صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
المحقق :د. محمد رشاد سالم
الناشر :مؤسسة قرطبة
الطبعة :الطبعة الأولى ، 1406
عدد الأجزاء :8
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
أدخله على الموسوعة و فهرسه أخوكم خالد لكحل-عفا الله عنه- عضو في ملتقى أهل الحديث

وقوله إنه أخذ بيد ابنه زيدا أو يزيد فمعاوية لم يكن له ابن اسمه زيد وما يزيد ابنه الذي تولى بعده الملك وجرى في خلافته ما جرى فإنما ولد في خلافة عثمان باتفاق أهل العلم ولم يكن لمعاوية ولد عل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الحافظ أبو الفضل ابن ناصر خطب معاوية رضي الله عنه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزوج لأنه كان فقيرا وإنما تزوج في زمن عمر رضي الله عنه وولد له يزيد في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة سبه وعشرين من الهجرة
ثم نقول ثالثا هذا الحديث يمكن معارضته بمثله من جنسه بما يدل على فضل معاوية رضي الله عنه قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات قد تعصب قوم ممن يدعى السنة فوضعوا في

فضل معاوية رضي الله عنه أحاديث ليغيظوا الرافضة وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمة أحاديث وكلا الفريقين على الخطأ القبيح
وأما قوله إنه بالغ في محاربة علي
فلا ريب أنه اقتتل العسكران عسكر علي ومعاوية بصفين ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء بل كان من أشد الناس حرصا على أن لا يكون قتال وكان غيره أحرص على القتال منه وقتال صفين للناس فيه أقوال فمنهم من يقول كلاهما كان نجتهدا مصيبا كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ممن يقول كل مجتهد مصيب ويقول كانا مجتهدين وهذا قول كثير من الأشعرية والكرامية والفقهاء وغيرهم وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وتقول الكرامية كلاهما إمام مصيب ويجوز نصب إمامين للحاجة
ومنهم من يقول بل المصيب أحدهما لا بعينه وهذا قول طائفة منهم
ومنهم من يقول على هو المصيب وحده ومعاوية مجتهد مخطىء كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة

وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله بن حامد بن أصحاب أحمد وغيرهم

(4/218)


ومنهم من يقول كان الصواب أن لا يكون قتال وكان ترك القتال خيرا للطائفتين فليس في الاقتاال صواب ولكن على كان أقرب إلى الحق من معاوية والقال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب وكان ترك القتال خيرا للطائفتين مع أن عليا كان أولى بالحق
وهذا هو قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهو قول عمران بن حصين رضي الله عنه وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ويقول هو بيع السلاح في الفتنة وهو قول أسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأكثر من بقى من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم
ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة

فإنه قد ثبتت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان ومنه ما تاب صاحبه منه ومنه ما يكن مغفورا فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضا وذما ويكون هو في ذلك مخطئا بل عاصيا فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك كما جرى لأكثر من تكلم في ذلك فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله إما من ذم من لا يستحق الذم وإما من مدح أمور لا تستحق المدح
ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف وأما غير هؤلاء فمنهم من يقول كان معاوية فاسقا دون علي كما يقوله بعض المعتزلة ومنهم من يقول بل كان كافرا كما يقوله بعض الرافضة ومنهم من يقول كلاهما كافر على ومعاوية كما يقوله الخوارج ومنهم من يقول فسق أحدهما لا بعينه كما يقوله بعض المعتزلة ومنهم من يقول بل معاوية على الحق وعلى كان ظالما كما تقوله المروانية
والكتاب والسنة قد دل على أن الطائفتين مسلمون وأن ترك القتال كان خيرا من وجوده قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا

(4/219)


فأصلحوا بينهما فإن بغث إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين فسماهم مؤمنين إخوة مع وجود الاقتاال والبغى
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق وهؤلاء المارقة مرقوا على علي فدل على أن طائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ابنى هذا سيد وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين فأصلح الله به بين أصحاب علي وأصحاب معاوية فمدح النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بالإصلاح بينهما وسماهما مؤمنين وهذا يدل على أن الإصلاح بينهما هو المحمود ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يكن تركه محمودا
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي من يستشرف لها تستشرفه ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به أخرجاه في الصحيحين
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوشك أن يكون خير مال المسلم غم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن
وفي الصحيح عن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر
والذين رووا أحاديث القعود في الفتنة والتحذير منها كسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد لم يقاتلوا لا مع على ولا مع معاوية
وقال حذيفة رضي الله عنه ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له لا تضرك الفتنة
وعن ثعلبه بن ضبيعة قال دخلنا على حذيفة فقال إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة شيئا فخرجنا فإذا فسطاط مضروب فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة فسألناه عن ذلك فقال ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصارهم حتى تنجلى عما انجلت رواهما أبو داود

(4/220)


فصل
ومما ينبغي أن يعلم أن الأمة يقع فيها أمور بالتأويل في دمائها وأموالها وأعراضها كالقتال واللعن والتكفير وقد ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فعلوته بالسيف
فقال لا إله إلا الله فطعنته فقتلته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله قال قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا من السلاح ألا فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ وفي الصحيحين عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله بعد أن قالها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتله فقلت يا رسول الله إنه قطعها ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتله فإنك إنقتلته فإنه يمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أ يقول كلمته التي قالها
فقد ثبت أن هؤلاء قتلوا قوما مسلمين لا يحل قتلهم ومع هذا فلم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ضمن المقتول بقود ولادية

(4/221)


ولا كفارة لأن القاتل كان متأولا وهذا قول أكثر العلماء كالشافعي وأحمد وغيرهما ومن الناس من يقول بل كانوا أسلموا ولم يهاجروا فثبتت في حقهم العصمة المؤثمة دون المضمنة بمنزلة نساء أهل الحرب وصبيانهم كما يقوله أبو حنيفة وبعض المالكية ثم إن جماهير العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه والشافعي في أحد قوليه يقولون إن أهل العدل والبغاة إذا اقتتلوا بالتأويل لم يضمن هؤلاء ما أتلفوه لهؤلاء من النفوس والأموال حال القتال ولم يضمن هؤلاء ما أتلفوه لهؤلاء
كما قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أصيب بتأويل القران فإنه هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية يعني بذلك أن القاتل لم يكن يعتقد أنه فعل محرما وإن قيل إنه محم في نفس الأمر فقد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة واتفاق المسلمين أن الكافر الحربي إذا قتل

مسلما أو أتلف ما له ثم أسلم لم يضمنه بقود ولا دية ولا كفارة مع أن قتله له كان من أعظم الكبائر لأنه كان متأولا وإن كان تأويله فاسدا
وكذلك المرتدون المتنعون إذا قتلوا بعض المسلمين لم يضمنوا دمه إذا عادوا إلى الإسلام عند أكثر العلماء كما هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد وإن كان من متأخري أصحابه من يحكيه قولا كأبي بكر عبد العزيز حيث قد نص أحمد على أن المرتد يضمن ما أتلفه بعد الردة
فهذا النص في المرتد المقدور عليه وذاك في المحارب الممتنع كما يفرق بين الكافر الذمى والمحارب أو يكون في المسألة روايتان وللشافعي قولان وهذا هو الصواب فإن المرتدين الذين قاتلهم الصديق وسائر الصحابة لم يضمنهم الصحابة بعد عودهم إلى الإسلام بما كانوا قتلوه من المسلمين وأتلفوه من أموالهم لأنهم كانوا متأولين

(4/222)


فالبغاة المتأولون كذلك لم تضمنهم الصحابة رضي الله عنهم وإذا كان هذا في الدماء والأموال مع أن من أتلفها خطأ ضمنها بنص القران فكيف في الأعراض مثل لعن بعضهم بعضا وتكفير بعضهم بعضا
وقد ثبت في الصحيحين من حديث الإفك قال النبي صلى الله عليه وسلم من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على

أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا والله ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي قال سعد بن معاذ أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال ذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير فقال كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فاستب الحيان حتى جعل رسول الله صلى الله ليه وسلم يخفضهم وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه يريد الدفع عن عبد الله بن أبي المنافق فقال له أسيد بن حضير إنك منافق وهذا كان تأويلا منه
وكذلك ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لحاطب بن أبي بلتعه دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق لما كاتب المشركين بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه شهد بدرا وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم

وثبت في الصحيحين أن طائفة من المسلمين قالوا في مالك بن الدخشن إنه منافق فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكفرهم فقد ثبت أن في الصحابة من قال عن بعض أمته إنه منافق متأولا في ذلك ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم واحدا منهما
وقد ثبت في الصحيح أن فيهم من لعن عبد الله حمارا لكثرة شربه

الخمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ولم يعاقب اللاعن لتأويله

(4/223)


والمتأول المخطىء مغفور له بالكتاب والسنة قال الله تعالى في دعاء المؤمنين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وثبت في الصحيح أن الله عز وجل قال قد فعلت وفي سنن أبن ماجه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان
فصل
إذا تبين هذا فيقال قول الرافضة من أفسد الأقوال وأشدها تناقضا فإنهم يعظمون الأمر على من قاتل عليا ويمدحون من قتل عثمان مع أن الذم والإثم لمن قتل عثمان اعظم من الذم والإثم لمن قاتل عليا فإن عثمان

كان خليفة اجتمع الناس عليه ولم يقتل مسلما وقدقاتلوه لينخلع من الأمر فكان عذره في أن يستمر على ولايته أعظم من عذر على في طلبه لطاعتهم له وصبر عثمان حتى قتل مظلوما شهيدا من غير أن يدفع عن نفسه وعلى بدأ بالقتال أصحاب معاوية ولم يكونوا يقاتلونه ولكن امتنعوا من بيعته
فإن جاز قتال من امتنع عن بيعة الإمام الذي بايعه نصف المسلمين أو أكثرهم أو نحو ذلك فقتال من قاتل وقتل الإمام الذي أجمع المسلمون على بيعته أولى بالجواز
وإن قيل إن عثمان فعل أشياء أنكروها
قيل تلك الأشياء لم تبح خلعه ولا قتله وإن أباحت خلقه وقتله كان ما نقموه على علي أولى أن يبيح ترك مبايعته فإنهم إن ادعوا على عثمان نوعا من المحاباة لبني أمية فقد ادعوا على علي تحاملا عليهم وتركا لإنصافهم وأنه بادر بعزل معاوية ولم يكن ليستحق العزل فإن النبي

(4/224)


صلى الله عليه وسلم ولي أباه أبا سفيان على نجران ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمير عليها وكان كثير من أمراء النبي صلى الله عليه وسلم على الأعمال من بني أمية فإنه استعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية على صدقات مذحج وصنعاء اليمن ولم يزل عليها حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم واستعمل عمرو على تيماء وخيبر وقرى عرينة وأبان بن سعيد بن العاص استعمله أيضا على البحرين برها وبحرها حين عزل العلاء بن الحضرمي فلم يزل عليها حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأرسله قبل ذلك أميرا على سرايا منها رية إلى نجد وولاه عمر رضي الله عنه ولا يتهم لا في دينه ولا في سياسته وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم

قالوا ومعاوية كانت رعيته تحبه وهو يحبهم ويصلون عليه وهو يصلي عليهم وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم قال مالك بن يخامر سمعت معاذا يقول وهم بالشام قالوا وهؤلاء كانوا عسكر معاوية
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يزل أهل الغرب ظاهرين حتى تقوم الساعة قال أحمد بن حنبل أهل

الغرب هم أهل الشام وقد بسطنا هذا في موضع اخر وهذا النص يتناول عسكر معاوية

(4/225)


قالوا ومعاوية أيضا كان خيرا من كثير ممن استنابه على فلم يكن يستحق أن يعزل ويولى من هو دونه في السياسة فإن عليا استناب زياد بن أبيه وقد أشاروا على علي بتولية معاوية قالوا يا أمير المؤمنين توليه شهرا واعزله دهرا ولا ريب أن هذا كان هو المصلحة إما لاستحقاقه وإما لتأليفه واستعطافه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي وولى أبا سفيان ومعاوية خير منه فولى من هو خير من علي من هو دون معاوية
فإذا قيل إن عليا كان مجتهدا في ذلك
قيل وعثمان كان مجتهدا فيما فعل وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض حتى ذل المؤمنين وعجزوا عن مقاومة الكفار حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم ولا ريب أنه لو لم يكن قتال بل كان معاوية مقيما على سياسة رعيته وعلى مقيما على سياسة رعيته لم يكن في ذلك

من الشر أعظم مما حصل بالاقتتال فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام بل سفكت الدماء وقويت العداوة والبغضاء وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق وهي طائفة علي وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تلك تطلبه ابتداء
ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة بل كان الأمر مع عدم القتال خيرا وأصلح منه بعد القتال وكان علي وعسكره أكثر وأقوى ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفورا لصاحبه فاجتهاد عثمان أن يكون مغفورا أولى وأحرى

(4/226)


وأما معاوية وأعوانه فيقولون إنما قاتلنا عليا قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه فإذا قيل لهم هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين قالوا ما نعلم أنه إمام تجب طاعته لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص ولم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه

وسلم نص بإمامته ووجوب طاعته ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق فإن هذا قد كتم وأخفى في زمن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم يجب أن يعلم معاوية وأصحابة مثل ذلك لو كان حقا فكيف إذا كان باطلا
وأما قوله الخلافة ثلاثون سنة ونحو ذلك فهذه الأحاديث لم تكن مشهورة شهرة يعلمها مثل أولئك إنما هي من نقل الخاصة لا سيما وليست من أحاديث الصحيحين وغيرهما وإذا كان عبد الملك بن مروان خفى عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها ما بين ونحو ذلك حتى هدم ما فعله ابن الزبير ثم لما بلغه ذلك قال وددت أني وليته من ذلك ما تولاه مع أن حديث عائشة رضي الله عنها ثابت صحيح متفق على صحته عند أهل العلم فلأن يخفى على معاوية وأصحابه قوله الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا بطريق الأولى مع أن هذا في أول خلافة علي رضي الله عنه لا يدل على علي عينا وإنما علمت دلالته على ذلك لما مات رضي الله عنه مع أنه ليس نصا في إثبات خليفة معين

ومن جوز خليفتين في وقت يقول كلاهما خلافة نبوة فإن معاوية رضي الله عنه كان في أول خلافته محمودا عندهم أكثر مما كان في اخرها وإن قيل إن خلافة علي ثبتت بمبايعة أهل الشوكة كما ثبتت خلافة من كان قبله بذلك أو ردوا على ذلك أن طلحة بايعه مكرها والذين بايعوه قاتلوه فلم تتفق أهل الشوكة على طاعته

(4/227)


وأيضا فإنما تجب مبايعته كمبايعة من قبله إذا سار سيرة من قبله وأولئك كانوا قادرين على دفع الظلم عمن يبايعهم وفاعلين لما يقدرون عليه من ذلك وهؤلاء قالوا إذا بايعناه كنا في ولايته نظلومين بولايته مع الظلم الذي تقدم لعثمان وهو لا ينصفنا إما لعجزه عن ذلك وإما تأويلا منه وإما لما ينسبه إليه اخرون منهم فإن قتلة عثمان وحلفاءهم أعداؤنا وهم كثيرون في عسكره وهو عاجز عن دفعهم بدليل ما جرى يوم الجمل فإنه لما طلب طلحة والزبير الانتصار من قتلة عثمان قامت قبائلهم فقاتلوهم
ولهذا كان الإمساك عن مثل هذا هو المصلحة كما أشار به على علي طلحة والزبير واتفقوا على ذلك ثم إن القتلة أحسوا باتفاق الأكابر فأثاروا الفتنة وبدأوا بالحملة على عسكر طلحة والزبير وقالوا لعلي إنهم

حملوا قبل ذلك فقاتل كل من هؤلاء وهؤلاء دفعا عن نفسه ولم لعلي ولا لطلحة والزبير غرض في القتال أصلا وإنما كان الشر من قتلة عثمان
وإذا كان لا ينصفنا إما تأويلا منه وإما عجزا منه عن نصرتنا فليس علينا أن نبايع من نظلم بولايته لا لتأوليه ولا لعجزه قالوا والذين جوزوا قتالنا قالوا إنا بغاة والبغي ظلم فإن كان مجرد الظلم مبيحا للقتال فلأن يكون مبيحا لترك المبايعة أولى وأحرى فإن القتال أعظم فسادا من ترك المبايعة بلا قتال
وإن قيل علي رضي الله عنه لم يكن متعمدا لزلمهم بل كان مجتهدا في العدل لهم وعليهم
قالوا وكذلك نحن لم نكن متعمدين للبغي بل مجتهدين في العدل له وعليه وإذا كنا بغاة كنا بغاة للتأويل والله تعالى لم يأمر بقتال الباغي ابتداء وليس مجرد البغي مبيحا للقتال بل قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فأمر بالإصلاح عند الاقتتال ثم قال فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله وهذا بغي بعد الاقتتال فإنه بغي إحدى الطائفتين المقتتلتين لا بغي بدون الاقتتال فالبغي المجرد

(4/228)


لا يبيح القتال مع أن الذي في الحديث أن عمارا تقتله الفئة الباغية قد تكون الفئة التي باشرت قتله هم البغاة لكونهم قاتلوا لغير حاجة إلى القتال أو لغير ذلك وقد تكون غير بغاة قبل القتال لكن لما اقتتلتا بغيتا وحينئذ قتل عمارا الفئة الباغية فليس في الحديث ما يدل علي أن البغي كان منا قبل القتال ولما بغينا كان عسكر علي متخاذلا لم يقاتلنا ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها ترك الناس العمل بهذا الاية
وأما قوله إن معاوية قتل جمعا كثيرا من خيار الصحابة
فيقال الذين قتلوا قتلوا من الطائفتين قتل هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليا ولا معاوية وكان علي ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين لكن غلبا فيما وقع والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي وهاشم بن عتبة المرقال وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبي الأعور السلمي ونحوهم من المحرضين على القتال قوم ينتصرون لعثمان

غاية الانتصار وقوم ينفرون عنه وقوم ينتصرون لعلي وقوم ينفرون عنه
ثم قتال أصحاب معاوية معه لم يكن لخصوص معاوية بل كان لأسباب أخرة وقتال مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم كما قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القران فإنه هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية
وأما ما ذكره من لعن علي فإن التلاعن وقع من الطائفتين كما وقعت المحاربة وكان هؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم وهؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم وقيل إن كل طائفة كانت تقنت على الأخرى والقتال باليد أعظم من التلاعن باللسان وهذا كله سواء كان ذنبا أو اجتهادا مخطئا أو مصيبا فإن مغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك

(4/229)


ثم من العجب أن الرافضة تنكر سب علي وهم يسبون أبا بكر وعمر وعثمان ويكفرونهم ومن والاهم ومعاوية رضي الله عنه وأصحابه ما كانوا يكفرون عليا وإنما يكفره الخوارج المارقون والرافضة شر منهم فلو أنكرت الخوارج السب لكان تناقضا منهم فكيف إذا أنكرته الرافضة
ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة لا علي ولا عثمان ولا غيرهما ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثما ممن سب عليا

وإن كان متأولا فتأويله أفسد من تأويل من سب عليا وإن كان المتأول في سبهم ليس بمذموم لم يكن أصحاب معاوية مذمومين وإن كان مذموما كان ذم الشيعة الذين سبوا الثلاثة أعظم من سب الناصبة الذين سبوا عليت وحده فعلى كل تقدير هؤلاء أبعد عن الحق
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
وأما قوله إن معاوية سم الحسن
فهذا مما ذكره بعض الناس ولم يثبت ذلك ببينة شرعية أو إقرار معتبر ولا نقل يجزم به وهذا مما لا يمكن العلم به فالقول به قول بلا علم وقد رأينا في زماننا من يقال عنه إنه سم ومات مسموما من الملوك وغيرهم ويختلف الناس في ذلك حتى في نفس الموضع الذي مات فيه ذلك الملك والقلعة التي مات فيها فتجد كلا منهم يحدث بالشيء بخلاف ما يحدث به الاخر ويقول هذا سمه فلان وهذا يقول بل سمه غيره لأنه جرى كذا وهي واقعة في زمانك والذين كانوا في قلعته هم الذين يحدثونك
والحسن رضي الله عنه قد نقل عنه أنه مات مسموما وهذا مما يمكن

أن يعلم فإن موت المسموم لا يخفى لكن يقال إن امرأته سمته ولا ريب أنه مات بالمدينة ومعاوية بالشام فغاية ما يظن الظان أن يقال إن معاوية أرسل إليها وأمرها بذلك وقد يقال بل سمته امرأته لغرض اخر مما تفعله النساء فإنه كان مطلاقا لا يدوم مع امرأة
وقد قيل إن أباها الأشعث بن قيس أمرها بذلك فإنه كان يتهم بالانحراف في الباطن عن علي وابنه الحسن

(4/230)


وإذا قيل إن معاوية أمر أباها كان هذا ظنا محضا والنبي صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث
وبالجملة فمثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين فلا يترتب

عليه أمر ظاهر لا مدح ولا ذم والله أعلم ثم إن الأشعث بن قيس مات سنة أربعين وقيل سنة إحدى وأربعين ولهذا لم يذكر في الصلح الذي كان بين معاوية والحسن بن علي في العام الذي كان يسمى عام الجماعة وهو عام أحد وأربعين وكان الأشعث حما الحسن بن علي فلو كان شاهدا لكان يكون له ذكر في ذلك وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين فكيف يكون هو الذي أمر ابنته أن تسم الحسن والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة الحال وهو يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون فإن كان قد وقع شيء من ذلك فهو من باب قتال بعضهم بعضا كما تقدم وقتال المسلمين بعضهم بعضا بتأويل وسب بعضهم بعضا بتأويل وتكفير بعضهم بعضا بتأويل باب عظيم ومن لم يعلم حقيقة الواجب فيه وإلا ضل

وأما قوله وقتل ابنه يزيد مولانا الحسين ونهب نساءه
فيقال إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق والحسين رضي الله عنه كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويفون له بما كتبوا إليه فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فلما قتلوا مسلما وغدروا به وبايعوا ابن زياد أراد الرجوع فأدركته السرية الظالمة فطلب أن يذهب إلى يزيد أو يذهب إلى الثغر أو يرجع إلى بلده قلم يمكنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم فامتنع فقاتلوه حتى قتل شهيدا مظلوما رضي الل هعنه ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك وظهر البكاء في داره ولم يسب له حريما أصلا بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم

(4/231)


ولو قدر أن يزيد قتل الحسين لم يكن ذنب ابنه ذنبا له فإن الله تعالى يقول ولا تزر وازرة وزر أخرى وقد اتفق الناس على أن معاوية رضي الله عنه وصى يزيد برعاية حق الحسين وتعظيم قدره وعمر بن سعد كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين وأبوه سعد كان من أبعد الناس عن الفتن ولابنه هذا معه قصة معروفة لما حضه على

طلب الخلافة وامتناع سعد من ذلك ولم يكن بقى من أهل الشورى غيره
ففي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما راه سعد قال أعوذ بالله من شر هذا الراكب فنزل فقال له أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم فضرب سعد في صدره فقال اسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي
ومحمد بن أبي بكر يقال إنه أعان على قتل عثمان وكان أبوه أبو بكر رضي الله عنه من أشد الناس تعظيما لعثمان فهل روى أحد من أهل السنة قدحا في أبي بكر لأجل فعل ابنه
وإذا قيل إن معاوية رضي اله عنه استخلف يزيد وبسب ولايته فعلى هذا
قيل اسخلافه إن كان جائزا لم يضره ما فعل وإن لم يكن جائزا فذاك ذنب مستقل ولو لم يقتل الحسين وهو مع ذلك كان من أحرص الناس على إكرم الحسين رضي الله عنه وصيانة حرمته فضلا عن دمه فمع هذا القصد والاجتهاد لا يضاف إليه فعل أهل الفساد

وأما قوله وكسر أبوه ثنية النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت أمه كبد حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم
فلا ريب أن أبا سفيان بن حرب كان قائد المشركين يوم أحد وكسرت ذلك اليوم ثنية النبي صلى الله عليه وسلم كسرها بعض المشركين لكن لم يقل أحد إن أبا سفيان باشر ذلك وإنما كسرها عتبة بن أبي وقاص وأخذت هند كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تبلعها فلفظتها

(4/232)


وكان هذا قبل إسلامهم ثم بعد ذلك أسلموا وحسن إسلامهم وإسلام هند وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمها والإسلام يجب ما قبله وقد قال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف
وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال حضرنا

عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول ما يبكيك يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أما بشرك بكذا قال فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إني قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني ولا أحب إلى أن أكون قج استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله عز وجل الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يدي فقال مالك يا عمرو قال قلت أريد أن اشترط قال تشترط بماذا قلت أن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله وذكر الحديث
وفي البخاري لما أسلمت هند أم معاوية رضي الله عنهما قالت والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب أن يعزوا من أهل خبائك

(4/233)


فصل
قال الرافضي وسموا خالد بن الوليد سيف الله عنادا لأمير المؤمنين الذي هو أحق بهذا الاسم حيث قتل بسيفه الكفار وثبت بواسطته قواعد الدين وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سيف الله وسهم الله وقال علي على المنبر أنا سيف الله على أعدائه ورحمته لأوليائه
وخالد لم يزل عدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكذبا له وهو كان السبب في قتل المسلمين يوم أحد وفي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وفي قتل حمزه عمه ولما تظاهر بالإسلام بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني جذيمة ليأخذ منهم
الصدقات فخانه وخالفه على أمره وقتل المسلمين فقام النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه خطيبا بالإنكار عليه رافعا يديه إلى السماء حتى شوهد بياض إبطيه وهو يقول اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ثم أنف إليه بأمير المؤمنين لتلافى فارطه وأمره بأن يسترضى القوم من فعله
فيقال أما تسمية خالد بسيف الله فليس هو مختصا به بل هو سيف من سيوف الله سلة الله على المشركين هكذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول من سماه بهذا الاسم كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أيوب السختياني عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن البي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيه خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحه فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذها سيف من سيوف الله خالد حتى فتح الله عليهم
وهذا لا يمنع أن يكون غيره سيفا لله تعالى بل هو يتضمن أن سيوف الله متعددة وهو واحد منها ولا ريب أن خالدا قتل من الكفار أكثر مما قتل غيره وكان سعيدا في حروبه وهو أسلم قبل فتح مكة بعد الحديبية وهو وعمرو بن العاص وشيبة بن عثمان وغيرهم ومن حين أسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمره في الجهاد وخرج في غزوة مؤته التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل

(4/234)


فعبد الله بن رواحة وكانت قبل فتح مكة ولهذا لم يشهد هؤلاء فتح مكة فلما قتل هؤلاء الأمراء أخذ الراية خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح الله على يديه وانقطع في يده يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت معه إلا صفيحة يمانية رواه البخاري ومسلم ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره يوم فتح مكة وأرسله إلى هدم العزى وأرسله إلى بنة جذيمة وأرسله إلى غير هؤلاء وكان أحيانا يفعل ما ينكره عليه كما فعل يوم بني جذيمة وتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك
ثم إنه مع هذا لا يعزله بل يقره على إمارته وقد اختصم هو وعبد الرحمن بن عوف يوم بني جذيمة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فوالدي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
وأمره أبو بكر على قتال أهل الردة وفتح العراق والشام فكان من أعظم الناس غناء في قتال العدو وهذا أمر لا يمكن أحد إنكاره فلا ريب إنه سيف من سيوف الله سله الله على المشركين

وأما قوله على أحق بهذا الاسم
فيقال أولا من الذي نازع في ذلك ومن قال إن عليا لم يكن سيفا من سيوف الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي ثبت في الصحيح يدل على أن لله سيوفا متعددة ولا ريب أن عليا من أعظمها وما في المسلمين من يفضل خالدا على علي حتى يقال إنهم جعلوا هذا مختصا بخالد والتسمية بذلك وقعت من النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح فهو صلى الله عليه وسلم الذي قال إن خالدا سيف من سيوف الله

(4/235)


ثم يقال ثانيا على أجل قدرا من خالد وأجل من أن تجعل فضيلته أنه سيف من سيوف الله فإن عليا له من العلم والبيان والدين والإيمان والسابقة ما هو به أعظم من أن تجعل فضيلته أنه سيف من سيوف الله فإن السيف خاصته القتال وعلي كان القتال أحد فضائله بخلاف خالد فإنه كان هو فضيلته التي تميز بها عن غيره لم يتقدم بسابقة ولا كثرة علم ولا عظيم زهد وإنما تقدم بالقتال فلهذا عبر عن خالد بأنه سيف من سيوف الله وقوله إن عليا قتل بسيفه الكفار

فلا ريب أنه لم يقتل إلا بعض الكفار وكذلك سائر المشهورين بالقتال من الصحابة كعمر والزبير وحمزة والمقداد وأبي طلحة والبراء بن مالك وغيرهم رضي الله عنهم ما منهم من أحد إلا قتل بسيفه طائفة من الكفار والبراء بن مالك قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك في دمه
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة وقال إن لكل نبي حوارة وإن حوارة الزبير وكلا الحديثين في الصحيح
وفي المغازى انه قال لعلي يوم أحد لما قال لفاطمة عن السيف اغسليه غير ذميم إن تكن أحسنت فقد أحسن فلان وفلان

وقال عن البراء بن مالك إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك وكانو يقولون في المغازى للبراء بن مالك يا براء أقسم على ربك فيقسم على ربه فيهزم الكفار ثم في اخر غزوة فزاها قال أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد فاستشهد رضي الله عنه
والقتال يكون بالدعاء كما يكون باليد قال النبي صلى الله عليه وسلم هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم

وكان صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين
ومع هذا فعلى أفضل من البراء بن مالك وأمثاله فكيف لا يكون أفضل من خالد
وأما قوله وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سيف الله وسهم الله

(4/236)


فهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث ولا له إسناد معروف ومعناه باطل فإن عليا ليس هو وحده سيف الله وسهمه وهذه العبارة يقتضي ظاهرها الحصر

والذي في الصحيح أن أبا بكر قال يوم حنين لا ها الله إذن لا نعمد إلى أسد من أسود الله تعالى يقاتل عن الله عز وجل وعن رسوله فنعطيك سلبه
فإن أريد بذلك أن علي وحده سيف الله وسهم الله فهذا باطل وإن أريد به أنه سيف من سيوف الله فعلى أجل من ذلك وأفضل وذلك بعض فضائله
وكذلك ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال على المنبر أنا سيف الله على أعدائه ورحمته لأوليائه
فهذا لا إسناد له ولا يعرف له صحة لكن إن كان قاله فمعناه صحيح وهو قدر مشترك بينه وبين أمثاله
قال الله تعالى فيهم أشداء على الكفار رحماء بينهم وقال أذلة على المؤمنين أعزة على الكفافرين
وكل من المهاجرين المجاهدين كان سيفا على أعداء الله ورحمة لأولياء الله ولا يجوز أن يريد أني أنا وحدي سيف الله وأنا وحدي رحمة

على أولياء الله فغن هذا من الكذب الذي يجب تنزيه على عن أن يقوله
وإن أريد أنه في ذلك أكمل من غيره فالحصر للكمال فهذا صحيح في زمنه وإلا فمعلوم أن عمر كان قهره للكفار أعظم وانتفاع المؤمنين به أعظم وانتفاع المؤمنين به أعظم وهذا مما يعرفه كل من عرف السيرتين فإن المؤمنين جميعهم حصل لهم بولاية عمر رضي الله عنه من الرحمة في دينهم ودنياهم ما لم يحصل شيء منه بولاية علي وحصل لجميع أعداء الدين من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من القهر والقتل والذل بولاية عمر رضي الله عنه ما لم يحصل شيء منه بولاية علي هذا أمر معلوم للخاصة والعامة ولم يكن في خلافة علي للمؤمنين الرحمة التي كانت في زمن عمر وعثمان بل كانوا يقتتلون ويتلاعنون ولم يكن لهم على الفار سيف بل الكفار كانوا قد طمعوا فيهم وأخذوا منهم أموالا وبلادا فكيف يظن مع هذا تقدم على في هذا الوصف على عمر وعثمان

(4/237)


ثم الرافضة يتناقضون فإنهم يصفون عليا بأنه كان هو الناصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لولا هو لما قام دينه ثم يصفونه بالعجز والذل والمنفى لذلك

وأما قوله وخالد لم يزل عدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكذبا له
فهذا كان قبل إسلامه كما كان الصحابة كلهم مكذبين له قبل الإسلام من بني هاشم وغير بني هاشم مثل أبي سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب وأخيه ربيعة وحمزة عمه وعقيل وغيرهم
وقوله وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني جذيمة ليأخذ منهم الصدقات فخانه وخالفه على أمره وقتل المسلمين فقام النبي صلى الله عليه وسلم خيبا بالإنكار عليه رافعا يديه إلى السماء حتى شوهد بياض إبطيه وهو يقول اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ثم أنفذ إليه بأمير المؤمنين لتلافى فارطه وأمره أن يسترضى القوم من فعله
فيقال هذا النقل فيه من الجهل والتحريف مالا يخفى على من يعلم السيرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إليهم بعد فتح مكة ليسلموا فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا صبأنا صبأنا فلم يقبل ذلك منهم وقال إن هذا ليس بإسلام فقتلهم فأنكر ذلك عليه من معه من أعيان الصحابة كسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن عمر وغيرهما ولما بلغ ذلك النبي صلى وسلم رفع يديه إلى السماء وقال

اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد لأنه خاف أن يطالبه الله بما جرى عليهم من العدوان وقد قال تعالى فإن عصوك فقل إني برىء مما تعلمون ثم أرسل عليا وأرسل معه مالا فأعطاهم نصف الديات وضمن لهم ما تلف حتى ميلغة الكلب ودفع إليهم ما بقي احتياطا لئلا يكون بقى شيء لم يعلم به
ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعزل خالدا عن الإمارة بل ما زال يؤمره ويقدمه لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك وأقر على ولايته ولم يكن خالد معاندا للنبي صلى الله عليه وسلم بل كان مطيعا له ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره فخفي عليه حكم هذه القضية

(4/238)


ويقال إنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية وكان ذلك مما حركة على قتلهم وعلي كان رسولا في ذلك

وأما قوله إنه أمره أن يسترضي القوم من فعله
فكلام جاهل فإنما أرسله لإنصافهم وضمان ما تلف لهم لا لمجرد الاسترضاء
وكذلك قوله عن خالد إنه خانه وخالف أمره وقتل المسلمين
كذب على خالد فإن خالدا لم يتعمد خيانة النبي صلى الله عليه وسلم ولا مخالفة أمره ولا قتل من هو مسلم معصوم عنده ولكنه أخطأ كما أخطأ أسامة بن زيد في الذي قتله بعد أن قال لا إله إلا الله وقتل السرية لصاحب الغنيمة الذي قال أنا مسلم فقتلوه وأخذوا غنمه السرية لصاحب الغنيمة الذي قال أنا مسلم فقتلوه وأخذوا غنمه وأنزل الله في ذلك يا أيها الذين امنوا إذا ضربتم في سبيل لله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعلمون خبيرا
وفي صحيح مسلم وغيره عن أسامة بن زيد قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقات من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم قال ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله قال قلت يا رسول الله إنما قالها متعوذا

قال فقتله بعد أن قال لا إله إلا الله فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم
فصل

(4/239)


قال الرافضي ولما قبض الني صلى الله عليه وسلم وأنفذه أبو بكر لقتال أهل اليمامة قتل منهم ألفا ومائتي نفر مع تظاهرهم بالإسلام وقتل مالك بن نويرة صبرا وهو مسلم وعرس بامرأته وسموا بني حنيفة أهل الردة لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر لأنهم لم يعتقدوا إمامته واستحل دماءهم وأموالهم ونساءهم حتى أنكر عمر عليه فسموا مانع الزكاة مرتدا ولم يسموا من استحل دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين مرتدا مع أنهم سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم يا علي

حربك حربي وسلمك سلمي ومحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافر بالإجماع
والجواب بعد أن يقال الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين أتباع المرتدين الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه ودينه ومرقوا من الإسلام ونبذوه وراء ظهورهم وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين وتولوا أهل الردة والشقاق فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين على الصديق رضي الله عنه وحزبه من أصولهم من جنس المرتدين الكفار كالمرتدين الذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه
وذلك أن أهل اليمامة هم بنو حنيفة الذين كانوا قد امنوا بمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد قدم المدينة وأظهر الإسلام وقال إن جعل محمد لي الأمر من بعده امنت به ثم لما صار إلى اليمامة ادعى أنه شريك النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة وأن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه على ذلك وشهد له الرجال بن عنفوة وكان قد صنف قرانا يقول فيه والطاحنات طحنا فالعاجنات عجنا فالخابزات خبزا إهالة وسمنا إن الأرض بيننا وبين

(4/240)


قريش نصفين ولكن قريشا قوم لا يعدلون ومنه قوله لعنه الله يا ضفدع بنت ضفدعين نقى كم تنقين لا الماء تدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء ودنبك في الطين ومنه قوله لعنه الله الفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا الجليل ونحو ذلك من الهذيان السج الذي قال فيه الصديق رضي الله عنه لقومه لما قرؤوه عليه ويلكم أين يذهب بعقولكم إن هذا كلام لم يخرج من إل
وكان هذا الكذاب قد كتب للنبي صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه أبو بكر خالد بن الوليد فقاتله بمن معه من المسلمين بعد أن قاتل

خالد بن الوليد طليحة الأسدي الذي كان أيض قد ادعى النبوة واتبعه طوائف من أهل نجد فلما نصر الله المؤمنين على هؤلاء وهزموهم وقتل ذلك اليوم عكاشة بن محصن الأسدي وأسلم بعد ذلك طليحة الأسدي هذا ذهبوا بعد ذلك إلى قتال مسيلمة الكذاب البيمامة ولقي المؤمنون في حربه شدة عظيمة وقتل في حربه طائفة من خيار الصحابة مثل زيد بن الخطاب وثابت بن قيس بن الشماس وأسيد بن حضير وغيرهم
وفي الجملة فأمر مسيلمة الكذاب وادعاؤه النبوة واتباع بني حنيفة له باليمامة وقتال الصديق لهم على ذلك أمر متواتر مشهور قد علمه الخاص والعام كتواتر أمثاله وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة بل علم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال الجمل وصفين فقد ذكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر الجمل وصفين وهذا الإنكار وإن كان باطلا فلم نعلم أحدا أنكر قتال أهل اليمامة وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة وأنهم قاتلوه على ذلك

(4/241)


لكن هؤلاء الرافضة من جحدهم لهذا وجهلهم به بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دفنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم لموالاة أبي بكر وعمر للنبي صلى اله عليه وسلم ودعواهم أنه نص على علي بالخلافة بل منهم من ينكر أن تكون زينب ورقية وأم كلثوم من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافرا قبل النبي صلى الله عليه وسلم
ومنهم من يقول إن عمر غصب بنت علي حتى زوجه بها وأنه تزوج غصبا في الإسلام ومنهم من يقول إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت وهدموا سقف بيتها على من فيه وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها كذب فهم دائما يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق فهم يفترون الكذب ويكذبون بالحق وهذا حال المرتدين
وهم يدعون أن أبا بكر وعمر ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام وقد علم الخاص والعام أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين فإذا كانوا يدعون أن أهل اليمامة مظلومون قتلوا بغير حق وكانوا منكرين لقتال أولئك

متأولين لهم كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأولئك السلف وأن الصديق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان
وقوله إنهم سموا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر

(4/242)


فهذا من أظهر الكذب وأبينه فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم امنوا بمسيلمة الكذاب واعتقدوا نبوته وأما مانعو الزكاة فكانوا قوما اخرين غير بني حنيفة وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم وأما مانعو الزكاة فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا خليفة رسول الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فقال له أبو بكر ألم يقل إلا بحقها فإن الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا أو عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه

وهؤلاء لم يقاتلوهم لكونهم لم يؤدوها إلى الصديق فإنهم لو أعطوها بأنفسهم لمستحقيها ولم يؤدوها إليه لم يقاتلهم هذا قول جمهور العلماء كأبي حنيفة وأحمد وغيرهما وقالوا إذا قالوا نحن نؤديها بأنفسنا ولا ندفعها إلى الإمام لم يكن له قتالهم فإن الصديق رضي الله عنه لم يقاتل أحدا على طاعته ولا ألزام أحدا بمبايعته ولهذا لما تخلف عن بيعته سعد لم يكرهه على ذلك
فقول القائل سموا بني حنيفة أهل الردة لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر لأنهم لم يعتقدوا إمامته من أظهر الكذب والفرية وذلك قوله إن عمر أنكر قتال بني حنيفة
وأما قوله ولم يسموا من استحل دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين مرتدا مع أنهم سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم يا علي حربك حربي وسلمك سلمي ومحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافر بالإجماع
فيقال في الجواب أولا دعواهم أنهم سمعوا هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم أو عنه كذب عليهم فمن الذي نقل عنهم أنهم سمعوا ذلك وهذا الحديث ليس في شيء من كتب علماء الحديث

(4/243)


المعروفة لا روي بإسناد معروف ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله لم يجب أن يكونوا قد سمعوه فإنه لم يسمع كل منهم كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف إذا لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ولا روي بلإسناد معروف بل كيف إذا علم أنه كذب موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم بالحديث
وعلي رضي الله عنه لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان رأياه راه
وقال أبو داوود في سننه حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي حدثنا اب علية عن يونس عن الحسن عن قيس بن عباد قال قلت لعلي رضي الله عنه أخبرنا عن مسيرك هذا أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأى رأيته قال ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولكنه رأى رأيته
ولو كان محارب علي محاربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مرتدا لكان علي يسير فيهم السيرة في المرتدين وقد تواتر عن علي يوم الجمل لما قاتلهم أنه لم يتبع مدبرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يغنم لهم مالا ولا سبى

لهم ذرية وأمر مناديه ينادي في عسكره أن لا يتبع لهم مدبر ولا يجهز على جريحهم ولا تغنم أموالهم ولو كانوا عنده مرتدين لأجهز على جريحهم واتبع مدبرهم
وهذا مما أنكره الخوارج عليه وقالوا له إن كانوا مؤمنين فلا يحل قتالهم وإن كانوا كفارا فلم حرمت أموالهم ونساءهم فأرسل إليهم ابن عباس رضي الله عنهما فناظرهم وقال لهم كانت عائشة فيهم فإن قلتم إنها ليست أمنا كفرتم بكتاب الله وإن قلتم هي أمنا استحللتم وطأها كفرتم بكتاب الله
وكذلك أصحاب الجمل كان يقول فيهم إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف
وقد نقل عنه رضي الله عنه أنه صلى على قتلى الطائفتين وسيجىء إن شاء الله بعض الاثار بذلك
وإن كان أولئك مرتدين وقد نزل الحسن عن أمر المسلمين

(4/244)


وسلمه إلى كافر مرتد كان المعصوم عندهم قد سلم أمر المسلمين إلى المرتدين وليس هذا من فعل المؤمنين فضلا عن المعصومين
وأيضا المرتدون منتصرين على المؤمنين دائما
والله تعالى يقول في كتابه إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ويقول في كتابه ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرلسني إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ويقول في كتابه ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
وهؤلاء الرافضة الذين يدعون أنهم المؤمنون إنما لهم الذل والصغار ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس
وأيضا فإن الله تعالى يقول في كتابه وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فقد جعلهم مؤمنين إخوة مع الاقتتال والبغي
وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

تمرق مارقة علي حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق وقال إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظئمتين من المسلمين وقال لعمار تقتلك الفئة الباغية لم يقل الكافرة
وهذه الأحاديث صحيحة عند أهل العلم بالحديث وهي مروية بأسانيد متنوعة لم يأخذ بعضهم عن بعض وهذا مما يوجب العلم بمضمونها وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفتين المفترقتين مسلمتان ومدح من أصلح الله به بينهما وقد أخبر أنه تمرق مارقة وأنه تقتلها أدنى الطائفتين إلي الحق
ثم يقال لهؤلاء الرافضة لو قالت لكم النواصب علي قد استحل دماء المسلمين وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رياسته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وقال

ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فيكون علي كافرا لذلك لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة

(4/245)


وأيضا فيقولون قتل النفوس فساد فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدا للعلو في الأرض والفساد وهذا حال فرعون والله تعالى يقول تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الاخرة وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ولمانعي الزكاة فإن الصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله لا على كاعته فإن الزكاة فرض عليهم فقاتلهم عللا الإقرار بها وعلى أدائها بخلاف من قاتل ليطاع هو ولهذا قال للإمام حمد وأبو حنيفة وغيرهما من قال أنا أؤدي الزكاة ولا أعطيها للإمام لم يكن للإمام أن يقاتله وهذا فيه نزاع بين الفقهاء فمن يجوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوز قتال هؤلاء وهو قول طائفة من الفقهاء ويحكى هذا عن الشافعي رحمه الله

ومن لم يجوز القتال إلا على ترك طاعة الله ورسوله لا على ترك طاعة شخص معين لم يجوز قتال هؤلاء
وفي الجملة فالذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإقرار بما جاء به فلهذا كانوا مرتدين بخلاف من أقر بذلك ولكن امتنع عن طاعة شخص معين كمعاوية وأهل الشام فإن هؤلاء كانوا مقرين بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وقالوا نحن نقوم بالواجبات من غير دخول في طاعة علي رضي الله عنه لما علينا في ذلك من الضرر فأين هؤلاء من هؤلاء

(4/246)


وأعلم أن طائفة من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد جعلوا قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج جميعا من قتال البغاة وجعلوا تال الجمل وصفين من هذا الباب وهذا القول خطأ مخالف لقول الأئمة الكبار وهو خلاف نص مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة السلف ومخالف للسنة الثابته عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الخوارج أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم واتفق على ذلك الصحابة وأما القتال بالجمل وصفين فهو قتال فتنة وليس فيه أمر من الله ورسوله ولا إجماع من الصحابة وأما قتال مانعي الزكاة إذا كانوا ممتنعين عن أدائها بالكلية أو عن الإقرار بها فهو أعظم من قتال الخوارج

وأهل صفين لم يبدؤوا عليا بالقتال وأبو حنيفة وغيره ولا يجوزون قال البغاة إلا أن يبدؤوا الإمام بالقتال وكذلك أحمد وأبو حنيفة ومالك لا يجوزون قتال من قام بالواجب إذا كانت طائفة ممتنعة قالت لا نؤدي وكاتنا إلى فلان فيجب الفرق بين قتال المرتدين وقتال الخوارج المارقين
وأما قتال البغاة المذكورين في القران فنوع ثالث غير هذا وهذا فإن الله تعالى لم يأمر بقتال البغاة ابتداء بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين بالإصلاح بينهما وليس هذا حكم المرتدين ولا حكم الخوارج والقتال يوم الجمل وصفين فيه نزاع هل هو من باب قتال البغاة المأمور به في القران أو هو قتال فتنة القاعد فيه خير من القائم فالقاعدون من الصحابة وجمهور أهل الحديث والسنة وأئمة الفقهاء بعدهم يقولون هو قتال فتنة ليس هو قتال البغاة المأمور به في القران فإن الله لم يأمر بقتال المؤمنين البغتة ابتداء لمجرد بغيهم بل إنما أمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم

(4/247)


وقوله فإن بغت إحداهما على الأخرى ويعود الضمير فيه إلى الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين لا يعود إلى طائفة مؤمنة لم تقاتل بالتقدير فإن بغت أحدى الطائفتين المؤمنتين المقتتلتين على الأخرى فقاتلوا الباغية حتى تفىء إلى أمر الله فمتي كانت طائفة باغية ولم تقاتل لم يكن في الاية أمر بقتالها
ثم إن كان قوله فإن بغت إحداهما على الأخرى بعد الإصلاح فهو أوكد وإن كان بعد الاقتتال حصل المقصود
وحينئذ فأصحاب معاوية إن كانوا قد بغوا قبل القتال لكونهم لم يبايعوا عليا فليس في الاية الأمر بقتال من بغى ولم يقاتل وإن كان بغيهم بعد الاقتتال والإصلاح وجب قتالهم لكن هذا لم يوجد فإن أحدا لم يصلح بينهما
ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها هذه الاية ترك الناس العمل بها يعنب إن ذاك
وإن كان بغيهم بعد الاقتتال وقبل الإصلاح فهنا إذا قيل بجواز القتال فهذا القدر إنما حصل في أثناء القتال وحينئذ فشل أصحاب علي ونكلوا عن القتال لما رفعوا المصاحف ففي الحال التي أمر بقتالهم فيها لم يقاتلوهم وفي الحال التي قاتلوهم لم يكن قتالهم مأمورا به فإن كان

أولئك بغاة معتدين فهؤلاء مفرطون مقصرون ولهذا ذلوا وعجزوا وتفرقوا وليس الإمام مأمورا بأن يقاتل بمثل هؤلاء
وفي الجملة فالبحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم بخلاف الكلام في تكفيرهم فإن هذا أمر يعلم فساده الخاصة والعامة بالدلائل الكثيرة
ومما يبين كذب هذا الحديث أنه لو كان حرب علي حربا لرسول الله صلى لله عليه وسلم والله تعالى قد تكفل بنصر رسوله كما في قوله تعالى إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وكما في قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن القتال وإن كان واقعا باجتهاد فليس هو من القتال

الذي يكون محارب أصحابه محاربا له ورسوله ثم إنه لو قدر أنه محارب لله ورسوله فالمحاربون قطاع الطريق لا يكفرون إذا كانوا مسلمين

(4/248)


وقد تنازع الناس في قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوه وتسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا هل هي في الكفار أو في المسلمين ومن يقول إنها في المسلمين يقول إن الله تعالى يقول إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ولو كانوا كفارا مرتدين لم يجز أن يقتصر على قطع أيدهم ولا نفيهم بل يجب قتلهم فإن المرتد يجب قتله
وكذلك من كان متأولا في محاربته مجتهدا لم يكن كافرا كقتل أسامة بن زيد لذلك المسلم متأولا لم يكن به كافرا وإن كان استحلال قتل المسلم المصعوم كفرا وكذلك تكفير المؤمن كفر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ومع هذا إذا قالها متأولا لم يكفر كما قال بن عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة
دعني أضرب عنق هذا المنافق وأمثاله وكقول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة إنك لمنافق تجادل عن المنافقين في قصة الإفك

(4/249)


فصل
قال الرافضي وقد أحسن بعض الفضلاء في قوله شر من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعته وجرى معه في ميدان معصيته ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد من الملائكة وكان يحمل العرش وحده ستة الاف سنة ولما خلق الله ادم وجعله خليفة في الأرض وأمره بالسجود فاستكبر فاستحق اللعنه والطرد ومعاوية لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن أسلم بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم بمدة طويلة ثم استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين عليه إماما وبايعه الكل بعد قتل عثمان وجلس مكانه فكان شرا من إبليس
فيقال هذا الكلام فيه من الجهل والضلال والخروج عن دين الإسلام وكل دين بل وعن العقل الذي يكون لكثير من الكفار مالا يخفى عن من تدبره
أما أولا فلأن إبليس أكثر من كل كافر وكل من دخل النار فمن أتباعه كما قال تعالى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وهو الامر لهم بكل قبيح الزين له فكيف يكون أحد شرا منه لا سيما من المسلمين لا سيما من الصحابة
وقول هذا القائل شر من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة وجرى معه في ميدان المعصية يقتضي أن كل من عصى الله فهو شر من إبليس لأنه لم يسبقه في سالف طاعة وجرى معه في ميدان المعصية وحينئذ فيكون ادم وذريته شرا من إبليس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل بني ادم خطاء وخير الخطائين التوابون
ثم هل يقول من يؤمن بالله واليوم الاخر إن من أذنب ذنبا من المسلمين يكون شرا من إبليس أو ليس هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام وقائل هذا كافر كفرا معلوما بالضرورة من الدين وعلى هذا فالشيعة دائما يذنبون فيكون كل منهم شرا من إبليس ثم إذا قالت الخوارج إن عليا أذنب فيكون شرا من إبليس لم يكن للروافض حجة الا دعوى عصمته وهم لا يقدرون أن يقيموا حجة على الخوارج بإيمانه وإمامته وعدالته فكيف يقيمون حجة عليهم بعصمته ولكن أهل السنة تقدر أن تقيم الحجة بإيمانه وإمامته لأن ما تحتج به الرافضة منقوض ومعارض بمثله فيبطل الاحتجاج به
ثم إذا قام الدليل على قول الجمهور الذي دل عليه القرن كقوله تعالى وعصى ادم ربه فغوى لزم أن يكون ادم شرا من إبليس
وفي الجملة فلوازم هذا القول وما فيه من الفساد يفوق الحصر والتعداد
وأما ثانيا فهذا الكلام كلام بلا حجة بل هو باطل في نفسه فلم قلت إن شرا من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة وجرى معه في ميدان معصية وذلك أن أحدا لا يجري مع إبليس في ميدان معصيته كلها فلا يصور أن يكون في الادميين من يساوي إبليس في معصيته بحيث يضل الناس كلهم ويغويهم
وأما طاعة إبليس المتقدمة فهي حابطة بكفره بعد ذلك فإن الردة

(4/250)


تحبط العمل فما تقدم من طاعته إن كان طاعة فهي حابطة بكفره وردته وما يفعله من المعاصي لا يماثله أحد فيه فامتنع أن يكون أحد شرا منه وصار نظير هذا المرتد الذي يقتل النفوس ويزني ويفعل عامة القبائح بعد سابق طاعاته فمن جاء بعده ولم يسبقه إلى تلك الطاعات الحابطة وشاركه في قليل من معاصيه لا يكون شرا منه فكيف يكون أحد شرا من إبليس
وهذا ينقض أصول الشيعة حقها وباطلها وأقل ما يلزمهم أن يكون أصحاب علي الذين قاتلوا معه وكانوا أحيانا يعصونه شرا من الذين امتنعوا عن مبايعته من الصحابة لأن هؤلاء عبدوا الله قبلهم وأولئك جروا معهم في ميدان المعصية
ويقال ثالثا ما الدليل على أن إبليس كان أعبد الملائكة وأنه كان يحمل العرش وحده ستة الاف سنة أو أنه كان من حملة العرش في الجملة أو أنه كان طاووس الملائكة أو أنه ما ترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سحدة وركعة ونحو ذلك مما يقوله بعض الناس
فإن هذا أمرإنما يعلم بالنقل الصادق وليس في القران شيء من ذلك ولا في ذلك خبر صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهل يحتج بمثل هذا في أصول الدين إلا من هو من أعظم الجاهلين

وأعجب من ذلك قوله ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد الملائكة
فيقال من الذي قال هذا من علماء الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين فضلا عن أن يكون هذا متفقا عليه بين العلماء وهذا شيء لم يقله قط عالم يقبل قوله من علماء المسلمين وهو أمر لا يعرف إلا بالنقل ولم ينقل هذا أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف فإن كان قاله بعض الوعاظ أو المصنفين في الرقائق أو بعض من ينقل في التفسير من الاسرائيليات مالا إسناد له فمثل هذا لا يحتج به في جرزة بقل فكيف يحتج به في جعل إبليس خيرا من كل من عصى الله من بني ادم ويجعل الصحابة من هؤلاء الذين إبليس خير منهم

(4/251)


وما وصف الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم إبليس بخير قط ولا بعبادة متقدمة ولا غيرها مع أنه لو كان له عبادة لكانت قد حبطت بكفره وردته
وأعجب من ذلك قوله لا شك بين العلماء أنه كان يحمل العرش

وحده ستى الاف سنة فيا سبحان الله هل قال ذلك أحد من علماء المسلمين المقبولين عند المسلمين وهل يتكلم بذلك إلا مفرط في الجهل فإن هذا لا يعرف لو كان حقا إلا بنقل الأنبياء وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء
ثم حمل واحد من الملائكة العرش خلاف ما دل عليه النقل الصحيح ثم ما باله حمل العراش وحده ستة الاف سنة ولم يكن يحمله وحده دائما ومن الذي نقل أن إبليس من حملة العرش
وهذا من أكذب الكذب فإن الله تعالى يقول الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا فأخبر أن له حملة لا واحدة وأنهم كلهم مؤمنون مسبحون بحمد ربهم مستغفرون للذين امنوا

وإذا قيل هذا إخبار عن الحمل المطلق ليس فيه أنه لم يزل له حملة
قيل قد جاءت الاثار بأنه لم يزل له حملة كحديث عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح أن الله تعالى لما خلق العرش أمر الملائكة بحمله قالوا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك فقال قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فقالوها فأطاقوا حمله
ويقال رابعا إن إبليس كفر كما أخبر الله تعالى بقوله إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين فلو قدر أنه كان له عمل صالح حبط بكفره كذلك غيره إذا كفر حبط عمله فأين تشبيه المؤمنين بهذا
ويقال خامسا قوله إن معاوية لم يزل في الإشراك إلى أن أسلم به يظهر الفرق فيما قصد به الجمع فإن معاوية أسلم بعد الكفر وقد قال تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وتاب من شركه وأقام الصلاة واتى الزكاة وقد قال تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فإخوانكم في الدين
وإبليس كفر بعد إيمانه فحبط إيمانه بكفره وذاك حبط كفره

(4/252)


بإيمانه فكيف يقاس من امن بعد الكفر بمن كفر بعد الإيمان
ويقال سادسا قد ثبت إسلام معاوية رضي الله عنه والإسلام يجب ما قبله فمن ادعى أنه ارتد بعد ذلك كان مدعيا دعوى بلا دليل لو لم يعلم كذب دعواه فكيف إذا علم كذب دعواه وأنه ما زال على الإسلام إلى أن مات كما علم بقاء غيره على الإسلام فالطريق الذي يعلم به بقاء إسلام أكثر الناس من الصحابة وغيرهم يعلم به بقاء إسلام معاوية رضي الله عنه والمدعي لارتداد معاوية وعمان وابي بكر وعمر رضي الله عنهم ليس هو أظهر حجة من المدعي لارتداد علي فإن كان المدعي لارتداد علي كاذبا فالمدعي لارتداد هؤلاء أظهر كذبا لأن الحجة على بقاء إيمان هؤلاء أظهر وشبهة الخوارج أظهر من شبهة الروافض
ويقال سابعا هذه الدعوى إن كانت صحيحة ففيها من القدح والغضاضة بعلي والحسن وغيرهما مالا يخفي وذلك أنه كان مغلوبا مع المرتدين وكان الحسن قد سلم أمرالمسلمين إلى المرتدين وخالد بن الوليد قهر المرتدين فيكون نصر الله لخالد على الكفار

أعظم من نصره لعلي والله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم واحدا منهما فيكون ما استحقه خالد من النصر أعظم مما استحقه علي فيكون أفضل عند الله منه
بل وكذلك جيوش أبو بكر وعمر وعثمان ونوابهم فإنهم كانوا منصورين على الكفار وعلي عاجز عن مقاومة المرتدين الذين هم من الكفار أيضا
فإن الله سبحانه وتعالى يقول ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم
وعلي رضي الله عنه دعا معاوية إلم السلم في اخر الأمر لما عجز عن دفعه عن بلاده وطلب منه أن يبقى كل واحد منهما على ما هو عليه وقد قال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين فإن كان أصحابه مؤمنين وأولئك مرتدين وجب أن يكونوا الأعلين وهو خلاف الواقع
ويقال ثامنا من قال إن معاوية رضي الله عنه استكبر عن طاعة

(4/253)


الله في نصب أمير المؤمنين ولم قلت إنه علم أن ولايته صحيحة وأن طاعته واجبة عليه فإن الدليل على ثبون ولايته ووجوب طاعته من المسائل المشتبهة التي لا تظهر إلا بعد بحث ونظر بخلاف من أجمع الناس على طاعته وبتقدير أن يكون علم ذلك فليس كل من عصى يكون مستكبرا عن طاعة الله والمعصية تصدر تارة عن شهوة وتارة عن كبر وهل يحكم على كل عاص بأنه مستكبر عن طاعة الله كاستكبار إبليس
ويقال تاسعا قوله وبايعه الكل بعد عثمان
إن لم يكن هذا حجة فائدة فيه وإن كان حجة فمبايعتهم لعثمان كان اجتماعهم عليها أعظم وأنتم لا ترون الممتنع عن طاعة عثمان كافرا بل مؤمنا تقيا
ويقال عاشرا اجتماع الناسعلى مبايعة أبي بكر كانت على قولكم أكمل وأنتم وغيركم تقولون إن عليا تخلف عنها مدة فيلزم على قولكم أن يكون علي مستكبرا عن طاعة الله في نصب أبي بكر عليه إماما فيلزم حينئذ كفر علي بمقتضى حجتكم أو بطلانها في نفسها وكفر علي باطل فلزم بطلانها
ويقال حادى عشر قولكم بايعه الكل بعد عثمان
من أظهر الكذب فإن كثيرا من المسلمين إما النصف وإما أقل

أو أكثر لم يبايعوه ولم يبايعه سعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر ولا غيرهما
ويقال ثاني عشر قولكم إنه جلس مكانه

(4/254)


كذب فإن معاوية لم يطلب الأمر لنفسه ابتداء ولا ذهب إلى علي لينزعه عن إمارته ولكن امتنع هو وأصحابه عن مبايعته وبقى على ما كان عليه واليا على من كان واليا عليه في زمن عمر وعثمان ولما جرى حكم الحكمين إنما كان متوليا على رعيته فقط فإن أريد بجلوسه في مكانه أنه استبد بالأمر دونه في تلك البلاد فهذا صحيح لكن معاوية رضي الله عنه يقول إني لم أنازعه شيئا هو في يده ولم يثبت عندي ما يوجب علي دخولي في طاعته وهذا الكلام سواء كان حقا أو باطلا لا يوجب كون صاحبه شرا من إبليس ومن جعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شرا من إبليس فما أبقى غاية في الافتراء على الله ورسوله والمؤمنين والعدوان على خير القرون في مثل هذا المقام والله ينصر رسله والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد والهوى إذا بلغ بصاحبه إلى هذا الحد فقد أخرد صاحبه عن ربقة العقل فضلا عن العلم والدين فنسأل الله العافية من كل بلية وإن حقا على الله أن يذل أصحاب مثل هذا

الكلام وينتصر لعباده المؤمنين من أصحاب نبيه وغيرهم من هؤلاء المفترين الظالمين
فصل
قال الرافضي وتمادى بعضهم في التعصب حتى اعتقد إمامة يزيد بن معاوية مع ما صدر عنه من الأفعال القبيحة من قتل الإمام الحسين ونهب أمواله وسبى نسائه ودورانهم في البلاد على الجمال بغير قتب ومولانا زين العابدين مغلول اليدين ولم يقنعوا بقتله حتى رضوا أضلاعه وصدره بالخيول وحملوا رؤوسهم على القنا مع أن مشايخهم رووا أن يوم قتل الحسين مطرت السماء دما وقد ذكر ذلك الرافعي في شرح الوجيز وذكر ابن سعد في الطبقات أن الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تر قبل ذلك وقال أيضا ما رفع حجر في الدنيا

إلا وتحته دم عبيط ولقد مطرت السماء مطرا بقى أثره في الثياب مدة حتى تقطعت قال الزهري ما بقى أحد من قاتلي الحسين إلا وعوقب في الدنيا إما بالقتل وإما بالعمى أو سواد الوجه أو زوال الملك في مدة يسيرة

(4/255)


وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الوصية للمسلمين في ولديه الحسن والحسين ويقول لهم هؤلاء وديعتي عندكم وأنزل الله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
والجواب أما قوله وتمادي بعضهم في التعصب حتى اعتقد إمامة يزيد بن معاوية
إن أراد بذلك أنه اعتقد أنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فهذا لم يعتقده أحد من علماء المسلمين

وإن اعتقد مثل هذا بعض الجهال كما يحكي عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم أنه يعتقد أن يزيد من الصحابة وعن بعضهم أنه من الأنبياء وبعضهم يعتقد أنه من الخلفاء الراشدين المهديين فهؤلاء ليسوا من أهل العلم الذين يحكي قولهم وهم من هذا الجهل خير من جهال الشيعة وملاحدتهم الذين يعتقدون إلاهية علي أو نبوته أو يعتقدون أن باطن الشريعة يناقض ظاهرها كما تقوله الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من أنه يسقط عن خواصخم الصوم والصلاة والحج والزكاة وينكرون المعاد بل غلاتهم يجحدون الصانعه وهم يعتقدون في محمد بن إسماعيل أنه أفضل من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأنه نسخ شريعته ويعتقدون في أئمتهم كالذي يسمونه المهدي وأولاده مثل المعز والحاكم وأمثالهم أنهم أئمة معصومون فلا ريب أن من اعتقد عصمة خلفاء بني أمية وبني العباس كلهم كان خيرا من هؤلاء من وجوه كثيرا فإن خلفاء بني أمية وبني العباس مسلمون ظاهرا وباطنا وذنوبهم من جنس ذنوب المسلمين ليسوا كفارا منافقين
وهؤلاء الباطنية هم في الباطن أكفر من اليهود والنصارى فمن اعتقد عصمة هؤلاء كان أعظم جهلا وضلالا ممن اعتقد عصمة خلفاء بني أمية

(4/256)


وبني العباس بل ولو اعتقد معتقد عصمة سائر ملوك المسلمين الذين هم مسلمون ظاهرا وباطنا لكان خيرا ممن اعتقد عصمة هؤلاء فقد تبين أن الجهل الذي يوجد فيمن هو من أجهل أهل السنة يوجد في الشيعة من الجهل ما هو أعظم منه لا سيما وجهل أولئك أصله جهل نفاق وزندقة لا جهل تأويل وبدعة وهؤلاء أصل جهلهم لم يكن جهل نفاق وزندقة بل جهل بدعه وتأويل وقلة علم بالشريعة
ولهذا إذا تبين لهؤلاء حقيقة ما بعث الله به محمدا رسوله رجعوا عن جهلهم وبدعتهم وأما أئمة الملاحدة فيعلمون في الباطن أن ما يقولونه مناقض لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهم يخالفونه لاعتقادهم أنه وضع ناموسا بعقله وفضيلته فيجوز لنا أن نضع ناموسا كما وضع ناموسا إذ كانت النبوة عندهم مكتسبة وهي عندهم من جنس فضيلة العلماء العباد والشرائع من جنس سياسة الملوك العادية فيجوزون أن نسخ شريعته بشريعة يضعها الواحد من أئمتهم ويقولون إن الشريعة إنما هي للعامة فأما الخاصة إذا علموا باطنها فإنه تسقط عنهم الواجبات وتباح لهم المحظورات
وهؤلاء ونحوهم أكثر من اليهود والنصارى بل إذا قدر قوم يعتقدون عصمة الواحد من بني أمية أو بني العباس أو أنه لا ذنوب لهم أو أن الله

(4/257)


لا يؤاخذهم بذنوبهم كما يحكي عن بعض أتباع بني أمية أنهم كانوا يقولون إن الخليفة يتقبل الله منه الحسنات ويتجاوز له عن السيئات فهؤلاء مع ضلالهم أقل ضلالا ممن يقول بإمامة المنتظر والعسكريين ونحوهم ويقولون إنهم معصومون فإن هؤلاء اعتقدوا العصمة والإمامة في معدوم أو فيمت ليس له سلطان ينتفعون به ولا عنده من العلم والدين أكثر مما عند كثير من عامة المسلمين وأولئك اعتقدوا أن الإمام له حسنان كثيرة تغمر سيئاته وهذا ممكن في الجملة فإن يمكن أن يكون للمسلم حسنات تغمر سيئاته وإن كان ذلك لا يشهد به لمعين إلا بما يدل على التعيين أما كون واحد ممن يوجد في المسلمين من هو أعلم منه وأدين معصوما عن الخطأ فهذا باطل قطعا بل دعوى العصمة فيمن سوى الرسول صلى الله عليه وسلم دعوى باطلة قطعا فتبين أن أولئك مع جهالتهم هم أقرب إلى الحق وأقل جهلا من هؤلاء الروافض وأن من اعتقد أن يزيد من الصحابة أو الأنبياء لم يكن جهلة وضلاله أعظم من جهل وضلال من اعتقد الإلهية والنبوة في شيوخ الشيعة لا سيما شيوخ الإسماعيلية والنصيرية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى وأتباعهم يعتقدون فيهم الإلهية

وأما علماء أهل السنة الذين لهم قول يحكي فليس فيهم من يعتقد أن يزيد وأمثاله من لخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم بل أهل السنة يقولون بالحديث الذي في السنن خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا
وإن أراد باعتقادهم إمامة يزيد أنهم يعتقدون أنه كان ملك جمهور المسلمين وخليفتهم في زمانه صاحب السيف كما كان أمثاله من خلفاء بني أمية وبني العباس فهذا مر معلوم لكل أحد ومن نازع في هذا كان مكابرا فإن يزيد بويع بعد موت أبيه معاوية وصار متوليا على أهل الشام ومصر والعراق وخراسان وغير ذلك من بلاد السلمين

(4/258)


والحسين رضي الله عنه استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وهي أول سنة ملك يزيد والحسين استشهد قبل أن يتولى على شيء من البلاد ثم إن ابن الزبير لما جرى بينه وبين يزيد ما جرى من الفتنة واتبعه من اتبعه من أهل مكة والحجاز وغيرهما وكان إظهاره طلب الأمر لنفسه بعد

موت يزيد فإنه حينئذ تسمى بأمير المؤمنين وبايعه عامة أهل الأمصار إلا أهل الشام ولهذا إنما تعد ولايته من بعد موت يزيد وأما في حياة يزيد فإنه امتنع عن مبايعته أولا ثم بذل المبايعه له فلم يرض يزيد إلا بأن يأتيه أسيرا فجرت بيهما فتنة وأرسل إليه يزيد من حاصره بمكة فمات يزيد وهو محصور فلما مات يزيد بايع ابن الزبير طائفة من أهل الشام والعراق وغيرهم وتولى بعد يزيد ابنه معاوية بن يزيد ولم تطل أيامه بل أقام أربعين يوما أو نحوها وكان فيه صلاح وزهد ولم يستخلف أحدا فتأمر بعده مروان بن الحكم على الشام ولم تطل أيامه ثم تأمر بعده ابنه عبد الملك وسار إلى مصعب بن الزبير نائب أخيه على العراق فقتله حتى ملك العراق وأرسل الحجاج إلى ابن الزبير فحاصره وقاتله حتى قتل ابن الزبير واستوثق الأمر بعبد الملك ثم لأولاده من بعده وفتح في أيامه بخاري وغيرها من بلاد ما وراء النهر فتحها قتيبة بن مسلم نائب الحجاج بن يوسف الذي كان نائب عبد الملك بن مروان على العراق مع ما كان فيه من الظلم وقاتل المسلمون ملك الترك خاقان وهزموه وأسروا أولاده وفتحوا أيضا بلاد السند وفتحوا أيضا بلاد الأندلس وغزوا القسطنطينية وحاصروها مدة وكانت لهم الغزوات الشاتية والصائفة

ثم لما انتقل الأمر إلى بني العباس تولوا على بلاد العراق والشام ومصر والحجاز واليمن وخراسان وغيرهما مما كان قد تولى عليه بنو أمية إلا بلاد المغرب فإن الأندلس تولى عليه بنو أمية وبلاد القيروان كانت دولة بين هؤلاء وهؤلاء

(4/259)


فيزيد في ولايته هو واحد من هؤلاء الملوك ملوك المسلمين المتسخلفين في الأرض ولكنه مات وابن الزبير ومن بايعه بمكة خارجون عن طاعته لم يتول على جميع بلاد المسلمين كما أن ولد العباس لم يتولوا على جميع بلاد المسلمين بخلاف عبد الملك وأولاده فإنهم تولوا على جميع بلاد المسلمين وكذلك الخلفاءالثلاثة ومعاوية تولوا على جميع بلاد المسلمين وعلي رضي الله عنه لم يتول على جميع بلاد المسلمين
فكون الواحد من هؤلاء إماما بمعنى أنه كان له سلطان ومعه السيف يولي ويعزل ويعطى ويحرم ويحكم وينفذ ويقيم الحدود ويجاهد الكفار ويقسم الأموال أمر مشهور متواتر لا يمكن جحده وهذا معنى كونه إماما وخليفة وسلطانا كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلي بالناس فإذا رأينا رجلا يصلي بالناس كان القول بأنه إمام أمرا مشهودا محسوسا لا يمكن المكابرة فيه وأما كونه برا أو فاجرا أو مطيعا أو عاصيا فذاك أمر اخر

فأهل السنة إذا اعتقدوا إمامة الواحد من هؤلاء يزيد أو عبد الملك أو المنصور أو غيرهم كان بهذا الاعتبار ومن نازع في هذا فهو شبيه بمن نازع في ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وفي ملك كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك
وأما كون الواحد من هؤلاء معصوما فليس هذا اعتقاد أحد من علماء المسلمين وكذلك كونه عادلا في كل أموره مطيعا لله في جميع أفعاله ليس هذا اعتقاد أحد من أئمة المسلمين وكذلك وجوب كاعته في كل ما يأمر به وإن كان معصية لله ليس هو اعتقاد أحد من أئمة المسلمين

(4/260)


ولكن مذهب أهل السنة والجماعة أن هؤلاء يشركون فيما يحتاد إليهم فيه من طاعة الله فتصلي خلفهم الجمعة والعيدان وغيرهما من الصلوات التي يقيمونها هم لأنها لو لم تصل خلفهم أفضى إلى تعطيلها ونجاهد معهم الكفار ونحج معهم البيت العتيق ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود فإن الإنسان لو قدر أنه حج في رفقة لهم ذنوب وقد داءوا يحجون لم يضره هذا شيئا وكذلك الغزو وغيره من الأعمال الصالحة إذا فعلها البر وشاركه في ذلك الفاجر لم يضره ذلك شيئا فكيف إذا لم يمكن فعلها إلا على هذا الوجه فكيف إذا كان

الوالي الذي يفعلها فيه معصية ويستعان بهم أيضا في العدل في الحكم والقسم فإنه لا يمكن عاقل أن ينازع في أنهم كثيرا ما يعدلون في حكمهم وقسمهم ويعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان
وللناس نزاع في تفاصيل تتعلق بهذه الجملة ليس هذا موضعها مثل إنفاذ حكم الحاكم الفاسق إذا كان الحكم عدلا ومثل الصلاة خلف الفسق هل تعاد أم لا والصواب الجامع في هذا الباب أن من حكم بعدل أو قسم بعدل نفذ حكمه وقسمه ومن أمر بمعروف أو نهى عن منكر أعين على ذلك إذا لم يكن في ذلك مفسدة راجحة وأنه لا بد من إامة الجمعة والجماعة فإن أمكن تولية إمام بر لم يجز تولية فاجر ولا مبتدع يظهر يدعته فإن هؤلاء يجب الإنكار عليهم بحسب الإمكان ولا يجوز توليتهم فإن لم يمكن إلا تولية أحد رجلين كلاهما فيه بدعة وفجور كان تولية أصلحهما ولاية هو الواجب وإذا لم يمكن في الغزو إلا تأمير أحد رجلين أحدهما فيه دين وضعف عن الجهاد والاخر فيه منفعة في الجهاد مع ذنوب له كان تولية هذا الذي ولايته أنفع للمسلمين خيرا من تولية من ولايته أضر على المسلمين وإذا لم يمكن صلاة الجمعة

(4/261)


والجماعة وغيرهما إلا خلف الفاجر والمبتدع صليت خلفه ولم تعد وإن أمكن الصلاة خلف غيره وكان في ترك الصلاة خلفه هجر له ليرتدع هو وأمثاله به عن البدعة والفجور فعل ذلك وإن لم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة دينية صلى خلفه وليس على أحد أن يصلي الصلاة مرتين
ففي الجملة أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان كما قال تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ويعلمون أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بصلاح العباد في المعاش والمعاد وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه
فإن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فإذا تولى خليفة من الخلفاء كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم فإما أن يقال يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يولى غيره كما يفعله من يرى السيف فهذا رأى فاسد فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان

ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرد عليهم بخراسان أيضا وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء

(4/262)


وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا وإما أن يغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقا كثيرا وكلاهما قتله أبو دعفر المنصور وأما أهل الحرة وابن الأشعث واب المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال وهم أعظم قدرا عند الله وأحسن نية من غيرهم
وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق وكذلك

أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهلالعلم والدين والله يغفر لهم كلهم
وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث أين كنت يا عامر قال كنت حيث يقول الشاعر ... عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير ...
أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياءولا فجرة أقوياء
وكان الحسن البصري يقول إن الحجاج عذاب الله فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون وكان طلق بن حبيب يقول اتقوا الفتنة بالتقوى فقيل له أجمل لنا التقوى فقال أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله رواه أحمد وابن أبي الدنيا
وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابته عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يذكرون هذا فيعقائدهم ويأمرون بالصبر على جور

(4/263)


الأئمة وترك قتالهم وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين
وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة وليس هذا موضع بسطه ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابته عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب واعتبر أيضا اعتبار أولى الأبصار علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور ولهذا لما أراد الحسين رضي الله عنه أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبا كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج وغلب على ظنهم أنه يقتل حتى إن بعضهم قال أستودعك الله من قتيل وقال بعضهم لولا الشفاعة لأمسكتك ومصلحة المسلمين والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد لكن الرأي يصيب تارة ويخطيء أخرى
فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتلوه مظلوما شهيدا وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء بل زاد الشر بخروجه وقتله ونقص

الخير بذلك وصار ذلك سببا لشر عظيم وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن
وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتلاهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد وأن من خالف ذلك متعمدا أو مخطئا لم يحصل بفعله صلاح بل فساد ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بقوله إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة ولا بخروج على الأئمة ولا نزع يد من طاعة ولا مفارقة للجماعة

(4/264)


وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابته في الصحيح كلها تدل على هذا كما في صحيح البخاري من حديث الحسن البصري سمعت أبا بكرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد وحقق ما أشار إليه من أن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين
وهذا يبين أن الإصلاج بين الطائفتين كان محبوبا ممدوحا يحبه الله

ورسوله وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بترك واجب أو مستحب ولهذا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بما جرى من القتال يوم الجمل وصفين فضلا عما جرى في المدينة يوم الحرة وما جرى بمكة في حصار ابن الزبير وما جرى في فتنة ابن الأشعث وابن المهلب وغير ذلك من الفتن ولكن تواتر عنه أنه أمر بقتال الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنهروان بعد حروجهم عليه بحروراء فهؤلاء استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بقتالهم ولما قاتلهم علي رضي الله عنه فرح بقتالهم وروى الحديث فيهم واتفق الصحابة على قتال هؤلاء وكذلك أئمة أهل العلم بعدهم لم يكن هذا القتال عندهم كقتال أهل الجمل وصفين وغيرهما مما لم يأت فيه نص ولا إجماع ولا حمده أفاضل الداخلين فيه بل ندموا عليه ورجعوا عنه
وهذا الحديث من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث ذكر في الحسن ما ذكره وحمد منه ما حمده فكان ما ذكره وما حمده مطابقا للحق الواقع بعد أكثر من ثلاثين سنة فإن إصلاح الله بالحسن بين الفئتين

(4/265)


كان سنة إحدى وأربعين من الهجرة وكان علي رضي الله عنه استشهد في رمضان سنة أربعين والحسن حين مات النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره نحو سبع سنين فإنه ولد عام ثلاث من العجرة وأبو بكرة أسلم عام الطائف تدلى ببكرة فقيل له أبو بكرة والطائف كانت بعد فتح مكة فهذا الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن كان بعد ما مضى ثمان من الهجرة وكان بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثين سنة التي هي خلافة النبوة فلا بد أن يكون قد مضى له أكثر من ثلاثين سنه فإنه قاله قبل موته صلى الله عليه وسلم ومما يناسب هذا ما ثبت في الصحيح من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن ويقول اللهم إني أحبهما فأحبهما ففي هذا الحديث جمعه بين الحسن وأسامة رضي الله عنهما وإخباره بأنه يحبهما ودعاؤه الله أن يحبهما وحبه صلى الله عليه وسلم لهذين مستفيض عنه ف أحاديث صحيحة كما في الصحيحين من حديث شعبة عن عدى بن ثابت قال سمعت البراء بن عازب رضي الله عنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم

والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول اللهم إني أحبه فأحبه
وفي الصحيحين عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ومن يجترىء عليه إلا إسامه بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار قال نظر ابن عمر يوما وهو في المسجد إلى رجل يسحب ثيابه في ناحية من المسجد فقال انظر من هذا ليت هذا

عندي قال له إنسان أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن هذا محمد بن أسامة قال فطأطأ ابن عمر رضي الله عنه رأسه ونقر بيديه على الأرض وقال لو راه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه

(4/266)


وهذان اللذان جمع بينهما في محبته ودعا الله لهما بالمحبة وكان يعرف حبه لكل واحد منهما منفردا لم يكن رأيهما القتال في تلك الحروب بل أسامة قعد عن القتال يوم صفين لم يقاتل مع هؤلاء ولا مع هؤلاء
وكذلك الحسن كان دائما يشير على أبيه وأخيه بترك القتال ولما صار الأمر إليه ترك القتال وأصلح الله به بين الطائفتين المقتتلتين
وعلي رضي الله عنه في اخر الأمر تبين له أن المصلحة في ترك القتال أعظم منها في فعله
وكذلك الحسين رضي الله عنه لم يقتل إلا مظلوما شهيدا تاركا لطلب الإمارة طالبا للرجوع إما إلى بلده أو إلى الثغر أو إلى المتولي على الناس يزيد

وإذا قال القائل إن عليا والحسين إنما تركا القتال في اخر الأمر للعجز لأنه لم يكن لهما أنصار فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة
قيل له وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع صلى الله عليه وسلم في النهي عن الخروج على الأمراء وندب إلى ترك القتال في الفتنة وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالذين خرجوا بالحرة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما
لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صار إزالته على هذا الوجه منكرا وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرا
وبهذا الوجه صارت الخوارج تستحل السيف على أهل القبلة حتى قاتلت عليا وغره من المسلمين وكذلك من وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم كالذين خرجوا مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسين وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسين وغير هؤلاء فإن اهل الديانة من هؤلاء يقصدون تحصيل ما يرونه دينا

لكن قد يخطئون من وجهين

(4/267)


أحدهما أن يكون ما رأوه دينا ليس بدين كرأي الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء فإنهم يعتقدون رأيا هو خطأ وبدعة ويقاتلون الناس عليه بل يكفرون من خالفهم فيصيرون مخطئين في رأيهم وفي قتال من خالفهم أو تكفيرهم ولعنهم
وهذه حال عامة أهل الأهواء كالجهمية الذين يدعون الناس إلى إنكار حقيقة أسماء الله الحسنة وصفاته العلى ويقولون إنه ليس له كلام إلا ما خلقه في غيره وإنه لا يرى ونحو ذلك وامتحنوا الناس لما مال إليهم بعض ولاة الأمور فصاروا يعاقبون من خالفهم في رأيهم إما بالقتل وإما بالحبس وإما بالعزل ومنع الرزق وكذلك قد فعلت الجهيمة ذلك غير مرة والله ينصر عباده المؤمنين عليهم
والرافضة شر منهم إذا تمكنوا فإنهم يوالون الكفار وينصرونهم ويعادون من المسلمين كل من لم يوافقهم على رأيه وكذلك من فيه نوع من البدع إما من بدع الحلولية حلولية الذات أو الصفات وإما من بدع النفاة أو الغلو في الإثبات وإما من بدع القدرية أو الإرجاء

أو غير ذلك تجده يعتقد اعتقادات فاسدة ويكفر من خالفه أو يلعنه والخوارج المارقون أئمة هؤلاء في تكفير أهل النة والجماعة وفي قتالهم
الوجه الثاني من يقاتل على اعتقاد رأي يدعو إليه مخالف للسنة والجماعة كأهل الجمل وصفين والحرة والجماجم وغيرهم لكن يظن أنه بالقتال تحصل المصلحة المطلوبة فلا يحصل بالقتال ذلك بل تعظم المفسدة أكثر مما كانت فيتبين لهم في اخر الأمر ما كان الشارع دل عليه من أول الأمر
وفيهم من لم تبلغه نصوص الشارع أو لم تثبت عنده وفيهم من يظنها منسوخة كابن حزم وفيهم من يتأولها كما يجري لكثير من المجتهدين في كثير من النصوص
فإن بهذه الوجوه الثلاثة يترك من يترك من أهل الاستدلال العمل ببعض النصوص إما أن لا يعتقد ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وإما أن يعتقدها غير دالة على مورد الاستدلال وإما أن يعتقدها منسوخة

(4/268)


ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة فيرد على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب عن معرفة الحق وقصده ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية والجاهلية ليس فيها معرفة الحق ولا قصده والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق وقصده فيتفق أن بعض

الولاة يظلم باستئثار فلا تصبر النفوس على ظلمة ولا يمكنها دفع ظلمة إلا بما هو أعظم فسادا منه ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم ستلقون بعدي أثرة فأصبروا حتى تلقوني على الحوض
وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك وأسيد بن حضير رضي الله عنهما أن رجلا من الأنصار قال يا رسول الله ألا تستعملني كما اتعملت فلانا قال ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض
وفي رواية للخباري عن يحيى بن سعيد الأنصاري سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا لا إلا أن تقطع لإخواننا من

المهاجرين مثلها فقال أما لا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض فإنه ستصيبكم أثرة بعدي
وكذلك ثبت عنه في الصحيح أنه قال على المرء المسلم السمع والطاعة في يسره وعسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادة قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم

(4/269)


فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن يصبروا على الاستئثار عليهم وأن يطيعوا ولاة أمورهم وإن استأثروا عليهم وأن لا ينازعوهم الأمر وكثير ممن خرج على ولاة الأمور أو أكثرهم إنما خرج لينازعهم مع استئثارهم عليه ولم يصبروا على الاستئثار ثم إنه يكون لولي الأمر ذنوب أخرى فيبقى بغضه لاستئثاره يعظم تلك السيئات ويبقى

المقاتل له ظانا أنه يقاتله لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ومن أعظم ما حركه عليه طلب غرضه إما ولاية وإما مال
كما قال تعالى فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل يقول الله له يوم القيامه اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ورجل بايع إماما لا يباعه إلا لدينا إن أعطاه منها رضى وإن منعه سخط ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا لقد أعطى بها أكثر مما أعطي
فإذا اتفق من هذه الجهة شبهة وشهوة ومن هذه الجهة شهوة وشبهة قامت الفتنة والشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة له وللمسلمين فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم حتى قال ما من راع يسترعيه الله

رعية يموت يوم وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة
وأمر الرعية بالطاعة والنصح كما ثبت في الحديث الصحيح الدين النصيحة ثلاثا قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
وأمر بالصبر على استئثارهم ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم لأن الفساد الناشىء من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر فلا يزال أخف الفسادين بأعظمهما
ومن تدبر الكتاب والسنة الثابته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبر ذلك بما يجده في نفسه وفي الافاق علم تحقيق قول الله تعالى سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق

(4/270)


فإن الله تعالى يرة عباده اياته في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ان القران حق فخبره صدق وأمره عدل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم
ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة أهل البيت وغيرهم قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتقين
ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل وابتاعه عليه وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه بل في بره وكونه من أهل الجنة بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد
والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه فيعظم الحق ويرحم الخلق ويعلم

أن الرجل الواحد تكون له حسنان وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه ويبغض من وجه
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم وقد بسط هذا في موضعه
وإذا تبين ذلك فالقول في يزيد كالقول في أشباهه من الخلفاء والملوك من وافقهم في طاعة الله تعالى كالصلاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود كان مأجورا على مافعله من طاعة الله ورسوله وكذلك كان صالحو المؤمنين يفعلون كعبد الله بن عمر وأمثاله ومن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم كان من المعينين على الإثم والعدوان المستحقين للذم والعقاب
ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يغزون مع يزيد وغيره فإنه غزا القسطنطينية في حياة أبيه معاوية رضي الله عنه وكان معهم في الجيش أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه وذلك الجيش أول جيش غزا القسطنطينية

(4/271)


وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم

وعامة الخلفاء الملزك جرى في أوقاتهم فتن كما جرى في زمن يزيد بن معاوية قتل الحسين ووقعة الحرة وحصار ابن الزبير بمكة وجرى في زمن مروان بن الحكم فتنة مرج راهط بينه وبين النعمام بن بشير وجرى في زمن عبد الملك فتنة مصعب بن الزبير وأخيه عبد الله بن الزبير وحصاره أيضا بمكة وجرى في زمن هشام فتنة زيد بن علي وجرى في زمن مروان بن محمد فتنة أبي مسلم حتى خرج عنهم الأمر إلى ولد العباس ثم كان في زمن المنصور فتنة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة إلى فتن يطول وصفها
والفتن في كل زمان بحسب رجاله فالفتنة الأولى فتنة قتل عثمان رضي الله عنه هي أول الفتن وأعظمها
ولهذا جاء في الحديث المرفوع الذي رواه الإمام أحمد في المسند وغيره ثلاث من نجا منهن فقد نجا موتي وقتل خليفة مضطهد بغير حق والدجال

ولهذا جاء في حديث عمر لما سأل عن الفتنة التي تموج موج البحر وقال له حذيفة إن بينك وبينها بابا مغلقا فقال أيكسر الباب أم يفتح فقال بل يكسر فقال لو كان يفتح لكاد يعاد وكان عمر هو الباب فقتل عمر وتولى عثمان فحدثت أسباب الفتنة في اخر خلافته حتى قتل وانفتح باب الفتنة إلى يوم القيامة وحدث بسبب ذلك فتنة الجمل وصفين ولا يقاس رجالهما بأحد فإنهم أفضل من كل من بعدهم
وكذلك فتنة الحرة وفتنة ابن الأشعث كان فيها من خيار التابعن من لا يقاس بهم م بعدهم وليس في وقوع هذه الفتن في تلك الأعصار ما وجب أن أهل ذلك العصر كانوا شرا من غيرهم بل فتنة كل زمان بحسب رجاله
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
وفتن ما بعد ذلك الزمان بحسب أهله وقد روى أنه قال كما تكونوا يولى عليكم وفي أثر اخر يقول الله تعالى أنا الله عز وجل ملك

(4/272)


الملوك قلوب الملوك ونواصبهم بيدي من أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشتغلوا بسب الملوك وأطيعوني أعطف قلوبهم عليكم
ولما انهزم المسلمون يوم أحد هزمهم الكفار قال الله تعالى أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم
والذنوب ترفع عقوبتها بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة والقتل الذي وقع في الأمة مما يكفر الله به ذنوبها كما جاء في الحديث والفتنة هي من جنس الجاهلية كما قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القران فإنه هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية
وذلك أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق فبالهدى يعرف الحق وبدين الحق يقصد الخير ويعمل به فلا بد من علم بالحق وقصد له وقدرة عليه والفتنة تضاد ذلك فإنها تمنع معرفة الحق أو قصده أو القدرة عليه فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يتميز لكثير من الناس أو أكثرهم ويكون فيه من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته ويكون فيها من ظهور قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير
ولهذا ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده ولهذا يقال فتنة عمياء صماء ويقال فتن كقطع الليل المظلم ونحن ذلك من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها وخفاء العلم
فلهذا كان أهلها بمنزلة أهل الجاهلية ولهذا لا تضمن فيها النفوس والأموال لأن الضمان يكون لم يعرف أنه أتلف نفس غيره أو ماله بغير حق فأما من لم يعرف ذلك كأهل الجاهلية من الكفار والمرتدين والبغاة المتأولين فلا يعرفون ذلك فلا ضمان عليهم كما لا يضمن من علم أنه أتلفه بحق وإن كان هذا مثابا مصيبا
وذلك من أهل الجاهلية إما أن يتوبوا من تلك الجهالة فيغفر لهم بالتوبة جاهليتهم وما كان فيها وإما أن يكونوا ممن يستحق العذاب على
الجهالة كالكفار فهؤلاء حسبهم عذاب الله في الاخرة وإما أن يكون أحدهم متأولا مجتهدا مخطئا فهؤلاء إذا غفر لهم خطؤهم غفر لهم موجبات الخطأ أيضا

(4/273)


فصل
إذا تبين هذا فنقول الناس في يزيد طرفان ووسط قوم يعتقدون أنه كان من الصحابة أو من الخلفاء الراشدين المهديين أو من الأنبياء وهذا كله باطل وقوم يعتقدون أنه كان كافرا منافقا في الباطن وأنه كان له قصد في أخذ ثأر كفار أقاربه من أهل المدينة وبني هاشم و أنه أنشد ... لما بدت تلك الحمول وأشرفت ... تلك الرؤوس على ربى جيرون ... نعق الغراب فقلت نح أولا لا تنح ... فلقد قضيت من النبي ديوني وأنه تمثل بشعر ابن الزبعري ... ليث أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل ... قد قتلنا القرن من ساداتهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل ...
وكلا القولين باطل يعلم بطلانه كل عاقل فإن الرجل ملك من ملوك المسلمين وخليفة من الخلفاء الملوك لا هذا ولا هذا وأما مقتل الحسين رضي الله عنه فلا ريب أنه قتل مظلوما شهيدا كما قتل أشباهه من المظلومين الشهداء وقتل الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله أو أعان على قتله أو رضى بذلك وهو مصيبة أصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله وهو في حقه شهادة له ورفع حجة وعلو منزلة فإنه وأخاه سبقت لهما من الله السعادة التي لا تنال إلا بنوع من البلاء ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما فإنهما تربيا في حجر الإسلام في عز وأمان فمات هذا مسموما وهذا مقتولا لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء
وليس ما وقع من ذلك بأعظم من قتل الأنبياء فإن الله تعالى قد أخبر أن بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حق وقتل الأنبياء فإن الله تعالى قد أخبر أن بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حق وقتل النبي أعظم ذنبا ومصيبة وكذلك قتل علي رضي الله عنه أعظم ذنبا ومصيبة وكذلك قتل عثمان رضي الله عنه أعظم ذنبا ومصيبة

(4/274)


إذا كان كذلك فالواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع كما يحبه الله ورسوله قال الله تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها
ورواية الحسين وابنته التي شهدت مصرعه لهذا الحديث اية فإن مصيبة الحسين هي ما يذكر وإن قدمت فيشرع للمسلم أن يحدث لها استرجاعا وأما ما يكرهه الله ورسوله من لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية فهذا محرم تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعله كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وتبرأ من الصالقة والحالقة والشاقة فالصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة والحالقة التي تحلق شعرها والشاقة التي تشق ثبايها

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران
ورفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه نائحة فأمر بضربها فقيل يا أمير المؤمنين إنه قد بدا شعرها فقال إنه لا حرمة لها أنها تنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتفتن الحي وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي بشجو غيرها إنها لا تبكي على ميتكم إنما تبكي على أخذ دراهمكم

فصل

(4/275)


وصار الناس في قتل الحسين رضي الله عنه ثلاثة أصناف طرفين ووسطا أحد الطرفين يقول إنه قتل بحق فإنه أراد أن يشق عصا المسلمين ويفرق الجماعة وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه قالوا والحسين جاء وأمر المسلمين على رجل واحد فأراد أن يفرق جماعتهم وقال بعض هؤلاء هو أول خارج خرج في الإسلام على ولاة الأمر
والطرف الاخر قالوا بل كان هو الإمام الواجب طاعته الذي لا ينفذ أمر من أمور الإيمان إلا به ولا تصلي جماعة ولا جمعة إلا خلف من يوليه ولا يجاهد عدو بإذنه ونحو ذلك
وأما الوسط فهم أهل السنة الذين لا يقولون لا هذا ولا هذا بل يقولون قتل مظلوما شهيدا ولم يكن متوليا لأمر الأمة والحديث المذكور لا يتناوله فإنه لما بلغه ما فعل بابن عمه مسلم بن عقيل ترك طلب الأمر وطلب أن يذهب إلى يزيد ابن عمه أو إلى الثغر أو إلى بلده فلم يمكنوه وطلبوا منه أن يستأسر لهم وهذا لم يكن واجبا عليه
فصل
وصار الشيطان بسبب قتل الحسين رضي الله عنه يحدث للناس بدعتين بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثى وما يفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنتهم وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب حتى يسب السابقون الأولون وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب وكان قصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة فإن هذا ليس واجبا ولا مستحبا باتفاق المسلمين بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله وكذلك بدعة السرور والفرح
وكانت الكوفة بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسين وكان رأسهم المختار بن أبي عبيد الكذاب وقوم من الناصبة المبغضين لعلي رضي الله عنه وأولاده ومهم الحجاج بن يوسف الثقفي وقد ثبت في الصحيح عن

(4/276)


النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سيكون في ثقيف كذاب ومبير فكان ذلك الشيعي هو الكذاب وهذا الناصبي هو المبير فأحدث أولئك الحزن وأحدث هؤلاء السرور ورووا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته
قال حرب الكرماني سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال لا أصل له وليس له إسناد يثبت إلا ما رواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه قال بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء الحديث وابن المنتشر كوفي سمعه ورواه عمن لا يعرف ورووا أنه من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام فصار أقوام يستحبون يوم عاشوراء الاكتحال والاغتسال والتوسعة على العيال وإحداث أطعمة غير معتادة
وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين رضي الله عنه وتلك بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل له وكل بدعة ضلالة ولم يستحب أحد من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم لا هذا ولا هذا ولا في

شيء من استحباب ذلك حجة شرعية بل المستحب يوم عاشوءا الصيام عند جمهور العلماء ويستحب أن يصام معه التاسع ومنهم من يكره إفراده بالصيام كما قد بسط في موضعه
والذين نقلوا مصرع الحسين زادوا أشياء من الكذب كما زادوا في قتل عثمان وكما زادوا فيما يراد تعظيمه من الحوادث وكما زادوا في المغازي والفتوحات وغير ذلك والمصنفون في أخبار قتل الحسين منهم من هو من أهل العلم كالبغوي وابن أبي الدنيا وغيرهما ومع ذلك فيما يروونه اثار منقطعة وأمور باطلة وأما ما يرويه المصنفون في المصرح بلا إسناد فالكذب فيه كثير والذي ثبت في الصحيح أن الحسين لما قتل حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد وأنه نكت بالقضيب على ثناياه وكان بالمجلس أنس بن مالك رضي الله عنه وأبو برزة الأسلمي

(4/277)


ففي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئا فقال أنس كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مخضوبا بالوسمة
وفيه أيضا عن ابن أبي نعم قال سمعت ابن عمر وسأله رجل

عن المحرم يقتل الذباب فقال يا أهل العراق تسألوني عن قتل الذباب وقد قتلتم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم هما ريحانتاي من الدنيا
وقد روى بإسناد مجهول أن هذا كان قدام يزيد وأن الرأس حمل إليه وأنه هو الذي نكت على ثناياه وهذا مع أنه لم يثبت ففي الحديث ما يدل على أنه كذب فإن الذين حضروا نكته بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام وإنما كانوا بالعراف والذي نقله غير واحد أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين ولا كان له غرض في ذلك بل كان يختار أن يكرمه ويعظمه كما أمره بذلك معاوية رضي الله عنه ولكن كان يختار أن يمتنع من الولاية والخروج عليه فلما قدم الحسين وعلم أن أهل العراق يخذلونه ويسلمونه طلب أن يرجع إلى يزيد أو يرجع إلى وطنه أو يذهب إلى الثغر فمنعوه من ذلك حتى يستأسر فقاتلوه حتى قتل مظلوما شهيدا رضي الله عنه وأن خبر قتله لما بلغ يزيد وأهله ساءهم ذلك وبكوا على قتله وقال يزيد لعن الله ابن مرجانة يعني عبيد الله بن زياد أما والله

لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله وقال قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين وأنه جهز أهله بأحسن الجهاز وأرسلهم إلى المدينة لكنه مع ذلك ما انتصر للحسين ولا أمر بقتل قاتله ولا أخذ بثأره

(4/278)


وأما ما ذكره من سبي نسائه والذراري والدوران بهم في البلاد وحملهم على الجمال بغير أقتاب فهذا كذب وباطل ما سبى المسلمون ولله الحمد هاشمية قط ولا استحلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم سبى بني هاشم قط ولكن أهل الهوى والجهل يكذبون كثيرا كما تقول طائفة منهم إن الحجاج قتل الأشراف يعنون بني هاشم
وبعض الوعاظ وقع بينه وبين بعض من كانوا يدعون أنهم علويون ونسبهم مطعون فيه فقال على منبره إن الحجاج قتل الأشراف كلهم فلم يبق لنسائهم رجل فمكنوا منهن رجالا فهؤلاء من أولاد أولئك وهذا كله كذب فإن الحجاج لم يقتل من بني هاشم أحدا قط مع كثرة قتله لغيرهم فإن عبد الملك أرسل إليه يقول له إياك وبنى هاشم أن تتعرض لهم فقد رأيت بني حرب لما تعرضوا للحسين أصابهم ما أصابهم أو كما قال ولكن قتل الحجاج كثيرا من أشراف العرب أي

سادات العرب ولما سمع الجاهل أنه قتل الأشراف وفي لغته أن الأشراف هم الهاشميون أو بعض الهاشميين أو بعض الهاشميين ففي بعض البلاد أن الأشراف عندهم ولد العباس وفي بعضها الأشراف عندهم ولد علي
ولفظ الأشراف لا يتعلق به حكم شرعي وإنما الحكم يتعلق ببنى هاشم كتحريم الصدقة وأنهم ال محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك
والحجاج كان قج تزوج ببنت عبد الله بن جعفر فلم يرض بذلك بنو أمية حتى نزعوها منه لأنهم معظمون لبني هاشم
وفي الجملة فما يعرف في الإسلام أن المسلمين سبوا امرأة يعرفون أنها هاشمية ولا سبى عيال الحسين بل لما دخلوا إلى بيت يزيد قامت النياحة في بيته وأكرمهم وخيرهم بين المقام عنده والذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة ولا طيف برأس الحسين وهذه الحوادث فيها من الأكاذيب ما ليس هذه موضع بسطه

(4/279)


وأما ما ذكره من الأحداث والعقوبات الحاصلة بقتل الحسين فلا ريب أن قتل الحسين من أعظم الذنوب وأن فاعل ذلك والراضي به والمعين عليه مستحق لعقاب الله الذي يستحقه أمثاله لكن قتله ليس بأعظم من قتل من هو أفضل منه من النبيين والسابقين الأولين ومن قتل في حرب مسيلمة وكشهداء أحد والذين قتلوا ببئر معونة وكقتل عثمان وقتل

على لا سيما والذين قتلوه أباه عليا كانوا يعتقدونه كافرا مرتدا وإن قتله من أعظم القربات بخلاف الذين قتلوا الحسين فإنهم لم يكونوا يعتقدون كفره وكان كثير منهم أو أكثرهم يكرهون قتله ويرونه ذنبا عظيما لكن قتلوه لغرضهم كما يقتل الناس بعضهم بعضا على الملك
وبهذا وغيره يتبين أن كثيرا مما روى في ذلك كذب مثل كون السماء أمطرت دما فإن هذا ما وقع قط في قتل أحد ومثل كون الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تظهر قبل ذلك فإن هذا من الترهات فما زالت هذه الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة الشمس فهي بمنزلة الشفق
وكذلك قول القائل إنه ما رفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط
هو أيضا كذب بين
وأماقول الزهري ما بقى أحد من قتلة الحسين إلا عوقب في الدنيا
فهذا ممكن وأسرع الذنوب عقوبة البغي والبغي على الحسين من أعظم البغي
وأما قوله وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الوصية للمسلمين في ولديه الحسن والحسصين ويقول لهم هؤلاء وديعتي عندكم وأنزل الله

فيهم قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
فالجواب أما الحسن والحسين فحقهما واجب بلا ريب وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال إني تارك فيكم الثقفلين أحدهما كتاب الله فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي

(4/280)


والحسن والحسين من أعظم أهل بيته اختصاصا به كما ثبت في الصحيح أنه دار كساءه على علي وفاطمة وحسن وحسين ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
وأما قوله إنه كان يكثر الوصية بهما ويقوله لهم هؤلاء وديعتي عندكم
فهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها والنبي صلى الله ليه وسلم أعظم من أن يودع ولديه لمخلوق فإن ذلك أن أريد به حفظهما كما يحفظ المال المودع فالرجال لا يودعون وإن كان كما يستودع الرجل أطفاله لمن يحفظهم ويربيهم فهما كانا في حضانة أبيهما

ثم لما بلغا رفع عنهما حجر الحضانة فصار كل منهما في يد نفسه وإن أريد بذلك أنه أراد أن الأمة تحفظهما وتحرسهما فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين وكيف يمكن واحد من الأمة أن يدفع عنهما الافات
وإن أراد بذكل المنع من أذاهما بالعدوان عليهما ونصرهما ممن يبغى عليهما فلا ريب أن هذا اجب لمن هو دونهما فكيف لا يجب لهما وهذا من حقوق المسلم على المسلم وحقهما أوكد من حق غيرهما
وأما قوله وأنزل الله فيهم قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
فهذا كذب ظاهر فإن هذه الاية في سورة الشورى وسورة الشورى مكية بلا ريب نزلت قبل أن يتزوج على بفاطمة رضي الله عنهما وقبل أن يولد له الحسن والحسين فإن عليت إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة في العام الثاني ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر وكانت بدر في شهر رمضان سنة اثنتين وقد تقدم الكلام على الاية الكريمة وأن المراد بها ما بينه ابن عباس رضي الله عنهما من أنه لم

تكن قبيلة من قريش إلا وبينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة فقال لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى إلا أن تودوني في القرابة التي بين وبينكم رواه البخاري وغيره

(4/281)


وقد ذكر طائفة من المصنفين من أهل السنة والجماعة والشيعة من أصحاب أحمد وغيرهم حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الاية لما نزلت قالوا يا رسول الله من هؤلاء قال علي وفاطمة وابناهما وهذا كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث
ومما يبين ذلك أن هذه الاية نزلت بمكة باتفاق اهل العلم فإن سورة الشورى جميعها مكية بل جميع ال حم كلهن مكيات وعلى لم يتزوج فاطمة إلا بالمدينة كما تقدم ولم يولد له الحسن والحسين إلا في السنة الثالثة والرابعة من الهجرة فكيف يمكن أنها لما نزلت بمكة قالوا يا رسول الله من هؤلاء قال على وفاطمة وابناهما
قال الحافظ عبد الغني المقدسي ولد الحسن سنة ثلاث من الهجرة في النصف من شهر رمضان هذا أصح ما قيل فيه وولد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة قال وقيل سنة ثلاث
قلت ومن قال هذا يقول إن الحسن ولد سنة اثنتين وهذا

ضعيف فقد ثبت في الصحيح أن عليا لم يدخل بفاطمة رضي الله عنهما إلا بعد غزوة بدر
فصل
قال الرافضي وتوقف جماعة ممن لا يقول بإمامته في لعنه مع أنه عندهم ظالم بقتل الحسين ونهب حريمه وقد قال الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين وقال أبو الفرج بن الجوزي من شيوخ الحنابلة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا وحكى السدى وكان من فضلائهم قال نزلت بكربلاء ومعى طعام للتجارة فنزلنا على رجل فتعشينا

(4/282)


عنده وتذاكرنا قتل الحسين وقلنا ما شرك أحد في قتل الحسين إلا ومات أقبح موتة فقال الرجل ما أكذبكم أنا شركت في دمه وكنت ممن قتله فما أصابني شيء قال فلما كان من اخر الليل إذا أنا بصائح قلنا ما الخبر قالوا قام الرجل يصلح المصباح فاحترقت إصبعه ثم دب الحريق في جسده فاحترق قال السدي فأنا والله رأتيه وهو حممة سوداء وقد سأل مهنا بن يحيى أحمد بن حنبل عن يزيد فقال هو الذي فعل ما فعل قلت وما فعل قال نهب المدينة وقال له صالح ولده يوما إن قوما ينسبوننا إلى تولى يزيد فقال يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الاخر فقال لم لا تلعنه فقال وكيف لا ألعن من لعنة الله في كتابه

فقلت وأين لعن يزيد فقال في قوله تعالى فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم فهل يكون فساد أعظم من القتل ونهب المدنية ثلاثة أيام وسبى أهلها وقتل جمعا من وجوه الناس فيها من قريش والأنصار والمهاجرين من يبلغ عددهم سبعمائة وثتل من لم يعرف من عبد أو حر أو امرأة عشرة الاف وخاض الناس في الدماء حتى وصلت الدماء إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتلأت الروضة والمسجد ثم ضرب لكعبة بالمنجنيق وهدمها وأحرقها
وقال رسول الله صلى الله لعيه وسلم إن قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل النار وقد شد يداه ورجلاه بسلاسل من نار ينكس في النار حتى يقع في قعر جهنم

وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتن ريحه وهو فيها خالد وذائق العذاب الأليم كلما نضجت جلودهم بدل الله لهم الجلود حتى يذوقوا العذاب لا يفتر عنهم ساعة ويسقى من حميم جهنم الويل لهم من عذاب الله عز وجل وقال عليه الصلاة والسلام اشتد غضب الله وغضبى على من أوراق دم أهلي واذاني في عترتي

(4/283)


والجواب أن القول في لعنة يزيد كالقول في لعنة أمثاله من الملوك الخلفاء وغيرهم ويزيد خير من غيره خير من المختار بن أبي عبيد الثقفي أمير العراق الذي أظهر الانتقام من قتلة الحسين فإن هذا ادعى أن جبريل يأتيه وخير من الحجاج بن يوسف فإنه أظلم من يزيد باتفاق الناس
ومع هذا فيقال غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فساقا فلعنة الفاسق لمعين ليست مأمورا بها إنما جاءت السنة بلعنة الأنواع كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع

يده وقوله لعن الله من أحدث حدثا أو اوى محدثا وقوله لعن الله اكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقوله لعن الله المحلل والمحلل له لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه

وساقيها وشاربها واكل ثمنها
وقد تنازع الناس في لعنة الفاسق المعين فقيل إنه جائز كما قال ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي الفرج بن الجوزي وغيره وقيل إنه لا يجوز كما قال ذلك طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز وغيره والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين مالحجاج بن يوسف وأمثاله وأن يقول كما قال الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين وقد ثبت في صحيح البخاري أن رجلا كان يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه فأتى به إليه مرة فقال رجل لعنة الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يجب الله ورسوله
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللا ذلك بأنه يحب الله ورسوله مع أنه صلى الله عليه وسلم

لعن شارب الخمر مطلقا فدل ذلك على أنه يجوز أن يلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعين الذي يجب الله ورسوله

(4/284)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية