صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
المحقق :د. محمد رشاد سالم
الناشر :مؤسسة قرطبة
الطبعة :الطبعة الأولى ، 1406
عدد الأجزاء :8
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
أدخله على الموسوعة و فهرسه أخوكم خالد لكحل-عفا الله عنه- عضو في ملتقى أهل الحديث

والقرآن يدل والله اعلم على أنهم يدعون إلى قوم موصوفين بأحد الأمرين إما مقاتلتهم لهم وإما إسلامهم لا بد من أحدهما وهم أولو بأس شديد وهذا بخلاف من دعوا إليه عام الحديبية فإنهم لم يوجد منهم لا هذا ولا هذا ولا أسلموا بل صالحهم الرسول بلا إسلام ولا قتال فبين القرآن الفرق بين من دعوا إليه عام الحديبية وبين من يدعون إليه بعد ذلك
ثم إذا فرض عليهم الإجابة والطاعة إذا دعوا إلى قوم أولي بأس شديد فلأن يجب عليهم الطاعة إذا دعوا إلى من ليس بذي بأس شديد بطريق الأولى والأحرى فتكون الطاعة واجبة عليهم في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وهوازن وثقيف
ثم لما دعاهم بعد هؤلاء إلى بني الأصفر كانوا أولي بأس شديد والقرآن وقد وكد الأمر في عام تبوك وذم المتخلفين عن الجهاد ذما عظيما كما تدل عليه سورة براءة وهؤلاء وجد فيهم أحد الأمرين القتال أو الإسلام وهو سبحانه لم يقل تقاتلونهم أو يسلمون سورة

الفتح 16 إلى أن يسلموا ولا قال قاتلوهم حتى يسلموا بل وصفهم بأنهم يقاتلون أو يسلمون ثم إذا قوتلوا فإنهم يقاتلون كما أمر الله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
فليس في قوله تقاتلونهم ما يمنع أن يكون القتال إلى الإسلام وأداء الجزية لكن يقال قوله ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد سورة الفتح 16 كلام حذف فاعله فلم يعين الفاعل الداعي لهم إلى القتال فدل القرآن على وجوب الطاعة لكل من دعاهم إلى قتال قوم أولي بأس شديد يقاتلونهم أو يسلمون
ولا ريب أن أبا بكر دعاهم إلى قتال المرتدين ثم قتال فارس والروم وكذلك عمر دعاهم إلىقتال فارس والروم وعثمان دعاهم إلى قتال البربر ونحوهم والآية تناول هذا الدعاء كله

(8/271)


أما تخصيصها بمن دعاهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله طائفة من المحتجين بها على خلافة أبي بكر فخطأ بل إذا قيل تتناول هذا وهذا كان هذ مما يسوغ ويمكن أن يراد بالآية ويستدل عليه بها ولهذا وجب قتال الكفار مع كل أمير دعا إلى قتالهم وهذا أظهر الأقوال في الآية وهو أن المراد تدعون إلى قتال أولي بأس شديد أعظم من العرب لا بد فيهم من أحد أمرين إما أن يسلموا وإما أن يقاتلوا بخلاف من دعوا إليه عام الحديبية فإن بأسهم لم يكن شديدا مثل هؤلاء ودعوا إليهم ففي ذلك لم يسلموا ولم يقاتلوا

وكذلك عام الفتح في أول الأمر لم يسلموا ولم يقاتلوا لكن بعد ذلك أسلموا
وهؤلاء هم الروم والفرس ونحوهم فإنه لا بد من قتالهم إذا لم يسلموا وأول الدعوة إلى قتال هؤلاء عام مؤتة وتبوك وعام تبوك لم يقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلموا لكن في زمن الصديق والفاروق كان لا بد من أحد الأمرين إما الإسلام وإما القتال وبعد القتال أدوا الجزية لم يصالحوا ابتداء كما صالح المشركون عام الحديبية فتكون دعوة أبي بكر وعمر إلى قتال هؤلاء داخلة في الآية وهو المطلوب
والآية تدل على أن قتال علي لم تتناوله الآية فإن الذين قاتلهم لم يكونوا أولي بأس شديد أعظم من بأس أصحابه بل كانوا من جنسهم وأصحابه كانوا أشد بأسا
وأيضا فهم لم يكونوا يقاتلون أو يسلمون فإنهم كانوا مسلمين
وما ذكره في الحديث من قوله حربك حربي لم يذكر له إسنادا فلا يقوم به حجة فكيف وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث
ومما يوضح الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول براءة وآية الجزية كان الكفار من المشركين وأهل الكتاب تارة يقاتلهم وتارة يعاهدهم فلا يقاتلهم ولا يسلمون فلما أنزل الله براءة وأمره فيها بنبذ

(8/272)


العهد إلى الكفار وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون صار حينئذ مأمورا بأن يدعو الناس إلى قتال من لا بد من قتالهم أو إسلامهم وإذا قاتلهم قاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لم يكن له حينئذ أن يعاهدهم بلا جزية كما كان يعاهد الكفار من المشركين وأهل الكتاب كما عاهد أهل مكة عام الحديبية وفيها دعا الأعراب إلى قتالهم وأنزل فيها سورة الفتح وكذلك دعا المسلمين وقال فيها قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون سورة الفتح 16 بخلاف هؤلاء الذين دعاهم إليهم عام الحديبية
والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الذين يدعون إلى قتالهم في المستقبل أولوا بأس شديد بخلاف أهل مكة وغيرهم من العرب
والثاني أنكم تقاتلونهم أو يسلمون ليس لكم أن تصالحوهم ولا تعاهدوهم بدون أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون كما قاتل أهل مكة وغيرهم والقتال إلى أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
وهذا يبين أن هؤلاء أولي البأس لم يكونوا ممن يعاهدون بلا جزية فإنهم يقاتلون أو يسلمون ومن يعاهد بلا جزية له حال ثالث لا يقاتل فيها ولا يسلم وليسوا أيضا من جنس العرب الذين قوتلوا قبل ذلك

فتبين أن الوصف لا يتناول الذين قاتلهم بحنين وغيرهم فإن هؤلاء بأسهم من جنس بأس أمثالهم من العرب الذين قوتلوا قبل ذلك
فتبين أن الوصف يتناول فارس والروم الذين أمر الله بقتالهم أو يسلمون وإذا قوتلوا قبل ذلك فإنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون

(8/273)


وإذا قيل إنه دخل ذلك في قتال المرتدين لأنهم يقاتلون أو يسلمون كان أوجه من أن يقال المراد قتال أهل مكة وأهل حنين الذين قوتلوا في حال كان يجوز فيها مهادنة الكفار فلا يسلمون ولا يقاتلون والنبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وحنين كان بينه وبين كثير من الكفار عهود بلا جزية فأمضاها لهم ولكن لما أنزل الله براءة بعد ذلك عام تسع سنة غزوة تبوك بعث أبا بكر بعد تبوك أميرا على الموسم فأمره أن ينادي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وأن من كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته وأردفه بعلى يأمره بنبذ العهود المطلقة وتأجيل من لا عهد له أربعة أشهر كان آخرها شهر ربيع سنة عشر
وهذه الحرم المذكورة في قوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية سورة التوبة 5 ليس المراد الحرم

المذكورة في قوله منها أربعة حرم سورة التوبة 36 ومن قال ذلك فقد غلط غلطا معروفا عند أهل العلم كما هو مبسوط في موضعه
ولما أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من المجوس واتفق المسلمون على أخذها من أهل الكتاب والمجوس
وتنازع العلماء في سائر الكفار على ثلاثة أقوال فقيل جميعهم يقاتلون بعد ذلك حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إذا لم يسلموا وهذا قول مالك
وقيل يستثنى من ذلك مشركون العرب وهو قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه
وقيل ذلك مخصوص بأهل الكتاب ومن له شبهة كتاب وهو قول الشافعي وأحمد في رواية أخرى عنه
والقول الأول والثاني متفقان في المعنى فإن آية الجزية لم تنزل إلا بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من قتال مشركي العرب فإن آخر غزواته للعرب كانت غزوة الطائف وكانت بعد حنين وحنين بعد فتح مكة وكل ذلك سنة ثمان وفي السنة التاسعة غزا النصارى عام تبوك وفيها نزلت سورة براءة وفيها أمر بالقتال حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون

(8/274)


وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على جيش أو سرية أمره أن يقاتلهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون كما رواه مسلم

في صحيحه وصالح النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران على الجزية وهم أول من أدى الجزية وفيهم أنزل الله صدر سورة آل عمران ولما كانت سنة تسع نفى المشركون عن الحرم ونبذ العهود إليهم وأمره الله تعالى أن يقاتلهم وأسلم المشركون من العرب كلهم فلم يبق مشرك معاهد لا بجزية ولا بغيرها وقبل ذلك كان يعاهدهم بلا جزية فعدم أخذ الجزية منهم هل كان لأنه لم يبق فيهم من يقاتل حتى يعطوا الجزية بل أسلموا كلهما لما رأوا من حسن الإسلام وظهوره وقبح ما كانوا عليه من الشرك وأنفتهم من أن يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون
أو لأن الجزية لا يجوز أخذها منهم بل يجب قتالهم إلى الإسلام فعلى الأول تؤخذ من سائر الكفار كما قاله أكثر الفقهاء وهؤلاء يقولون لما أمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم

صاغرون ونهى عن معاهدتهم بل جزية كما كان الأمر أولا وكان هذا تبيها على أن من هو دونهم من المشركين أولى أن لا يهادن بغير جزية بل يقاتل حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب وصالح أهل البحرين على الجزية وفيهم مجوس واتفق على ذلك خلفاؤه وسائر علماء المسلمين وكان الأمر في أول الإسلام أنه يقاتل الكفار ويهادنهم بلا جزية كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله قبل نزوله براءة فلما نزلت براءة أمره فيها بنبذ هذه العهود المطلقة وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية فغيرهم أولى أن يقاتلوا ولا يعاهدوا
وقوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصرووهم واقعدوا لهم كل مرصد وقال

فإن تابوا سورة التوبة 5 ولم يقل قاتلوهم حتى يتوبوا

(8/275)


وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله حق فإن من قال لا إله إلا الله لم يقاتل بحال ومن لم يقلها قوتل حتى يعطى الجزية وهذا القول هو المنصوص صريحا عن أحمد والقول الآخر الذي قاله الشافعي ذكره الخرقي في مختصره ووافقه عليه طائفة من أصحاب أحمد
ومما يبين ذلك أن آية براءة لفظها يخص النصارى وقد اتفق المسلمون على أن حكمها يتناول اليهود والمجوس
والمقصود أنه لم يكن الأمر في أول الإسلام منحصرا بين أن يقاتلهم المسلمون وبين إسلامهم إذا كان هنا قسم ثالث وهو معاهدتهم فلما نزلت آية الجزية لم يكن بد من القتال أو الإسلام والقتال إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية فصار هؤلاء إما مقاتلين وإما مسلمين ولم يقل تقاتلونهم أو يسلمون ولو كان كذلك لوجب قتالهم إلى أن يسلموا

وليس الأمر كذلك بل إذا أدوا الجزية لم يقاتلوا ولكنهم مقاتلين أو مسلمين فإنهم لا يؤدون الجزية بغير القتال لأنهم أولو بأس شديد ولا يجوز مهادنتهم بغير جزية
ومعلوم أن أبا بكر وعمر بل وعثمان في خلافتهم قوتل هؤلاء وضربت الجزية على أهل الشام والعراق والمغرب فأعظم قتال هؤلاء القوم وأشده وكان في خلافة هؤلاء
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتلهم في غزوة تبوك وفي غزوة مؤته استظهروا على المسلمين وقتل زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة وأخذ الراية خالد وغايتهم أن نجوا
والله أخبر أننا نقاتلهم أو يسلمون فهذه صفة الخلفاء الراشدين الثلاثة فيمتنع أن تكون الآية مختصة بغزوة مؤتة ولا يدخل فيها قتال المسلمين في فتوح الشام والعراق والمغرب ومصر وخراسان وهي الغزوات التي أظهر الله فيها الإسلام وظهر الهدى ودين الحق في مشارق الأرض ومغاربها
لكن قد يقال مذهب أهل السنة أن يغزى مع كل أمير دعا برا كان أو فاجرا فهذه الآية تدل على وجوب الجهاد مع كل أمير دعا الناس إليه لأنه ليس فيها ما يدل على أن الداعي إمام عدل

(8/276)


فيقال هذا ينفع أهل السنة فإن الرافضة لا ترى الجهاد إلا مع إمام معصوم ولا معصوم عندهم من الصحابة إلا علي فهذه الآية

حجة عليهم في وجوب غزو الكفار مع جميع الأمراء وإذا ثبت هذا فأبو بكر وعمر وعثمان أفضل من غزا الكفار من هؤلاء الأمراء بعد النبي صلى الله عليه وسلم
ثم من المحال أن يكون كل من أمر الله المسلمين أن يجاهدوا معه الكفار بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا ظالما فاجرا معتديا لا تجب طاعته في شيء من الأشياء فإن هذا خلاف القرآن حيث وعد على طاعته بأن يؤتى أجرا حسنا ووعد على التولي عن طاعته بالعذاب الأليم
وقد يستدل بالآية على عدل الخلفاء لأنه وعد بالأجر الحسن على مجرد الطاعة إذا دعوا إلى القتال وجعل المتولى عن ذلك كما تولى من قبل معذبا عذابا أليما
ومعلوم أن الأمير الغازي إذا كان فاجرا لا تجب طاعته في القتال مطلقا بل فيما أمر الله به ورسوله والمتولى عن طاعته لا يتولى كما تولى عن طاعة الرسول بخلاف المتولى عن طاعة الخلفاء الراشدين فإنه قد يقال إنه تولى كما تولى من قبل إذا كان أمر الخلفاء الراشدين مطابقا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي الجملة فهذا الموضع في الاستدلال به نظر ودقة ولا حاجة بنا إليه ففي غيره ما يغني عنه

وأما قول الرافضي إن الداعي جاز أن يكون عليا دون من قبله من الخلفاء لما قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين يعني أهل الجمل وصفين والحرورية والخوارج
فيقال له هذا باطل قطعا من وجوه
أحدها أن هؤلاء لم يكونوا أشد بأسا من بني جنسهم بل معلوم أن الذين قاتلوه يوم الجمل كانوا أقل من عسكره وجيشه كانوا أكثر منهم وكذلك الخوارج كان جيشه أضعافهم وكذلك أهل صفين كان جيشه أكثر منهم وكانوا من جنسهم فلم يكن في وصفهم بأنهم أولو بأس شديد ما يوجب امتيازهم عن غيرهم

(8/277)


ومعلوم أن بني حنيفة وفارس والروم كانوا في القتال أشد بأسا من هؤلاء بكثير ولم يحصل في أصحاب علي من الخوارج من استحرار القتل ما حصل في جيش الصديق الذين قاتلوا أصحاب مسيلمة وأما فارس والروم فلا يشك عاقل أن قتالهم كان أشد من قتال المسلمين العرب بعضهم بعضا وإن كان قتال العرب للكفار في أول الإسلام كان افضل وأعظم فذاك لقلة المؤمنين وضعفهم في أول الأمر لا أن عدوهم

كان أشد الناس بأسا من فارس والروم
ولهذا قال تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة سورة آل عمران 123 فإن هؤلاء تجمعهم دعوة الإسلام والجنس فليس في بعضهم لبعض من البأس ما كان في فارس والروم والنصارى والمجوس للعرب المسلمين الذين لم يكونوا يعدونهم إلا من أضعف جيرانهم ورعاياهم وكانوا يحتقرون أمرهم غاية الاحتقار ولولا أن الله أيد المؤمنين بما أيد به رسوله والمؤمنين على سنته الجميلة معهم لما كانوا ممن يثبت معهم في القتال ويفتح البلاد وهم أكثر منهم عددا وأعظم قوة وسلاحا لكن قلوب المؤمنين أقوى بقوة الإيمان التي خصم الله بها
الوجه الثاني أن عليا لم يدع ناسا بعيدين منه إلى قتال أهل الجمل وقتال الخوارج ولما قدم البصرة لم يكن في نيته قتال أحد بل وقع القتال بغير اختيار منه ومن طلحة والزبير وأما الخوارج فكان بعض عسكره يكفيهم لم يدع أحدا إليهم من أعراب الحجاز
الثالث أنه لو قدر أن عليا تجب طاعته في قتال هؤلاء فمن الممتنع أن يأمر الله بطاعة من يقاتل أهل الصلاة لردهم إلى طاعة ولى الأمر ولا يأمر بطاعة من يقاتل الكفار ليؤمنوا بالله ورسوله
ومعلوم أن من خرج من طاعة علي ليس بأبعد عن الإيمان بالله ورسوله ممن كذب الرسول والقرآن ولم يقر بشيء مما جاء به الرسول بل هؤلاء

أعظم ذنبا ودعاؤهم إلى الإسلام أفضل وقتالهم أفضل إن قدر أن الذين قاتلوا عليا كفار
وإن قيل هم مرتدون كما تقوله الرافضة

(8/278)


فمعلوم أن من كانت ردته إلى أن يؤمن برسول آخر غير محمد كأتباع مسيلمة الكذاب فهو أعظم ردة ممن لم يقر بطاعة الإمام مع إيمانه بالرسول
فبكل حال لا يذكر ذنب لمن قاتله علي إلا وذنب من قاتله الثلاثة أعظم ولا يذكر فضل ولا ثواب لمن قاتل مع علي إلا والفضل والثواب لمن قاتل مع الثلاثة أعظم
هذا بتقدير أن يكون من قاتله علي كافرا ومعلوم أن هذا قول باطل لا يقوله إلا حثالة الشيعة وإلا فعقلاؤهم لا يقولون ذلك وقد علم بالتواتر عن علي وأهل بيته أنهم لم يكونوا يكفرون من قاتل عليا وهذا كله إذا سلم أن ذلك القتال كان مأمورا به كيف وقد عرف نزاع الصحابة والعلماء بعدهم في هذا القتال هل كان من باب قتال البغاة الذي وجد في شرط وجوب القتال فيه أم لم يكن من ذلك لانتفاء الشرط الموجب للقتال
والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفين لم يكن من القتال المأمور به وأن تركه أفضل من الدخول فيه بل عدوه قتال فتنة

وعلى هذا جمهور أهل الحديث وجمهور ائمة الفقهاء فمذهب أبي حنيفة فيما ذكره القدوري أنه لا يجوز قتال البغاة إلا أن يبدأوا بالقتال وأهل صفين لم يبدأوا عليا بقتال
وكذلك مذهب أعيان فقهاء المدينة والشام والبصرة وأعيان فقهاء الحديث كمالك وأيوب والأوزاعي وأحمد وغيرهم أنه لم يكن مأمورا به وأن تركه كان خيرا من فعله وهو قول جمهور ائمة السنة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب بخلاف قتال الحرورية والخوارج أهل النهروان فإن قتال هؤلاء واجب بالسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وباتفاق الصحابة وعلماء السنة
ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة وقال
هل ترون ما أرى قالوا لا قال
فإني ارى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر

وفي السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(8/279)


إنها ستكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار اللسان فيها أشد من وقع السيف
وفي السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له واستشراف اللسان فيها كوقوع السيف
وعن أم سلمة قالت استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال
سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن وماذا أنزل من الفتن
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم
ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ومن يستشرف لها تستشرف له ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به
ورواه أبو بكرة في الصحيحين وقال فيه
فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض قال
يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت فقال رجل يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى الحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني فقال
يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار
ومثل هذا الحديث معروف عن سعد بن أبي وقاص وغيره من الصحابة والذين رووا هذه الأحاديث من الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة

وغيرهم جعلوا قتال الجمل وصفين من ذلك بل جعلوا ذلك أول قتال فتنة كان في الإسلام وقعدوا عن القتال وأمرهم غيرهم بالقعود عن القتال كما استفاضت بذلك الآثار عنهم

(8/280)


والذين قاتلوا من الصحابة لم يأت أحد منهم بحجة توجب القتال لا من كتاب ولا من سنة بل أقروا بأن قتالهم كان رأيا رأوه كما أخبر بذلك علي رضي الله عنه عن نفسه ولم يكن في العسكرين أفضل من علي فيكون ممن هو دونه أولى وكان علي أحيانا يظهر فيه الندم والكراهة للقتال مما يبين أنه لو لم يكن عنده فيه شيء من الأدلة الشرعية مما يوجب رضاه وفرحه بخلاف قتاله للخوارج فإنه كان

يظهر فيه من الفرح والرضا والسرور ما يبين أنه كان يعلم أن قتالهم كان طاعة لله ورسوله يتقرب به إلى الله لأن في قتال الخوارج من النصوص النبوية والأدلة الشرعية ما يوجب ذلك
ففي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق
وفي لفظ مسلم قال
ذكر قوما يخرجون في أمته يقتلهم ادنى الطائفتين إلى الحق سيماهم التحليق هم شر الخلق أو من شر الخلق قال أبو سعيد فأنتم قتلتموهم يا أهل العراق
ولفظ
البخاري يخرج ناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا

يعودون فيه حتى يعود السهم
وفي الصحيحين عن علي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول
يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس في قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل آيتهم أن فيهم رجلا له عضد ليس فيها ذراع على رأسه عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض
الوجه الرابع أن الآية لا تتناول القتال مع علي قطعا لأنه قال تقاتلونهم أو يسلمون سورة الفتح 16 فوصفهم بأنهم لا بد فيهم من أحد الأمرين المقاتلة أو الإسلام ومعلوم أن الذين دعا إليهم علي

(8/281)


فيهم خلق لم يقاتلوه ألبته بل تركوا قتاله فلم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه فكانوا صنفا ثالثا لا قاتلوه ولا قاتلوا معه ولا اطاعوه وكلهم مسلمون وقد دل على إسلامهم القرآن والسنة وإجماع الصحابة علي وغيره
قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصبحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين سورة الحجرات 9 فوصفهم بالإيمان مع الاقتتال والبغي وأخبر أنهم إخوة وأن الأخوة لا تكون إلا بين المؤمنين لا بين مؤمن وكافر
وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن
إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فأصلح الله به بين عسكر علي وعسكر معاوية فدل على أن كليهما مسلمون ودل على أن الله يحب الإصلاح بينهما ويثنى على من فعل ذلك ودل على أن ما فعله الحسن كان رضي لله ورسوله ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يكن تركه رضى لله ولرسوله
وأيضا فالنقل المتواتر عن الصحابة أنهم حكموا في الطائفتين

بجكم الإسلام وورثوا بعضهم من بعض ولم يسبوا ذراريهم ولم يغنموا أموالهم التي لم يحضروا بها القتال بل كان يصلي بعضهم على بعض وخلف بعض
وهذا أحد ما نقمته الخوارج على علي فإن مناديه نادى يوما لجمل لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولم يغنم أموالهم ولا سبي ذراريهم وأرسل ابن عباس إلى الخوارج وناظرهم في ذلك

(8/282)


فروى أبو نعيم بالإسناد الصحيح عن سليمان بن الطبراني عن محمد بن إسحاق بن راهوية وسليمان عن علي بن عبد العزيز عن أبي حذيفة وعبد الرزاق قالا حدثنا عكرمة بن عمار حدثناأبو زميل الحنفي عن ابن عباس قال لما اعتزلت الحرورية قلت لعلي يا أمير المؤمنين أبرد عن الصلاة فلعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم قال إني أتخوفهم عليك قال قلت كلا إن شاء الله فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر

الظهيرة فدخلت على قوم لم أر قوما أشد اجتهادا منهم أيديهم كأنها ثفن الإبل ووجوههم معلمة من آثار السجود قال فدخلت فقالوا مرحبا بك يا ابن عباس ما جاء بك قال جئت أحدثكم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الوحي وهم أعلم بتأويله فقال بعضهم لا تحدثوه وقال بعضهم لنحدثنه قال قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأول من آمن به وأصحاب رسول الله معه قالوا ننقم عليه ثلاثا قلت ما هن قالوا أولهن أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال تعالى إن الحكم إلا لله سورة الأنعام 57 قال قلت وماذا قالوا قاتل ولم يسب ولم يغنم لئن كانوا كفارا لقد حلت له أموالهم وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم قال قلت وماذا قالوا ومحا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين
قال قلت أرأيتم إن قرأت عليكم كتاب الله المحكم وحدثتكم

(8/283)


عن سنة نبيكم ما لا تنكرون أترجعون قالوا نعم قال قلت أما قولكم إنه حكم الرجال في دين الله فإن الله يقول يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم سورة المائدة 95 وقال في المرأة وزوجها وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها سورة النساء 35 أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم أرنب ثمنها ربع درهم قالوا في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم قال أخرجت من هذه قالوا اللهم نعم قال وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم وإن زعمتم أنها ليست أمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام إن الله يقول النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم سورة الأحزاب 6 وأنتم مترددون بين ضلالتين فاختاروا أيهما شئتم أخرجت من هذه قالوا اللهم نعم

قال وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريش يوم الحديبية على أن يكتب بينهم وبينه كتابا فقال اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقالوا والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال
والله إني لرسول وإن كذبتموني اكتب يا علي محمد بن عبد الله ورسول الله كان أفضل من علي أخرجت من هذه قالوا اللهم نعم فرجع منهم عشرون ألفا وبقى منهم أربعة آلاف فقتلوا

(8/284)


وأما تكفير هذا الرافضي وأمثاله لهم وجعل رجوعهم إلى طاعة علي إسلاما لقوله صلى الله عليه وسلم فيما زعمه يا علي حربك حربي فيقال من العجائب وأعظم المصائب على هؤلاء المخذولين أن يثبتوا مثل هذا الأصل العظيم بمثل هذا الحديث الذي لا يوجد في شئ من دواوين أهل الحديث التي يعتمدون عليها لا هو في الصحاح ولا السنن ولا المساند ولا الفوائد ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث ويتدواولونه بينهم ولا هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف بل هو أخس من ذلك وهو من أظهر الموضوعات كذبا فإنه خلاف المعلوم المتواتر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه جعل الطائفتين

مسلمين وأنه جعل ترك القتال في تلك الفتنة خيرا من القتال فيها وأنه أثنى على من أصلح به بين الطائفتين فلو كانت إحدى الطائفتين مرتدين عن الإسلام لكانوا أكفر من اليهود والنصارى الباقين على دينهم وأحق بالقتال منهم كالمرتدين أصحاب مسيلمة الكذاب الذين قاتلهم الصديق وسائر الصحابة واتفقوا على قتالهم بل وسبوا ذراريهم وتسرى على من ذلك السبي بالحنفية أم محمد بن الحنيفية
فصل
قال الرافضي وأما كونه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أنسه بالله مغنيا له عن كل أنيس لكن لما عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن أمره لأبي بكر بالقتال يؤدي إلى فساد الحال حيث هرب عدة مرار في غزواته وأيما أفضل القاعد عن القتال أو المجاهد بنفسه في سبيل الله
الجواب أن يقال لهذا المفتري الكذاب ما ذكرته من أظهر الباطل من وجوه

أحدها أن قوله هرب عدة مرار في غزوات يقال له هذا الكلام يدل على أن قائله من أجهل الناس بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله والجهل بذلك غير منكر من الرافضة فإنهم من أجهل الناس بأحوال الرسول وأعظمهم تصديقا بالكذب فيها وتكذيبا بالصدق منها

(8/285)


وذلك أن غزوة بدر هي أول مغازي القتال لم يكن قبلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأبي بكر غزاة مع الكفار أصلا وغزوات القتال التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم تسع غزوات بدر وأحد والخندق وبني المصطلق وغزوة ذي قرد وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف وأما الغزوات التي لم يقاتل فيها فهي نحو بضعة عشر وأما السرايا فمنها ما كان فيه قتال ومنها ما لم يكن فيه قتال
وبكل حال فبدر أولى مغازي القتال باتفاق الناس وهذا من العلم الذي يعلمه كل من له علم بأحوال الرسول من أهل التفسير والحديث والمغازي والسير والفقه والتواريخ والأخبار يعلمون أن بدرا هي أول الغزوات التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم وليس قبلها غزوة ولا سرية كان فيها قتال إلا قصة ابن الحضرمي ولم يكن فيها أبو بكر

فكيف يقال أنه هرب قبل ذلك عدة مرار في مغازيه
الثاني أن أبا بكر رضي الله عنه لم يهرب قط حتى يوم أحد لم ينهزم لا هو ولا عمر وإنما كان عثمان تولى وكان ممن عفا الله عنه وأما أبو بكر وعمر فلم يقل أحد قط إنهما انهزما مع من انهزم بل ثبتا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين كما تقدم ذلك عن أهل السيرة لكن بعض الكذابين ذكر أنهما أخذا الراية يوم حنين فرجعا ولم يفتح عليهما ومنهم من يزيد في الكذب ويقول إنهما انهزما مع من انهزم وهذا كذب كله
وقبل أن يعرف الإنسان أنه كذب فمن أثبت ذلك عليهما هو المدعى لذلك فلا بد من إثبات ذلك بنقل يصدق ولا سبيل إلى هذا فأين النقل المصدق على أبي بكر أنه هرب في غزوة واحدة فضلا عن أن يكون هرب عدة مرات
الثالث أنه لو كان في الجبن بهذه الحال لم يخصه النبي صلى الله عليه وسلم دون أصحابه بأن يكون معه في العريش بل لا يجوز استصحاب مثل هذا في الغزو فإنه لا ينبغي للإمام أن يستصحب منخذلا ولا مرجفا فضلا عن أن يقدم على سائر أصحابه ويجعله معه في عريشه

(8/286)


الرابع أن الذي في الصحيحين من ثباته وقوة يقينه في هذه الحال يكذب هذا المفترى ففي الصحيحين عن ابن عباس عن عمر قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وسبعة عشر رجلا فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه
اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم سورة الأنفال 9 الآية وذكر الحديث
الخامس أن يقال قد علم كل من علم السيرة أن أبا بكر كان أقوى قلبا من جميع الصحابة لا يقاربه في ذلك أحد منهم فإنه من حين بعث الله رسوله إلى أن مات أبو بكر لم يزل مجاهدا ثابتا مقداما شجاعا لم يعرف قط أنه جبن عن قتال عدو بل لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفت قلوب أكثر الصحابة وكان هو الذي يثبتهم حتى قال أنس خطبنا أبو بكر ونحن كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود
وروى أن عمر قال يا خليفة رسول الله تألف الناس فأخذ بلحيته

وقال يا ابن الخطاب أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام علام أتألفهم على حديث مفترى أم على شعر مفتعل
السادس قوله أيما أفضل القاعد عن القتال أو المجاهد نفسه في سبيل الله
فيقال بل كونه مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذ الحال هو من أفضل الجهاد فإنه هو الذي كان العدو يقصده فكان ثلث العسكر حوله يحفظونه من العدو وثلثه اتبع المنهزمين وثلثه أخذوا الغنائم ثم إن الله قسمها بينهم كلهم
السابع قوله إن أنس النبي صلى الله عليه وسلم بربه كان مغنيا له عن كل أنيس

(8/287)


فيقال قول القائل إنه كان أنيسه في العريش ليس هو من ألفاظ القرآن والحديث ومن قاله وهو يدري ما يقول لم يرد به أنه يؤنسه لئلا يستوحش بل المراد أنه كان يعاونه على القتال كما كان من هو دونه يعاونه على القتال
وقد قال تعالى هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين سورة الأنفال 62 وهو أفضل المؤمنين الذين أيده الله بهم
وقال فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرصضالمؤمنين سورة النساء 84 وكان الحث على أبي بكر أن يعاونه بغاية ما يمكنه وعلى الرسول أن يحرضهم على الجهاد ويقاتل بهم عدوه

بدعائهم ورأيهم وفعلهم وغير ذلك مما يمكن الاستعانة به على الجهاد
الثامن أن يقال من المعلوم لعامة العقلاء أن مقدم القتال المطلوب الذي قد قصده أعداؤه يريدون قتله إذا أقام في عريش أو قبة او حركاه أو غير ذلك مما يجنه ولم يستصحب معه من أصحابه إلا واحدا وسائرهم خارج ذلك العريش لم يكن هذا إلا أخص الناس به وأعظمهم موالاة له وانتفاعا به
وهذا النفع في الجهاد لا يكون إلا مع قوة القلب وثباته لا مع ضعفه وخوره
فهذا يدل على أن الصديق كان أكملهم إيمانا وجهادا وأفضل الخلق هم أهل الإيمان والجهاد فمن كان أفضل في ذلك كان أفضل مطلقا
قال تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله إلى قوله وأولئك هم الفائزون سورة التوبة 19 20 فهؤلاء أعظم درجة عند الله من أهل الحج والصدقة والصديق أكمل في ذلك
وأما قتال علي بيده فقد شاركه في ذلك سائر الصحابة الذين قاتلوا يوم بدر ولم يعرف أن عليا قاتل أ كثر من جميع الصحابة يوم بدر ولا أحد ولا غير ذلك

ففضيلة الصديق مختصة به لم يشركه فيها غيره وفضيلة علي مشتركه بينه وبين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

(8/288)


الوجه التاسع أن النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر خرجا بعد ذلك من العريش ورماهم النبي صلى الله عليه وسلم الرمية التي قال الله فيها وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى سورة الانفال 17 والصديق قاتلهم حتى قال له ابنه عبدالرحمن قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك فقال لكني لو رأيتك لقتلتك
فصل
قال الرافضي وأما إنفاقه على النبي صلى الله عليه وسلم فكذب لأنه لم يكن ذا مال فإن أباه كان فقيرا في الغاية وكان ينادي على مائدة عبد الله بن جدعان كل يوم بمد يقتات به ولو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه وكان أبو بكر معلما للصبيان في الجاهلية وفي الإسلام كان خياطا ولما ولي أمر المسلمين منعه الناس عن الخياطة فقال إني محتاج إلى القوت فجعلوا له كل يوم ثلاثة دراهم من بيت المال
والجواب أن يقال أولا من أعظم الظلم والبهتان أن ينكر الرجل ما تواتر به النقل وشاع بين الخاص والعام وامتلأت به الكتب كتب الحديث الصحاح والمساند والتفسير والفقه والكتب المصنفة في أخبارالقوم وفضائلهم ثم يدعى شيئا من المنقولات التي لا تعلم بمجرد قوله ولا ينقله بإسناد معروف ولا إلى كتاب يعرفه يوثق به ولا يذكر ما قاله فلو قدرنا أنه ناظر أجهل الخلق لأمكنه أن يقول له بل الذي ذكرت هو الكذب والذي قاله منازعوك هو الصدق فكيف تخبر عن أمر كان بلا حجة أصلا ولا نقل يعرف به ذلك ومن الذي نقل من الثقات ما ذكره عن أبي بكر ثم يقال أما إنفاق أبي بكر ماله فمتواتر منقول في الحديث الصحيح من وجوه كثيرة حتى قال ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر وقال
إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر وثبت عنه أنه اشترى المعذبين من ماله بلالا وعامر بن فهيرة اشترى سبعة أنفس
وأما قول القائل إن أباه كان ينادي على مائدة عبد الله بن جدعان
فهذا لم يذكر له إسنادا يعرف به صحته ولو ثبت لم يضر فإن هذا

(8/289)


كان في الجاهلية قبل الإسلام فإن ابن جدعان مات قبل الإسلام وأما في الإسلام فكان لأبي قحافة ما يعينه ولم يعرف قط أن أبا قحافة كان يسأل الناس وقد عاش أبو قحافة إلى أن مات أبو بكر وورث السدس فرده على أولاده لغناه عنه
ومعلوم أنه لو كان محتاجا لكان الصديق يبره في هذه المدة فقد كان الصديق ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابة بعيدة وكان ممن تكلم في الإفك فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه فأنزل الله تعالى ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين إلى قوله غفور رحيم سورة النور 22 فقال أبو بكر بلى والله أحب أن يغفر الله لي فأعاد عليه النفقة والحديث بذلك ثابت في الصحيحين
وقد اشترى بماله سبعة من المعذبين في الله ولما هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم استصحب ماله فجاء أبو قحافة وقال لأهله ذهب أبو بكر بنفسه فهل ترك ماله عندكم أو أخذه قالت أسماء فقلت بل تركه ووضعت في الكوة شيئا وقلت هذا هو المال لتطيب نفسه أنه ترك ذلك لعياله ولم يطلب أبو قحافة منهم شيئا وهذا كله يدل على غناه

وقوله إن أبا بكر كان معلما للصبيان في الجاهلية
فهذا من المنقول الذي لو كان صدقا لم يقدح فيه بل يدل على أنه كان عنده علم ومعرفة وكان جماعة من علماء المسلمين يؤدبون منهم أبو صالح صاحب الكلبي كان يعلم الصبيان وأبو عبد الرحمن السلمي وكان من خواص أصحاب علي وقال سفيان بن عينية كان الضحاك بن مزاحم وعبد الله بن الحارث يعلمان الصبيان فلا يأخذان أجرا ومنهم قيس بن سعد وعطاء بن أبي رباح وعبد الكريم أبو أميه وحسين المعلم وهو ابن ذكوان والقاسم بن عمير الهمداني وحبيب المعلم مولى معقل بن يسار
ومنهم علقمة بن أبي علقمة وكان يروى عنه مالك بن أنس وكان له مكتب يعلم فيه
ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام المجمع على إمامته وفضله
فكيف إذا كان ذلك من الكذب المختلق

(8/290)


بل لو كان الصديق قبل الإسلام من الأرذلين لم يقدح ذلك فيه فقد كان سعد وابن مسعود وصهيب وبلال وغيرهم من المستضعفين وطلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم طردهم فنهاه الله عن ذلك وأنزل ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون

وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء إلى قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين سورة الأنعام 52 53
وقوله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا سورة الكهف 28
وقال في المستضعفين من المؤمنين إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون إلى آخر السورة سورة المطففين 29 34
وقال زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب سورة البقرة 212
وقال ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون سورة الأعراف 48 49
وقال وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار سورة ص 62 63
وقال عن قوم نوح قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون سورة الشعراء 111

(8/291)


وقال تعالى فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي سورة هود 27 وقال عن قوم صالح قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون سورة الأعراف 75 76
وفي الصحيحين أن هرقل سأل أبا سفيان بن حرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم قال بل ضعفاؤهم قال هم أتباع الرسل
فإذا قدر أن الصديق كان من المستضعفين كعمار وصهيب وبلال لم يقدح ذلك في كمال أيمانه وتقواه كما لم يقدح في إيمان هؤلاء وتقواهم وأكمل الخلق عند الله أتقاهم
ولكن كلام الرافضة من جنس كلام المشركين الجاهلية يتعصبون للنسب والآباء لا للدين ويعيبون الإنسان بما لا ينقض إيمانه وتقواه وكل هذا من فعل الجاهلية ولهذا كانت الجاهلية ظاهرة عليهم فهم يشبهون الكفار من وجوه خالفوا بها أهل الإيمان والإسلام
وقوله إن الصذيق كان خياطا في الإسلام ولما ولى أمر المسلمين منعه الناس عن الخياطه
كذب ظاهر يعرف كل أحد أنه كذب وإن كان لا غضاضة فيه لو

كان حقا فإن أبا بكر لم يكن خياطا وإنما كان تاجرا تارة يسافر في تجارته وتارة لا يسافر وقد سافر إلى الشام في تجارته في الإسلام والتجارة كانت أفضل مكاسب قريش وكان خيار أهل الأموال منهم أهل التجارة وكانت العرب تعرفهم بالتجارة ولما ولى أراد أن يتجر لعياله فمنعه المسلمون وقالوا هذا يشغلك عن مصالح المسلمين
وكان عامة ملابسهم الأردية والأرز فكانت الخياطة فيهم قليلة جدا وقد كان بالمدينة خياط دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته
وأما المهاجرون المشهورون فما أعلم فيهم خياطا مع أن الخياطة من أحسن الصناعات وأجلها

(8/292)


وإنفاق أبي بكر في طاعة الله ورسوله هو من المتواتر الذي تعرفه العامة والخاصة وكان له مال قبل الإسلام وكان معظما في قريش محببا مؤلفا خبيرا بأنساب العرب وأيامهم وكانوا يأتونه لمقاصد التجارة ولعلمه وإحسانه ولهذا لما خرج من مكة قال له ابن الدغنة

مثلك لا يخرج ولا يخرج
ولم يعلم أحد من قريش وغيرهم عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين ولم يكن له عندهم عيب إلا إيمانه بالله ورسوله كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قط به عيب عند قريش ولا نقص ولا يذمونه بشئ قط بل كان معظما عندهم بيتا ونسبا معروفا بمكارم الأخلاق والصدق والأمانة وكذلك صديقه الأكبر لم يكن له عيب عندهم من العيوب
وابن الدغنة سيد القارة إحدى قبائل العرب كان معظما عند قريش يجرون من أجاره لعظمته عندهم
وفي الصحيحين أن أبا بكر لما ابتلى المسلمون خرج مهاجرا إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر فقال أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي فقال ابن الدغنة فإن مثلك لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب

(8/293)


المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذنا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا له فابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن وأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم إليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فجاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان
قالت عائشة فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال قد علمت الذي عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله وذكر الحديث

فقد وصفه ابن الدغنة بحضرة أشراف قريش بمثل ما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحي وقال لها
لقد خشيت على عقلي فقالت له كلا والله لن يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق
فهذه صفة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل النبيين وصديقه أفضل الصديقين
وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر وقال

(8/294)


إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به فقال النبي صلى الله عليه وسلم
لا تبك يا أبا بكر إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر
وفي الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه وذكر الحديث إلى أن قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم
إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين
وروى البخاري عن ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
ما من الناس أحدا من علي في ماله ونفسه من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذا خليلا فذكر تمامه
وروى أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر فبكى وقال وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما مال رجل من المسلمين أنفع لي من مال أبي بكر ومنه أعتق بلالا وكان يقضي في مال أبي بكر كما يقضي الرجل في مال نفسه

فصل
وقوله كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة غنيا بمال خديجة ولم يحتج إلى الحرب
والجواب أن إنفاق إبي بكر لم يكن نفقة على النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه وكسوته فإن الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين بل كان معونة له على إقامة الإيمان فكان إنفاقه فيما يحبه الله ورسوله لا نفقة على نفس الرسول فاشترى المعذبين مثل بلال وعامر بن فهيرة وزنيرة وجماعة

(8/295)


فصل
وقوله وبعد الهجرة لم يكن لأبي بكر شيء ألبتة
فهذا كذب ظاهر بل كان يعين النبي صلى الله عليه وسلم بماله وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فجاء بماله كله وأصحاب الصفة كانوا فقراء فحث النبي صلى الله عليه وسلم على طعمتهم فذهب بثلاثة كما في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال إن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة
من كان طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس وسادس أو كما قال وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة وذكر الحديث
وروى زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم
ما أبقيت لأهلك فقلت مثله قال وأتى أبو بكر بكل مال عنده فقال
يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك فقال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء أبدا رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح
فصل
وأما قوله ثم لو أنفق لوجب أن ينزل فيه قرآن كما أنزل في علي هل أتى سورة الإنسان 1
والجواب أما نزول هل أتى في علي فمما اتفق أهل العلم بالحديث على أنه كذب موضوع وإنما يذكره من المفسرين من جرت عادته بذكر أشياء من الموضوعات والدليل الظاهر على أنه كذب أن سورة هل أتى مكية باتفاق الناس نزلت قبل الهجرة وقبل أن يتزوج علي بفاطمة ويولد الحسن والحسين وقد بسط الكلام على هذه القضية في غير موضع ولم ينزل قط قرآن في إنفاق علي بخصوصه لأنه لم يكن له مال بل كان قبل الهجرة في عيال النبي صلى الله عليه وسلم وبعد الهجرة كان أحيانا يؤجر نفسه كل دلو بتمرة ولما تزوج بفاطمة لم يكن له مهر إلا درعه وإنما أنفق على العرس ما حصل له من غزوة بدر

(8/296)


وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفا من الخمس فلما أردت أن أبتنى بفاطمة واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاى مناخان إلى جانب بيت رجل من الأنصار قال وحمزة يشرب في ذلك البيت وقينة تغنيه فقالت
ألا يا حمز للشرف النواء
فثار إليها حمزة فاجتب أسنمتها وبقر خواصرها وذكر الحديث في البخاري وذلك قبل تحريم الخمر
وأما الصديق رضي الله عنه فكل آية نزلت في مدح المنفقين في سبيل الله فهو أول المرادين بها من الأمة مثل قوله تعالى لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا سورة الحديد 10 وأبو بكر أفضل هؤلاء وأولهم
وكذلك قوله الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم سورة التوبة 20
وقوله وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى سورة الليل 18 فذكر المفسرون مثل ابن جرير الطبري وعبد الرحمن بن أبي حاتم وغيرهما بالأسانيد عن عروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير وسعيد ابن المسيب وغيرهم أنها نزلت في أبي بكر
فصل
قال الرافضي وأما تقديمه في الصلاة فخطأ لأن بلالا لما أذن بالصلاة أمرت عائشة أن يقدم أبا بكر فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع التكبير فقال من يصلي بالناس فقالوا أبو بكر فقال أخرجوني فخرج بين علي والعباس فنحاه عن القبلة وعزله عن الصلاة وتولى الصلاة
والجواب أن هذا من الكذب المعلوم عند جمع أهل العلم بالحديث ويقال له أولا من ذكر ما نقلته بإسناد يوثق به وهل هذا

(8/297)


إلا في كتب من نقله مرسلا من الرافضة الذين هم من أكذب الناس وأجهلهم بأحوال الرسول مثل المفيد بن النعمان والكراجكي وأمثالهما من الذين هم من أبعد الناس عن معرفة حال الرسول وأقواله وأعماله
ويقال ثانيا هذا كلام جاهل يظن أن أبا بكر لم يصل بهم إلا صلاة واحدة وأهل العلم يعلمون أنه لم يزل يصلي بهم حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذنه واستخلافه له في الصلاة بعد أن راجعته عائشة وحفصة في ذلك وصلى بهم أياما متعددة وكان قد استخلفه في الصلاة قبل ذلك لما ذهب إلى بني عمرو ابن عوف ليصلح بيهم ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف في غيبته على الصلاة في غير سفر في حال غيبته وفي مرضه إلا أبا بكر ولكن عبد الرحمن بن عوف صلى بالمسلمين مرة صلاة الفجر في السفر عام تبوك لأن النبي بعد أن راجعته صلى الله عليه وسلم كان قد ذهب ليقضي حاجته فتأخر وقدم المسلمون عبد الرحمن ابن عوف فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة ابن شعبة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ ومسح على خفيه فأدرك معه ركعة وقضى ركعة وأعجبه ما فعلوه من صلاتهم
لما تأخر فهذا إقرار منه على تقديم عبد الرحمن
وكان إذا سافر عن المدينة استخلف من يستخلفه يصلي بالمسلمين كما استخلف ابن أم مكتوم تارة وعليا تارة في الصلاة واستخلف غيرهما تارة
فأما في حال غيبته ومرضه فلم يستخلف إلا أبا بكر لا عليا ولا غيره واستخلافه للصديق في الصلاة متواتر ثابت في الصحاح والسنن والمساند من غير وجه كما أخرج البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من أهل الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال
مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس فقال

(8/298)


مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف فصلى بهم أبو بكر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر البخاري فيه مراجعة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذا الذي فيه من أن أبا بكر صلى بهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه إلى أن مات مما اتفق عليه العلماء بالنقل فإن النبي صلى الله عليه وسلم مرض أياما متعددة حتى قبضه الله إليه وفي تلك الأيام لم يكن يصلي بهم إلا أبو بكر وحجرته إلى جانب المسجد فيمتنع والحال هذه أن يكون قد أمر غيره بالصلاة فصلى أبو بكر بغير أمره تلك المدة ولا مراجعة أحد في ذلك
والعباس وعلي وغيرهما كانوا يدخلون عليه بيته وقد خرج بينهما في بعض تلك الأيام وقد روى أن ابتداء مرضه كان يوم الخميس وتوفي بلا خلاف يوم الإثنين من الأسبوع الثاني فكان مدة مرضه فيما قيل اثنى عشر يوما
وفي الصحيح عن عبيد الله بن عبد الله قال دخلت على عائشة فقلت لها ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت بلى ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
أصلى الناس قلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال
ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال
أصلى الناس فقلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة قالت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا يا عمر صلي بالناس فقال عمر أنت أحق بذلك قالت فصلى بهم أبو بكر رضي الله عنه تلك الأيام
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر وقال لهما

(8/299)


أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد قال عبيد الله فدخلت على ابن عباس فقلت ألا أعرض عليك ما حدثتني به عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هات فعرضت عليه حديثها فما أنكر منه شيئا غير أنه قال أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت لا هو علي بن أبي طالب
فهذا الحديث الذي اتفقت فيه عائشة وابن عباس كلاهما يخبران بمرض النبي صلى الله عليه وسلم واستخلاف أبي بكر في الصلاة وأنه صلى بالناس قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم أياما وأنه لما خرج لصلاة الظهر أمره أن لا يتأخر بل يقيم مكانه وجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه والناس يصلون بصلاة أبي بكر وأبو بكر يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم
والعلماء كلهم متفقون على تصديق هذا الحديث وتلقيه بالقبول وتفقهوا في مسائل فيه منها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا وأبو بكر قائم هو والناس هل كان من خصائصه أو كان ذلك ناسخا لما استفاض عنه من قوله وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون أو يجمع بين الأمرين ويحمل ذلك على ما إذا أبتدأ الصلاة قاعدا وهذا على ما إذا حصل القعود في أثنائها على ثلاثة أقوال للعلماء والأول قول مالك ومحمد بن الحسن والثاني قول أبي حنيفة والشافعي والثالث قول أحمد وحماد بن زيد والأوزاعي وغيرهما ممن يأمر المؤتمين بالقعود إذا قعد الإمام لمرض وتكلم العلماء فيما إذا استخلف الإمام الراتب خليفة ثم حضر الإمام هل يتم الصلاة بهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه وفعله مرة أخرى سنذكرها أم ذلك من خصائصه على قولين هما وجهان في مذهب أحمد

(8/300)


وقد صدق ابن عباس عائشة فيما أخبرت به مع أنه كان بينهما بعض الشيء بسبب ما كان بينهما وبين علي ولذلك لم تسمه وابن عباس يميل إلى على ولايتهم عليه ومع هذا فقط صدقها في جميع ما قالت وسمى الرجل الآخر عليا فلم يكذبها ولم يخطئها في شيء مما روته
وفي الصحيحين عن عائشة قالت لقد راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا وإلا اني كنت أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر قال البخاري ورواه ابن عمر وأبو موسى وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم
وفي الصحيحين عنها قالت لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال
مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فقلت لحفصة قولي له إن إبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقالت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فأمروا أبا بكر أن يصلي بالناس وفي رواية البخاري ففعلت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا
ففي هذا أنها راجعته وأمرت حفصة بمراجعته وأن النبي صلى الله عليه وسلم لامهن على هذه المراودة وجعلها من المراودة على الباطل كمراودة صواحب يوسف ليوسف

(8/301)


فدل هذا على أن تقديم غير أبي بكر في الصلاة من الباطل الذي يذم من يراود عليه كما ذم النسوة على مراودة يوسف هذا مع أن أبا بكر قد قال لعمر يصلي فلم يتقدم عمر وقال أنت أحق بذلك فكان في هذا اعتراف عمر له أنه أحق بذلك منه كما اعترف له بأنه أحق بالخلافة منه ومن سائر الصحابة وأنه أفضلهم
كما في البخاري عن عائشة لما ذكرت خطبة أبي بكر بالمدينة وقد تقدم ذلك قالت واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا منا أمير ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلا إني هيأت كلاما أعجبني خفت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال حباب بن المنذر لا نفعل منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارا وأعرقهم أحسابا فبايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح فقال عمر بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقال عمر قتله الله ففي هذا الخبر إخبار عمر بين المهاجرين والأنصار أن أبا بكر سيد المسلمين وخيرهم وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك علة مبايعته فقال بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين بذلك أن المأمور به تولية الأفضل وأنت أفضلنا فنبايعك
كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أحب الرجال إليك قال
أبو بكر ولما قال

(8/302)


لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وهذا مما يقطع أهل العلم بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وإن كان من ليس له مثل علمهم لم يسمعه أو سمعه ولا يعرف أصدق هو أم كذب فلكل علم رجال يقولون به وللحروب رجال يعرفون بها وللدواوين حساب وكتاب
وهؤلاء الثلاثة هم الذين عنتهم عائشة فيما رواه مسلم عن ابن أبي مليكة قال سمعت عائشة وسئلت من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف قالت أبو بكر فقيل لها من بعد أبي بكر قال عمر قيل لها من بعد عمر قالت أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا
والمقصود هنا أن استخلافه في الصلاة كان أياما متعددة كما اتفق عليه رواية الصحابة ورواه أهل الصحيح من حديث أبي موسى وابن عباس وعائشة وابن عمر وأنس ورواه البخاري من حديث ابن عمر وفيه قوله
مروا أبا بكر فليصل بالناس ومراجعة عائشة له في هذه القصة وذكر المراجعة مرتين وفيه قوله
مروه فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف ولم يزل يصلي بهم باتفاق الناس حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم يصلون خلفه آخر صلاة في حياته وهي صلاة الفجر يوم الإثنين وسر بذلك وأعجبه
كما في الصحيحين عن أنس أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا قال فبهتنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج النبي صلى الله عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم قال ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرخى الستر قال فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك

(8/303)


وفي بعض طرق البخارى قال فهم الناس أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أن ذلك كان في صلاة الفجر
وفي صحيح مسلم عن أنس قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة يوم الإثنين وذكر القصة
وفي الصحيحين عن أنس قال لم يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه فلما وضح لنا وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظرا قط أعجب ألينا من وجهه حين وضح لنا قال فأومأ نبي الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى نبي الله صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات
فقد أخبر أنس أن هذه الخرجة الثانية إلى باب الحجرة كانت بعد احتباسه ثلاثا وفي تلك الثلاث كان يصلي بهم أبو بكر كما كان يصلي بهم قبل خرجته الأولى التي خرج فيها بين علي والعباس وتلك كان يصلي قبلها أياما فكل هذا ثابت في الصحيح كأنك تراه
وفي حديث أنس أنه أومأ إلى أبي بكر أن يتقدم فيصلى بهم هذه الصلاة الآخرة التي هي آخر صلاة صلاها المسلمون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهنا باشره بالإشارة اليه إما في الصلاة وإما قبلها
وفي أول الأمر أرسل إليه رسلا فأمروه بذلك ولم تكن عائشة هي المبلغة لأمره ولا قالت لأبيها إنه أمره كما زعم هؤلاء الرافضة المفترون
فقول هؤلاء الكذابين إن بلالا لما أذن أمرته عائشة أن يقدم أبا بكر كذب واضح لم تأمره عائشة أن يقدم أبا بكر ولا تأمره بشيء ولا أخذ بلال ذلك عنها بل هو الذي آذنه بالصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكل من حضره لبلال وغيره
مروا أبا بكر فليصل بالناس فلم يخص عائشة بالخطاب ولا سمع ذلك بلال منها
وقوله فلما أفاق سمع التكبير فقال
من يصلي بالناس فقالوا أبو فكر فقال أخرجوني

(8/304)


فهو كذب ظاهر فإنه قد ثبت بالنصوص المستفيضة التي اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها أن أبا بكر صلى بهم أياما قبل خروجه كما صلى بهم أياما بعد خروجه وأنه لم يصل بهم في مرضه غيره
ثم يقال من المعلوم المتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم مرض أياما متعددة عجز فيها عن الصلاة بالناس أياما فمن الذي كان يصلي بهم تلك الأيام غير أبي بكر ولم ينقل أحد قط لا صادق ولا كاذب أنه صلى بهم غير أبي بكر لا عمر ولا علي ولا غيرهما وقد صلوا جماعة فعلم أن المصلي بهم كان أبا بكر
ومن الممتنع أن يكون الرسول لم يعلم ذلك ولم يستأذنه المسلمون فيه فإن مثل هذا ممتنع عادة وشرعا فعلم أن ذلك كان بإذنه كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وثبت أنه روجع في ذلك وقيل له لو أمرت غير أبي بكر فلام من من راجعة وجعل ذلك من المنكر الذي أنكره لعلمه بأن المستحق لذلك هو أبو بكر لا غيره
كما في الصحيحين عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا لأبي بكر فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل أنا أولى ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر
وفي البخاري عن القاسم بن محمد قال قالت عائشة وارأساه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك فقالت عائشة واثلكتاه والله إني لأظنك تحب موتي فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك فقال النبي صلى الله عليه وسلم
وارأساه لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى الممتمنون ويدفع الله ويأبى المؤمنون وهذا الحديث الصحيح فيه همه بأن يكتب لأبي بكر كتابا بالخلافة لئلا يقول قائل أنا أولى ثم قال
يأبي الله ذلك والمؤمنون فلما علم الرسول أن الله تعالى لا يختار إلا أبا بكر والمؤمنون لا يختارون إلا إياه اكتفى بذلك عن الكتاب فأبعد الله من لا يختار ما اختاره الله ورسوله والمؤمنون

(8/305)


وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرتين في مرضه قال لعائشة ادعي لي أباك وأخاك وقال قبل ذلك لما اشتكت عائشة لقد هممت أن أكتب لأبي بكر كتابا ثم إنه عزم يوم الخميس في مرضه على الكتاب مرة أخرى كما في الصحيحين عن ابن عباس أنه قال يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم الوجع فقال
ائتوني بكتف أكتل لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما شأنه هجر استفهموه فذهبوا يردون عليه فقال
ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأمرهم بثلاث فقال
أخرجوا اليهود من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها وفي رواية في الصحيحين قال وفي البيت رجال فيهم عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم
هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقال بعضهم وفي رواية عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم ومنهم من يقول ما قال عمر ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغط قال
قوموا عني قال عبيد الله الراوي عن الزهري قال ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه فحصل لهم شك هل قوله
أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده هو مما أوجبه المرض أو هو الحق الذي يجب اتباعه وإذا حصل الشك لهم لم يحصل به المقصود فأمسك عنه وكان لرأفته بالأمة يحب أن يرفع الخلاف بينها ويدعو الله بذلك ولكن قدر الله قد مضى بأنه لا بد من الخلاف
كما في الصحيح عنه أنه قال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم
فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يهلهكم بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها

(8/306)


ولهذا قال ابن عباس إن الرزية كل الزرية ما حال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكتاب فإن ذلك رزية في حق من شك في خلافة الصديق وقدح فيها إذ لو كان الكتاب الذي هم به أمضاه لكانت شبهة هذا المرتاب تزول بذلك ويقول خلافته ثبتت بالنص الصريح الجلي فلما لم يوجد هذا كان رزية في حقه من غير تفريط من الله ورسوله بل قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين وبين الأدلة الكثيرة الدالة على أن الصديق أحق بالخلافة من غيره وأنه المقدم
وليست هذه رزية في حق أهل التقوى الذين يهتدون بالقرآن وإنما كانت رزية في حق من في قلبه مرض كما كان نسخ ما نسخه الله وإنزل القرآن وانهزام المسلمين يوم احد وغير ذلك من مصائب الدنيا رزية في حق من في قلبه مرض
قال تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله سورة آل عمران 7
وإن كانت هذه الأمور في حق من هداه الله مما يزيدهم الله به علما وإيمانا
وهذا كوجود الشياطين من الجن والإنس يرفع الله به درجات أهل الإيمان بمخالفتهم ومجاهدتهم مع ما في وجودهم من الفتنة لمن أضلوه وأغووه
وهذا كقوله تعالى وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا سورة المدثر 31
وقوله وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه سورة البقرة 143
وقول موسى إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء سورة الأعراف 155
وقوله إنا مرسلو الناقة فتنة لهم سورة القمر 27

(8/307)


وقوله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم سورة الحج 52 54

فصل
وقد تقدم التنبيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد الأمة إلى خلافة الصديق ودلهم علها وبين لهم أنه أحق بها من غيره
مثل ما أخرجاه في الصحيحين عن جبير بن مطعم أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فأمرها أن ترجع إليه فقالت يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تعني الموت قال
فإن لم تجديني فأتي أبا بكر
والرسول علم أن الله لا يختار غيره والمؤمنون لا يختارون غيره ولذلك قال
يأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر فكان فيما دلهم به من الدلائل الشرعية وما علم بأن الله سيقدره من الخير الموافق لأمره ورضاه ما يحصل به تمام الحكمة في خلقه وأمره قدرا وشرعا
وقد ذكرنا أن ما اختاره الله كان أفضل في حق الأمة من وجوه وأنهم إذا ولوا بعلمهم واختيارهم من علموا أنه الأحق بالولاية عند الله ورسوله كان في ذلك من المصالح الشرعية ما لا يحصل بدون ذلك
وبيان الأحكام يحصل تارة بالنص الجلي المؤكده وتارة بالنص
الجلي المجرد وتارة بالنص الذي قد يعرض لبعض الناس فيه شبهة بحسب مشيئة الله وحكمته
وذلك كله داخل في البلاغ المبين فإنه من ليس شرط البلاغ المبين أن لا يشكل على أحد فإن هذا لا ينضبط وأذهان الناس وأهواؤهم متفاوتة تفاوتا عظيما وفيهم من يبلغه العلم وفيهم من لا يبلغه إما لتفريطه وإما لعجزه

(8/308)


وإنما على الرسول البلاغ المبين البيان الممكن وهذا ولله الحمد قد حصل منه صلى الله عليه وسلم فإنه بلغ البلاغ المبين وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك وما ترك من شئ يقرب إلى الجنة إلا أمر الخلق به ولا من شئ يقربهم من النار إلا نهاهم عنه فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيا عن أمته
وأيضا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصلاة بالناس إذا غاب وإقراره إذا حضر قد كان في صحته قبل هذه المرة
كما في الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال أتصلي بالناس فأقيم قال نعم فصلى أبو بكر فجاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصلاة فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما أكثر الناس من التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ثم انصرف فقال
يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك فقال أبو بكر ما كان لأبن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
مالي أراكم أكثرتم التصفيق من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء وفي رواية فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم وفيها أن أبا بكر رجع القهقرى وفي رواية للبخاري فجاء بلال إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس وقد حانت الصلاة فهل لك أن تؤم الناس فقال نعم إن شئت وفي رواية

(8/309)


أيها الناس مالكم حين نابكم شيء في صلاتكم أخذتم في التصفيق إنما التصفيق للنساء من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله فإنه لا يسمعه أحد يقول سبحان الله إلا التفت يا أبا بكر ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك وفي رواية أن تلك الصلاة كانت صلاة العصر وأن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بعد ما صلى الظهر وفيه فلما أوما إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن أمضه وأومأ بيده هكذا فلبث أبو بكر هنيهة يحمد الله على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مشى القهقري وفي رواية أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
اذهبوا بنا نصلح بينهم وفي رواية فحضرت الصلاة ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض وهو مما اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول وفيه أن أبا بكر أمهم في مغيب النبي صلى الله عليه وسلم لما حضرت صلاة العصر وهي الوسطى التي أمروا بالمحافظة عليها خصوصا وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشغولا ذهب إلى قباء ليصلح بين أهل قباء لما اقتتلوا وقد علموا من سنته أنه يأمرهم في مثل هذه الحال أن يقدموا أحدهم كما قدموا عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك لصلاة الفجر لما أبطأ النبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب هو والمغيرة لقضاء حاجته وكان عليه جبة من صوف وبلال هو المؤذن الذي هو أعلم بذلك من غيره فسأل أبا بكر أن يصلي بهم فصلى بهم لا سيما وقد أمرهم بتقديمه
ففي الصحيحين عن سهل بن سعد قال كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم ليصلح بينه بعد الظهر فقال لبلال

(8/310)


إن حضرت الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس وذكر الحديث ثم لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى إبا بكر أن يتم بهم الصلاة فسلك أبو بكر مسلك الأدب معه وعلم أن أمره أمر إكرام لا أمر إلزام فتأخر تأدبا معه لا معصية لأمره فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم يقره في حال صحته وحضوره على إتمام الصلاة بالمسلمين التي شرع فيها ويصلي خلفه صلى الله عليه وسلم كما صلى الفجر خلف عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك صلى إحدى الركعتين وقضى الأخرى فكيف يظن به أنه في مرضه وإذنه له في الصلاة بالناس حتى يخرج ليمنعه من إمامته بالناس
فهذا ونحوه مما يبين أن حال الصديق عند الله وعند رسوله والمؤمنين في غاية المخالفة لما هي عند هؤلاء الرافضة المفترين الكذابين الذين هم ردء المنافقين وإخوان المرتدين والكافرين الذين يوالون أعداء الله ويعادون أولياءه
ولا ريب أن أبا بكر وأعوانه وهم أشد الأمة جهادا لللكفار والمنافقين والمرتدين وهم الذين قال الله فيهم فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء سورة المائدة 54 فأعوانه وأولياؤه خير الأمة وأفضلها وهذا أمر معلوم في السلف والخلف فخيار المهاجرين والأنصار الذين كانوا يقدمونه في المحبة على غيره ويرعون حقه ويدفعون عنه من يؤذيه
مثال ذلك أن أمراء الأنصار اثنان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن معاذ أفضلهما
ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اهتز لموت سعد عرش الرحمن فرحا بقدوم روحه وحمله النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله
ولما حكم في بني قريظة بحكم لم تأخذه في الله لومة لائم قال له النبي صلى الله عليه وسلم
لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات

(8/311)


وقد عرف أنه وابن عمه أسيد بن حضير كانا من أعظم أنصار أبي بكر وابنته على أهل الإفك ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح كان أبو بكر رأس المهاجرين عن يمينه وأسيد بن حضير رأس الأنصار عن يساره فإن سعد بن معاذ كان قد توفي عقب الخندق بعد حكمه في بني قريظة
وقال أسيد بن حضير لما نزلت آية التيمم ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ما نزل ما تكرهينه إلا جعل الله لك فيه فرجا وجعل المسلمين فيه بركة وعمر وأبو عبيدة وأمثالهما من خيار المهاجرين وكانا من أعظم أعوان الصديق وهؤلاء أفضل من سعد بن عبادة الذي تخلف عن بيعته وعن القيام على أهل الإفك وعزله عن الإمارة يوم فتح مكة وقد روي أن الجن قتله وإن كان مع ذلك من السابقين الأولين من أهل الجنة
وكذلك عمر وعثمان أفضل من علي فإنه لم يكن له في قصة الإفك من نصرة الصديق وفي خلافة أبي بكر من القيام بطاعة الله ورسوله ومعاونته أبو بكر ما كان لغيره والله حكم عدل يجزي الناس بقدر أعمالهم وقد فضل الله النبيين بعضهم على بعض وفضل الرسل على غيرهم وأولو العزم أفضل من سائر الرسل وكذلك فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على غيرهم وكلهم أولياء الله وكلهم في الجنة وقد رفع الله درجات بعضهم على بعض فكل من كان إلى الصديق أقرب من المهاجرين والأنصار كان أفضل فما زال خيار المسلمين مع الصديق قديما وحديثا وذلك لكمال نفسه وإيمانه
وكان رضي الله عنه من أعظم المسلمين رعاية لحق قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فإن كمال محبته للنبي صلى الله عليه وسلم أوجب سراية الحب لأهل بيته إذا كان رعاية
أهل بيته مما أمر الله ورسوله به وكان الصديق رضي الله عنه يقول ارقبوا محمدا في آل بيته رواه عنه البخاري وقال والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي

(8/312)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية