلمنة والاندماج يخلق مشكلة بالنسبة للمتخصصين في حقل الدراسات اليهودية إذ أن خريجي أقسام الدراسات اليهودية لا

(12/169)


يجدون وظائف شاغرة لأن الطلب آخذ في التقلص. وقد تحولت الثقافة اليديشية الآن إلى ما يشبه الحفرية. ومن الملاحظ أن الثقافة الإسرائيلية العبرية الجديدة في إسرائيل لا تزال ثقافة الإسرائيليين وحدهم ولا تؤثر تأثيرا ملحوظا في الأمريكيين اليهود حيث لا يزيد تأثيرها عن تأثير الثقافات الأجنبية الأخرى غير الأوربية التي يتفاعل معها المجتمع الأمريكي ككل.
اليهود الجدد والصهيونية
Neo-Jews and Zionism
تجدر ملاحظة أن الولايات المتحدة قررت في هذه الفترة أن تلعب دورا نشيطا ومباشرا في العالم العربي، وخصوصا بعد هزيمتها في فيتنام وبعد ازدياد أهمية البترول ومع تصاعد حركة القومية العربية التي هددت المصالح الغربية. وقد أخذ هذا شكل إعطاء إشارة البدء لإسرائيل، فقامت بعملية 1967 التي كانت الولايات المتحدة تدعمها دعما كاملا، وهو دعم توج في نهاية الأمر بالاتفاق الإستراتيجي وتزامن مع تخلي الولايات المتحدة عن سياسات الوفاق واتباعها سياسة الحرب الباردة ثم ظهور النظام العالمي الجديد وتوقيع اتفاقيات السلام المختلفة مع الدول العربية.
وأدى هذا الاقتران شبه الكامل بين المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية إلى صهينة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بشكل شبه كامل إذ لم تعد هناك شبهة ازدواج ولاء أو تعارض في المصالح.. إلخ. وقد تزامن هذا مع تطور آخر لا يقل عنه دلالة وهو اندماج أعضاء الجماعة في المجتمع الأمريكي بشكل تام حتى أصبح من الممكن أن يطلق عليهم اليهود الواسب (والواسب هم البروتستانت البيض من أصل أنجلو ساكسوني). وقد يبدو الاتجاهان متكاملين ولكنهما في واقع الأمر متناقضان بشكل عميق.

(12/170)


ومما تجدر ملاحظته أن مصطلحات، مثل: «يهودي» و«صهيوني» و«يهودية»، قد اكتسبت دلالات جديدة تماما في السياق الأمريكي. فقد أصبحت العقيدة اليهودية في الولايات المتحدة مرتبطة عضويا بل تكاد تكون متداخلة مع الصهيونية. ولكن كلا من العقيدة اليهودية والصهيونية أعيد تعريفه حتى يمكن تحقيق الترادف، فاليهودية ورموزها تمت علمنتها بحيث تحولت إلى ما يشبه عبادة دولة إسرائيل (العجل الذهبي الجديد)، وقد نجحت الصهيونية في أن ترسخ في ذهن الجميع أن بقاء الدولة الصهيونية شرط أساسي لبقاء اليهودية، وأنها الحصن الوحيد ضد انحلال اليهودية، بل إن بقاء اليهودية نفسها مرهون ببقائها. وكما قال الحاخام ألكسندر شندلر، فإن معظم يهود الولايات المتحدة يتصورون الآن أن الدولة الصهيونية كنيسهم وأن رئيس وزرائها حاخامهم الأكبر. ومن ثم، أصبحت اليهودية انتماء إثنيا وعرقيا. وأصبح التعبير عن الهوية اليهودية يأخذ شكل الانخراط في التنظيمات اليهودية ذات التوجه الصهيوني، وفي المظاهرات من أجل تأييد إسرائيل، وكذلك شكل الاعتزاز بالهوية القومية.
ولذا يمكننا القول بأن تصاعد النبرة الصهيونية والحديث المتكرر عن الإثنية اليهودية بين يهود أمريكا ليس تعبيرا عن الانعزال وتماسك الهوية، وإنما هي بمنزلة العكاز الذي يستمد منه اليهودي المندمج نوعا من الهوية (السطحية التي لا تكلفه شيئا) يساعده على مزيد من الاندماج (وهو في هذا لا يختلف كثيرا عن أعضاء الأقليات الأخرى الذين ازدادت حدة إثنيتهم مع تزايد معدلات الاندماج بينهم) وعلى فقدان الهوية وعلى تقبل علمنة وأمركة حياته.

(12/171)


وإذا كانت الصهيونية قد حورت اليهودية الأمريكية وأعادت تعريفها ووظفتها لصالحها، فإن يهود الولايات المتحدة أنجزوا شيئا مماثلا بالنسبة للصهيونية، ذلك لأن صهيونيتهم صهيونية توطينية، ومن هنا الحديث عن «يهودية دفتر الشيكات» حين يعبر اليهودي عن يهوديته عن طريق إجزال العطاء للمستوطن الصهيوني، دون أن يفكر قط في الهجرة. بل إنهم طوروا الأسطورة الصهيونية، فلم تعد صهيون أرض الميعاد، البلد الذي يحنون ويهاجرون إليه، وإنما أصبحت «مسقط الرأس» تماما مثل أيرلندا بالنسبة للأمريكيين الأيرلنديين وإيطاليا للأمريكيين الإيطاليين، فهم يهود بشرطة (بالإنجليزية: هايفنيتيد جوز hyphenated Jews) أي أمريكيون/يهود. والوطن الأصلي هو المكان الذي يهاجر منه الإنسان لا إليه، أي أن يهود الولايات المتحدة قد قلبوا الأسطورة الصهيونية رأسا على عقب وفرغوها من مضمونها القومي الاستيطاني وأعطوها مضمونا غير صهيوني، بل معاديا للصهيونية، تماما مثلما فرغ الصهاينة اليهودية من مضمونها الديني وأعطوها مضمونا قوميا! فكأن الأمر يتعلق بدين دون محتوى ديني، وقومية دون محتوى قومي.

(12/172)


والواقع أن ظهور الصهيونية التوطينية الخالية من المضمون القومي الاستيطاني يفسر ظاهرة كثرة التظاهرات الصهيونية للدفاع عن «حق» اليهود السوفييت وكذا «حقوق» يهود الفلاشاه ويهود سوريا في الهجرة. ومع ذلك، لا يذهب أحد من هؤلاء المتظاهرين إلى إسرائيل للاستيطان إذ يكتفي بإظهار حماسه الزائد ولا يتحدث أحد أبدا عن «واجب» الهجرة. وقد ورد في إحدى الإحصاءات أن 81% من الأمريكيين اليهود يرون أن التفكير بجدية في الاستيطان في إسرائيل ليس ضروريا. ولكن 83% منهم صرح بأن دمار إسرائيل سيمثل مأساة شخصية بالنسبة لهم جميعا! ولذلك لا تزال معدلات الهجرة من الولايات المتحدة متدنية، ففي عام 1970 هاجر 7.658 ، وفي عام 1975 هاجر 2964، ولم يهاجر سوى ثلاثة آلاف عام 1979. ومن قبيل المفارقات المضحكة أن عدد المهاجرين يتناسب تناسبا عكسيا مع الحماس الصهيوني، فكلما زاد الحماس الصهيوني، ومن ثم زادت التظاهرات، نقص عدد المهاجرين. ويبلغ مجموع الأمريكيين اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل منذ تأسيسها خمسين ألفا على مدى أربعين عاما، أي بمعدل 1250 يهوديا لكل عام. والواقع أن الصهيونية حلت مشكلة الهوية بالنسبة ليهود الولايات المتحدة بأن اعتبرت الدولة الصهيونية وطنهم الأصلي، ولكنها من ناحية أخرى زادتها تفاقما إذ كيف يستطيع الأمريكيون اليهود أن يركزوا حياتهم الدينية كليا على أرض لا يعيشون فيها بل لا ينوون الهجرة إليها؟ ومن هنا، فإن تعريف اليهودي الأمريكي أصبح هو: اليهودي الذي يحلم دوما بالهجرة إلى صهيون دون أن تكون لديه أية نية في أن يفعل ذلك!

(12/173)


ويلاحظ أن أعضاء الوكالة اليهودية يحاولون تشجيع الهجرة إلى إسرائيل وجذب اليهود إليها بالحديث عن فرص العمل المتاحة وإمكانات الترقي المادي والراحة المادية المتوافرة، أي أن تجنيد المهاجرين يتم من منظور أمريكي واستنادا إلى منطق برجماتي عملي وليس إلى منطق صهيوني عقائدي. وقد استوطن كثير من الأمريكيين الضفة الغربية حيث توجد فرص اقتصادية أكثر من الموجودة وراء الخط الأخضر وحيث شيدت الدولة الصهيونية مستوطنات تتوافر فيها كل سبل الراحة. وهذا ما سميناه «الاستيطان مكيف الهواء»، وسماه المعلق العسكري الإسرائيلي زئيف شيف «الاستيطان دي لوكس». ومن الحقائق المهمة أيضا أن عدد من زاروا إسرائيل للسياحة من يهود الولايات المتحدة هو 15% فقط. وإذا وضعنا في الاعتبار أن الأمريكيين اليهود من أكثر قطاعات المجتمع الأمريكي سفرا وسياحة لكل أنحاء العالم، لاكتشفنا أن النسبة صغيرة إلى حد كبير. ولكن يبدو أن غالبيتهم الساحقة تفضل الذهاب لجزر الكاريبي.
ومع هذا فتوجه يهود أمريكا الصهيوني التوطيني يؤثر في بعض جوانب سلوكهم السياسي. ومن المعروف أن مختلف الأقليات في الولايات المتحدة تأخذ موقفا ليبراليا وتصوت للحزب الديموقراطي. ولكن هذا النمط بدأ يتغير بالنسبة لأعضاء الجماعة اليهودية. وقد اتضح هذا عام 1972 حين صوت أعداد كبيرة منهم ضد ماكجفرن مرشح الحزب الديموقراطي بسبب مواقفه ضد الحرب الباردة، وسياسات التسلح، إذ كانت المؤسسة الصهيونية تعتقد أن مثل هذه المواقف قد تضر بمصالح إسرائيل.

(12/174)


وقد لاحظ معلق سياسي يهودي أن أعدادا كبيرة من الشباب اليهودي انخرطوا، أثناء حرب فيتنام، في صفوف المتمردين ورافضي الحرب، إذ أن ثلث أعضاء اليسار الجديد كانوا من الشباب اليهودي. ولكن المؤسسات اليهودية نفسها اتخذت موقفا محايدا يعتبر جزءا من تأييدها لإسرائيل. ولم تصبح المعابد اليهودية مراكز لتزويد المتهربين من الخدمة بالمعلومات والمشورة، شأنها في هذا شأن بعض الكنائس. ولذا، كان كثير من الحاخامات اليهود يرسلون الشباب اليهودي المتهرب من الخدمة إلى الكنائس. ويلاحظ الآن أن الجماعات الكاثوليكية وليست اليهودية هي التي تتحدث عن السلام وعدم التسلح وتتخذ مواقف ضد القنبلة الذرية.

(12/175)


ولكن، ومع هذا، تنشأ أحيانا توترات عميقة بين الأمريكيين اليهود والقيادة الصهيونية، إذ يجد هؤلاء أنه ليس من صالحهم أن يتحالفوا مع الأغلبية الصامتة والجماعات الأصولية التي تطالب بعدم فصل الدين عن الدولة، وهو أمر يتنافى مع الموقف التقليدي لليهود الذي يطالب بمزيد من العلمنة ضمانا للحريات والانعتاق. وفي الآونة الأخيرة، توترت العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية والدولة الصهيونية لأن هذه الدولة تشوه صورتهم في مجتمعاتهم بسبب حركة الاستيطان في الضفة الغربية وترفع شعارات دينية متعصبة تتناقض مع القيم التي يعيشون على أساسها. لقد كانت الدولة الصهيونية، حتى عام 1967، محل فخرهم بانتصاراتها العسكرية ومؤسساتها الديموقراطية، وكانوا يسعدون كثيرا بهويتهم اليهودية التي كانت تستند إلى قيم لا تختلف كثيرا عن قيم المجتمع الأمريكي. ولكن، بعد ظهور التيارات السياسية العنصرية الواضحة في إسرائيل (وهم يحيون في مجتمع يرفع شعار المساواة)، وبعد تطرف إسرائيل وتشددها في مواقفها السياسية (وهم في مجتمع يتحدث دائما عن التكيف والتعقل والاعتدال)، فإن يهود الولايات المتحدة لم يعودوا يشعرون بالفخر بل ويحاولون الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية. ثم هناك، في نهاية الأمر، قضية هوية اليهودي تلك القضية الأزلية التي لا تجد حلا لها، والتي قد تجعل منهم يهودا من الدرجة الثانية. كما كان لحادثة بولارد أعمق الأثر في تعميق الفجوة والجفوة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، إذ أثبتت لهم أن الدولة الصهيونية تؤثر مصلحتها على مصلحتهم. ومن المتوقع أن يتعمق هذا الاتجاه بعد أن قضت الانتفاضة على صورة إسرائيل بوصفها واحة الديموقراطية والسلام والتسامح. فمنظر جنود الدولة الصهيونية وهم يكسرون عظام الشباب الفلسطيني ويطاردون الأطفال على شاشة التليفزيون أمام الأمريكيين جميعا، وأمام جيرانهم، ليس بالأمر الذي يدعو للفخر. ومع هذا

(12/176)


فلا شك في أن الاتفاقات العربية الأخيرة مع إسرائيل ستخفف حدة التوتر بين الدولة الصهيونية والأمريكيين اليهود.
ويمكن القول بأن الولايات المتحدة تمثل التحدي الأكبر بالنسبة للمشروع الصهيوني. وقد أدرك المؤرخ الروسي اليهودي سيمون دبنوف أن مسار الهجرة اليهودية الشرق أوربية متجه نحو الولايات المتحدة، ولذلك فقد تنبأ بفشل المشروع الصهيوني في جذب كثافة سكانية. فالولايات المتحدة كما رآها هي مركز جذب أكثر تألقا وأهمية من فلسطين. ويبدو أنه كان محقا في رأيه إذ أن مسار الهجرة اليهودية لا يزال يتجه نحو الولايات المتحدة بالدرجة الأولى. وربما كان تساقط المهاجرين السوفييت (أي خروجهم من الاتحاد السوفيتي زاعمين أنهم سيهاجرون إلى إسرائيل للحصول على تأشيرة خروج ثم يغيرون اتجاههم ويهاجرون إلى الولايات المتحدة) وتزايد عدد المرتدين من الإسرائيليين، تعبيرا عن الحركة الطبيعية لليهود نحو الولايات المتحدة، والتي تعوقها الأوهام العقائدية للصهاينة.

(12/177)


كما أن جاذبية الولايات المتحدة بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم متعددة الجوانب، فهي على حد قول أحد الكتاب « المنفى الذهبي» وهي الجولدن مدينا (البلد الذهبي) حيث الشوارع من فضة والأرصفة من ذهب. فهناك الجانب المادي، حيث هي أرض اللبن والعسل الحقيقية والهامبورجر، ويجد فيها اليهودي فرصا اقتصادية لا حد لها، وهي بلد يحقق فيه الفرد مستوى معيشيا واستهلاكيا مرتفعا يعد من أعلى المعدلات في العالم. وهي بلد آمن لا يجرؤ أحد على مهاجمته فيه. وهي، في نهاية الأمر، البلد الذي منح أعضاء الجماعة اليهودية حقوقهم السياسية والمدنية والدينية الكاملة. وقد قال سالو بارون إن الولايات المتحدة أول تجربة يهودية حقيقية بعد الانعتاق. كما أن صورة الولايات المتحدة الجذابة تناقض بشكل مذهل صورة الدولة الصهيونية الكالحة، فهي دولة لا تتمتع بالأمن. ويرى يهود الولايات المتحدة، بخلفيتهم الشرق أوربية، أن إسرائيل محاصرة ومهددة، تماما مثل مدنهم في السابق، في منطقة الاستيطان. وهي دولة تدعي أنها يهودية، ولكنها في الحقيقة بغير هوية واضحة، فلا هي دولة دينية ولا هي علمانية، وهي تعتمد في بقائها على الولايات المتحدة. ومع ضعف العقيدة الصهيونية داخل إسرائيل وخارجها، يضطر الصهاينة إلى أن يسقطوا الخطاب الديني ويهيبوا باليهود للهجرة لأسباب مادية محضة مثل التمتع بمستوى معيشي مرتفع، الأمر الذي سيزيد ولا شك من جاذبية الولايات المتحدة التي تحقق هذا المستوى بكل يسر.

(12/178)


وربما كان هذا ما حدا بعض اليهود، مثل المؤرخ اليهودي المعاصر ساخار، على أن يصرح بأن الولايات المتحدة ليست منفى وأنها وطن قومي لليهود بمعنى أن هناك على الأقل وطنين قوميين (!) وهذا هو ما تدافع عنه صهيونية الأقليات أو صهيونية الشتات (الدياسبورا)، التي نسميها «الصيهيونية التوطينية»، صهيونية من يرفضون الهجرة ويكتفون بالدعم والتأييد حتى تتاح لهم الحياة في المنفى الذهبي.
ومما يزيد الأمور تركيبا بالنسبة إلى المؤسسة الصهيونية أنه مع تزايد اعتمادها على الولايات المتحدة أصبح بقاؤها مرهونا بها. وفي الواقع، فإن وجود أقلية يهودية داخل مؤسسات صنع القرار أمر حيوي للجيب الصهيوني، وهو ما يعني ضرورة بقاء الأمريكيين اليهود في الولايات المتحدة. كما أن الدولة الصهيونية، التي تطالب يهود أمريكا بالهجرة، تجد أن من صالحها أيضا ألا يهاجروا، ويتنازع هذان القطبان السياسة الإسرائيلية.
علاقة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بالأمريكيين السود
Relationship between the Jewish Community in the U.S.A. and Afro-Americans
حينما استوطن اليهود في الولايات المتحدة وفي غيرها من بلاد العالم الجديد، فإنهم جاءوا باعتبارهم مستوطنين غربيين بيضا هاجروا إليها في إطارالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي (الأنجلو ساكسوني على وجه التحديد)، وهو تشكيل غربي أبيض يحاول غزو العالم وإخضاع سكانه من غير البيض. ولكن كان هناك علاقة خاصة بين أعضاء الجماعة اليهودية والسود تتحدد في أن كثيرا من تجار الرقيق كانوا من اليهود الذين قاموا بالاشتراك في عملية نقل السود من أفريقيا وتوطينهم في الولايات المتحدة.

(12/179)


وقد نشأ في الجنوب الأمريكي نظام المزارع (بالإنجليزية: «بلانتيشنز plantations»). وهو نظام زراعي تجاري شبه إقطاعي شبه عبودي يهدف إلى إنتاج السلع الزراعية بهدف الربح من خلال استخدام العمالة السوداء المكثفة التي كانت تستجلب من أفريقيا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية جزءا لا يتجزأ من التشكيل الاستيطاني الأبيض في الجنوب الأمريكي، وخصوصا أن أساس التصنيف فيه كان اللون وحسب، على عكس الشمال حيث كان التصنيف فيه يتم على أساس كل من اللون والدين. وقد امتلك أعضاء الجماعة العبيد وتاجروا فيهم، شأنهم في هذا شأن مختلف أعضاء المجتمع. وحينما اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية أو حرب تحرير العبيد، كانت مشاركة القيادات اليهودية في الدعاية ضد الرقيق باهتة خافتة للغاية. ففي الجنوب، أيدت المؤسسة اليهودية (الدينية والاجتماعية) موقف الجنوب المطالب بالاستمرار في الحفاظ على مؤسسة الرق. وفي الشمال، لم تظهر شخصيات يهودية كثيرة معارضة لنظام الرقيق، باستثناء حالات فردية، وهو ما أثار حنق الأوساط الليبرالية ضدهم. ويلاحظ أن أهم شخصية يهودية آنذاك، وهو الحاخام إسحق وايز، لزم الصمت تماما تجاه هذه القضية. ويبدو أنه، بعد إلغاء نظام الرق بشكل رسمي، وضع السود (بعد تحريرهم) في أماكن دنيا من المجتمع الأمريكي بحيث أصبحوا بروليتاريا رخيصة لا يحق لها التعبير عن ثقافتها أو وجودها الحضاري، ومن ثم لم يكن هناك صراع مباشر أو خاص بين أعضاء الجماعة اليهودية البيض والأمريكيين السود.

(12/180)


ورغم وجود أسباب قوية للصراع بين الفريقين (لأسباب سنوضحها فيما بعد)، فإنه حينما بدأت حركة الحقوق المدنية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، للدفاع عن حقوق الأمريكيين السود، كان هناك وجود يهودي ملحوظ فيها على مستوى القيادات والكوادر. ولعل هذا يعود إلى أن الجماعة اليهودية، شأنها في هذا شأن معظم الأقليات المهاجرة التي تعيش في المدن، تدين بالولاء للحزب الديموقراطي وتنحو منحى ليبراليا. كما أن أبناء الجيل الثالث من الأسر اليهودية المهاجرة كانت ولا شك قد تمت أمركتها وعلمنتها، ومن ثم فإنها بدأت تشعر بأزمة المعنى وتحاول العثور على حل لها، ولكنها لم تجده داخل الإطار اليهودي الذي كان قد تبنى القيم البورجوازية الأمريكية، فانخرط الشباب اليهودي في صفوف اليسار وحركات حقوق الإنسان.
ولكن، مع أواخر الستينيات، بدأ التوتر يظهر بين أعضاء الجماعة وبين قيادات حركة السود الشابة، مثل اليهود السود والمسلمين السود والقوة السوداء، وأخذت الأمور في التدهور بحيث يمكن القول بأن العلاقة بين المؤسسة السوداء والمؤسسة اليهودية علاقة لا يمكن وصفها بأنها ودية. وثمة أسباب عديدة بنيوية لهذا التوتر وهذا العداء:
1 ـ من المعروف أن كلا من الأمريكيين السود وأعضاء الجماعة اليهودية يتركزون في المدن الكبرى (الساحلية) جنبا إلى جنب، وهو ما يعني قدرا كبيرا من الاحتكاك ومن ثم التوتر.

(12/181)


2 ـ وهناك نمط أساسي للحراك الاجتماعي في الولايات المتحدة وهو أن قطاعات كبيرة من الجماعات المهاجرة تقطن أحياء فقيرة في المدن الساحلية بعض الوقت، إلى أن تثبت أقدامها وتحقق الحراك الاجتماعي، فتترك الجيتو وقاع المدينة المظلم وتنتقل إلى أحياء الطبقة الوسطى في الضواحي المنيرة. وهذا ما حدث للمهاجرين اليهود (سواء من أصل ألماني أم من أصل يديشي) وهو أيضا ما حدث للإيطاليين وغيرهم. وقد أدى استقرار أعضاء الجماعة اليهودية في الضواحي إلى إضعاف علاقتهم ببقية أعضاء الأقليات وتقوية علاقتهم بالنخبة الحاكمة، وقد فقدت الجماعة اليهودية ليبراليتها التقليدية وتضامنها مع الأقليات المضطهدة. ولا شك في أن الحراك الذي حققه أعضاء الجماعة اليهودية ولد كثيرا من المرارة في نفوس السود لأنهم حضروا قبل المهاجرين اليهود. ومع هذا، فبينما ساعدت المؤسسات الأمريكية البيضاء اليهود على الحراك، باعتبارهم بيضا، فإنها بذلت أقصى جهدها للتمييز ضد السود حتى أصبح السود جماعة وظيفية بلا وظيفة، طبقة بلا دور ولا هوية، وذلك باعتبار أن الهوية الأمريكية البيضاء موصدة دونهم.

(12/182)


3 ـ ومما يجدر ذكره أن أعضاء الجماعة اليهودية ليسوا الهدف الأول للعنصرية الأمريكية حيث توجه هذه العنصرية طاقاتها وسمها نحو السود (وربما العرب المسلمين) وهي لا تتوجه نحو اليهود إلا في بعض الأوساط العنصرية الهامشية المتطرفة. ومع هذا، لاحظ الزعماء الأمريكيون السود أن أعضاء الجماعة اليهودية عندهم حساسية بالغة تجاه أية ملاحظات قد تشتم منها معاداة اليهود. إن هذا الاتجاه عند بعض أعضاء الجماعات اليهودية نحو احتكار دور الضحية الأزلية، وإنكار هذا الدور على أعضاء الأقليات الأخرى، ساهم ولا شك في تصعيد التوتر. فالإعلام الأمريكي، الذي يتسم بوجود يهودي ملحوظ فيه، يركز على الإبادة النازية ليهود أوربا وكأنها عملية اضطهاد وإبادة تمت بالأمس أو منذ دقائق، دون أي اكتراث بما تم بعد ذلك من مذابح واستغلال وإهانة لأعضاء الأقليات الأخرى، ودون أي اهتمام بالأمريكيين السود الذين يعيشون داخل المجتمع الأمريكي، وعلى بعد خطوات من استوديوهات التليفزيون التي تتجاهلهم.كما يشير الزعماء الأمريكيون السود إلى أن السينما الأمريكية التي لعب بعض أعضاء الجماعة اليهودية دورا ملحوظا في تأسيسها ثم الهيمنة عليها، ساهمت في ترويج الصور الإدراكية السلبية عن السود باعتبارهم كسالى ومحبين للهو.
4 ـ وحينما حقق أعضاء الجماعة اليهودية الحراك الاجتماعي، تركوا حيا مثل هارلم، فشغله الأمريكيون السود، حتى أصبح السكان من السود بينما ظل أصحاب العقارات وصغار الملاك وأصحاب محلات الرهونات في الأحياء السوداء من أعضاء الجماعة اليهودية، أي أن اليهودي أصبح الممثل الأساسي للمؤسسة البيضاء في أحياء السود، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى درجة غير عادية من الاحتكاك يلعب فيها اليهود دور المستغل المباشر وهو ما يولد الكثير من التوتر.

(12/183)


5 ـ ظهرت جماعات المسلمين السود والقوة السوداء ممن يرون أن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون قطاعا مهما في المؤسسة الحاكمة المستغلة. بل إنهم يذهبون إلى أن اليهود يشكلون جسما استغلاليا غريبا أبيض يقوم بامتصاص دم الجيتو الأسود وتصدير فائض القيمة خارجه، ومن ثم يعوقون ظهور رأسمالية أمريكية سوداء. والواقع أن رؤية هذه الجماعات السوداء لليهود لا تختلف كثيرا عن رؤية العرب لإسرائيل.
6 ـ وجدت القيادات السوداء أن أعضاء الجماعة اليهودية يحاولون الحفاظ على مواقعهم المتقدمة التي شغلوها في المجتمع، وعبروا عن مخاوفهم من أن واقع تحسين أحوال السود سيكون على حسابهم. وقد تجلى ذلك في مدارس نيويورك حينما تقرر أن يفتح الباب لتجنيد أعداد أكبر من المدرسين السود، فنظم اتحاد المدرسين الذي كان يضم أغلبية يهودية ساحقة إضرابا للاحتجاج على هذه الخطوة. ويمكن القول بأن القطيعة أخذت شكلها النهائي عام 1966 حين صوت 55% من يهود نيويورك ضد تشكيل لجنة تحقيق بشأن نشاط رجال الشرطة وسلوكهم بينما أيدت ذلك أغلبية السود. واستمر هذا النمط وهيمن وازداد حدة، فنجد أن قيادة الجماعة اليهودية تعارض نظام النصاب في التعليم، أي تخصيص نسبة معينة للأقليات التي أضيرت من التمييز ضدها في الماضي، كما ترفض نظام المعاملة الأفضل لأعضاء الأقليات في التعيين في الوظائف، وهو ما يسمى «العمل الإيجابي» (بالإنجليزية: الأفيرماتيف آكشن affirmative action)، وذلك بحجة أن نظام النصاب والمعاملة الأفضل هو شكل من أشكال التمييز العنصري لصالح السود وضد اليهود.

(12/184)


7 ـ في أعقاب أحداث لوس أنجلوس، أشار بنيامين هوكس، مدير الجمعية الوطنية للارتقاء بالملونين، إلى التحول الذي طرأ على النظام الرأسمالي الذي انتقل في تصوره من التركيز على الصناعة والإنتاج إلى رأسمالية المضاربات بما تؤدي إليه من بطالة. وقال: مهما كان الرأسماليون قساة في الماضي، فإنهم كانوا على الأقل يشيدون السكك الحديدية ويصنعون البواخر ويقطعون الغابات ويصنعون شيئا.. أما الآن فليس لدينا سوى حفنة من فناني النصب في وول ستريت ممن يتاجرون بالنقود جيئة وذهابا ويكسبون بلايين الدولارات على حساب صغار الناس.
وقد يبدو هذا الحديث وكأنه حديث عام عن تحول الرأسمالية الأمريكية، من رأسمالية صناعية إلى رأسمالية مالية، وهو بالفعل كذلك، ولكن يجب فك شفرة هذا الخطاب من داخل النسق الأمريكي نفسه. فرأسمالية المضاربات هذه يتركز فيها أعضاء الجماعات اليهودية بشكل واضح. ولعل بنيامين هوكس قد أحجم عن ذكر ذلك مباشرة حتى لا يتهم بمعاداة اليهود، السيف المصلت، ولكن كل من يقرأ هذه الكلمات ويدرك المعاني بين السطور يعرف تماما معناها الحقيقي.

(12/185)


8 ـ تزامن ذلك مع تزايد الهيمنة الصهيونية التي تطرح كل شيء من منظور يهودي ضيق، والتي تؤكد اقتران مصالح اليهود بمصالح إسرائيل وبالتالي تبعد أعضاء الجماعة اليهودية عن القضايا التي تمس الطوائف الأخرى، كما تبعدهم عن أية تحالفات ذات طابع ثوري قد تتعارض مع مصلحة إسرائيل. ومعظم التحالفات ذات التوجه الاجتماعي الثوري، أو شبه الثوري، عادة ما تكون ضد سياسة الحرب الباردة وضد تصعيد التسلح، كما أنها تقف ضد محاولة فرض السلام الأمريكي على العالم لأن مثل هذه السياسة تعني توجيه معظم الاعتمادات للتسلح وللمعونات الأجنبية للحكومات «الصديقة» (أي التي تساعد على تنفيذ سياسة الولايات المتحدة الخارجية) وتقليص الاعتمادات اللازمة لتنفيذ برامج الرفاه الاجتماعي. ومن ثم، فإن هذه التحالفات تتبنى سياسات خارجية تتناقض موضوعيا مع مصلحة إسرائيل التي تستمد وجودها من الحرب الباردة، ومن كون الولايات المتحدة قوة إمبريالية عظمى تسعى إلى أن تلعب دورا نشيطا مهيمنا في كل أنحاء العالم.
9 ـ بدأت الأقلية السوداء في الولايات المتحدة ترى هويتها في سياق أفريقي ينحاز إلى العالم الثالث. ولذا، أصبح منظورها السياسي مختلفا تماما عن المنظور الصهيوني الذي يتبناه أعضاء الجماعة اليهودية، وخصوصا أن الدولة الصهيونية من أكثر الدول تعاونا مع جنوب أفريقيا. كما أن تزايد التعاطف في صفوف الأمريكيين السود مع الفلسطينيين، وخصوصا بعد الانتفاضة، يزيد حدة التوتر. وقد تفجر هذا التوتر حين صرح الزعيم الأفريقي مانديلا بأنه يساند حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة.
10 ـ تزايد نفوذ الأقلية السوداء، حيث أصبحت تطالب بنصيب في السلطة يتناسب مع قوتها العددية، الأمر الذي يهدد مكانة أعضاء الجماعة اليهودية.

(12/186)


11 ـ كانت حركة الحقوق المدنية، من الناحية الأساسية، حركة سوداء يقودها اليهود مع بعض السود. ومع نضج أعضاء الجماعة السوداء في الولايات المتحدة، حاولت الحركة أن تتولى قيادة نفسها بنفسها وهو ما كان يعني تنحية اليهود عن قيادتهم، وخصوصا بعد ظهور قيادات شابة جديدة (مثل جيسي جاكسون وفراخان) غير متعاطفة مع القيادات القديمة التي كانت تؤيد المؤسسة الليبرالية البيضاء وإسرائيل دون مناقشة (مثل بايارد راستين). وربما كان أندرو يونج نموذجا جيدا لهذه القيادات الشابة، فقد أخذ بزمام المبادرة حين كان رئيسا للوفد الأمريكي في هيئة الأمم المتحدة، وقام بترتيب مقابلة مع مندوب منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنه فقد منصبه في أعقاب ذلك بضغط من الجماعة اليهودية، الأمر الذي أثار حفيظة الجماعة السوداء.
12 ـ تزامن ذلك مع ظهور الجمعيات الأصولية المسيحية (الرجعية البيضاء) التي تجعل إسرائيل (الشعب والدولة) محور رؤيتها للخلاص، وترى قيام الدولة الصهيونية إحدى العلامات على اقترابه. وتفسر هذه الجمعيات الكتاب المقدس تفسيرا حرفيا ضيقا، ومستخلصة من ذلك برنامجا سياسيا صهيونيا مؤيدا لإسرائيل وإن كان داخله كره عميق لليهود ورفض لهم. وإذا أضفنا إلى ذلك سياسة إسرائيل المؤيدة لأمريكا في عصر نيكسون وريجان، واشتراكها بنشاط في الحرب الباردة (باعتبار أن أي انفراج دولي قد يؤثر في أهميتها الإستراتيجية للغرب ويزيد أهمية العرب ويخلق رقعة مشتركة بين العرب والولايات المتحدة)، فيمكن فهم أسباب ابتعاد الجماعة اليهودية تدريجيا عن الأقليات الأخرى وعن القيم الليبرالية واكتساب سمات رجعية ومحافظة حتى فقد اليهود ليبراليتهم التقليدية. وأصبحت مجلة كومنتاري التي تصدرها اللجنة الأمريكية اليهودية (وهي مجلة ذات تراث ليبرالي) منبرا للمدافعين عن الحرب الباردة وسياسة التشدد مع الاتحاد السوفيتي.

(12/187)


وليس من المتوقع أن يزول الصراع بين الجماعتين، فقد تخف حدته، وقد تعقد اجتماعات تنتهي بإصدار بيانات ودية، ولكن إزالة أسباب هذا الصراع مسألة غير ممكنة فهو يشكل جزءا من بنية المجتمع الأمريكي. وقد وقعت عدة حوادث في المدن الأمريكية التي تضم أعدادا كبيرة من الأمريكيين اليهود والسود تبين أن الاتجاه العام يميل إلى تصاعد التوتر بل الصدام.
تنظيمات وجمعيات الجماعة اليهودية
Organizations and Societies of the Jewish Community
كما هو الحال مع مختلف الأقليات والجماعات الإثنية والدينية، هناك تنظيمات وجمعيات في الولايات المتحدة أسستها الجماعة اليهودية لرعاية مصالحها ولتمثيلها لدى الجهاز الحاكم.
ولا يزال الإطار التنظيمي ليهود الولايات المتحدة تهيمن عليه العناصر العلمانية الإثنية، ولا تلعب فيه المؤسسة الدينية سوى دور ثانوي. كما أنه لا يزال يتسم بالفيدرالية القديمة، فهو مقسم إلى جماعات وتنظيمات وفروع مختلفة تحتفظ كل واحدة منها باستقلالها على أن يتم التنسيق فيما بينها من خلال سلطة مركزية. وإن كان يلاحظ أن الجهود الصهيونية الرامية إلى تحويل الأمريكيين اليهود إلى مجموعة ضغط قوية قد خلقت إطارا قويا للتنسيق بين التنظيمات والتجمعات كافة.

(12/188)


والمهام التنظيمية المعلنة للمؤسسات اليهودية هي الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية لأعضاء الجماعة اليهودية، والقيام بالأنشطة الخيرية المختلفة... إلخ، وهي ولا شك تقوم بهذه الوظائف والمهام. ولكن المنظمة الصهيونية نجحت في «غزو الجماعات اليهودية»، وهو مصطلح صهيوني ورد لأول مرة في المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) والاستيلاء عليها. ولذا، سنجد أن معظم المؤسسات التنظيمية للجماعة اليهودية توظف لخدمة الصهيونية، فتتحول هذه المؤسسات إلى جماعات ضغط سياسي تخدم آليات الجباية الصهيونية والإسرائيلية، وتأخذ الأعمال الخيرية التي تقوم بها هذه المؤسسات شكل إرسال معونات لإسرائيل. ولذا، تداخلت المؤسسات التنظيمية للجماعة اليهودية مع الجمعيات والمنظمات الصهيونية حتى أصبح من الصعب الفصل بينهما.
ولا توجد منظمة أو جهة مركزية واحدة تقوم بتمثيل وإدارة شئون الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، بل يوجد العديد من المنظمات والجمعيات التي تقوم بهذا الدور على المستويات المحلية وتندرج معظمها تحت مظلة منظمات أوسع، تلعب دور منسق ومنظم لأنشطتها على المستوى القومي والدولي أيضا. ويعكس هذا الوضع التركيبة الفيدرالية للولايات المتحدة وتوزع السكان اليهود على مدن كثيرة من الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، توجد بعض المنظمات التي تقوم بأنشطة محددة على المستوى القومي. وأهم المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة هي:

(12/189)


ـ المجلس الاستشاري القومي لعلاقات الجماعة اليهودية National Jewish Community Relations Advisory Council واختصارها NJCRAC. تأسس عام 1944 كجهة استشارية ومنسقة لمجالس العلاقات Community Relations Councils وللـ 11 منظمة يهودية أمريكية على المستوى القومي والـ 108 مجالس على المستويات المحلية. وكانت هذه المجالس قد تشكلت في الثلاثينيات للدفاع عن حقوق أعضاء الجماعة وفض النزاعات بينهم ومحاربة التيارات المعادية لليهود ودعم التعليم اليهودي على المستويات المحلية. ويقوم المجلس بدور المنسق للاتجاهات داخل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة تجاه القضايا السياسية المحلية والخارجية وتجاه إسرائيل وتجاه الجماعات الدينية والإثنية الأخرى. كما يعمل كجماعة ضغط داخل مراكز القوة في الولايات المتحدة، مثل الكونجرس الأمريكي والمحاكم الفدرالية، ويهتم بالقضايا الخاصة بمعاداة اليهود والحقوق المدنية وفصل الدين عن الدولة.
ـ مجلس الاتحادات اليهودية وصناديق خدمات الرفاه الاجتماعي Council of Jewish Federations and Welfare Funds واختصارها CJFWF. تأسس عام 1932 لتنسيق نشاط 200 اتحاد يهودي يخدم 800 تجمع يهودي في الولايات المتحدة وكندا. وكانت هذه الاتحادات قد بدأت تتأسس منذ عام 1895 لتنظيم الأنشطة الخيرية والخدمة الاجتماعية للجماعة اليهودية على المستويات المحلية وجمع التبرعات لهذه الأغراض، وأصبحت قيادات هذه الاتحادات تمثل القيادة الفعلية للجماعة اليهودية على المستوى المحلي. ويقوم المجلس بدور تنظيمي وتنسيقي في مجالات الخدمة الاجتماعية وتدبير الموارد المالية. ويغطي نشاطه 95% من أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة.

(12/190)


ويعتبر مجلس الاتحادات مركز التنسيق الفعلي بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة حيث توفر الجمعية العمومية للمجلس منبرا سنويا ومركز تجمع للأفراد والجماعات المختلفة داخل الجماعة اليهودية للتشاور والتنسيق واتخاذ القرارات.
ـ مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى Conference of Presidents of Major American Jewish Organizations واختصارها «Presidents' Conference»، أي «مؤتمر الرؤساء». تأسس عام 1955، ويضم 34 منظمة يهودية، ويعمل على عرض وتقديم موقف الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل وتجاه القضايا الخارجية الخاصة بالجماعات اليهودية إلى الحكومة الأمريكية.
ـ المجلس اليهودي الوطني لخدمات الرفاه الاجتماعي National Jewish Welfare Board واختصارها JWB. تأسس عام 1917، ويعمل على تنسيق أنشطة المراكز الاجتماعية اليهودية المنتشرة في أنحاء الولايات المتحدة. ومن مهامه خدمة احتياجات أعضاء الجماعة اليهودية العاملين في القوات المسلحة الأمريكية.

(12/191)


ـ اللجنة اليهودية الأمريكية American Jewish Committee، وهي من أقدم المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة. قام اليهود المنحدرون من أصل ألماني بتأسيسها عام 1906، واهتمت منذ تأسيسها بالدفاع عن الحقوق المدنية والدينية للجماعات اليهودية في الولايات المتحدة والعالم. وتنشط اللجنة من خلال أقسامها المختلفة في نواح عديدة من شئون الجماعة اليهودية، وتهتم بصفة خاصة بقضايا التعددية والأسرة اليهودية والعلاقات بين الجماعات الدينية. وتعتبر اللجنة نفسها بوتقة لصهر أفكار الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة وتقوم برعاية سلسلة من الدراسات والمؤتمرات، كما أن لها إصدارات مهمة من ضمنها دوريتان مهمتان هما: كومنتري Commentary (أي التعليق)، و برزنت تنس Present Tense (أي الفعل المضارع أي الزمن الحاضر). وتصدر اللجنة كتابا سنويا يسمى الكتاب السنوي American Jewish Year Book ، كما تمتلك مكتبة للتاريخ الشفهي.
ـ المؤتمر اليهودي الأمريكي American Jewish Congress. تأسس عام 1918 بهدف خلق إطار لعرض مصالح الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة في مؤتمر السلام عقب الحرب العالمية الأولى. وقد جاءت قيادة المؤتمر وأعضاؤه من بين صفوف المهاجرين اليهود من شرق أوربا الذين كانت تتعارض توجهاتهم الصهيونية والعمالية مع توجهات اللجنة اليهودية الأمريكية وقيادتها البورجوازية ذات الأصول الألمانية. وقد ظل المؤتمر ذا توجه صهيوني قوي، ومؤيدا لإسرائيل بشكل نشيط. كما يلعب دورا نشيطا في القضايا الخاصة بمعاداة اليهود والتفرقة العنصرية والحقوق المدنية وفصل الدين عن الدولة.

(12/192)


ـ منظمة أبناء العهد (بناي بريت B'nai B'rith). منظمة للخدمة اليهودية الدولية تأسست عام 1943 في نيويورك ومقرها الأمريكي والدولي الآن في واشنطون. وهي أكبر المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة من ناحية حجم العضوية حيث تضم حوالي 400.000 عضو. وقد نظمت على هيئة جمعية ماسونية تستهدف توحيد جهود الجماعة اليهودية والعمل على تحسين أحوالهم. وقد نمت المنظمة نموا كبيرا حتى أصبح لها الآن فروع فيما يزيد على 30 دولة من بينها إسرائيل، حيث تنشط المنظمة في غوثهم من الكوارث وتنظيم النساء والشباب بقصد تعليمهم وتأهيلهم مهنيا وتقديم مختلف التسهيلات والخدمات لهم. وقد أسست هذه المنظمة عام 1913 عصبة مناهضة الافتراء Anti Defamation League بهدف محاربة معاداة اليهود وممارسة التمييز العنصري ضدهم وكذلك الدفاع عن الحقوق المدنية لأعضاء الجماعة اليهودية. وتصدر المنظمة كتبا ومنشورات بهذا الهدف. وقد أصبحت هذه العصبة الأداة الأساسية لمنظمة أبناء العهد (بناي بريت) التي تعمل من خلالها على خنق مختلف الاتجاهات المعادية للصهيونية وإسرائيل عن طريق اتهامها بأنها معادية لليهود.
ـ وتتم عملية جمع التبرعات وتدبير الموارد المالية داخل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة من خلال النداء اليهودي الموحد United Jewish Appeal واختصارها UJA. وهي منظمة تأسست عام 1929. وتذهب 80% من حصيلة التبرعات إلى إسرائيل من خلال النداء الإسرائيلي الموحد United Israel Appeal واختصارها UIA، أما الحصيلة المتبقية (20%) فتخصص لمشاريع محلية وخارجية يتم توزيعها من خلال لجنة التوزيع المشتركة Joint Distribution Committee واختصارها JDC.

(12/193)


ـ وهناك عدد من المنظمات الصهيونية المنظمة تمثل تنظيما فضفاضا ضمن الاتحاد الصهيوني الأمريكي American Zionist Federation. إلا أن قوة الحركات الصهيونية في الولايات المتحدة قد تضاءلت منذ عام 1948. والآن، فإن كثيرا من النشاطات والمهام التي كانت تضطلع بها تقوم بها المنظمات اليهودية الأمريكية وعلى رأسها: مؤتمر الرؤساء، والمجلس الاستشاري القومي لعلاقات الجماعة اليهودية، واللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة American Israeli Public Affairs Committee واختصارها AIPAC «ايباك»، وهذه المنظمات يهودية اسما صهيونية فعلا.
ـ حركات الشبيبة: وتنظم المعابد اليهودية والمنظمات الصهيونية حركات للشباب من أهمها:
مجلس الشباب اليهودي في أمريكا الشمالية North American Jewish Youth Council
مؤسسة الشباب الصهيوني الأمريكي American Zionist Youth Foundation.
شبكة الطلاب اليهود لأمريكا الشمالية The North American Jewish Students Network. وتعتبر هذه المنظمة الجهة الممثلة للطلبة الأمريكيين اليهود لدى الاتحاد العالمي للطلبة اليهود World Union of Jewish Students.
المجلس القومي لشباب السيناجوج National Council of Synagogue Youth، تحت رعاية الحركة الإصلاحية.
أتيد Atid. تحت رعاية الحركة المحافظة.
منظمة أبناء العهد (بناي بريت) للشباب. وترعى منظمة أبناء العهد (بناي بريت) الطلبة اليهود من خلال مؤسسة هليل Hillel Foundation التي لها فروع في كل الجامعات الأمريكية يدرس فيها طلبة أمريكيون يهود.
والجماعة اليهودية في الولايات المتحدة ممثلة لدى المؤتمر اليهودي العالمي من خلال القسم الأمريكي للمؤتمر American Section الذي يمثل 32 منظمة يهودية.
ـ كما توجد منظمات خاصة بضحايا الإبادة النازية:

(12/194)


التجمع الأمريكي واتحاد الناجين من الهولوكوست The American Gathering and Federation of Jewish Holocaust Survivors. تأسست عام 1983، وتعمل كمظلة لعدد من المنظمات المختصة بضحايا الهولوكوست.
الشبكة الدولية لأبناء اليهود الناجين من الهولوكوست The International Network of Children of Jewish Holocaust Survivors. تأسست عام 1981، وتعمل على استمرار ذكرى الهولوكوست بين أبناء الجيل الثاني من اليهود في العالم، وعلى تشجيعهم للعمل بشكل نشيط على إبقاء هذه الذكرى حية والمشاركة في شئون وقضايا الجماعات اليهودية.
وقد شهدت هذه الفترة تطورا جديدا تماما على الساحة الأمريكية، فبعد أن أحكمت الهيمنة الصهيونية على أعضاء الجماعة اليهودية، وبعد إحكام الحصار على الجيوب التقليدية المعادية للصهيونية (المجلس الأمريكي لليهودية وناطوري كارتا)، ظهرت جماعات يهودية صهيونية اسما تطرح تصورات للعلاقة بين الأمريكيين اليهود وإسرائيل، وبين إسرائيل والفلسطينيين، تتناقض بشكل أساسي مع التصورات الصهيونية. وأولى هذه الجماعات هي بريرا التي قضي عليها في أواخر السبعينيات، ثم ظهرت بعد ذلك الأجندة اليهودية الجديدة. ويلاحظ كذلك ظهور شخصيات أمريكية يهودية قومية تقف ضد الصهيونية من أهمها: آي. إف. ستون، ونعوم تشومسكي. وبعض هؤلاء يرفض الصهيونية من منظور إنساني يهودي.

(12/195)


ومن المفارقات التي يجدر تسجيلها أن معظم التبرعات التي يتم جمعها تذهب إلى إسرائيل، فمن نحو 500 مليون دولار سنويا (في الثمانينيات) يذهب إلى إسرائيل نحو 300 مليون دولار، أي أكثر من 50%، وهو ما يترك مؤسسات الرعاية اليهودية في الولايات المتحدة دون اعتمادات كافية، الأمر الذي ازداد حدة في عصر ريجان بعد أن تقلصت ميزانيات الرفاه الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، يوجد كثير من بيوت العجزة اليهود المهددة بالغلق لعدم وجود الميزانيات الكافية، كما أن مصاريف مدارس الأحد العبرية آخذة في الازدياد بحيث أصبحت باهظة التكاليف على أولياء الأمور، ولم يتمكن معهد البحوث اليديشية (ييفو) من الاستمرار في بحوثه إلا بدعم من الحكومة الأمريكية. ويلاحظ كذلك أن كثيرا من مراكز الدراسات اليهودية في الجامعات آخذة في التقلص للسبب نفسه، وإن كان لا يمكن استبعاد أن معدلات الاندماج المتزايد من الأسباب الأساسية. وتتجلى هذه الظاهرة، أي تزايد معدلات الاندماج، في اختفاء التعليم اليديشي تماما، وكذلك مختلف النشرات اليديشية، ما عدا جريدة يومية تعيش على المعونات. ولوحظ مؤخرا انصراف يهود أمريكا عن المساهمة في النداء اليهودي الموحد. فقد لوحظ أن 1% من كبار المتبرعين يدفعون 25% من جملة التبرعات وأن 10% من المتبرعين يدفعون 80% منها، أي أن صغار المساهمين من الجماهير اليهودية لم يعودوا تقريبا يتبرعون للدولة الصهيونية. والله أعلم.

(12/196)


المجلد الخامس: اليهودية.. المفاهيم والفرق
الجزء الأول: اليهودية.. بعض الإشكاليات
الباب الأول: إشكالية التركيب الجيولوجي التراكمي والشريعة الشفوية
اليهودية: المصطلح
Judaism: Term
يشير اليهود إلى عقيدتهم بكلمة «توراة». أما مصطلح «اليهودية» فيبدو أنه قد ظهر أثناء العصر الهيليني للإشارة إلى ممارسات اليهود الدينية لتمييزها عن عبادات جيرانهم. وقد سك هذا المصطلح يوسيفوس فلافيوس ليشير إلى العقيدة التي يتبعها أولئك الذين يعيشون في مقاطعة يهودا (مقابل «الهيلينية» أي عقيدة أهل هيلاس Hellas وهكذا بدأ المصطلحان كتسمية للمقيمين في منطقة جغرافية ثم أصبحا يشيران إلى عقيدتهم). أما الأصل العبري «يهدوت»، فيعود إلى العصور الوسطى.

(13/1)


وقد أصبحت كلمتا «يهودية» و«توراة» كلمتين مترادفتين، ولكن ثمة اختلافات دقيقة بينهما. فمصطلح «اليهودية» يؤكد الجانب البشري، بينما يؤكد مصطلح «التوراة» الجانب الإلهي. ولذا، يمكن الحديث عن «اليهودية العلمانية» بينما يصعب الحديث عن «التوراة العلمانية». ومن الجدير بالذكر أن المصطلح الشائع في الولايات المتحدة والعالم هو «اليهودية»، أما مصطلح «توراة» فقد اختفى تقريبا إلا بين المتخصصين والأرثوذكس. كما تشير كلمة «التوراة» إلى الجوانب الثابتة اللادنيوية في اليهودية، ويستخدم مصطلح «يهودية» للإشارة إلى الجوانب التاريخية المتغيرة وإلى تفاعل اليهودية مع الحضارات الأخرى. ومن هنا، يمكن الحديث عن «اليهودية الحاخامية» و«اليهودية الهيلينية»، ولا يمكن الحديث عن «التوراة الحاخامية» مثلا. ويرى دارسو الدين اليهودي أن إطلاق مصطلح «يهودية» على تلك المرحلة من تاريخ اليهودية التي تسبق تدوين العهد القديم يتضمن تناقضا تاريخيا، فهي مرحلة سديمية لم تكن قد تشكلت فيها بعد معالم اليهودية، ولم يكن العبرانيون فيها قد صاروا يهودا، ولذا فنحن نطلق على تلك المرحلة «مرحلة عبادة يسرائيل»، ثم «العبادة القربانية المركزية» بعد تأسيس الهيكل. وتشير أدبيات جماعة الناطوري كارتا إلى «يهودية التوراة» (بالإنجليزية: توراه جودايزم Torah Judaism) بمعنى «اليهودية الأصلية» أو «اليهودية الأرثوذكسية»، وهم يفضلون استخدام مصطلحهم لأنه قد ولد من داخل المنظومة اليهودية، على عكس كلمة «أرثوذكسية» ذات النكهة المسيحية.
اليهودية: بعض الإشكاليات
Judaism: Some Problematics
للنسق الديني اليهودي سمات جوهرية مقصورة عليه تفصله عن العقائد التوحيدية الأخرى، وتثير قضايا إشكالية عميقة. ويمكن إيجاز بعض هذه السمات فيما يلي:

(13/2)


1 ـ تتميز اليهودية، كنسق ديني، بعدم تجانسها نظرا لظهورها في مرحلة متقدمة نسبيا من التاريخ ونظرا لاستيعابها كثيرا من العناصر الدينية والحضارية من سائر الحضارات التي وجدت فيها، فقد استوعبت الكثير من العناصر من الحضارات المصرية والآشورية. ثم تأثرت تأثرا عميقا بالإسلام والمسيحية، وبخاصة بعد سقوط الهيكل واختفاء أي مركز ديني أو زمني لليهودية (أو اليهود). وقد تأثر مؤلفو التلمود وكتب القبالاه بالعقائد الشعبية والخرافية، وكل هذا جعل اليهودية تشبه التركيب الجيولوجي الذي تشكل من خلال تراكم عدة طبقات، الواحدة فوق الأخرى. ونظرا لعدم التجانس، ولاحتواء اليهودية على عناصر شتى، نجد أن من الصعب تعريف هوية اليهودي. فمن الممكن، حسب الشريعة اليهودية، أن يكون المرء ملحدا ويهوديا معا في الوقت نفسه نظرا لأن الشريعة ترى أن اليهودي هو من ولد لأم يهودية، وهذا أمر لا يوجد في المسيحية ولا في الإسلام، حيث تنتفي صفة الانتماء للدين إذا أنكر الإنسان وجود الإله، حتى ولو ولد لأبوين مسيحيين أو مسلمين.
2 ـ رغم وجود تقاليد شفوية في كثير من العقائد والديانات، إلا أن اليهودية تتسم بأن تقاليدها الشفوية أصبحت أكثر من مجرد تقاليد، فقد أصبحت «شريعة شفوية» تعادل «الشريعة المكتوبة» في المنزلة، بل تتفوق عليها وتجبها.
3 ـ رغم أن العقيدة اليهودية تتضمن نزعة توحيدية قوية، إلا أن معدلات الحلولية أخذت تتصاعد داخلها حتى أصبحت الطبقة الحلولية (داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي) أهم الطبقات طرا، وانتهى الأمر بأن هيمنت الحلولية على العقيدة اليهودية فأصبحت عقيدة توحيدية اسما، حلولية فعلا، وأصبحت عقيدة ذات نزعة غنوصية قوية.

(13/3)


4 ـ استولت الصهيونية على العقيدة اليهودية تماما بحيث خلقت في ذهن الكثيرين ترادفا شبه كامل بين الصهيونية واليهودية، رغم أن آباء الصهيونية الأوائل كانوا من الملاحدة. وقد نجحت الصهيونية في تطوير خطاب حلولي مراوغ سمح بتجنيد اليهود الأرثوذكس.
وثمة إشكاليات أخرى وثيقة الصلة بالثلاث التي ذكرناها (مثل: العالمية والتبشير ـ اليهودية الإلحادية) سنتناولها طي هذا المجلد، وسنكتفي بتناول الإشكاليات الثلاث التي أشرنا إليها في هذا الجزء، باعتبارها أهم الإشكاليات.
الرؤية اليهودية للكون
Jewish Cosmogony and Cosmology

(13/4)


تشير الكلمتان «كوزموجوني» و«كوزمولوجي» إلى التأملات الخاصة بأصل العالم وتطوره وبنيته. وكلمة «كوزموس» اليونانية تعني «الكون» أو «النظام». أما شق «جوني»، فمن الجذر اليوناني «جيجنستاي» بمعنى «ينتج»، ومن ثم فإن كلمة «كوزموجوني» تعني «ولادة» أو «أصل» أو «خلق العالم». أما شق «لوجي» فمن كلمة «ليجاين legein» بمعنى «يتحدث». والكوزموجوني نظرية أو وصف خلق العالم. أما الكوزمولوجي، فهي النظرية أو الفلسفة الخاصة بطبيعة ومبادئ الكون، وكلتا النظريتين تشملان التأملات الخاصة بأصل العالم وتطوره وبنيته. وترى اليهودية أن الإله خلق العالم، ولكن ما عدا ذلك هو أمر خلافي، إذ توجد داخل النسق الديني اليهودي عدة صور متناقضة لأصل العالم وبنيته. فالعهد القديم يقدم رؤى عديدة للإله ليست متسقة بالضرورة. أما التلمود، فقد استوعب صورا عديدة من الحضارات المحيطة سواء الوثنية أو الإسلامية أو المسيحية، ودون كثيرا من الأساطير الشعبية وحولها إلى معتقدات دينية. فهناك قصة الخلق، وإلى جانبها أسطورة ليليت، وكذا شجرة المعرفة والخير والشر. وإذا كان هناك يهوه إله العالمين،فهناك أيضا شريكه عزازيل.والعالم له معنى في كثير من المقطوعات،ولكنه بلا معنى في مقطوعات أخرى.وهذا يعود إلى طبيعة التركيب الجيولوجي لليهودية.وقد ازدادت الرؤية اضطرابا مع ظهور القبالاه التي حولت كثيرا من الأساطير الفلكلورية إلى رؤية للكون،كما هو الحال في فكرة «آدم قدمون»،أو «تهشم الأوعية (شفيرات هكليم)»،أو «تبعثر الشرارات (نيتسوتسوت)»، أو «إصلاح الخلل الكوني (تيقون)»!وقد حولت القبالاه اليهود إلى قوة كونية وجودها أساسي لاسترجاع الشرارات وعملية إصلاح الخلل الكوني.

(13/5)


وفي العصر الحديث، لا يمكن الحديث عن رؤية يهودية واحدة للكون، إذ تنوعت المصادر الفلسفية للمفكرين الدينيين اليهود، وانقسمت اليهودية إلى فرق تختلف في رؤيتها، الواحدة عن الأخرى، بشكل جوهري.
اليهودية باعتبارها تركيبا جيولوجيا تراكميا: التعريف
Judaism as a Cumulative Geological Construct: Definition
«التركيب الجيولوجي التراكمي» عبارة نستخدمها لنصف عمق عدم التجانس، بل التناقض الداخلي الحاد الذي تتسم به اليهودية كنسق ديني (كما نشير إلى ما يسمى «الهوية اليهودية» باعتبارها هي الأخرى تركيبا جيولوجيا تراكميا). ومن المعروف أن الأنساق الدينية التوحيدية، مثل الإسلام والمسيحية، تتسم بقدر من التنوع في الممارسات الدينية وفي الاختلافات على مستوى النظرية، فينقسم أتباع كل نسق إلى شيع وفرق ومذاهب لكل تفسيرها، وقد تندلع بينها الحروب أحيانا. وقد شهد الإسلام في بداية العصر الإسلامي اختلافات بين الصحابة أنفسهم على بعض القضايا الدينية، ثم ظهرت بعد ذلك فرق مختلفة مثل الخوارج والشيعة، مقابل الأغلبية السنية التي ظهرت بين أعضائها المذاهب الأربعة، هذا بخلاف الاجتهادات المختلفة. والمسيحية تتسم بالخاصية نفسها - ربما بشكل أكثر عمقا - فهناك عدد من الكنائس، مثل: الكنيسة القبطية، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية، والكنيسة الأرمنية، ثم الكاثوليكية الرومانية. وقد شهدت المسيحية أيضا الانقسام الأكبر مع ظهور البروتستانتية التي تتسم بالانشقاقات والانقسامات الدائمة.

(13/6)


ولكن، رغم هذا، يظل التنوع داخل إطار مبدئي من الوحدة إذ يوجد حد أدنى في الإسلام مثلا يشكل معيارا يمكن عن طريقه تفرقة المسلم عن غير المسلم. فالنطق بالشهادتين، عند المسلمين، أمر أساسي لا اجتهاد فيه ولا اختلاف، والإيمان بالبعث واليوم الآخر هو أيضا جزء من هذا الحد الأدنى. فمهما بلغت الاختلافات، ومهما تصاعدت التناقضات، فإن هذا يظل معيارا أساسيا، ولا يمكن لأحد أن يسمي نفسه «مسلما» إذا أنكر وحدانية الله، وأن محمدا رسول الله، أو إذا أنكر اليوم الآخر والبعث. ولا يمكن أن يسمي أحد نفسه «مسيحيا» إن أنكر حادثة الصلب.
ولا شك في أن الأنساق الدينية التوحيدية قد تفاعلت فيما بينها كما تفاعلت مع الحضارات الأخرى. فقد مثل علم الكلام عند المسلمين، والعقلانية الإسلامية، محاولة من جانب الفكر الإسلامي للاستجابة لتحد حضاري طرحه فكر الآخر (الفكر الفلسفي اليوناني). وفي عملية الاستجابة، تم تبني مقولات مفاهيمية وفلسفية من النسق الآخر. ولكن مثل هذه العناصر الجديدة ظلت دائما على مستوى الخطاب والمصطلح، وتم استيعابها وهضمها تماما بحيث أصبحت جزءا من الكل. أما ما يتنافى مع جوهر النسق الديني، فقد أصبح هامشيا وغير مؤثر، أو رفض تماما. ويمكن أن نضرب أمثلة من المسيحية، وخصوصا الكاثوليكية، التي استوعبت الكثير من العناصر الفكرية والرمزية من الحضارات التي احتكت بها ورفضت كثيرا من العناصر الأخرى، ولكنها حاربت الهرطقات المختلفة مثل الهرطقة الغنوصية والألبنيزية التي تشكل انحرافا عن جوهر الإيمان المسيحي في تصورها.

(13/7)


واليهودية في تصورنا تختلف عن المسيحية والإسلام في هذا المضمار. فهي تشبه التركيب الجيولوجي المكون من طبقات مستقلة، تراكمت الواحدة فوق الأخرى، ولم تلغ أية طبقة جديدة ما قبلها. وهي طبقات تتجاور وتتزامن وتوجد معا لكنها لا تتمازج ولا تتفاعل ولا تلغي الواحدة منها الأخرى ولا يتم استيعابها في إطار مرجعي واحد. وقد سميت كل هذه الطبقات بـ «الدين اليهودي».
ومع أن عبارة «التركيب الجيولوجي التراكمي» من صياغتنا نحن، إلا أن التشبيه نفسه متضمن فيما يسمى «نقد العهد القديم» حيث يفترض دارسو العهد القديم أنه تكون من تراكم مصادر مختلفة (طبقات جيولوجية مختلفة) لكل رؤيته ومصطلحه، ولكل أسلوبه ولغته، بل عقيدته، ولكل مؤلفه أو مدونه، وأن هذه الطبقات أو المصادر تراكمت الواحدة فوق الأخرى وتعايشت جنبا إلى جنب. وقد حدد البعض المصادر الأساسية بأربعة مصادر، وحددها آخرون بثمانية، كما بين بعض النقاد أن بعض المصادر قد فقدت ولكن بالإمكان التعرف عليها من خلال النصوص الموجودة. كما أن ترجمات العهد القديم، ومخطوطات البحر الميت، تشكل شواهد على تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وعلى التناقض بين المصدر اليهوي (الحلولي) والمصدر الإلوهيمي (التوحيدي أو شبه التوحيدي) الذي وضحه نقاد العهد القديم، الأمر الذي يبين إدراكهم للخاصية الجيولوجية بدون تسميتها. وفي تصورنا، فإن ما يراه نقاد العهد القديم منطبقا عليه وحده ينطبق في الواقع، وبشكل أكثر حدة، على مختلف الكتب اليهودية المقدسة الأخرى وشبه المقدسة. فالتلمود يفوق في ضخامته العهد القديم، وهو بكل تأكيد تركيب جيولوجي تراكمي يتسم بدرجة هائلة من عدم التجانس ومن التنافر بين أجزائه. فهو كتاب دين واقتصاد وطب وسحر وتقوى دينية راقية وإيمان بالمساواة بين البشر نابعة من درجة عالية من التوحيد وعنصرية شرسة نابعة من رؤية حلولية موغلة في الحلول والكمون. أما

(13/8)


كتب القبالاه ومدوناتها، فهي أكثر في تراكميتها الجيولوجية وفي عدم تجانسها. وبالتالي، يمكننا أن نقول بكثير من الاطمئنان إن توصيفنا لليهودية بأنها ليست كيانا عضويا (وإنما تركيب جيولوجي تراكمي) هو توصيف صحيح.
وقد شبه أحد الحاخامات التوراة بشجرة الحياة التي تضم كل شيء، وبهذا تكون كلها وحدة عضوية. ولذا قد يحرم أحد الحاخامات شيئا فيحلله آخر، فيعلن أحدهما أن هذا الشيء نجس ويقول الآخر إنه طاهر. والواقع - حسب رؤية هذا الحاخام - أن كل هذه الفتاوى جزء من الكل العضوي. لكن هذا التشبيه، أي تشبيه اليهودية بالكائن العضوي، غير دقيق بالمرة، ولعل التشبيه بعبارة «التركيب الجيولوجي التراكمي» أكثر دقة، فهي تفسر التناقض وعدم التجانس، الأمر الذي قد تقصر عنه الصورة المجازية العضوية التي لا تقبل التناقض، بل تفترض قدرا كبيرا من الوحدة الداخلية التي تتبدى في تشكيل موحد خارجي. وقد تسمح الصورة المجازية العضوية ببعض أشكال الاختلاف ولكن لابد أن تنتظمها كلها في نهاية الأمر وحدة شاملة.

(13/9)


ولعل أصدق مثل على مانقول هو الفرق بين فكر موسى بن ميمون والقبالاة اللوريانية. ففكر ابن ميمون فكر توحيدي راق متأثر بالتوحيد الإسلامي، وقد صاغ أصول الديانة اليهودية على أساس هذا التوحيد، هذا على عكس القبالاه اللوريانية التي طرحت تصورا للإله والكون ينطوي على كثير من الحلولية الوثنية والشرك ويحتوي على أصداء كثيرة (مشوهة) لعقائد الصلب والتثليث المسيحية. ورغم التناقض الشديد والعميق والجوهري بين الرؤيتين، فإن النسق الديني اليهودي قد استوعب هذه العقائد وجعل الإيمان بها شرطا للإيمان، بينما يتحدث ابن ميمون عن إله واحد، وتتحدث القبالاه اللوريانية عن إله يتكون من أب وأم يتزاوجان، وعن تجل إلهي يأخذ شكل الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الذات الإلهية) التي تجلس إلى جواره على العرش ويتخاطب معها، ولكننا نكتشف أيضا أنها الشعب اليهودي. ولذا حينما ينفى هذا الشعب تنفي معه الشخيناه. وقد حل محل كل هذا الفكر الديني اليهودي الحديث الذي يعبر عن حلولية بدون إله (وحدة الوجود المادية)، حيث يحل الإله في المادة ويتوحد معها ثم يموت داخلها ولا يبقى سوى المقدسات المادية (بدون إشارة إلى إله متجاوز أو كامن).

(13/10)


وفكرة التركيب الجيولوجي تتبدى في الحقيقة التي يشير إليها إسبينوزا وهي أن الصدوقيين (الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث أو اليوم الآخر ويصفهم علماء اليهود بالزندقة) كانوا يجلسون، في القرن الأول قبل الميلاد، جنبا إلى جنب مع الفريسيين في السنهدرين. ويمكن أن نشير نحن إلى رفض دار الحاخامية الرئيسية في إسرائيل الاعتراف بالحاخامات الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين أو بصلاحيتهم في إجراء أية شعائر دينية، ومع هذا لا يزال الإصلاحيون والمحافظون يشكلون الأغلبية الساحقة بين اليهود المتدينين. وقد صرح الحاخام ملتون بولين بأنه لا توجد يهودية واحدة وإنما هناك يهوديتان: اليهودية المحافظة والإصلاحية من جهة، واليهودية الأرثوذكسية من جهة أخرى.
ومع هذا، يمكننا أن نقول إن أهم الطبقات داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي هي الطبقة الحلولية التي ترى الإله حالا في الكون (الإنسان والطبيعة) كامنا فيهما، وهو ما يؤدي إلى الواحدية (المادية) الكونية التي تنكر التجاوز على الإله بحيث يصبح لا وجود له خارجها. وقد كانت هذه الطبقة كامنة في أسفار موسى الخمسة (وخصوصا المصدر اليهوي) وحارب ضدها كتاب المصدر الإلوهيمي والأنبياء، ولكنها عادت لتزداد قوة مع التلمود ثم أصبحت النموذج الأساسي والقيمة الحاكمة مع هيمنة القبالاه. ومع تصاعد العلمانية، ظهرت الحلولية بدون إله التي نزعم أنها الطبقة الجيولوجية الأساسية في تفكير المثقفين اليهود المحدثين. وتاريخ اليهودية الذي نطرحه هو في واقع الأمر تاريخ تزايد درجات الحلولية، إلى أن نصل إلى مرحلة الحلولية بدون إله وهي وحدة الوجود المادية (في عصر الحداثة وما بعد الحداثة).

(13/11)


وأدى إخفاق كثير من المفكرين الغربيين في فهم طابع اليهودية الجيولوجي (بسب خلفيتهم المسيحية) إلى تركيزهم على التوراة بالدرجة الأولى، وخصوصا كتب الأنبياء، وإدراكهم اليهودية من خلال هذا المنظور وحده، إذ أهملوا التلمود ولم يسمعوا عن القبالاه إلا اسمها، وهو منظور جزئي مقدرته التفسيرية ضعيفة إلى أقصى حد.
وقد يذهب البعض إلى أن ما نسميه «التركيب الجيولوجي التراكمي» هو في واقع الأمر تعبير عن شكل من أشكال التعددية، وهو أمر يصعب قبوله. فالتعددية تفترض وجود قدر من الوحدة المبدئية، ويتم التنوع والتعدد داخل هذه الوحدة، فلا تنوع دون تحدد، ولا تعدد دون قدر من الوحدة. لكن اليهودية ـ كما أوضحنا ـ تفتقر إلى مثل هذه الوحدة بسبب غياب أية معايير مركزية يهودية.
أسباب تحول اليهودية إلى تركيب جيولوجي تراكمي
Judaism as a Cumulative Geological Construct: Causes
تتسم اليهودية كنسق ديني بأنها تركيب جيولوجي تراكمي وليست وحدة عضوية متجانسة، وهذا يعود إلى عدة أسباب نجملها فيما يلي:
1- لعل أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الخاصية الجيولوجية التراكمية أن العهد القديم بكل أجزائه لم يدون إلا بعد نزوله (أو وضعه) بفترة طويلة. وإذا كان التاريخ الافتراضي للخروج هو عام 1200 ق.م، فإن هذا يعني أنه لم يدون إلا بعد ذلك التاريخ بمئات السنين، كما يعني أنه دون على عدة مراحل ومن خلال مصادر مختلفة. ولم تعتمد النسخة التي تسمى «القانونية»، أو «المعتمدة»، إلا بعد المسيح. ومن أهم الأدلة على ذلك مخطوطات البحر الميت التي تتضمن أكثر من نسخة مختلفة للسفر الواحد بصياغات متعددة. وحينما تم تدوين الكتاب المقدس، كانت قد دخلت اليهودية مفاهيم وشعائر مختلفة وأصبحت جزءا لا يتجزأ منها.

(13/12)


2 ـ انتقل العبرانيون القدامى (كبدو رحل) من مكان إلى آخر، ومن حضارة إلى أخرى، من مصر إلى كنعان عبر سيناء، ومن كنعان إلى بابل، وعبر هذه الرحلة تعرفوا على الفكر التوحيدي في الحضارة المصرية في عهد إخناتون، وفي سيناء (بين المدينيين)، ثم استوعبوا الحضارة الكنعانية ومن بعدها العبادة البابلية. وبعد ذلك، هيمنت فارس على الشرق الأدنى القديم وتبعتها اليونان. ودخلت اليهودية عناصر من كل هذه الحضارات بعباداتها المختلفة.
3 ـ لم تتمتع العقيدة اليهودية بوجود سلطة تنفيذية مركزية تساندها وتتخذ منها عقيدة وأساسا للشرعية. ونتج عن ذلك انعدام وجود سلطة دينية مركزية تحافظ على جوهر الدين وتبلور مفاهيمه ومعاييره. وفي الفترة القصيرة التي أسست فيها المملكة العبرانية المتحدة وقامت فيها سلطة دينية مركزية حول الهيكل، لم تكن العبادة اليسرائيلية قد تبلورت بعد، كما يتضح في سلوك سليمان الذي سمح لزوجاته باستقدام آلهتهن وكهنة عباداتهن. ولم تعمر السلطة المركزية طويلا إذ تأسس مركز آخر في بيت إيل بعد انقسام المملكة إلى مملكتين. وقد ازداد بعد ذلك تعدد المراكز والتبعثر مع انتشار الجماعات اليهودية في العالم، حين ظهر مركز ديني قوي في بابل (يتحدث الآرامية) وآخر في مصر لا يعرف العبرية ويتحدث اليونانية. وقد تم كل هذا قبل تبلور اليهودية بل قبل الانتهاء من تدوين وتقنين العهد القديم. ومن هنا، فحتى إذا كان في الإسلام أو المسيحية انقسامات وتنوعات، فإنه يظل هناك موقف أصولي أو مركز أرثوذكسي يحدد المؤمن والمهرطق أو الكافر. أما في اليهودية، فمع غياب هذا المركز، كان المهرطقون يستمرون في تجديفهم ويسمونه «يهودية»، حتى إذا ما وصلنا إلى العصر الحديث وجدنا أن عدد الأرثوذكس لا يزيد على 4% من مجموع يهود العالم، ويوجد ملايين من اليهود الملاحدة أو اللا أدريين أو غير المكترثين بالدين الذين يسمون أنفسهم مع هذا «يهودا».

(13/13)


4 ـ مع سقوط المملكة الجنوبية والتهجير البابلي، انتهت العبادة القربانية المتمركزة حول الهيكل. ولكنها مع هذا تركت طبقات جيولوجية مهمة في اليهودية التلمودية على شكل عدد هائل من الطقوس والمدونات، مثل: القوانين الخاصة بالكهنة، وبعض الشعائر كالسنة السبتية، وكثير من الصلوات.
5 ـ ولكن العنصر الأساسي والحاسم الذي أدى إلى ظهور الخاصية الجيولوجية التراكمية هو مفهوم الشريعة الشفوية الذي أضفى قداسة على فتاوى فقهاء اليهودية وتفسيراتهم ووضعها في مرتبة أعلى من كتاب اليهود المقدس نفسه. وقد ظهرت مدارس ونظريات في التفسير لا حصر لها ولا عدد، بعضها ينكر أية علاقة بين الدال والمدلول، أي بين كلمات العهد القديم ودلالاتها المباشرة، بحيث أصبح في وسع المفسر (من خلال التفسير الرمزي أو التفسير القبالي أو التفسير الرقمي) أن يفرض أي معنى يشاء.
6 ـ وكانت اليهودية عبر تاريخها، حتى ظهور اليهودية الحاخامية، تكتسب هويتها من أنها ديانة تنزع إلى التوحيد في محيط وثني مشرك. ولكنها حينما وجدت نفسها في تربة توحيدية، إسلامية أو مسيحية، حاولت أن تشكل هوية جديدة تستند إلى تصور أسطوري حلولي للواقع، كما يتضح بشكل جنيني في التلمود، وبشكل واضح جلي في القبالاه. ورغم ظهور الفكر الأسطوري، فإن هذا الفكر الأسطوري لم ينبذ الفكر التوحيدي وإنما حاول أن يتعايش معه.

(13/14)


7 ـ ظلت اليهودية، لفترة طويلة من تاريخها، مجرد ممارسات طقوسية تحكمها إما سلطة مركزية أو فتاوى الحاخامات دون أن يتم تحديد العقائد الأساسية. وحينما قام موسى بن ميمون في القرن الثاني عشر بتحديد أصول الدين اليهودي، فإن كثيرا من العقائد أو المعتقدات الفلكلورية الحلولية الوثنية كانت قد وجدت طريقها بالفعل إلى العهد القديم والتلمود. وعلى كل، لم يكتب لمحاولة موسى بن ميمون أن تهيمن على اليهودية وتكتسب المركزية التي تستحقها، حتى يتم استبعاد العقائد المنافية للتوحيد. ولكن ما حدث هو أن الاجتهاد الميموني كان مجرد طبقة جيولوجية جديدة تضاف إلى الطبقات الأخرى السابقة واللاحقة. ثم زادت هيمنة القبالاه بعد هذه المحاولة بفترة قصيرة.
8 ـ لكن انتقال مركز اليهودية إلى تربة مسيحية تؤمن بالتثليث (واحد في ثلاثة أو ثلاثة في واحد) لم يساعدها كثيرا على التطور، إذ أن الفكر الديني بدأ يتصور الإله وكأنه يتجلى تجليات مختلفة (التجليات النورانية العشرة أو السفيروت). وقد ولدت هذه التصورات في أحضان التفكير القبالي الشعبي الذي كان يتأثر بالأفكار الدينية المسيحية دون أن يستوعبها ثم ينقلها إلى تربة يهودية فيتم تشويهها.
9 ـ كان اليهود في العالم الغربي الذي انتقل إليه مركز اليهودية، مع نهاية العصور الوسطى، جماعة وظيفية وسيطة منعزلة لا تتمتع بمستوى ثقافي رفيع، في مجال التنظير الديني على الأقل. كما أن هذه الجماعة لم تكن تشعر بالطمأنينة، وهذا ما جعلها تنغلق على نفسها، وقد انعكس هذا على النسق الديني اليهودي إذ بدأت الطبقات تزداد تنوعا وتبتعد عن التجانس.

(13/15)


10- ظلت اليهودية ـ بكل طبقاتها الجيولوجية المتراكمة ـ متمركزة داخل الجيتو. وقد تصالح التراث التلمودي والتراث القبالي داخل مؤسسة اليهودية الحاخامية، وإن كانت علامات التوتر قد ظهرت بينهما في الصراع بين الحسيديين والمتنجديم. وجاء الإصلاح الديني البروتستانتي، لكنه لم يؤثر كثيرا في اليهودية التي كانت مراكزها موجودة في شرق أوربا (أساسا) في تربة أرثوذكسية بمنأى عن التغيرات الفكرية والبنيوية التي كانت تحدث في القارة الأوربية. وحينما اندلعت الثورة الفرنسية وبدأت عملية تحديث اليهودية، لم يكن النسق الديني اليهودي مهيأ لذلك، وخصوصا أن أوربا ذاتها كانت قد طرحت الإصلاح الديني وراءها وبدأت تتخلى عن الرؤية الدينية وتدخل عالم العلمانية الحديث الذي لا يكترث كثيرا بالدين بل يحوله إلى اقتناع شخصي يمارس في المنزل ولا ينظم السلوك الاجتماعي بأية حال. وفي مواجهة ذلك التحدي الأكبر، تآكل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي تماما إذ أن الإصلاح الديني اليهودي، الذي أخذ شكل اليهودية الإصلاحية، كان في واقع الأمر محاولة لعلمنة اليهودية لا لإصلاحها. ولذا، فقد أسقط كثيرا من الشعائر والعقائد التي تتنافى مع العقل والمنطق، وحاول أن يعيد صياغة اليهودية حسب مقاييس بروتستانتية شبه علمانية. كما انتشر الإلحاد بين كثير من اليهود واستمروا، مع هذا، في تسمية أنفسهم «يهودا»، ذلك أن الشريعة اليهودية تعترف بهم كيهود، فاليهودي هو من ولد لأم يهودية.

(13/16)


11 ـ لاحظ أحد الباحثين أن المجتمعات الصغيرة (والهامشية) هي عادة مجتمعات تحتفظ بكل شيء، فهي مجتمعات لا شخصية. ففي واحة سيوه لا تزال توجد بعض العادات والمفاهيم التي تعود إلى أيام الفراعنة واليونانيين. وإذا قبلنا هذا الرأي، فيمكن القول بأن اليهودية كانت دائما تتحرك في تربة المجتمعات الصغيرة (المجتمع العبراني قبل التهجير ـ الجيتوات اليهودية في أنحاء العالم)، ولهذا السبب تعمقت الخاصية الجيولوجية. كما يلاحظ أن أعضاء الجماعات الوظيفية حينما ينتقلون من مجتمع إلى آخر يحملون معهم بعض الأشكال الحضارية من المجتمع السابق، والتي تتكلس تماما بمرور الوقت وتتحول إلى طبقة جيولوجية جديدة.
مظاهر ونتائج تحول اليهودية إلى تركيب جيولوجي تراكمي
Judaism as a Cumulative Geological Construct: Manifestations and Consequences

(13/17)


تتسم اليهودية، كتركيب جيولوجي تراكميس، بأنها تنطوي على تناقضات حادة وعلى غموض شديد في بعض المفاهيم، ولنأخذ مفهوما محوريا كمفهوم الإله مثلا. تصنف اليهودية باعتبارها ديانة توحيدية، غير أن العهد القديم يتضمن من النصوص ما يتناقض مع هذا إذ يفهم منها أن ثمة آلهة غير يهوه، وتستخدم صيغة الجمع «إلوهيم» ومفردها «إيلوه»، وتتبع الاسم صفة في صيغة الجمع («إلوهيم إحيريم» أي «آلهة أخرى»)، وهو ما تحاشاه مترجمو النسخة السبعينية للإشارة إلى الإله، حيث يتحول «إلوهيم» إلى اسم من أسماء الإله. والإله، في بعض المقاطع، يسمو على العالمين والبشر ويتجاوز الطبيعة والتاريخ، ولكنه في البعض الآخر يحل في الطبيعة والتاريخ ويتوحد معهما ويتسم بصفات البشر. وفي اللقاء بين الإله وموسى على جبل سيناء، لا تحدد المصادر التلمودية ما إذا كان موسى شاهده وجها لوجه وهل اشترك الشعب في الرؤية، أم أنه لم يشاهده أحد (أي هل ظل الإله متجاوزا لا تدركه الأبصار أم أنه تجسد فرآه موسى؟). ويتبدى اختلاط رؤية العهد القديم بالإله في الإشارة إلى الترافيم (الأصنام) فترة إشارات إيجابية وإشارات سلبية، فليس هناك موقف حاسم منها يحدد ما إذا كانت موضع قبول أو موضع رفض. والإشارة إلى عزازئيل تتضمن أيضا وجود قوى مطلقة إلى جوار الإله.

(13/18)


وقد ظل هذا التناقض العميق يسم الرؤية اليهودية، ففي التلمود تنسب إلى الإله صفات بشرية عديدة، وهو غير معصوم من الخطأ أو الندم، بل إن إرادته لا تعلو على إرادة الحاخامات. أما في تراث القبالاه، فينفرط عقده تماما ليتحول إلى تجليات مختلفة، وإلى عناصر ذكورة وأنوثة بما يشبه الآلهة الوثنية اليونانية أو الرومانية في بعض النواحي. وتظهر الخاصية الجيولوجية أيضا في الأفكار الأخروية التي لم تستقر تماما في اليهودية ولم تكتسب شكلا محددا. فالعهد القديم، بكامله تقريبا، ينكر فكرة البعث حيث لا تظهر هذه الفكرة بشكل محدد إلا في كتاب دانيال (في مرحلة متأخرة)، كما أنها لم تستقر استقرارا كاملا في الفكر الديني اليهودي. والشيء نفسه ينطبق على فكرة الثواب والعقاب. ولهذا فإننا، عند ظهور المسيح، نجد العديد من الفرق اليهودية المتنافرة، ومن بينها الصدوقيون الذين كانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، رغم أنهم كانوا يشكلون فئة دينية مركزية في غاية الأهمية، فكان منهم الكهنة كما كانوا يجلسون مع الفريسيين في السنهدرين. وقد أشار إسبينوزا، فيلسوف العلمانية والحلولية، إلى هذه الحقيقة ليدلل بها على أن الإيمان بالآخرة ليس أمرا جوهريا في اليهودية.

(13/19)


وتتبدى الخاصية الجيولوجية في مفاهيم محورية أخرى مثل حائط المبكى. فالفقه اليهودي لم يهتم على الإطلاق بحائط المبكى أو الحائط الغربي. ولهذا، لم يأت له ذكر في الكتابات الدينية أو كتب الرحالة. ولكن، يبدو أنه بتأثير فكر يهود المارانو الحلولي الذي يتبدى في شكل تقديس للأشياء التي يفترض أن الإله يحل فيها، وتحت تأثير الشعائر الإسلامية حيث تعد فريضة الحج إلى الكعبة أحد أسس الإسلام الخمسة، تحول الحائط إلى مزار، ثم أصبح من أهم الأماكن قداسة في العقيدة اليهودية، وأصبح الاستيلاء عليه في رأي بعض المتمسكين بأهداب العقيدة اليهودية فرضا دينيا. ومع هذا، فإن الحاخام الأرثوذكسي هيرش، الذي يعيش على بعد عدة خطوات من الحائط، يرفض زيارته، وذلك لأن الشريعة اليهودية (كما يرى) تحرم ذلك على اليهود، وهكذا فإن أصحاب المواقف المتناقضة يجد كل منهم سندا لموقفه داخل الشريعة اليهودية.

(13/20)


وهناك تناقض من هذا النوع بشأن قضية الأرض، إذ يرى معظم الصهاينة المتدينين أنه لا يمكن التفريط في شبر واحد من الأرض التي احتلها الإسرائيليون قبل بعد عام 1967 وهم يدعمون رأيهم هذا بالعودة إلى كتب اليهود المقدسة. أما الحاخام عوبديا يوسف، حاخام السفارد السابق، فيطالب بغير ذلك، إذ يرى أن بالإمكان التنازل عن الأرض مقابل السلام لأن في هذا حقنا لدماء اليهود (وقد وجد هو أيضا الاقتباسات المناسبة). بل هناك تناقض، ومن ثم اختلاف، يتصل بإحدى الوصايا العشر (: لا تقتل)، إذ أفتى الحاخام إسحق جنزبرج، وهو رئيس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) في مدينة نابلس بأن دم العرب ودم اليهود لا يمكن اعتبارهما متساويين. ومن قبل، صرح أحد الحاخامات التابعين للحاخامية العسكرية بأن الجنود الإسرائيليين يمكنهم قتل حتى أفضل الأغيار. وقد وجد كل منهما الاقتباسات اللازمة لتأييد رأيه. وقد احتج الحاخام أبراهام سابيرو، حاخام الإشكناز الأكبر بقوله إن الإله (حسبما جاء في التوراة) قد خلق كل البشر على صورته، وأن الوصية الخاصة بعدم القتل هي إحدى وصايا نوح، وبالتالي فهي ملزمة لجميع البشر، يهودا كانوا أم أغيارا. وهو محق في قوله وفي استشهاده، تماما مثل الحاخامات الداعين للقتل. وقد أدى كل هذا إلى أن اليهودية أصبحت مصدرا للشقاق بين يهود العالم داخل وخارج إسرائيل بدلا من أن تصبح إطارا واحدا يجمعهم ويضفي عليهم شيئا من الوحدة، وأصبحت العقيدة اليهودية في الدولة الصهيونية مصدرا أساسيا للانقسام والصراع الاجتماعي والثقافي.

(13/21)


وتتبدى الخاصية الجيولوجية التراكمية في الأعياد، فعيد الفصح بطقوسه المركبة نتاج تراكمات جيولوجية عديدة ابتداء من عيد الخبز غير المخمر (الكنعاني) وانتهاء بنظام المأدبة (الروماني). كما تتضح الخاصية الجيولوجية التراكمية في تزايد الأعياد (الواحد تلو الآخر) عبر السنين، وهو أمر لم يتوقف بعد، إذ تحول (على سبيل المثال) يوم إعلان استقلال إسرائيل إلى عيد ديني. وثمة محاولة في إسرائيل لتحويل هذا العيد إلى عيد الفصح الحقيقي باعتبار أن إعلان استقلال إسرائيل هو خروج اليهود الحقيقي!
كما أن الصلاة اليهودية قد نالتها هي الأخرى تغييرات لا حصر لها ولا عدد، وهو أمر لا يزال يحدث حتى الآن، فبعد أن أضيفت إليها قصائد البيوط (من قبل) تم حذفها مؤخرا، كما يتم تغيير النصوص والأدعية وكتب الصلوات من آونة إلى أخرى.
وتظهر الخاصية الجيولوجية التراكمية كذلك في المحاولة الحديثة لإعادة صياغة العقيدة اليهودية بالشكل الذي يتفق مع ملابسات ما بعد أوشفيتس (أي ما بعد النازية) إذ يقول بعض المفكرين الدينيين اليهود: إن الإله قد تخلى عن اليهود في محنتهم، ولذلك لابد أن تعاد صياغة كل شيء وضمن ذلك محاولة التوصل إلى يهودية بدون إله. بل ذهب بعضهم إلى المناداة بأن الإله قوة شريرة.
وتظهر الخاصية الجيولوجية التراكمية بكل حدة في تعريف الشريعة اليهودية لليهودي بأنه من يؤمن بالشريعة ومن ولد لأم يهودية. وهو تعريف يجمع بين فكرة الإيمان بالإله الواحد الذي يستند إلى الاختيار، الذي ينتج عنه سلوك أخلاقي محدد، وبين الفكرة الوثنية القائلة بأن الانتماء هو انتماء عرقي للشعب (كما هي عادة شعوب الشرق الأدنى القديم وغيرها من الشعوب القديمة).

(13/22)


وبإمكاننا أن نقول إن الخاصية الجيولوجية التراكمية تتبدى في التناقض الحاد بين النزعة الحلولية الحادة التي توحد الإله والشعب والأرض، كما هي عادة الديانات القديمة من جهة، ومن جهة أخرى النزعة التوحيدية المتسامية التي ترى أن الخالق مفارق لمخلوقاته وأنه هو الذي يحكم عليهم ويوجههم ويميتهم ويحييهم، وأنه هو الذي شاء وأعطاهم حرية الاختيار بين الخير والشر، والنزعتان (على تناقضهما) موجودتان في اليهودية
وتنطلق كل من اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة من تقبل الخاصية الجيولوجية التراكمية دون أن تسمياها كذلك. فاليهودية الإصلاحية تختار ما تشاء وترفض ما تشاء بما يتفق مع العقل وروح العصر. أما اليهودية المحافظة، فتفعل الشيء نفسه، على أن يتم الاختيار على أساس ما يتفق مع روح الشعب اليهودي. وقد اعتبر الإصلاحيون كتاب اليهود المقدس أي العهد القديم وثيقة ذات شأن عظيم وليس وحيا مقدسا. ووجدوا في النسق الجيولوجي ما يؤيد وجهة نظرهم. أما اليهودية المحافظة فقد حولت العقيدة اليهودية إلى ما يشبه فولكلور الشعب اليهودي، ووجدت أيضا ما يساندها. ثم ظهرت الصهيونية التي أنكر مفكروها الأوائل وجود الإله، ثم جعل مفكروها المحدثون فكرة الإله ثانوية. ومع هذا، فقد بحثوا عن شرعية لآرائهم في التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي ووجدوا ضالتهم. ومع أن اليهودية الأرثوذكسية وقفت في البداية بضراوة ضدالصهيونية من منظور ديني (على اعتبار أن اليهودية تحرم العودة، بينما التلمود يراها من قبيل الهرطقة والتجديف) فإنها غيرت موقفها وتصالحت مع الصهيونية ووجدت أن الدولة الصهيونية هي ما يسمى «بداية الخلاص»، وهو مفهوم تلمودي أيضا اكتشفه منذ البداية بعض الحاخامات الأرثوذكس القباليين، مثل كاليشر والقلعي، ثم تبعهما إسحق كوك. وفي الوقت الحالي، فإن معظم اليهود الأرثوذكس يؤيدون الصهيونية بتعصب شديد من منظور ديني

(13/23)


أيضا. وكلا الموقفين، القابل للصهيونية والرافض لها، يجد ما يستند إليه في كتب اليهود المقدسة.
ومن الملاحظ أن نصف يهود العالم لا يلتزمون الحد الأدنى من الإيمان، ومن ذلك الإيمان بالإله. ومع هذا، فإننا نجدهم مستمرين في إطلاق عبارة «يهود إثنيون» على أنفسهم، ورغم ذلك فقد قبلتهم المؤسسات الدينية اليهودية التي عرفت اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية. وقد ظهرت اتجاهات أخرى مختلفة مثل اليهودية التجديدية وتسميات يكتنفها التناقض مثل «اليهودية العلمانية»، وهناك تسمية إسحق دويتشر الكلاسيكية «اليهودي غير اليهودي»، وهو التعبير العبثي النهائي عن الخاصية الجيولوجية التراكمية. وتتجلى هذه المسألة نفسها في إسرائيل في إشكالية «الهوية اليهودية»، (أي إشكالية من هو اليهودي؟)،والذي عرفه أحدهم بأنه « من يرى نفسه كذلك » دون الاحتكام إلى أية معايير دينية خارجية،بحيث يصبح الانتماء الديني أشبه بالحالة الشعورية أو المزاجية.
عناصر في اليهودية من الديانات والحضارات الأخرى
Elements in Judaism from other Religions and Cultures

(13/24)


لابد أن نبين ابتداء أن هناك رقعة عريضة مشتركة بين كل الأديان باعتبارها تعبيرا عن شيء أساسي في النفس البشرية: وهو رغبة الإنسان في تأكيد إنسانيته وتعريفها باعتبارها كيانا متميزا يتجاوز عالم الطبيعة/المادة وعالم الحيوانات والحشرات التي تحيا وتموت دون وعي ودون هدف أو غاية ودون أية منظومات معرفية أو أخلاقية أو جمالية، فهي تعيش مبرمجة حسب برنامج الطبيعة/المادة. هذه الرغبة الإنسانية هي ما نسميه «النزعة الربانية». وهي رغبة كامنة في الجنس البشري تولد من داخل عقل الإنسان، المستقل عن عالم الطبيعة/المادة، أفكارا وأحلاما ورؤى. ولذا فمن المتوقع أن تكون هناك عناصر مشتركة بين هذه الأفكار والرؤى تتجلى على هيئة رقعة مشتركة بين كل الديانات في العقائد والرؤى والطقوس والشعائر. ومع هذا لا يمكن إنكار أن عقيدة ما يمكن أن تتأثر بأخرى، وأن درجات التأثر هذه تختلف من عقيدة لأخرى. ونحن نذهب إلى أن درجة تأثر اليهودية بما حولها من عقائد أدى إلى ظهور خاصيتها الجيولوجية التراكمية التي تتبدى في الاقتباسات العديدة غير المتجانسة من الحضارات الأخرى، وخصوصا إبان المواجهات الأساسية الخمس للعقيدة اليهودية مع الحضارات: الكنعانية والبابلية والهيلينية والمسيحية والإسلامية، وأخيرا مواجهتها مع الحضارة العلمانية الحديثة في الغرب.

(13/25)


ولنبدأ بالمصريين القدماء. يبدو أن قصة يوسف ذات أصل مصري، ويلاحظ فيها وجود لمسات مصرية هنا وهناك. ففي سفر التكوين (41/14) يحلق يوسف رأسه قبل المثول أمام فرعون، وقد كانت هذه عادة معروفة في مصر، ولم تكن معروفة عند الساميين. وقد أثر نظام الكهنوت المصري في نظام الكهنوت اليهودي، وكذلك في هندسة الهيكل التي تشبه هندسة المعابد المصرية، كما أثر التراث المصري في بعض مظاهر العبادة اليسرائيلية والعبادة القربانية المركزية مثل تابوت العهد وقدس الأقداس وغيرها. ولكن الأهم من كل هذا هو الأثر الذي تركه المصريون في اليهود في مجال العقيدة. فقد ترك الفكر التوحيدي المصري القديم، وعبادة إخناتون التوحيدية، أثرا واضحا وعميقا في العبرانيين، وفي رؤيتهم للإله بشكل عام. كما يتضح هذا الأثر بشكل محدد في المزامير التي وجد الباحثون أمثال هنري برستيد فيها أصداء لأناشيد إخناتون الدينية، فالمزمور 94 مستوحى بصورة جلية من «نشيد آتون»، والمزمور 104 مأخوذ عن «نشيد الشمس» في عهد إخناتون. بل يمكن القول بأن بعض الأوجه الإيجابية للرؤية الأخلاقية العبرانية تعود إلى الحضارة المصرية التي أكدت فكرة الثواب والعقاب. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن كتاب الأمثال في العهد القديم يكاد يكون ترجمة لأحد كتب الحكمة المصرية. كما أخذ العبرانيون شعيرة الختان، وفكرة تحريم الخنازير، ومبدأ النجاسة، من المصريين القدامى. ولا يعني هذا أن العبرانيين تبنوا هذه العقائد والمفاهيم بقضها وقضيضها، فالتوحيد بين العبرانيين قد انتكس في مرحلة لاحقة، وكذا القيم الأخلاقية، وإنما يعني ذلك أن التراث المصري الديني والأخلاقي ترك أصداء عميقة في وجدان العبرانيين.

(13/26)


وقد تأثر العبرانيون بحضارة الكنعانيين في كثير من المجالات، فبعض صفات يهوه هي من صفات بعل إله الكنعانيين. وبعض التحريمات (مثل طبخ الجدي في لبن أمه) هي عادات كنعانية قديمة. وكثير من الأعياد اليهودية، مثل عيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد المظال، ذات أصل كنعاني. وقد كشفت الكتابات الأوجاريتية مدى عمق تأثير الفكر الديني الكنعاني في العبادة اليسرائيلية، ويقال إن المزمور 29 مأخوذ من نشيد كنعاني وضع أصلا لبعل العاصفة، وعثر عليه في أوجاريت. ويبدو أن القصص الدينية للأقوام السامية الأخرى، مثل الأدوميين، قد وجدت طريقها إلى الفكر الديني اليسرائيلي كما يتضح من سفر أيوب. ويذكر العهد القديم بعض الشعائر والعقائد التي تم تبنيها، ثم استبعدت في مرحلة لاحقة، مثل التضحية على المذابح، والثعبان النحاسي، ومركبات الشمس في الهيكل، والعجول الذهبية. ولكن هناك شعائر أخرى لم تنبذ مثل التضحية بكبش للمعبود عزازئيل.
ويلاحظ على أسفار موسى الخمسة أن كثيرا من نصوصها يتشابه مع أساطير سومرية وبابلية، وتشريعات بابلية قديمة، ومثال ذلك:
ـ تشابه سفر التكوين (1 ـ 11) وملحمة الخلق البابلية.
ـ التشابه بين الأعمار المديدة لآباء البشرية منذ آدم حتى نوح (عشرة منهم مجموع أعمارهم 8575 سنة) في سفر التكوين (5)، وفي قائمة سومرية جاء أن ثمانية ملوك قبل الطوفان حكموا 241.200 سنة، وهناك قائمة بابلية جاء فيها أن عشرة حكام حكموا 432 ألف سنة.
ـ تشابه قصة الطوفان في سفر التكوين مع ملحمة جلجاميش التي ورثها البابليون عن الحضارة السومرية.
ـ تشابه قصة مولد موسى مع قصة مولد سرجون ملك أكاد.
ـ وضوح تأثير قانون حمورابي (1900ق. م تقريبا) في التشريع الوارد في سفر الخروج (21 ـ 23) والوصايا العشر.
كما تأثر اليهود بكثير من الشعائر والعقائد البابلية، مثل السبت، وتغطية الرأس أثناء الصلاة،وفكرة يوم الحساب،والتقويم.

(13/27)


ولم يتوقف تأثر اليهودية بالديانات والحضارات الأخرى مع العودة من بابل، فقد ظل هذا النمط سائدا إذ تأثر اليهود بفكرة الماشيح من التراث الفارسي. كما دخل على اليهودية كثير من الأفكار الثنوية، وهو ما أثر في أدب الرؤى والأفكار الأخروية. وأثر الفكر الهيليني في الفكر الديني اليهودي، فسفر الجامعة يتضمن رؤية عدمية تشبه من بعض الوجوه الفكرة الإغريقية الخاصة بأن التاريخ مثل الدورات الهندسية المحضة التي تبدأ وتنتهي بلا معنى. بل إن فكرة الشريعة الشفوية نفسها من أصل هيليني، إذ كان اليونان يرون أن القانون الشفوي أهم وأكثر شرعية من القانون المكتوب. كما أن فكرة «الآدم قدمون» (الإنسان الأزلي) هي خليط من فكر بابلي وفارسي (وقد وردت في كتابات المندائيين) أما فكرة «تهشم الأوعية» فهي فكرة أسطورية يونانية وردت في تراتيل أورفيوس وتشير إلى «تلوث الأشعة» أو الومضات الإلهية في روح الإنسان أثناء هبوطه بفعل «التيتان العشرة المعلقة بين السماوات والأرض».
واستمرت اليهودية بعد ذلك في تبنيها عناصر من الإسلام، فصاغ سعيد بن يوسف الفيومي، ومن بعده موسى بن ميمون، أصول الدين اليهودي متأثرين في ذلك بمحاولات الفقهاء المسلمين تحديد أصول الدين الإسلامي. كما تأثرت اليهودية بالفكر الديني المسيحي في تراث القبالاه، خصوصا بفكرة التجليات النورانية العشرة (سفيروت). بل إن احتفالا يهوديا مثل الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه)، وهو من أهم الاحتفالات اليهودية في الولايات المتحدة، لم يكن معروفا في اليهودية الحاخامية وإنما أخذ عن المسيحية الكاثوليكية فيما يسمى «التناول الأول».

(13/28)


لكن تأثر اليهودية بالعقائد والديانات الأخرى، ليس ميزة أو عيبا في حد ذاته، فثمة رقعة مشتركة واسعة بين كل الديانات والعقائد (كما أسلفنا). والكتب المقدسة والعقائد الدينية، رغم استنادها إلى مطلق غير مادي متجاوز للطبيعة والتاريخ، إلا أنها تستمد مادتها من التاريخ فهي تتعامل مع أحداث تاريخية. وهي موجهة للبشر الذين يعيشون داخل الزمان. ولذا فرغم أن أساسها مطلق ومرجعيتها مطلقة إلا أنها تتعامل مع النسبي وتطوعه لتستوعبه داخل المرجعية الحاكمة النهائية. ولكن المؤثرات التي تراكمت داخل اليهودية ظلت متعايشة كطبقات جيولوجية غير مندمجة وغير مستوعبة في إطار مرجعي واحد، الأمر الذي وسم اليهودية بميسمه وجعل منها تشكيلا جيولوجيا تراكميا.
ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الخاصية الجيولوجية التراكمية للنسق الديني اليهودي قد جعلت مقدرته الاستيعابية لعناصر من العقائد والأيديولوجيات الأخرى عالية إلى أقصى حد، وأدى هذا إلى أزمة حادة في اليهودية مع تصاعد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي إذ بدأ المفكرون الدينيون اليهود يتبنون أفكارا لا علاقة لها بأي دين مثل تقبل الشذوذ الجنسي، بل إنشاء معابد للشواذ من الجنسين، بل ترسيم حاخامات منهم وإنشاء مدارس دينية خاصة بهم، وأخيرا قبول فكرة لاهوت موت الإله. وهذه بدعة غربية جديدة تشكل جوهر العلمانية، ولكنها مع هذا تسمي نفسها فكرا دينيا!
العقائد (كمرادف لكلمة «أديان»)
Religions

(13/29)


تستخدم كلمة «عقيدة» بالمعنى العام مرادفة لكلمة «دين» أو «نسق ديني»، فيقال «العقيدة اليهودية» و«العقيدة المسيحية» و«العقائد السماوية»... إلخ. وحيث إننا نرى أن اليهودية تركيب جيولوجي يحوي داخله أنساقا وأفكارا دينية مختلفة متناقضة تراكمت عبر العصور، تتعايش جنبا إلى جنب، أو تتراكب كالطبقات الجيولوجية الواحدة فوق الأخرى، فإننا نستخدم الكلمة في صيغة «العقائد اليهودية» بمعنى أنها «أديان» لا بمعنى «أصول الدين اليهودي». وحتى حينما نستخدم اصطلاح «عقيدة يهودية» في صيغة المفرد، فإن المقصود هو: تركيب جيولوجي تراكم داخله عدد من الطبقات المتناقضة.
العقائد (بمعنى أصول الدين وأركانه)
Creeds, Beliefs and Articles of Faith
العقيدة هي الحكم الذي لا يقبل الشك لدى معتقده، وهو يقبلها حتى لو تناقضت بعض جوانبها مع العقل أو المنطق. والعقيدة في الدين هي ما يقصد به الاعتقاد دون العمل كعقيدة وجود الإله وبعثه الرسل. والعقائد عادة تشكل ركنا أساسيا من أركان أي دين، فإن هدمت انتفى الإيمان. ويقابل كلمة «عقائد» بهذا المعنى أصول الدين وأركانه في الإسلام. ولما كان الفقه اليهودي قد تأثر بمصطلحات كل من اللاهوت المسيحي، والفقه الإسلامي في الوقت نفسه فإننا سنضطر إلى استخدام هذه المصطلحات كما لو كانت مترادفة.

(13/30)


وعادة ما تتم التفرقة بين العقائد التي يؤمن بها الإنسان والشعائر أو الطقوس التي يؤديها. فالأولى مسألة تختص بالقلب والضمير، والثانية تنتمي إلى العالم الخارجي، فهي أفعال محددة تتبع نظاما محددا. ويذهب كثير من المفكرين إلى أن اليهودية تعنى بالشعائر والأعمال ولا تعنى بالإيمان، وهي في جوهرها أسلوب حياة ونظام للسلوك البشري لا عقيدة تعتقد، ومجال تفكيرها منحصر بالدرجة الأولى في هذا العالم، والجزاء يكون حسب الأعمال لا حسب الاعتقاد. وتميز الموسوعة اليهودية بين استخدام الجذر اللغوي «آمن» ومشتقاته في العهد القديم، واستخدام كلمة «إيمان» أو «عقيدة» في العهد الجديد. فهي تقول إن الكلمة في العهد القديم تحمل معنى الثقة في الإله والاخلاص له لا الإيمان به أو بعقائد محددة، وأن استخدام الجذر «آمن» ومشتقاته بمعنى العقيدة والإيمان لم يظهر إلا في العصور الوسطى في الغرب تحت تأثير المسيحية.

(13/31)


ولا يوجد في العهد القديم أي تحديد واضح لأركان الإيمان أو أعمدته، وإن كان هذا لا يمنع وجود مفاهيم إيمانية عامة مثل: الشماع، وضرورة الإيمان بوحدانية الإله والوصايا العشر. ولكن هذه الأفكار الدينية هي جزء من تركيب جيولوجي يضم العديد من الأفكار الأخرى المتناقضة وغير المتجانسة الوثنية والتوحيدية. فموقف العهد القديم من قضية مثل قضية الأصنام (ترافيم) ينطوي على التقبل الضمني في بعض الأجزاء، والرفض الكامل في بعض الأجزاء الأخرى. ويتحدث العهد القديم عن الإله في صيغة الجمع (إلوهيم)، وعنه باعتباره إلها ضمن آلهة أخرى. كما نجد أن ثمة إشارات مستمرة إلى ملك اليهود بوصفه ابن الإله (أخبار أول 17/13). كما نجد أن فكرة البعث والآخرة تظل مبهمة وغير محددة. ويلاحظ تأرجح رسالة الأنبياء بين العالمية والقبلية. وينسب العهد القديم إلى الآباء (إبراهيم ويعقوب وموسى) أفعالا غير أخلاقية. ونجد أن الشعب، باعتباره جماعة دينية، يرتكب أفعالا أبعد ما تكون عن الالتزام الخلقي وتعبر عن العصبية العرقية مثل ذبح سكان شكيم رغم اعتناقهم اليهودية وتختنهم وترحيبهم بالعبرانيين (تكوين 34/25 ـ 27). ونجد أن مفهوم الميثاق بين الإله والشعب ملزم للإله بغض النظر عما يقترفه اليهود من آثام وأفعال لا أخلاقية. كل هذه القيم والمفاهيم أصيلة في العهد القديم وتتناقض مع الشماع ووحدانية الإله وبعض الوصايا العشر!

(13/32)


وقد ظلت اليهودية، رغم هذا التناقض، نسقا دينيا يتعايش داخله هذا التناقض وتترسب فيه أفكار دينية أخرى (بالطريقة الجيولوجية التكاملية ). وظلت مجموعة من الممارسات الدينية، مثل الأوامر والنواهي، تستند إلى فتاوى الحاخامات أو إلى قرارات السلطة الدينية المركزية دون أن تكون هناك أركان واضحة للإيمان تنبع منها الممارسات. وظلت اليهودية عبر تاريخها مجموعة من الشعائر والممارسات، ودون تحديد للعقائد. وقد عرف المشرع اليهودي بأنه كل من ولد لأم يهودية، فكأنه لا يحتاج للإيمان بعقيدة. وجاء في كتاب السنهدرين 44أ "حتى حينما يرتكب الإثم فهو يظل يهوديا".
ومع هذا، كانت اليهودية تواجه تحديات دينية من الخارج حينما تجد نفسها في مواجهة حضارة أكثر تركيبا وحين تواجه نسقا دينيا أكثر تحددا وتجانسا. فكانت تضطر إلى أن تحدد أركانها. ولذا، نجد أن تحديد العقائد في غالب الأمر هو جزء من الاعتذاريات اليهودية ومحاولتها الدفاع عن نفسها أمام الأنساق الحضارية والدينية الأخرى. وهذا ما حدث إلى حد ما في المواجهة مع الحضارة الهيلينية، إذ حاول فيلون السكندري أن يحدد ما تصوره أركان الإيمان الأساسية بخمسة:
1 ـ الإله موجود ويحكم العالم.
2 ـ الإله واحد.
3 ـ العالم مخلوق.
4 ـ العالم واحد.
5 ـ الإيمان بالعناية الإلهية.
ويبدو أن الفكر الديني اليهودي قد أخذ يتحدد بعض الشيء في القرن الأول قبل الميلاد إذ يشير يوسيفوس إلى أن الصراع بين الصدوقيين والفريسيين كان صراعا عقائديا بالدرجة الأولى ويدور حول قضايا مثل الإيمان بالعالم الآخر والشريعة الشفوية والقدرية، وهل هي مطلقة أم جزئية.
ومع ظهور المسيحية، تقهقر الفكر الديني اليهودي مرة أخرى، وبدأت اليهودية الحاخامية التلمودية في التشكل حتى أخذت شكلها النهائي في التلمود. وثمة محاولة واهية، في هذا الكتاب الضخم، لتحديد أصول الدين في كتاب السنهدرين إذ يستبعد من حظيرة الدين:

(13/33)


1 ـ كل من ينكر البعث.
2 ـ كل من ينكر أن التوراة موحى بها من الإله.
3ـ الأبيقوريين الذين يقال إنهم الملاحدة أو الصدوقيون.
وغني عن القول أن هذا التحديد عام جدا ويترك قضايا جوهرية دون تعريف. ولكن الأدهى من هذا هو أن التلمود كتاب ضخم يحتوي على العديد من الأفكار المتناقضة، كما أن نصوصه تنقسم إلى قسمين: النصوص التشريعية (هالاخاه)، والنصوص الوعظية القصصية (أجاداه)، وقد تتسم الأولى بشيء من الوضوح، أما الثانية، فتضم عددا هائلا من القصص والمرويات فيها كثير من العناصر الوثنية وتتحدث عن الإله بلغة حلولية تجسيمية. ثم نأتي لقضية التفسير، فحسب مفهوم الشريعة الشفوية تنسخ آراء الحاخامات آراء الإله نفسه، وهو أمر وافق عليه الإله. وكما جاء في التلمود فإن الإله قد أعطى الإنسان التوراة، ولذا فقد أصبح من حق الإنسان أن يخضعها لأي تفسير يشاء. وتكتسب تفسيرات الحاخامات شرعية من تصور أن موسى في سيناء تلقى الشريعتين: المكتوبة والشفوية. وهكذا فتح الباب على مصراعيه لكل العقائد. ونجد في التلمود أفكارا دينية أكثر تناقضا وتنوعا وتنافسا من تلك التي وردت في التوراة.
وقد ظل الحال على ذلك حتى دخلت اليهودية فلسطين وبابل (دائرة الحضارة العربية الإسلامية)، وواجهت أكبر تحد لها يتمثل في حضارة تستند (على عكس المسيحية) إلى فكر توحيدي لا شبهة فيه، وتحدد عقائدها بشكل لا يحتمل أي إبهام أو غموض. وواجهت اليهودية أهم أزماتها التي تمثلت في الانقسام القرائي الذي رفض الشريعة الشفوية، وتمسك بالتوراة وحاول تحديد العقائد.
ولذا، لم يعد بإمكان اليهودية الحاخامية أن تظل مجرد ممارسات تستند إلى فتاوى. فقام أهم المتحدثين باسمها (سعيد بن يوسف الفيومي)، في القرن العاشر، بتحديد أصول اليهودية التسعة بأنها:
1 ـ العالم مخلوق من العدم.
2 ـ وحدة الإله.
3 ـ الأنبياء.
4 ـ الانسان مخير وليس مسيرا.

(13/34)


5 ـ الثواب والعقاب في هذا العالم.
6 ـ الروح ومصيرها.
7 ـ البعث.
8 ـ خلاص يسرائيل.
9 ـ خلود الروح، والثواب والعقاب في الآخرة.
وفي الفترة نفسها، قام آخرون بمحاولات مماثلة. وفي القرن الحادي عشر، قام يهودا اللاوي بمحاولة مماثلة. ورغم أن هؤلاء المفكرين الدينيين ناقشوا العقائد، فإنهم لم يحددوا ما هو أساسي وما هو فرعي فيها، أي أنهم لم يحددوا أصول الدين. ولكن أهم المحاولات، وأكثرها محورية هي محاولة موسى بن ميمون؛ الفيلسوف العربي اليهودي (أو الفيلسوف العربي الإسلامي المؤمن باليهودية) الذي تأثر بعلم الكلام فدرس أصول الدين، وحدد جذور اليهودية التي تسمى بالعبرية «عيقاريم»، وهي ترجمته لكلمة «أصول». ولقد لخصها في ثلاثة عشر أصلا:
1 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن الإله، تبارك اسمه، هو الموحد والمدبر لكل المخلوقات. وهو وحده الصانع لكل شيء فيما مضى وفي الوقت الحالي وفيما سيأتي.
2 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن الإله، تبارك اسمه، واحد لا يشبهه في وحدانيته شيء بأية حال، وهو وحده إلهنا، كان منذ الأزل، وهو كائن وسيكون إلى الأبد.
3 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن الإله، تبارك اسمه، ليس جسما، ولا تحده حدود الجسم، ولا شبيه له على الإطلاق.
4 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن الإله، تبارك اسمه، هو الأول والآخر.
5 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن الإله، تبارك اسمه، هو وحده الجدير بالعبادة، ولا جدير بالعبادة غيره.
6 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن كل كلام الأنبياء حق.
7 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن نبوة سيدنا موسى عليه السلام كانت حقا، وأنه كان أبا للأنبياء، من جاء منهم قبله ومن جاء بعده.
8 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن التوراة، الموجودة الآن بأيدينا، هي التي أعطيت لسيدنا موسى عليه السلام.

(13/35)


9 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن التوراة غير قابلة للتغيير، وأنه لن تكون شريعة أخرى سواها من قبل الإله تبارك اسمه.
ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن الإله، تبارك اسمه، عالم بكل أعمال بني آدم وأفكارهم، لقوله: « هو الذي صور قلوبهم جميعا وهو المدرك لكل أعمالهم ».
11 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بأن الإله، تبارك اسمه، يجزي الحافظين لوصاياه ويعاقب مخالفيها.
12 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بمجيء الماشيح. ومهما تأخر، فإنني انتظره كل يوم.
13 ـ أنا أؤمن إيمانا كاملا بقيامة الموتى، في الوقت الذي تنبعث فيه بذلك إرادة الإله تبارك اسمه وتعالى ذكره الآن وإلى أبد الآبدين.
وقد وردت الأصول الثلاثة عشر في مجال التعليق على كتاب السنهدرين في التلمود الذي سبقت الاشارة إليه. وقد بين ابن ميمون أن أصوله هذه هي الحد الأدنى، فمن آمن بها فهو يهودي وينتمي إلى الجماعة اليهودية، ولذا فإنه حتى لو ارتكب الموبقات سيظل له نصيب في العالم الآتي ويظل محط عطف اليهود. أما من يرفضها، فيجب أن ينبذ ويباد، وسيسمى «كوفير بعيقار»، أي «كافر بالأصول» منكر لها، كما أنه يكون قد فصل نفسه عن الجماعة، فهو «مين»، أي «كافر أو مرتد».
وبعد ذلك، قامت محاولات أخرى لتحديد العقائد اليهودية من أهمها محاولة قريشقش الذي بين أن موسى بن ميمون لم يميز بين الأساسي والفرعي في العقائد. ولهذا، قام تلميذه يوسف ألبو (1380 ـ 1440) في كتابه سيفر هاعيقاريم (سفر الأصول) بهذه العملية، فقسم الأصول إلى:
1 ـ «عيقاريم»، أو العقائد الأساسية، وهي ثلاث: وجود الإله، والوحي، والثواب والعقاب. وأضاف أن هذه العقائد عامة لكل البشر.
2 ـ «شوراشيم»، وهي تفريعات عن العيقاريم، ويصنفها في ثمان.
3 ـ «عنافيم»، وهي الأغصان.
ويرى ألبو أن الأصول والجذور ملزمة لكل يهودي، ومن لا يؤمن بها يعد كافرا، أما من لا يتبع الأغصان فهو مذنب وحسب.

(13/36)


وجاء بعد ألبو، إسحق لوريا وإسحق إبرابانيل، ولم يجدا مبررا للتركيز على عقيدة دون أخرى. ويلاحظ أن ألبو، مثل موسى ابن ميمون، يقلل أهمية العقيدة المشيحانية، ويؤكد في نهاية الأمر أن اتباع أحد الأوامر والنواهي أهم من الإيمان بكل العقائد.
ورغم هذه المحاولات لتحديد العقائد اليهودية، ظلت محاولة ابن ميمون أكثرها أهمية، وقد ظهرت الأصول باعتبارها العقائد الأساسية لأول مرة في طبعة الأجاداه في البندقية عام 1566، وهي الآن ملحقة بكتاب الصلوات الإشكنازي. كما أن الصلوات اليهودية تضم الآن قصيدتين تلخصان هذه الأصول هما: «أني مأمين» (أي «إنني أؤمن»)، و«يجدال» (أي «تعظم الرب وتنزه»).
ولكن اليهودية، بسبب طبيعتها الجيولوجية، حولت الأصول إلى مجرد طبقة واحدة بين العديد من الطبقات؛ فقامت ثورة عاتية في العالم الغربي بخاصة ضد كتابات ابن ميمون، وبدأ الفكر القبالي في الانتشار وبخاصة بعد الطرد من إسبانيا، وأخذ الوجود اليهودي شكل تجمعات صغيرة بعضها بعيد عن مراكز الفكر الحاخامي والتلمودي ويخضع كل منها للقيادات الدنيوية والدينية المحلية. ومع القرن السابع عشر، هيمن الفكر القبالي على الفكر الديني اليهودي، وهو فكر حلولي تجسيمي وصفه الحاخامات بأنه ينطوي على الشرك. كما أن التفسيرات القبالية للكتب اليهودية المقدسة، وخصوصا العهد القديم والأجاداه، تشكل تراجعا جوهريا عن الفكر التوحيدي.

(13/37)


وفي العصر الحديث، بين مندلسون أن اليهودية دين شرائع بلا عقائد، وهو رأي يأخذ به معظم مؤرخي اليهودية. ثم ظهر علم اليهودية الذي درس مصادر اليهودية المختلفة وبين طبيعتها الجيولوجية وعدم تجانسها الأمر الذي يجعل من المستحيل التوصل إلى عقيدة جوهرية. ثم بدأت حركة الانعتاق التي نادت بأن تتكيف اليهودية مع العصر. ولكن، لكي تتكيف اليهودية، لابد أن يتحدد جوهرها أساسا، ولذا حاولت اليهودية الإصلاحية صياغة أصول العقيدة في مؤتمراتها الحاخامية المختلفة، ولكنها تخلت عن هذه المحاولة بعد قليل إذ كانت أطروحاتها من العمومية بحيث افتقدت أية هوية تميز اليهودية عن غيرها من العقائد. أما اليهودية المحافظة والأرثوذكسية فكلتاهما تدور أساسا في إطار الممارسات.
وفي الفلسفة الدينية اليهودية الحديثة، لم يعد الإيمان بالعقائد مسألة حيوية أو مهمة، إذ حل محلها ما يسمى «عملية المواجهة الشخصية بين الإله والإنسان اليهودي». ويرى روزنزفايج أن الإيمان الديني ثمرة كشف، أو وحي شخصي، يجب على الانسان أن يسعى إليه. أما مارتن بوبر وأبراهام هيشيل، فيريان أن الإيمان علاقة ثقة بين الإله والإنسان تنبع من، وتعبر عن ، مواجهة شخصية بينهما، فهي إذن علاقة الأنا والأنت وليست علاقة الأنا والهو. وقد بلغ هذا الاتجاه أبعادا متطرفة في يهودية كابلان التجديدية فأصبح الإيمان حالة نفسية أو شعورية ذات فائدة للمجتمع إذ أن السلوك الأخلاقي يستند إليه. فالإيمان هو نوع من « التنبؤات التي تحقق ذاتها» وليس خضوعا لأية مرجعية تقع خارج ذات الإنسان. وقد أصبح الإيمان في الفكر الديني اليهودي، بعد الحرب العالمية الثانية، مجرد وسيلة لإضفاء معنى على العالم بعد الهولوكوست، وبذا تختفي العقائد والأصول وتتحول إلى حالة شعورية.
اللاهوت
Theology

(13/38)


«اللاهوت» هو المصطلح العربي المقابل للمصطلح الإنجليزي «ثيولوجي»، وهو مركب من «ثيوس» ومعناها «إله» و «لوجوس» ومعناها «علم»، فهو «علم الإلهيات». واللاهوت هو التأمل المنهجي في العقائد الدينية. والكلمة تشير عادة إلى دراسة العقيدة المسيحية، ولا تستخدم في الدراسات الإسلامية التي تستخدم كلمات من المعجم العربي مثل «علم التوحيد». أما في اليهودية، فقد بدأ استخدام الكلمة مؤخرا في الدراسات اليهودية. (انظر: «العقائد [بمعنى أصول الدين وأركانه]»).
الشريعة اليهودية
Jewish Law
تستخدم عبارة «الشريعة اليهودية» للإشارة إلى النسق الديني اليهودي ككل، مع تأكيد جانب القوانين أو التشريع الخارجي (هالاخاه)، أي الشرع، وذلك بخلاف عبارة «العقائد اليهودية» التي تؤكد جانب الإيمان الداخلي. وكان اليهود يستخدمون كلمة «توراة» للإشارة إلى الشريعة اليهودية، كما أن كلمة «هالاخاه» تستخدم أحيانا للإشارة لا إلى التشريعات المختلفة وإنما إلى الشريعة ككل. وهناك شريعة مكتوبة وردت في أسفار موسى الخمسة والعهد القديم، كما أن هناك شريعة شفوية هي في واقع الأمر تفسيرات الحاخامات التي جمعت في التلمود وفي غيره من الكتب. كما أصبحت كتب القبالاه، هي الأخرى، جزءا من هذه الشريعة الشفوية. ويعد مفهوم الشريعة الشفوية أهم تعبير عن الخاصية الجيولوجية التراكمية، ويمكن القول بأنه سبب ونتيجة ـ في آن واحد ـ لهذه الخاصية.
الشريعة المكتوبة أو التوراة المكتوبة
Written Law (Torah)

(13/39)


«توراة شبختاف» مصطلح عبري معناه «التوراة المكتوبة» وهي «الشريعة المكتوبة» مقابل «توراة شبعل به»، أو «التوراة الشفوية». وهي إشارة إلى الشرائع التي تلقاها موسى مكتوبة. وتشير الكلمة بالدرجة الأولى إلى أسفار موسى الخمسة، ولكنها تشير كذلك إلى كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال باعتبار أنها هي الأخرى كتب مدونة. ولكن هذه الكتب الأخيرة ليست ملزمة، ولذا يشار إليها بأنها «ديفري قبالاه»، أي « كلمات التراث ». وحسب الرؤية اليهودية الحاخامية، تلقى موسى في سيناء الشريعة أو التوراة الشفوية، تماما كما تلقى الشريعة المكتوبة.
الشريعة الشفوية أو التوراة الشفوية
Oral Law; Oral Torah
«توراة شبعل به»، عبارة معناها «التوراة الشفوية» مقابل «توراة شبختاف»، أي «التوراة المكتوبة». وقد أطلق المسعودي على المفكر اليهودي سعيد بن يوسف الفيومي اسم «السمعاتي»، أي الذي يؤمن بالعقيدة الشفهية، مقابل «القرائي» أي الذي لا يؤمن إلا بالعقيدة المكتوبة. و«الشريعة الشفوية» في اليهودية مجموعة فتاوى وأحكام وأساطير وحكايات وخرافات وضعت لشرح وتأويل أسفار العهد القديم وتناقلها حاخامات اليهود شفهيا على مدى قرون طويلة ثم جمعت ودونت، في القرن الثاني الميلادي، في التلمود (أساسا).

(13/40)


وقد عرفت جميع الشعوب القديمة شرائع شفوية، أو سماعية، في شكل عادات وتقاليد وعرف. وبقيت عناصر هذه الشريعة قائمة وسارية المفعول إلى جانب الشرائع والقوانين التي تم تدوينها وتبويبها وتصنيفها. وثمة رأي يذهب إلى أن فكرة الشريعة الشفوية دخلت اليهودية بعد أن احتكت بالفكر اليوناني وعرفت الفكرة الأفلاطونية القائلة بأن القانون غير المكتوب ينفي المكتوب. ولعل هذا يفسر أن دعاة الشريعة الشفوية كانوا من الفريسيين الذين تأثروا بالفكر الهيليني، على عكس الصدوقيين حملة الفكر التقليدي. ولكن مثل هذا التفسير تفسير شديد السطحية يجعل من التأثير والتأثر العنصر الأساسي في صياغة نسق ما، ويهمل بنية النسق الكامنة التي تولد فيه قابلية لتقبل أفكار دون أخرى. ونحن نذهب إلى أن اليهودية تركيب جيولوجي تراكمت داخله عدة طبقات، ومن أهم هذه الطبقات الطبقة الحلولية التي تعني تداخل الدنيوي والمطلق وتوحدهما، وأن الإله لا يترك اليهود أحرارا في التاريخ مسئولين أخلاقيا عن أفعالهم بل يفيض عليهم في كل زمان ومكان. والشريعة الشفوية تعبير عن هذه الحلولية، إذ أن الحلولية في إحدى مراحلها تعادل بين الإله والبشر، ومن ثم تعادل بين الوحي والاجتهاد أو بين النص المقدس والتفسير، أي أنها تعادل ما بين الشريعة المكتوبة (المنزلة والموحى بها) والشريعة الشفوية (التي يضعها الحاخامات). وتذهب اليهودية الحاخامية إلى أنه عندما ذهب موسى إلى جبل سيناء ليتلقى الوحي، لم يعطه الإله توراة أو شريعة واحدة وإنما أعطاه توراتين أو شريعتين: إحداهما مكتوبة والأخرى شفوية. وجاء في المشناه « تلقى موسى التوراة من سيناء وسلمها إلى يوشع، ويوشع قام بتسليمها إلى الشيوخ، والشيوخ إلى الأنبياء، والأنبياء سلموها بدورهم إلى رجال المجمع الأكبر، الذين قاموا بتسليمها إلى فقهاء اليهود (الحاخامات) » وهؤلاء يضمون معلمي المشناه (تنائيم) والشراح (أمورائيم) والمفسرين

(13/41)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية