صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

قال سماحته ((والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يخلص نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة)).
بدأ فضيلته بشرحها في مدينة الرياض يوم السبت 13 ذي القعدة 1417هـ
وقد انتهى منه يوم السبت بعد العشاء الموافق 20/11/1420هـ.
جزا الله الشيخ ومن قام بتسجيل هذا الشرح ومن قام بتفريغه، ومن قام بتنسيقه عن الموحدين خير الجزاء.
تجد منه نسخة جاهزة للطباعة على هذا الرابط:
http://www.saaid.net/book/7/1194.zip

[المسألة الثانية]:
حب الصحابة فرض وواجب وهو من الموالاة الواجبة للصحابة، وهذا الحب يقتضي أشياء:
- الأول: قيام المودة في القلب لهم.
- الثاني: الثناء عليهم بكل موضع يذكرون فيه والترضي عنهم.
- الثالث: أن لا يحمل أفعالهم إلا على الخير فكلهم يريد وجه الله - عز وجل -.
- الرابع: أن يذب عنهم؛ لأن من مقتضى المحبة والولاية؛ بل من معنى المحبة والولاية النصرة، أن ينصرهم إذا ذكروا بغير الخير أو انتقص منهم منتقص، أو شكك في صدقهم أو عدالتهم أحد، فإنه واجب أن ينتصر لهم رضي الله عنهم.
ولذا توسط أهل السنة والجماعة في الحب بين طرفين: بين طرف المفرطين وطرف المتبرئين.
@ أما الغلاة والمفرطون في الحب فهم الذين جعلوا بعض الصحابة لهم خصائص الإلهية كما فعل طائفة مع علي رضي الله عنه، وكما فعل طائفة مع أبي بكر، أو غلو بما هو دون الإلهية بأن يجعلو هذا الحب يقتضي انتقاص غيرهم، فيحب أبا بكر وينتقص عليا، أو يحب عليا رضي الله عنهم وينتقص أبا بكر، هذا إفراط وغلو.
فالوسط هو طريقة الصحابة وأهل السنة فإن الحب يقتضي موالاة الجميع وأن لا يغلو المسلم في أي صحابي؛ بل يحبهم ويودهم ويذكرهم بالخير ولا يجعل لهم شيئا من خصائص الإلهية.
بل أجمع أهل العلم أن من ادعى في صحابي أن له شيئا من خصائص الإله، أو أنه يدعى ويسأل كما يعتقد في علي رضي الله عنه ونحوه أنه كافر بالله العظيم.
وهذا الغلو وقع فيه كثير في الأمة بعد ذلك فأقيمت المزارات والمشاهد والقبور والقباب على قبور الصحابة، كقبر أبي أيوب الأنصاري قرب اسطنبول، وكقبر أبي عبيدة بن الجراح في الأردن، وكقبر عدد من الصحابة كالحسين والحسن وعلي إلى آخره في أمصار مختلفة.
فجعلوا قبورهم من فرط المحبة أوثانا يأتون فيسألون ويدعون ويستغيثون ويتقربون للصحابة، وهذا إفراط وليس هو الحب المأذون به؛ بل هذا حب معه الشرك المحقق إذا وصل إلى سؤال الميت ودعائه والتقرب إليه.
@ وفي المقابل يكون فعل طائفة ضالة أخرى تتبرأ من الصحابة جميعا كفعل الزنادقة، أو تتبرأ من أكثر الصحابة كفعل الرافضة والخوارج، أو تتبرأ من طائفة من الصحابة كفعل النواصب ومن شابههم.
فهؤلاء تبرؤوا.
@ ومنهم من يعتقد أنه لا حب ولا ولاء إلا ببراء.
يعني لا يصلح حب صحابي وولاء صحابي إلا بالتبرؤ ممن ضاده.
فيجعلون في ذلك أن حب علي رضي الله عنه والولاء لعلي والحسن والحسين يقتضي بغض أبي بكر وبغض عمر و بغض عثمان ومن سلب هؤلاء حقهم كفعل الرافضة عليهم من الله ما يستحقون.
لهذا كان معتقد أهل السنة والجماعة في هذا أن التبرؤ من الصحابة واعتقاد أنه لا موالاة إلا بالبراءة أن هذا ضلال وقد يوصل إلى الكفر، كما سيأتي في المسألة إن شاء الله.
لذا قال بعدها (ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم) وهذا من مقتضى المحبة الوسط، ودين الله وسط بين الغالي والجافي، فإننا من ذكرهم بخير أحببناه ومن ذكرهم بغير الخير أبغضناه؛ لأن من مقتضى المحبة والولاية أن يحب من يحبهم وأن يبغض من يبغضهم.

(1/625)


[المسألة الثالثة]:
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراتب، يختلفون في منزلتهم.
1 - فأعظم الصحابة وأرفع الصحابة العشرة الذين بشروا بالجنة في مكان واحد، وهم الذين يشتهر عند الناس أنهم العشرة المبشرون بالجنة.
والذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة أكثرمن عشرة، عددهم كثير من الصحابة؛ ولكن خص هؤلاء بفضل لأنهم بشرهم صلى الله عليه وسلم بالجنة في مكان واحد، وفي حديث واحد ساقهم صلى الله عليه وسلم «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الحنة، وسعد في الجنة»(1) إلى آخر العشرة.
فهؤلاء هم أفضل الصحابة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبهم كترتيبهم في الفضل، فأبو بكر أفضل ويليه عمر ثم يليه عثمان ثم يليه علي إلى آخره.
2 - يلي هؤلاء المهاجرون -أعني جنس المهاجرين- الذين أسلموا في مكة وتقدم إسلامهم وصبروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصابروا حتى هاجروا.
3 - ثم الذين شهدوا بدرا من المهاجرين والأنصار فهم يلونهم في الفضل.
4 - ثم جنس الأنصار الذين سبقوا وأثنى الله عليهم بقوله {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار}[التوبة:100] والمراد بالسبق هنا السبق إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم وتصديق رسالته والجهاد معه، فهذا هو بالسبق الذي له الفضل العظيم.
5 - ثم بعد ذلك يليهم من أسلم قبل الفتح، ويقصد بالفتح هنا صلح الحديبية أو فتح مكة وهو الذي جاء فيه قول الله - عز وجل - {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى}[الحديد:10] فالذي أسلم وآمن وأنفق وجاهد من قبل صلح الحديبية أو من قبل فتح مكة فإنه أفضل ممن بعدهم.
ولذلك يقال لكثير من الصحابة مسلمة الفتح، يعني الذين أسلموا بعد فتح مكة.
وهؤلاء -وهم الفئة الأخيرة-: من أسلم من بعد الفتح إلى عام الوفود.
ثم بعد ذلك دخل الناس في دين الله أفواجا، يعني السنة التاسعة والعاشرة حتى حج النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء هم أقل الصحابة منزلة.
وهذا الترتيب لما دلت عليه الأدلة من التفضيل.
والمراد بهذا التفضيل الجنس؛ يعني جنس هذه الطائفة على جنس هذه الطائفة.
يعني التفضيل في الظاهر باعتبار الجنس، فقد يكون في بعض الطبقات من هو أفضل ممن قبله.
وهذا من حيث التنظير لا من حيث التطبيق لأننا لا نعلم دليلا يدل على أن فلانا من المتأخرين أفضل من فلان من المتقدمين، أو أن فلانا من الأنصار أفضل من فلان من المهاجرين؛ لكنه من حيث الجنس فضل ما فضلته الأدلة أو ما دلت الأدلة على تفضيله جنسا؛ لكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في المفاضلة بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد ظاهر، وعبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، وهؤلاء هم أفضل الصحابة، هؤلاء فضلهم بأعيانهم ظاهر، وأهل بدر أيضا قد يدخلون في أن فضلهم بأعيانهم؛ لكن الكلام على الجنس مع الجنس.
ولما وقع خالد في مسبة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي» إلى آخر الحديث، فخص المتقدم باسم الصحبة فكأن الذي أسلم من بعد الفتح وقاتل لقصر إسلامه وقصر صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وقلة نصرته بالنسبة إلى من قبله، كأنه صار تحقيق اسم الصحبة عليه ليس كتحقيق من كان قبله، بل هذا هو الواقع، ولهذا خص النبي صلى الله عليه وسلم السابقين باسم الأصحاب دون غيرهم مع اشتراك من أسلم بعد ذلك باسم الأصحاب؛ ولكن لأجل طول الصحبة صار عبد الرحمن بن عوف وسلب الاسم عن خالد بن الوليد لأجل هذه الحيثية، وإلا فالكل صاحب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه تخصيص بالاسم لأجل مزيد الفضل وتحقق الصفة اللازمة في مقتضى الصحبة.
__________
(1) أبو داود (4649)/ الترمذي (3748)/ ابن ماجه (133)

(1/626)


[المسألة الرابعة]:
الصحابة رضوان الله عليهم بشر يصيبون ويخطئون ويجتهدون فيما يجتهدون فيه، وربما وافق بعضهم الصواب، وربما لم يوافق الصواب.
لهذا الواجب على المؤمن من مقتضى المحبة والنصرة أن يحمل جميع أعمال الصحابة على إرادة الخير والدين وحب الله - عز وجل - وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما اجتهدوا فيه:
- إما أن يكون لهم فيه الأجران إذ أصابوا.
- وإما أن يكون لهم فيه الأجر الواحد إذ أخطؤوا.
وكل عمل لهم مما اجتهدوا فيه حتى القتال فإنه معفو عنهم فيه لأنهم مجتهدون، فلا نحمل أحدا من الصحابة على إرادة الدنيا المحضة -يعني فيما اجتهدوا فيه من القتال- وإنما نحملهم على أنهم أرادوا الحق واجتهدوا فيه فمن مصيب ومن مخطئ.
ولهذا كان الصحابة وهم يتقاتلون يحب بعضهم بعضا، ولا يتباغضون كما أبغض طائفة منهم من جاء بعد ذلك من أهل البدع، فلم يكن أحدهم يذم الآخر ذما يقدح في دينه، أو يقدح في عدالته، وإنما بين من يصوب نفسه ويخطئ غيره وبين من يعتزل أو يثني على الجميع وأشباه ذلك.
وهذا هو الواجب في أننا نحمل أفعالهم على الحق والهدى، وإن كان بعضهم يكون أصوب من بعض، أو يعضهم يكون مصيبا والآخر مخطئا.
وما جرى من الصحابة من الشجار فيما اجتهدوا فيه والقتال أو ما اجتهد فيه الصحابة في المسائل العملية في علاقتهما بعض الصحابة الآخرين، فهذا لا يبحث فيه وإنما يذكرون بالخير، ونعتمد على الأصل الأصيل وهو أن الله - عز وجل - أثنى عليهم، وخاصة أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله - عز وجل - فيهم قوله {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}[الفتح:18]، وكانوا إذ ذاك بين ألف وأربعمائة وألف خمسمائة قد رضي الله عنهم وأرضاهم.

(1/627)


[المسألة الخامسة]:
سب الصحابة تبرؤ منهم، وإذا سب بعضا فهو تبرؤ ممن سب أو بعض تبرؤ ممن سب.
لأن حقيقة السب عدم الرضا عن من سب، وكره ما فعل وإلا فإن الراضي يحمد ويثني، والمبغض هو الذي يسب ويتبرأ.
لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الصحابة فقال «لا تسبوا أصحابي» وهذا يقتضي التحريم، فكل سب للصحابة محرم، وأكد ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله «من سب أصحابي فقد آذاني» وأذيته صلى الله عليه وسلم محرمة وكبيرة وكذلك إيذاء الصحابة فقد قال - عز وجل - {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}[الأحزاب:58]، وإيذاء الصحابي احتمال للإثم المبين، وهذا دخول في المحرمات الشديدة.
ومعنى السب أن يشتم بلعن، أو يتنقص، أو يطعن في عدالتهم، أو في دينهم، أو أن يتنقصهم بنوع من أنواع التنقص عما وصفهم الله - عز وجل - به، وهذا يختلف بأنواع:
- فقد يشتم بعض الصحابة، فهذا سب.
- قد يتنقص من جهة دينية.
- وقد يتنقص من جهة دنيوية لا تنقص من عدالته.
مثلا في الجهة الدينية أن يقول: أنه لم يكن مؤمنا مصدقا، كان فيه نفاق. أو أن يقول عن الصحابة: كان فيهم قلة علم، أو بعضهم فيه قلة ديانة، أو كان فيهم شره على المال أو حب للمناصب، أو كان في بعضهم رغبة في النساء، جاهدوا لأجل النساء، أكثروا من النساء تلذذا في الدنيا، هم طلاب دنيا.
إما في وصفهم جميعا أو في وصف بعضهم.
هذه أمثلة لأنواع السب والقدح الذي قد يرجع إلى قدح في دينهم، وقد يرجع إلى تنقص لهم في عدالتهم وما أشبه ذلك. (1)

:[[الشريط الرابع والأربعون]]:

وسب الصحابة رضوان الله عليهم كما أنه محرم قد اختلف العلماء في هل يكون كفرا أم لا يصل إلى الكفر؟
وكما ذكرت لك فإن السب مورده البغض؛ لأنه إذا أبغض مطلقا أو أبغض في جزئية فإنه يسب، فإن السب مورده البغض، ينشأ البغض والكراهة ثم ينطلق اللسان -والعياذ بالله- بالسب.
لهذا الطحاوي هنا قال في آخر الكلام (وبغضهم كفر ونفاق وطغيان)
فيقصد بالكفر هنا الكفر الأصغر ليس الكفر الأكبر، أو ما يشمل -وهو الذي حمله عليه شارح الطحاوية- أو ما يشمل القسمين، قد يكون كفرا أكبر وقد يكون أصغر، والنفاق قد يكون نفاقا أكبر وقد يكون نفاقا أصغر بحسب الحال ويأتي تفصيل الكلام في ذلك.
والإمام أحمد رحمه الله وعلماء السلف لهم في تكفير من سب الصحابة روايتان:
1 - الرواية الأولى: يكفر وسبب تكفيره أن سبه طعن في دينه وفي عدالة الصحابي، وهذا رد لثناء الله - عز وجل - عليهم في القرآن، فرجع إذا تكفير الساب إلى أنه رد ثناء الله - عز وجل - في القرآن والثناء من النبي عليهم في السنة.
2 - والرواية الثانية: أنه لا يكفر الكفر الأكبر، وذلك لأن مسبة من سب الصحابة من الفرق دخله التأويل ودخله أمر الدنيا والاعتقادات المختلفة.
@ والقول الأول هو المنقول عن السلف بكثرة، فإن جمعا من السلف من الأئمة نصوا على أن من سب وشتم أبا بكر وعمر فهو كافر، وعلى أن من شتم الصحابة وسبهم فهو زنديق، بل قيل للإمام أحمد كما في رواية أبي طالب: قيل فلان يشتم عثمان، قال: ذاك زنديق. وأشباه هذا.
وهذا هو الأكثر عن السلف لأن شتم الصاحب تكذيب للثتاء أو رد للثناء، سواء كان شتمه لأجل تأويل عقدي أو لأجل دنيا.
وقد فصل في بحث السب ابن تيمية في آخر كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول، وذكر الروايات والأقوال في ذلك ثم عقد فصلا في تفصيل القول في الساب.
وما فصل به حسن، وما يدور كلامه عليه رحمه الله وأجزل له المثوبة أنه يرجع السب إلى أحوال:
فتارة يكون كفرا أكبر، وتارة يكون محرما ونفاقا، ولا يتفق الحال؛ يعني ليس السب على حال واحدة.
فيكون للساب مراتب أو أحوال:
1- الحالة الأولى: أن يسب جميع الصحابة بدون استثناء ولا يتولى أحدا منهم، فهذا كفر بالإجماع، يسب جميع الصحابة، هذا فعل الزنادقة والماديين والملاحدة الذين يقدحون في كل الصحابة، فيقول: هؤلاء الصحابة جميعا لا يفهمون، هؤلاء طلاب دنيا، بدون تفصيل، كل الصحابة ولا يستثني أحدا.
فمن سب جميع الصحابة أو تنقص جميع الصحابة بدون استثناء، تقول له: أتستثني أحدا؟، فلا يستثني أحدا، فلا شك أن هذه زندقة، ولا تصدر من قلب يحب الله - عز وجل - ويحب رسوله ويحب الكتاب والسنة ومن نقل السنة وجاهد في الله حق جهاده.
2- الحالة الثانية: أن يسب أكثر الصحابة تغيظا من فعلهم كالغيض الذي أصاب من عد نفسه من الشيعة وهو من الرافضة، أو نحوهم ممن سبوا أكثر الصحابة الذين خالفوا -كما يزعمون- خالفوا عليا أو لم ينتصروا لعلي وأثبتوا الولاية لأبي بكر وعمر ثم عثمان، وأشباه ذلك فيسبونهم تغيظا وحنقا عليهم واعتقادا فيهم.
فهؤلاء أكثر السلف على تكفيرهم ونص الإمام مالك على أن من سب طائفة من الصحابة تغيظا؛ يعني غيظا من موقفهم في الدين، فإنهم كفار لقول الله - عز وجل - في آية سورة الفتح {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار}[الفتح:29]، فالذي يكون في قلبه غيظ ويغتاظ من الصحابة ألحقه الله - عز وجل - بالكفار، واستدل بها مالك رحمه الله إمام دار الهجرة على أن من سبهم أو سب طائفة منهم تغيظا فهو كافر، وهذا صحيح ظاهر.
3- الحالة الثالثة: أن يسب بعض الصحابة لا تغيظا؛ ولكن لأجل عدم ظهور حسن أفعاله، مثلا يقول:
هؤلاء بعض الصحابة فيهم قلة علم أو فيهم جشع، أو هذا ما يفهم، أو فيه حب للدنيا، أو نحو ذلك، فهذا ليس بكفر، وإنما هذا محرم لأنه مسبة وهو مخالف لمقتضى الولاية.
وهذا هو الذي يحمل عليه كلام من قال من السلف: إن ساب الصحابة أو من سب بعض الصحابة لا يكفر، فيحمل على أن نوع السب هو أنه انتقص في ما لا يظهر له وجهه، إما في -مثل ما ذكرت- نقص علم أو في رغبة في دنيا أو نحو ذلك، ولا يعمم وإنما قد يتناول واحد أو اثنين أو أكثر بمثل هذا.
وهذه المسائل، كونه يقل علمه أو يقول يحب الدنيا، هذا ليس طعنا في عدالته لأن قلة العلم ليست طعنا في العدالة، وحب الدنيا بما لا يؤثر على الدين ليس طعنا في العدالة -العدالة يعني الثقة والدين والأمانة-، وإنما هذا انتقاص وتجرؤ عليهم بما لا يجوز فعله، ويخالف مقتضى المحبة.
هذا هو الذي يصدق عليه أنه لا يدخل في الكفر فهو محرم؛ لأنه ليس فيه رد لقول الله - عز وجل - ولكن فيه سوء أدب وانتقاص ودخول في المسبة.
والواجب في أمثال هؤلاء أن يعزروا؛ وذلك لدرء شرهم والمحافظة على مقتضى الثناء من الله - عز وجل - على صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم.
4- الحالة الرابعة: أن ينتقص الصحابي أو أن يسبه لاعتقاد يعتقده في أن فعله الذي فعل ليس بالصواب، وهذا في مثل ما وقع في مقتل عثمان وفعل علي رضي الله عنه وفعل معاوية ونحو ذلك، فقد يأتي وينتقص البعض؛ لأنه يرى أنه في هذا الموقف بذاته أنه كان يجب عليه أن يفعل كذا، لماذا لم يفعل كذا، وهذا يدل على أنه فعل كذا، وهذا أيضا أخف من الذي قبله لأنه متعلق بفرد وبحالة.
وهذا محرم أيضا، وهل يعزر في مثل هذه الحال أو لا يعزر؟
هذا فيه اختلاف، ولاشك أن قوله وفعله فيما فعل دخول في المسبة والانتقاص وهذا محرم ودون الدخول في رد ثناء الله - عز وجل - أو في انتقاص عام، إنما هذا يجب في حقه التوبة من الله - عز وجل - والإنكار عليه.
وهل يعزر أو لا؟
اختلف العلماء في مقتضى التعزير، التعزير المقصود به التعزير بالجلد أو بالقتل، أما التعزير بالقول والرد عليه وانتقاصه هذا واجب.
5- الحالة الخامسة: ربما تشتبه علي لكن تراجعونها أكثر، نتركها راجعونا أنتم.
__________
(1) نهاية الشريط الثالث والأربعين.

(1/628)


[المسألة السادسة]:
في قول الطحاوي رحمه الله (وحبهم دين وإيمان وإحسان):
1- أولا: حب الصحابة دين: لأن الله - عز وجل - أثنى عليهم، وتصديق خبر الله - عز وجل - وانعقاد الولاية لا شك أن هذا دين؛ بل من أعظم الدين.
والصحابة اجتمع ذلك في حقهم من ناحيتين:
أ - الناحية الأولى: أن الله عقد الولاية بين المؤمنين فقال {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة:71] ومعنى الولاية المحبة والنصرة، وأعظم المؤمنين إيمانا هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهم من الولاية والمحبة والنصرة أعلاها، كذلك قال الله - عز وجل - {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}[الحشر:10] فأثنى على هؤلاء لأجل اتصافهم بالدين ولاشك أن حب الصحابة من هذه الجهة دين.
ب - الناحية الثانية أن تصديق خبر الله - عز وجل - فيما أثنى الله به عليهم في آيات كثيرة، سواء ما أثنى به على المهاجرين والأنصار كجنس، أو ما أثنى به على أهل بيعة الرضوان، أو ما أثنى به على السابقين، أو ما أثنى به على جميع من مع النبي صلى الله عليه وسلم {محمد رسول الله والذين معه} هذا يشمل الجميع، {والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} هؤلاء حبهم لثناء الله - عز وجل - وتصديق خبر الله هذا لاشك أنه دين، وقال الله - عز وجل - في آخر سورة الفتح {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}[الفتح:29].
وحرف الجر في قول الله - عز وجل - {منهم} (من) هذه، أهل السنة والجماعة؛ بل أهل السنة الذين يخالفون الرافضة والخوارج يجعلون (من) هنا بيانية لبيان الجنس، والآخرون من الرافضة يجعلونها تبعيضية، وهي لبيان الجنس.
{وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} لو لم يقل {منهم} لصارت تشمل كل مؤمن عمل الصالحات، وهذا يدخل فيه أجناس التابعين وتبع التابعين ومن وليهم إلى يوم القيامة، فأراد تخصيص جنس الصحابة بهذا الفضل وهو الوعد بالمغفرة والأجر العظيم، فقال {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ليس على الإطلاق {منهم} يعني من الصحابة من الذين مع محمد {مغفرة وأجرا عظيما}.
وليست (من) هاهنا تبعيضية لأنها لا تنطبق عليها شروط التبعيض في هذا الموطن وإنما فسرها بأنها تبعيضية الرافضة ومن شابههم، وهو الموجود في تفاسيرهم، يريدون أن يكون هذا الوعد لبعض الصحابة لا لكل الصحابة.
و(من) هنا لبيان الجنس وليست لبيان وليست للتبعيض كقولك: الكتاب من ورق، هذا لبيان جنسه أو ما شابه ذلك.
أما التبعيض فهذا لا يكون في الوصف، يكون الثاني بعض الأول.
وهنا جاء وعدا بالوصف فقال {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات}[النور:55] فلا يكون التبعيض في مثل هذا السياق.
لهذا كان عامة بل كان كل مفسري السلف والأئمة على أن (من) هنا لبيان الجنس لاتفاق آخر الآية مع أول الآية.
2- ثانيا: أن حبهم إيمان: لأنه واجب أوجبه الله - عز وجل -، وما أوجبه الله - عز وجل - فهو من شعب الإيمان، فحب الصحابة إيمان، والنبي صلى الله عليه وسلم نص في بعض الصحابة على أنه إيمان بقوله «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»(1).
3- ثالثا: أن حبهم إحسان: لأنه يدل على أن المحب لهم محسن في دينه وأتى بما يجب عليه وما يتقرب به إلى ربه من أنواع إحسانه وصدقه في دينه.
طبعا (وحبهم دين وإيمان وإحسان) كل هذه تتبعض، ليست شيئا واحدا، فالناس في حب الصحابة يختلفون، وأجرهم على قدر كثرة محبتهم ونصرتهم وفقههم لفضائلهم.
__________
(1) البخاري (17)/ مسلم (128)

(1/629)


[المسألة السابعة]:(1)
في قول الطحاوي رحمه الله (وبغضهم كفر ونفاق وطغيان):
1- أولا: بغض الصحابة كفر:
أ - فإذا كان البغض للدين أو للغيض كما فصلنا فيكون الكفر هنا كفرا أكبر.
ب - وإذا كان البغض لأجل الدنيا -كما قد تتناول النفوس الكراهة والبغض لأجل الدنيا-، فهذا كفر أصغر ولا يصل إلى الكفر الأكبر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا ترجعوا بعدي كفرا يضرب بعضكم أعناق بعض»(2).
وكون بعض الصحابة قاتل بعضا آخر، هذا فيه دخول في خصال الكفار، لهذا قال «لا ترجعوا بعدي كفارا»، ولاشك أنه قد يكون الباعث على ذلك البغض والكره لأن القتال يكون معه ما في النفس؛ لكن مع تقاتل الصحابة فإن بعضهم لم يسب بعضا يعني بلسانه والنفس قد يوجد فيها ما لا يسلم منه البشر.
فإذا الكفر هنا قد يكون كفرا أصغر وقد يكون كفرا أكبر بحسب نوع البغض.
2- ثانيا: بغض الصحابة نفاق: لأن آية النفاق أن يبغض من نقل هذا الدين وحفظ الإسلام في الناس وجاهد في الله حق الجهاد وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمنافقون في عهده صلى الله عليه وسلم كانوا يبغضون الصحابة ويتولون الكفار، ووصفهم الله - عز وجل - في ذلك بقوله {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}[التوبة:67].
والنفاق هنا:
أ - قد يكون نفاق أكبر اعتقادي بحسب حال البغض.
ب - وقد يكون نفاق عملي بحسب نوع البغض وعدم المحبة.
3- ثالثا: بغض الصحابة طغيان: يعني أن بغضهم طغيان، طغى فيه صاحبه وجاوز الأمر.
فالله - عز وجل - أمر بحبهم أو أمر بموالاتهم، وهذا معناه أنه أمر بحبهم وأثنى على من ترضى عنهم واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غل لهم، وهذا معناه أن الذي خالف ذلك فهو قد طغى وتجاوز الحد في ذلك.
__________
(1) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة وإنما جعلها مع ما قبلها وقد جعلتها مسألة مستقلة حتى لا تشتبه المسائل.
(2) البخاري (121)/ مسلم (232)

(1/630)


[المسألة الثامنة]:
العلماء صنفوا في الصحابة مصنفات في بيان ما يجب لهم وفي الثناء عليهم وذكر أخبارهم وسيرتهم، ولاشك أن الدفاع عن الصحابة والتأليف في ذلك من الجهاد، وخاصة في الأزمنة التي يكثر فيها أو يوجد فيها من يقدح في الصحابة أو في بعضهم، فإن من مقتضى الولاية أن ينصر الصحابة بالتآليف وبالرد وبالذب عنهم وببغض من يبغضهم.
وهذا يقتضي أن من الجهاد في سبيل الله ومن المحافظة على الدين أن ينال وأن يرد وأن يجاهد من يقدح في الصحابة أو يطعن في عدالتهم أو يشكك في صدق بعضهم وفي حفظه ونحو ذلك.
وهذا هو الذي صنعه أئمة الحديث فإنهم رحمهم الله تعالى لم يصنفوا المصنفات لحب التصنيف في الغالب؛ ولكن لأجل نصرة الدين وأفراد ما أوجب الله - عز وجل - البيان فيه.
التأليف في الصحابة إما التآليف المستقلة أو في ما في كتب أهل الحديث، مناقب الصحابة، مناقب المهاجرين، مناقب أبو بكر، مناقب عمر إلخ..، كما في كتاب المناقب في البخاري، أو كتاب فضائل الصحابة في مسلم، أو غير ذلك كما هو معروف فهذا من الجهاد في سبيل الله ومن البيان للأمة.
فالذي ينبغي لطلاب العلم خاصة في هذا الزمن أن ينتبهوا لهذه الأصول، وأن يعلموا ما فيها، وأن تكون عدتهم دائمة في هذا البحث للجهاد إذا جاء ما يستوجبه في المواطن التي تنتقص فيها مكانة الصحابة من المبغضين لهم أو لبعضهم قبحهم الله.
نكتفي بهذا القدر.

(1/631)


الأسئلة:
س1/ ذكرتم أن مسائل الصحابة ليست في الأصل من مسائل الاعتقاد، وفي الحديث «حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق» فهل ثم فرق بين كونهم من الإيمان وكونها أنها ليست مسائل الاعتقاد؟
ج/الإيمان شعبه كثيرة «الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة»(1) فمنها ما يدخل في مسائل الاعتقاد ومنها ما لا يدخل.
فأصل حب الصحابة هي مسألة حب، موالاة، وهذه ليست من العقيدة لأن أصل العقيدة ما يتعلق بمسائل الغيب ثم دخل فيها ما يتميز به أهل السنة عن غيره، فأصل العقيدة الذي يدخل في أركان الإيمان الستة: الاعتقاد في الله ربوبيته إلهيته الأسماء والصفات في الملائكة في الكتب والرسل اليوم الآخر والقدر هذه العقيدة، مسائل الإيمان في نفسها، أما المسائل الأخرى الملحقة هذه لأجل المخالفة، وصارت من العقيدة، وكونها من الإيمان هذا حق الإيمان ليست كل مسائله مسائل اعتقاد.
س2/ أراني أجد شيئا في نفسي على معاوية رضي الله عنه من حيث موقفه، لا سيما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار «تقتلك الفئة الباغية»(2) فهل علي في هذا إثم، مع العلم أني لا أتكلم بذلك ولا أتحدث به؟
ج/ نعم عليك إثم في ذلك إذا كان العلم سهلا عليك أن تتحصل عليه وأن تجلو هذه الشبهة، وتبقى وأنت لا تجلو هذه الشبهة عندك، كون الشيء يكون في نفس الإنسان وليس عنده وسيلة لكشفه ولا وسيلة لتعلم ما يدفع عنه هذه الشبهة وتسويل الشيطان، هذه قد يعذر معه؛ لكن إذا كان العلم قريبا والكتب موجودة وأهل العلم الذين يكشفون الشبه موجودون فهذا يأثم الإنسان بالتقصير ويأثم على بقاء هذا الشيء في نفسه.
ومعاوية رضي الله عنه فعل فيما فعل أداء لواجب شرعي يراه أنه متقدم على مسألة البيعة، وهو أن دم عثمان سفك رضي الله عنه، وهو وليه، هو ولي الدم، هو ذو القرابة من عثمان، وولي الدم لا بد أن يسلم من قتل، تحقيقا لقول الله - عز وجل - {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا}[الإسراء:33]، وكذلك الآيات التي فيها القصاص وأن الولي {فمن عفي له من أخيه شيء}[البقرة:178]، فمعاوية رضي الله عنه أراد أخذ الحق الذي جعله الله له والانتصار من قتلة عثمان، وسفك دم عثمان، لاشك أن دم عثمان إذ ذاك هو أطهر دم لإنسان سفك، فالانتصار لعثمان رضي الله عنه واجب، وعلي رضي الله عنه أخر بحث دم عثمان حتى لا تذهب بيضة الإسلام وبيضة أهل الإسلام لأن هؤلاء الخوارج الذين جاؤوا أرادوا الفتنة العظيمة، فأراد أن يستقر الأمر ثم يسلم القتلة لمعاوية؛ لكنه لم يفهم هذا؛ يعني اختلف الاجتهاد فلم يفهم هذا مع سعي الخوارج في الإعلام الفاسد، فسعوا في التفريق ما بين هؤلاء، ينقلون لمعاوية أخبار عن علي ولعلي أخبار عن معاوية، والحققية الصحابة كلهم هدفهم واحد في ذلك وهو حفظ بيضة الاسلام والانتصار من قتلة عثمان، لكن حصل ما حصل.
فمعاوية رضي الله عنه مجتهد يريد أن يأخذ بحقه الشرعي؛ لكن الصواب مع علي؛ لأن بيعة علي واستقامة أمر الناس في الخلافة وعدم حصول القتال هذا هو الواجب والحق مع علي في ذلك، ومعاوية رضي الله عنه مجتهد مأجور على اجتهاده ولكنه مخطئ في ما اجتهد فيه في ذلك ولكن هو مأجور.
والإنسان لا يبغض من اجتهد أو يجد في نفسه شيئا على من اجتهد في الحق، وإن كان أخطأ، فإنه إذا اجتهد في الحق وتحراه، فإن هذا هو الذي يجب عليه، ومعاوية رضي الله عنه به استقام المسلمون وحفظت البيضة بعد علي رضي الله عنه، فالناس في زمن علي كانوا متفرقين ولم يستقم الأمر لعلي في الخلافة ولم يجتمع الناس عليه.
ثم لما حصل تنازل الحسن ابن علي في الولاية لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين وحصل هذا الاجتماع العظيم في سنة إحدى والأربعين في العام الذي سمي عام الجماعة يعني عام اجتماع الناس، حصل غيظ العدو، حتى الخوارج هربوا بعد أن كانت لهم الصولة وكانوا يفرقون وسفكت من دماء الصحابة ودماء التابعين ما سفك؛ ولكنهم لما اجتمع الناس كان أول من اندحر هؤلاء الخوارج أخزاهم الله.
__________
(1) سبق ذكره (402)
(2) مسلم (7506)/ الترمذي (3800)

(1/632)


فمعاوية رضي الله عنه له من الفضائل ما له، هو كاتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الصحابة الذين كانت لهم مواقف عظيمة في الجهاد، وجهاد الروم وجهاد الأعداء كما هو معلوم، وولي الشام وكانت في سيرته في ولايته في عهد عثمان كان طيب السيرة، والاجتهاد في المال أو اجتهاد في بعض الأمور هذا إنما لا يمشي على وفق منهج الخوارج، أما الصحابة فكانوا يرون في ما اجتهد فيه أنه ما بين مصيب وما بين مخطئ، والمخطئ لا يعاب على ما اجتهد فيه إذا لم يكن مخالفا للأصول، فمعاوية رضي الله عنه مكانته وحبه من الإيمان، ولا يجوز لمسلم أن يبقي في نفسه شيئا على صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
س3/ هل يفرق بين سب الصحابة بعضهم لبعض وسب غيرهم لهم؟
ج/ ما سب صحابي صحابيا مطلقا، وإنما قد يتسابون يعني مثل ما يحصل للبشر، يترادون في موقف، لكن لا يسبهم مطلقا أو يذم صحابيا مطلقا؛ لكن يكون بينهم تراد في مجلس لأجل ما يحصل بين البشر مقاتلة مؤقتة تحصل بينهم؛ لكن سب الساب المطلق وانتقاص قدر فلان من الصحابة مطلقا هذا لم يحصل عند الصحابة.
س4/ ما حكم تقديم بعض الصحابة على بعض مثل تقديم علي على أبي بكر وعمر وعثمان؟
ج/ الصحابة أفضلهم كما ذكرت لكم العشرة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذكر، ومعتقد أهل السنة والجماعة والذي دلت عليه النصوص ولا يجوز عليه خلافه أن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي هؤلاء هم أفضل الصحابة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذكر وكترتيبهم في الخلافة.
أما تقديم علي على أبي بكر وعمر فكما قال السختياني (من فضل عليا على أبي بكر عمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار)(1)، كيف يكون أفضل ويقدمون غيره عليه، فمعناه أنهم خونة كما يدعي الرافضة، أو أن لهم كذا وكذا.
والصحابة من المهاجرين والأنصار قدموا من هو الأفضل لهم في دينهم وفي أيضا في الولاية، تقديم علي على جملة الثلاثة هذا صنيع الرافضة.
نكتفي بهذا وفقكم الله لما فيه رضاه وبارك فيكم.
__________
(1) حلية الأولياء (7/27)

(1/633)


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
الأسئلة:
س1/ كثير من الإخوان -جزاهم الله خيرا- إذا ما وقع بينهم خلاف في مسألة ما إما فقهية أو غيرها وأنكر عليهم شدة الخلاف بينهم، قالوا: الصحابة اختلفوا فما بالك بحالنا؟
ج/ أولا هذا ليس مما يسوغ أن يذكر هذا عن الصحابة ويجعل اختلاف الصحابة حجة مطلقا لاختلاف غيرهم.
الصحابة رضوان الله عليهم أولا لم يختلفوا ولله الحمد في باب من أبواب العقيدة والتوحيد والأصول وإنما اختلفوا في بعض المسائل الاجتهادية كالمسائل الفقهية وبعض مسائل الإمامة التي كانت في زمنهم لها تأويلها.
ثم إن من القواعد المقررة عند أهل السنة كما كتبوا في عقائدهم أننا نحمل جميع أعمال الصحابة وأقوال الصحابة وأفعال الصحابة على إرادة الخير وعلى أنهم لم يقصدوا إحداث الخلاف ولا الانتصار للنفس، ولم ويذهبوا إلى النزعة القبلية أو نزعة علو الشأن أو نزعات الدنيا وإنما كان لهم في ذلك تأويلات، وربما دخل بعض هذه المطالب كشيء من الدنيا دخل في تأويل الدين، ولم يكن يقصد أساسا، فلم يكن في الصحابة ولله الحمد ممن يشار إليهم وحصل منهم الخلاف لم يكن منهم من يقصد الدنيا فقط محضة، وإنما يريدون الدين وربما يدخل في شيء من ذلك بعض استمساك بأمور الدنيا التي لهم فيها تأويل سائغ.
ولهذا لا يسوغ أن يحتج(1) أحد إذا اختلف مع غيره باختلاف الصحابة مطلقا، وإنما في بعض الوسائل إذا اختلف فيها الصحابة فالخلاف يسع من بعدهم إذا كانت من المسائل التي ليس فيها دليل واضح، أما إذا كانت المسالة فيها نص أو فيها دليل ظاهر من الكتاب أو من السنة فأقوال الصحابة بين راجح ومرجوح إذا اختلفوا، فالله - عز وجل - أمرنا أننا عند التنازع والاختلاف أن نرد إلى الله - عز وجل - وإلى الرسول {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}[النساء:59]، وهذا هو الذي يجب أنه يرد للدليل، فإذا لم تظهر دلالة الدليل في المسائل فإن في اختلاف الصحابة سعة إذا اختلفوا، وهم لم يختلفوا ولله الحمد في التوحيد ولم يختلفوا في العقيدة ولم يختلفوا في أصول الدين، وإنما اختلفوا في بعض مسائل اجتهادية معروفة، ولهم فيها تأويل وكل يقوم بحجته وأقوال ما بين راجح ومرجوح رضي الله عنهم وأرضاهم.
__________
(1) نهاية الوجه الأول من الشريط الرابع والأربعين.

(1/634)


ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة
____________________________________________
بعد أن ذكر الطحاوي رحمه الله محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأننا نتولاهم جميعا، ولا نتبرأ من أحد منهم أتى إلى مسألة عظيمة فارق فيها جمع أهل السنة من عداهم من الخوارج والرافضة وأشباههم في مسألة: الخلافة، ومن الأحق بالخلافة، ومن الأفضل، وترتيب هؤلاء على ما جاء في النصوص وعلى ما قرره الصحابة والأئمة من بعدهم.
فقال (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)
ويعني بذلك أن الخلافة يثبتها أهل السنة لأبي بكر دون غيره استحقاقا للخلافة أو تقديما له أو تفضيلا، كما عليه الرافضة وبعض الفئات الأخرى.
وهذا في الأصل كما ذكرت لكم قبل ذلك صار من العقيدة لأنه في أمر الخلافة التي بسببها وبسبب البحث في الخلافة افترقت الأمة إلى فرق كثيرة.
فأول خلاف وقع في الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الذي يلي المسلمين بعده صلى الله عليه وسلم؟
فوقع الخلاف بين المهاجرين والأنصار ولم يطل، وأجمع المسلمون في وقت قصير على استحقاق أبي بكر للخلافة كما سيأتي بيانه.
ويمكن أن نتحدث عن هذا في عدة مسائل.

(1/635)


[المسألة الأولى]:
أن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أجمع عليها أهل السنة والجماعة؛ بل وغيرهم من الخوارج والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والمتكلمين وسائر الفرق عدا الرافضة ومن نحا نحوهم.
فخلافة أبي بكر الصديق وأنه هو المستحق للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أجمع عليه هؤلاء، واختلفوا في مأخذ الخلافة وأحقية أبي بكر بالخلافة:
هل لأن خلافته ثبتت بالنص الجلي؟
أو أنها ثبتت بالنص الخفي؟
أو أنها ثبتت بالاختيار واتفاق واختيار الصحابة؟
على ثلاثة أقوال:
1- القول الأول: أن خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثبتت بالنص الجلي، ويعنون بالنص الجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى خلافته وأوضح أنه الأحق بعبارات مختلفة وأدلة متنوعة بدلالات قولية وفعلية يحصل من مجموعها التنصيص على أن الذي يلي الناس بعده صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر.
وهذا القول هو الذي عليه جماعة كثيرة من أهل الحديث، وهو قول الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأصحابه الحنابلة وطائفة كبيرة من الشافعية، وهو اختيار أيضا ابن حزم وجماعة من الظاهرية.
وهو الذي حرره المحققون أيضا كشيخ الإسلام ابن تيمية وكغيره فإنه قال:
والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم دل على خلافة أبي بكر الصديق بدلالات كثيرة من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله.
2- القول الثاني: أن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص الخفي، يعني بالدليل الخفي والإشارة، فهذا هو الذي ذهب إليه الحسن البصري، فقال حينما سئل: هل كانت ولاية أبي بكر بالنص عليه؟
فقال (لقد كان أبو بكر الصديق اتقى لله من أن يتوسد عليها)، يعني الخلافة.
وذهب إلى هذا أيضا جماعة من أهل الحديث بأنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة والدليل، ويعنون بذلك ما أرشد إليه صلى الله عليه وسلم من تقديم أبي بكر في أمر الدنيا وفي أمر الدين في الصلاة وفي صحبته له وفي بيان فضله وعدم تقديم غيره عليه؛ يعني في الفضل.
3- القول الثالث: أنها ثبتت بالاختيار ويعنى بذلك اختيار المسلمين له رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، وإلا فعند هؤلاء لم يكن ثم نص وإلا لاحتجوا به عند الخلاف.
وهذا ذهب إليه أيضا كثير من أهل الحديث وطائفة من الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهو مذهب المعتزلة الأشاعرة والماتريدية وأهل الكلام فإنهم يرون أنها إنما ثبتت بالاختيار.
* والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول، وهو أنها ثبتت بالنص الجلي الذي لا يحتمل غيره.
ويدل على هذا عدد من الأدلة:
& الدليل الأول: هو أن أبا بكر رضي الله عنه هو أفضل الأمة حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة جميعا لم يكن أحد منهم يقدم أحدا من الصحابة على أبي بكر في الفضل.
ومعلوم أن فضله رضي الله عنه كان بنص القرآن ونص السنة على تقديمه على غيره في الفضل وأنه اختص بالنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن في قوله {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}[التوبة:40]، وفي قوله «هل أنتم تاركي لي صاحبي»(1) وفي قوله «لو اتخذت خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا»(2) وفي قوله «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»(3) -وهو دليل لمسألة تأتي- ونحو ذلك من الأدلة التي فيها بيان فضله.
والمسلمون لما مات النبي صلى الله عليه وسلم لم بكن أحد منهم يقدم أحدا في الفضل في أبي بكر، ومعلوم أن الإمامة تكون للأفضل.
والفضل له شعب منها الفضل في الدين، والفضل في العلم، والفضل في التقوى، ونحو ذلك، وكذلك أن يكون قرشيا في إمامة الاختيار وهذه كلها كانت موجودة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
فالتنصيص على أن أبا بكر هو أفضل هذه الأمة بمجموع أدلة كثيرة بالتنصيص على فضله وأنه أفضل وعلى اختصاصه بالنبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن الأفضل هو الأحق بالخلافة.
هذا تنصيص على أن أبا بكر هو الذي توجد فيه شروط الخلافة.
& الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض مرضه الأخير أمر الناس أن يقدموا أبا بكر فقال «مروا أبا بكر فليصلي بالناس»(4) قد قال بعض الصحابة: إذا ارتضاه رسول الله لديننا أفلا نرتضيه لدنيانا. يعني أن تقديمه في الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة دليل؛ بل هي نص على أنه هو الأحق بالتقدم في الإمامة العظمى.
__________
(1) البخاري (3661)
(2) سبق ذكره ص (99)
(3) الترمذي (3662)/ ابن ماجه (97)
(4) البخاري (664)/ مسلم (967)

(1/636)


& الدليل الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يأتوا بكتاب ليكتب لهم، فقال «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر»(1) ثم إنه لما دعا بذلك الكتاب قال «إيتوني بكتاب أعهد إليكم عهدا لا تختلفوا بعده» قال عمر رضي الله عنه (عندنا كتاب ربنا وما أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا غلب عليه الوجع)(2).
وهذا اجتهاد من عمر رضي الله عنه حمله عليه أنه ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم سيذكر غير أمر الخلافة، غير أمر الولاية؛ لأن أمر الولاية الدليل عليه قام بأدلة كثيرة أخرى فلا تحتاج إلى عهد مكتوب خاص يعهد إليهم به، فخشي أن يقول شيئا آخر ويكون ذلك فتنة للناس لأنه صلى الله عليه وسلم في تلك الحال بشر، والناس قد لا يدركون كل شيء.
ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أراد الكتابة بالعهد لأبي بكر، وعمر رضي الله عنه منع أو رأى -كما قال بعض أهل العلم- أنه لا يجلب الكتاب لأنه إن كان تنصيصا بالولاية فهذا مدلول عليه بغيره.
وقال بعض العلماء: ولا يحمل قول عمر رضي الله عنه على أنه ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم سيكتب شيئا آخر، ولكن نظر في أن الأمر لم يكن على الإيجاب وإنما كان على باب الشفقة والرحمة لهم، وباب الشفقة الرحمة لهم قال هؤلاء لا تلزم فيه الاستجابة وخاصة في مثل مرضه صلى الله عليه وسلم.
* والأول هو الأظهر في تحليل قول عمر رضي الله عنه.
& الدليل الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر».
& الدليل الخامس: أن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لها فوعدها موعدة أخرى، فقالت كأنها تشير: إن لم أجدك -يعني بالموت- قال «إن لم تجديني فأتي أبا بكر»(3).
والأدلة على هذا كثيرة متنوعة في أن أبا بكر رضي الله عنه كان منصوصا على استحقاقه للخلافة بعدة أدلة يؤخذ منها أنه نص جلي لا يحتمل التأويل.
أما القول الثاني وهو من قال أنها ثبتت بالإشارة، فهذا فيه نظر؛ لأن الإشارة هي الشيء الخفي، وهذه الأدلة ظاهرة في الدلالة.
وأما من قال بالاختيار فلاشك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اختاره المسلمون؛ بل أجمع عليه السلمون، وقد نقل الحاكم في المستدرك وصححه أن علي بن أبا طالب ذكر إجماع المسلمين على خلافة وولاية أبا بكر(4)، ونقل ذلك أيضا عن طلحة بن عبيد الله وعن الشافعي وعن جماعة حكوا الإجماع على اختيار المسلمين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وثبوتها بالاختيار هذا لاشك فيه لكنه ليس ثبوتا مستقلا بل هو تبع لتنصيص النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر في بيان فضله ومنزلته وأنه هو الأحق بالتقدم في أمر الدين وفي الإمامة العظمى.
__________
(1) مسلم (6332)
(2) البخاري (114)/ مسلم (4322)
(3) البخاري (7360)/ الترمذي (3676)
(4) المستدرك (4426)

(1/637)


[المسألة الثانية]:
خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبيعة أبي بكر الصديق تمت في سقيفة بني ساعدة في القصة المعروفة حيث اختلف المهاجرون والأنصار، ثم آل الأمر إلى أن يكون الخليفة من قريش لقوله صلى الله عليه وسلم «الأئمة من قريش الخلافة فيكم»(1) يعني في قريش ثم قدم أبو بكر للأدلة التي ذكرنا، واجتمع المسلمون على بيعة لأبي بكر.
ومنهم من المسلمين من الصحابة من حصلت منه البيعة التي هي التزام لهذا الإمام ولهذا الخليفة بالمبايعة اللفظية دون المبايعة بصفقة اليد، وهذا كما حصل من علي رضي الله عنه ومن طلحة بن عبيد الله، فإنهما -وهناك معهم آخرون- لم يبايعوا مباشرة بصفقة اليد وإنما بايعوا لما بايع أهل الحل والعقد.
ومعلوم أن المبايعة قسمان:
- بيعة لأهل الحل والعقد ومن استطاع من المسلمين أن يبايع بصفقة اليد والعهد.
- والبقية يبايعون بيعة شرعية باللسان أو باعتقاد القلب بالتزام طاعة هذا الخليفة وهذا الإمام.
وعلي رضي الله عنه ومن معه قال طائفة: إنهم لم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر أو بعد بضعة أشهر أو ثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل وأنهم لم يكونوا يرتضون تلك البيعة الأولى.
وهذا غلط كبير بل علي رضي الله عنه قد بايع ولكنه لم يقدم على أبي بكر حتى توفيت فاطمة، وكذلك طلحة بن عبيد الله تأخر في إعطاء أبي بكر الصديق ثمرة القلب وصفقة اليد في البيعة.
وهذا التأخر له أسباب من أهمها:
1- السبب الأول: أن عليا وطلحة من العشرة ومن المقدمين وقد أخروا أو لم يدعوا أو لم يأتوا إلى الشورى -السقيفة- وفي اجتماع الأمر، فرأوا أنهم لما لم يكن لهم الأمر في الشورى أنهم حينئذ ليسوا من أهل الحل والعقد فلا يلزم أن يستعجلوا في إعطاء البيعة بصفقة اليد.
2- السبب الثاني: أن عليا رضي الله عنه راعى فاطمة فيما كان في شأنها -إن صحت الحكاية- فيما كان في نفسها في تأخير بعض الميراث، وأبو بكر رضي الله عنه أخذ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنا لا نورث ما تركناه صدقة»(2) وكان علي رضي الله عنه يراعي حال فاطمة لأنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يقول في شأنها «إنما أنت بضعة مني يؤذيني ما يؤذيك»(3)، فتأخر علي لسبب ليس براجع إلى أحقية أبي بكر بالخلافة ولا إلى أحقيته بالبيعة بل إلى مسألة يرى أنها الأفضل في مراعاته لفاطمة أو لأنه لم يكن من أهل الشورى فلا تلزمه المبادرة مع حصول بيعته لأبي بكر، حيث ذكر هو أن المسلمين والصحابة أجمعوا على خلافة أبي بكر.
3- السبب الثالث: أن التأخر قد يحصل، والتأخر أو التقدم ليس أمرا قادحا في استحقاق أبي بكر للخلافة ولا إلى إجماع الناس عليه؛ لأن التأخر -كما ذكرت لك- مرده إلى ترك الأفضل من البيعتين وهو بيعة اليد، فإذا حصلت البيعة الواجبة وهي بيعة الاعتقاد، بيعة الالتزام بمبايعة المسلمين وارتضائهم، حصل القصد الشرعي، والأمر الثاني يمكن أن يكون له أكثر من سبب فلا يجعل قادحا لا من جهة علمية ولا من جهة أيضا عملية.
لهذا من نقل أن عليا رضي الله عنه أو طلحة أو نحو ذلك لم يكونوا يرتضون خلافة أبي بكر أو أنهم جاملوا لما رأوا الأمر استقر وأن عليا كان الأحق ونحو ذلك، هذه كلها أقوال هي من أقوال أهل الرفض والبدع الوخيمة.
ولا يصح في هذا شيء عن صحابي أصلا في أنه يقدم نفسه لا في الفضل ولا في الخلافة على أبي بكر رضي الله عنه؛ بل المسلمون تبع لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.
__________
(1) البخاري (3501 )/ مسلم (4807)
(2) البخاري (4240)/ مسلم (4679)
(3) البخاري (3714)/ مسلم (6461)

(1/638)


[المسألة الثالثة]:
خلافة أبو بكر الصديق طعن فيها الرافضة، فلم يقتصروا على ذلك بل طعنوا في أبي بكر الصديق.
وطعنهم في الخلافة يريدون منها أن أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة واغتصبا الولاية، وكان الأحق بها علي رضي الله عنه.
ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي في حديث غدير قم المعروف أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»(1) ومنزلة هارون من موسى أنه قال له {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}[الأعراف:142]، وهذا الحديث وقد رواه مسلم في الصحيح -حديث غدير قم المعروف- حديث صحيح.
و «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» لا تدل على استحقاقه للخلافة مطلقا، وإنما على استحقاقه للولاية في تلك السفرة التي سافرها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو لما ذهب فإن عليا صار منه بتلك المثابة وطمن خاطره وشرح صدره بهذه المنزلة إذ لم يرافقه صلى الله عليه وسلم، وهذا شيء مؤقت لا يدل على التقديم في كل حال [.....]
لما حج أبو بكر بالناس عام تسع من الهجرة كان هو أمير الحج، وعلي رضي الله عنه كان معه ليقرأ على الناس أول سورة براءة، {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله}[براءة:1-2] الآيات.
وسبب إرسال علي رضي الله عنه مع أبي بكر أنه كان من عادة العرب أنها لا تقبل الأمر الجلل إلا من الرجل نفسه أو من ذي قرابة منه يقول بقوله، فرغب صلى الله عليه وسلم في أن لا يحدث اختلاف في هذا الأمر وأن يعلن البراءة من المشركين في أن لا يحج بعد العام مشرك، أن يعلنها أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو علي ين أبي طالب ابن عمه وزوج بنته رضي الله عنه.
وهذا يدل على أنه كان مع أبي بكر تابعا، وكان أبو بكر رضي الله عنه هو الأمير.
وما ذكروه من قوله «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» إنما هذا في شيء مؤقت لا يدل على منزلة عامة.
ولهذا علي رضي الله عنه كان في الستة نفر الذين عهد إليهم عمر رضي الله عنه باختيار الخليفة، فكان من اختيارهم أن يختاروا عثمان رضي الله عنه خليفة للمسلمين، ولهم في ذلك -يعني للرافضة في ذلك - أقوال في القدح من أبي بكر وفي القدح من عمر وعثمان معروفة عاملهم الله بما يستحقون.
[المسالة الرابعة]:
قال (تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة) وهذا هو الذي ذكرت لك في أول الكلام من أن تقديم أبي بكر لأجل تفضيله، فهو الأفضل وهو المقدم، كذلك عمر هو الأفضل وهو المقدم، كذلك عثمان هو الأفضل وهو المقدم، ثم علي هو الأفضل وهو المقدم، رضي الله عنهم أجمعين.
فإثبات الخلافة فيها إثبات الفضيلة، وأيضا المسألة تنعكس، إثبات فضل أبي بكر على جميع الأمة فيه إثبات الخلافة له رضي الله عنه وتقديم أبي بكر على جميع الأمة في الفضل هو تقديم لأبي بكر على جميع الأمة في استحقاقه في الولاية والخلافة.
__________
(1) البخاري (3706)/ مسلم (6370)

(1/639)


قال بعدها (ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه)
____________________________________________
عمر بن الخطاب هو في الأفضل في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق وهو في الخلافة أيضا هو الخليفة الثاني بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخلافته بالإجماع ثبتت بالعهد من أبي بكر حيث إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نص على عمر بالخلافة بعده.
لهذا لم يختلف المسلمون في أن يكون بعد أبي بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وفضائل عمر أكثر من أن تحصر، ومناقبه كثيرة مبثوثة، وفي عهده رضي الله عنه اتسعت بلاد الإسلام وانتشر لواؤه وكثر الداخلون في الدين، وأرغمت أنوف الكفرة والمشركين وسار الصحابة والمسلمون إلى أمكنة بعيدة.
وكان في عهده يأخذ نفسه بالحزم والشدة على نفسه وعلى قرابته، حتى إنه قيل له في آخر أمره: ألا تعهد لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال (يكفي أن يشقى بهذا الأمر واحد من آل الخطاب)(1).
وكان رضي الله عنه وهو عمر من أحزم الناس في أمر الولاية؛ بل كان أحزم هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق في أمر الولاية.
ومع أنه كان متصفا بالقوة والبأس والهيبة، وكان أبو بكر رضي الله عنه متصفا بالرفقة والرحمة والسعي في الحاجات عن قلب رحيم، فإن أبا بكر كان في الولاية أفضل منه وفي مقامه مقام أبي بكر في الولاية كان أفضل وأرفع من عمر رضي الله عنه في مقامه.
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه هو الذي وقف في الردة ذلك الموقف العظيم الذي لم يثبت له عمر ولم يثبت له كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
فولاية عمر بالاتفاق والإجماع من أهل السنة أنها ثبتت بالنص وثبتت بالعهد من أبي بكر، وأنه هو المستحق لها إلا خلاف الرافضة المعروف.
__________
(1) تاريخ الطبري (2/580)

(1/640)


قال بعدها (ثم لعثمان رضي الله عنه)
___________________________________________
وعثمان رضي الله عنه ولي الخلافة بالاختيار، فعمر لما ولي الخلافة وليها بعهد، ثم استمر، فلما قربت وفاته وشهادته رضي الله عنه قال (إن أعهد فقد عهد أبو بكر، وإن أترك فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم)(1)، وجعل الأمر شورى في الستة نفر فآل إليهم الأمر فاختاروا أفضلهم وأعظمهم صحبة للنبي صلى الله عليه وسلم ومقام صدق في الإسلام وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.
فخلافة عثمان ثبتت بالاتفاق ثبتت باختيار أهل الشورى الخاصين وهم الستة من العشرة - رضي الله عنهم -.
__________
(1) البخاري (7218)/ مسلم (4817)

(1/641)


(ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه)
___________________________________________
ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب لم يجمع عليه المسلمون في عهده لأنه -مع أنه الأحق من كل وجه من غيره- لأنه كان بعد مقتل عثمان، ومقتل عثمان سعى فيه المفسدون من الخوارج ونحوهم وأوغروا الصدور في هذا الشأن حتى وقع قتل عثمان، ثم وقع الخلاف بين الصحابة بسبب ذلك، فمعاوية رضي الله عنه في جهة وعلي رضي الله عنه في جهة، وطلحة والزبير وعائشة في جهة، وحدث من ذلك ما حدث.
فعلي رضي الله عنه خلافته ثابتة باختيار أهل الحل والعقد له في المدينة، فخلافته بالاختيار؛ ولأنه هو الأفضل من هذه الأمة بعد عثمان، وإذا كان هو الأفضل فهو الأحق بالولاية وهو الأحق بالخلافة.
لهذا كان الواجب على جميع المسلمين في وقته -يعني من الصحابة والتابعين- أن يعقدوا البيعة لعلي رضي الله عنه؛ لكن لم يجتمع الناس عليه وقضى في الخلافة رضي الله عنه سنين لم يكن السلك فيها منتظما ولا حبل الولاية فيها مستقيما؛ بل كان زمن قتال وخلاف، وعلي رضي الله عنه لقي من الناس فيها الأمرين.
لهذا خلافة علي -وإن لم تكن مجمعا عليها- فهي ثابتة بيعة أهل الحل والعقد له في المدينة، وأهل الحل والعقد هم الذين يصار إليهم في مسائل البيعة، وبعدهم لا يجوز لأحد أن يتخلف لأن انتظام تلك واجتماع الأمة هذا فرض ومن الفرائض، إضافة إلى أن عليا هو الأفضل، وهو رضي الله عنه في مكانته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمكان الذي لا يخفى.

(1/642)


قال بعدها (وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.)
___________________________________________
كلمة (الخلفاء الراشدون) مأخوذة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصفهم بالراشدين في قوله مثلا في حديث العرباض بن سارية «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعظوا عليها بالنواجذ»(1) ووصف الخلافة ووصف الرشد ليس مختصا بهؤلاء، فقد يكون بعدهم من يكون خليفة، ويكون بعدهم من يكون راشدا.
لكنهم اتصفوا بوصف زائد على الخلافة الراشدة في أنهم على خلافة راشدة على منهاج النبوة كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «الخلافة ثلاثون سنة على منهاج النبوة ثم يكون ملكا»(2) إلى آخره.
فهم الخلفاء الأربعة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخلافة وبالرشد.
وهاهنا مسائل.
__________
(1) سبق ذكره (5)
(2) المسند (18430)/ المعجم الكبير (368)

(1/643)


[المسألة الأولى]:
أن وصف الخليفة استمر بعدهم في ولاة بني أمية؛ لكنه مع تغير الاسم إلى أمير المؤمنين.
وهذا ابتدأ من عهد عمر رضي الله عنه لما قيل له: أنت(1)

:[[الشريط الخامس والأربعون]]:

(خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم أو كما جاء عنه رضي الله عنه)(2)
وإلا فهم خلفاء، فيصح أن يقال الخليفة عمر، الخليفة عثمان، والخليفة الراشد علي وهكذا؛ لكنه اقتصر على أمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي، ثم بعده أمير المؤمنين معاوية إلى آخره.
وهؤلاء خلفاء لقول النبي «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنتي عشر خليفة»(3) وهذا يدل على دخول ملوك بني أمية مع اتصافهم بالملك باسم الخليفة؛ لأن لفظ الخليفة ليس فيه مزيد فضل؛ ولكن معناه أنه الذي يخلف من قبله، وقد يكون يخلف بحسن، وقد يكون يخلف بغير ذلك.
لكن قال صلى الله عليه وسلم «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنتي عشر خليفة» وهذا يدل أيضا على أن ما بعد الاثني عشر خليفة يصح أن يسموا خلفاء لكن لم يختصوا بهذا الاسم ولكن اختصوا بألقاب أخرى، وربما أطلق هذا اللقب.
__________
(1) نهاية الشريط الرابع والأربعين.
(2) تاريخ الطبري (2/569)/ تاريخ الخلفاء (1/124)
(3) مسلم (4812)

(1/644)


[المسألة الثانية]:
لو كان ثم خليفة خامس بعد الخلفاء الأربعة الذين اختصوا باسم الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، لو كان ثم من يستحق الخليفة الخامس فالذي يستحقه الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
وهذا هو الذي عليه أهل السنة بخلاف قول طائفة من أهل البدع في عمر بن عبد العزيز رحمه الله إنه خامس الخلفاء الراشدين، أو الخليفة الخامس، أو الخليفة الراشد الخامس ونحو ذلك.
هذا ليس من أقوال أئمة أهل السنة؛ بل لو كان ثم خامس فالأحق به معاوية بن أبي سفيان فهو أفضل من عمر بن عبد العزيز بلا شك لأنه:
- اجتمع عليه الناس.
- وصار في مدته إغاظة للكافرين.
- ولأنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب الوحي، وقد قال ابن مسعود (لمقام أحدهم ساعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عبادة أحدكم كذا وكذا سنة)(1).
والنبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»(2)، وقد قال - عز وجل - أيضا{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى}[الحديد:10].
وعمر بن عبد العزيز لاشك أنه دون معاوية ولم يحصل له في ولايته الانتشار، وإنما أراد أشياء في نشر السنة، وفي الجهاد وفي إحقاق الحق والعدل بين الناس، وإزالة المظالم؛ لكن لم يستقم له الأمر فما عاش في ولايته إلا أقل من سنتين او نحو السنتين، ثم بعدها قبض.
لهذا فلا يقدم أحد من التابعين على أحد من الصحابة - رضي الله عنهم -.
__________
(1) ابن ماجه (162)
(2) سبق ذكره (414)

(1/645)


[المسألة الثالثة]:
الحسن بن علي رضي الله عنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، لما قتل علي بايعوه بالخلافة، فما استقام الأمر له، فأراد رضي الله عنه وأرضاه أن يحقن الدماء وأن يجمع كلمة المسلمين فتنازل بالخلافة والولاية إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وسمي عام تنازله بعام الجماعة حيث اتفق المسلمون واجتمعوا، وهذا لشدة ورعه وتقواه -أعني الحسن- فإنه هو الأحق بالأمر؛ لكن رأى أن مصلحة العظمى للإسلام والمسلمين تقضي بأن يترك الأمر لمعاوية الصحابي.
وفي اختيار الحسن الخير والبركة وهكذا كان، فعاش المسلمون نحوا من عشرين سنة وهم في أمن وأمان وقوة على الأعداء ومكنة في أمر دينهم وفي أمر دنياهم.

(1/646)


قال رحمه الله بعدها (وإن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق)
____________________________________________
هذا فيه تخصيص هؤلاء العشرة بالفضل وبالشهادة لهم بالجنة.
ودخل هذا في العقائد مخالفة للرافضة وبعض الخوارج الذين يتبرؤون من أكثر هؤلاء العشرة، ويرون أن لفظ العشرة لفظ مشؤوم، وأنه لا يصح الشهادة لهؤلاء بالجنة، ولا أن يتولوا، فصار من عقيدة أهل السنة مع توليهم لجميع الصحابة أن يشهد لهؤلاء العشرة بالجنة وأن يتولوا بخصوصهم لمزيد فضلهم وسابقتهم وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجهادهم معه.
فأدخلت في العقيدة لأجل خلاف الرافضة في هذه المسألة وتبرئهم من أكثر العشرة ومن لفظ العشرة.
وفي هذه الجملة مسائل:

(1/647)


[المسألة الأولى]
هؤلاء العشرة سماهم الطحاوي هنا: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهم -.
وذكرت لكم مسألة قبل ذلك(1) وهي أن هؤلاء العشرة قيل عنهم إنهم المبشرون بالجنة لا لأجل اختصاصهم بهذه الشهادة والبشارة بل النبي صلى الله عليه وسلم بشر عددا كبيرا من الصحابة بالجنة فبشر بلال بالجنة، و بشر خديجة بالجنة، و بشر عائشة بالجنة، و بشر عكاشة بن محصن بالجنة، و بشر آخرين بالجنة، وإنما اختص هؤلاء لأنهم أفضل هذه الأمة؛ ولأنهم بشروا بالجنة في مكان واحد، في حديث واحد، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة» أو كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضا في حديث آخر أنه بشرهم واحدا تلوى الآخر في دخولهم عليه في بستان فقال «أدخله وبشره بالجنة» لما أدخل أبا بكر، ثم دخل عمر فقال «أدخله وبشره بالجنة»، ثم لما أتى عثمان قال «أدخله وبشره بالجنة على بلوى تصيبه»(2) ثم هكذا إلى آخره.
فالمقصود من ذلك أن هؤلاء نص عليهم لمزيد فضلهم ولاختصاصهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وكلهم من المهاجرين.
__________
(1) انظر (626)
(2) البخاري (3693)/ مسلم (6365)

(1/648)


[المسألة الثانية]:
الرافضة -خذلهم الله- ومن شابههم يتبرؤون من أفضل هذه الأمة وهم هؤلاء العشرة ما عدا بعض المذكورين، ويرون أن لفظ العشرة من الألفاظ المنكرة التي ينبغي التبرؤ منها، فيكرهون لفظ العشرة لأجل وروده في العشرة المبشرين، ولأجل مقتل الحسين في اليوم العاشر من محرم ونحو ذلك مما يعتقدونه.
والواجب أن المسلم يتولى من تولاه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي تولى هؤلاء، وهو الذي أشار إلى فضلهم وهو الذي بشرهم بالجنة، فأي خيبة بعد ذلك على من عاداهم ولم يتولهم، فبحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرتهم له أحببناهم ونصرناهم ودافعنا عنهم.
فالذين يبغضون من أحب النبي صلى الله عليه وسلم ومن شهد له بالجنة هم الحقيقون بأن يبغضوا.
وأهل السنة لكمال عدهم وأنهم هم الوسط الذين شهد لهم بذلك في قوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}[البقرة:143]، فأهل السنة هم الوسط فهم يتولون من تولاه النبي صلى الله عليه وسلم.
والفرق على اختلافها الخوارج والنواصب والشيعة والرافضة يتولون بعضا ويكرهون بعضا؛ بل ربما كفروا بعضا وحكموا بالإيمان على بعض.
وهذا كله من الاعتداء والحكم على ما ليس لهم الحكم فيه.
لهذا الواجب على كل مسلم في أي مكان كان من الأرض أن يعلن موالاته لهؤلاء العشرة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة، يعلن موالاته لهؤلاء لأن موالاتهم من الدين.
ومن موالاتهم أيضا الشهادة لهم بالجنة، ومن موالاتهم أن ينصروا في موضع ينال منهم، ومن موالاتهم ومحبتهم أن يجاهد المسلم في سبيل دفع الشبه عنهم، الشبه التي ربما يكون مردها إلى الإثارات العلمية.
فطالب العلم يحسن به؛ بل هذا من الجهاد أن يكون عالما بما أثير على أبي بكر الصديق وكيف أجاب أهل العلم عن ذلك لأنه قد يحتاج، ثم على عمر، ثم على عثمان، ثم على البقية كأبي عبيدة بن الجراح الذي يزعم الرافضة أنه كان متفقا مع أبي بكر وعمر أن يلي الأمر بعدهما ولكنه مات قبل ذلك، وهذه دعوى يكذبون بها.
فالواجب إذا أن يكون مقتضى المحبة والولاية أن يكون المؤمن عالما بفضائلهم وأن يكون مدافعا عنهم لأن هؤلاء هم الصفوة، والله - عز وجل - يقول {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة:71]، وقال صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»(1) وقال «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يحقره»(2)
يخذله متى؟
في موضع يحتاج فيه إلى نصرته، فإذا وقع الناس في عرض خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في عرض عائشة الصديقة بنت الصديق، أو في عرض عمر أو في عثمان أو أبي عبيدة أو نحوهم، فإن الواجب أن ينتصر لهم، والانتصار لهم من الانتصار للدين لأنه انتصار لمن شهد الله - عز وجل - له وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) البخاري (481)/ مسلم (6750)
(2) مسلم (6706)/ أبو داود (4882)

(1/649)


[المسألة الثالثة]:
أن قوله (نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق) فيه إشارة إلى المسالة التي مرت معنا سالفا وهي أننا أهل السنة والجماعة لا نشهد لمعين من أهل القبلة لا بجنة ولا بنار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنشهد لهم بالجنة لا لأجل أن لهم الفضائل السائرة وأن لهم المنزلة بل لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بالجنة، فنشهد لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكرت لكم(1) أن أهل العلم في االشهادة بالجنة للمعين اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال ذكرتها لكم سالفا، ومنها:
أن يشهد لمن استفاض عند الأمة الشهادة له بالخير والصلاح والتقوى؛ لأن الله - عز وجل - وعد أهل الصلاح والخير والتقوى بالجنة، ووعده الحق، والأمة شهود الله - عز وجل - في الأرض كما جاء في الحديث الصحيح أنه لما مر بجنازة شهدوا لها بالخير قال «وجبت» ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال «وجبت»، قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال «تلك أثنيتم عليها خيرا فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شرا فوجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض»(2)، لهذا كان رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن تيمية وجماعة أنه بالاستفاضة يشهد.
وهؤلاء العشرة مع شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة فإن الأمة أجمعت عليهم، فليس ثم في الأمة إلى وقت خروج الخوارج إلا من يحب هؤلاء العشرة ويتولاهم وينصرهم؛ لأنهم الذين نصروا الدين.
فكلهم ماتوا والأمة تشهد لهم بالخير والحق والصلاح ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم والجهاد معه.
__________
(1) انظر (459)
(2) سبق ذكره (459)

(1/650)


قال بعدها (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق.)
__________________________________________
يريد بذلك أيضا الرد على الروافض والزيدية والخوارج ومن شابههم في عدم توليهم لجميع الصحابة ولجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وإن من علامات الإيمان محبة الصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم جميعا، ومن علامات النفاق بغض بعض الصحابة وبغض بعض زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، أو الوقيعة في بعض زوجاته صلى الله عليه وسلم.
تميز أهل السنة وفارقوا طوائف من أهل الفرق الضالة بأنهم يحسنون القول في الصحابة وفي الزوجات الطاهرات وفي ذرية النبي صلى الله عليه وسلم أعني ذرية الحسن والحسين وبقية أولاد علي - رضي الله عنهم - وأرضاهم.
ويندرج الكلام في مسائل:

(1/651)


[المسألة الأولى]:
قوله (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني بإحسان القول هنا:
- ما يشمل إحسان القول القلبي بما يحدث به المرء نفسه.
- وإحسان القول الكلامي، وهو ما يتكلم به المرء.
فمن لم يكن في نفسه شيء على الصحابة والزوجات الطاهرات فقد برئ من النفاق.
ويفهم من ذلك أن من كان في نفسه شيء على بعض الصحابة أو لم يحسن الظن أو لم يحسن القول فيهم ظاهرا أو باطنا فإنه يخشى عليه من النفاق بقدر ما فيه من الإساءة.
وهذا يدل على أن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون اعتقادهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الاعتقاد وأن يثنوا عليهم بالجميل وأن يكلوا أمرهم إلى الله فيما اختلفوا فيه وأن يعلموا أنهم إنما اختلفوا في أمر لهم فيه اجتهاد وتأويل لأجل الدين.

(1/652)


[المسألة الثانية]:
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات تسع، ووصفهم هنا بأنهن طاهرات.
ويعني بطاهرات: ما وعد الله - عز وجل - به أو ما وصفهم الله - عز وجل - به في قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[الأحزاب:33].
وتطهيرهن وإذهاب الرجس يعني: أنهن مع بقية أهل البيت طاهرات مطهرات، فمن وصفهن بغير الطهر وقذف بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم فإنه منافق وربما يكفر بقذفه أو بعدم تطهيره لهن.
والله - عز وجل - يقول {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء}[الأحزاب:32]، وهذا في التفسير معناه أنهن رضي الله عنهن لسن مثل بقية نساء المؤمنين؛ لأنهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وزوجاته في الآخرة؛ ولأنهن أيضا أمهات المؤمنين وقال {وأزواجه أمهاتهم}[الأحزاب:6] فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، وهذا يدل على فضلهن على كل مؤمن وعلى تطهيرهن كما في آية الأحزاب السابقة، وعلى أن الواجب نحوهن الموالاة التامة وأنه لا يجوز أن يعتقد في واحدة منهن بغير الكمال في أمر دينها بحسب ما وسعه.
ومعنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى كون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين أنهن بمنزلة الأمهات كما جاء في القراءة الأخرى أو في الحرف الآخر {وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم} يعني هو صلى الله عليه وسلم، فهن أمهات المؤمنين في المنزلة وفي واجب المحبة والتقدير وفي واجب النصرة وما يجب من الموالاة ونحو ذلك.
أما في المحرمية فليس أفراد المؤمنين محارم لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل كان زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يحتجبن عن بقية المؤمنين، فهن أمهات المؤممنين في المكانة والمنزلة والفضل وليسوا أمهات في المحرمية؛ لأن المحرمية أقسام ثلاثة، هذا القسم أحدها.

(1/653)


[المسألة الثالثة]:
في قوله (وذرياته المقدسين من كل رجس) يعني بكلمة (المقدسين) المطهرين لأن التقديس معناه التطهير، (الأرض المقدسة) يعني الأرض المطهرة.
وهنا نوع العبارة مع أنه لم يأت في الكتاب ولا في السنة وصف ذرية النبي صلى الله عليه وسلم بالقدسية أو أنهم مقدسون وإنما استعمل ذلك في المعنى لثبوت المعنى وهو التطهير في قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}.
لهذا قال بعدها (المقدسين من كل رجس) إلماحا للآية وأنه يريد بالتقديس هنا التطهير من كل رجس الذي هو الإثم والعيب.
وذريات النبي صلى الله عليه وسلم:
- منهم من انقطع النسل وهم أولاده صلى الله عليه وسلم وأولاد بناته الذين انقطع نسلهم.
- ومنهم من بقي نسله إلى اليوم وهم الذين يسمون بآل البيت.
وآل البيت الموجود الآن في الغالب من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب، ومنهم القليل من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب.
ومن ينتسب إلى الحسين أو إلى الحسن، فإنه في الغالب عندهم صكوك نسبة يسردون فيها النسب إلى الحسن أو الحسين، يعني إلى علي بن أبي طالب وإلى فاطمة الزهراء.
وهذه النسب سواء اطلع عليها المسلم أو لم يطلع عليها فإن اعتقاده في جنس الذرية الذين طهرهم الله - عز وجل - من الرجس، ولا ينسب لمعين من الذرية بأنه مطهر من كل رجس.
يعني أن المسلم يحسن القول في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم الذين شهد لهم بالتطهير من الأرجاس في الآية، وهذه شهادة عامة وهي خاصة بأهل ذاك الزمان، وما تسلسل الزمان ما بقوا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فإن من المعلوم أن القرابة وحدها ليست بسبب كاف في نزع الآثام أو ثبوت التولي فقد يرتد القريب وقد يفسق وقد يكون كذا وكذا.
لكن من كان منهم صالحا فله حق التقديم وله حق التبجيل وله حق الاحترام -يعني أعظم من غيره- لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يبحث في مثل هذه المسائل في الأنساب؛ لأنه كما قال الإمام مالك رحمه الله (الناس مؤتمنون على أنسابهم)(1).
فلا يبحث عن النسب وإنما من كان صالحا فيصدق بظاهره، ومعيار صدقه المحافظة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أصل الأصول وهو التوحيد والعقيدة ثم في البراءة من البدع ونحو ذلك.
قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال «ثنتان أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت»(2) وهذا يحصل كثيرا الحقيقة في اختلاط بمن ينتسب إلى آل البيت لأنه قد يأتي آت ويطعن في النسب.
وهذا لا يجوز شرعا أن يخاض في مسألة النسب إلا من شاع وانتشر وظهر أنه مقدوح في نسبه فهذا أمر آخر، لكن يشكك في النسب فهذا أمر لا يعني.
المقصود الاستقامة والناس مؤتمنون على أنسابهم، ومن لم يكن مستقيما منهم فله الحق أن يدعى له بالاستقامة والهداية ومغفرة الذنب ونحو ذلك لأجل منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) كشف الخفاء (2690)
(2) البخاري (3850)/ مسلم (236)

(1/654)


[المسألة الرابعة]:
قوله في آخر الجملة (فقد برئ من النفاق) يعني به ما يشمل: النفاق العملي والنفاق الاعتقادي، لأن ضد إحسان القول في الصحابة والزوجات والذرية هو الإساءة في القول ظاهرا أو باطنا، وهذه الإساءة قد تكون من النفاق العملي وقد تكون من النفاق الاعتقادي بحسب الحال.
ومن طعن مثلا في عائشة رضي الله عنه بما برأها الله منه فإن نفاقه حينئذ نفاق اعتقادي كما قال - عز وجل - في وصف المنافق {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}[النور:11].
وقد يكون نفاقا عمليا بحسب إساءة الظن؛ لأن آية الإيمان حب الصحابة، وآية النفاق بغض الصحابة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأنصار «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار»(1) فإن المهاجرين أفضل من حيث الجنس من الأنصار، فلهم الحق أعظم، كذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وعامة الصحابة لهم في ذلك المقام الأعظم.
لهذا نقول إن النفاق العملي قد يدخل إلى القلب في الإساءة في القول أو في الظن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو زوجاته أو ذرياته.
__________
(1) سبق ذكره (629)

(1/655)


الأسئلة:
س1/ بعض أهل العلم يذكر في تعريف الصحابي من آمن بالرسول ورآه ومات على ذلك وإن تخللته ردة، فذكر وإن تخللت صحبته ردة.
ج/ هذه المسألة معروفة في تعريف الصحابي في مصطلح الحديث؛ ويعني هذا القيد وإن تخللته ردة، لا داعي له، لأنه آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ورآه ومات على ذلك. فقوله وإن تخللته ردة هذا لأجل خلاف من خالف في هذه المسألة؛ لكن قوله ومات على ذلك يكفي.
وإن تخللته ردة لا تصلح للتعاريف على ما هو معروف في موطنه.
س2/ هل يصح أن يقال إن حسان بن ثابت رضي الله عنه جبان أو نحو ذلك كما ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة، علما أن وصف الجبان وصف ليس عاما وإنما هو لحادثة أو نحوه؟
ج/ ليس كذلك، بل حسان بن ثابت رضي الله عنه من الشجعان لأنه كان يهجو المشركين، وقد قال صلى الله عليه وسلم لحسان «أهجهم حسان وروح القدس معك»(1) وقال أيضا له في وصفه هجائه للمشركين «لهو أشد عليهم من وقع النبل»(2)، والعرب كانت تثأر ممن يهجو وتكيد له بالسوء، فحسان رضي الله عنه كان مقداما لكنه كان كبير السن جدا، فكان تقدم قبل النبوة قبل أن يسلم عليه ستون سنة، فأسلم وهو ابن ستين سنة، ولما جاءت المغازي كان كبيرا فربما تأخر لضعفه لا لأجل شيء في نفسه رضي الله عنه.
فوصفه بهذا أولا لا يجوز لأنه تأخره في بعض الوقعات لا لأجل ما ذكره هنا؛ ولكن لأسباب أخر، وله له في ذلك مقام الصدق رضي الله عنه وأرضاه.
س3/ ما رأيكم في ولاية عبد الله بن الزبير وهل هي ولاية شرعية؟
ج/ القرن يبدأ من سنة الصفر أو من سنة الواحد، بداية القرن يعني سنة واحد أو من سنة صفر؟ يعني الآن لما أقول عشرة هذه تتمة إيش؟ تتمة العاشرة أو هو هي تبدأ من عندما السنة تبدأ تتناقص.
على كل حال هذا هروب من السؤال يعني.
س4/ هل لمن يدعي أنه من الأشراف حق علي وإذا كان من الفسقة هل يجب علي شيء تجاهه؟
ج/ لا، له حق المحبة لأنه من الأشراف أما من جهة الحقوق الأخرى فهي متبادلة كغيره من المسلمين، لكن له حق المحبة له حق التقديم، له حق المزيد من النصيحة.
والأشراف، الشرف المقصود به شرف النسبة يعني أنه منتسب إلى الآل، وفيه اصطلاح خاص، يعني كل واحد منتسب إلى على رضي الله عنه يقال من الأشراف.
لكن فيه اصطلاح خاص آخر وهو أن يفرق بين الأشراف والسادة، يقال هذا من الأشراف وهذا من السادة.
يعنى بالسادة من لم يكن من بيت الأشراف الذين ولوا الإمارة في وقت من الأوقات، ولوا الحكم في مكة ونحوها في وقت من الأوقات، يقال لهؤلاء السادة.
وسلسلة النسب الأخرى يقال هؤلاء الأشراف الذين ولوا الولاية والإمارة والملك.
هذا اصطلاح خاص، يقال هذا سيد وهذا شريف.
لكن المقصود أن لفظ الشرف أو الأشراف المقصود به أنه من الآل ولا يعني به هذا المعنى الخاص أنه من أهل بيت الحكم السابق فهذا لا يخصون بشيء إنما هم مثل كل من انتسب إلى النبي، يعني إلى علي رضي الله عنه، لهم حق الذي لهم، ويقدمون إذا كان هم فضل وعلم ومزية وصلاح، أما إذا لم يكن لهم ذلك فلهم حقوق أخرى تؤدى ويدعى لهم وينصحون ولهم في ذلك أكثر من غيرهم.
س5/ ما رأيك بمن يقول: لو كانت خلافة أبي بكر منصوصا عليها لما اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في سقيفة بني ساعدة ؟
ج/ أولا دائما في الأسئلة لا تقول (رأيك فيمن) قل رأيك في قول كذا أحسن، يكون السؤال عن القول لا عن القائل، هذا أمر.
الأمر الآخر، العلم يختلف الناس فيه، يختلف الناس في استحضاره ويختلف الناس أيضا في العلم به، وقد يكون عند فلان من الناس علما لكنه في الموضع الفلاني ما استحضره ثم بعد ساعة قد يستحضر أكثر مما قال في الوقت ذلك، ثم قد يكون في وقت الخصومة ما فيه من ذهاب بعض ما يستحضر لكن الأمر صار إليهم وأجمعوا لما ذكرهم في قوله (الأئمة من قريش).
وهذا من حسن سياسة أبي بكر رضي الله عنه ومن حسن معالجته للأمور؛ لأنه لم يذكر هو ولا من معه من المهاجرين لم يذكروا التنصيص على أبي بكر وإنما ذكروا التنصيص على قريش ليقطعوا بذلك دابر تمسك الأنصار بالخلافة، وقال فيهم أبو بكر الكلمة الشهيرة (نحن الأمراء وأنتم الوزراء)(3)، ثم لم يختلفوا كثيرا إنما كانت بعض الأيام.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
__________
(1) المسند (18665)/ ابن حبان (7146)/ المستدرك (6062)
(2) قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن رواحة، النسائي (2893)
(3) البخاري (3668)

(1/656)


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
الأسئلة:
س1/ يقول كيف يناظر ويجادل الروافض وهم لا يؤمنون بكتاب إلا بتحريف ولا بسنة إلا بتصحيف فعلى أي شيء نجادلهم وبأي شيء نفحمهم؟
ج/ ينبغي للمجادل -يعني طالب العلم- أن ينظر في الكتب التي صنفت في الرد على الشيعة والزيدية والروافض؛ لأن فيها من العلم ما يهيئ لطالب العلم تصور المسائل التي يختلف فيها أهل السنة مع تلك الطوائف وكيفية الرد.
وخلاصة الخلاف مع الشيعة أو مع الرافضة بالخصوص:
يرجع إلى خلاف في توحيد العبادة لأنهم يرون أن لأئمتهم مقاما يصلح معه أن يسألوا وأن يدعوا وأن يستغاث بهم؛ بل بناء القباب على القبور والحج إلى المشاهد التي يسمونها مشاهد -يعني قبور الأولياء وما أشبه ذلك-، هذا راجع إلى الشيعة الرافضة فإنهم هم أول من أحدث فتنة البناء على القبور وتعظيم ذلك وشد الرحال إليها.
توحيد العبادة ثم فرق بيننا وبينهم كبير؛ بل هم لا يقرون بتوحيد العبادة إلا على طريقتهم، فعندهم دعوة الأولياء ودعوة الأئمة الاثني عشر أو دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم القبور والمقابر وشد الرحل إليها والتوسل بها والاستغاثة بأصحابها لتفريج الكرب وفي طلب الخيرات هذا كله عندهم مشروع ومطلوب؛ بل هو الحج أو من الحج عندهم.
وأئمتهم -سيأتي بيان في هذا الدرس إن شاء الله- عندهم أنهم أبلغ وأرفع من الأنبياء مثل ما قال الخميني في كتابه الدولة الإسلامية يقول (ومن ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل وأنهم كانوا قبل خلق هذا العالم أنوارا وجعلهم الله بعرشه محدثين وجعل لهم من المنزلة والقربى ما لم يجعله لأحد من العالمين).
وهذا يعني أن فيهم من صفة الملائكة أو من نور الله أو ما أشبه ذلك وأنهم أرفع من الأنبياء، دعوة أولئك والاستغاثة بهم هذه مطلوبة، هذا في توحيد العبادة.
كذلك النبوة والولاية هناك فرق، كذلك في مصدر التلقي الكتاب والسنة وما هو الكتاب وما هي السنة، في ذلك أيضا هناك فرق، كذلك النظرة في مسائل العقيدة بعامة في الغيبيات والأسماء والصفات والقدر والإيمان ثم فروق كثيرة بين أهل السنة وبينهم.
وهذه تتطلبها من كتب أهل العلم التي صنفوها في بيان هذه المسائل مثل كتاب ابن تيمية منهاج السنة ومثل المنتقى للذهبي ومثل جواب أهل السنة للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وثم كتب كثيرة في هذا الباب.
س2/ من الذين يمثلون النواصب وهل هم فقط الخوارج؟
ج/ النواصب هم الذين يناصبون العداء للصحابة عقيدة، فهؤلاء هم ضد الشيعة؛ يعني من مدحه الشيعة هم يناصبونه، تجد أنهم مدحوا عليا فهم يناصبون عليا العداء ويتولون معاوية ويتولون يزيد بن معاوية ضد الحسين، وهكذا.
وهؤلاء ثم فرق ينتسبون إلى هذه المقالة مثل فرقة اليزيدية في العراق وفي سوريا ونحو ذلك من الفرق.
س3/ يدعو بعض الأئمة هذه الأيام يقول: يا غياث المستغيثين، فهل اسم غياث من أسماء الله تعالى؟
ج/ هذا الدعاء صححه الإمام أحمد رحمه الله، وصوبه ابن تيمية في الفتاوى أيضا وذلك لأن الله - عز وجل - هو الذي يغيث {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم}[الأنفال:9]، فمن استغاث بالله أغاثه، والاستغاثة نوع من الدعاء لأنها طلب الغوث الذي هو دعاء خاص ونداء خاص، فالله - عز وجل - يجيب المضطر إذا دعاه كما قال في سورة النمل {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}[النمل:62]، فهذا الدعاء مما صحح، ومسألة النداء فيه يا غياث المستغيثين لا يلزم منه أن يكون اسم غياث من الأسماء الحسنى لأن معناه ثابت بطريقة أخرى وهذه يمكن الرجوع فيها كلام ابن تيمية.
س4/ من المعلوم أن الاجتماع ونبذ الفرقة من أهم المقاصد الشرعية فما صفة الذين يجب علينا مراعاة هذا المقصد معهم وذلك أن كثيرا من المبتدعة كالأشاعرة والرافضة وغيرهم لو أنكر عليهم مذهبهم حصلت الفرقة فهل يسكت عليهم مراعاة لذلك المقصد الكبير ؟

(1/657)


ج/ هذه مسألة كبيرة يضيق عنها المقام؛ لكن المقصود الاجتماع: الإجتماع على الدين، والدعوة تكون إلى الدين الذي أمرنا الله - عز وجل - بالاجتماع عليه، وهو ما نزل به القرآن وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلف الصالح، هذا هو الدين كما قال - عز وجل - {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}[الشورى:13] الآية، وكذلك قوله - عز وجل - في سورة آل عمران {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}[آل عمران:103]، {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}[آل عمران:105]، و الآيات في هذا المعنى كثيرة وأوضحت لكم هذا مرارا.
فالدين الذي يجب الاجتماع عليه هو الدين الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته وكان عليه السلف الصالح، وأما ما أحدثته الأمة من البدع في الاعتقاد أو البدع في العمليات والعبادات، فهذا لاشك أنه ليس الدين الأول هو شيء جديد، ولذلك صار فرقة وافتراقا عما كانت عليه الجماعة الأولى، لهذا يجب أن يحافظ على ما كانت عليه الجماعة الأولى قبل أن تفسد وتحدث الفرقة والاختلاف، وهذا مما يجب الدعوة إليه بتثبيته، بتثبيت العقيدة في النفوس والدعوة إلى التوحيد والالتزام بالعمل الصالح، ونبذ الخلاف في هذه المسائل بتأصيل الأصول الشرعية في ملازمة الدليل وعدم الذهاب إلى العقليات.
من جهة ثانية الاجتماع والائتلاف يكون بالاجتماع على من ولاه الله - عز وجل - أمر المسلمين، فهذا الاجتماع مقصود في الشريعة أمر به الله - عز وجل - و أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وحض عليه وأبدى فيه وأعاد كما يقول إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب في مسائل الجاهلية حتى غدا عند كثيرين هذا الأصل كأنه لم يكن فيه شيء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
فالإجتماع نوعان إجتماع في الدين وإجتماع على ولي الأمر وعدم مخالفته ولزوم طاعته في المعروف، فإذا أمر بالمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
س5/ يوجد على كثير من السيارات تعليقات وخرق في مقدمتها ومؤخرتها، وأكثر هذه السيارات تخص باكستانيين وأفغان، وتوضع هذه الخرق لدفع العين ولدفع الحوادث. فما توجيهكم للعمل على إزالتها وبالأخص أنها في بلد التوحيد؟
ج/ هذه الأشياء التي تعلق ربما تكون من التمائم، وربما لا تكون.
ولهذا ينبغي أن يتثبت من ذلك فإذا ثبت أنها تميمة علقت مثل خيوط حمر أو أرنب على الزجاجة أو على خلف المقعد الخلفي يوضع رأس حيوان، أو وضع مصحف في الخلف خلف الناس قد أكلته الشمس من كثر ما أصابه منها وأشباه ذلك هذا ظاهر أنها من التمائم.
فإذا كانت من التمائم وجب مناصحة من هي معه، وإزالتها إن أمكن إزالتها بدون مفسدة.
ووجب أيضا أن يقوم أهل الحسبة الأمر بالمعروف والنهي في هذه المسائل؛ لأن الشرك هو أخبث ما يكون، هو التعلق بغير الله واعتقاد النفع والضر في هذه الخرق والأشرطة والحيوانات، وأنها تدفع العين أو تجلب الخير أو نحو ذلك، هذه من الاعتقادات الفاسدة، والنبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه قال «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»(1) وقال أيضا «من تعلق تميمة فقد أشرك»(2) و(تعلق) تشمل شيئين:
تشمل التعليق بنفسه وتعلق القلب.
فمن علق شيئا وتعلق قلبه به فقد أشرك.
والقرآن على الصحيح لا يجوز أن يستخدم تميمة، لا من جهة وضعه في السيارات للحفظ أو لدفع العين، ولا أيضا من جهة لبسه كتمثال مثل ما يباع أحيانا لبعض النساء ويلبس، هذا كله من جهة التمائم، أو يجعل القرآن في خرقة وتربط أو يعلق هذا كله من حهة التمائم ويجب أن ينهى عن ذلك، وأن لا يتخذ القرآن تميمة لأنه داخل في العموم وصيانة لهم من استعماله في غير ما شرع الله - عز وجل -.
__________
(1) سبق ذكره (473)
(2) المسند (17458)

(1/658)


وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر-، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
__________________________________________
هذه الجملة من هذه العقيدة المباركة قرر فيها الطحاوي منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل العلم من أهل الأثر وأهل الفقه.
فإنهم كما قال (لا يذكرون إلا بالجميل) لأنهم نقلة الشريعة ولأنهم المفتون في مسائل الشريعة، ولأنهم المبينون للناس معنى كلام الله - عز وجل - في كتابه ومعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين يدفعون عن الدين ويذبون عنه بتثبيت العقيدة الصحيحة وتثبيت سنة النبي صلى الله عليه وسلم ورد الموضوعات والأحاديث المنكرة والباطلة التي أضيفت للنبي صلى الله عليه وسلم.
فهم إذا حماة الشريعة -الحماية العلمية-، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، والذين حمى العلم هم الصحابة رضوان الله عليهم، وهم التابعون من علماء السلف وعلماء تابعي التابعين من أهل الحديث ومن أهل الفقه.
فهؤلاء منهج أهل السنة والجماعة أن يذكر الجميع بالجميل، وأن لا نقع في عالم من العلماء لا من أهل الحديث ولا من أهل الفقه، بل يذكرون بالجميل ولا يذكرون بسوء، وإنما يرجى لهم فيما أخطؤوا فيه أنهم إنما اجتهدوا ورجوا الأجر والثواب والخطأ لا يتابع عليه صاحبه.
وهذا الأصل ذكره الطحاوي في هذا المقام لأجل أن طائفة من غلاة أهل الحديث في ذاك الزمن كانوا يقعون في أهل الفقه، وطائفة من غلاة أهل الفقه كانوا يقعون في أهل الحديث ويصفونهم بالجمود.
وأهل السنة الذين تحققوا بالكتاب وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبهدي الصحابة يعلمون أن الجميع محسن، وأن هؤلاء وهؤلاء ما أرادوا إلا نصرة الشريعة والحفاظ على العلم والفقه.
نعم هم درجات في مقامهم وفي علمهم، لكنهم لا يذكرون إلا بالجميل، والله - عز وجل - سخر هؤلاء لشيء وسخر هؤلاء لشيء، والوسط هو سمة أهل الاعتدال و سمة أهل السنة والجماعة كما كان عليه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعات أهل العلم فإنهم كانوا على هذا السبيل.
ونذكر هاهنا مسائل:

(1/659)


[المسألة الأولى]:
أن ذكر العلماء بالجميل وعدم ذكرهم بأي سوء أو قدح هذا امتثال لأمرين:
1- الأمر الأول: امتثال لقول الله - عز وجل - {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة:71]، ولقوله {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}[المجادلة:11]، ولقوله - عز وجل - {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}[النساء:83]، فبين الله - عز وجل - منزلة أهل العلم وبين فضل العلم وفضل أهله وأنهم مرفوعون عن سائر المؤمنين درجات لما عندهم من العلم بالله - عز وجل -.
وبين أن المؤمن للؤمن موالي، أن المؤمن يوالي المؤمن، ومعنى هذه الموالاة في قوله {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة:71]، هي من الولاية وهي المحبة والنصرة.
وهذه المحبة والنصرة عند أهل السنة والجماعة تتفاضل بتفاضل تحقق وصف الإيمان.
فالمؤمن يحب ويوالي المؤمن الآخر إذا كان كامل الإيمان أكثر من نصرته ومحبته لمن كان دونه.
ومعلوم أن العلماء هم الذين أثنى الله - عز وجل - عليهم وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فواجب إذا بنص الآية أن يوالوا وأن يذكروا بالجميل وأن يحبوا وأن ينصروا وأن لا يذكروا بغير الحسن والجميل.
2- الأمر الثاني: أن القدح في أهل العلم فيما أخطؤوا فيه -وسيأتي مسألة مستقلة لذلك إن شاء الله- أن القدح فيهم يرجع في الحقيقة عند العامة إلى قدح في حملة الشريعة ونقلة الشريعة وبالتالي فيضعف في النفوس محبة الشرع؛ لأن أهل العلم حينئذ في النفوس ليسوا على مقام رفيع وليسوا على منزلة رفيعة في النفوس.
فحينئذ يشك فيما ينقلونه من الدين وفيما يحفظون به الشريعة، فتؤول الأمور حينئذ إلى الأهواء والآراء فلا يكون ثم مرجعية إلى أهل العلم فيما أشكل على الناس فتتفصم عرى الإيمان وتتناثر [.....] اليقين.
لهذا كان ذكر العلماء بسوء هو من جنس ذكر الصحابة بسوء، ولهذا أتبع الطحاوي ذكر الصحابة بذكر العلماء، يعني لما فرغ من ذكر الصحابة ذكر العلماء؛ لأن القدح في الصحابة والقدح في العلماء منشؤه واحد ونهايته واحدة، فإن القدح في الصحابة طعن في الدين، والقدح في العلماء المستقيمين، العلماء الربانيين فيما أخطؤوا فيه أو فيما اجتهدوا فيه هذا أيضا يرجع إلى القدح في الدين، فالباب باب واحد.

(1/660)


[المسألة الثانية]:
لا يشترط في العالم أن لا يخطئ، فعلماء الحديث والأثر وأهل الفقه والنظر ربما حصل منهم أغلاط لأنهم غير معصومين، وهذه الأغلاط التي قد تحصل منهم حصولها من نعم الله - عز وجل -.
ولما سئل بعض الأئمة عن غلط العالم؛ كيف يغلط العالم، كيف يخالف السنة، كيف يكون في سلوكه مقصر، كيف يغيب عن ذهبنه في مسألة التدقيق ويتساهل؟
فقال (لئلا يشابه العلماء الأنبياء)، لأن النبي هو الذي لا ينطق عن الهوى، هو الذي يصيب في كل شيء وهو الذي يتبع في كل شيء، فإذا كان العالم على صواب كثير وربما وقع في اجتهاد هو عليه مأجور ولكنه أخطأ في ذلك، لم يكن عند الناس رفع لعالم في منزلة النبي فيتبع على كل شيء، فيحصل في النفوس التوحيد والبحث عن الحق من الكتاب والسنة والنظر فيما يبرئ الذمة في ذلك.
وهذه عبوديات في القلب يسلكها الناس مع وجود هذا الخلاف بين أهل العلم.
ولهذا إذا نظرت في هؤلاء الذين عناهم الطحاوي (أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر) هو عنى بهم أوليا الأئمة الأربعة:
- أبو حنيفة: وهو من أهل الفقه والنظر ليس هو من أهل الحديث والأثر.
- والإمام مالك والشافعي وأحمد: وهؤلاء هم أئمة أهل الحديث كما أنهم أئمة أهل الفقه في المذاهب المتبوعة المعروفة.
هؤلاء بينهم خلاف في مذاهبهم، أبو حنيفة يذهب إلى قول، مالك يذهب إلى قول، الشافعي يذهب إلى قول، الإمام أحمد يذهب إلى قول.
هؤلاء منهم من يكون قوله هو الصواب، ومنهم من يكون قوله خلاف الأولى، أو يكون قوله مرجوحا وهكذا.
فالعالم يدقق ويتحرى من الأقوال ولا يقلد عالما في كل ما قال؛ لأن المسائل كثيرة جدا وهو بشر فقد يتهيأ له في المسألة أن يدقق وفي مسألة أخرى لا يدقق وهكذا.
لهذا وجب على أهل الإيمان أن يتولوا جميع العلماء وأن يذكروهم بخير وأن لا يذكروا أحدا منهم بسوء، وخلافهم فيما اختلفوا فيه راجع إلى أسباب يأتي ذكرها إن شاء الله.
فليس منهم أحد أراد المخالفة وإنما كلهم أراد المتابعة وتحري الحق ولكن ربما أصاب وربما لم يصب.

(1/661)


[المسألة الثالثة]:
قوله في أول الكلام (وعلماء السلف من السابقين) الطحاوي رحمه الله توفي أول القرن الرابع الهجري وعاش أكثر حياته في القرن الثالث، ويعني بعلماء السلف السابقين من كان سلفا له؛ يعني من سبقه من أهل العلم، وهذا يصح أن يعتبر سلفا باعتبار.
فكلمة السلف أو علماء السلف إذا أطلقت فلها اصطلاحان:
1- الإصطلاح الأول: تطلق ويراد بها من سلف العالم ومن سبقه.
وهذا الإطلاق فيه سعة، ولهذا استعملها أناس في القرن الرابع وفي القرن الخامس وفي السادس، إلخ.. ويعنون بالسلف من سبقهم؛ لأنهم كانوا سلفا لهم، يعني كانوا سابقين لهم.
2- الاصطلاح الثاني: وهو المعتمد عند المحققين أن كلمة علماء السلف يعنى بها علماء القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتبع التابعين، ومن كان من الأئمة على هذا النحو وإن لم يكن من تبع التابعين.
فهؤلاء هم الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية «خير الناس قرني ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم»(1) قال الراوي (فلا أدري أذكر بعد قرنه ثلاثة قرون أو أربعة قرون).
والقرن هنا المراد به الجيل من الناس وليس القرن الزمني الذي هو مائة سنة.
(قرني) يعني الذين اقترن زمانهم بي، وهم الجيل من الناس، انقضى الصحابة أتى التابعون، انقضى التابعون أتى تبع التابعين وهكذا.
وهؤلاء هم الذين قلت فيهم البدع وقل فيهم الخلاف للسنة، وكثر فيهم الخير بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وبشهادة الواقع أيضا.
فإذا كلمة السلف، علماء السلف يعنى بها وقد تطلق على من سلف، وسبق على ما ذكرت لك من الإصطلاح الخاص.
__________
(1) سبق ذكره (624)

(1/662)


[المسألة الرابعة]:
الطحاوي في هذه الجملة قسم العلماء إلى قسمين، قال (أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر) فجعل العلماء على فئتين:
- الفئة الأولى: أهل الأثر.
- والفئة الثانية: أهل الفقه والنظر.
@ وأهل الأثر: هم الذين اعتنوا بالحديث رواية ودراية، -الدراية يعني بها الفقه-، ويدخل فيهم الإمام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وابن جرير وجماعات على هذا النحو.
@ وأهل الفقه والنظر هم الذين غلبوا القواعد المستنبطة الكلية على السنن المروية، وهم أصحاب الرأي والنظر في مدرستيه الكبيرتين:
& في المدينة التي كان يتزعمها الإمام ربيعة المشهور بربيعة الرأي.
& وفي الكوفة التي كان يتزعمها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمهم الله تعالى أجمعين.
أهل الفقه والنظر يعتنون بالسنة؛ ولكن عنايتهم بالسنة قليل، وأهل الحديث والأثر يعتنون بالنظر لكن عنايتهم بالأقيسة وبالتقعيد قليلة.
ولهذا صار هناك في الأمة في الاجتهاد صارت هناك مدرستان:
- مدرسة أهل الحديث والأثر.…
- ومدرسة أهل النظر.
ولا تقابل بين أهل الحديث وأهل الفقه؛ لأن هذه المقابلة لا حقيقة لها.
وإنما المقابلة بين أهل الحديث والأثر وبين أهل الفقه والنظر.
وكلمة النظر أرادها الطحاوي لأن الجميع موصوفون بالفقه وبالعناية به يعني استنباط الأحكام من الأدلة؛ لكن من جهة النظر والقياس والعقليات والقواعد هذه اعتنى بها الحنفية وأهل الرأي ولم يعتن بها أهل الحديث والأثر، وإنما اعتنوا باستخراج الفقه من الأدلة بدون تحكيم للأقيسة على الدليل.
مثاله: مثلا عند الحنفية -أهل النظر- الحديث المرسل أقوى من المسند، فإذا اجتمع حديثان: مرسل ومسند حكم في الفقه بالمرسل ولم يحكم بالمسند، لماذا؟
لدليل عقلي عندهم، وهو أن المرسل من أهل الفقه من علماء التابعين لا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا إلا وهو متحقق به لأنه من أهل الفقه، وأما الروايات المجردة فإنها يدخلها الغلط ويدخلها ما يدخلها.
ولاشك أن هذا تعليل عقلي ولكنه ليس بمنطقي.
أيضا ينظرون إلى القواعد أنها قطعية والأدلة غير المتواترة أنها ظنية فيقولون:
إذا صار هناك قاعدة أو قياس كلي فإنه يكون قطعيا في الدلالة على محتواه، وأما الدليل فيكون ظنيا: إما ظني الرواية -يعني إذا كان من السنة-، وإما أن يكون ظني الدلالة، أيضا غير قطعي الدلالة من الكتاب أو من السنة.
فيحكم بالقاعدة ويصرف ظاهر الدليل لأجل أنه يحتمل الظن والقاعدة قطعية.
ونحو ذلك من الخلاف المؤسس على مشارب شتى.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وذكره شارح الطحاوية وجماعة (إن العلماء فيما اختلفوا فيه من عدم الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة يمكن أن يرجع إلى عدة أسباب)، ومن أهم هذه الأسباب.
- أولا: أن لا يثبت عند الإمام صحة الدليل.
- الثاني: أن يكون منسوخا أو مؤولا.
- الثالث: أن يكون معارضا بما هو أقوى عند الإمام من ذلك الدليل، إما معارض بدليل آخر وإما معارض بقاعدة كما عند الحنفية.
- الرابع: أن يكون للإمام هذا شرط في الرواية ليس هو شرط الإمام الآخر في الحديث.
مثلا عندك الإمام الشافعي يقول حدثني الثقة ويعني به إبراهيم بن أبي يحيى، فإذا عرف الإمام أحمد أو غيره أن الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى هو عندهم ليس بثقة بل هو بضعيف بل ربما كان أدنى من ذلك مما اتهم به بالكذب ونحو ذلك.
فهو عند إمام ثقة فيما يرويه يأخذ بروايته، وعند آخر ليس بشيء فلا يأخذ بروايته.
وهذا يبين لك أن اختلاف الأئمة من أهل الفقه والنظر وأهل الحديث والفقه والأثر في ذلك اختلاف ليس راجعا إلى عدم الأخذ بالدليل؛ ولكنه راجع إلى فهم الدليل، وما هو الدليل الذي يستدل به وكون الدليل راجحا غير مرجوح.
ولهذا لا يوجد في مسألة أن يقال: ليس للعالم هذا دليل.(1)

:[[الشريط السادس والأربعون]]:

أنا لا أعلم مسألة يقال ليس للإمام أبي حنيفة فيها دليل أو ليس للإمام أحمد فيها دليل أو ليس للإمام مالك فيها دليل، كل منهم لا يقول قولا ولا يذهب إلى مذهب إلا بدليل.
والأدلة أعم من النصوص من الكتاب والسنة لأن جماع الأدلة عند أهل الأصول يرجع إلى ثلاثة عشرة دليلا وتصير بالتفريق كما ذكره أهل الأصول وذكره القرافي في الفروق إلى عشرين دليلا.
فهذه الأدلة منها ما هو متفق على الاستدلال به ومنها ما هو مختلف في الاستدلال به، فقد يكون الدليل دليلا عند الإمام مالك وليس دليلا عند الإمام أحمد مثل عمل أهل المدينة، وقد يكون الدليل مرعيا عند أبي حنيفة وهو قاعدة ولا يكون مرعيا عند الشافعي بورود دليل من السنة في خلاف ذلك وهكذا.
فإذا مأخذ العلماء اجتهادي، وواجب حينئذ إذ كانت هذه مآخذهم أن لا يذكروا إلا بالجميل، وأن لا يذكر العالم حتى فيما أخطأ فيه وابتعد في الخطأ حتى إباحة المالكية لأكل لحم الكلب وحتى في إباحة الحنفية لشرب النبيذ يعني غير المسكر لا يشنع عليهم في ذلك لأنها اجتهادات فيما اجتهدوا فيه.
__________
(1) نهاية الشريط الخامس والأربعون.

(1/663)


[المسألة الخامسة]:
الواجب على طلبة العلم الذين يريدون أن يسلكوا هذا السبيل أن يلزموا أنفسهم مع أهل العلم السابقين والأئمة الذين أشادوا للدين بنيانا وللعلم أركانا، واجب عليهم أن يدافعوا عنهم وأن يثنوا عليهم وأن ينشروا في الناس سيرتهم حتى يقتدى بهم وحتى يقوى ركن علماء الشريعة.
وهكذا أيضا واجب على طلاب العلم أن لا يقعوا في أحد من العلماء بسوء، فمن أصاب من أهل العلم من أهل الحديث والأثر أو من أهل الفقه والنظر فقد أحسن ويثنى عليه ويتابع فيما أصاب فيه، ومن أخطا فأيضا قد أحسن إذ اجتهد؛ لكن الصواب من الله تعالى.
وهذا لا يدخل في العلماء الذين نشروا الشرك والبدع والخرافات ولم يكن لهم حظ لا من الحديث والأثر ولا من الفقه والنظر، وإنما سخروا جهدهم في مخالفة السنة في البدع، فأرادوا نشر البدعة ونشر الخرافة ودافعوا عن الشرك وعلقوا الناس بالموتى وعلقوا الناس بالبدع والاحتفالات وأشباه ذلك.
فهؤلاء لا يدخلون في هذا الكلام الذي ذكره؛ لأنهم أرادوا ما خالفوا به إجماع الأئمة الأربعة.
هؤلاء يرد عليهم وربما يحتاج من باب التعزير إلى ذكرهم بما فيهم حتى يحذرهم الناس.
* تنبيه أخير: إلى أن قول الطحاوي في أول الكلام (وعلماء السلف من السابقين) قال بعدها (ومن بعدهم من التابعين)، كلمة (ومن بعدهم من التابعين) فيما أفهم أنه لا يريد بها التابعين عند أهل الاصطلاح؛ يعني التابعين الذين صحبوا الصحابة، وإنما يريد بهم من تبع علماء السلف على اصطلاحه؛ لأن التابعين ما فيهم هذا التقسيم أهل الحديث وأهل النظر، التابعون والصحابة ما فيهم هذا التقسيم أهل الحديث وأهل النظر إنما هذا التقسيم فيمن بعدهم.

(1/664)


قال بعدها رحمه الله (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء)
___________________________________________
يريد العلامة الطحاوي في هذا أن يقرر عقيدة عظيمة وهي أن أفضل الناس هم الأنبياء، وأن النبي أفضل من جميع الأولياء، وأن أهل السنة والأثر والجماعة هؤلاء لا يفضلون وليا على نبي؛ بل كل نبي أفضل من جميع الأولياء.
وأدخلها في العقيدة مع أنها مسألة تفضيل لصلتها بالنبوة وبالولاية؛ ولأنه ظهر في عصره طائفة ممن زعموا أن الولي قد يبلغ مرتبة أعظم من مرتبة النبي.
وهذه الطائفة التي تفضل الأولياء على الأنبياء تشمل فئتين كبيرتين:
1- الفئة الأولى: الباطنية في زمنه من إخوان الصفا والإسماعيلية ومن شايعهم، وكذلك ربما دخل فيها طائفة من أهل الرفض والتشيع، فإنهم يفضلون بعض الأولياء على بعض الأنبياء.
2- الفئة الثانية: هم غلاة المتصوفة في ذلك الزمن الذين تزعمهم الحكيم الترمذي، محمد بن علي بن حسن الترمذي في كتاب سماه (ختم الولاية) كما سيأتي بيانه.
فأراد أن يبين أهل العقيدة الصحيحة لهذه الطائفة ولهذه الفئات جميعا وأننا نعتقد أن الولي مهما بلغ من الصلاح والطاعة فإنه حسنة من حسنات النبي الذي تبعه، فإنما علا مقداره وظهر شأنه في متابعته للنبي لا باستقلاله، على الأنبياء جميعا صلوات الله وسلامه.
ونذكر هنا مسائل.

(1/665)


[المسألة الأولى]:
تفضيل الأولياء على الأنبياء هذا نشأ مع عقيدة عند المتصوفة ومن شابههم -يعني غلاة المتصوفة- وهي ما أسموه بختم الولاية.
ويعنون بختم الولاية أنه كما أن للأنبياء نبيا خاتما لهم، فكذلك للأولياء ولي خاتم لهم، وكما أن خاتم الأنبياء أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك خاتم الأولياء هو أفضل من جميع الأولياء.
وعقيدة ختم الولاية ذكرها الحكيم الترمذي في كتاب سماه (ختم الولاية) وقد طبعت منتخبات منه قديما، وأسس فيها القول بأن الأولياء يختمون، وأن الولي في باطنه قد يبلغ مقاما يتلقى فيه من الله - عز وجل - مباشرة، وأن الولي قد يكون أفضل من النبي، وهذه لم ينص عليها ولكنها تفهم من فحوى كلامه.
ولاشك أنه غلط في ذلك غلطا فاحشا، وإن كان هو من أهل العناية بالحديث كرواية، ومن أهل الخير والصلاح كما وصفه بذلك ابن تيمية؛ لكنه غلط في هذه البدعة الكبرى التي ابتدعها في الأمة والشرور التي حدثت من القول بوحدة الوجود وتفضيل الولي على النبي والاستقاء من الله - عز وجل - مباشرة إنما حدثت بعد هذا الكتاب وهذه النظرية الباطلة التي تبطل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على الحقيقة.
وهذا لم يختص به الحكيم الترمذي؛ بل تبعه عليه أناس منهم ابن عربي في كتابه (الفصوص) وفي كتابه (الفتوحات المكية)، ومنهم محمد بن عثمان المرغني السوداني الذي له طريقة معروفة عند أهل السودان (الطريقة الختمية)، ومنهم التيجاني، هؤلاء كانوا في القرن الثالث عشر، وصرح المرغني في كتابه (تاج التفاسير) صرح بهذه العقيدة، ومنهم التيجاني عند أهل المغرب فيما يعتقدون فيه ووصف به.
هؤلاء يعتقدون أن الولاية تختم؛ لكن ادعى ابن عربي أنه هو الذي ختم الأولياء، وادعى الميرغني أنه هو الذي ختم الأولياء وادعى أيضا التيجاني أنه هو الذي ختم الأولياء.

(1/666)


[المسألة الثانية]:
عقيدة ختم الولاية أو ختم الأولياء مبنية على ثلاثة أمور:
1- الأمر الأول: أن النبي إنما أتى بشريعة ظاهرة، وخاتم الأولياء جاء بشريعة باطنة، فخاتم الأولياء في الظاهر مع النبي وفي الباطن مستقل عن النبي.
لهذا يقولون: إن الأنبياء راعوا الظاهر واهتموا بالعبادات الظاهرة، وخاتم الأولياء وصفوة الأولياء اهتموا بالأخذ عن الله - عز وجل -.
ولهذا ابن عربي في كتابه الفصوص لما جاء إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيح أن بنيان الأنبياء تم ولم يبق فيه إلا موضع لبنة، قال صلى الله عليه وسلم «مثلي ومثل الأنبياء من بنى بنيانا فكمله وأحسنه حتى لم يبق منه إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون لم كملت هذه اللبنة- قال:- فكنت أنا اللبنة وأنا خاتم النبيين»(1).
قال ابن عربي -قبحه الله- في هذا الموطن: وخاتم الأولياء يرى نفسه في قصر الولاية في موضع لبنتين لبنة فضة في الظاهر ولبنة ذهب في الباطن، فهو يفضل النبي في الحاجة إليه؛ لأن البنيان احتاج إلى لبنتين وذاك احتاج إلى لبنة واحدة، ولبنته الظاهرة من الفضة في متابعة النبي ظاهرا، ولبنته الذهبية في الباطن بها يأخذ من المشكاة التي تنزل الوحي على خاتم الأنبياء، يعني يأخذوا عن الله مباشرة أو كما جاء في كلامه.
وقد كرر هذا في مواضع في الفصوص وخاصة في فص واحد يعني كرر الكلام وعبر عنه.
وهذا ليس خاصا بهذا الرجل بل كذلك من بعده ممن شرحوا أو الميرغني أو التيجاني أو من شابههم كان كل منهم يعتقد في نفسه أنه خاتم الأولياء.
2- الأمر الثاني: أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء؛ لأن خاتم الأنبياء يأخذ عن الله بواسطة و خاتم الأولياء يأخذ مباشرة؛ ولأن خاتم الأنبياء يأخذ الناس بما يصلح ظاهرهم و خاتم الأولياء يصلح باطنهم.
ولهذا يقول: مثلا الميرغني في بعض كلامه: من رآني، ومن رأى من رآني إلى خمسة أجيال فإنهم محرمون عن النار، لما في خاتم الأولياء من النور الذي قذفه الله - عز وجل - فيه، فينبعث هذا النور فيمن رآه ورأى من رآه إلى آخره. أو كما قال.
وهذا العقيدة بها جعلوا أن للولي ما يفضل به النبي والعياذ بالله.
3- الأمر الثالث: أن الولي والنبي بينهما فرق من جهة أن النبي جاءه الوحي اختيارا من الله - عز وجل -، وأما خاتم الأولياء ففاض عليه الوحي؛ لأنه استعد لذلك بتصفية باطنه، فعنده القبول والاستعداد لأن يفاض عليه، وبهذا صار خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء.
هذه ثلاث مجملات في تلخيص كلامهم.
__________
(1) البخاري (3535)/ مسلم (6101)

(1/667)


[المسألة الثالثة]:
أهل السنة يعتقدون بكرامات الأولياء كما سيأتي لكن بالاعتقاد الصحيح، لكن عند كثيرين من الفئات التي تعتقد في الأولياء، مثل الباطنية والرافضة وغلاة الصوفية يعتقدون أن أفضل المقامات مقام الولي، ويليه الدرجة الثانية مقام النبي، ويليه مقام الرسول، وفيها يقول قائلهم:
مقام النبوة في برزخ ****** فويق الرسول ودون الولي
(مقام النبوة في برزخ) يعني هو الوسط.
(فويق الرسول) الرسول تحت النبي مع أن الرسول هو أفضل من النبي، النبي تحته بقليل يعني بقليل.
(فويق) يعني بينهما شيء يسير.
(ودون الولي) يعني بينه وبين الولي مراتب.
فالأعلى عندهم الولي ثم بعده النبي ثم الرسول.
وهذا القول في الترتيب قال به غلاة الصوفية وكما ذكرت لك النقل عنهم، وقال به أيضا أئمة مذهب الاثني عشرية مثل ما ذكرت لك في أول الكلام عن قول الخميني حيث قال (من ضروريات مذهبنا).
(ضروريات) معناها الشيء الذي لا يحتاج إلى استدلال، الذي يحس بأحد الحواس الخمس، ما يحتاج إلى دليل ولا برهان، الشيء الضروري ما يحتاج إلى دليل وبرهان لأنه محسوس.
قال (من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل).
يعني أن مقام الأولياء -يعني الأئمة الاثني عشر- أعلى من مقام الأنبياء.
وهذا بلا شك طعن في القرآن وطعن في السنة وطعن في الصحابة، وهكذا يبلغ الأمر عند من قاله؛ لأن أفضل هذه الأمة وأحق الناس بأن يكون من الأولياء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم العشرة المبشرون بالجنة، وهكذا، فهؤلاء هم الأولياء وهم سادة الأولياء والأصفياء وخير الصحابة رضوان الله عليهم.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فضل قرنه فقد فضل أبا بكر وفضل عمر.
فكيف يكون واحد من هذه الأمة يأتي ويزعم أنه أفضل من الصحابة، ثم يزعم أنه أفضل الأولياء وخاتم الأولياء، ثم يزعم أنه أفضل من الأنبياء.
لا شك أن هذا القول من صاحبه قد يحكم بكفر صاحبه؛ بل حكم كثير من العلماء بكفر من قال هذه المقالة؛ لأنها قدح في القرآن وقدح في السنة، ورفع لمقام الولي، وتهجين مقام النبي والرسول، ورفع خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء.
ولهذا مع اختصار في المقام، ذكر الطحاوي رحمه الله هذه الجملة وركز عليها يعني في هذه العقيدة لأنها بدأت في زمانه وهي سبب الشر في افتراق الناس مع طرق الصوفية إلى هذا الزمان، وقال (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام) ما فيه ولي يمكن أن يكون أفضل من نبي؛ بل أفضل الناس هم الأنبياء ثم يليهم الأولياء، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابة كل نبي إلى آخره.
قال (ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) { الله أعلم حيث يجعل رسالته}[الأنعام:124] سبحانه وتعالى.

(1/668)


قال بعدها (ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم)
____________________________________________
يريد رحمه الله أن أهل السنة الجماعة وأهل الحديث والأثر والمتابعين للسلف الصالح يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة وما صحت به الرواية من كرامات الأولياء وهم يصدقون بكرامات الأولياء ولا ينفونها، وما صح عن الثقات من الروايات في بيانات كراماتهم فإنهم يصدقون بذلك ويعتقدونه ويؤمنون به؛ لأن هذا من فضل الله - عز وجل - عليهم لأن في التصديق بهم تصديقا بما أخبر الله - عز وجل - به في القرآن وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في السنة.
ويريد بذلك مخالفة طوائف من العقلانيين الذين أنكروا كرامات الأولياء، ويخص بالذكر منهم المعتزلة، فإنهم أنكروا كرامة الأولياء وقالوا ليس لولي كرامة لأنه لو صح أن يكون لولي كرامة لاشتبهت كرامات والأولياء بمعجزات الأنبياء، وحينئذ تشتبه الكرامة بالنبوة ويشتبه الولي بالنبي وهذا قدح في النبوة وقدح في الشريعة.
ونذكر هنا مسائل:

(1/669)


[المسألة الأولى]:
كرامات الأولياء جمع كرامة، والكرامة في اللغة: إكرام من الإكرام، وهو ما يؤتى المكرم من هبة وعطية وهي في باب الكرامة من الله - عز وجل -.
وفي الاصطلاح عرفت كرامة الولي بأنها أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي.
وكونه خارقا للعادة يخرج به ما ينعم الله - عز وجل - به من النعم على عباده مما لا يدخل في كونه خارقا للعادة، فأهل الإيمان ينعم عليهم بنعم كثيرة وهي إكرام من الله - عز وجل -؛ لكن لا تدخل في حد الكرامة.
فالكرامة ضابطها أنها أمر خارق للعادة.
والعادة هنا، خارق للعادة أي عادة؟
عادة أهل ذلك الزمان.
فقد يكون خارقا لعادة أناس في القرن الثاني وهو ليس بخارق لعادتنا في هذا الزمن.
مثلا أن ينتقل من بلد إلى بلد في ساعة، من الشام إلى مكة أو إلى القدس في ساعة، ويصلي هنا إلى آخره، أو أن يحجب عن بعض المكروه، أو أن يكون عنده علم بحال أناس بالتفصيل يسمع كلامهم ويرى صورتهم في بلد بعيد عنه، هو في الجزيرة ويرى حالهم في الشام أو في مصر أو في خراسان أو ما أشبه ذلك.
هذه في زمن مضى كانت خوارق لعادة أهل ذلك الزمان لكنها بالنسبة لأهل هذا الزمان ليست بخارق مطلقا.
لهذا تضبط العادة في تعريف الكرامة (خارق للعادة) بأنها عادة أهل ذلك الزمن.
والمعجزة أيضا أو الآية والبرهان للنبي وخوارق السحرة والكهنة كما سيأتي فيها خرق للعادة لكن مع اختلاف الخارق واختلاف العادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(جرى على يدي ولي) قوله جرى يعني أنه أكرم به الولي فجرى على يديه.
وقد يكون أعطي القدرة وقد يكون الولي أحس بالشيء وجرى على يديه دون قدرة منه، إما من الملائكة أو بسبب شاءه الله - عز وجل -.
وآخر جملة (على يدي ولي) يخرج منها ما جرى على يد الأنبياء فهي أمر خارق للعادة لكنه ليس على يدي ولي، وإنما على يدي نبي، كذلك خوارق السحرة والكهنة والمشعوذين فهي شيطانية ليست إيمانية، ولذلك لا تدخل في التعريف.

(1/670)


[المسألة الثانية]:
الأصل في كرامات الأولياء من القرآن قول الله - عز وجل - {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}[يونس:62-64]، وقوله - عز وجل - أيضا {وكان أبوهما صالحا}[الكهف:82]، وقوله صلى الله عليه وسلم «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه»(1).
ومن الواقع فإنه تواتر النقل عن الصحابة وعن التابعين ومن تبعهم وعن الأمم السالفة، تواتر النقل بما لا يكون معه مجال للتكذيب ولا للرد بنقل عدد كبير يختلفون في أماكنهم ويختلفون في لغاتهم بحصول هذه الكرامات، فيكون معه النقل متواترا ويكون دليلا من الأدلة في هذه المسألة.
فإذا حصول الكرامات دل عليه القرآن والسنة ودل عليه التواتر في النقل عن الأمم السالفة وعن هذه الأمة.
__________
(1) سبق ذكره (250)

(1/671)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية