صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية
المؤلف : عبد الوهاب المسيري
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : موقع صيد الفوائد
www.saaid.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بتنسيقه و فهرسته أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - لملتقى أهل الحديث

أعيادهم، حيث كانوا يتلون مزامير داود أو قصائد من نظمهم باللغة الشائعة بينهم. وكانت هذه الصلوات تؤكد وحدانية الخالق (مقابل التثليث المسيحي)، بل وكان لديهم طقس يهدف إلى محو أثر التعميد المسيحي.
وقد بهت انتماء يهود المارانو بالتدريج بعد أن ترك التخفي لمدة طويلة أثره العميق. فعلى سبيل المثال، أصبحت عبادة الخالق في الخفاء جزءا عضويا من عقيدتهم، وأصبح الإعلان عن عقيدة الإنسان أمرا لا يليق (ومن هنا، استمر عدد كبير من يهود المارانو في التخفي حتى بعد أن أصبح من حق اليهود ممارسة شعائر دينهم علنا في إسبانيا والبرتغال). وقد تأثر المارانو بالطقوس الكاثوليكية، فهم يشيرون إلى «سانت إستير»، كما تأثروا بتقاليد التصوف الكاثوليكية فكانوا يصومون من أجل الأحياء والموتى (وهو تقليد كاثوليكي). وأصبحت لهم عبادات وأدعية خاصة بهم تختلط فيها الطقوس والعبادات الكاثوليكية بالطقوس والعبادات اليهودية. وكان المارانو لا يتزوجون إلا فيما بينهم ولا يتزاوجون مع غيرهم من اليهود. وكانت القيادة الروحية للجماعة في يد النساء العجائز، وكان الأطفال لا يعرفون الهوية الدينية الحقيقية إلا بعد سن الخامسة عشرة. كما أن يهود المارانو كانوا يشكلون شبكة متماسكة، فكان التاجر المارانو يرفض أن يشارك تاجرا آخر إلى أن يتأكد من هويته. وقد أدى ذلك إلى تسهيل عملية التجارة والائتمان، وساعد هذا التماسك على تسهيل الحراك الاجتماعي للمارانو.

(3/371)


ثم بدأت محاكم التفتيش نشاطها في كل شبه جزيرة أيبريا. ومما يجدر ذكره أن محاكم التفتيش لم تتعقب اليهود الذين أعلنوا عن هويتهم الدينية، فهؤلاء لم يكن يسمح لهم بالبقاء أساسا، وإنما تعقبت المسيحيين المشكوك في أمرهم والذين كان يظن أنهم مارانو، أي «مواطنون يظهرون المسيحية ويبطنون اليهودية»، فهؤلاء كانوا في رأي محاكم التفتيش يشكلون خطرا على العقيدة المسيحية وعلى أمن الدولة. ولكن هناك بعدا آخر بدأت الدراسات الحديثة تؤكده، وهو أن محاكم التفتيش في إسبانيا لم تكن تابعة للبابا. بل إن روما كانت تعترض في كثير من الأحيان على تطرف قضاة هذه المحاكم، وعلى أن هذه المحاكم كانت تستخدم ديباجات دينية تستغل الشرعية الدينية لتعقب من كانت تظنهم أعداء الدولة. وتبين هذه الدراسات أن رجال الدين الذين عينوا قضاة في هذه المحاكم نصبوا من قبل الدولة الإسبانية لا من قبل روما. وتذهب هذه الدراسات إلى أن الدولة الإسبانية كانت في الواقع أول دولة مطلقة تضع مصلحتها الدنيوية فوق أية مصلحة أخرى، وهي ظاهرة بدأت تتضح في بقية أوربا في تاريخ لاحق، وتذهب أيضا إلى أن هذه الدولة طالبت رعاياها لهذا السبب بولاء مطلق. وتحل الدولة العلمانية الحديثة مشكلة الولاء عن طريق جعل الدين أمرا خاصا، على أن يتم التضامن داخل المجتمع على أساس مصلحة الدولة. ولكن في حالة الدولة الإسبانية، لم يكن هذا ممكنا برغم توجهها الدنيوي لأن التحالفات في أوربا كانت تتم في إطار ديني، ولم تكن العقيدة العلمانية قد تطورت أو أحرزت شيوعا بعد. ومن هنا كان تمسك الدولة الإسبانية بالديباجات الدينية برغم توجهها الدنيوي.

(3/372)


ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن عملية المطاردة أصبحت بعد قليل مثل مطاردة أجهزة المخابرات الحديثة لمن يسمون « أعداء الدولة ». وهذه الأجهزة كثيرا ما تختلق الاتهامات ضدهم وتخترعها اختراعا إن لم تجدها، حتى يكتب لوظيفتها الاستمرار وحتى تحكم قبضتها على الحاكم ويتزايد نفوذها وهيبتها. ومن هنا مطاردتها لبعض المسيحيين الجدد الذين تنصروا عن صدق، حتى يكتب لها الاستمرار وتحقيق الرسالة!
ويضيف أصحاب هذه النظرية بعدا اجتماعيا أخيرا، وهو أن محاكم التفتيش لم تكن تهدف في واقع الأمر إلى القضاء على الهرطقة اليهودية بين المارانو كما كانت تدعي، وإنما كانت تهدف إلى وقف الحراك الاجتماعي لكل المسيحيين الجدد. ولم تكن تميز بين من اعتنق المسيحية عن صدق وبإرادته من جهة وبين من ادعى الإيمان بها من جهة أخرى. فالمسيحيون الجدد كانوا يشكلون طبقة وسطى جديدة لها إمكانيات غير متوافرة لكثير من قطاعات النخبة الحاكمة. ومن المعروف أنه، مع نهاية القرن السابع عشر، لم يكن هناك فرق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى. ولكن، مع هذا، تم تأكيد الفروق لتكون مسوغا لمطاردة أعضاء الطبقة الجديدة. وقد استخدمت محاكم التفتيش معيارا دنيويا غير ديني («درجة نقاء الدم») وبالتالي تكون محاكم التفتيش هي أولى علامات العنصرية العلمانية (مقابل التعصب الديني) والتي تعتمد العرق (لا الدين) معيارا للتفرقة بين البشر. ولم تتوقف المطاردة إلا عام 1773 حين تقرر إحراق الوثائق التي تفرق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى.

(3/373)


ومن القرائن التي تذكر كدليل على أن هؤلاء المسيحيين الجدد قد تنصروا فعلا بإرادتهم وأنهم كانوا مسيحيين عن صدق، موقف الشرع اليهودي منهم، فكثير من الحاخامات كانوا لا يعتبرونهم يهودا. بل ورفضت المؤسسة اليهودية البعض ممن تهودوا وعاملت من قبلتهم باعتبارهم متهودين أو غرباء (بالعبرية: جير) اعتنقوا اليهودية، أي أنها كانت تراهم مسيحيين تهودوا. ويقال إن المؤسسة الحاخامية كانت سعيدة بملاحقة محاكم التفتيش للمسيحيين الجدد واضطهادها لهم، على أساس أنهم تركوا دينهم عن قصد. وعلى وجه العموم، كان اليهود يحتقرون المسيحيين الجدد (المارانو) الذين كانوا بدورهم لا يكنون أي احترام لليهود.
ومن القرائن الأخرى التي يجب ذكرها أن كثيرا من المسيحيين الجدد لم يعتنقوا اليهودية حتى بعد طردهم من شبه جزيرة أيبريا، لأنهم كانوا مسيحيين بالفعل. كما يفسر هذا اتجاه أغلبيتهم إلى العالم المسيحي وعدم توجههم إلى الدولة العثمانية الإسلامية. وقد جاء في إحدى الدراسات قصة تبين غباء البشر في بعض الأحيان وعمق تعصبهم، فقد قامت محاكم التفتيش بطرد فتاة بتهمة أنها مارانو تدعي المسيحية وتبطن الإسلام. وعند وصولها إلى المغرب أكدت للناس هناك أنها مسيحية مؤمنة، فقاموا بتعذيبها باعتبارها مرتدة فأصرت على موقفها وقتلت، فاحتفل بها في شبه جزيرة أيبريا باعتبارها شهيدة مسيحية!
وقد لاحظ بعض الدارسين أن كثيرا من المارانو كانوا في واقع الأمر ملحدين أو بغير هوية دينية على الإطلاق. ولهذا طالب المفكر الهولندي الشهير جروتيوس بأن يؤكد كل يهودي (فوق سن الرابعة عشرة) إيمانه بالإله والأنبياء واليوم الآخر للتأكد من يهوديته.
تبقى بعد ذلك قضية المارانو أو «المسيحيون الجدد» الذين تهودوا عند خروجهم. ولتفسير حالة هؤلاء، نورد الأسباب التالية:

(3/374)


1 ـ لم يكن كل المسيحيين الجدد، كما أسلفنا، مؤمنين بالعقيدة المسيحية، بل كان منهم بالفعل مارانو يتحينون الفرصة لإظهار ما يبطنون.
2 ـ يعتقد أن بعض المسيحيين الجدد، الذين كانوا يؤمنون بالمسيحية عن حق، اعتنقوا اليهودية نتيجة مطاردة محاكم التفتيش وملاحقتها لهم، وهم في هذا يشبهون المتهم الذي يعترف بجريمة لم يرتكبها، تحت وطأة التعذيب، حتى يريح نفسه. كما أن هناك أيضا عنصر الانتقام من مؤسسة عنصرية غبية.
3 ـ يعتقد أن كثيرا من المسيحيين الجدد تهودوا بعد أن وصلوا إلى أمستردام وغيرها من البلاد، حتى يحصلوا على عمل أو يمكنهم الالتحاق بإحدى النقابات الحرفية، أو المهنية. إذ أن المارانو كانوا قد وصلوا إلى بلد غريب ذي تنظيم ينتمي إلى العصر الوسيط ولا يسمح باستيعاب الغريب. وإذا أراد المرء أن يكتب له البقاء، خصوصا إذا كان وافدا جديدا، كان عليه أن ينتمي إلى إحدى النقابات أو المؤسسات. ولكن لم يكن من المتوقع أن تقبله نقابات المهنيين أو إحدى التنظيمات الوسيطة الأخرى باعتباره مسيحيا. وهناك حالات رفض فيها السماح لبعض المسيحيين الجدد بالتنصر الفعلي حتى لا يحصلوا على حقوق المسيحيين. وقد كان أمام هؤلاء فرصة الانضمام إلى إحدى النقابات اليهودية عن طريق التهود.
4 ـ ولقد أتى هؤلاء المسيحيون الجدد من شبه جزيرة أيبريا، ومن ثم فإن من كان منهم مسيحيا حقا كان يؤمن بالكاثوليكية، ثم استقروا في هولندا، وكانت حينذاك بلدا بروتستانتيا معاديا لإسبانيا، يتسامح مع اليهودية ويقبلها ولا يتسامح مع الكاثوليكية. فالدول البروتستانتية الجديدة في أوربا كانت تنظر إلى الكاثوليكية والكاثوليك (لا اليهودية واليهود) باعتبارهم الخطر الأعظم. ومن ثم كان من المنطقي أن يتبنى هؤلاء المطرودون من بلادهم البديل الوحيد المقبول وهو اليهودية.

(3/375)


وقد ظهرت نظرية مؤخرا تذهب إلى أن المارانية هي نتاج شكل من أشكال العبادة الشعبية التي كانت موجودة في شبه جزيرة أيبريا، وهي عبادة اختلطت فيها العناصر اليهودية بالعناصر المسيحية والإسلامية (كما هو الحال مع العقائد الشعبية).وقد شاعت هذه العبادة بين الجماهير اليهودية التي كانت تشعر بالاغتراب عن اليهودية الحاخامية الرسمية بنزعتها العقلية والعقلانية،خصوصا بعد تأثرها بالفلسفة العقلانية الرشدية.والديانات الشعبية عادة ما يتم توارثها من خلال الأسرة،ولذا كان اليهودي المتنصر عن صدق يصبح من المارانو إن كان من ممارسي هذه الديانة الشعبية.ومهما كانت الأسباب والدوافع لتعقب محاكم التفتيش للمارانو وتهودهم بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا، وبغض النظر عما إذا كانوا مسيحيين عن صدق أم يهودا،فما يهمنا هنا هو تأكيد أن المضمون اليهودي لهوية المسيحيين الجدد،والمارانو بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا، إما أنه لم يكن موجودا أساسا أو أنه قد ضعف تماما أو اختفى كلية. وقد انضمت أعداد كبيرة منهم إلى الجماعات اليهودية في أوربا، الأمر الذي ترك أعمق الأثر في هذه الجماعات. فهوية المارانو كانت هوية هامشية بالنسبة إلى المجتمعات كافة. ذلك أنهم بعد انضمامهم إلى الجماعات اليهودية، لا يكونون مسيحيين في المجتمع المسيحي، ولا يهودا من منظور اليهودية الحاخامية. ولذا، قدر لهم أن يلعبوا دورا تحديثيا ضخما بوصفهم «غرباء هامشيين» وكجماعات وظيفية داخل المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية.

(3/376)


وقد انتشر يهود المارانو في كل أنحاء العالم بعد طردهم، فذهبت أعداد كبيرة منهم إلى الدولة العثمانية واستوطنوا سالونيكا، فكان عدد يهود المارانو في هذه المدينة يفوق عدد اليهود بل وعدد غير اليهود فيها. ولذا، كانت هذه المدينة تعد عاصمة المارانو في العالم. كما اتجهوا إلى الأستانة والقاهرة وكونوا نخبة متفوقة، الأمر الذي أدى إلى اندماج مختلف الجماعات اليهودية الأخرى فيهم، وأصبحت اللادينو لغة يهود الدولة العثمانية.
وقد اتجه المارانو إلى الدول الغربية، خصوصا البروتستانتية، حيث كانت محاكم التفتيش محط كراهية عميقة، وكان كثير من البروتستانت من ضحاياها. فاستوطن المارانو في إنجلترا وأمستردام وهامبورج، بل واتجه بعضهم إلى الدول الكاثوليكية فاستقروا في بايون وبوردو وليون في فرنسا، وفي بعض المستعمرات الاستيطانية التابعة لإسبانيا أو البرتغال في العالم الجديد. وكانت بعض الدول مثل هولندا تعترف بالمارانو كيهود عند وصولهم. أما بعض الدول الأخرى، فكانت تتسامح في وجودهم وحسب، وتلجأ في ذلك إلى حيل قانونية أو غير قانونية. فكانت بعض الدول، مثل إنجلترا، تغض النظر عن هويتهم الحقيقية، فيظلون مسيحيين اسما ويمارسون عقيدتهم اليهودية سرا أو علنا، ولكن دون اعتراف رسمي، لأن الاعتراف الرسمي كانت تنجم عنه بكل تأكيد تعقيدات إدارية بالغة في مجتمع تستند كل مؤسساته إلى العقيدة المسيحية وإلى الإيمان بها. وكما أشرنا سالفا، فإن كلمة «برتغالي» كانت في كثير من الدول تعني «مارانو» أو «يهودي».

(3/377)


وكان يهود المارانو عادة يستوطنون في بلد ما ليشكلوا نواة سفاردية متقدمة تلحق بها عناصر إشكنازية تزيد من عددها. وقد ظل السفارد النخبة التي كانت تلعب دورا قياديا. أما الإشكناز فكانوا هم الجماهير، أو الفائض غير المرغوب فيه. وقد زادت الهجرة الإشكنازية من شرق أوربا بعد هجمات شميلنكي في القرن السابع عشر، ومع تفاقم المسألة اليهودية في القرن التاسع عشر، حتى زاد عدد اليهود الإشكناز على عدد يهود السفارد من المارانو السابقين وأصبحوا هم الأغلبية العظمى.
وفي الأدبيات الصهيونية يتحدثون عن «المارانو الجدد»، وهم اليهود المندمجون الذين يحاولون الاندماج في محيطهم الثقافي ويخفون يهوديتهم بقدر الإمكان. ولكن كما قال حاخام فيينا بعد لقائه بهرتزل: "من هو اليهودي الحقيقي: هل هو الذي يمارس شعائر دينه ويندمج في مجتمعه، أم هو الصهيوني الذي يتحدث عن العودة إلى فلسطين ولا يمارس أيا من الأوامر والنواهي؟". ويمكننا من هذا التساؤل أن نقول إن الصهيوني هو مقلوب المارانو، فهو يتباهى بهويته اليهودية ولكنه في داخله إنسان غير منتم إلى الدين اليهودي. وقد لاحظ بن جوريون نفسه أن يهود أمريكا يستخدمون الصهيونية كغطاء يستترون به حتى يزيدوا من اندماجهم الفعلي في مجتمعاتهم، وتنحصر يهوديتهم الظاهرة في إرسال التبرعات إلى إسرائيل لإخفاء باطنهم المندمج، ومن هنا الإشارة ليهودية هؤلاء باعتبارها «يهودية دفتر الشيكات».

(3/378)


وقد اختفى أثر المارانو في إسبانيا، أما في البرتغال، حيث كانت توجد أعداد كبيرة منهم، فقد استمر وجودهم حتى القرن العشرين على هيئة جماعات متفرقة يبلغ عدد أعضائها نحو عشرة آلاف.ومن الطريف أن جيرانهم يعرفون أنهم مارانو وأنهم فقدوا الصلة تماما بالجماعات اليهودية في العالم وإن كانوا يحتفظون بالصلة فيما بينهم.وقد أصبحت ممارستهم الخفية جزءا أساسيا من عقيدتهم،كما أصبحت طقوسهم الباهتة التي توارثوها عبر الأجيال هي ممارستهم الدينية اليهودية الوحيدة.ورغم أن البرتغال أعلنت حرية العبادة عام 1910، فإن المارانو لم يغتنموا الفرصة وظلوا على ممارستهم.
ومن أهم جماعات المارانو جماعة مدينة بلمونت، فهم يتصورون أنهم من نسل اليهود البرتغاليين مباشرة، وأنهم غير مخلطين.كما أنهم لا يزالون يمارسون بعض الشعائر الدينية اليهودية،فهم يوقدون الشموع يوم السبت،ويصومون يوم الغفران، ويقيمون بعض شعائر عيد الفصح، فلا يأكلون لحم الخنزير في يوم السبت أو في الأعياد ولكنهم يأكلونه في الأيام الأخرى، وهم يحتفلون بهذه الأعياد في أيام غير تلك التي حددها التقويم اليهودي حتى يحولوا الأنظار عنهم.ويتم عقد الزيجات باسم الإله أبراهام وإسحق ويعقوب.كما احتفظوا ببعض شعائر الدفن مثل الطهارة، أي تغسيل الميت.وقد اختفت اللغة العبرية في صلواتهم، فلم يبق سوى عبارات محرفة تكاد تكون غير مفهومة. وقد أصبحت عقيدتهم بعيدة عن اليهودية وتتضمن خرافات كثيرة. ويبدو أن الممارسات الدينية مقصورة على النساء، ربما لصرف الأنظار.

(3/379)


وتحاول بعض الجماعات اليهودية، خصوصا في إنجلترا حيث يوجد يهود كثيرون من أصل برتغالي، أن يهودوا المارانو ويدخلوهم حظيرة اليهودية العلنية. وقد بذلت الأليانس جهودا كبيرة في هذا المضمار، واتصلت بهم الوكالة اليهودية مؤخرا، ويبدو أنها أقنعتهم بالتهود والهجرة إلى إسرائيل. وهذا يعني بالنسبة إليهم حراكا اجتماعيا لأن معظمهم فقراء يعملون بائعين متجولين.
والمارانو يشبهون من بعض الوجوه ظاهرة الموريسكيين، وهم العرب المسلمون الذين اضطروا إلى التنصر بعد استرداد المسيحيين لإسبانيا. وقد نسي الموريسكيون اللغة العربية وإن كانوا يتحدثون بلهجة يقال لها «الألخميادو» (تحريف لكلمة "أعجمية")، وهي اللغة القشطالية بعد أن دخلت عليها كلمات عربية ولاتينية، وكانت تكتب بحروف عربية. وكان الموريسكيون صناعا مهرة وفنيين في العديد من المهن، مثل: صناعة الحرير، والذهب والفضة، والنقش والبناء، والفلاحة وأساليب الري الفنية. كما كانوا وراء تعميم زراعة البرتقال والموالح وقصب السكر ومختلف الأشجار المثمرة كالتوت، ومن الواضح أنهم كانوا مركزين في قطاعات الاقتصاد الإنتاجية، على خلاف يهود إسبانيا الذين كانوا مركزين في التجارة والمال والأعمال الوسيطة. وقد حاولت الدولة الإسبانية صبغهم بالصبغة الإسبانية بعد تنصرهم، فكان يحرم عليهم لبس الرداء العربي أو التحدث بالعربية أو اقتناء كتب عربية أو طبخ الكسكس (الطعام المغربي الشهير). وقد اندلعت الثورات بينهم من أهمها ثورة الموريسكيين الكبرى في البشرات (قرب غرناطة) سنة 1569 (وتسمى ثورة البشرات الثانية). وحينما فشل النظام الإسباني في إسقاط هويتهم العربية، قام بطردهم سنة 1609 (كان مجموع المسلمين الذين طردوا يتراوح ما بين 900 ألف و 300 ألف، وفي بعض التقديرات يقال إن مجموع من طرد من المسلمين يصل إلى ثلاثة ملايين).

(3/380)


ومع هذا، بقي كثير من المسلمين يمارسون شعائر دينهم في الخفاء، ويتداولون الكتب الدينية المكتوبة بالألخميادو. وقد تعقبتهم محاكم التفتيش، وبالفعل وجد في غرناطة (عام 1727) قساوسة من أصل موريسكي يمارسون شعائر الدين الإسلامي سرا. وكانت بعض الأسر الموريسكية تشهر إسلامها بعد مغادرتها إسبانيا. وفي سنة 1757، حوكم موريسكي بتهمة اتباع شعائر الدين الإسلامي سرا. وقد لاحظ بعض الرحالة الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر أن بعض الأسبان مازالوا يمارسون شعائر الدين الإسلامي سرا. ويقول بعض الأساتذة الأسبان إنه لا تزال توجد في إسبانيا قرى بأسرها موريسكية. وقد بدأ بعض دعاة القومية الأندلسية في إسبانيا الحديثة يصر على أن تراث أهل الأندلس هو التراث الإسلامي، بل إن بلاسي إنفانتي بيريز (1885 ـ 1936) أبا حركة البعث الأندلسي، وهو من نسل الموريسكيين القدامى، اعتنق الإسلام، وقد أعدمته قوات فرانكو رميا بالرصاص في 10 سبتمبر 1936.
جديد الإسلام
Jedid al-Islam
«جديد الإسلام» مصطلح إيراني بمعنى «المسلمون الجدد»، ويشير هذا المصطلح إلى اليهود المتخفين الذين أرغموا عنوة على اعتناق الإسلام في إيران في القرنين السابع والثامن عشر، فأظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية. ويشير المصطلح على وجه التحديد إلى أعضاء الجماعة اليهودية في مشهد، والذين اضطروا إلى اعتناق الإسلام إبان حكم أسرة الكاجار عام 1839.
ولا نعرف شيئا عن مصير اليهود الذين اعتنقوا الإسلام عنوة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. والظن الغالب، أنه تم استيعابهم في المجتمع الإسلامي. أما جماعة مشهد، فقد احتفظت بهويتها ولم يتزاوج أعضاؤها إلا فيما بينهم، ثم هاجر بعضهم إلى القدس عام 1890. أما بقية الجماعة، فقد ظلت في مشهد حتى أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، وكونت جماعة اقتصادية مستقلة.
تشويتاس
Chuetas

(3/381)


«تشويتاس» من كلمة «تشويا» وتعني «لحم خنزير» بلهجة جزيرة مايوركا، إحدى جزر البالياريك التابعة لإسبانيا. غير أن هناك نظرية أخرى تذهب إلى أن الكلمة مشتقة من كلمة «تشوهينا» وتعني «يهودي» بلهجة الجزيرة. وهم من أهم جماعات المارانو التي استمر وجودها حتى الوقت الحالي في جزيرة مايوركا. وأعضاء هذه الجماعة يعملون أساسا بالتجارة وصناعة الحلي الفضية. وقد فقدوا كل علاقة باليهودية، ومع هذا فهم لا يزالون يحتفظون بعزلتهم وهويتهم الخاصة الباهتة. ولا يعرف عددهم على وجه الدقة، وإن كان لا يتجاوز مائتين أو ثلاثمائة. وقد هاجرت أعداد منهم إلى إسرائيل وتم تهويدهم واستوطنوا فيها، ولكن التجربة فشلت فعادوا إلى مايوركا.
الرومانيوت
Romaniot
تستخدم كلمة «رومانيوت» للإشارة إلى الجماعة اليهودية داخل الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان. وكان الرومانيوت يسمون أيضا «الجريجوس»، كما تستخدم الكلمة للإشارة إلى نسلهم ومن ورثوا تراثهم اللغوي والثقافي. وكان الرومانيوت يتسمون بأسماء يونانية، كما كانت معابدهم تعرف بأسماء يونانية أيضا. وقد تأثروا بعمق بالتراث اليوناني وباللغة اليونانية التي أصبحت لغة الصلاة في المعبد. وقد صدرت عام 1547 ترجمة العهد القديم باليونانية الحديثة واللادينو. ومع بداية القرن السادس عشر، بدأ يهود السفارد يصلون لاجئين إلى الدولة العثمانية، وكان مستواهم الثقافي الرفيع وخبراتهم الإدارية والمالية واتصالاتهم العالمية تؤهلهم لاستلام قيادة الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، الأمر الذي وضع يهود الرومانيوت في حالة دفاع عن النفس. وعلى أية حال، فقد بدأت معابدهم في التناقص وأصبحت لهجتهم اليونانية مقصورة على بضعة تجمعات يهودية متناثرة. وقد انتهى الأمر باندماج معظمهم في السفارد وتبنيهم اللادينو التي أصبحت لغة معظم يهود الدولة العثمانية في الكتابة والحديث.

(3/382)


يهود الهند
Indian Jews
توجد عدة جماعات يهودية في الهند من بينها بني إسرائيل في بومباي، ويهود كوشين على ساحل مالابار، في ولاية كيرالا، واليهود البغدادية في بومباي أيضا، ويهود مانيبور على الحدود مع بورما. وقد بلغ عددهم عام 1947 نحو 26.000. أما في عام 1961، فقد بلغ عددهم 14.608 في الهند ذاتها، إضافة إلى 23 ألفا في إسرائيل، و2000 في إنجلترا حسب إحصاءات عام 1968، أي أن عددهم يبلغ نحو 39.500، وهو ما يعني أن نسبة التكاثر بين يهود الهند من أعلى النسب بين الجماعات اليهودية (إذا كانت الإحصاءات دقيقة). وقد تأثرت كل هذه الجماعات اليهودية بالبيئة الهندية وبنظام الطوائف المغلقة. وهي لا تنتمي إلى أي من الكتل اليهودية الثلاث الكبرى: الإشكناز، والسفارد، ويهود العالم الإسلامي. ولذا، فهم يعدون ضمن الجماعات الهامشية مثل الفلاشاه ويهود كايفنج.

(3/383)


ويلاحظ أن قبول اليهود في مجتمع ما، واندماجهم فيه، يؤدي إلى ذوبانهم وانصهارهم. ولكن يهود الهند يمثلون نمطا مغايرا تماما إذ أن اندماجهم أدى إلى الحفاظ على هويتهم. وهذه مفارقة واضحة تعود إلى حركيات المجتمع الهندي ذاتها، فهو مجتمع تعد الوحدة الأساسية فيه القرية والطائفة المغلقة. وتستطيع أنواع مختلفة من البشر الاحتفاظ بهوياتهم فيه، ماداموا يقبلون الطائفة المغلقة إطارا للتنظيم الاجتماعي، وربما ببعض المعتقدات الهندوكية الأساسية. وتقوم عملية التضامن داخل الجماعة المغلقة بتقوية الهوية مادامت لا تهدد النظام الاجتماعي. وبالتالي، فإن ثمة هويات هندية يهودية مختلفة، بل ومتصارعة، لكل سماتها الواضحة. وهذا، بطبيعة الحال، مختلف عن وجود هوية يهودية محددة داخل كل مجتمع، وعن الافتراض الصهيوني القائل بوجود هوية يهودية عامة أو عالمية. ويلاحظ أن الهويات اليهودية الهندية آخذة في الاختفاء بسبب الهجرة من الهند سواء إلى إسرائيل أو إلى غيرها من البلدان. كما أن الأجيال الجديدة من الهنود اليهود بدأت تتمرد على نظام الطوائف المغلقة، تماما مثل جيل الشباب الهندي ككل.
ويعيش القسم الأكبر من يهود الهند الذين هاجروا إلى إسرائيل في مدن التنمية، خصوصا تلك الموجودة في النقب والمنطقة الجنوبية مثل: بئر سبع وعسقلان وعراد إضافة إلى بيسان في غور الأردن. ويعيش قسم آخر في المدن الكبرى الثلاث: القدس، وتل أبيب، وحيفا. ويعيش عدد قليل للغاية في بعض الكيبوتسات (وهي مؤسسات إشكنازية بالدرجة الأولى) والموشافات. ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن ثمة قائمة خاصة بمهاجري الهند ظهرت في انتخابات عام 1984.
بني إسرائيل
Bene Israel

(3/384)


«بني إسرائيل» اسم علم يطلق على مجموعة من يهود الهند كانت تقطن أساسا في منطقة كونكان، ولكنها، ابتداء من القرن الثامن عشر، انتقلت إلى بومباي حيث أسست أول معبد يهودي عام 1796. ومع حلول عام 1833، كان ثلثا يهود بني إسرائيل يعيشون في بومباي. ولا نعرف الكثير عن أصل يهود بني إسرائيل، إلا أنهم، حسب روايتهم، يعودون إلى ما قبل الميلاد. وقد انقطعت صلتهم باليهودية الحاخامية، ولكنهم بعد احتكاكهم بيهود كوشين تعلموا على أيديهم أصول عقيدتهم مرة أخرى، كما انضم إليهم اليهود البغدادية في القرن التاسع عشر. ولون يهود بني إسرائيل أميل إلى البياض مقارنة بلون بشرة الهنود العاديين، وهم يرتدون الملابس الهندية ويتحدثون الماراثي (وهي اللغة الشائعة في المنطقة التي يعيشون فيها)، ويتسمون أسماء هندية. ونظرا لانفصالهم عن اليهودية الحاخامية لعدة قرون، فإن شعائرهم الدينية تختلف عن شعائر باقي يهود العالم في كثير من النواحي، فهم لا يعرفون التلمود، بل كانوا قد نسوا التوراة بعض الوقت ولكنهم أعادوا اكتشافها من بعد. ولم يترجم العهد القديم إلى اللغة التي يتحدثونها إلا في بداية القرن التاسع عشر. ومع هذا، فهم يعرفون صلاة عبرية هي صلاة الشماع، وللنبي إلياهو مكانة خاصة في عبادتهم. ومن عاداتهم الدينية عادة تسمى «ماليدا» وهي إعداد طعام خاص يقدم قربانا. وتتلى بعض الصلوات اليهودية في مناسبات مهمة مثل الختان والزواج. وأعيادهم وأيامهم المقدسة هي: رأس السنة (ويحتفل به لمدة يوم واحد)، ويوم الغفران، وعيد الفصح. ولكنهم كانوا لا يعرفون عيد التدشين. كما كانوا لا يعرفون شيئا عن هدم الهيكل على يد تيتوس. وهم يقيمون شعائر السبت والختان وبعض قوانين الطعام، ويمارسون صيام رمزان (وقد يكون هذا الاسم تصحيفا لكلمة «رمضان»). وكان يترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية والدنيوية الكاجي (القاضي؟). وقد أصبحت

(3/385)


الوظيفة وراثية حتى صارت كلمة «كاجي» هي اسم العائلة. وبعد احتكاك يهود بني إسرائيل باليهودية الحاخامية في بقية العالم وتأسيسهم معابد يهودية، ظهرت وظيفة المقدم الذي اضطلع بالوظيفة الدنيوية للكاجي، كما حل المرتلون (حزان) محل الكاجي في الجوانب الشعائرية. ولا يوجد عندهم حتى الآن حاخام معتمد تلقى التدريب الصحيح.
وكان يهود بني إسرائيل يعملون أساسا بالزراعة واستخراج الزيت وببعض الحرف اليدوية. وبعد احتلال الإنجليز للهند، خدم يهود بني إسرائيل في الفرق العسكرية الإنجليزية وعملوا في المهن المختلفة وفي وظائف ذوي الياقات البيضاء وفي المهن التجارية والمالية الأخرى، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية في خدمة الاستعمار. وهناك 10% من يهود بني إسرائيل يعملون بالتجارة، ولكن أغلبيتهم العظمى تعمل كتبة في الحكومة والمكاتب الخاصة. ولذا، يشار إليهم الآن بوصفهم «طائفة الكتبة المغلقة»، كما تضم الجماعة بعض الأساتذة الجامعيين.
ويمكننا أن نقول إن يهود بني إسرائيل قد استطاعوا الحفاظ على هويتهم من خلال نشاطهم داخل المجتمع الهندي لا ضده، أي من خلال اندماجهم فيه. ومن هنا، فإن بعض أنماط سلوكهم يختلف عن أنماط سلوك يهود الغرب. ورغم أن سمعة الأطباء اليهود جيدة في الهند، فإن أبناء الجماعة لا يترددون عليهم. ونادرا ما يستخدم أرباب العمل اليهود عمالا يهودا، على عكس ما كان عليه الأمر في أوربا قبل الثورة الصناعية. ونادرا ما يرسل أعضاء الجماعة أبناءهم إلى مدارس يهودية. كما لا توجد نسبة كبيرة من التجار بينهم.

(3/386)


ولكن الاندماج يظهر، أكثر ما يظهر، في استيعاب نظام الطوائف المغلقة (الهندوكي) لأعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك في تأثيره العميق عليهم وعلى رؤيتهم للذات وللآخر. فأعضاء الجماعات اليهودية ينقسمون إلى قسمين: اليهود البيض (جورا إسرائيل)، الذين يعتبرون أنفسهم اليهود الحقيقيين والأكثر رقيا (وهم حسب أسطورتهم أبناء العائلات السبع نقية الدم التي وصلت إلى الهند واستقرت في ساحل كونكان)، واليهود السود (كالا إسرائيل) وهم هنود متهودون أو نتاج زواج مختلط. ويعتبر الجورا إسرائيل أنفسهم في مكانة اجتماعية أعلى من الكالا إسرائيل، ويحاولون الحفاظ على نقائهم ولا يتزاوجون معهم، بل ولا يلمسون أدوات الطبخ الخاصة بهم. وقد انعكست الثورة على النظام الطائفي في الهند على بني إسرائيل إذ أن أعضاء الكالا إسرائيل يظهرون الآن تذمرا من عنصرية الجورا إسرائيل.
ويطلق جيران اليهود عليهم مصطلح «شانو ارتيليس»، أي «زياتو السبت» باعتبار أن أعدادا كبيرة منهم تعمل في استخراج الزيت وبيعه، الأمر الذي يعني أنهم كانوا طائفة مغلقة متدنية في سلم الطوائف، ويسبب مجرد لمس أحد أشخاص هذه الطائفة الدناسة. ولم يتأثر يهود بني إسرائيل بالملابسات الاجتماعية وحسب، وإنما نجد أن بعض العقائد الهندوكية وجدت طريقها إلى يهوديتهم. فمثلا كان يحرم الزواج من الأرامل، وكانوا يتصورون أن أكل لحم البقر محرم عليهم وأن ذلك منصوص علىه في التوراة!

(3/387)


وينقسم يهود بني إسرائيل في الوقت الحاضر إلى ثلاثة اتحادات دينية: أولها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية، وهو مرتبط بالاتحاد الذي يحمل الاسم نفسه في الولايات المتحدة. والثاني معبد الهند المتحد، ويرتبط بالمجلس العالمي للمعابد المحافظة. وليس هناك فارق واضح بين هاتين الطائفتين (وقد يكون من قبيل المفارقات أن كلا الاتحادين قد أخذ بالطقوس السفاردية). وهناك اتحاد ثالث هو الاتحاد اليهودي الديني، وهو مرتبط بحركة اليهودية الليبرالية الإصلاحية في إنجلترا ويضم أعضاء بني إسرائيل الذين حققوا مكانة اجتماعية عالية. ولا تختلف شعائر هذا الاتحاد الثالث عن الاتحادين الآخرين. ولذا، يظل الاختلاف هو الاختلاف في الانتماء الطبقي للأعضاء.

(3/388)


وعندما اتصلت الحركة الصهيونية بيهود بني إسرائيل ليرسلوا ممثلين لهم للمؤتمرات الصهيونية، رفضوا في بداية الأمر إذ أنهم كانوا في انتظار «اليد المقدسة» لتقودهم إلى أرض الميعاد. وبعد عدة سنوات، وتحت تأثير الوكالة اليهودية التي بدأت تشرف على أمورهم الدينية والدنيوية، هاجر بضعة آلاف منهم إلى إسرائيل حيث عانوا من التفرقة العنصرية وفشلوا في العثور على وظائف، وهو ما اضطرهم إلى الإضراب والمطالبة بالعودة إلى الهند. وقد عاد بعضهم بالفعل. أما الفريق الذي استوطن إسرائيل نهائيا، فقد وطن في موشاف جديد يقطنه أساسا يهود عراقيون وهنود. وفي عام 1961، أصدر حاخام السفارد (الحاخام نسيم) قرارا (بإيعاز من اليهود البغدادية) بالتحقق من أصل يهود بني إسرائيل الذين يودون التزاوج من خارج جماعتهم الدينية الإثنية، لأنه لم يكن متأكدا إن كان أسلافهم قد راعوا القوانين اليهودية في الزواج والطلاق، وكذلك التحريمات الخاصة بالزواج المختلط، وذلك حتى يتسنى للحاخامية أن تقرر إن كان أولادهم شرعيين أم غير شرعيين (مامزير). وقد أدى هذا إلى إضراب عام من جانب بني إسرائيل عام 1964، الأمر الذي اضطر الحاخامية إلى تغيير موقفها بالنسبة لهم. ومن أشهر الإسرائيليين المنتمين إلى هذه الأقلية آبي نيثان، وهو من الموافقين على حل الصراع العربي الإسرائيلي سلميا ومن معارضي سياسة التوسع الإسرائيلية. وقد قابل آبى نيثان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وزج به في السجن لذلك السبب. وكان عدد بني إسرائيل في الهند: 5255 عام 1837، و7000 عام 1881، و14.805عام 1941. أما في عام 1947، فقد بلغ عددهم 17.500، ثم هاجرت أعداد منهم إلى الدولة الصهيونية. وهبط عددهم إلى 15 ألفا عام 1960 وإلى 13 ألفا عام 1968. ثم هبط عددهم بعد ذلك إلى 12 ألفا. ويبدو أن عدد يهود بني إسرائيل في الهند قد أخذ في التناقص بسبب الهجرة إلى إنجلترا وكندا وأستراليا إذ بلغ

(3/389)


عام 1981 نحو أربعة آلاف.
يهود كوشين
Cochin Jews
«كوشين» مدينة هندية، وتسمى بهذا الاسم أيضا منطقة على ساحل مالابار تقع جنوب غربي الهند، وهي الآن جزء من ولاية كيرالا. وتضم كوشين جماعة يهودية متميزة تمثلت كثيرا من سمات الحضارة الهندية. وتعود أصول هذه الطائفة إلى عصور قديمة. ويدعي يهود كوشين أنهم من قبيلة منسى، وأنهم وصلوا إلى مالابار بعد هدم الهيكل. وفي حوزة يهود كوشين وثيقة مكتوبة على ألواح من النحاس تتضمن صك الانتماء إلى طائفة النبلاء، وقد منحها الراجا الهندي لليهودي يوسف رابان. وحسبما جاء فيها، فإن الصك يعطي يوسف هذا عدة مزايا، فقد أصبح من حقه أن يركب فيلا، وأن يحمل في محفة، وأن يحمى من الشمس بمظلة من مظلات الدولة، ومن حقه أيضا أن يفرض الضرائب، وأن تسبقه الطبول والمزامير كلما خرج إلى الشوارع، كما منح قرية انجوفانام على حدود كوشين يتوارثها أبناؤه من بعده. وقد كان يهود كوشين يساعدون الراجا في حروبه ضد الإمارات المجاورة، وانضمت إليهم عناصر يهودية جديدة في القرن السادس عشر (مع وصول الاستعمار الغربي)، فجاء يهود من هولندا وإسبانيا وألمانيا وحلب. وقد وقعت كوشين تحت حكم البرتغاليين (1502 ـ 1663). ولكن الراجا حمى اليهود من ممارسات البرتغاليين العنصرية، وعين لهم رئيسا (مداليار). وقد أعقب ذلك مرحلة هولندية (1663 ـ 1795) كانت تتسم باستقرار اليهود النسبي حيث تحول بعض أعضاء الجماعة إلى وسطاء تجاريين، ونشأت علاقة بينهم وبين يهود هولندا. ثم جاء الاستعمار الإنجليزي بعد ذلك وعمق هذا الاتجاه.
ويقسم يهود كوشين إلى:
1 ـ اليهود البيض أو «ميوحاسيم»، أي «المنتسب إلى»، ويسمون أيضا «بارناس» أي «شخص». فهم من نسل يهود أوربا الذين جاءوا مع الاستعمار وتزاوجوا مع أثرياء اليهود المحليين، وكونوا طائفة مغلقة متميزة عن اليهود السود.
2 ـ اليهود السود أو «ميشواريم».

(3/390)


3 ـ اليهود المعتقين أو «ميشو حراريم».
ويشكل اليهود السود أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية. أما اليهود البيض، فهم أقل عددا، ولون جلدهم مختلف، وهم يدعون أنهم من نسل المهاجرين الأوربيين، وأن جلدهم قد اكتسب لونه الداكن نتيجة تعرضهم للشمس الاستوائية. أما الفريق الثالث، فهو من سلالة عبيد الفريقين السابقين، أو ثمرة العلاقة بين اليهود البيض والسود من ناحية والمحظيات أو الجواري من ناحية أخرى. ولذا، يقسم هذا الفريق أحيانا إلى معتقين بيض ومعتقين سود.
ويهود كوشين مستوعبون تماما في مجتمعهم الهندي، فهم يرتدون الأزياء الهندية ويتحدثون لغة المالايالام (وهي لغة سكان الهند الأصليين)، ويتحدث اليهود البيض منهم الإنجليزية إلى جانب هذه اللغة.
وقد ترك نظام الطوائف المغلقة فيهم أعمق الأثر. ولذا، فإن الفرق الثلاثة أو الأربعة لا تتزاوج فيما بينها إلا نادرا. ويعيش كل في حي مقصور عليه، ولا يسمح لأعضاء الفرق الأخرى بالسكنى فيه. ولم يكن من حق أعضاء الفريق الثالث، حتى عام 1932، أن يجلسوا في المعبد اليهودي أو يشاركوا في الصلوات. ويستخدم يهود كوشين العبرية في صلواتهم، وشعائرهم سفاردية مع بعض الأشكال الإشكنازية نتيجة الهجرة المختلطة في القرن السابع عشر. وكان عدد يهود كوشين عام 1781 نحو 422 أسرة، أي حوالي 2000 شخص. ونقص عددهم عام 1873 إلى 1039، وعام 1931 بلغ عددهم نحو 1774 حيث كانوا مقسمين على النحو التالي: 1600 يهودي أسود، و144 أبيض، و30 ميشوحراريم أو معتقين. وفي عام 1948، بلغ عددهم 2500، منهم مائة يهودي أبيض. وفي عام 1968، هاجر اليهود السود، ولم يهاجر من اليهود البيض أحد لأن الحكومة الهندية لم تسمح لهم بأخذ أموالهم.

(3/391)


ويبلغ عدد يهود كوشين الآن (في إسرائيل) ما يزيد على أربعة آلاف. وقد وضعوا تحت الحجر الصحي بسبب انتشار مرض الفيل بينهم. ولا ندري هل اعترفت دار الحاخامية بهم يهودا أم لا، فهم لا يعرفون إلا القليل من التلمود وتراث التوراة الشفوية بشكل عام. ويقال إن عدد يهود كوشين المتبقين في الهند لا يزيد عن ثلاثين فردا.
يهود مانيبور
Mainpur Jews
«مانيبور» منطقة في الهند، على حدودها مع بورما، توجد فيها جماعة يهودية لا يزيد عددها عن مائة شخص. ويرى يهود مانيبور أن أصولهم تعود إلى يهود الصين، وأنهم هربوا من كايفنج منذ ثمانمائة عام أمام الغزو المغولي، ثم استوطنوا الكهوف في الهند الصينية ووصلوا مانيبور في القرن الثامن عشر. وقد نسي أعضاء الجماعة تراثهم اليهودي. وهم لا يمارسون معظم الشعائر، مثل الختان، ولا يعرفون التلمود، ونسوا حتى التوراة مثل يهود الصين. ولكن من المفارقات أنهم حينما احتكوا بالإرساليات المسيحية، اكتشفوا التوراة وبدأوا يمارسون بعض شعائرها، وإن كان بعضهم يمارس الشعائر المسيحية أو العبادات الوثنية السائدة في المنطقة مع الشعائر اليهودية جنبا إلى جنب. ويذهب يهود بني إسرائيل إلى أن يهود مانيبور ليسوا يهودا، ولذا فإن عليهم التهود إن أرادوا الانضمام للجماعة اليهودية.
اليهود البغدادية
Baghdadi Jews

(3/392)


«يهود البغدادية» مجموعة من يهود بغداد السفارد هاجروا إلى الهند في القرن التاسع عشر، وكانوا على مستوى ثقافي راق كما كانوا من الأثرياء. وأسسوا كثيرا من الصناعات التي خلقت عددا كبيرا من الوظائف. وقد رحب بهم يهود بني إسرائيل في البداية حيث لم يكن بينهم كاهن يقوم بالطقوس الكهنوتية، إلا أن اليهود البغدادية كونوا جماعة مستقلة عن يهود بني إسرائيل ويهود كوشين بسبب إحساسهم بالتفوق على أعضاء الجماعتين. ولذلك، أقام اليهود البغدادية سياجا من العزلة حولهم وادعوا أن الدماء اليهودية الخالصة لا تسري إلا في عروقهم وحدهم. وأصبح لهم مؤسساتهم الدينية والخيرية المستقلة، وكانت لهم مدارسهم الخاصة التي يتم التدريس فيها بالإنجليزية. وقد بلغ إحساسهم بالتفوق أنهم كانوا لا يحسبون أعضاء بني إسرائيل ضمن النصاب اللازم لإقامة الصلاة في المعبد، كما لم يكن ينادى على أي منهم لتلاوة التوراة. وحاولوا استبعادهم من استخدام الأسرة المخصصة لليهود في بعض المستشفيات، بل ومن العضوية في معبد رانجون. ولا يتزاوج اليهود البغدادية مع بني إسرائيل إلا في حالات نادرة. وقد بلغ تعداد اليهود البغدادية 6500 نسمة عام 1947، لكن هذا العدد تناقص بسبب الهجرة بحيث أصبح لا يزيد على الألف. ويبدو أنه لم يهاجر منهم سوى أعداد قليلة للغاية إلى إسرائيل، وربما يعود هذا إلى أن لديهم من رأس المال والخبرات ما يسمح لهم بالاستقرار في الغرب، تماما كما استقرت النخبة الثرية والمثقفة من يهود المغرب العربي في فرنسا ولم تتجه إلى إسرائيل.
يهود القوقاز
The Jews of the Caucasus

(3/393)


تعد القوقاز من أكثر المناطق تنوعا من الناحية العرقية. ويحيط بمنطقة القوقاز روسيا الأوربية شمالا، والبحر الأسود غربا، وتركيا وإيران جنوبا، وبحر قزوين شرقا. وهي مقسمة إلى ثماني عشرة منطقة إدارية وهو ما يعكس ثراءها الحضاري. وقد احتفظت عناصر قومية كثيرة بهويتها المستقلة، وذلك بسبب عزلتها في الجبال والوديان. ويبلغ عدد سكان القوقاز اثنى عشر مليونا تشمل ما لا يقل عن ثلاثين قومية أساسية. وقد انعكس هذا على الجماعات اليهودية، إذ توجد عدة جماعات يهودية في القوقاز منها يهود جورجيا الذين يختلفون عن يهود الجبال (أو يهود داغستان)، أو يهود بخارى، أو عن بقايا يهود الكرمشاكي.
ويبدو أن معظم يهود القوقاز جاءوا من إيران، إذ يظهر أثر ذلك في لهجاتهم الخاصة. والواقع أن أول إشارة وردت عنهم كانت في كتب الرحالة العرب. وبعد أن ضمت الحكومة الروسية القيصرية القوقاز، سمحت لهم بالاستمرار في حياتهم والتمتع بحقوقهم، باعتبار أنهم كانوا مزارعين مندمجين في مجتمعاتهم، لا جماعات هامشية غير منتجة مثل يهود اليديشية. وقد منع يهود اليديشية في بداية الأمر من الانتقال من منطقة الاستيطان إلى القوقاز. ولكن الحظر رفع فيما بعد حتى بلغ عدد يهود القوقاز في عام 1897 نحو 56.773، منه 7.038 من يهود الجبال 6.034 من يهود جورجيا والباقي من يهود اليديشية. وقد زاد عدد اليهود في القوقاز، فبلغ عددهم في عام 1959 نحو 125 ألفا، منهم 35 ألفا من يهود جورجيا و25 ألفا من يهود الجبال. وقد انخفض عدد يهود القوقاز بسبب معدلات الاندماج المرتفعة وهجرة أعداد كبيرة من يهود جورجيا إلى إسرائيل. وقد بين إحصاء عام 1989، وهو أول إحصاء قسم يهود الاتحاد السوفيتي فيه إلى جماعات يهودية إثنية مختلفة، أن عددهم لا يتجاوز 72.691، منه 16.123 في جورجيا و20.000 من يهود الجبال و 36.568من يهود بخارى.
يهود جورجيا
Georgian Jews

(3/394)


«جورجيا» هي إحدى جمهوريات دول الكومنولث (الاتحاد السوفيتي سابقا)، وتقع على الساحل الشرقي للبحر الأسود. ويعتقد يهود جورجيا أنهم من نسل قبائل يسرائيل العشر المفقودة التي هجرها شلمانصر. وهم يدعمون هذا بقولهم إنه لا يوجد بينهم كهنة. ومهما يكن الأمر، فإن جذورهم في جورجيا موغلة في القدم، وقد قامت علاقات ثقافية بينهم وبين يهود الخزر. وتوجد إشارات عديدة إليهم في الوثائق التاريخية، وقد تحول بعضهم (بعد الغزو المغولي) إلى أقنان يعمل بعضهم بالزراعة والحرف (النسيج والصباغة) والتجارة. وكان الأقنان يعيشون في ضياع أسيادهم وقراهم بمعزل عن يهود العالم، الأمر الذي أدى إلى ضمور الهوية والانتماء الديني لديهم، وكان الأقنان يقسمون إلى: أقنان الملك، وأقنان الإقطاعيين، وأقنان الكنيسة. ومع ضم جورجيا إلى روسيا عام 1801، تحول أقنان الملك إلى أقنان الخزانة إذ كان عليهم دفع ضريبة للخزانة. وقد اعترفت الحكومة القيصرية بحقوق اليهود في جورجيا (على خلاف يهود اليديشية الذين كانوا خاضعين لبعض القيود). وألغيت القنانة في جورجيا في الفترة 1864 ـ 1871.

(3/395)


وبعد اندلاع الثورة البلشفية، قامت حركة قوية للاستقلال في جورجيا اشتركت فيها عناصر يهودية معادية للصهيونية (وتحالف معهم أعضاء جماعة حبد). وقد هاجم الجيش الأحمر جورجيا، وبدأت عملية دمج جورجيا في الدولة السوفيتية وهو ما تضمن دمج أعضاء الجماعة اليهودية. ولم تتدخل الحكومة في الشئون الدينية، ففتحت المعابد اليهودية، بل وسمحت الحكومة بالنشاطات الصهيونية لبعض الوقت. ولكن، بعد أن تزايدت النشاطات المعادية للسوفييت، تغير موقف السلطات السوفيتية. وفي منتصف العشرينيات، بذلت هذه السلطات جهدا مضاعفا لعلمنة يهود جورجيا، ففتحت أبواب المصانع للعمال اليهود، كما فتحت لهم المزارع الجماعية اليهودية. ولكن، في منتصف الثلاثينيات، قررت السلطات السوفيتية أن تحطم ما تصورته الانغلاق الإثني لليهود في المزارع الجماعية، فأسست مزارع مختلطة (أممية) تضم يهودا وأرمن. وقد فكرت السلطات السوفيتية في أن تطور ثقافة سوفيتية جورجية على نمط الثقافة السوفيتية اليديشية، لكن المحاولة توقفت بعد فترة قصيرة من البدء فيها. ويعمل يهود جورجيا أساسا بالتجارة كما يعمل كثيرون منهم بالمهن الحرة، فمنهم العلماء ومنهم المهندسون والمدرسون. ويوجد بينهم كذلك عمال مهرة.
والجو الحضاري في جورجيا تعددي متسامح. ولا يتسم تاريخ الجماعة اليهودية بظاهرة العزل أو الطرد أو المذابح، كما هو الحال مع يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر.
ولا تختلف أسماء يهود جورجيا عن أسماء جيرانهم المسيحيين، بل إن لهم العادات نفسها، ويرتدون الأزياء نفسها، ويتبعون أسلوب حياة واحد. وهم يشاركون جيرانهم المسيحيين أعيادهم فيحتفلون بالكريسماس معهم، في حين يشاركهم المسيحيون الاحتفال في عيد النصيب، ويرقصون معهم في عيد نزول التوراة.

(3/396)


ويبدو أن يهود جورجيا فقدوا، بمرور الزمن، علاقتهم باليهودية الحاخامية. ولذا، كان سكان المدن من المتمسكين بدينهم اليهودي يشيرون إليهم باسم «الكنعانيين». ولا يأكل يهود جورجيا لحم الخنزير، ولكنهم لا يحافظون على قوانين الطعام الأخرى. وهم يعرفون الذبح الشرعي ولا يمارسونه بصورة دائمة. وبشكل عام، يلاحظ أنهم لا يعرفون كثيرا من الشعائر اليهودية، وحينما يعرفونها فإنهم يتجاهلون معظمها. والفاصل الأساسي بينهم وبين جيرانهم من غير اليهود هو أنهم لا يتزاوجون معهم، ولكن يلاحظ أن نسبة الزواج المختلط بينهم آخذة في الزيادة منذ الستينيات.
ويتحدث معظم أعضاء الجماعة اليهودية في جورجيا اللغة الجورجية (91%) ويكتبونها بالحروف الجورجية (وهؤلاء هم اليهود الأصليون)، كما تتحدث أقلية من يهود جورجيا اليديشية والروسية. ولم تكن العلاقة جيدة دائما بين يهود جورجيا ويهود اليديشية الذين هاجروا من منطقة الاستيطان في أواخر القرن التاسع عشر (باعتبارهم عنصرا روسيا) ليستوطنوا المناطق الآسيوية التي ضمتها الحكومة القيصرية (فهم جماعة وظيفية استيطانية). ورغم جو التسامح، وعدم وجود معاداة لليهود، ورغم معدل الاندماج العالي الذي حققه اليهود في جورجيا، فإنهم حين فتحت أبواب الهجرة إلى إسرائيل هاجر منهم ما يساوي نصف عددهم الكلي. والسؤال الآن: إذا كان يهود جورجيا مندمجين ومتساوين في الحقوق مع غير اليهود، فلم هاجرت أعداد كبيرة نسبيا منهم إلى الدولة الصهيونية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من العودة إلى حركيات المجتمع الجورجي حتى يتسنى لنا فهم العناصر التي أدت إلى الهجرة، عناصر الطرد من الاتحاد السوفيتي ثم عناصر الجذب إلى إسرائيل.

(3/397)


يستند المجتمع الجورجي إلى شبكة اتصالات واسعة. وهذه الشبكة هي مؤسسة وسيطة تشبه علاقاتها علاقات القرابة أو العلاقات القبلية، وهي تضم مجموعة من الأفراد يدخلون في علاقة متعينة مباشرة، فتزود الشبكة العضو بالعون في لحظة حاجته، وبالطمأنينة في لحظات الأزمة، وتشد من أزره في كل الأحوال في مواجهة المجتمع ككل، وبالذات في مواجهة الدولة الحديثة (بكل تجريديتها) وفي مواجهة البيروقراطية السوفيتية التي تتسم أفعالها بمستوى عال من العقلانية وعدم الاكتراث بالعناصر الشخصية. وليس بإمكان عضو أن يوجد خارج هذه الشبكة التي يعد اعتماده عليها مصدر عزته وكرامته، وعليه بالمقابل أن يقدم لها ما تريد. ويلاحظ أن اليهود ينتظمون في شبكات اتصال غير يهودية، كما أن هناك مسيحيين ينتظمون في شبكات اتصال يهودية. وفي هذا الإطار، يعتبر الولاء للدولة أمرا ثانويا قياسا بالولاء إلى الجماعة/الشبكة المباشرة. وينظر إلى كل من الدولة والشبكة باعتبارهما طرفين متعارضين. فالدولة السوفيتية هي الكيان المجرد البيروقراطي، والشبكة هي الجهاز المتعين المحلي الذي يستطيع الفرد التعامل معه بشكل إنساني ومباشر.

(3/398)


وهذه الشبكة الهائلة المتطورة، وهذا التمازج بين الفرد والأسرة، هما أساس القومية الجورجية، وهي قومية معادية للضغوط الخارجية التي تأتي عادة من موسكو. ويتمثل رفض الحكومة المركزية فيما يسمى «الاقتصاد الثاني»، وهو القطاع الحر غير الشرعي الذي تديره الشبكة بطبيعة الحال لصالح أعضائها، والذي يعبر عن الهوية الجورجية القومية في وقوفها ضد تدخل الدولة الحديثة ومحاولاتها في خلق اقتصاد موحد يدار مركزيا. ويشارك يهود جورجيا هذا الإحساس القومي الجورجي الرافض للدولة الحديثة، والذي يتبدى في شكل الارتباط بالشبكة، أي أن هوية يهود جورجيا هي هوية جورجية قوية ذات أبعاد يهودية خاصة تلعب دورا حاسما في تشجيع الهجرة إلى إسرائيل. غير أن هذه الهجرة لم تتم لأسباب يهودية عامة وإنما بسبب حركيات المجتمع الجورجي. وتحتوي كل عملية هجرة على عنصر جذب إلى الوطن الجديد وعلى عنصر طرد من الوطن القديم.
ـ عنصر الجذب: عند نشوب حرب 1967، وقف السوفييت إلى جانب العرب ضد إسرائيل، الأمر الذي جعل الجورجيين (بعدائهم التقليدي للروس) يتعاطفون مع إسرائيل ضد العرب وحلفائهم الروس. وقد غذى هذا الشعور التراث الجورجي المحلي المعادي للإسلام. فتحولت الدولة الصهيونية إلى ما يشبه المثل الأعلى: الدولة الصغيرة التي يمكنها الحفاظ على هويتها والوقوف ضد السوفييت. وكان هذا الإحساس الجورجي المحلي قويا للغاية عند يهود جورجيا. ولعل هذا يمثل عنصر الجذب.

(3/399)


ـ عنصر الطرد: حكم مجافنادزة (السكرتير الأول للحزب الشيوعي الجورجي) جورجيا مدة تسعة عشر عاما، وكان الفساد قد وصل في عهده إلى مستويات لم يسبق لها نظير، إذ يبدو أن الشبكة الجورجية نجحت في التسلل والاستيلاء على مؤسسات الحزب الشيوعي ذاتها هناك، وفي تسخيرها لصالح أعضاء الشبكة أو الشبكات، وبعد إقالته، عين مكانه شفارنادزة المشهور بنزاهته. ولذا، كان من المتوقع أن يقوم بمناهضة الاقتصاد الثاني الذي كان يرتبط به عدد كبير من اليهود بنسبة تفوق نسبة غير اليهود. وقد شكلت هذه التحولات الاقتصادية عنصر الطرد.

(3/400)


ويلاحظ أن كلا من عنصري الجذب والطرد محليان تماما، وأن اختلاف اليهود عن غير اليهود كان اختلافا في الدرجة وحسب وليس في النوعية، إذ أن استجابتهم للأحداث كانت استجابة جورجية أساسا وذات بعد يهودي يزيد من حدة الاستجابة عندهم. وقد كانت درجة تعاطفهم مع الدولة الصهيونية بطبيعة الحال أعلى، كما أن درجة الضرر الذي لحق بهم نتيجة الإصلاحات الاقتصادية كانت أكبر كما بينا. ويمكن أن نضيف هنا عناصر أخرى مساعدة، فعلى سبيل المثال رأى يهود جورجيا أن الدولة الصهيونية زاخرة بفرص العمل الحر (الاقتصاد الثاني) الأمر الذي كان يزيد ولا شك من عنصر الجذب. ومن هنا تأتي معاداة معظم المهاجرين من جورجيا للصهيونية العمالية التي تؤيد تدخل الدولة في الاقتصاد. ومن العناصر المساعدة الأخرى، أن عناصر الشبكة التي انتقلت إلى إسرائيل لعبت دورا أساسيا في جذب أعداد كبيرة من يهود جورجيا. فالمهاجرون السوفييت، كي يحصلوا على تأشيرة هجرة، كان عليهم أن يحصلوا على دعوة من قريب لهم في الخارج. وقد حصل يهود جورجيا على أعلى نسبة من الدعوات وصلت إلى نحو 118%، حيث كان بعض اليهود يتلقون أكثر من دعوة. وحينما كان جزء من الشبكة اليهودية ينتقل إلى إسرائيل، كان بقية الأفراد الذين تخلفوا يجدون الحياة صعبة للغاية ولا معنى لها خارج نطاق الشبكة، فيهاجرون هم أيضا ليلحقوا بإخوانهم.
وفيما يلي أعداد اليهود الذين هاجروا من جورجيا:
( السنة 1971 عدد المهاجرين 4300 ) ( السنة 1972 عدد المهاجرين 10900 ) ( السنة 1973 عدد المهاجرين 7750 ) ( السنة 1974 عدد المهاجرين 2700 )

(3/401)


ولم يزد عدد المهاجرين بعد ذلك التاريخ على ألف، مع أن السوفييت لم يتخذوا سياسة متشددة في منح تأشيرات الخروج إلا بعد عام 1979، أي أن الأعوام الخمسة التالية للفترة التي شهدت الهجرة اليهودية المكثفة من الاتحاد السوفيتي شهدت أيضا تراجعا بين يهود جورجيا. ويمكن تفسير ذلك مرة أخرى في ضوء حركيات الجذب والطرد الخاصة بالمجتمع الجورجي، فعنصر الجذب الأساسي، وهو حرب 1967، كان آخذا في التضاؤل التدريجي، وفقد كثيرا من بريقه في حرب الاستنزاف، واختفى تقريبا بعد حرب 1973. أما عنصر الطرد، وهو التحولات الاقتصادية التي هزت الاقتصاد الثاني، فيبدو أنه بدأ يقل، إذ أن مخاوف الجورجيين، ومن بينهم اليهود، أخذت تهدأ قليلا، وظهر أن الأمر لم يكن مخيفا كما توهموا في بداية الأمر، ومن هنا تناقصت الهجرة.
ويشكل يهود جورجيا في إسرائيل مشكلة كبيرة، فهم لا يشعرون بالسعادة هناك، كما أنهم يعانون من التفرقة العنصرية التي تمارس ضدهم. وقد أصبحوا من أهم مصادر الجريمة المنظمة في الدولة الصهيونية وتخصصوا في تزييف النقود. وهاجرت أعداد منهم إلى الولايات المتحدة وشكلوا هناك بعض عصابات الجريمة المنظمة، والجريمة المنظمة هي أحد أشكال الاقتصاد الثاني.

(3/402)


وكان عدد يهود جورجيا 52 ألفا عام 1959 (وجاء في إحصاء آخر أن عددهم كان 80 ألفا من الناحية الفعلية)، وانخفض إلى 43 ألفا عام 1970. أما إحصاء عام 1989، الذي يتميز بأنه يقسم يهود الاتحاد السوفيتي إلى جماعات يهودية إثنية مختلفة، فيذكر أن عدد يهود جورجيا 16.123يعيش أغلبهم في تفليس عاصمة الجمهورية. ولا يزال الجو العام في جورجيا تعدديا، وإن كانت الوظائف الإستراتيجية تحجب عن اليهود لأنهم سيهاجرون إلى إسرائيل. وقد أخذت معدلات الاندماج والعلمنة في التزايد، وبدأ اليهود يصطبغون بالصبغة الروسية لا الجورجية. وإذا أضفنا إلى ذلك هجرة اليهود المتدينين، فليس من المستبعد أن يختفي يهود جورجيا في المستقبل. وقد أصبحت جورجيا جمهورية مستقلة، وهو ما يعني أن الإطار الذي يتحرك فيه أعضاء الجماعة اليهودية قد تغير بشكل جوهري.
يهود بخارى
Bukhara Jews

(3/403)


«بخارى» إمارة إسلامية تركية ضمتها الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر. وتقع بخارى الآن ضمن جمهورية أزبكستان. وتعود جذور يهود بخارى إلى عصور قديمة، فتقول أساطيرهم إنهم منحدرون من أسباط يسرائيل العشرة المفقودة. وهم مندمجون في الوسط الحضاري الذي يعيشون فيه، ويتحدثون اللغة الطاجيكية، وهي لهجة فارسية. وقد كان يهود بخارى وأفغانستان ووسط آسيا يشكلون وحدة ثقافية واحدة، ثم انقسمت هذه الجماعة في القرن السادس عشر، مع بداية الحكم الشيعي في إيران، إلى يهود إيران ويهود وسط آسيا ويهود أفغانستان الذين ظلوا تحت الحكم السني. ثم انقسمت الجماعة الأخيرة، في القرن الثامن عشر، وتفرع عنها يهود بخارى ويهود أفغانستان. ويبلغ عددهم، حسب إحصاء 1959، ثمانية وعشرين ألفا يعيش ثلاثة وعشرون ألفا منهم في أزبكستان، في سمرقند وبخارى، والباقون في طاجيكستان. أما إحصاء 1989، فيحدد العدد بنحو 36.568 ألفا. وإن صدقت هذه الأرقام، تكون الجماعة اليهودية في بخارى هي الجماعة الوحيدة في كومنولث الدول المستقلة التي زاد عدد أعضائها.
وكان يهود بخارى يعملون بالتجارة والصباغة عشية الثورة وازدهر حالهم بعد ضم الإمارات الإسلامية إلى الإمبراطورية نظرا لفتح الأسواق أمامهم. ولكن، مع قيام الثورة الاشتراكية، تدهور وضع التجارة عامة، وبدأت الحكومة السوفيتية في إنشاء مزارع جماعية لهم، لكن التجربة فشلت.
ويبدو أنهم فقدوا، في مرحلة من المراحل، علاقتهم باليهودية الحاخامية ونسوا شريعة موسى. ولذا، فإنهم كانوا لا يمارسون الذبح الشرعي بل ويأكلون اللحوم التي يذبحها المسلمون. وكانت زوجاتهم يلبسن الحجاب مثل نساء المسلمين. كما كانوا يمضغون الطباق ويدخنون النرجيلة.

(3/404)


ويظهر الأثر الإسلامي أيضا على المعبد اليهودي الذي يشبه المسجد ويغطيه السجاد الفاخر. ويصلي فيه اليهود جالسين القرفصاء. وهم ينادون بعضهم البعض بالاسم الأخير مع إضافة لفظة «أخ» أو «عم»، كما ينادى العلماء بلفظ «ملاه». أما رجال الدين، فيسمونهم «الحاخامات» وليس «الرابي» كما هو الحال في الغرب. وتشبه مدارسهم الدينية الكتاتيب.
يهود الجبال (يهود التات، يهود داغستان)
(Mountain Jews )Tat Jews; Daghestan Jews
«يهود الجبال» جماعة يهودية لها خصوصياتها الإثنية واللغوية، يعيش أعضاؤها في مقاطعة داغستان السوفيتية وأذربيجان (ومن هنا يشار إليهم بلفظ «يهود داغستان») كما يشار إليهم كذلك باسم «يهود التات». ويسمي يهود الجبال أنفسهم «جوهور». ولكن مصطلح «يهود الجبال» ذاته هو مصطلح روسي صكته السلطات الروسية القيصرية في منتصف القرن التاسع عشر بعد ضم المنطقة إليها.
وتشير الدلائل اللغوية والتاريخية إلى الأصول الإيرانية ليهود الجبال، فلهجتهم من أصول إيرانية شمالية دخلت عليها كلمات تركية وعبرية. وقد تكونت الجماعة نتيجة هجرة اليهود المستمرة من شمال إيران (وربما من الإمبراطورية البيزنطية) لأذربيجان حيث استوطنوا بين متحدثي لغة التات التي أصبحت لغتهم. وقد بدأت هذه العملية في منتصف القرن السابع الميلادي مع الفتح الإسلامي للمنطقة، واستمرت حتى غزاها المغول في القرن الثالث عشر. وفي هذه الفترة، اتصل يهود الجبال بيهود الخزر. وقد انقطعت الصلة بعد ذلك بين يهود الجبال وبقية يهود العالم حتى بداية القرن التاسع عشر تقريبا.

(3/405)


وليهود الجبال عادات وقيم قبلية، فهم يمجدون الشجاعة، ويدافعون عن شرفهم مستخدمين السيف، ويأخذون بالثأر، وتنتشر بينهم الخرافات، ويعيشون في بيوت طينية منخفضة تعلق على حوائطها أسلحتهم المصقولة، وهو ما يدل على اندماجهم في الحضارة القوقازية الإسلامية في هذه المنطقة. وهم يتسمون بأسماء توراتية بعد إضافة النهاية الروسية «أوف»، فيصبح «بنيامين» مثلا «بنيامينوف». وتشبه معابدهم المساجد من الخارج، وكانت تستخدم كمدرسة دينية على طريقة المسلمين حيث يجلس الأطفال على الأرض ويحفظون التوراة على يد الحاخام. وهم يحتفلون بالأعياد اليهودية، وخصوصا عيد النصيب وعيد الفصح، وإن كانت الطقوس الخاصة بعيد الفصح مختلفة عن تلك المعروفة بين اليهود. كما أن طقوس الزواج عندهم مختلفة عن تلك الطقوس المعروفة لدى يهود أوربا، إذ يدفع الزوج ما يسمى «الكالين» أو «الفدية». وهم يقسمون بالنار ويشعلون النار بجوار المرضى، الأمر الذي يشير إلى أصولهم الإيرانية. والوحدة الاجتماعية الأساسية هي الأسرة الممتدة، والتي تضم ثلاثة أو أربعة أجيال ويبلغ عددها نحو سبعين عضوا. وكان يهود الجبال يمارسون تعدد الزوجات. ويشكل كل سبع أو ثماني أسر قرية يهودية.

(3/406)


وقد تدهورت أحوال الجماعة اليهودية بتدهور المنطقة ككل نتيجة تحولها إلى ساحة صراع بين كل من روسيا وتركيا وإيران إلى جانب الصراع بين عدد من الحكام المحليين. وقد نجحت روسيا في نهاية الأمر في ضمها عام 1813. وقد طلب يهود الجبال من السلطات القيصرية أن تضعهم تحت حمايتها. كما حدثت تحولات عميقة للجماعة اليهودية بعد ضم القوقاز لروسيا، فانتقلت أعداد كبيرة من اليهود من المناطق الجبلية إلى المدن حتى أنه كان هناك في منتصف القرن التاسع عشر نحو 41% من أعضاء الجماعة في المدن، ولكن، مع هذا، ظل حوالي 58% منهم في القطاع الزراعي، بل إن سكان المدن من اليهود كانوا يعملون في صناعات مرتبطة بالمحاصيل الزراعية مثل تقطير الكحول. وكان أثرياء يهود الجبال من أصحاب شركات تقطير الخمور وبيعها، كما أن إحدى العائلات كانت تمتلك أهم شركة صيد في داغستان، وكان الكثيرون من أعضاء الجماعة يقومون بزراعة نبات الروبيا Rubia وهو نبات كانت تستخلص من جذوره صبغة حمراء، كما كانوا يشتغلون بدباغة الجلود وبصيد بعض الحيوانات لاستخدام جلودها. وقد أصبح كثير من أعضاء الجماعة اليهودية عمال صيد أو عمالا أجراء وانتقلوا إلى باكو ودربنت بعد أن تصاعدت معدلات التصنيع والتحديث في روسيا القيصرية، وهو ما جعل الصناعات اليدوية غير قادرة على الاستمرار، كما عمل كثيرون منهم تجارا صغارا.
وبعد الثورة البلشفية،تغير وضع يهود الجبال بشكل أعمق. وكما طلب يهود داغستان من السلطات القيصرية من قبل وضعهم تحت الحماية،فإنهم تحالفوا تماما مع السلطات السوفيتية ضد غالبية السكان.ولذا،فحينما قامت حركة انفصالية ضد السوفييت،كان 70% من الحرس الأحمر في المنطقة من يهود داغستان.وكانت الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء من يهود الجبال تتبنى خط الحزب بشكل كامل. وقد جلب كل هذا على أعضاء الجماعة اليهودية كره الجماهير.

(3/407)


وقد أدت حركة التصنيع في الاتحاد السوفيتي، والخطط الخمسية المتتالية، إلى فك التضامن القبلي بين يهود داغستان، فتركوا الجبال وبدأوا يعملون بالمصانع. ومع هذا، فإن أصولهم القبلية وترابطهم العائلي يساعدانهم على الاحتفاظ بقسط كبير من خصوصيتهم الجبلية.
وحسب إحصاءي 1959 و1970، كان عدد يهود الجبال يبلغ ما بين 50 ألفا و70 ألفا (وهو في تصورنا عدد مبالغ فيه). وقد هاجر حوالي 12 ألفا في الفترة بين عام 1974 ومنتصف الثمانينيات إلى إسرائيل، وبحسب إحصاء عام 1989 (وهو أول إحصاء يقسم يهود الاتحاد السوفيتي إلى جماعات إثنية مختلفة)، يبلغ عددهم حوالي 20 ألفا، ولعل انخفاض العدد بهذا الشكل الملحوظ يرجع إلى استبعاد يهود اليديشية المقيمين في داغستان. وأهم مراكزهم السكانية باكو عاصمة أذربيجان. أما في داغستان، فإن معظمهم يعيشون في دربنت وفي عاصمة الجمهورية.
يهود الخزر
Khazar Jews
«الخزر» قبيلة من أصل تركي عاشت في منخفض الفولجا جنوب روسيا وكونت مملكة كان حكامها وبعض سكانها يدينون بعبادات وثنية ولكنهم تحولوا إلى اليهودية. وينطق الاسم أحيانا «خازارا» كما هو الحال في العربية. ولكن ثمة دلائل على أن هناك طرائق أخرى للنطق، فهو بالعبرية «كوزاي» وبالصينية «كوزا». وربما يعود الاسم إلى الكلمة التركية «قزمق» بمعنى «يتجول أو ينتقل كالبدو» (المشتق منها كلمة «قوزاق») أو ربما يعود إلى كلمة «قوز» أو «جاز» بمعنى «جانب الجبل المتجه إلى الشمال»، وقد يفسرهذا الاشتقاق الأخير النطق العبري (كوزاري).

(3/408)


وقد وصل الخزر إلى منطقة الفولجا والقوقاز من أقصى الشرق في تاريخ غير معروف، وإن كان آرثر كوستلر يذكر نقلا عن برسكس، رسول الإمبراطور البيزنطي لقبائل اليهود في القرن السادس الميلادي، أن الخزر ظهروا على المسرح الأوربي حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي باعتبارهم شعبا خاضعا لسيادة قبائل الهون. ويمكن أن يعتبروا هم والمجر وغيرهم من القبائل نسل قبيلة أتيلا زعيم البرابرة الشهير. وتطلق التواريخ الروسية المعاصرة على الخزر مصطلح «الأوجاريين البيض»، مقابل «الأوجاريين السود»،وهم الهنغار أو المجريون. وقد أدى موت أتيلا إلى ظهور فراغ كبير وهو ما يسر عملية ظهور الخزر باعتبارهم قوة فى المنطقة التى شغلوها، فقاموا بصهر واستيعاب وقهر بعض القبائل التركية الأخرى، ثم هزموا البلغار فى نهاية الأمر واضطروهم إلى الهجرة.
ولكن، قبل استقلال الخزر الكامل فى المملكة، كان الخزر يشكلون جزءا مما كان يسمى الإمبراطورية التركية الغربية أو المملكة التركية أو جزء من أتراك التركستان، وكانوا يشكلون اتحاد قبائل تخضع لحاكم واحد هو الخاقان، أو الكاجان. ويقال إن الخزر ساروا مع سنجيبو، أول خاقانات الأتراك الغربيين، ضد إحدى القلاع الساسانية الفارسية. وقد استمرت المملكة التركية مدة قرن (550 - 650)، وأصبحت كلمة "تركي" بعد ذلك تشير إلى الأتراك وحسب دون الشعوب التركية الأخرى.

(3/409)


كانت المملكة الخزرية تقع على المعبر الحيوي الواقع بين البحر الأسود وبحر قزوين، بين القوتين الشرقيتين العظميين فى ذلك الوقت: الدولتين الإسلامية والبيزنطية (دولة الروم). وقد أصبحت تمثل عازلة حدودية تحمى بيزنطة من الغارات الهمجية التى تشنها قبائل الإستبس الشمالية مثل البلغار والمجر، كما أنها أوقفت التقدم الإسلامى. فقد قامت بين الجزر والعرب عدة حروب كانت أولها بين عامى 642 و 652 حينما أصدر الخليفة عمر (رضى الله عنه) أمره للقوات الإسلامية بالهجوم على عاصمتهم بالانجار، ولكن المسلمين لم ينجحوا فى مهمتهم واستشهد قائدهم عام 653. وقامت الحرب الثانية بين عامى 722 و 737 وانتهت بهزيمة الخزر على يد مروان بن محمد (مروان الثانى) وأسلم بعدها خاقان الخزر، ولكنه عاد وتحول إلى ديانته الأصلية. ويقول المسعودى إن الخزر قد نقلوا عاصمتهم (تحت ضغط الهجمات العربية) إلى أتل، عند مصب نهر الفولجا، بعد عام 737. ويبدو أنهم خلال الفترة بين اتخاذهم كلا من بالانجار وأتل عاصمة لهم، كانت لهم عاصمة ثالثة هى سمندر.

(3/410)


ومما يجدر ذكره أن كتب الرحالة والمؤرخين العرب القدامى (مثل: ابن فضلان، والأصطخرى، وابن حوقل، والمسعودى، وابن سعيد المغربى، والبلخى، واليعقوبى، وابن رسته، والمقدسى، وابن النديم، والطبرى، وابن مسكوبه، والبيرونى، وياقوت) لا تزال من أهم المصادر عن الخزر، سواء فيما يتعلق بتاريخهم أو عاداتهم. ومع أنه توجد مصادر أخرى بيزنطية وروسية، فإن كتب الرحالة العرب لا تزال المصدر الأساسى. ومن المفارقات التى يجب أن تسبب لنا، نحن عرب القرن العشرين، الإحساس بالحرج أننا لم نستفد بهذه الدراسات وإنما استفدنا بدراسات كتاب غربيين معظمهم من اليهود مثل آرثر كوستلر فى كتابه دولة الخزر وميراثها (القبيلة الثالثة عشرة) (والذى استفدنا منه كثيرا فى هذا المدخل). وكتاب العالم اليهودى دنلوب، والموسوعات اليهودية المختلفة، فى حين استمد هؤلاء الكتاب معلوماتهم من المصادر العربية بالدرجة الأولى.
ورغم انتصارهم، لم يتمكن العرب من القضاء على مملكة الخزر، بسبب المشاكل الداخلية للخلافة الأموية، ولعل هذا هو الذى أنقذ الخزر فى نهاية الأمر. وتشهد فترة الحرب الثانية قيام تحالفات مع الإمبراطورية البيزنطية ربما للرد على الهجوم الإسلامى. وقد زوج الإمبراطور البيزنطى ابنه من أميرة خزرية عام 732، وكانت ثمرة هذا الزواج الإمبراطور ليو الخزرى (775 – 780).

(3/411)


ولا يعرف أحد بالضبط مدى اتساع مملكة الخزر (خزاريا)، فيجعلها بعض المؤرخين مملكة صغيرة على الفولجا والدون، فى حين يرى البعض الآخر أنها كانت فى قمة اتساعها وتطورها، فى منتصف القرن الثامن حيث شكلت مملكة مترامية الأطراف تمتد حدودها بين سواحل البحر الأسود الشمالية، ونهر الدنيبر فى الغرب، وبحر قزوين ونهر الفولجا فى الشرق، حتى حدودها الجنوبية وجبال القوقاز فى الجنوب. كما اتجه الخزر شمالا. ويقال إن حدود المملكة وصلت إلى كييف، لكن القرائن على ذلك ضعيفة. ويقول آرثر كوستلر إن الخزر، فى ذروة قوتهم، فرضوا الجزية على ما يزيد على ثلاثين عشيرة وقبيلة مختلفة تقطن المساحات الشاسعة فيما بين القوقاز وجبال الأورال ومدينة كييف والإستبس الأوكرانية. ومن بين الشعوب الواقعة تحت سلطان الخزر: البلغار (بلغار الفولجا)، والغز، والمجريون (الهنغار)، وسكان المستعمرات الجرمانية واليونانية فى القرم، وبعض القبائل السلافية. وكانت الجيوش الخزرية تشن غاراتها أيضا جنوب المناطق الواقعة وراء مناطق سيادتها المترامية، جورجيا وأرمينيا، وتغلغلت فى الأراضى العربية حتى شارفت الموصل. ولم يكن للخزر، حتى القرن التاسع، أى منافس لسيادتهم فى المناطق الواقعة شمال البحر الأسود وما يلحقها من مناطق الإستبس والغابات على نهر الدنيبر. وقد ظلوا القوة العظمى فى النصف الجنوبى من أوروبا الشرقية مدة قرن ونصف قرن، وكانوا حاجز حماية منيع يسد ممر الأورال وقزوين فيما بين آسيا وأوروبا. وقد صدوا طوال هذه الفترة غارات القبائل البدوية الزاحفة من الشرق. وقد بدأ تدهور الخزر فى القرن العاشر بسبب تزايد قوة قبائل البيشنج فى الشمال والغرب والروس فى إمارة كييف.

(3/412)


وبرغم تدهورها وضعف نفوذها، احتفظت مملكة الخزر باستقلالها حتى القرن العاشر، حين قام حاكم كييف (الأمير سفياتوسلاف) بالهجوم على أتل عام 965 وتحطيم قوتها وتدمير عاصمتها وكذلك قلعة سمندر وساكريل على نهر الدون. ولكن هذا لا يعنى أن الخزر قد أبيدوا، وإنما يعنى تناقص قوتهم وانكماش نفوذهم، إذ أن ذكرهم يأتى فى المدونات المختلفة حتى القرن الثانى عشر. ويمكن القول بأن الإمبراطورية الخزرية تهاوت تماما باعتناق الأمير الروسى فلاديمير الديانة المسيحية، فقد أدى هذا إلى ظهور تحالف مسيحى يضم بيزنطة فى الغرب وروسيا فى الشمال، وهذا ما جعل مملكة الخزر اليهودية دون قيمة إستراتيجية كدولة عازلة، وسقطت تماما فى نهاية الأمر تحت هجمات الروس أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادى عشر. ويقال إن خاقان الخزر اعتنق الإسلام فى تلك الفترة لعقد تحالف مع المسلمين. وقضى الغزو التترى على ما تبقى من الخزر فى وادى الفولجا عام 1247 حين اختفوا تماما كجماعة مستقلة. ويلاحظ أن دولة الخزر تقع فى المنطقة التى تلتقى فيها عدة إمبراطوريات ولم تحقق الازدهار إلا بسبب الفراغ الموجود فى تلك المنطقة. وهى فى هذا، تشبه، فى كثير من الوجوه، الدولة العبرانية المتحدة (فى الماضى)، والدولة الصهيونية (فى العصر الحديث).

(3/413)


وحضارة الخزر آسيوية قبلية بدائية احتفظت بكثير من الطقوس البدائية حتى بعد أن أحرزت قدرا لا بأس به من التقدم. وقد عرف الخزر نظام الملكية المزدوجة المعروف بين القبائل التركية وبعض الشعوب الآسيوية إذ كان يحكمهم الخاقان أو الكاجان الأكبر الذى لم يكن يظهر إلا مرة واحدة كل أربعة أشهر ولا يتحدث إلا إلى نفر محدود من الناس. وكان الخاقان موضع تبجيل كبير، ويجرى تتويجه فى احتفال مهيب للغاية. وقد كان دائما من سلالة ملكية، وكان المنصب يورث فى العائلة نفسها، حتى لو كان الوريث شخصا عاديا فقيرا كما يلاحظ الرحالة العرب. وكانت سلطة الخاقان مطلقة حتى أنه لو طلب إلى أحد أن يقتل نفسه لفعل. ولكن الخاقان كان فى نهاية الأمر مبعدا معزولا إذ كان نائبه، كاجان بك أو البك وحسب، هو الذى يصرف شئون الدولة شاملة إعداد الجيوش وقيادتها، وهو الذى يظهر للعامة ويقودهم فى الحروب، وهو الذى كان يمتلك كل القوى ذات التأثير. ورغم أن البك كان يدين بالطاعة لحضرة الخاقان الأكبر ويأتيه كل يوم فى إذعان وخضوع، فإنه هو الذى كان يعينه كما يذكر الأصطخري، أو ربما كان مؤثرا فى اختياره. وربما كان التقسيم للسلطة بين الخاقان والبك تقسيما للسلطتين الدينية والدنيوية. فالخاقان الأكبر صاحب السلطة الروحية المطلقة، والبك صاحب السلطة الدنيوية الفعلية. وهذه العلاقة تشبه إلى حد كبير علاقة الإمبراطور (أو الميكادو) بالحاكم العسكرى (الشوجن) فى اليابان، فالأول هو صاحب السلطة المطلقة الذى يخضع له الشوجن، ولكن هذا الأخير هو الذى يقدر على الحل والربط. وقد عقدت مقارنة طريفة بين نظام الحكم لدى الخزر ولعبة الشطرنج، الملكية المزدوجة، تمثل على رقعة الشطرنج بالملك (الكاجان) والوزير (البك) حيث يظل الملك فى عزلة يحميه أتباعه ضعيف الحلول لا يجد حراكا لأكثر من خطوة قصيرة واحدة فى كل مرة. أما الوزير فهو على النقيض من ذلك، له الوجود الأقوى على

(3/414)


الرقعة التى يسيطر عليها. وبرغم ذلك، فإن من المحتمل أن "يموت" الوزير وتظل اللعبة قائمة فى حين يكون "موت" الملك الكارثة العظمى التى تنهى اللعبة. وإن أردنا استخدام المصطلح الذى نستخدمه فى هذه الموسوعة لقلنا إن الملك هو اللوجوس أو المطلق، وإنه ركيزة النسق النهاية أو المرجعية التى لا مرجعية بعدها.
وكانت التجارة المصدر المالى الأساسى لمملكة الخزر حيث كانت متحكمة فى الطرق التجارية الموصلة بين الشرق الأقصى والإمبراطورية البيزنطية، وكذلك فى الطرق الموصلة بين العرب والبلاد السلافية. وقد كانت تفرض الضرائب على البضائع التى تمر فيها. كما كان الحرج من الدول الخاضعة لها مصدرا للريع.
وكانت ديانة الخزر فى المراحل الأولى شامانية بدائية يهيمن عليها الشامان (الكاهن/الساحر/الطبيب) الذى يدعى المقدرة على شفاء المرضى والسيطرة على الأرواح الشريرة ويدعى معرفة الغيب. ويبدو أن الخزر أحرزوا قسطا كبيرا من التحضر قبل تهودهم وبعده، فقد تركوا خيامهم وبنوا البيوت من الحجر المحروق. وكان للمسلمين مساجد متعددة فى مملكتهم، منها مسجد كانت مئذنته ترتفع إلى ما يفوق ارتفاع القلعة الملكية. كما أنهم مارسوا الزراعة، واتسع نطاق تجارتهم الدولية. وقد ازدهرت أيضا الفنون والحرف، ومنها صناعة الأزياء النسائية وصناعة الفضة. أما نمط الفن الخزرى، فقد كان متأثرا بالفن الفارسى. وقد تطور نظامهم القضائى أيضا بحيث كان فى عاصمة الخزر سبعة قضاة، اثنان منهم للمسلمين واثنان لليهود واثنان للمسيحيين وواحد للوثنيين.

(3/415)


وكما أسلفنا الذكر، بلغت مملكة الخزر أوج عظمتها وقوتها بين القرنين الثامن والعاشر. وأثناء هذه الفترة، اعتنق ملكها بولان (786 - 809)، ومعه أربعة آلاف من النبلاء، الديانة اليهودية وجعلها الديانة الرسمية، وهو ما يؤكده المسعودى حين يشير إلى أنهم تهودوا فى عهد هارون الرشيد. ويبدو أنهم عرفوا اليهودية من خلال عشرات من المهاجرين اليهود الذين فروا من اضطهاد الإمبراطورية البيزنطية بخاصة فى عهد هرقل (فى القرن السابع الميلادى). وقد كتب أحد يهود الأندلس (حسداى ابن شبروط)، حين عرف بقيام هذه المملكة، إلى يوسف ملك الخزر، فيما يعرف باسم "المراسلات الخزرية"، يسأله عن القبيلة العبرية التى ينتمى إليها وعن أمور أخرى. وقد أكد له الملك أن أصل الخزر تركى وليس ساميا، ولا علاقة له بأسباط إسرائيل العشرة المفقودة ولا بفلسطين. وفى رده على ابن شبروط، يذكر الملك يوسف كيف اعتنق بولان اليهودية، فيقول إنه بعث فى طلب زعماء الديانات السماوية وأقام بينهم حوارا ليشرح كل منهم دينه ويناقش الأديان الأخرى، وقد اقتنع الملك بعد هذه المناقشة بالدين اليهودى. وقد تخيل الشاعر الأندلسى اليهودى يهودا اللاوى هذا الحوار الفلسفى ورواه فى كتاب له عن هذا الموضوع. وقام أحد أحفاد بولان بإصلاح دينى، فترجم العهد القديم والتلمود (ربما بضعة أجزاء منه نظرا لضخامته). ويقول كوستلر إن يهودية بولان كانت قرائية تؤمن بالعهد القديم دون التلمود، ثم تطورت إلى يهودية حاخامية. وقد ظهر مذهب القرائين فى القرن الثامن فى العراق، وكان للقرائين حركة تبشيرية قوية. ومن المعروف أن القرائية ظلت فى بلاد الخزر قائمة بشكل واضح حتى النهاية، ولا تزال قرى اليهود القرائين الناطقين بالتركية قائمة حتى الآن فى روسيا. ولم تكن يهودية الخزر كاملة، بل احتفظوا بكثير من العادات الشامانية من تراثهم التركى البدائى. فكانوا، على سبيل المثال، يقتلون الملك عادة بعد أن يحكم

(3/416)


أربعين عاما، وهذا دليل على استمرار عبادات الخصب حتى بعد اعتناقهم اليهودية، كما أنهم كانوا يقتلون من يتولون حفر قبر الخاقان الأكبر (ولعل هذا يفسر عدم اكتراث يهود العراق بهم، فلم يكونوا من وجهة نظر المؤسسة الدينية يهودا خلصا). وقد رد يوسف ملك الخزر على سؤال ابن شبروط عن آخر الأيام ردا ميهما للغاية. وليس من المعروف إن كان أعضاء قبائل الخزر كلهم قد تهودوا، أم أن الأمر ظل مقصورا على الملك والنبلاء وأقلية من الشعب.
وقد حاول المؤرخون تفسير ظاهرة تهود الخزر، فيقال إنهم تهودوا لأسباب سياسية حيث كانوا واقعين بين الإمبراطوريتين البيزنطية والإسلامية، وكانت الإمبراطورية الروسية حينذاك فراغا. ولكى يحتفظوا باستقلالهم، تبنوا عقيدة دينية مختلفة عن عقيدة القوتين العظميين. ويقال أيضا إن التهود كان لأسباب اقتصادية إذ أن الخزر كانوا قد بدأوا فى احتراف التجارة وكان على من يود ممارسة هذه المهنة فى هذه المناطق وغيرها أن يتهود حتى يستفيد من شبكة الاتصالات اليهودية فى العصور الوسطى، والتى كانت تعتبر نظام ائتمان دولي. وقد أصبح بوسع الخزر، بتهودهم، أن يلعبوا دور الوسيط أو الدولة الوظيفية الوسيطة بين القوتين العظميين، إذ كان لكل منهما قوانينها وشرائعها، ولم تكن توجد بينهما قنوات اتصال ولا يمكن لتجار كل طرف أن يعبروا إلى أرض الطرف الآخر إلا بصعوبة. ولذا، كان من الضرورى ظهور طرف ثالث هامشى محايد، مثل الجماعة الوظيفية الوسيطة، ليقوم بالنشاط التجارى بينهما. ويقال إن النخبة الحاكمة الخزرية قد تبنت ديانة سماوية توحيدية مثل اليهودية، وذلك حتى تضفى على نفسها هيبة ووقارا، وتوجد مسافة بينها وبين العبادات الشامانية البدائية السائدة، وتربط بينها وبين النخب الحاكمة فى العالمين الإسلامى والمسيحى.

(3/417)


ويرى بعض المؤرخين، ومن بينهم العالم الإسرائيلى إ. ن. بولياك أستاذ التاريخ اليهودى الوسيط فى جامعة تل أبيب، وكذلك علماء الأجناس، أن يهود شرق أوروبا الإشكناز ليسوا من نسل يهود فلسطين وإنما من نسل الخزر الذين استوطنوا هناك بعد تشرذمهم. وقد وصفهم الجغرافيون العرب بأنهم ذوو بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر غزير ضارب للحمرة. ومن هنا، فإن مقولة أن يهود أوروبا الإشكناز من أصل خزرى تركي ليست مقولة فكرية محضة ذات مقدرة تفسيرية عالية تستند إلى العقل والمنطق وحسب، وإنما هى مقولة تستند أيضا إلى المعطيات التاريخية المحسوسة. ومن أهم ما كتب فى هذا الموضوع كتاب المؤلف الإنجليزى المجرى الأصل، اليهودى العقيدة، آرثر كوستلر، والذى أسلفنا الإشارة إليه، حيث يبرهن فيه على المقولة الخاصة بهجرة يهود الخزر إلى شرق أوروبا،بالإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين الخزر والمجر وكيف أسهم خاقان الخزر فى تأسيس دولة المجر بأن عين لقبائل المجر ملكا يخضع لسلطانه. وقد ظلت العلاقات قوية بين الشعبين إلى أن طرد المجريون من بلادهم عام 896 وعبروا سلسلة جبال الكربات وانتزعوا المنطقة التى أصبحت موطنهم الحالى. ويبين كوستلر كيف انضمت إلى المجريين فى هجرتهم إلى هنغاريا قبائل خزرية معروفة باسم "الكابار"، وقادتهم إلى موطنهم الجديد. وقد استمرت العلاقة الوثيقة بين المجر والخزر حتى استقرار المجموعات الخزرية المجرية فى الوطن الجديد. وقد دعا دوق تاكسونى المجرى عددا غير معلوم من الخزر ليستوطنوا بلاده، ولاشك فى أن نسبة كبيرة منهم كانت من اليهود. بل ويرى كوستلر أن تدفق اليهود لم يكن على المجر وحسب بسبب العلاقات المجرية الخزرية كما أنه لا يمثل حالة خاصة، فهذه الهجرة كانت جزءا من هجرة أكبر وهى الهجرة الجماعية الشمالية من الإستبس الأوراسية تجاه الغرب، أى تجاه أوروبا الوسطى والشرقية. ولذلك، فهو يتحدث عن "الشتات الخزرى" أى انتشار اليهود من

(3/418)


بلاد الخزر إلى أرجاء أوروبا، مقابل "الشتات" وحسب، أى انتشار اليهود من فلسطين.
ويلاحظ كوستلر أن اختفاء الشعب الخزرى من موطنه التاريخى قد صاحبه الظهور المعاصر لأكبر تجمع يهودى فى الشمال الغربى من أوروبا. ولهذا، اتفق المؤرخون على أن الهجرة من خزاريا قد أسهمت بالتأكيد فى نمو الجماعات اليهودية البولندية. ولكن يظل هناك سؤال يتصل بحجم هذا الإسهام؟ وما إذا كان اليهود الخزر قد كونوا مجرد نواة للجماعة اليهودية وحسب، أم أنهم لم يكونوا مجرد نواة؟
وهنا يستعرض كوستلر تاريخ يهود أوروبا فيبين ضآلة عددهم، ثم يستعرض تاريخ طرد اليهود من بلد أوروبى إلى آخر، ويشير إلى أن يهود حوض الراين (حتى القرن الحادى عشر) كانوا ضئيلى الأهمية قليلى العدد، وقد تعرضت هذه الجماعات للإبادة وتناقصت أعدادها أثناء حروب الفرنجة. أما أعضاء الجماعات اليهودية التى كان يتم تدميرها تماما، فقد كانوا يتركون مكان إقامتهم بعض الوقت ثم يعودون إليه، أى أنهم لم يكونوا يهاجرون منها. وقد ظهر الطاعون أو الموت الأسود الذى تفشى فى الفترة 1347 - 1350 وقضى على ثلث سكان أوروبا. لكل هذا، يرى كوستلر أن فكرة هجرة يهود غرب أوروبا إلى شرقها يتعذر إثباتها تاريخيا، بل إنها مجرد خرافية، أو افتراض خلقه المؤرخون، وكان عليهم اختلافه لتفسير ظاهرة ازدياد عدد يهود أوروبا الشرقية فى القرن الخامس عشر، خصوصا فى بولندا، زيادة مفاجئة وهائلة، حتى أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائما، فنجد أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائما، فنجد أن معظم يهود العالم (مع بداية القرن التاسع عشر) موجودون فى بولندا بحيث يمكن القول بأن يهود العالم الحديث من أصل بولندى.

(3/419)


وفى محاولة تفسير تزايد عدد يهود بولندا، اختلق المؤرخ الروسى اليهودى دبنوف وغيره فريضة هجرة يهود غرب أوربا إلى شرقها (بسبب المذابح التى ارتكبت ضد الجماعات اليهودية إيبان الحروب الصليبية)، وذلك على الرغم من أن الحوليات المعاصرة لا تتحدث عن مثل هذه الهجرة، بل ومن الصعب تخيلها. ومرد ذلك جهل المؤرخين بتاريخ يهود الخزر، وتاريخ هذه المرحلة السديمية التى كانت تنتقل فيها شعوب أوربا أو قبائلها من مكان إلى آخر. أما كوستلر، فيهتم بقضية يهود الخزر باعتباره يهوديا رافضا لفكرة الاستمرار العرقى اليهودى فى فلسطين، باعتباره مدافعا عن حقه فى أن يظل منتميا (كيهودي إنجليزي) إلى وطنه إنجلترا. وهو يستخلص النتيجة التالية: "أن الدلائل المعروضة تدعم الحجة القوية التى قدمها أولئك المؤرخون المحدثون، سواء النمساويون أو الإسرائيليون أو البولنديون، أو أولئك الذين أثبتوا (مع استقلال كل عن الآخر) أن الأغلبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطينى وإنما من أصل قوقازى وأن تيار الهجرات اليهودية الرئيسى لم ينبثق من حوض البحر المتوسط عبر فرنسا وألمانيا متجها نحو الشرق ثم عائدا أدراجه ثانية ولكنه تحرك فى اتجاه ثابت دائما (نحو الغرب) بادئا من القوقاز عابرا أوكرانيا إلى بولندا ومنها إلى وسط أوربا. وعندما حدث فى بولندا هذا الاستيطان الضخم الذى لم يسبق له نظير، لم يكن إلى جانبه (فى الغرب) سوى عدد قليل ولا يعتد به من اليهود، فى حين أن شعبنا بأسره (فى الشرق) كان فى سبيله إلى التحرك نحو حدود جديدة".

(3/420)


وتحاول الصهيونية، فى أحد أشكالها، أن تؤسس نظرية الحقوق اليهودية فى فلسطين على أساس عرقى. إذ تدعى أن اليهود، بالمعنى العرقى، شعب ارتبط دائما بفلسطين (أو أرض الميعاد)، وأن هذا النقاء العرقى وهذا الارتباط الأزلي بأرض الأجداد، يبرران الاستيلاء على فلسطين. ولكن تهود الخزر، مثل تهود الآدميين وغيرهم من الأقوام، يمثل تحديا لهذه الفكرة الخاصة بالنقاء العرقى.فالأصل الخزرى لمعظم يهود الغرب، أى الأغلبية العظمى من يهود العالم، يفند فكرة الحقوق اليهودية التى تساند إلى أساس عرقى.ومع هذا، يجب التنبيه على أن الصهيونية تعرف الهوية اليهودية الآن تعريفا أثنيا فضفاضا ولا تركز إلا نادرا على النظرية العرقية ونظرية النقاء العرقى، كما أنها تؤسس نظرية الحق اليهودى على الارتباط الإثنى والدينى والحضارى وليس على الارتباط العرقى.
الكرمشاكى (تاريخ يهود شبه جزيرة القرم)
(Krimchaki )History of the Jews of the Crimean Peninsula
«يهود الكرمشاكى» جماعة يهودية صغيرة ذات سمات إثنية خاصة، تسكن شبه جزيرة القرم، ويتحدث أعضاؤها لهجة تترية دخلت عليها كلمات عبرية آرمية وكلمات قليلة من اللادينو واليديشية، وهى تكتب بحروف عبرية. وكان الكرمشاكى يطلقون على أنفسهم لفظ "يهودى" أو "سريلى بالالارى" (أبناء إسرائيل).ولكنهم، مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأوا يستخدمون الكلمة الروسية "كرمشاك" أى "سكان شبه جزيرة القرم". وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة فى السجلات الروسية عام 1859. ويبدو أن السلطات الروسية قد صاغت هذا الاسم للتمييز بينهم وبين القرائين والإشكناز.

(3/421)


ويعود تاريخ اليهود فى القرم القرن الثانى قبل الميلاد (مع الاستيطان اليونانى فيها). ويبدو أنهم كانوا يعملون بالتجارة وفى بعض الحرف، كما عملوا فى الدولة والجيش. وقد تغيرت هوية أعضاء الجماعة اليهودية عدة مرات، ويبدو أن تتريكهم بدأ فى حكم إمبراطورية الخزر، ولكنهم اكتسبوا هويتهم التترية التركية مع الغزو التترى عام 1239، فارتدوا الأزياء التركية الإسلامية وتبنوا اللغة التترية. وتأثر بناء الأسرة التترية، فظلوا يمارسون تعدد الزوجات حتى بدايات القرن التاسع عشر. وكانوا بمعزل عن الحركات الفكرية التى اكتسحت يهود أوروبا مثل الاستنارة والصهيونية والإصلاح الدينى. وكانت غالبيتهم من الحرفيين، واشتغلت أقلية منهم بالزراعة وعدد قليل جدا منهم فى التجارة. ورغم تبنيهم الأنماط الحضارية التركية والتترية، إلا أن أسماء عائلات الكرمشاكى تدل على تنوع أصولهم العرقية، فهناك أسماء تركية (لولباكش - ديمارجى - أزميرلى)، وأسماء قوقازية (أبابيف)، وإيطالية وإسبانية (كونفينو - مانتو)، كما توجد أسماء من أصل إشكنازى (سليزر - أورى) وهناك أسماء عبرية (كوهين - مزراحى). وبعد ضم روسيا القيصرية للقرم، تغير وضع الكرمشاكى تماما إذ بدأت عملية تحديثهم وترويسهم، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك فى بداية الأمر ورفضوا التزاوج مع يهود اليديشية الذين كانوا يعدون عنصرا روسيا ويوطنون فى القرم كعنصر استيطانى. وقد تصاعدت هذه العملية مع الثورة البلشفية، وزاد المستوى التعليمى بينهم، الأمر الذى نجم عنه تآكل أشكال الحياة التقليدية. وقد قام كثير من أعضاء الجماعة الذين عملوا مهنيين (مهندسين أو مدرسين أو أطباء) بقطع صلتهم بمجتمع الكرمشاكى.

(3/422)


وقد انخفض عدد الكرمشاكى عام 1989 إلى 1559. ويمكن القول بأن الكرمشاكى يذوبون بسرعة فى اليهود الروس والأوكرانيين ويتزاوجون منهم، ولا يوجد منهم الآن سوى مائة أسرة فى الولايات المتحدة. ويبدو أن أعضاءها خضعوا لحركيات المجتمع الأمريكى، كما بدأوا يتزاوجون بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى.
اليهود الأكراد
Kurdish Jews
«اليهود الأكراد» جماعة يهودية لها سماتها الإثنية الخاصة، يعيش معظم أعضائها فى العراق، رغم أن معظم الأكراد يعيشون فى تركيا، حيث توجد 146 قرية يهودية فى العراق و19 فى إيران و11 فى تركيا، كما توجد أيضا مجموعة فى سوريا. وتوجد بين أكراد العراق أقليتان دينيتان: المسيحيون النسطوريون (الذين يسمون أيضا الآشوربين)، واليهود. وقد تأثر أعضاء الجماعتين بالثقافة الكردية. ولكنهم، مع هذا، لم يتبنوا اللغة الكردية إذ أنهم يتحدثون الآرامية ويتحدث يهود الموصل العربية، وهم بذلك لا يصنفون باعتبارهم أكرادا. ويقال إن وجود اليهود فى هذه المنطقة يعود إلى أيام التهجير الآشورى ومملكة أديابنى.
وقد وضع أغوات الأكراد (أى كبار ملاك الأراضى) جماعة اليهود تحت حمايتهم، فكان اليهود يعدون ملكية خاصة لهم يجمعون منهم المحاصيل ويخضعونهم للسخرة، بل وكان فى مقدور الأغا أن يبيع ما يملك من يهود (وهذا أمر نادر فى الحضارة الإسلامية وإن كان يشبه ما حدث فى أوروبا). وفى منتصف القرن العشرين، كان 80% من يهود كردستان يعيشون فى المدن ويعملون تجارا صغارا وبقالين، وكان الحرفيون يعملون صباغين وترزية ونجارين ودباغين ومراكبية ينقلون الأخشاب فى قوارب أنهار الموصل. وكان العشرون فى المائة الباقية يعيشون فى المناطق الريفية.

(3/423)


ولا تختلف عادات الأكراد اليهود عن عادات الأكراد بصفة عامة. وعلى سبيل المثال، فإن عادات الزواج بينهم لا تختلف كثيرا عن عادات الزواج السائدة فى المجتمع الكردى، حيث تتزوج الفتيات فى سن مبكرة، وعلى العريس أن يدفع مهرا لوالد العروسة تعويضا له عن تربيتها وتنشئتها. ولا تختلف طقوس الزواج بينهم عن الطقوس السائدة بين الأكراد من تمسك بعذرية الفتاة عند الزواج إلى غير ذلك من القيم والشعائر. وفى ليلة الزفاف، يتم التحقق من ذلك وتعلن النتيجة على المدعون، وإن اكتشفوا أن الفتاة غير عذراء يقوم أبوها بقتلها. ويعتبر تعدد الزوجات أمرا مباحا. كما أن علاقة الزوجة بزوجها وأمه لا تختلف عما هو سائد بين أهل هذه المنطقة. وهذه مجرد أمثلة عابرة تعبر عن مدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى استيعابهم لها.
وكان تعداد الأكراد اليهود حوالى 14.835 عام 1920، زاد إلى 19.767 عام 1947، وهم يعيشون فى 146 قرية. وبعد إعلان دولة إسرائيل، هاجر الأكراد اليهود جميعا إلى إسرائيل (19 ألفا من العراق وثمانية آلاف من إيران وثلاثة آلاف من تركيا).
يهود الصين )يهود كايفنج(
Chinese Jews (K'aifeng Jews)

(3/424)


«يهود الصين» جماعة يهودية كبيرة كانت تعيش فى مدينة كايفنج عاصمة مقاطعة هونان الواقعة على ضفاف النهر الأصفر، ولذا يقال لهم أيضا «يهود كايفنج». ويبدو أن تاريخهم يعود إلى القرنين التاسع والعاشر، حيث هاجرت مجموعة من يهود إيران وربما الهند. ويبدو أن الجماعة اليهودية كانت مهمة نوعا، فقد عين أباطرة أسرة تانج أحد أعضاء طبقة الماندرين (وهى الأرستقراطية الثقافية من الموظفين/ العلماء) مسئولا عنهم، فكان يزور معبدهم باسم الإمبراطور مرة كل عام، ويحرق البخور أمام المذبح. وكان المهاجرون اليهود (فى بداية الأمر) يتحدثون الفارسية، وكانوا متخصصين فى المنسوجات القطنية وصباغتها وطباعة الألوان عليها، وهى صباغة كانت متقدمة فى الهند. وكان سكان الصين يتزايدون فى تلك المرحلة، الأمر الذى أدى إلى نقص حاد فى المنسوجات الحريرية ونشوء حاجة إلى المنسوجات القطنية، وهو ما قد يفسر استقرار اليهود فى الصين فى ذلك الوقت. ومن الناحية الاجتماعية والطبقية، كان اليهود ينتمون إلى طبقة التجار والصناع التى تقع بين الفلاحين من جهة وطبقة الموظفين/العلماء من جهة أخرى. ومن ثم كان طموحها الاجتماعى، مثلها مثل الطبقات التى تقع فى الوسط، هو الاتصال بالطبقة العليا والابتعاد عن طبقة الفلاحين.
وقد تأسس أول معبد يهودى فى عام 1163، حيث كان يسمى معبد الطهر والحقيقة - وهو اسم ذو نكهة كونفوشيوسية. وكان يترأس الجماعة الحاخام وأحد الوجهاء الذين كانوا يحتفظون يكتب اليهود المقدسة المكتوبة بالعبرية ويقرؤون أسفار موسى الخمسة مرة كل عام.
وقد اندمج يهود كايفنج بالتدريج، وتزاوجوا مع الصينيين، خصوصا المسلمين. وفى مرحلة من المراحل، كان اليهود يصنفون بوصفهم مسلمين، حتى اختفى أثرهم تقريبا.

(3/425)


ويفسر اندماجهم، ثم أنصارهم فى نهاية الأمر، على أساس انعزالهم عن يهود العالم وعدم وصول مهاجرين يهود إليهم، وكذلك على أساس الزواج المختلط وعدم وجود معاداة لليهود فى هذا المجتمع. ولكن هذه الأسباب الجاهزة لا يمكنها أن تفسر الظاهرة، إذ أن السؤال يظل يطرح نفسه: لماذا تزايد الزواج المختلط؟ فهناك مجتمعات لا يوجد فيها عداء لليهود، ومع ذلك لم ينصهر اليهود فيها مثل الهند. ولتفسير هذه الظاهرة، لابد أن نعود إلى حركيات المجتمع الصينى. فمن المعروف أن الكونفوشيوسية، وهى العقيدة الرسمية للدولة الصين قبل الثورة، كانت لا تعارض التعددية الدينية ما دامت هذه التعددية لا تهدد النظام السياسى، فكان المطلوب من أعضاء أية جماعة دينية أن تعترف بعبادة الأسلاف والمكانة الدينية للإمبراطور. كما لم تكن توجد أفكار دينية أو قومية تؤدى إلى عزل الأقليات الدينية، ذلك أن مفهوم الأمة لم يكن مفهوما أساسيا فى الصين. فالإمبراطورية هى العالم، وهى تتكون من دوائر متداخلة وتزداد درجة الهمجية فيها كلما ابتعدنا عن المركز الصينى، وهكذا فإن اليهود (وكذلك المسلمين الذين كان اليهود يقرنون بهم) عاشوا فى هذا العالم دون تمييز قانونى أو اقتصادى أو اجتماعى. كما أن تركيب المجتمع الصينى (من الأسرة الممتدة، والعشيرة، والحكم من خلال السلطة المركزية) قد ساعد على هذا النمط، فهو يقلل الاحتكاك المباشر بين الأعضاء كما يقلل احتمالات الصراع، فيتم الاحتكاك بين الجماعات من خلال مؤسسات الدولة، وهو ما يساعد على تنظيم العلاقة وتقليل التوترات. وقد أدى كل هذا إلى اندماج اليهود تدريجيا وتمثلهم كثيرا من عناصر العبادة الكونفوشيوسية التى تشكل أساس التعامل بين الجماعات. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتبنون كثيرا من الطقوس البوذية والطاوية مع الطقوس اليهودية جنبا إلى جنب. والواقع أن قبول عناصر غير يهودية فى اليهودية أمر ليس بجديد على اليهودية، بسبب

(3/426)


تركيبها الجيولوجى، كما أنه جزء من التقاليد الصينية الدينية التى لا تمانع فى استيراد عناصر من الديانات الأخرى.
وكان من الممكن أن يظل الاندماج على هذا المستوى ولا ينصهر اليهود تماما لو أن الجماعة اليهودية ظلت تتعامل مع الجماعات الأخرى من خلال مؤسسات الدولة. فربما، لو حدث ذلك، كما حدث ليهود الهند، من خلال نظام الطائفة المغلفة. ولكن، ابتداء من القرن الرابع عشر، أعيد تنظيم طبقة العلماء/الموظفين (بشكل أكثر انفتاحا) من خلال نظام الامتحانات الإمبراطورى، ذلك النظام الذى أتاح أمام يهود كايفنج فرصا ضخمة للحراك الاجتماعى. فدخلت عناصر من قياداتهم الامتحانات ونجحت فيها وانضمت إلى البيروقراطية الحاكمة. وقد كان الانخراط فى هذه الوظائف يعد، فى نظر المجتمع الصينى، أكثر أهمية وقيمة من الأعمال التجارية، كما كان يعنى نقلة طبقية كبيرة وإعفاء من السخرة الجسدية، فالعمل كموظف بالحكومة كان يمنح الإنسان فى الصين السلطة والمكانة والثروة.
لكن هذا النجاح أفقد أعضاء الجماعة اليهودية البعد اليهودى فى هويتهم الصينية اليهودية، إذ أن العمل فى مثل هذه الوظائف كان يتطلب دراسة الكلاسيكيات الصينية والتفقه فيها، واستيعاب المثل الكونفوشيوسية واستبطانها تماما. فالانخراط فى سلك المثقفين الكونفوشيوسيين لم يكن مجرد عمل أكاديمى، وإنما كان أمرا يؤثر فى شخصية الإنسان نفسه وفى منظوره الفلسفى والدينى. لهذا، كان يتوقع من اليهودى الذى ينخرط فى سلك العلماء/الموظفين، أن يتصرف باعتباره كونفوشيوسيا داخل إطار الفكر الكونفوشيوسى، أى أن الانتماء إلى الوظيفة كان يتطلب تحولا جوهريا داخليا وخارجيا.

(3/427)


ورغم أن المؤسسة الدينية اليهودية فى الصين نظرت بعين الشك إلى طبقة العلماء/الموظفين من اليهود، فإن هؤلاء أصروا على أن الكونفوشيوسية واليهودية لا تعرض بينهما. وبالتدريج، تحولوا إلى النخبة القائدة فى الجماعة، وبدأت رؤيتهم الكونفوشيوسية تتسلل إليها ككل حتى امتزجت اليهودية بالكونفوشيوسية. والأمر الذى أسرع بهذا الاتجاه أن الانتماء إلى طبقة العلماء/الموظفين كان يعنى تناقص عدد أعضاء الجماعة، إذ أن هذا النظام يمنع تعيين الموظف فى محل ميلاده لمنع الوساطة والمحسوبية. ولذا كان على اليهودى الذى يعين عالما/موظفا أن يترك كايفنج، الأمر الذى كان يؤدى بالتالى إلى تناقص عدد الجماعة والعناصر القيادية.
وقد كانت طبقة العلماء/الموظفين طبقة متآزرة مع أن التعين فيها كان يتم عن طريق الامتحان الإمبراطورى. ولذلك، كان على اليهودى الذى ينضم إليها أن يصبح واعيا بمكانته الاجتماعية وبوضعه الطبقى وبانتمائه إلى الطبقة الجديدة، وهو ما جعل الزواج المختلط من داخل الطبقة مسألة شبه حتمية، خصوصا وأن العلماء/ الموظفين كانوا يعيشون بعيدا عن أسرهم وعشائرهم.
والواقع أن تحول القيادة، وكذلك تشتتها، هو الذى ساعد على تحويل اليهودية من الداخل. فبدأ اليهود بالإشارة إلى الخالق بالمصطلح الكونفوشيوسي، فكانوا يشيرون إليه بأنه "تاين"، أى "السماء"، أو "طاو"، أى "الطريق". ثم تعمق الأمر وبدأ اليهود يتبعون عبادة الدولة التى تتضمن تبجيل بل وتقديس كونفوشيوسى.

(3/428)


وتأثر اليهود كذلك بأهم مظاهر العبادة الكونفوشيوسية وهى عبادة الأسلاف. ومن ثم، نشأت إلى جوار المعبد اليهودى صالات الأسلاف التى كانت تضم الآباء العبرانيين وأولاد يعقوب الاثنى عشر وموسى وهارون ويوشع وعزرا وآخرين من مشاهير اليهود وتبنى اليهود كذلك طقوسا كونفوشيوسية للاحتفال ببلوغ سن التكليف الشرعى والزواج والموت والدفن. كما أنهم حاولوا أن يجدوا أساسا لأعيادهم وشعائرهم الدينية فى الكلاسيكيات الكونفوشيوسية لا فى الكتاب المقدس. وراح اليهود ينصرفون عن كثير من أهم شعائرهم التى كانت تحفظ لهم عزلتهم وهويتهم مثل أكل لحم الخنزير الذى كان يمتنعون عن أكله فى الأعياد. وكانوا، عند تقديم القرابين إلى أسلافهم، يقدمون لهم لحم الضأن. كما أن اليهود لم يترجموا قط كتبهم المقدسة من العبرية إلى الصينية. ولهذا كان كيان الجماعة مهددا دائما بالاختفاء فى حالة نسيان القيادة للعبرية، ويبدوا أن هذا هو ما حدث بالفعل عام 1723 إذ أن العبرية كانت قد نسيت فى ذلك التاريخ.
لكل هذا، تقوضت هوية الجماعة اليهودية من الداخل تماما.وحينما مات آخر حاخام فى القرن التاسع عشر، انتهى ما تبقى من اليهودية بحيث أصبح أعضاء الجماعة مع ستينيات القرن الماضى صينيين فى ملامحهم وردائهم وعاداتهم ودينهم. وفى عام 1900، قامت مجموعة من اليهود الإنجليز فى شانغهاى بتأسيس "جماعة إنقاذ يهود الصين" التى حاولت إحياء اليهودية فى كايفنج دون جدوى، حيث كانوا قد اندمجوا تماما وكان كل ما يعرفونه عن اليهودية هو أنهم يهود. ولا يزال هناك نحو مائتين وخمسين صينيا من سلالة يهود كايفنج ولكنهم منصهرون تماما. وشبه يهود كافينج، من بعض الوجوه، يهود الولايات المتحدة فى نجاحهم وانتمائهم إلى طبقة المهنيين، وفى استبطانهم القيم الأمريكية، وفى توزعهم الجغرافى، وتزايد معدلات الزواج المختلط بينهم وكذلك فى انتمائهم الكامل إلى مجتمعهم.
اليهود الزنوج
Negro Jews

(3/429)


»اليهود الزنوج» مصطلح يستخدم للإشارة إلى الزنوج السود الذين يؤمنون باليهودية جميعا. وبالتالى، فإن المصطلح يضم الفلاشاه والعبرانيين السود، وكذلك جماعات بشرية أخرى ذات هويات يهودية سديمية. وقد وجد أحد الباحثين فى ساحل لوانجو فى غرب أفريقيا جماعة تصنف باعتبارها يهودية ويسمى أعضاؤها أنفسهم "مافانبو" ويقيمون شعائر السبت. ومن المعروف أن ساحل لوانجو لا يبعد كثيرا عن جزيرة ساوتومى البرتغالية التى أحضر إليها الأطفال اليهود الذي تم تنصيرهم عنوه عام 1493 - ولعل هذا هو مصدر تسميتهم باليهود. وتوجد بالقرب من ساحل مدغشقر فرقة يهودية تسمى "زافي إبراهيم"، يدعى أفرادها أنهم يهود، ولكن ليس هناك أى شىء يميزهم عن بقية السكان.
وفى عام 1750، أسست مستوطنة بالقرب من سورينام (غينيا الهولندية) تضم أبناء اليهود الذين تزوجوا من العبيد الأفريقيين السود، وكانوا يتحدثون لهجة "الدجو تونجو" أى "لغة اليهود"، وهى خليط من البرتغالية والعبرية وبعض الكلمات المحلية.
العبرانيون السود
Black Hebews
»العبرانيون السود» فريق من الأمريكيين السود الذين يؤمنون باليهودية ويلتزمون بتطبيق الشريعة اليهودية بتشدد يفوق تشدد اليهود البيض. ويدعى العبرانيون السود الانتساب إلى قبائل يسرائيل العشر المفقودة، وأنهم هم وحدهم (وليس يهود الأرض المحتلة أو يهود العالم) سلالة اليهود القدامى الحقيقية. ويؤكد العبرانيون السود أن أنبياء اليهود من السود، وأن إسرائيل القديمة كانت أيضا دولة سوداء، وأن قناة السويس ما هى إلا ثغرة صنعها الإنسان الأبيض لفصل إسرائيل عن أفريقيا السوداء.

(3/430)


وانطلاقا من هذا، كتب شاليح بن يهودا، مساعد رئيس الجماعة، إلى رؤساء الدول الأفريقية يحثهم على المطالبة بحقوقهم فى إسرائيل والتى سرقها اليهود. ويطمع رئيس الجماعة، بن عمى كارتر، إلى أن يترأس الدولة الصهيونية. بل أنهم يقولون إن إسرائيل بأسرها ملك خاص لهم سرقها الإشكناز، أى اليهود البيض. وقد بدأ العبرانيون السود فى التوافد إلى إسرائيل ابتداء من أغسطس عام 1969 من شيكاغو، احتجاجا على أوضاع الزنوج هناك. ثم استمرت جماعات منهم فى الاستيطان حتى بلغ عددهم 1500 مهاجر (ويرتفع هذا العدد حسب التقديرات الأخرى إلى 3000).
ويتركز تجمع العبرانيون السود فى إسرائيل فى الأماكن التالية:
- ديمونة ويقيم فيها 1500.
- عراد حيث يقيم 400.
- متسبى رامون حيث يقيم 80.
وجميعها قرى فى النقب. كما تتوزع عشرات الأسر بين رعنانا وعدة مناطق أخرى فى النقب أيضا. والمنطقة التى يقيمون بها فى ديمونة معزولة ومحاطة بالأشجار والنباتات التى تفصلهم عن بقية المدينة.وفى البداية، سمحت السلطات الإسرائيلية لهؤلاء العبرانيين السود بالإقامة المؤقتة، إلا أنها سرعان ما حاولت التخلص منهم بدعوى أنهم مصدر للمشاكل ويمثلون عبئا اقتصاديا. وفى 8 ديسمبر 1971، وصلت إلى إسرائيل مجموعة مكونة من 48 شخصا ومنعت من الدخول ووجهت إلى الولايات المتحدة.

(3/431)


ولا يحمل العبرانيون السود أى بطاقة رسمية أو وثيقة تبين هويتهم، الأمر الذى يعد فى حد ذاته مخالفة للقانون الإسرائيلى.ويحمل معظمهم تأشيرة سائح لمدة ثلاثة أشهر لا تجدد بعد انتهائها.ويعتبر وضعهم فى الزواج غير منظم من الناحية القانونية. فالزواج والطلاق بالمعنى المألوف للكلمة لا وجود له بين أعضاء الجماعة، كما أنهم يمارسون تعدد الزوجات. وتتسبب كثافة العبرانيين السود المخيفة، وانحطاط مستواهم المعيشى، فى تفاقم وتوتر العلاقات بينهم وبين جيرانهم اليهود. وللعبرانيين السود نظام تعليمي مستقل، وهم لا يقومون بتسجيل حالات الولادة أو الوفاة لديهم، ويوفرون لأنفسهم كل الخدمات اللازمة حيث أقاموا مدارس وفصولا مستقلة وعيادات وورش خياطة.
وليس من المتوقع أن تجد مجموعة بشرية مثل العبرانيين السود كثيرا من الاستقرار فى مجتمع استيطانى عنصرى استبعادى، كما هو الحال فى إسرائيل. وبالفعل، ثار المستوطنون الصهاينة ضد توطين العبرانيين السود إلى جوارهم، وهدد أولياء الأمور بالإضراب احتجاجا على تسجيل أبنائهم فى مدارس ديمونة، كما هددوا سكان عراد بالقتل إذا باع أحدهم شقته لأى منهم، بل وشكلوا لجنة قومية تسمى " اللجنة الإسرائيلية لطرد الزنوج العبرانيين".
وقد أثارت وسائل الإعلام الإسرائيلية الشك حول يهودية الزنوج، كما أن المؤسسة الدينية أنكرت تماما انتمائهم إلى الدين اليهودى وهو ما دفعهم إلى التظاهر أمام مقر دار الحاخامية الرئيسية كى تعترف بصفتهم اليهودية. وتقدم قادتهم بشكوى إلى الأمم المتحدة اتهموا فبها حكام إسرائيل باستخدام أساليب الجستابو والقمع العنصرى.

(3/432)


وتسبب القضية الكثير من الحرج للكيان الصهيونى، بخاصة أمام الأمريكيين السود فى الولايات المتحدة. ولذا، تحاول المؤسسة الصهيونية تشويه صورتهم إعلاميا، فتشيع أن الجريمة تنتشر فى صفوفهم وأن ما لا يقل عن خمسة وعشرين من أعضاء هذه الجماعة مطلوب القبض عليهم من قبل البوليس الفيدرالى الأمريكى. كما تقول السلطات الصهيونية إن زعيم الجماعة هو الزعيم المطلق الذى يقوم بجمع الأموال والتصرف فيها.
ومن الطريف إن المستوطنين الصهاينة يخفقون فى التفرقة بين العبرانيين من جهة ويهود الفلاشاه من أثيوبيا من جهة أخرى. فهؤلاء جميعا "سودا" على العموم، وهو ما يدل على إن عملية التصنيف والإدراك داخل التجمع الصهيونى تتم على أساس عرقى بين اليهود أنفسهم، فالأبيض يوضع مقابل الأسود، والشرقى مقابل الغربى.
اليهود السود
Black Jews
»اليهود السود» هم العبرانيون السود، وإن كان الإسرائيليون يخلطون بينهم وبين الفلاشاه. انظر: »العبرانيون السود».
الفلاشاه: تاريخ وهوية
Falashas: History and Identity
«الفلاشاه» كلمة أمهرية تعنى «المنفيين»، كما أنها تعنى أيضا «غريب الأطوار». وأصل الكلمة يعود إلى الجذر «فلاشا» فى اللغة الجعزية، ويعنى «يهاجرا» أو «يهيم على وجهه». ويستخدم أهل إثيوبيا الكلمة للإشارة إلى جماعة إثنية أفريقية تدين بشكل من أشكال اليهودية، وهى لا تنتمى إلى أى من الكتل اليهودية الكبرى الثلاث: الأشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامى. كما يستخدمون كلمة "إيهود"، أى "يهود" أما الفلاشاه فيشيرون إلى أنفسهم بوصفهم "بيت إسرائيل".
وأصول الفلاشاه ليست سامية خالصة هى حامية أيضا، إن قبلنا هذا التمييز العرقى والحضارى، فهم ينتمون إلى مجموعة القبائل السامية من جنوب الجزيرة العربية. ويقال إن اليهودية انتشرت بينهم من خلال يهود الجزيرة العربية قبل الإسلام (ويقال إن عبد الله بن سبأ من أصل فلاشى).

(3/433)


وثمة رأى قائل بأن أصل الفلاشاه يعود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وربما وصلتهم اليهودية عن طريق مصر وربما جاءوهم أنفسهم من صعيد مصر. قد كانت توجد جماعة من الجنود المرتزقة اليهود على حدود مصر الجنوبية (فى جزيرة إلفنتاين) بالقرب من الشلال الأول فى أسوان. وثمة رأى آخر يذهب إلى أن أصلهم يرجع إلى جماعة من اليهود استوطنوا بشكل دائم. ويقال إن عدد الفلاشاه كان كبيرا قبل إن تعتنق أسرة إكسوم الحاكمة الديانة المسيحية فى القرن الرابع. ولكن، بعد هذا التحول إلى المسيحية، نشبت صراعات حادة وحروب عديدة بينهم وبين جيرانهم المسيحيين.
واشترك الفلاشاه فى التمرد الذى قامت به قبائل الأجاو ضد إكسوم فى القرن العاشر، حيث أسقطوا النجاشى وفتكوا بالرعايا المسيحيين وهدموا كنائسهم وأديرتهم. ولكن أسرة زاج، التى حلت محل أسرة إكسوم، كانت هى الأخرى مسيحية وحاولت تأكيد السلطة المسيحية.
وفى عام 1270، وتحت تأثير الكنيسة، اعتلى أحد أعضاء أسرة إكسوم القديمة العرش. وقرر ملوك الأسرة المالكة، بعد استعادة الحكم، إن يضعوا حدا لاستقلال الفلاشاه، خصوصا وأنهم كانوا يعتبرونهم عنصرا مشكوكا فى ولائه فى حروبهم مع الممالك الإسلامية المجاورة. ولذلك، قام ملوك إكسوم بتجريد مجموعة من الحملات ضدهم.

(3/434)


وأثناء حكم النجاشى لينادنجل (1508-1540)، غزا المسلمون إثيوبيا. وقد انضم الفلاشاه، فى بادئ الأمر، إلى المسلمين تحت زعامة ملكهم جدعون وملكتهم جوديث (يهوديت)، بل وتعقبوا النجاشى المهزوم الفار. ولكنهم انضموا بعد ذلك إلى الإثيوبيين، فألحق المسلمون الهزيمة بهم وبحلفائهم الإثيوبيين، ووقع ملك وملكة الفلاشاه فى الأسر. وقد ظل هذا الشد والجذب قائما حتى حكم النجاشى سوسينيوس (1607-1632) الذى ألحق بالفلاشاه هزيمة نكراء، بفضل تجهيز جيشه بالأسلحة النارية، وهدم قراهم ومعابدهم وصادر أرضيهم، فتحولوا إلى عاملين أجراء. وقد ظلوا على هذا الوضع حتى القرن التاسع عشر حين وصلت الإرساليات المسيحية البروتستانتية التى حققت نجاحا ملحوظا بين صفوفهم. وقد يفسر هذا النجاح التناقص الكبير فى أعدادهم إن صدقت الإحصاءات.
ولا يعرف عدد الفلاشاه على وجه الدقة، وإن كان قد قدر عددهم فى بداية القرن الثامن عشر بمائة ألف، بل إن أحد أعضاء الإرساليات قدره بربع المليون. ولكن، مع بداية القرن العشرين، وصل عددهم إلى خمسين ألفا على أحسن تقدير، وإلى سبعة آلاف حسب أسوئها. وحسب تقديرات عام 1976، وصل عددهم نحو 28 ألفا موجودين فى 490 قرية مختلفة.
ويتركز الفلاشاه أساسا فى شمال إثيوبيا فى المنطقة الواقعة بين نهر نازى فى الشمال والشرق، وبحيرة تانا والنيل الأزرق فى الجنوب، والحدود السودانية فى الغرب. وهم يعيشون فى قرى صغيرة مقصورة عليهم تضم كل قرية نحو خمسين أو ستين عائلة وتوجد أهم القرى بجوار مدينة جوندار. كما يوجد داخل جوندار نفسها جماعة صغيرة من الفلاشاه تعيش فى حى مقصور عليها. وتوجد قرى الفلاشاه عادة على قمة أحد التلال القريبة من النهر. وتتكون كل قرية من مجموعة من الأكواخ المستديرة يغطيها القش، ويخصص أحد الأكواخ معبدا لهم، كما يخصص كوخان آخران بعيدان عن القرية لعزل النساء وقت الطمث وبعد الإنجاب.

(3/435)


ولا تختلف ملامح الفلاشاه كثيرا عن ملامح غيرهم من الإثيوبيين، كما لا يمكن الحديث عن نمط فلاشى متميز إذا اختلطت فيهم الدماء الحامية والسامية. ولذا، لا توجد اختلافات فى لون الجلد وملامح الوجه. ولا يختلف أسلوب حياتهم، من معظم الوجوه، عن أسلوب حياة جيرانهم، كما أنهم يرتدون نمط الثياب نفسه ويأتزرون بالعباءة المسماة "الشامة". وهم يعملون أساسا بالزراعة كعمال أجراء، كما يعملون فى بعض الحرف الأخرى مثل صناعة الفخار والعزل والنسيج وصنع السلاسل، كما يعملون حدادين وصاغه وحائكى ملابس، ويعمل كثير منهم الآن بحرفة البناء فى المدن.
ولم تكن طريقة توزيع الأراضى فى إثيوبيا تسمح للفلاشاه باقتناء الممتلكات، لأنهم لم يكونوا من موظفى الدولة. فالحال هناك كانت أشبه بأوربا الإقطاعية حيث كانت الخدمة العسكرية الإلزامية للدولة أو الكنيسة شرطا للتملك. وإذا كان بعض الفلاشاه، وخصوصا أولئك الذين سكنوا أقصى الغرب، يملكون الأرض، فإنهم فى المناطق الأخرى كانوا يعملون حرفيين. أما ممارستهم الزراعة، فقد اقتصرت على زراعة الأرض لأصحابها المسيحيين. ولم ينطبق حظر التملك على الفلاشاه هو حسب، وإنما على مجمل الحرفيين بصرف النظر عن طوائفهم.
ويتحدث معظم الفلاشاه الأمهرية. وثمة أقلية منهم تعيش فى تيجري وفى إريتريا وتتحدث اللغة التيجرينية. وهناك أقلية أخرى فى الجزء الشمالى تتحدث لهجات قبائل الأجاو. أما أدبهم، فكله مكتوب باللغة الجعزية أو الإثيوبية (لغة إثيوبيا الكلاسيكية) وهى أيضا لغة الكنيسة القبطية الإثيوبية.
ولكن ثمة نصوصا تدل على إن الفلاشاه كانوا يتحدثون ويتعاملون بلغة قبائل الأجاو، ولا تزال توجد بينهم بعض الصلوات بهذه اللغة. والفلاشاه يجهلون العبرية تماما، فمعرفتهم بها مقصورة على بضع كلمات لا يدركون هم أنفسهم أنها من هذه اللغة.

(3/436)


ويضم أدب الفلاشاه المكتوب بالجعزية عدة كتب موجودة على هيئة مخطوطات. ومن الطريف إن بعض هذه الكتب متداول بين اليهود والمسيحيين فى آن واحد. بل إن بعض اليهودية تضم أشعارا من العهد الجديد (أهم الكتب المقدسة لدى المسيحيين).
وفلكلور الفلاشاه، كما هو الحال فى أفريقيا، ثري للغاية، فلهم أغان ورقصات عديدة. كما إن لهم تاريخهم الأسطورى، فهم يعودون بأصولهم إلى منليك، ابن الملك سليمان، الذى عاد إلى أمة بلقيس ليعتلى عرش إثيوبيا. ولما كان الإثيوبيون المسيحيون يؤمنون بالأصول الأسطورية نفسها، فإننا نجد أن الفلاشاه قد أضافوا إلى القصة ما يفسر انفصالهم، إذ يقولون أن ملكة سبأ سافرت إلى القدس واعتنقت اليهودية بتأثير ملكها سليمان وأنجبت منه منليك الذى عاد يوما لزيارة أبيه فأكرم وفادته وأمر بعض رجال حاشيته وبلاطه الملكى بمرافقة الأمير عند عودته. وقد سرق منليك سفينة العهد وعبر نهرا يوم السبت الذى يحرم فيه السفر والسير لمسافات طويلة. وقد تبعه بعض الخاطئين (مسيحيو إثيوبيا)، أما الأتقياء الذين امتنعوا عن عبور النهر فهم يهودها، أى الفلاشاه.
ويمارس الفلاشاه عادة الزرار لطرد الأرواح. ويقال إن هذه العادة بدأت فى إثيوبيا وانتشرت منها إلى بعض بلاد الشرق الأوسط. كما أنهم يقومون بصنع الاحجبة والتعاويذ اتقاء للعيون الشريرة. وبسبب اشتغالهم حدادين يعتبرهم أهل القرى من السحرة.

(3/437)


ويمكننا هنا إن نثير قضية ما إذا كان يهود الفلاشاه يشكلون جماعة وظيفية أم لا. الواقع إن أعضاء الجماعات اليهودية فى الغرب قد اضطلعوا بوظيفة الجماعة الوظيفية الوسيطة وعملوا بالتجارة والصيرفة فى أماكن متفرقة من أوربا، أما يهود إثيوبيا فكانوا يعملون بالزراعة، ولم يشتغلوا بالتجارة والصيرفة، كما أنهم كانوا أعضاء فى مجتمع قبلي مبنى على الاقتصاد الطبيعى، لا يوجد فيه نقد ولا قطاع تجارى أو مالى يذكر. فالفلاشاه لم يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية المالية والوسيطة ولكنهم مع هذا أصبحوا جماعة وظيفية تشتغل ببعض الحرف التى يعتبرها المجتمع إما وضيعة أو هامشية أو مشبوهة، أو فى غاية الأهمية، أو تتطلب خبرة معينة لابد من توارثها مثل الحدادة. ومن هنا كان اتهامهم بالسحر، وهى تهمة كانت توجه إلى المرابى اليهودى فى أوربا، وتوجه عادة إلى الشخصيات الهامشية فى المجتمع. لكن الهامشية لا تعنى بالضرورة عدم الأهمية، فالهامشية قد تنتج من التفرد والتميز.
وحتى الآن، لم نطلق على الفلاشاه صفة "يهود". وأرجأنا ذلك إلى إن نستغرق عقيدتهم الدينية. وتعرف الفلاشاه فى الموسوعة اليهودية يلقى كثيرا من ظلال الشك على انتمائهم الدينى، إذ جاء فيه ما يلى: "الفلاشاه جماعة إثنية فى إثيوبيا تزعم أنها من أصل يهودى، ومرتبطة بنوع من أنواع الديانة اليهودية يستند إلى العهد القديم والكتب الخارجية (أبو كريفا)، أى الكتب غير المعتمدة والكتب الدينية الأخرى التى ظهرت بعد الانتهاء من تدوين العهد القديم".
والواضح إن التعريف يرى أنهم من أصول اثنيه ليست بالضرورة يهودية، وأنهم ليسوا يهودا وإن كانوا "يزعمون" أنهم من أصول يهودية. كما أن ما يعرفونه عن اليهودية يختلف عن اليهودية التى يتبعها معظم يهود العالم والسائدة فى الدولة الصهيونية. ففى أى شئ تختلف يهودية الفلاشاه عن اليهودية الحاخامية؟

(3/438)


تستند عبادة الفلاشاه إلى العهد القديم الذى لا يعرفونه إلا باللغة الجعزية لغة الكنيسة الإثيوبية. ويضم العهد القديم الذى يعرفونه كل الكتب المعتمدة وبعض كتب الأبوكريفا غير المعتمدة مثل: كتاب يهوديت، وحكمة سليمان، وحكمة بن صيرا، وكتاب المكابيين الأول والثانى، وكتاب باروخ. ولم يصل التلمود إلى الفلاشاه. وغنى عن الذكر أن التلمود هو عمود اليهودية الحاخامية الفقرى وعصبها، وعدم الاعتراف به ينطوى على عدم اعتراف بها.
والعناصر اللاهوتية والحضارية المشتركة بين المسيحيين واليهود فى إثيوبيا كبيرة. وقد أشرنا إلى إن بعض الكتب الدينية متداولة بين الفريقين معا، وإلى إن الجعزية هى لغة العبادة بين اليهود والمسيحيين هناك، كما أن أسطورة الأصيل مشتركة مع تنويعات خفيفة. ويمكن أن نضيف هنا أن الفلاشاه ليس لديهم حاخامات وإنما قساوسة يطلق على واحدهم لفظة "قس". كما أنهم ينتسبون، مثل الكهنة القدامى فى يهودية ما قبل التهجير، إلى هارون. وينتخب الكهنة فى كل منطقة كاهنا أعظم لهم لكى يصبح زعيما دينيا للجماعة، ويصبح من صلاحياته ترسيم الكهنة.
ويقدم الكهنة القرابين فى المناسبات الدينية المختلفة. ويعيش بعض هؤلاء الكهنة فى الأديرة رهبانا وراهبات على النمط المسيحى، ويطلق عليهم لقب "ناذير" وهى لفظة عبرية تعنى "الذى نذر نفسه للشعائر الدينية وانقطع لها". كما أن البعض الآخر يعيش على طريقة النساك فى الغابات والصحارى وعلى حواف القرى. ومن الطريف أن عادة الاعتراف المسيحية موجودة عند الفلاشاه فهم يدلون باعترافاتهم إلى الكاهن من آونة إلى أخرى وعند نهاية اليوم. وإلى جانب الرهبان والكهنة، يوجد علماء يستخدمون صحن المعبد لتعليم الدين.

(3/439)


ويقيم الفلاشاه شعائر يوم السبت بصرامة غير عادية، فيمتنعون عن الجماع الجنسى فى ذلك اليوم، ويقضى الرجال يومهم فى الصلاة. لكن التحريمات الخاصة به مختلفة من بعض الوجوه عن تحريمات اليهود الأرثوذكس. فهم مثلا لا يعتبرون استخدام النور الكهربائى من المحرمات. كما أنهم يحتفلون بعدد من الأعياد أكبر من المنصوص عليه فى الشريعة اليهودية، فعندهم أعياد شهرية لتذكرهم بالأعياد السنوية. وفى العاشر من كل شهر قمرى، يوجد احتفال يذكرهم بعيد يوم الغفران. وفى اليوم الخامس عشر من كل شهر، يحتفلون بذكرى عيد الفصح وعيد المظال. ويعد ثالث سبت فى خامس شهر قمرى هو سبت الأسبات يتلون فيه الصلوات والأدعية. وفى الثامن عشر من الشهر السادس القمرى يحيون ذكرى وفاة إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهم لا يحتفلون بعيد التدشين أو عيد النصيب فلم يرد لهما ذكر فى التوراة.
وإلى جانب هذه الأعياد والاحتفالات توجد أيام صيام أسبوعية وشهرية وسنوية، فيصومون يوم الخميس إحياء لذكرى طلب عزرا من المنفيين أن يصوموا. ويصومون كذلك فى الفترة 1- 17آب (أغسطس) إحياء لذكرى سقوط القدس (ولا يصوم اليهود الحاخاميون إلا فى يوم التاسع من الشهر نفسه لإحياء هذه الذكرى) ويصومون فى العاشر من أيلول (سبتمبر) تذكرة بيوم الغفران. وهم يحافظون على شعائر الزواج والختان اليهودية، ولكنهم يختنون البنات على عادة بعض الشعوب الأفريقية. ويحافظون كذلك على التحريمات الخاصة بالطعام، ولكنهم لا يستعملون أوانى منفصلة للمأكولات من الحليب واللحم على غرار الجماعات اليهودية الأخرى.

(3/440)


ويختن المسيحيون الإثيوبيون (هم الآخرون) أولادهم الذكور، ويمتنعون عن تناول المأكولات المحرمة عند اليهود. كما أنهم، ولفترة طويلة، كانوا يتخذون السبت يوم راحة لهم بدلا من الأحد. ومن الجوانب اليهودية الأخرى فى المسيحية الإثيوبية، التشديد على أهمية العهد القديم فى الكتاب المقدس. وكذلك يلاحظ وجود الرموز المتعلقة بسفينة العهد فى الكثير من الكنائس المسيحية الإثيوبية.
واشتهر الفلاشاه أيضا بمغالاتهم فى التطهر، ولذا فهم يمتنعون قدر الإمكان عن لمس الغرباء. وإذا حدث إن لمس أحدهم غريبا، فإن عليه أن يتطهر (ولذلك توجد قراهم على مقربة من الأنهار حتى يمكنهم التطهر دائما). ومن هنا، فإن الفلاشاه الذين يعيشون فى جوندار، ويفرض عليهم أسلوب حياتهم الاحتكاك الدائم بالأجانب والغرباء، يعدون "غير طاهرين" فى نظر بقية الفلاشاه.
وتتبدى مغالاة الفلاشاه فى قوانين الطهارة فى تعاملهم مع النساء. فبعد إن تلد المرأة ولدا، فإنها تعد غير طاهرة مدة أربعين يوما. وإن وضعت بنتا، فإن المدة تتضاعف. وبعد نهاية المدة، تحلق المرأة شعر رأسها وتغطس فى الماء وتغسل ملابسها قبل أن تعود إلى منزلها. وأحيانا يحرق الكوخ الذى قضت فيه فترة العزل.

(3/441)


والمعبد هو مركز الحياة الدينية بين الفلاشاه، والذى تطلق عليه كلمة "مسجد" أو "بيت إجزا بهير" أو "بيت الإله". وهو يتكون من حجرتين، يطلق على الحجرة الداخلية أسم "قدستا قدوسان"، أى "قدس الأقداس"، تماما كما فى هيكل سليمان القديم، ولا يدخله إلا الكاهن والشماس. ويحفظ فى هذه الحجرة التوراة وملابس الكاهن الشعائرية. ولا يسمح للنساء، إلا غير المتزوجات والعجائز، بدخول المسجد. وتقام سبع صلوات فى اليوم الواحد، وإن كان معظم الفلاشاه يكتفون بإقامة صلاتين: واحدة فى الصباح والأخرى فى الليل. ويستخدم الفلاشاه اللغة الجعزية فى الصلاة، ويقضون معظم يوم السبت وأيام الأعياد فى الصلاة داخل المسجد، ويقفون لتناول الطعام فى مأدبة جماعية. كما أنهم يغنون ويرقصون فى الأعياد.
ويؤمن الفلاشاه بإله واحد ويؤمنون بالبعث والعالم الآخر والثواب والعقاب، كما يؤمنون بعقائد اليهود الأخرى كإيمانهم بأنهم من الشعب المختار وأنه سيظهر بينهم ماشيح. وقد حدث عام 1862، أثناء حكم الإمبراطور تيودور الثانى، أن ظهر ماشيح دجال أقنع الفلاشاه بالعودة إلى أرض الميعاد سيرا على الأقدام، ولكن معظمهم مات فى الطريق.
ويبدو إن بعض الفلاشاه ممن تقع قراهم على مقربة من قرى المسلمين قد استوعبوا أيضا عناصر إسلامية فى عقيدتهم، وربما كان بينهم مسلمون بالفعل. إذ ذكرت الصحف الإسرائيلية أن بعضهم قد اعتنق الإسلام فى إسرائيل. كما أوردت أن بعضهم، أثناء زيارة حائط المبكى، سمع صوت الأذان فاتجه إلى المسجد لإقامة الصلاة. كما ذكرت إحدى الصحف الإسرائيلية إن بعضهم أقام الصلاة على طريقة المسلمين فى المطار فور وصوله إلى إسرائيل وقد وصفتهم الصحيفة بأنهم "فلاشاه سنيون".

(3/442)


وقد احتفظ الفلاشاه بهويتهم المتميزة، وهى هوية إثنية أفريقية استمدوها من بيئتهم ومن طبيعة التشكيل الحضارى الأفريقى. ويرى بعض المتخصصين فى مجتمع الفلاشاه أنهم من قبيلة الأجاو، وأنهم عرق إثيوبي صاف. أما تقاليدهم وعاداتهم فتشمل خليطا من المعتقدات والطقوس الوثنية واليهودية والمسيحية وربما الإسلامية. وقد نفى أحد المؤرخين صفة اليهودية عنهم ووصفهم بأنهم مسيحيون تمسكوا لسبب أو آخر بالعهد القديم بدلا من العهد الجديد. وهو يرى إن علاقات الفلاشاه الحضارية والعرقية مع جيرانهم المسيحيين الإثيوبيين، تتخطى تلك التى يشاركون بها يهود العالم. وقد تكون هذه الطبيعة المختلطة لهوية الفلاشاه هى ما حدا بأحد المسئولين فى الوكالة اليهودية فى أوائل الخمسينيات إلى أن ينصح الذين فكروا منهم فى الهجرة إلى إسرائيل بالتنصر وحل مشكلتهم بهذه الطريقة بدلا من الهجرة إلى إسرائيل.
ومع هذا، تم تهجيرهم باسم الهوية اليهودية العالمية. ومن الواضح أنهم سيفقدون فى إسرائيل هويتهم الأفريقية هذه ولن يكتسبوا هوية جديدة، لأن المجتمع ينظر إليهم بعين الشك بسبب لون جلدهم وتوجههم الثقافى بل ومعتقداتهم الدينية. وقد شككت دار الحاخامية فى يهوديتهم.
تهجير الفلاشاه
Transfer of the Falashas

(3/443)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية