صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

قال سماحته ((والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يخلص نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة)).
بدأ فضيلته بشرحها في مدينة الرياض يوم السبت 13 ذي القعدة 1417هـ
وقد انتهى منه يوم السبت بعد العشاء الموافق 20/11/1420هـ.
جزا الله الشيخ ومن قام بتسجيل هذا الشرح ومن قام بتفريغه، ومن قام بتنسيقه عن الموحدين خير الجزاء.
تجد منه نسخة جاهزة للطباعة على هذا الرابط:
http://www.saaid.net/book/7/1194.zip

قال هنا(ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم)
________________________________________________
(دار السلام) التي هي الجنة {لهم دار السلام عند ربهم}[الأنعام:127]؛ لأن فيها السلامة بجميع أنواعها؛ السلامة في البدن والسلامة في القلب، والسلامة في الخواطر، حتى اللغو لا يسمعون وحتى كما قال {لا تسمع فيها لاغية}[الغاشية:11]، حتى ما يؤذي السمع فلا يسمع، وخرير الأشجار وحركة الأوراق ألحان في الجنة، فكل ما فيها سلام، وتحية أهلها السلام.

قال(ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم)
يعني أن الإيمان بالرؤية فرض؛ لأن الله - عز وجل - ذكرها في كتابه وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، فهي عقيدة الإيمان بها فرض، فمن تأول الرؤية فلا يصح إيمانه.
وهذا ليس للرؤية فحسب، بل كل من تأول شيئا من الغيبيات فلا يصح إيمانه به، لأن الإيمان بالأمور الغيبية إيمان بما دل عليه ظاهر اللفظ، إيمان بما دل عليه ظاهر الصفة، إذ كانت قاعدة السلف أمروها كما جاءت لا يتجاوز القرآن والحديث.

قال(لمن اعتبرها بوهم، أو تأولها بفهم).
(اعتبرها بوهم) من تخيل شيئا ما.
(أو تأولها) يعني سلط على نصوص الرؤية التأويل.

قال في التعليل (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم).
يعني أن تأويل الرؤيا وتأويل الصفات الحق هو ترك التأويل وهذا يأتي بيانه في المسائل.
فتأويل الصفات هو ما تؤول إليها حقائقها، والعقل والقلب لا يدرك الغيبيات، فلذلك عدم إدراكه للغيبيات يدل على أنها على ظاهرها.
فقوله هنا (ولا يصح الإيمان) إلى آخره علله بقوله (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية) يعني إلى الرب - عز وجل - من الصفات جميعا تأويل ذلك الحق هو( ترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين).
وهذه الجملة من كلامه واضحة المعنى فيما ذكرت لك لكن ينبني عليها لفهم مراده مسائل:

(1/155)


[المسألة الأولى]:
التأويل لغة: هو ما تؤول إليه الأشياء، آل الأمر إلى كذا؛ يعني صار إلى كذا، والتأويل هو إيال الأشياء إلى نحو ما، هذا في اللغة.
تأويل الرؤية: ما تؤول إليه الرؤية، تأويل الطاعة ما تؤول إليه الطاعة {ذلك خير وأحسن تأويلا}[الإسراء:35] يعني وأحسن عاقبة، أحسن مآلا.
فإذا كلمة تأويل هذه اسم مصدر: آل الشيء، يؤول، إيالا، وتأويلا، فإياله؛ نهايته تسمى تأويله.
والكل يشترك في المعنى الأول اللغوي الذي ذكرته لك.

(1/156)


[المسألة الثانية]:
التأويل في استعمال أهل العلم أو فيما جاء في الكتاب والسنة وفيما جرى عليه كلام العلماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- القسم الأول: التأويل بمعنى التفسير.
تأويل كذا يعني تفسيره، {هذا تأويل رؤياي}[يوسف:100] يعني هذا تفسير {رؤياي}.
و[ذهب] قول العلماء في تفسير القرآن (قول أهل التأويل)؛ مثل ما يستعمل الإمام ابن جرير في تفسيره ويكثر منه، فيقول (قال أهل التأويل) يعني أهل تفسير القرآن.
2- القسم الثاني: تأويل الأخبار وتأويل الأمر والنهي.
تأويل الخبر ما تؤول إليه حقيقة الخبر.
يعني أنه إذا ذكر شيء لك فأخبرت به فتأويله حينما تراه كما قال - عز وجل - {هل ينظرون إلا تأويله} يعني تأويل ما ذكر الله في سورة الأعراف من خبر يوم القيامة من الجنة والنار { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين}[الأعراف:53] إلى آخر الآية.
قوله {هل ينظرون إلا تأويله} يعني ما يؤول إليه حقيقة الخبر وهو ما سيراه الناس.
فتأويل كل خبر في الأمور الغيبية هو حقيقته التي هي عليه.
فتأويل الجنة هو حقيقة الجنة، تأويل النار حقيقة النار.
فهذه الأخبار التي أخبر الله - عز وجل - بها من الغيبيات تأويلها هي حقائقها في الأمور الغيبية، ولهذا قال - عز وجل - {وما يعلم تأويله إلا الله}[آل عمران:7] على من وقف عند لفظ الجلالة.
لأن أحدا لا يعلم التأويل إلا الله؛ يعني تأويل المتشابه.
يعنى بهذا التأويل ما تؤول إليه حقائق هذه الأشياء، يعني ما هي عليه وهذه لا يعلمها إلا الله.
لا يعلم حقيقة الصفات إلا الله، لا يعلم حقيقة الجنة والنار إلا الله، لا يعلم حقيقة يوم القيامة إلا الله، لا يعلم حقيقة ما في السماء إلا الله، لا يعلم حقيقة الصراط وأحوال البرزخ إلا الله - عز وجل -.
فهذه الحقائق لا يعلمها إلا الله؛ لكن المسلم يعلم المعاني في الأمور الغيبية، أخبرنا في الأمور الغيبية بأشياء لها معنى فنعتقدها، وأما حقيقة ما هي عليه بكمالها من جهة المعنى والكيفية، هذه لا يعلمها إلا الرب - عز وجل -.
لهذا صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (ليس في الجنة من دنياكم إلا الأسماء)(1).
يعني أنك تعرف أصل المعنى، أما الحقائق فالمسألة ليست بمقدور الناس أن يفهموا حقيقة ما في الجنة.
حقائق الأخبار إذا، حقيقة الخبر من جهة تمام المعنى ومن جهة كيفية الأمور الغيبية هذه لا يعلمها إلا الله.
فيكون الوقف عند الآية {وما يعلم تأويله إلا الله}.
والراسخون في العلم لا يعلمون تأويل الأخبار بمعنى حقائق الغيبيات على ما هي عليه من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى.
أما الأمر والنهي: فالله - عز وجل - أمر بأوامر ونهى عن نواهي: فتأويل الأمر امتثاله، وتأويل النهي الانتهاء عنه؛ لأن الله - عز وجل - قال {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}[النساء:59]؛ يعني وأحسن امتثالا لأمر الله - عز وجل - وأحسن عاقبة.
فإذا كل من أمر بأمر فتأويل الأمر؛ يعني ما تؤول إليه حقيقة الأمر هو أن يمتثله.
فمن لم يمتثل فلم يستسلم للأمر ولم يطع في ذلك.
تأويل النهي هو ما تؤول إليه حقيقة النهي وهو امتثاله - امتثال النهي يعني أن يجتنب النهي؛ أي ما نهي عنه.
ثم يزيد على الأمرين:
- في الامتثال بالأوامر عاقبة أو جزاء الامتثال.
- وفي الإنتهاء جزاء الانتهاء عما نهي عنه بالنواهي.
فإذا التأويل بالأمر والنهي يشمل شيئين:
- الأول: أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي.
- والثاني: ما سيراه في الآخرة من جزاء الأمر، وما امتثله، ومجازاة العبد على انتهائه عن ما نهي عنه.
3 - القسم الثالث التأويل بمعنى حادث لم يأت في القرآن وفي السنة.
وهو أن يصرف دليل عن ظاهره لحجة.
وهو صحيح إذا كان بضابطه الذي ضبطه به أهل العلم.
ويعبر عنه الأصوليون بقولهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة.
وهذا للأصوليين فيه تفصيلات حيث أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
لكن هذا المعنى من التأويل صحيح، يعني أن النصوص ربما صرف اللفظ إلى غيره، صرفت دلالة الدليل إلى آخر لدليل آخر لقرينة.
__________
(1) انظر تفسير الطبري (البقرة/25)

(1/157)


[المسألة الثالثة]:
هذا التأويل الأخير هو الذي به تسلط(1) [.....]
[.....] وأولوها بالتأويلات.
فنصوص الرؤية حرفوها وسموا تحريفهم تأويلا.
ونصوص إثبات الصفات من الوجه واليدين والرحمة والرضا من الصفات الذاتية والصفات الفعلية جميعا حرفوها وسموا تحريفهم لها تأويلا.
وهذا هو الذي أراده الطحاوي بقوله (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم)؛ لأن تأويلهم له كان باطلا، وحقيقة التأويل أن يترك التأويل.
يعني التأويل المطلوب شرعا أن يترك التأويل، وهذا يحتاج على تطبيق.
فالتعريف، عرف الأصوليون التأويل بأنه صرف اللفظ -يعني الذي جاء بالدليل- عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة.
هنا القرينة لابد أن تدل على أن الظاهر غير مراد حتى يمكن أن يصرف اللفظ عن ظاهره لأن الظاهر هو الأصل.
فإذا أردنا أن نؤول الظاهر لابد من قرينة.
هذه القرينة هي التي بها قلنا الظاهر غير مراد.
فأتوا بهذه القرينة وسلطوها على نصوص الصفات.
فقالوا في الرؤية مثلا: الرؤية ظاهرها يقتضي التجسيم، يقتضي التحيز، يقتضي التشبيه - رؤية الرب - عز وجل --، يعني أنه يكون متحيزا حتى يمكن أن يراه الناس، لابد أن يكون في جهة حتى يمكن أن الناس يروه، لابد أن يكون في مقابلة العينين حتى تراه العينين، وهكذا.
فلما كانت هذه القرينة العقلية عندهم وهي أن الله - عز وجل - لا يشبه المخلوق ولا يماثل المخلوق، قالوا:إذا الرؤية تؤول لأن معناها الظاهر غير مراد قطعا؛ لأن فيه تمثيلا وتشبيها لله بخلقه.
وهذا ينطبق على جميع الصفات، فيمكن أن تطبق هذه القاعدة على كل ما أول من النصوص في الصفات والأمور الغيبية سواء كان في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية.
ونناقش هؤلاء -وأنا أريد منكم أن تتابعوا معي؛ لأني أريد كلمة مهمة لبناء ما بعدها عليها-:
هؤلاء جاءوا بشيء سموه قرينة فحكموه على النص، فسموا هذا الذي فعلوه تأويلا.
ونحن بقاعدة الأصوليين -بتعريف الأصوليين- نناقشهم، هل طبقتم التأويل حقا؟ أم أنكم عملتم شيئا سميتموه تأويلا؟
القاعدة ما عليها غبار، القاعدة صحيحة.
فنقول هنا (صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة):
لصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لابد أن يكون الظاهر الذي صرف عنه معلوم المعنى حتى نصرفه إلى غيره؛ ونقول هذا الظاهر الأول غير مراد لأنه لا يصلح، حتى يمكن أن نصرفه.
وهذا في التقعيد واضح.
صفات الرب - عز وجل - في ظاهرها المتبادر منها أصل المعنى، وليس ظاهرا في الكيفية وليس ظاهرا في كل المعنى.
إذا فعندنا في النص ثلاثة أشياء:
- عندنا أصل المعنى الذي نفهم به، نفهمه من اللغة.
- وعندنا كمال المعنى، تمام الصفة، كمال معنى الصفة.
- وعندنا ثالثا الكيفية.
فإذا ظاهر النص مشتمل على أصل المعنى؛ يعني على إثبات الصفة من حيث الوجود، صفة الرحمة {الرحمن الرحيم} هذا فيه إثبات صفة الرحمة؛ لكن ما هو كمال معنى الرحمة؟
ليس واضحا في النص، إذ النصوص فيها أصل إثبات الصفة.
فإذا صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، هم لم يصرفوا الظاهر، وإنما صرفوا شيئا توهموه زيادة على الظاهر.
فالظاهر يجب الإيمان به والاستسلام له.
فهم توهموا للظاهر شيئا زائدا على دلالة النص، توهموا تمام معنى وتوهموا كيفية.
فإذا لم يقتصروا على الأمر الأول؛ وهو أن النص جاء في الصفات وفي الأمور الغيبية لأصل المعنى وإنما توهموا كيفية، فقالوا: كيف أن الإنسان يرى الله - عز وجل - بعينيه؟
معناه أن الله - عز وجل - يكون متحيز، وسوف يكون في جهة، وسوف يكون إلى آخره من الأمور الباطلة.
ونقول هذه زائدة على النص.
فإذن التأويل الذي سلط على النص في الحقيقة سلط على ما في الأوهام ولم يسلط على النص، فإنكم تخيلتم أن النص يشمل الثلاث هذه جميعا: في أصل المعنى وفي تمامه وفي الكيفية، ثم سلطتم التأويل عليها.
فسلطتم إذا التأويل ليس على اللفظ وإنما على ما توهمتموه من اللفظ.
فإذا قاعدة التأويل في الحقيقة لم تطبقوها وإنما طبقتم ما في أذهانكم.
لهذا نقول: إن إثبات الصفة هو إثبات وجود لمعنى وليس إثبات تمام المعنى أو الكيفية.
فالقرينة التي بها تسلطوا على النص هي قرينة المماثلة أو المشابهة.
فيقولون: هذا يقتضي التمثيل، يقتضي التشبيه، يقتضي التجسيم، فلذلك يؤول.
__________
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني عشر.

(1/158)


فالقرينة عندهم عقلية بحتة وليست نصا، القرينة عقلية في أن هذه الأشياء ظاهرها يماثل صفات المخلوقين، يشابه صفات المخلوقين، فلذلك يجب أن ننفي هذا الظاهر.
وهذا في الحقيقة ليس هو ظاهر النص.
ظاهر النص ليس فيه الكيفية، ظاهر النص ليس فيه كمال المعنى.
وإنما ظاهر النص الذي يجب الإيمان به أن فيه أصل اتصاف الله - عز وجل - بالصفة.
فنؤمن بأن الله - عز وجل - ذو وجه - عز وجل -، وأنه سبحانه متصف بصفة السمع.
لكن كيف يسمع؟
يسمع دبيب النملة على ظهر الصخرة الملساء.
كيف حصل هذا السمع؟
تمام معنى السمع لا نستطيع أن ندخل فيه، وإنما نقول الله - عز وجل - موصوف بصفة السمع وله من هذه الصفة كمالها؛ كمال هذه الصفة، الكمال المطلق.
لكن هل نستطع أن نخوض في تفصيلاته؟
لا نستطيع.
كذلك صفة الوجه، صفة اليدين، إلى غير ذلك من الصفات.
فإذا هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، إثبات اتصاف بالصفة لا إثبات كيفية.
فإذا الذين سلطوا القرينة سلطوها بشيء متوهم، فلهذا لا يصح أن يقال إنهم طبقوا قاعدة التأويل، بل هم حرفوا؛ لأنهم جعلوا للنص دلالة بأوهامهم خلاف دلالة النص، ثم بعد ذلك سلطوا عليها تأويلهم.
لهذا قال طائفة من أهل العلم (كل مؤول ممثل، كل مؤول مشبه).
لأنه لا يمكن أن يؤول إلا وقد قام في قلبه من دلالة النص التشبيه أو التمثيل، هذا واحد.
الأمر الثاني نقول لهم: إذا لم تسلموا بذلك وقلتم:
إن تأويلنا كان لأصل المعنى وليس لما قام في أوهامنا وفي أذهاننا.
فنقول يلزم من ذلك أن تأولوا صفة السمع، يلزم من ذلك أن تأولوا صفة البصر، يلزم من ذلك أن تأولوا صفة الكلام، فما الفرق بين صفة الكلام لله - عز وجل - وصفة السمع والإرادة والحياة وصفة الرحمة؟ ما الفرق بينها؟ ما الفرق بين هذه الصفات وبين صفة اليدين؟
فإذا في صفة السمع: للمخلوق سمع، فالمشابهة حاصلة بحسب أفهامهم.
فالنص الذي به أثبتم صفة السمع والبصر وصفة الكلام هو النص الذي أثبتت به سائر الصفات.
فلم لم تتعرضوا لهذا بتأويل وتعرضتم للآخر بتأويل؟
إن كان الآخر أخذتم كما قلتم أصل المعنى فأولتم، فهذه أنتم أخذتم أصل المعنى فيلزمكم التأويل.
إذا فالحاصل من هذا أن كل مؤول لا يصح أن يقال إنه مؤول؛ بل هو محرف لأن التأويل لا ينطبق على قاعدته، لا ينطبق على هذه الحالة.
فالنصوص الغيبية بابها باب واحد، تطبيق القاعدة الأصولية التي هي التأويل لا يصلح على هذه المسائل، المسائل الغيبية لما ذكرته لك.
تتميم للمسألة، إذا قول الطحاوي هنا دقيق للغاية يتنبه لقوله، قال (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل).
إذا أردت أن تطبق قاعدة التأويل فتخرج منها وستستنتج منها أن التأويل ترك التأويل.
كيف؟
إذا قلنا إن القرينة غير ممكنة؛ لأن هذا المعنى غيبي، فإذا سينتج منه أن القاعدة غير منضبطة.
فإذا التأويل سيؤديك إلى ترك التأويل؛ لأن القاعدة غير جائية وسارية في مسائل الغيبيات.
وهذه كلمة دقيقة منه رحمه الله (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم) لأنك لو طبقت قاعدة التأويل نتج منها ترك التأويل.
التأويل: يعني أن تترك التأويل.

(1/159)


[المسألة الرابعة]:
مثل التأويل في تسليطه على نصوص الغيبيات ما يسمى بالمجاز.
والتأويل والمجاز يستخدمان في مباحث الصفات والأمور الغيبية بعامة، يستخدمها أهل البدع الذين لم يسلموا للنصوص دلالتها.
(المجاز) لم يأت هذا اللفظ لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة ولا في كلام التابعين ولا في كلام تبع التابعين.
يعني انقضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يستعمل هذا اللفظ، فلفظه حادث.
والألفاظ الحادثة بحسب الاصطلاح:
- إن كان هذا المصطلح أستخدم في شيء سليم، في شيء مقبول شرعا، فلا بأس به إذ لا مشاحة في الاصطلاح، مثل ما قالوا التأويل هو كذا وكذا فعرفوه، ومثل ما تعارفوا على أشياء كثيرة في العلوم.
ولهذا استعمل لفظ المجاز بعض العلماء في معاني صحيحة؛ فكتب أبو عبيدة معمر بن مثنى كتابا سماه مجاز القرآن، وتجد في ألفاظ لابن قتيبة أيضا ذكرا للمجاز -للمجاز العام-؛ يعني المجاز المقبول؛ وله هو نظر في المجاز لا نعرض له الآن.
إذا هذا تاريخ اللفظ أن اللفظة حادثة ما كانت مستعملة.
ماذا يقصد بلفظة (مجاز) من حيث اللغة؟
المجاز يعني: ما يجوز، هذا في اللغة.
ولهذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن{ثم استوى على العرش}، {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}[المؤمنون:28]، قال: مجازه علا على العرش، وهذا يعني أنه معناه في اللغة؛ يعني ما تجيزه اللغة.
يعني هذا مجازه اللفظي في اللغة وما أجازته العرب من المعنى.
إذا نظرت لذلك وجدت أن استعمال من استعمل لفظ المجاز غير استعمال المحرفين.
لهذا نقول: المجاز عند أهل التحريف عرفوه بما يلي:
قالوا: المجاز هو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى وضع ثان لعلاقة بينهما.
وعرفه آخرون بقولهم: المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له.
مثاله عندهم، يقول مثلا: ألقى فلان علي جناحه.
فمجاز الجناح هنا قالوا: الجناح يعني كنفه ورعايته ويده إلى آخره.
قالوا: أصل الجناح للطائر، جناح الطائر.
فلما استعمل في الإنسان صار استعمال اللفظ لغير ما وضع له، لهذا سموه مجازا.
إذا تبين لك ذلك فنقول:
أولا قولهم في تعريف المجاز: إن المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له مبني على أن الألفاظ موضوعة لمعاني.
ومن الذي وضع المعنى أو اللفظ للمعنى؟ من الذي وضع؟
يقولون العرب وضعت.
التعريف الأول -وهو المشهور عند الأصوليين- المجاز نقل اللفظ من وضع أول إلى وضع ثاني.
يعني أن العرب وضعت للألفاظ شيئا ثم نقلته من الوضع الأول إلى الوضع الثاني.
هذا التصور مبني على خيال في أصله.
وهو أنه يطالب من عبر هذا التعبير بأن يقال له: من الذي وضع الوضع الأول؟
هذا أولا في التعريف
لهذا لا تدخل مع الذين يبحثون في المجاز أصلا، يعني في الغيبيات
أما في الأمور الأدبية، هذا الأمر سهل؛ يعني الخلاف الأدبي سهل.
لكن إذا أتى المجاز في الأمور الغيبية والصفات فناقشه في التعريف.
الآن ما هو تعريف المجاز؟
استعمال اللفظ في غير ما وضع له، أو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى الوضع الثاني.
هذا الوضع الأول والوضع الثاني كيف عرفنا أن هذا هو الوضع الأول؟
الجواب: لا سبيل إلى الجواب.
ليس ثم أحد يمكن أن يقول هذا اللفظ وضع لكذا، إذ معنى ذلك أن العرب اتفقت، عقدت مؤتمرا، اجتمعت جميعا وقالت: الآن نحدد لغتنا في الوضع الأول.
هذا السقف السماء وضعها الأول هو ما علا.
الأرض هي هذه هذا الوضع الأول.
السير، جرى، مشى، معناه كذا.
جناح هو لهذا الطائر، حمام هو لهذا الطائر، وهكذا.
فيتصور من التعريف أن العرب اجتمعت وجعلت لكل لفظ معنى في لغتها.
وهذا خيال؛ لأن من عرف ودرس نشأة اللغات لا يمكن أن يتصور أن اللغة العربية نشأت على هذا النحو.
لهذا نقول: أولا التعريف غير صحيح، لأن الوضع الأول يحتاج إلى برهان لإثبات أنه وضع أول.
أثبت لي أن هذا هو الوضع الأول ولا بأس.
ولا سبيل إلى الإثبات.
لهذا نقول: إن المعاني في اللغة العربية كثير منها كلية.
وكلما ذهبت إلى المعنى الكلي كلما كنت أحذق وأفهم للغة.
وهذا ما جرى عليه العالم المحقق ابن فارس في مقاييس اللغة، كتاب سماه (معجم مقاييس اللغة) جعل الكلمات لها معاني كلية ثم تندرج التفريعات تحت المعنى الكلي، وليس وضعا أول ثم وضعا ثانيا، وهذا حقيقة وهذا مجاز، ليس كذلك.
إذا تبين ذلك فنقول: لفظ التأويل ولفظ المجاز يستعملان كثيرا.
الظاهر: يقابله التأويل.
والحقيقة: يقابلها المجاز.
فيقال هذا حقيقة وهذا مجاز، ويقال هذا ظاهر وهذا تأويل.

(1/160)


ولا يقال في التأويل مجاز وللمجاز تأويل، لا، التأويل يختلف عن المجاز كما ذكرته لكم مرارا.
المجاز كتطبيق لأجل أن تفهم كيف يطبقون المجاز على قاعدتهم وكيف أن هذا الكلام الذي طبقوه غير جيد غير صحيح.
يقولون مثلا: الرحمة مجاز عن الإنعام.
طيب مجاز عن الإنعام يعني أن لفظ الرحمة وضعته العرب للمخلوق للإنسان.
فلما أستعمل في صفات الرب - عز وجل - نقلوه من الوضع الأول إلى وضع ثان وهو الإنعام لأن العرب استعملت الرحمة بمعنى الإنعام.
فإذا الرحمة تشمل رحمة الأم بولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الإنسان بمن يتعرض لشيء أمامه من المكروهات، وتشمل الإنعام.
رحمه يعني أنعم عليه.
قالوا الإنعام هذا وضع ثاني والرحمة التي يجدها الإنسان في نفسه هذا الوضع الأول.
ففي صفات الرب - عز وجل - لا نقول إنه متصف بالرحمة لم؟
قالوا لأن الرحمة لا تحصل إلا بضعف، إلا بانكسار، وهذا منزه عنه الرب - جل جلاله -.
فإذا نقلوا من الوضع الأول إلى وضع ثان لعلاقة.
العلاقة بينهما هي مناسبة هذا لله - عز وجل -.
يعني الإنعام مناسب في هذا وفي هذا.
العلاقات عندهم في المجاز نحو ثلاثين علاقة، وألفت فيها كتب،يعني من باب الذكر وليست مهمة.
طيب، عندكم الرحمة بمعنى الإنعام، والرحمة حينما فسرتموها قلتم الوضع الأول في الإنسان لماذا؟
الرحمة هذا اللفظ وجد مع الإنسان، أليس كذلك؟
وجد مع الإنسان، أحس بهذا الشيء الذي في نفسه وهذا الشيء سمي رحمة.
فهل هذه الرحمة حينما وضع لها هذا المعنى هي في لغة العرب أو هي في اللغات جميعا؟
الجواب أنها في لغة العرب؛ يعني من حيث لفظ (رحمة).
وأما المعنى المشترك لهذه الصفة فهذا عام في جميع اللغات؛ يعني موجود في كل لغة ما يدل عليه.
اللغة هل تضع الأشياء محدودة أو كلية؟
اللغة المفروض فيها أنها تجعل الألفاظ للمعاني الكلية، لا لمعان محدودة.
فنأتي للرحمة فنقول الإنسان عنده هذه الرحمة، وجد هذه الصفة في نفسه فسماها رحمة.
لكن لا يوجد تعريف في أي كتاب من كتب اللغة للرحمة بتعريف جامع مانع محدود.
كذلك الرأفة، كذلك الود، كذلك المحبة، ونحو ذلك، فالمعاني النفسية هذه الموجودة في داخل نفس الإنسان هذه لا يوجد تعريف محدد لها حتى في كتب اللغة.
إذا فهي ليست موضوعة لما يحسه الإنسان، وهي إذا موضوعة لمعان كلية تشمل هذه الصفة.
ولهذا نجد أن كل الصفات المعنوية لا يمكن تعريفها.
لو أتاك أحد وقال عرف لي هذه الرحمة التي في قلبك؟
لا يحسن حتى هؤلاء الذين يحكمون بالمجاز وبالتأويل لا يحسنون أن يعرفوا الرحمة بشيء جامع مانع.
هات الرحمة بتعريف جامع؟
فيفسر الرحمة بأثر الرحمة، فيفسر الرأفة بأثر الرأفة، فيفسر المحبة بأثر المحبة.
لكن كل إنسان في أي لغة إذا طرق سمعه الرحمة هو يعرف مدلول الرحمة بما يجده في نفسه.
إذا فالمعاني النفسية هذه التي هي ليست ذوات هذه كليات، والكليات ليست مفردات، الكليات للجميع.
فإذا جعل الكلية اللغوية مفردا في حال الإنسان، و جعل هذه المفردة وضعا أول هذا لاشك أنه ليس له دليل في اللغة وليس له أيضا برهان وهو تحكم.
فإذا لكل شيء يناسبه.
إذا قلت للعربي رحمة الطير، الطير حينما رحم، هل كانت الرحمة في الإنسان واستعار للطير الرحمة؛ أي جعلها في الطير مجازا؟
الجواب: لا، يقول لا، الطير فيه رحمة، طيب هذا المعنى الكلي بين الطير والإنسان هل كان في الوضع الأول خاصا بالإنسان ثم عدي أو كان للجميع ؟
فإن قال للإنسان وحده فإنه لن يقوله؛ لأنه لا يسلم له.
وإن قال للإنسان والطير وللحيوان فيما يرحم، قيل له فإذا العرب وضعت هذا اللفظ بالوضع الأول للجميع لهذين فقط، أو وضعت كلية فطبقت على الإنسان والحيوان وعلى الطير؟
فمؤدى الأمر أن هذه الكلمات مبنية على برهانين:
1 - البرهان الأول:
معرفة نشأة اللغات، وأن الوضع الأول للأشياء في الإنسان أو في الطير فقط أن هذا غير جار؛ لأنه ما يتصور -كما قلت لك خيال أن العرب اجتمعت ووضعت هذه الأشياء على هذا النحو-.
2 - البرهان الثاني:
أن يقال المعاني الكلية المشتركة هذه لها تعريف عام لغوي، وإذا كان لها تعريف عام، ووجودها في الإنسان تمثيل، ووجودها في الطير تمثيل ووجودها في الأم من الحيوان لولدها تمثيل، وهكذا،فإذا القضية الكلية أو التعريف الكلي لا يسلط عليه المجاز بالأمثلة.
هذه القضية كبيرة بلا شك، ولابد منكم لمن أراد التحقيق في علوم العقيدة وفي علوم اللغة أن ينتبه إلى هذه المسألة؛ وهي نشأة اللغات.
كيف نشأت اللغات؟
كيف نشأت اللغة العربية؟
في اللغة العربية أتى العرب موجودون فكانت أمامهم لغة؟
لا، الأسماء علمها آدم {وعلم آدم الأسماء كلها}[البقرة:31].

(1/161)


هذه الأسماء هل كانت باللغة العربية؟
لا، كانت بلغة، ثم بعد ذلك تداخل أولاد آدم تنوعت لغاتهم، اكتسبوا أشياء من الأصوات، اكتسبوا أشياء من الرؤية.
كلمة كانت بسبب الصوت مثلا.
مثل كلمة جر، جر هذه أنت لو حملت جذع شجرة تحتاجه في إيقاد النار، تأتي به من مكان بعيد عن المكان الذي تطبخ فيه، تسمع صوته في الأرض بهذه الكلمة جرررر، فتسمع هذه.
مثل كلمة خرير؛ خرير الماء هذا الصوت.
مثل كلمة وسوسة الصوت هذه الوسوسة مأخوذة بالسمع.
إذا اللغة تشكلت من أشياء، ومن درس نشأة اللغات يقول:
إن البرهان على الوضع الأول الذي أعتمد عليه بالمجاز ممتنع.
وأنا أريد الحقيقة من باب طلب الحق أن يأتي باحث ممن يبحث في اللغة ويثبت لي هذا الوضع الأول كيف جاء؟ كيف تواضعت العرب على أن الكلمة بهذا المعنى في الإنسان المحدد أو في الحيوان إلى آخره.
خذ مثلا كلمة جناح.
جناح في اللغة فيها دلالة على الميل، ميل واستطالة في الميل؛ يعني مال وثم زيادة واستطالة في الميل، ليس ميلا خفيفا لكن فيه استطالة، لهذا قال {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها}[الأنفال:61]، {لا جناح عليكم}[الممتحنة:10]؛ يعني لا إثم عليكم لأن الإثم ميل واستطالة.
إذا فتسمية جناح الطائر بجناح، هل هو لأنهم أطلقوا على هذا الجزء؛ يعني قسموا الطائر إلى أجزاء، وقالوا هذا سموه جناح، أو هو لمعنى كلي موجود قبل وجدوه في هذا الجزء من الطائر فسموه به.
هم عندهم الميل، رأوا أن جناح الطائر فيه استطالة وميل، يمتد يستطيل ويميل إلى آخره، نفس الجناح، لكن جسم الطائر ثابت، لكن هذا الذي يذهب ويجيء هذا الجناح، فسموا هذا الجناح بهذا الاسم.
طيب جاء في الإنسان:الإنسان فيه أيضا شيء يميل وهو اليد، فاليد تميل.
إذا اليد أيضا جناح، ولذلك قول الله - عز وجل - {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}[الإسراء:24]، كما قال المفسرون اخفض لهما جناحك الذليل، ليست استعارة وليست مجازا وإنما اليد جناح؛ لأنها فاعلة وتذهب وتجيء، ولهذا قال - عز وجل - في قصة موسى عليه السلام {واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك}[القصص:32].
{واضمم إليك جناحك من الرهب} الجناح ما هو؟
اليد ليست استعارة لأنها المعنى الكلي.
إذن في هذه المسائل تطول.
يعني العنق سمي عنق يعني هكذا أم ثم معاني نشأت منها اللغات ثم توسعت؟
لهذا نقول اللغة كليات جاءت أمثلة عليها تطبيقات في الواقع، قواعد عامة.
لهذا من عرف أقيسة اللغة فهم حقيقتها، أما وجود وضع أول يبنى عليه المجاز فهذا غير ممكن.

(1/162)


الأسئلة
س1/ لو ذكرتم كتبا تكفي طالب اللغة تتحدث عن نشأة اللغات؟
ج/ نشأة اللغات فيها كتب كثيرة ليست سليمة؛ يعني لم أر كتابا سليما في جملة تفاصيله، لأنه لا يخلو كل باحث من خلفيات عنده ومقررات سابقة تسيطر عليه في بحثه ذاك.
لكن من أحسنها أو مما يطلعك على ذلك كتاب اسمه (مولد اللغة) للشيخ مصطفى الغلاييني وثم كتب أخرى.
س2/ أول درس لي في العقيدة هو هذا الدرس في الطحاوية ولم أدرس الواسطية وغيرها، فبماذا تنصحني؟
ج/ إذا كان هذا أول درس فصعب؛ لأنه راعيت في هذا الشرح من انتقل معنا من الواسطية إلى الطحاوية لذلك يذكر أشياء فيها مباحث لم تذكر فيما قبل؛ ما نكرر المعلومات تماما، إنما نزيد بعض المسائل.
فأنا أوصي الأخ الذي هذا أول درس له أن يبتدئ مع أحد أهل العلم في كتاب لمعة الاعتقاد، وينتقل منه إلى الواسطية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى شرح الطحاوية.
س3/ هل اللغات توقيفية أم اصطلاحية؟
ج/ فيها عدة أقوال والصحيح أن الأسماء المطلقة توقيفية، الأسماء اللغوية بدون أن نقول بلغة فلان، بلغة العرب، أو باللغة السريانية، وهكذا.
الأسماء مطلقا توقيفية لقوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها}[البقرة:31] أما بعد ذلك التداخل والتوسع، فما يوجد برهان واضح، واللغة تنمو، وإذا كان المعنى الكلي موجود فكل ما يذكر مثال لأن المعنى الكلي يختلف باختلاف الإضافة.
مثلا عندك السمع، السمع هذه كلمة عامة، صحيح، السمع معروف لو أردت أن تعبر عن السمع تقول إدراك المسموعات واضح، وأيضا فيه إشكال لأنك رجعت بتعريف السمع إلى المسموع، واضح، المسموع رجعنا بالمسموع إلى السمع، صار فيه دور، لذلك لا يصح تعريفا على طريقة المناطقة وإنما هو تقريب، إذا قلنا السمع إدراك المسموعات، سمع الإنسان يصح أن يطلق عليه سمع، سمع البعوضة يصح أن يطلق عليه سمع، الإنسان في سمعه تلحظ فيه أذن، وفيه صماغ، وفيه الغضاريف الزائدة هذه التي يتلقى بها، هذا وسيلة حصول السمع؛ لكن البعوضة ما فيها شيء عندها سمع.
فإذن الكلية الحاصلة وهو إدراك المسموع موجود، لكن تمام المعنى بالنسبة للإنسان يناسب ذاته، الكيفية مختلفة، ما يناسب البعوضة أو الذبابة من السمع يناسبها بقدرها، آلة السمع عندها مختلفة عن آلة السمع عندنا، البصر في بعض الحيوانات تبصر بإيش؟ بالذبذبات أو لا؟ يعني بإرسال الأصوات، يعني عندها إحساس آخر قلنا تبصر؛ لأنها تدرك المبصرات، إذا جاءت للشيء مالت عنه، وهي ليس لها ما تبصر.
إذا كيف الاتصاف بالصفة، كيفية الاتصاف بالصفة، هذا لا يجوز أن يجعل حكما على المعنى الكلي، فالمعنى الكلي ما يشمل هذه الصفات المشتركة بين الكائنات، بل المعاني المشتركة العامة، هي تأتي في الإنسان تطبيقا، يطبقها على نفسه، يطبقها على الحيوان، وإنما تختلف من حيث كمال المعنى ومن حيث الكيفية مثل ما مثلت لك.
ولهذا قال طائفة من أهل العلم في قوله تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[الشورى:11]، أن الله - عز وجل - نبه على السمع والبصر في هذا لأجل اشتراكه بين كل الكائنات الحية، الكائنات الحية لها سمع ولها بصر ومع ذلك أثبته لنفسه مع قاعدة {ليس كمثله شيء} لأنه موجود ووصف الله به نفسه، فمعنى ذلك أنه إثبات صفة لا إثبات مشابهة أو كيفية.
س4/ هل يصح إطلاق لفظ العارف أو قاضي القضاة على العالم؟
ج/ أما لفظ العارف فلا بأس به، استعمله أئمتنا في بعض كلامهم، قال بعض العارفين، قال فلان العارف بالله، على قلة، والأحسن أن يترك.
وأما لفظ قاضي القضاة فهو محرم؛ لأن قاضي القضاة هو الرب جل جلاله.
س5/ ما رأيكم في من قال ليس لله مكان؟
ج/ هذا باطل، المكان ما يطلق ولا ينفى لأنه ما جاء في الكتاب والسنة، وإنما نقول الله - عز وجل - مستو على عرشه بما وصف به نفسه.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (1)
__________
(1) انتهى الشريط الثاني عشر.

(1/163)


:[[الشريط الثالث عشر]]:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة:
س1/ ما معنى هذه العبارة: لا يستعمل في العلم الإلهي قياس تمثيلي أو شمولي وإنما يستعمل قياس الأولى.
ج/ هذه الأقيسة الثلاث مستعملة عند المناطقة:
- قياس التمثيل.
- وقياس الشمول.
- وقياس الأولى.
والتمثيل والشمول يقتضي الاشتراك في الجنس؛ لأن المثال هو أحد أفراد الجنس، وأما القياس الذي يصح أن يطبق في صفات الله - عز وجل - وفيما يليق به جل جلاله وهو قياس الأولى.
يعني أن يقال كل كمال في المخلوق فالله - عز وجل - أولى به؛ لأن الله سبحانه متصف بصفات الكمال المطلق، وإذا في المخلوق نوع كمال يناسبه فالله - عز وجل - له الكمال المطلق.
مثاله: الغنى كمال في حق المخلوق -يعني عند الناس-، وكذلك سلامته في حكمته وإدراكه، وهذا كمال في حقه، كذلك قدرته كمال في حقه، كذلك سمعه وبصره وسلامة آلاته هذا كمال في حقه، وهكذا، فهذه الصفات التي في المخلوق التي تكون فيه كمال، فهي تثبت لله - عز وجل -؛ لأن الله سبحانه أولى بالكمال، وأولى بنفي النقص عنه - عز وجل -.
ومن الأمثلة التي تشكل على بعض الناس في هذا الباب هو أن يقال أن الله - عز وجل - نفى عنه الولادة، فقال {لم يلد ولم يولد}[الإخلاص:3]، فليس له ولد لأنه غير محتاج إليه، والمخلوق الولد في حقه كمال؛ إذ العقيم ليس بكامل عند الناس.
وهذا ليس متجها ولا معارضا للقاعدة؛ لأن المخلوق صار الولد في حقه كمالا لحاجته إليه، فهو يستكثر بالولد ويستقوي به لحاجته إليه؛ لأنه قد ينتفع منه بأنواع الانتفاع، والولد في حق المخلوق نقص، ولهذا ينفى عن الله - عز وجل -، وليس كمالا كما قد يظن.
المقصود أن عبارات (القياس التمثيلي، والقياس الشمولي، وقياس الأولى) من عبارات المناطقة أصحاب المنطق وعلم الكلام، ولا يصح استعمالها عند أهل السنة والجماعة إلا في قياس الأولى دون غيره.
س2/ ذكر أحد طلبة العلم أن التوراة الإنجيل والزبور ليست كلها محرفة؛ بل أغلبها، لذا اختلف العلماء في مس الجنب لها، ويجوز الحلف بها؛ لأنها من كلام الله، وكلام الله عز وجل صفة من صفاته.
السؤال: هل هذا الكلام صحيح؟ وهل يجوز الحلف بالتوراة والإنجيل والزبور؟ أرجو التوضيح.
ج/ أولا التوراة والإنجيل والزبور التي أنزلت على موسى وعيسى وداوود هذه كلام الله - عز وجل -؛ لكن هذا المنزل على هؤلاء الأنبياء الموجود الآن لا يتيقن أنه ذلك المنزل؛ بل قد يكون الموجود اختلط به كلام الله - عز وجل - وكلام علمائهم وزيادات باطلة من التحريفات، والعلماء اختلفوا هل وقع التحريف في هذه الكتب من جهة المعنى أو من جهة الألفاظ؛ يعني هل حذفت بعض الأشياء وأبدلت بأخرى وحرفت بنقص، بحذف، ثم زيادة أشياء من كلام الناس، أم كان التحريف في المعنى فقط، فهم حرفوا من جهة المعنى مع بقاء الأصل، على ثلاثة أقوال لأهل العلم.
والصواب منها أن التوراة والإنجيل فيها وفيها:
- فيها ما هو من كلام الله.
- وفيها ما هو من إضافات الناس الباطلة.
- وفيها ما حرف لفظه. .
- وفيها ما حرف معناه.
اجتمعت فيها كل أنواع التحريف؛ تحريف اللفظ وتحريف المعنى وترك الأحكام، وهذا له تفاصيل في محلها.
س3/ ما المراد بالغل في قوله تعالى {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}[الحجر:47]؟
ج/ الغل هو الحقد والضغينة التي تتخلل النفس والفؤاد، وأصل هذه المادة في اللغة -مادة غل- لما يكون متخللا للشيء، ولهذا قيل للغل الذي يغل به -تغل به الرقبة- { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا}[يس:8] سمي غلا لأن الرقبة تتخلله وهو أيضا يتخلل الرقبة يحيط بها، وكذلك يقال أيضا للماء الذي يجري بين السواقي من هذه المادة، ويسمى الماء الغليل وأشباه ذلك.
فالمقصود أن هذه المادة تدور على التغلل، وعلى التسلل، فلهذا الحقد والضغينة إذا كانت متسللة في النفس محيطة بها سميت غلا، كما قال هنا {ونزعنا ما في صدورهم من غل}، ويدعو أهل الإيمان ربنا {لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم}[الحشر:10]، فأهل الجنة ليس في قلوبهم غل ولا حسد ولا ضغينة؛ بل هم أحباب متآخون.

(1/164)


ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه
________________________________________________
هذا رد على الطائفتين: طائفة المؤولة المحرفة وطائفة المجسمة.
المجسمة شبهوا، والمأولة أو المحرفة نفوا.
فهؤلاء نفوا الصفات والمجسمة مثلوا، فمن كان ممثلا أو محرفا فقد زل ولم يصب التنزيه.
ولهذا نقول: إن قوله (ومن لم يتوق النفي والتشبيه) أن هذا تحذير حتى للموحد.
لا يخطر ببالك أن الله - عز وجل - في صفته ثم مشابهة بينه وبين صفة الخلق، وكل ما خطر بباك فالله - عز وجل - بخلافه، لا من جهة تمام الصفة ولا من جهة الكيفية، وإنما نثبت كمال الصفة، الكمال المطلق؛ لكن كيف هذا الكمال حدود هذا الكمال؟ لا نستطيع ذلك.

قال رحمه الله (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)
هذه العبارة مقررة لقاعدة عامة من قواعد أهل السنة والجماعة: أن صفات الرب - عز وجل - يجب أن لا يسلط عليها النفي، ولا أن يعتقد فيها التشبيه؛ بل يجب على المسلم في إثباته للصفات أن يتوقى نفيها بدرجاته، وأن يتوقى التشبيه؛ فلا يثبت مشبها ولا ينفي معطلا.
قال(زل ولم يصب التنزيه) لأنه ليس على الطريق الحق، فكل من تعرض للصفات بنفي أو بتشبيه فإنه ليس بموحد.
قال (لم يصب التنزيه) يعني لم يصب التوحيد وتنزيه الرب - عز وجل - عما لا يليق بجلاله وعظمته.
وهذا الأصل معلوم في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة:
منها قول الله - عز وجل - {قل هو الله أحد(1)الله الصمد(2)لم يلد ولم يولد(3)ولم يكن له كفوا أحد(4)}[الإخلاص].
وقال سبحانه {هل تعلم له سميا}[مريم:65].
وقال أيضا - عز وجل - {وله المثل الأعلى}[الروم:27] ـ.
{له المثل الأعلى} يعني له النعت الأعلى والوصف الأعلى.
و{هل تعلم له سميا} يعني يساميه يماثله يشابهه في كمال أسمائه وما تضمنته من الصفات، فهو سبحانه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[الشورى:11].
إذا تبين لك هذا المعنى العام لهذه الجملة فقوله (النفي) و(التشبيه) و(التنزيه) هذه ألفاظ تحتاج إلى شرح، ونتناولها في مسائل:
1 - (النفي):

(1/165)


[المسألة الأولى]:
أن النفي يشمل أشياء:
- أن ينفي صفات الله - عز وجل - كلها.
- أو أن ينفي أكثرها.
- أو أن ينفي بعضا منها
@ فالذين نفوا كل الصفات هم الجهمية.
@ والذين نفوا أكثر الصفات هم المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.
@ والذين نفوا بعض الصفات طوائف كثيرون من المفسرين ومن شراح الأحاديث، يغلطون فيثبتون في موضع ويناقضون أنفسهم فينفون في موضع آخر.
فإذا النفي من جهة أصله فيه هذه الدرجات، والدرجة الأخيرة وهي نفي بعض الصفات فأكثر ما يغلط فيه من غلط من المفسرين وشراح الحديث في الصفات التي هي من جهة صفات الأفعال.
وهذه يعني الصفات الاختيارية مثل: الرضا والغضب والنزول والمقت والأسف وأشباه ذلك من الصفات.
فالصفات الاختيارية قل من ينهج فيها منهج السلف الصالح؛ وذلك لأن الباب باب واحد في الصفات الذاتية وفي الصفات الفعلية.

(1/166)


[المسألة الثانية]:
- النفي تارة يتوجه لأصل الصفة.
- وتارة يتوجه لظاهر الصفة.
- و تارة يتوجه لكيفية الصفة.
- و تارة يتوجه إلى معنى الصفة.
1 - المرتبة الأولى توجهه لأصل الصفة: ينفي أصلا اتصاف الله - عز وجل - بالسمع، ينفي أصلا اتصاف الله - عز وجل - بالحكمة، ينفي أصلا اتصاف الله - عز وجل - بالعلم، وهكذا.
2 - المرتبة الثانية توجهه لظاهر الصفة: فيقولون نثبت الصفة لكن ظاهرها غير مراد، كيف؟
يقولون: نثبت الاستواء لكن ليس على ظاهره، فالاستواء له معنى غير المعنى الظاهر المتبادر منه، له معنى آخر.
وهؤلاء على فرقتين:
- منهم من يقول: المعنى كيت وكيت.
- ومنهم من يقول: المعنى لا أحد يعلمه.
فأما الأولون فهم المؤولة.
وأما أصحاب القول الثاني فهم أهل التجهيل الذين يسميهم العلماء المفوضة، يثبتون لكن يفوضون كل الصفة لله - عز وجل -، لا يعلمون لها معنى، ولا يعلمون لها كيفية، جميع الصفة منفية؛ يعني مثبتة لكن منفي العلم بها.
3 - المرتبة الثالثة توجهه لكيفية الصفة: هذا النفي الذي يتجه إلى كيفية الصفة هذا واجب، وهو منهج أهل السنة والجماعة فإننا ننفي العلم بالكفية؛ لأن الله سبحانه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[الشورى:11]، فنثبت الصفة مع نفينا للكيفية.
وهذا المعنى ليس مرادا في قوله (ومن لم يتوق النفي)؛ بل هذا نفي واجب وهو أن ننفي علمنا بالكيفية.
فالكيفية لا يعلمها إلا الله - عز وجل -، كما قال - عز وجل - {وما يعلم تأويله إلا الله}[آل عمران:7].
4 - المرتبة الرابعة توجهه لمعنى الصفة: والنفي المتجه للمعنى هذا يثبت كثيرون الصفة لكن ينفون المعنى؛ يقولون ليس لها معنى، ليس لها معنى مطلقا؟
فاسم الرحيم هو العليم، والرحمة هي العلم؛ لكن لما تعلقت إرادة الله بالمعين فرحم سمي هذا التعلق رحمة، لما تعلقت به قدرة سمي ذلك قدرة إلى آخره.
فيقولون هي من جهة قيامها بذات الرب - عز وجل - شيء واحد، ولذلك ننفي أن يكون لهذه الصفات معاني متعددة، وهذا يشترك فيه جملة من أصحاب المذاهب المختلفة.
فقوله إذا (ومن لم يتوق النفي) يدل على أن ترك النفي مطلوب وواجب، وهو ألا تنفى أصل الصفات، وألا ينفى الظاهر، وألا ينفى العلم بالمعنى؛ بل ينفى شيء واحد وهو الكيفية دونما سواها.
2 - (التشبيه):
التشبيه مصدر شبهه بغيره تشبيها، أو شبه الشيء بكذا تشبيها.
فالتشبيه: هو جعل المخلوق مشابها لله - عز وجل -، أو جعل الله - عز وجل - مشابها في صفاته للمخلوقات.

(1/167)


[المسألة الثالثة]:
التشبيه مراتب أيضا:
1 - فالمرتبة الأولى التشبيه الكامل وهو المساوي للتمثيل:
يعني أن يقول يده كيدي، كقول المجسمة والعياذ بالله، وصورته كصورتي والعياذ بالله، وأشباه ذلك، فهذا تشبيه كامل؛ يعني شبه الله - عز وجل - بالمخلوق من جهة الصفة في الكيفية وفي المعنى.
وهذا كفر بالله - عز وجل - {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} والمشبه يعبد صنما، الممثل يعبد صنما.
فهو تخيل في نفسه صورة للرب - عز وجل - فجعلها عليه.
وهذا كما قلنا لكم لا يمكن أن يكون لله - عز وجل - في ذاته وصفاته شيء يتخيله العبد أو يتصوره؛ لأنه كل ما خطر ببالك فالله - عز وجل - بخلافه، كل ما جاء في بالك فالله ـ بخلافه.
لأن المعرفة واستقبال المعارف والإدراكات في الإنسان ستأتي شيئا فشيئا.
وهو أصلا جاء من غير إدراك.
والله - عز وجل - جعل له السمع والبصر والفؤاد ليدرك.
فإذا كل المدركات في الإنسان مجلوبة له من واقع ما رأى، ومن واقع ما سمع، أو من واقع ما قارن.
والشيء الذي لم يره ولم يسمعه وليس ثم ما يقارن به، فكيف تحصل له معرفته؟
ولذلك تجد أن الإنسان لا يمكن أن يتصور شيء ما رآه أو رأى مثيلا له أو رأى ما يقاس عليه؛ ما يجتمع هو وإياه في أشياء.
ما يمكن أن يتصور شيء لم يره أصلا أو لم ير مثيلا له.
لكن لو رأى ما يقاس عليه ممكن، لو رأى مثيلا له ممكن.
مثلا تقول الإنسان الياباني مختلف في صورته عنا لكن يبقى التخيل العام عندك أنه ما دام أنه إنسان فهو على هذه الصفة.
تقول مثلا الخبز في بلد له شكل غريب، أنت لا تتصور هذا الشكل لكن تعرف الخبز ما هو من حيث الصفة؛ لأنك تعرف أن ذاك سيكون في مادته مشابها لهذا الذي عرفته.
لو ذكر لك شيء غريب، مثلا في بلد من البلاد رأينا بناء عجيبا جدا، ممكن أن تتصور البناء على نحو ما إذا كنت رأيت شبيها له أو ما يقاس عليه؛ أو مركبات هذا البناء وطريقة البناء وأنه أدوار مثلا.
مثلا: شرح لك عن الأهرامات من صفتها كذا وكذا، يمكن أن تتصور لأنك رأيت مثيلا له، رأيت ما يقاس عليه، رأيت ما يمكن أن تعقد مقارنة فتصل على نوع إدراك لذلك.
أما الرب - عز وجل - وتقدست أسماؤه وصفاته فلا يقاس بخلقه ولم ير مثيلا له - عز وجل - ولا يقارن بشيء، ولذلك كل ما يخطر في البال إنما هو من جراء إدراكات مختلفة لا يمكن أن يكون منها حقيقة الرب - عز وجل -.
ولهذا كل ما خطر في بالك فالله - عز وجل - بخلافه، فإذا استرسل مع هذا وشبه فإنه يعبد صنما.
يعني تخيل في نفسه صورة وهيأ له إلها يكون على نحو ما فعبده.
ولهذا قال أئمة السلف (المشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدما).
هذا التشبيه الكامل هو التمثيل
وهذا التمثيل أو التشبيه:
- قد يكون في الذات بأجمعها.
- وقد يكون في صفة من الصفات.
قد يقول: الله ـ مثلي، على صفتي -والعياذ بالله- وهذا كفر.
أو يقول: يده كيدي، وسمعه كسمعي، وعينه كعيني وأشباه ذلك وهذا أيضا كفر بالله - عز وجل -.
2 - المرتبة الثانية التشبيه في بعض الصفة، لا في الكيفية ولكن في المعنى:
فيقول: الكيفية لا نعلمها لكن معنى الصفة في الله - عز وجل - هو معناها في المخلوق.
وهذا أيضا مما ينبغي تجنبه؛ لأن صفة الرب - عز وجل - معناها في حقه كامل لا يعتريه نقص من وجه من الوجوه، وأما في المخلوق فهو فيه الصفة ولكنها ناقصة تناسب نقص ذاته.
ولهذا يقال في مثل هذا: إن الله - عز وجل - له الكمال المطلق في صفة السمع، والمخلوق متصف بالسمع، أو تقول لله - عز وجل - سمع وللمخلوق سمع وليس السمع كالسمع؛ يعني في أصل المعنى موجود سمع وسمع؛ لكن في تمام المعنى وكماله مختلف ليس الاتصاف في الله - عز وجل - مثل الاتصاف في المخلوق.
3 - المرتبة الثالثة تشبيه العكس وهو تشبيه المخلوق بالخالق والعياذ بالله:
وتشبيه المخلوق بالخالق، يعني أن يجعل للمخلوق صفة من صفات الله - عز وجل -.
مثل أن يغيث أو أنه يسمع وهو غائب، أو أن له قدرة أو أن له تصرف في الكون أو أشباه ذلك.
وهذا كحال عباد الأصنام والأوثان والقبور وعباد عيسى والملائكة وعباد الأولياء، كلهم على هذه الصفة، يجعلون للمخلوق بعض صفات الله - عز وجل -.
وهذا لاشك أنه تشبيه وهو في حد ذاته من جهة التشبيه كفر لمن اعتقده.
فمن وصف المخلوق بصفة الله - عز وجل - من تصريف الكون أو يقولون فلان من الأولياء له ربع الكون يتصرف فيه أوله نصف الكون يتصرف فيه، أو فلان الملك له التصرف في الملكوت بنفسه فيطلب منه ويستغاث به ويسأل أو يلجأ إليه ونحو ذلك، من الأموات أو من الغائبين.

(1/168)


فكل هذا تشبيه للمخلوق بالخالق وتمثيل للمخلوق بالخالق وهو شرك بالله - جل جلاله -.
لهذا لم يطلق أكثر السلف نفي التشبيه، وإنما أطلقوا نفي التمثيل؛ لأن الله - جل جلاله - قال {ليس كمثله شيء}.
ولفظ التشبيه لم يرد فيه النفي في الكتاب ولا في السنة فيما أعلم، وإنما ورد لفظ التمثيل {ليس كمثله شيء}.
وفرق ما بين التمثيل وبين التشبيه:
- فالتمثيل: معناه المساواة هذا مثل هذا؛ يعني يساويه في صفة أو في صفات.
- أما التشبيه فهو من التشابه، وقد يكون التشابه كاملا، فيكون تمثيلا، وقد يكون التشابه ناقصا فيكون في كل المعنى أو في أصل المعنى على نحو ما فصلت لك(1).
فإذا إذا قيل لا نشبه فلا يندرج في ذلك إثبات أصل المعنى، يعني التشابه في المعنى.
لأنه لا يستقيم إثبات الصفات إلا بمشابهة في المعنى، ولكن ليس مشابهة في كل المعنى، ولا في الكيفية؛ لأن هذا تمثيل.
* فلهذا لا يطلق النفي للتشبيه، لا نقول التشبيه منتفيا مطلقا، كما يقوله من لا يحسن، بل يقال التمثيل منتف مطلقا.
أما التشبيه فنقول: التشبيه منتف؛ فالله ـ لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء.
وينصرف هذا النفي للتشبيه في الكيفية أو في تمام المعنى في كماله.
3 - (التنزيه):
(التنزيه) يعني تنزيه الرب - عز وجل - عما لا يليق بجلاله وعظمته.
قال (لم يصب التنزيه) فالذي لم يحذر النفي ولم يحذر التشبيه، فإنه يزل ولن يصيب تنزيه الرب - عز وجل - عما لا يليق بجلاله وعظمته.
والتنزيه هو التسبيح؛ فمعنى ذلك أن من نفى أو شبه فإنه لم يسبح الله - عز وجل - كما يليق بجلاله وعظمته.
لأن معنى سبحان الله هو: تنزيها لله، والكون كله يردد سبحان الله وبحمده، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}[الإسراء:44].
فإذن من الواجب أن ينزه الله - عز وجل - عما لا يليق بجلاله وعظمته.
ولهذا نقول: إن اتقاء النفي والتشبيه هو طريق التنزيه والتسبيح الحق لله - عز وجل -.
فالمعتزلة الجهمية والمبتدعة من الأشاعرة والكلابية وسائر الطوائف التي نفت بعض الصفات هؤلاء لم ينزهوا الرب - عز وجل - عن ما لا يليق بجلاله وعظمته بل وقعوا في شيء من عدم التنزيه.
لذلك قال (ولم يصب التنزيه) يعني لم ينزه سواء أكان مراده التنزيه فأخطأ أو هو في الحقيقة لم ينزه؛ لأنه ما نزه الله - عز وجل - عما لا يليق بجلاله وعظمته؛ لأن الله سبحانه له الكمال المطلق في الاتصاف بالصفات.
فمن لم يثبت جميع الصفات، فهو لم يثبت الكمال المطلق، فمعناه أنه نقص حمده لله - عز وجل - ومعنى ذلك أنه لم ينزه الله - جل جلاله - عما لا يليق بجلاله وعظمته.
وهذه الجملة عظيمة من كلام الطحاوي رحمه الله (ومن لم يتوق النفي والتشبيه، -يعني من سائر طوائف الضلال- زل ولم يصب التنزيه) وإن زعم أنه ينزه فإنه لم يصب، وهذا يكثر في المعطلة وفي المؤولة وفي النفاة، يقولون: نفينا وأولنا وعطلنا لأجل التنزيه.
وهذا يرد عليهم بأن ما فعلتموه هو وصف لله بالنقائص، وليس تنزيها للرب ـ.
__________
(1) راجع المسألة الثالثة (الشريط 1/ص 16)

(1/169)


ثم علل ذلك بقوله (فإن ربنا - عز وجل - موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية.)
________________________________________________
هذا أخذه من قول الله - عز وجل - {قل هو الله أحد(1)الله الصمد(2)لم يلد ولم يولد(3)ولم يكن له كفوا أحد(4)}[الإخلاص].
قوله {قل هو الله أحد}، (أحد) يعني واحد في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، فليس له شريك في ملكه، وليس له مثيل في صفاته وأفعاله، وليس له ند في فردانيته وفي صمدانيته عز وجل .
ولهذا بعدها جاء بأنواع التوحيد قال {قل هو الله أحد(1)الله الصمد} يعني الذي تصمد إليه المخلوقات بأجمعها في طلب ما ينفعها ودفع ما يضرها.
فإذا في قوله {الله الصمد} إثبات توحيد الإلهية.
قال {لم يلد ولم يولد} وهذا فيه إثبات التفرد بالربوبية.
قال {ولم يكن له كفوا أحد} وهذا فيه توحيد الأسماء والصفات، فلا أحد يكافئه ويماثله، فلذلك هو - عز وجل - أحد في أسمائه وصفاته وأفعاله جل جلاله.
قال(فإن ربنا - عز وجل - موصوف بصفات الوحدانية) يعني أنه متوحد في صفاته.
(منعوت بنعوت الفردانية) يعني أن كل نعت ينعت به الرب - عز وجل - على أساس أنه منفرد فيه، فهو سبحانه فرد في أسمائه وصفاته وذاته، فهو سبحانه وتر وفرد، وصفاته هو فيها سبحانه فرد فلا يماثله شيء ولا يشاركه فيها أحد - جل جلاله -.
إذا تبين لك ذلك فالصفة والنعت هنا غاير بينهما قال (موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية)، والصفة والنعت في اللغة متقارب.
وهو لم يرد التفريق ما بين الصفة والنعت لأن الله سبحانه له الصفات العلى وله النعوت العلى، له المثل الأعلى.
والصفة والنعت هي المثل في القرآن في قوله {وله المثل الأعلى}[الروم:27]؛ يعني له النعت والصفة العليا ـ، أما المخلوق فله الوصف الأدنى الذي يناسب ذاته الوضيعة الضعيفة المحتاجة.
صفات الرب - عز وجل - ونعوته تنقسم إلى أقسام باعتبارات مختلفة:
& فتنقسم باعتبار قيامها بالرب - عز وجل - إلى قسمين:
- إلى صفات ذات.
- وإلى صفات فعل.
@ القسم الأول صفات الذات: وهي التي لا ينفك ربنا - عز وجل - عن الاتصاف بها، لم يزل موصوفا بها وهو متصف بها دائما، مثل الوجه والعينين واليدين، مثل الرحمة والسمع والبصر، فإن الله سبحانه لم يزل ذا وجه وذا سمع وذا بصر ـ، وكذلك في صفاته الذاتية، ومنها صفة الرحمة، فالله - عز وجل - متصف بصفة الرحمة وهي ملازمة له ـ.
@ القسم الثاني صفات الأفعال: وصفات الفعل لله - عز وجل - يسميها بعض الناس من أهل العلم الصفات الاختيارية، وهي التي يفعلها ربنا - عز وجل - تارة ولا يفعلها تارة، صفات الفعل هي التي تقوم بالرب - عز وجل - بمشيئته وقدرته ـ.
وهذه الصفات التي هي الصفات الاختيارية أول من نفاها بخصوصها الكلابية، وتبعهم على ذلك أبو الحسن الأشعري؛ يعني ابن كلاب أول من نفاها ثم تبعه أصحابه ثم تبعهم أبو الحسن.
& من جهة أخرى نقسم الصفات إلى قسمين:
- إلى صفات جلال.
- وإلى صفات جمال.
@ القسم الأول صفات الجلال: هي الصفات التي فيها نعت الرب - عز وجل - بجلاله وعظمته وقهره وجبروته ـ، وهي التي تجلب في قلب الموحد الخوف منه ـ، مثل صفة القوة،القدرة،القهر،الجبروت وأشباه ذلك.
صفات الجلال يعني من تأملها أجل الله - عز وجل - وهابه وخافه ـ.
@ القسم الثاني صفات الجمال: وصفات الجمال هي الصفات التي تبعث في قلب الموحد [....] الرب - عز وجل - والأنس به وبلقائه وبمناجاته وبالإنابة إليه، وهذه صفات كثيرة لله - عز وجل -، مثل صفة الرحمة والرأفة والمغفرة وقبول التوبة والسلامة؛ اسم الله السلام، والمؤمن وأشباه ذلك.
فإذا صفات العظمة هذه يقال لها صفات جلال، وصفات ونعوت الرحمة والمحبة يقال له صفات جمال، هذا اصطلاح لبعض علماء السنة وهو اصطلاح صحيح.
ولهذا في الختمة التي تنسب لشيخ الإسلام ابن تيمية رجح طائفة من أهل العلم أن تكون لشيخ الإسلام لورود هذا التقسيم فيها، وهو قوله في أولها ((صدق الله العظيم المتوحد بالجلال لكمال الجمال تعظيما وتكبيرا)).
ولا أعلم من أشهر هذا التقسيم قبل شيخ الإسلام ابن تيمية -يعني تقسيم الصفات إلى صفات جلال وجمال.
وفي هذه الختمة جمل معروفة في الاستعمال عن شيخ الإسلام دون غيره.
وابن القيم رحمه الله بحث صفات الجلال والجمال في بعض كتبه.
& التقسيم الثالث للصفات:
- صفات ربوبية.
- وصفات ألوهية.
هذا باعتبار التوحيد؛ يعني رجوع الأسماء والصفات إلى نوعي التوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
@ القسم الأول صفات ربوبية: وهو ما كان من أفراد الربوبية: مثل الملك والهيمنة والانتقام والقدرة والقوة والإحاطة وأشباه ذلك.

@ والقسم الثاني صفات الألوهية: وهي التي وحد العبد ربه - عز وجل - بها مثل اسم الإله وما فيه، مثل الصمد وأشباه ذلك مما فيه توجه من العبد إلى الرب جل جلاله.

(1/170)


قال بعدها (وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.)(1)
________________________________________________
هنا ذكر هذه الألفاظ متابعة لما جرى عليه المتكلمون في زمنه.
وهو ذكرها بعد إثبات، فأثبت الصفات ثم نفى.
وقاعدة أهل السنة والجماعة: أن النفي يكون مجملا وأن الإثبات يكون مفصلا.
ففي قوله هذا نوع مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة؛ لكن كلامه محمول على التنزيه بعد الإثبات.
والتنزيه بعد الإثبات يتوسع فيه لأن طريقة أهل البدع أنهم ينزهون أو ينفون بدون إثبات.
ينفون مفصلا ولا يثبتون.
ولكن المؤلف أثبت مفصلا ونفى وكان في نفيه بعض التفصيل.
ولهذا نقول: عند الاختيار لا نقول هذا الكلام ( تعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء ونحو ذلك) عند الاختيار لا نقوله كما ذكرت لك وذلك أن هذه الألفاظ فيها مخالفة من أوجه:
1 - الوجه الأول: أن هذا نفي مفصل، وهو مخالف لطريقة أهل السنة؛ لأن طريقتهم مأخوذة من قوله تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[الشورى:11]، فنفى مجملا وأثبت مفصلا.
2 - الوجه الثاني: أن هذه الكلمات لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، فلهذا الذي لم يرد لا يحسن أن ننفيه ولا أن نثبته؛ لأن طريقتنا هو اقتفاء الكتاب والسنة.
فلفظ الحد والغاية والركن والأعضاء والأدوات والجهات، كل هذه ما جاءت في القرآن ولا في السنة، فلذلك لا نثبتها ولا ننفيها.
* وليس معنى النفي أنها محتملة، فإذا قال أهل السنة (لا ننفيها) لا يفهم منه يعني أن معناها محتملة، لا؛ ولكن لا ننفيها لأننا لا نتجاوز القرآن والحديث، هذا أمر غيبي كيف نتجاسر عليه بدون دليل.
فلذلك نقول لا نثبت إلا بدليل ولا ننفي إلا بدليل.
فإذا استعمال هذه الألفاظ لا يسوغ، والمؤلف يؤاخذ -رحمه الله- في استعماله هذه الألفاظ؛ لأنها من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة.
طبعا الحد والغاية متقارب في أن يكون له حد ينتهي إليه اتصافه بالصفة، وفي هذا مسألتان:
__________
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث عشر.

(1/171)


[المسألة الأولى]:
أن طائفة من العلماء لما ذكروا الاستواء على العرش لله - عز وجل - سئلوا: بحد؟
قالوا: بحد.
وهم طائفة من أئمة أهل السنة كابن المبارك والثوري وجماعة من الأئمة، وهذا يوجه بأن استعمالهم لفظ (الحد) مع أنه لم يأت في الكتاب والسنة لأجل أن يبطلوا دعوى الجهمية في أن الله في كل مكان.
وإذا احتاج الموحد لبيان عقيدته في المناظرة إلى كلمات توضح الأمر فإنه لا بأس باستعمالها للمصلحة؛ لكن لا تثبت عقيدة مستقلة.
يعني إذا جاء أحد يقول: ما هي عقيدتك؟ فلا تقل: عقيدتي أن الله مستوى على عرشه بحد.
إنما نقول: هو - عز وجل - مستو على عرشه.
إذا احتيج إلى ذلك في مقامه فقد يقال ذلك؛ لأن لفظ (بحد) يعني أنه ليس مختلطا بخلقه - جل جلاله -.
فهو سبحانه الحدود والغايات التي تنتهي إليها صفاته كما قال (تعالى عن)، لأن الله سبحانه ليس لصفاته حد يعلمه البشر.
قال (تعالى عن الحدود) يعني المعلومة (والغايات) المعلومة.

(1/172)


[المسألة الثانية]:
يشكل على هذا ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره وهو قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الرب - عز وجل - «حجابه النور. لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»(1)، فهل معنى ذلك أن البصر محدود بالخلق؟
والجواب عن ذلك: أن هذا إحالة على -يعني في قوله «ما انتهى إليه بصره من خلقه»- في أن الإحراق إحراق السبحات لما انتهى إليه البصر.
والبصر لا ينتهي لحد، فكذلك الإحراق لا ينتهي لحد.
فإذا هو بناء شيء على شيء، فلا يثبت الثاني لأجل ورود الأول بل الثاني منفي فكذلك الأول نقول ليس له حد.
«ما انتهى إليه بصره من خلقه» الله - عز وجل - ينفذ بصره في جميع بريته ـ، وكل ما سواه - عز وجل - مخلوق.
فإذا بصره ينتهي في جميع مخلوقاته، فإذا لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل مخلوقاته.
فإذا هذا ليس فيه إثبات الحد والغاية، وإنما هذا فيه إثبات أنه - عز وجل - مطلق في اتصافه بصفاته لا حد؛ يعني لذلك يثبت؛ بل نقول: هو سبحانه كامل في صفاته.
__________
(1) سبق ذكره (132)

(1/173)


قال(والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)
________________________________________________
هذه الألفاظ الثلاث -الركن والعضو والأداة-، هذه راجعة إلى الصفات الذاتية يعني مثل اليد، القدم، العينين ومثل الوجه إلى آخره، فهذا ينفي أن يكون هذا عضو أو ركن أو أداة أو نحو ذلك؛ لأن هذه الأشياء في المخلوق فينزه الرب - عز وجل - عنها، هذا مراده.
وكما ذكرت لك المقرر أن هذه الأشياء لا تقال لا نفيا ولا إثباتا؛ بل لا نذكر ذلك؛ لأن الله سبحانه أعظم من أن ينفى عنه استعمال هذه الألفاظ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

قال (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات).
(المبتدعات) يعني المخلوقات.
وقوله (كسائر المبتدعات) سائر في اللغة تستعمل بمعنى بقية، ولذلك قيل لبقية الشراب سؤر.
فكلمة سائر يعني البقية، تقول مثلا أتاني محمد وسائر الإخوان. يعني وبقية الإخوان.
لكن هنا استعملها بمعنى (كل) (كسائر المبتدعات) يعني ككل المخلوقات.
المخلوقات تحويها الجهات الست.
(لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) الجهات الست ما هي عندهم؟
الجهات الست أمام وخلف ويمين وشمال وأعلى وأسفل.
هذه الجهات الست مخلوقة، وهذه المخلوقة لا تحوي الرب - جل جلاله -؛ بل الله ـ فوق مخلوقاته.
لكن ما من مخلوق من هذه الجهات الست إلا وهو نسبي إضافي ليس مطلقا.
فما من شيء إلا وأمامه شيء، وهو أمام شيء، وهو يمين شيء وثم شيء آخر يمين، وهكذا.
مثل ما نقول: نحن الآن أسفل -يعني في أرض المسجد-؛ لكن بالنسبة لمن تحتنا -في القبو مثلا إذا كان فيه قبو- نحن فوق مثلا، واحد ساكن في أدوار الدور الأول فوق الدور الأرضي فهو أعلى؛ لكن هو بالنسبة للدور الثاني أسفل.
إذا الجهات هذه ليست مطلقة، وإنما هي نسبية.
فتقول: يمين، ليس ثم يمين مطلق في حياة المخلوقات وإنما هو يمين إضافي.
لا تقل شمال مطلق إنما هو شمال إضافي.
أمام مطلق إنما هو أمام إضافي؛ يعني نسبي تنسبه إليك وتنسبه إليك.
تقول أمامي، أمام فلان، يمين فلان إلى آخره.
ولهذا الجهة -جهة العلو- إذا نسبتها للمخلوق فثم جهة لنا هي حال وثم جهة لمن هم في الجهة الثانية من الأرض هي لها حال أخرى، فنحن جهة العلو عندنا فوق، وجهة السفل هم، وهم بالعكس يعني الذين في الجهة الثانية من الأرض.
إذا فجهة العلو وجهة السفل هذه نسبية لك، تقول: هذا أعلى، ليس هذا هو العلو المطلق
هذا العلو المنسوب إليك.
والذي في الجهة الثانية من الكرة الأرضية العلو هو المنسوب إليه.
فإذن هذه أمور نسبية في الجهات.
فإذا أردت المطلق فثم شيء واحد فقط وهو العلو المطلق على جميع المخلوقات، غير منسوب لطائفة من المخلوقات أو لبعض المخلوقات، وهو علو الرب جل جلاله.
* إذا فنقول: هذه الجهات الست إذا أريد بها النسبي، فنقول نعم الله سبحانه وتعالى لا تحويه الجهات النسبية؛ يميني وفوقي وأمامي وشمالي وإلى آخره، لا تحويه.
لكن المطلق لا نقول تحوي ولا ما تحوي؛ لأن الله سبحانه فوق مخلوقاته، والمخلوقات هذه محتاجة إليه، لكن له العلو المطلق، هو سبحانه - عز وجل - كلتا يديه يمين، اليمين المطلق ليس النسبي، وهو سبحانه وسع كل شيء، واسع ـ.
فإذا تنتبه إلى أن هذه المخلوقات نسبية وليست مطلقة.
فإذا قوله (لا تحويه الجهات الست) ليس في هذا منحى من منحى أهل البدع في نفي العلو، لا؛ لكن هذه يعني بها الجهات الست النسبية كسائر المخلوقات.
كل مخلوق لابد أن يكون محصور بهذه الجهات؛ يعني أعلى أسفل يمين شمال والثاني كذلك والثالث كذلك.
وهذه مسألة مهمة تفيدك في كل ما يوصف الرب - عز وجل - به لا تقسه بالمخلوق؛ اجعله مطلقا.
مثل الآن مسألة النزول «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر(1)» أو «في النصف الآخر من الليل» أو «آخر كل ليلة» على اختلاف الروايات والألفاظ.
هذه ثلث الليل هل هو منسوب لك أو منسوب للزمان المطلق؟
هنا ننسبه للزمان المطلق، الذي يدخل فيه الزمان النسبي بالنسبة للمخلوق الواحد.
كذلك جهة العلو أنت تدعو ربك - عز وجل - إلى أعلى، ونعلم أنه فوقنا ـ، ومن هو في الجهة الثانية هو فوقه أيضا وهو في جهة أخرى، نحن مثلا نتجه كذا وهو في الجهة الثانية من الأرض يتجه عكس الاتجاه، أليس كذلك؟
لكن هذا علو نسبي وهذا علو نسبي.
وإذا أردت العلو المطلق فتأمل قول الله - عز وجل - {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة}[الزمر:67]، وتأمل أن السموات السبع الأرض بالنسبة لها صغيرة، والسموات السبع بالنسبة للكرسي صغيرة، والكرسي بالنسبة للعرش أيضا كحلقة ألقيت في ترس صغير.
فإذا كلها تتلاشى، ويبقى الإطلاق في الزمان وفي المكان بما يجعل معه أن تصور العبد لما يوصف الله - عز وجل - به نسبيا يجني على نفسه ويدخل في النفي أو التشبيه.
فيجب أن يكون ما يؤمن به الموحد من صفات الله - عز وجل - على ما جاء في الكتاب والسنة، وكل ما جاء هو على الإطلاق، لا على ما تعرفه أنت من نفسك.
والإطلاق اللائق بالله - عز وجل - يدخل فيه ما يختص بالمعين من المخلوقين، تبارك ربنا وتعاظم وتقدس ـ وسع كل شيء رحمة وعلما، وكان الله بكل شيء محيطا جل جلاله وتقدست أسماؤه.
نقف عند هذا والأسبوع القدم إن شاء الله من قوله (والمعراج حق).
وأسأل الله سبحانه أن ينفعنا وإياكم في هذه العقيدة، وأن يجعلنا صالحين مصلحين، وأن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
__________
(1) البخاري (1145)/ مسلم (1808)

(1/174)


الأسئلة:
س1/ يا شيخ، قلنا المخلوق له ملك، والله ـ له ملك، وملك الإنسان مقيد، وأن ملك الله مطلق، هل هذا صحيح؟
ج/ ملك الله مطلق في الأشياء، صحيح، ملك الإنسان مقيد، صحيح.
س2/ هل الفرد اسم لله؟
ج/ لا، ليس من الأسماء الحسنى الفرد، لكن الإخبار عن الله - عز وجل - بأنه فرد موافق لاسم الله الصمد والأحد وأشباه ذلك.
س3/ قلت نفي الكيفية واجب، فهل نفي الكيفية هو الواجب أم تفويض الكيفية؟
ج/ الجواب أن النفي؛ يعني نفي الكيفية المعقولة، نفي العلم بالكيفية، أما اتصاف الرب - عز وجل - بالصفات بكيف، هو سبحانه في صفاته متصف بها بكيف بكيفية، لكن نعلمها؟ لا نعلمها.
فإذا النفي يتوجه إلى العلم بالكيفية، لا إلى وجود الكيفية.
س4/ ذكرت أن صفة الرحمة صفة جمال، فهي اختيارية وذكرت أنها ذاتية؟
ج/ ما ذكرت أن صفة الرحمة اختيارية، التقسيمات غير متساوية، هذه تنتبه لها في العلوم جميعا، إذا قسمنا الصفات إلى ذاتية وفعليه، ثم باعتبار آخر -يعني باعتبار نوعها- إلى جلال وجمال، لا يعني أن الجلال هي الذاتية والجمال هي الاختيارية، لا، هذا تقسيم آخر.
مثل ما نقول مثلا: شرك أكبر وأصغر، شرك ظاهر وخفي، مو معنى الكبر والأصغر، أن الخفي هو الأصغر، الخفي منه أكبر مثل شرك المنافقين.
مثل غلط من غلط، تقسيم الكفر إلى كفر أكبر وأصغر، ثم قسم باعتبار آخر إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، فظن أن كفر العمل هو الكفر الأصغر، وأن كفر الاعتقاد هو الكفر الأكبر، هذا ليس بصحيح، فمن فهم من كلام ابن القيم رحمه الله في تقسيم الكفر إلى أكبر وأصغر، ثم إلى كفر اعتقاد وكفر عمل: إن العمل هو الأصغر. هذا ليس بصحيح، حتى على كلام ابن القيم؛ لأن العمل هذا تقسيم باعتبار المورد، مورده يكون من جهة الاعتقاد، ومورده يكون من جهة العمل، فكفر العمل منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر -كما نبهنا عليه مرارا-، يعني في التقسيمات تنتبه.
مثل ما يقسم الأصوليون الواجب مثلا، يقولون:
الواجب ينقسم إلى واجب موسع وواجب مضيق، طيب.
ثم يقسمون باعتبار آخر إلى واجب عيني وواجب كفائي.
ثم يقسمون القسمة الثالثة إلى: واجب معين وواجب مخير، مثل [خصال] الكفارة.
فإذا هناك تقسيم، التقسيم باعتبارات مختلفة، وإذا علمت التقسيم مع جهة اعتباره فهمت العلم، أما التقسيم هذا مطلقا بدون أن تفهم جهة اعتبار التقسيم فهذا يحدث لبسا.
س5/ هل الإنسان إذا رأى ربه في المنام تكون الرؤية صحيحة؟
ج/ مثل ما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رأيت الليلة ربي في أحسن صورة(1)»، يرى المؤمن ربه - عز وجل - في صورة إيمانه بالله، فإذا كان إيمانه بالله كاملا رأى صورة حسنة أحسن الصور، وإذا كان إيمانه بالله ناقصا رأى صورة تناسب إيمانه؛ لكن ما يرى في المنام الرب - عز وجل - على ما هو عليه جل جلاله.
س6/يسأل عن وصف اليمين والشمال لله - عز وجل -.
ج/ هذا جاء في حديث رواه مسلم(2) وأثبته طائفة من أهل العلم.
والصواب عندي عدم إثبات صفة الشمال لله - عز وجل -.
س7/ ذكرت في هذا الدرس: صفة العين مع عدم وروده، فما وجه ذلك؟
ج/ كيف صفة العين مع عدم وروده؟!! الله - عز وجل - متصف بهذه الصفة كما قال سبحانه {فإنك بأعيننا}[الطور:48]، وقال سبحانه {تجري بأعيننا}[القمر:14]، والجمع هذا يراد به المثنى؛ لأن لغة العرب إذا أضافت المثنى إلى ضمير تثنية أو إلى ضمير جمع جمعت المثنى، كما في قوله تعالى {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}[التحريم:4]، مع أن لهما قلبين: قلب عائشة وقلب حفصة، {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} أصل الكلام: فقد صغى قلباكما. لكن لما كانت التثنية تضاف إلى ضمير التثنية أو الجمع فيجمع الأول.
وقد ثبت في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة -أو طافية روايتان-، وإن ربكم ليس بأعور جل جلاله»(3)، العور في اللغة هو ذهاب أحد ما له منه اثنان؛ يعني أحد العينين؛ هذا العور، عينان ذهبت إحداهما قيل عور، فلهذا الدجال وصف بأنه أعور قال (وإن ربكم ليس بأعور)؛ يعني لا يشتبه عليكم الدجال له عين واحدة، والله سبحانه ليس بأعور؛ يعني له عينان.
ومن قال إن الآية {تجري بأعيننا} فيها إثبات الأعين لله - عز وجل -، فهذا باطل من جهتين:
الجهة الأولى: الإجماع فإن أهل السنة أجمعوا على أن الله موصوف بصفة العينين.
والجهة الثانية: أن الأعين مخالفة لقوله (وإن ربكم ليس بأعور)؛ لأن لفظة أعور في اللغة تدل على ذهاب إحدى العينين، فتكون الإضافة {تجري بأعيننا} هي إضافة مثنى إلى مجموع فجمع لأجل هذه الإضافة كما هو مقرر في لسان العرب يعني في لغة العرب.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.
__________
(1) الترمذي (3234)
(2) مسلم (7228)
(3) مسلم (444)

(1/175)


والمعراج حق، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى{ما كذب الفؤاد ما رأى}[النجم:11]. فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى.
والحوض الذي أكرمه الله تعالى به -غياثا لأمته- حق.
________________________________________________
هذه الجملة من كلامه اشتملت على تقرير الإسراء والمعراج، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به من مكة إلى بيت المقدس، وأنه عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء في اليقظة إلى حيث شاء الله - عز وجل - من العلو.
وهذه المسألة من المسائل الغيبية؛ يعني أن حقيقة الإسراء وحقيقة المعراج من الغيب الذي لم يعلم إلا من جهته صلى الله عليه وسلم.
يعني أن الله - عز وجل - أسرى بنبيه، ثم عرج به إلى السماء، فالعقل لا يدل على ذلك ولا يستلزمه، وإنما ذلك سلم به وكان حقا من جهة أن الله - عز وجل - أخبر به في كتابه وأخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم، فالإيمان به واجب، وهو حق لا مرية فيه.
وثم كما سمعت ارتباط ما بين الإسراء والمعراج.
والإسراء والمعراج معنيان مختلفان.
- فالإسراء: هو المشي في الليل، سرى أي مشى في الليل، وأسرى أي مشى ليلا.
- والمعراج: فهو مفعال من العروج، وهو اسم للآلة التي عليها عرج به صلى الله عليه وسلم.
والإسراء: هو الانتقال ليلا من مكة إلى بيت المقدس، وكان على دابة بين البغل وبين الحمار تسمى البراق، و العروج إلى السماء فكان على آلة، على سلم خاص وهو المعراج.
فإذن الإسراء اسم للفعل، والمعراج اسم للآلة التي عليها سار صلى الله عليه وسلم إلى السماء.
إذا كان كذلك، فالإسراء وهو المشي ما بين مكة إلى بيت المقدس ليلا في ساعات معدودة ثم الرجوع، هذا أمر غيبي عجيب، لهذا الإيمان به واجب بتفاصيله التي وردت، فيكون له أصل الكلام على الغيبيات.
فما جاء فيه يصدق دون تعرض للعقل فيه؛ يعني أن العقل لا مسرح له في الأمور الغيبية فكل ما جاء فيه حق دون تفكير فيه من جهة العقل؛ هل هذا يمكن عقلا أو لا يمكن.
كذلك المعراج وهو أبلغ في كونه غيبيا، فإن آلة العروج وذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات السبع يستفتح له من سماء على سماء إلى أن بلغ سدرة المنتهى إلى أن كلم الرحمن - جل جلاله -، هذا أمر غيبي،،ففي أصله وفي تفاصيله مندرج عليه قاعدة الغيبيات عند أهل السنة والجماعة.
إذا فهذا الذي ذكره الطحاوي أصل في الإيمان بالإسراء والمعراج، وأن الإسراء والمعراج أمران غيبيان، وإذا كان غيبيين فلا يتعرض لهما ولا لما جرى فيهما بتأويل أو تحريف يخالف ظاهر ما دلت عليه النصوص.
فالنص من الكتاب والسنة دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به ليلا في وقت قصير ما بين مكة إلى بيت المقدس.
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن جبريل جاءه وهو مضطجع في الحطيم، فأخذه فشق صدره ما بين ثغرة نحره إلى شعرته إلى أسفل بطنه، وكان أثر المخيط يظهر في صدره صلى الله عليه وسلم، فلما شقه أخرج قلبه وجيء بطست فيه الإيمان والحكمة، طست من ذهب، قال صلى الله عليه وسلم «فغسل قلبي به وحشي إيمانا وحكمة»(1)، وكان هذا لأجل أن يستعد صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الغريب؛ وهو أنه يقطع هذه المسافة الطويلة في الأرض في وقت وجيز ثم يصعد به إلى السماء فيحتاج إلى قلب خاص.
ومعلوم أن الإنسان إذا خاف أو استغرب فأول ما يتأثر قلبه.
فإذا كان قلبه لا يتأثر من الاختلاف، فإنه يتحمل بدنه ذلك بما أعد الله - عز وجل - له في ذلك.
قال «ثم أخذني جبريل فإذا دابة بين البغل والحمار، فقال: أركب فركبت، ثم سرنا إلى أن وصلنا بيت المقدس» إلى آخر الحديث.
فهذه الصفات وما جاء فيه مما حصل له في بيت المقدس من لقاء الأنبياء ومن صلاته فيه -يعني صلاته في بيت المقدس- ومن كونه صار إماما، واجتماع الأنبياء له، وكونه صلى الله عليه وسلم أمهم كل هذا وما ثبت في الأحاديث الصحيحة من الأمور الغيبية التي تجري عليها قاعدة أهل السنة والجماعة في الأمور الغيبية بأنه:
1 - يسلم بها.
2 - يؤمن بها.
3 - ألا يتعرض لها بتأويل يصرفها عن ظاهرها، أو بتحريف يصرفها عن حقائقها.
فنؤمن بها على ما جاء، من جنس جميع الأمور الغيبية التي أخبرنا بها - عز وجل -، أو أخبرنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم.

[قال(والمعراج حق، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعرج بشخصه في اليقظة).]
(في اليقظة) يعني ليس في المنام.
(وعرج بشخصه) يعني بجسده يعني بروحه، فنفهم من قوله (وعرج بشخصه) أنه عروج بالروح والجسد معا.
وقوله (في اليقظة) أنها ليست في المنام.
وقوله(وقد أسري وعرج) نفهم منه أنهما متلازمان كما قررت لك سالفا.

[قال(إلى السماء)]
والمقصود بـ(السماء) جنس السماء وهي السموات.

[قال (ثم إلى حيث شاء الله من العلا)]
يعني مما فوق السماء السابعة.

[قال (وأكرمه الله بما شاء)]
يعني من تكليمه ومن أنه رأى صلى الله عليه وسلم أشياء لم يرها غيره صلى الله عليه وسلم وما حباه الله - عز وجل - به.

[قال (وأوحى إليه ما أوحى)]
في شأن الصلاة وفي غيره.

[{ما كذب الفؤاد ما رأى}[النجم:11])]
{ما كذب الفؤاد ما رأى} هذه قد تفهم على أنه رأى ربه بفؤاده، يعني من حيث صياغة المؤلف.
وقد يفهم أنه أراد الاستشهاد بالآية {ما كذب الفؤاد ما رأى} يعني ما رآه في أثناء الوحي من الأنوار والآيات العظام.
__________
(1) مسلم (434)/ الترمذي (3346)

(1/176)


المعراج -كما ذكرت لك- آلة العروج وقد جاء وصفها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى في بيت المقدس أخذه جبريل، قال «فوجدت سلمين أحدهما ذهب والآخر فضة، فقال لي جبريل: اصعد فصعدت»، وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المعراج «وهذا هو الذي يشخص إليه البصر حين تفارق الروح البدن»(1) يعني أن هذا المعراج آلة خاصة يعرج بالبدن وبالروح في السماء بها.
فهي إذا آلة من جنس الآلات الله - عز وجل - أعلم بحقيقتها.
إذا تبين ذلك في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج، على هذا الوجه الإجمالي فثم هاهنا مسائل:
__________
(1) مسند الحارث – زوائد الهيثمي (27)

(1/177)


[المسألة الأولى]:
أن الإسراء والمعراج يربطان معا، وأهل العلم مختلفون في هل تكرر الإسراء والمعراج، أم كانا مرة واحدة، على أقوال كثيرة، وأهمها قولان:
1 - القول الأول:
أن الإسراء والمعراج لم يكونا إلا مرة واحدة.
2 - والقول الثاني:
أن الإسراء وقع مرتين، والمعراج وقع مرة واحدة، وهذا هو اختيار الحافظ ابن حجر.
والقول الأول أولى، وهناك من قال إن المعراج تكرر وأن الإسراء تكرر ثلاث مرات أو أربع مرات.
وسبب الاختلاف في تكرر وقوعه هو اختلاف الروايات، فكلما جاءت رواية فيها مخالفة لرواية أخرى مع ثقة النقلة قالوا: إن هذا يحمل على تعدد الوقوع.
ولكن هذا ليس بجيد ولا بصحيح حيث المنهج؛ لأن الإسراء كما هو ظاهر الآية وقع مرة واحدة {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا}[الإسراء:1].
وقد يكون ثم احتمال في بعض الروايات أن الإسراء وقع مرتين؛ لكن الأقرب لظاهر الأدلة أن الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة.

(1/178)


[المسألة الثانية]:
متى وقع الإسراء والمعراج؟
1 - القول الأول:
وهذا عليه أكثر أهل العلم على أن الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة، على تباين بينهم في هل السنة تحديدا أم السنة تقريبا؟
- فقال بعضهم سنة إلا شهر.
- وقال بعضهم سنة إلا شهرين.
- وقال آخرون ثمانية أشهر قبل الهجرة.
- وقال آخرون عشرة، إلى آخره.
وإذا تبين هذا الاختلاف في كونه قبل الهجرة بسنة لهذا القول، فإن معه عدم تحديد وقوع الإسراء والمعراج في شهر رجب.
واشتهر عند المؤرخين، أصحاب السير أن الإسراء والمعراج وقعا في رجب؛ ليلة السبعة والعشرين.
وهذا إنما هو عند طائفة من أهل السير، وأما أهل العلم المحققون من المحدثين والفقهاء ومن المفسرين فإنهم لا يحملون ذلك على الوقوع في شهر رجب بظهور، وإنما يقولون وقع قبل الهجرة بسنة.
ومعلوم أن الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، وإذا كان كذلك فقولهم قبله بسنة يعني أن الإسراء والمعراج لم يقع في رجب.
والأكثرون من أهل العلم على أنه أكثر من سنة: سنة وشهرين، سنة وثلاثة أشهر ونحو ذلك، والقليل من قال إنه ثمانية أشهر.
هذا قول أنه كان قبل سنة.
2 - القول الثاني:
أنه كان قبل ثلاث سنين.
3 - القول الثالث:
أنه كان قبل خمس سنين، واستدلوا على ذلك بأن خديجة صلت وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين أو بخمس سنين، قالوا: كيف تصلي وإنما فرضت الصلوات في ليلة المعراج؟ فكونها صلت يدل على أن المعراج وقع في حياتها، وهي ماتت قبل الهجرة بثلاث أو بخمس سنين.
والجواب عن هذا: أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين ركعتين؛ ركعة أول النهار وركعة آخر النهار، كما قالت عائشة رضي الله عنها (فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر)(1).
فخديجة رضي الله عنها كانت تصلي؛ ولكن لم تكن الصلاة المفروضة؛ الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج.
__________
(1) البخاري (350)/ مسلم (1602)

(1/179)


[المسألة الثالثة]:
الإسراء والمعراج هل وقعا بجسد النبي صلى الله عليه وسلم أم بروحه؛ يعني بجسده وروحه، أم بروحه فقط، أم كانا مناما؟
اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك:
- فقالت طائفة: كان الإسراء والمعراج بروحه.
- وقال آخرون: بل بروحه وبجسده.
ولم يقل أحد منهم: إن الإسراء والمعراج كانا مناما، فلهذا لا يسوغ أن ينسب هذا القول للسلف؛ بل قاله بعض العلماء الذين لم يدققوا الفرق بين قول من قال: إنه روح وبين أن يكون مناما.
والصواب الذي عليه عامة أهل السنة؛ أكثر أهل السنة: أنه كان بجسده وروحه معا في الإسراء والمعراج، ولم يقل أحد من المنتسبين لأهل العلم -فيما أعلم-: إنه أسري بجسده وروحه وعرج بروحه فقط، وإنما ثم اتفاق ما بين الإسراء والمعراج؛ لأنه لم يقل أحد أنه ذهب ونام في بيت المقدس. (1)

:[[الشريط الرابع عشر]]:

إذا نقول: الصواب أن الإسراء والمعراج كانا بروحه وجسده معا.
ويدل على ذلك أدلة منها:
1- أن الله - عز وجل - قال {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا}[الإسراء:1]
قوله{أسرى بعبده} العبد: اسم للجسد والروح معا، وليس اسما للروح، وإنما الروح تخص بالإضافة، فيقال: روح العبد، «روح عبدي فلان»، كما جاء في بعض الأحاديث، وكذلك الجسد يخص، فيقال: جسد فلان، أو جسد عبدي فلان؛ يعني إذا كان من الله - عز وجل -.
أما إطلاق لفظ العبد أو الإنسان فإنه يكون لمجموع الروح والجسد.
فإذا في قوله {سبحان الذي أسرى بعبده} دليل على أن الإسراء كان بالروح والجسد معا، وإذا كان في الإسراء كذلك، فالمعراج كان بهما جميعا.
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه كان مضطجعا في بيته، أو في بيت أم هانئ، ففرج السقف فنزل جبريل، وفي رواية (أنه صلى الله عليه وسلم كان مضطجعا في الحطيم)(2) -في الصحيحين- فأخذه جبريل فشق صدره ما بين ثغرة نحره إلى أسفل بطنه، استخرج قلبه إلى آخره، وهذه إنما تكون للجسد، ولا معنى للإسراء بالجسد بدون روح، فصار ثم تلازم ما بين الإسراء بالجسد والروح معا.
إلى أدلة أخرى في هذا المقام معروفة.
__________
(1) انتهى الشريط الثالث عشر.
(2) البخاري (3887)

(1/180)


[المسألة الرابعة]:
أن الإسراء والمعراج اختلفت فيها الأحاديث.
فمن الأحاديث ما أفرد فيه الإسراء دون المعراج، ومنها ما أفرد فيه المعراج دون الإسراء، وهي في الصحيح وفي غيره.
وما جرى في الإسراء وما جرى في المعراج يؤخذ من مجموع الأحاديث؛ يعني أن تجمع الروايات الصحيحة التي جاءت في الإسراء وجاءت في المعراج، وينظر ما حدث في الإسراء والمعراج.
يعني أن بعض الروايات -مثلا فيما رواه البخاري في صحيحه- قال «فأتاني جبريل فأخذني فأركبني على البراق فعرجت في السماء-أو فعرج بي إلى السماء- فاستفتح» وهذا فيه نقص؛ لأن العروج في السماء إنما كان بعد الذهاب إلى بيت المقدس.
وفي بعض الروايات فيها نقص.
المقصود أن الإسراء والمعراج تنوعت الروايات فيه، ونبه أهل العلم على أن أحد الروايات في الإسراء والمعراج -مما روي عن أنس رضي الله عنه أن فيها خلطا، وهي رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر في البخاري وفي غيره.
ومسلم رحمه الله حينما ذكر الرواية في صحيحه أشار إلى رواية شريك بن عبد الله عن أنس، وقال: فزاد ونقص -يعني شريكا- فزاد ونقص وقدم وأخر ولم يسق روايته، وفي روايته أغلاط عند أهل العلم، خالف فيها مجموع أهل العلم الذين رووا ذلك عن الصحابة.
إذا فمسألة الروايات بها يعلم ما حصل.
وبالنسبة للمعراج رواية الإسراء فيها يعني الإسراء والمعراج معا؛ يعني مجموع الروايات، فيه أن فيه وصف الدابة، وفيه تسميتها بالبراق.
وتسمية هذه الدابة بالبراق لأمرين:
الأول:
أنها في سرعتها كالبرق، وقد جاء في وصفها أنها -يعني البراق أو أن الدابة- تضع حافرها حيث ينتهي بصرها، ومعلوم أن الإسراء كان بالليل ومعنى ذلك أنها تبصر ليلا وأن سرعتها عظيمة، فلذلك كان من أوجه تسميتها بالبراق أن سرعتها كالبرق.
2 - الثاني:
أن لها بريقا، ولذلك جاء في وصفها أنها دابة بيضاء بين البغل والحمار، ذلك لأن لها بريقا والبريق يؤخذ من البياض.
النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء به مر على أشياء كثيرة حتى وصل إلى بيت المقدس.
قال طائفة من أهل العلم: ارتبط الإسراء بالمعراج مع أنه لا رابط بينهما من جهة العروج إلى السماء فإنه يمكن أن يكون العروج إلى السماء من مكة، ارتبط الإسراء بالمعراج لأمور؛ يعني لحكم فيما استظهروه:
1- الحكمة الأولى: أن يطلع النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره على الأرض على أشياء تكون أقوى لحجته إذا سأله المشركون، ولو عرج به إلى السماء مباشرة فإذا سألوه فلن يكون عنده ما يقوي حجته عليهم بهذا الأمر، ولهذا لما رجع سألوه فأخبرهم عن خبر قافلة، فلما رجع أهل القافلة سألوهم فقالوا: نعم حصل كذا وكذا.
2- الحكمة الثانية: أن فيها إظهارا للترابط ما بين مكة وما بين بيت المقدس، وأن بيت المقدس كان قبلة وأن مكة كانت قبلة، فلم يتوجه أتباع الأنبياء إلا إلى: بيت المقدس وإلى مكة المكرمة -يعني إلى الكعبة-.
3-الحكمة الثالثة: أن يظهر فضل محمد صلى الله عليه وسلم حيث يلتقي بالأنبياء في بيت المقدس ثم يصلي بهم.
وقد جاءت روايات مختلفة صحيحة في دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى.
ففيها أنه دخل فقال له جبريل صل ركعتين، فصلى ركعتين أو صلى جبريل ركعتين، ثم وجد الأنبياء ووجد صفوفا خلفه فصف معهم، ثم قدمه جبريل عليه السلام فصلى بهم.
ففي هذا إظهار لفضله صلى الله عليه وسلم ولمكانته ومزيته بالإمامة على سائر الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
أيضا مما يذكر في الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم مر بموسى في قبره.
قال -كما رواه مسلم -«مررت ليلة أسري بي بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر»(1).
وهذا الحديث رواه مسلم في الصحيح، وطائفة من أهل العلم قالوا: إن في هذا الحديث شذوذا أو نكارة ولم يقبلوه، والأكثرون على قبوله؛ يعني أن هذا الحديث صحيح، وابن القيم رحمه الله وجماعة ممن يميلون إلى أن فيه مقالا.
أيضا مما حدث في الإسراء أن أهل العلم اختلفوا في الدابة: هل ربطت أم تركت؟
فأنكر طائفة أن تكون ربطت في الصخرة.
وقبل هذه الرواية أكثر أهل العلم فقالوا: إن جبريل وخز الصخرة فانثقبت فربط الدابة فيها.
أما المعراج فلما عرج به صلى الله عليه وسلم أتوا إلى السماء الأولى فاستفتح جبريل.
فقيل له: أمعك أحد؟
قال: نعم.
قيل من؟
قال: محمد بن عبد الله.
فقيل له: (أوقد بعث؟) أو (أوقد أرسل؟) أو (أوقد أوحي إليه؟)
فقال: نعم، ففتح له.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلما ولجنا السماء وجدت فيها آدم عليه السلام -يعني السماء الأولى- إلى آخره، فقيل لي: هذا أبوك آدم فسلم عليه.
__________
(1) مسلم (6306)/ النسائي (1631)

(1/181)


قال: فسلمت عليه، ثم رد علي السلام، فقال: مرحبا بالابن الصالح والعبد الصالح.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح -يعني حصل مثل الذي حصل؛ من معك؟، أوقد أرسل؟ إلى آخره- فوجد في السماء الثانية عيسى عليه السلام ويحيى وهما ابنا خالة.
ثم إلى السماء الثالثة وجد فيها يوسف.
ثم السماء الرابعة وجد فيها إدريس.
ثم السماء الخامسة وجد فيها هارون.
ثم السماء السادسة وجد فيها موسى عليهم جميعا السلام.
ثم السماء السابعة وجد فيها إبراهيم، وكل يقول له مرحبا بالأخ الصالح والعبد الصالح، إلا آدم
وإبراهيم فيقولان: مرحبا بالابن الصالح والعبد الصالح.
ولما مر على موسى عليه السلام وسلم عليه ورد عليه موسى، قال صلى الله عليه وسلم: فلما انصرفت أو فلما ذهبت إذا بموسى عليه السلام يبكي فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن بعث غلام من بعدي يكون من يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي.
ثم لقي إبراهيم الخليل عليه السلام في السماء السابعة، قال: ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبتها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة.
قال: ثم رفع لي نهران باطنان ونهران ظاهران، فسألت: فقيل لي النهران الباطنان من الجنة والنهران الظاهران النيل والفرات.
ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فشربت الإناء من اللبن، فقيل لي: هديت للفطرة أو هذه الفطرة فيك وفي أمتك. أو كما قال صلى الله عليه وسلم إلى آخر الحديث.
المقصود أن هذا حديث المعراج وما فيه، هذه إحدى الروايات والروايات في ذلك كثيرة، باختلاف أماكن الأنبياء، واختلاف المقالة، اختلاف ما حصل وكذلك في ما حصل في السماء السابعة.
إذا تبين ذلك فثم كلام هنا على لقيا النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمرسلين.

(1/182)


[المسألة الخامسة]:
هل لقي النبي صلى الله عليه وسلم أجساد الأنبياء مع أرواحهم؟ أم إنه صلى الله عليه وسلم لقي أرواحهم دون أجسادهم؟
العلماء لهم في ذلك قولان:
1- القول الأول:
قال طائفة من أهل العلم: لقي أرواحا وأجسادا، واستدلوا على ذلك بدليلين:
- الدليل الأول: أن هذا هو الظاهر من الجمع - يعني من أنهم جمعوا له وأنه كلم آدم وكلم فلان وكلم فلان إلى آخره.
- والدليل الثاني: أنه جاء في أحد الروايات قوله (وبعثت لي الأنبياء) وبعثة الأنبياء له، تدل على أن ذلك خاص في ذلك الموقف الخاص.
2- القول الثاني:
أن ذلك إنما هو للأرواح دون الأجساد حاشا عيسى عليه السلام فإنه رفع إلى السماء بروحه وجسده.
وفي إدريس قولان؛ إدريس عليه السلام في السماء الرابعة فيه قولان، هل كان رفعه للسماء الرابعة بروحه فقط أم كان بروحه وجسده؟ وفي ذلك خلاف عند المفسرين وعند أهل العلم مأخوذ أو تجده عند قوله تعالى {ورفعناه مكانا عليا}[مريم:57] في قصة لا تثبت؛ يعني في قصة لسبب الرفع لا تثبت.
* والأظهر من القولين عندي أن ذلك كان بالأرواح دون الأجساد خلا عيسى عليه السلام؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين التقى بالأنبياء وصلوا معه صلى الله عليه وسلم:
- إما أن يقال صلوا معه بأجسادهم، وقد جمعت أجسادهم له من القبور، ثم رجعت إلى القبور وبقيت أرواحهم في السماء.
- وإما أن يقال هي بالأرواح فقط؛ لأنه لقيهم في السماء.
ومعلوم أن الرفع إنما خص به عيسى عليه السلام إلى السماء رفعا حيا، وكونهم يرفعون بأجسادهم وأرواحهم إلى السماء دائما ولا وجود لهم في القبور، هذا لا دليل عليه؛ بل يخالف أدلة كثيرة أن الأنبياء في قبورهم إلى قيام الساعة.
فمعنى كونهم ماتوا ودفنوا أن أجسادهم في الأرض، وهذا هو الأصل.
ومن قال بخلافه قال هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه بعثت له الأنبياء فصلى بهم ولقيهم في السماء.
وهذه الخصوصية لابد لها من دليل واضح، وكما ذكرت لك فالدليل التأملي يعارضه.
وعلى كل هما قولان لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.

(1/183)


[المسألة السادسة]:
النبي صلى الله عليه وسلم حين رفع إلى ما فوق السماء السابعة، ورأى البيت المعمور، ورأى سدرة المنتهى، رأى أشياء من آيات الله الكبرى، كما قال - عز وجل - {لقد رأى من آيات ربه الكبرى}[النجم:18].
والنبي صلى الله عليه وسلم رأى هذه الأشياء بقلبه ورآها بعينه، كما قال - عز وجل - {ما كذب الفؤاد ما رأى}[النجم:11]، فصار للفؤاد رؤية، وقال {ما زاغ البصر وما طغى}[النجم:17] فصار للبصر رؤية.
لهذا نقول: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لآيات ربه الكبرى لما فوق السماء السابعة وفي السماء السابعة وما رأى صار بشيئين: بالبصر وبالقلب جميعا، ولا يقال بالبصر وحده ولا يقال بالفؤاد وحده؛ بل رأى بهما جميعا.
وهذا يعني أنه قد يكون ثم أشياء رآها ببصره وقلبه جميعا، وثم أشياء رآها بفؤاده دون بصره.
لهذا قال من قال من أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه - عز وجل - بفؤاده، وهذا يجرنا إلى المسألة المشهورة:
هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه أم لا؟
في قولين للصحابة:
- منهم من قال: رأى ربه.
- ومنهم من قال: لم يره.
كما هما قولان لعائشة وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
* والصحيح من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه وإنما سمع كلامه، {فأوحى إلى عبده ما أوحى}[النجم:10]، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل رأيت ربك؟؟ قال «نور فأنى أراه»(1)؟
يعني ثم نور وهو الحجاب، حجاب الرب - عز وجل - نور، قال «ثم نور أنى أراه»، وفي رواية أخرى قال «رأيت نورا»؛ يعني نور الحجاب.
إذا فالصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حصلت له أنواع رؤية:
- منها رؤية أشياء بالبصر.
- ورؤية أشياء بالقلب، بالفؤاد.
- ورؤية أشياء بهما جميعا.
وأما الله جل جلاله فلم يره وإنما سمع كلامه صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) سبق ذكره (132)

(1/184)


[المسألة السابعة]:
من المشهور المعروف في قصة الإسراء والمعراج المراجعة التي حصلت بين النبي صلى الله عليه وسلم وموسى في فرض الصلاة.
فإن الله - عز وجل - فرض الصلاة المفروضة على هذه الأمة خمسين صلاة، ثم رجع جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم لما لقي النبي صلى الله عليه وسلم موسى سأله فقال: «فرض علي خمسين صلاة»، فقال: إنها لكثيرة وقد عالجت من أمر أمتي ما علمت أن أمتك لن تطيق ذلك، فارجع فاسأل ربك التخفيف. صلى الله عليه وسلم: «فاستأذنت جبريل فأذن لي فسألت ربي التخفيف»(1).
هنا وقع خلاف في الروايات: هل صار التخفيف خمسا خمسا؟ أم كان التخفيف عشرا عشرا حتى وصلت إلى خمس في آخرها؟
* والصواب والأصح أن التخفيف وقع عشرا عشرا؛ يعني كانت خمسين ثم خفف عنه عشرا فصارت أربعين، ثم خفف عنه عشرا فصارت ثلاثين، ثم خفف عنه عشرا فصارت عشرين، ثم خفف عنه عشرا فصارت عشرا، ثم خفف عنه خمسا، ثم لما رجع إلى موسى قال: إنها كثيرة إن أمتك لن تطيق ذلك، فقد عالجت من أمر أمتي ما عالجت أو كما قال، فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لقد استحييت من ربي» قال فسمعت من يقول لقد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.
هذه بعض المسائل المشهورة في مسألة الإسراء والمعراج، ولا ندري هل غطيت أم لا؟
نرجع إلى ألفاظ المؤلف.
__________
(1) البخاري (3887)/ النسائي (450)

(1/185)


[المسألة الثامنة]:(1)
في قوله (فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى) (صلى الله عليه) الصلاة هنا على النبي صلى الله عليه وسلم من الله جل جلاله معناها الثناء عليه صلى الله عليه وسلم فإن الصلاة لها استعمالات:
- فالصلاة من الله - عز وجل - على عبده، على الأنبياء والمرسلين وعلى المؤمنين {هو الذي يصلي عليكم وملائكته}[الأحزاب:43]، تكون الصلاة من الله - عز وجل - بمعنى الثناء؛ يعني يثني على نبيه في الملإ الأعلى.
(اللهم صل على محمد) يعني اللهم أثن على محمد في الملإ الأعلى بما هو أهله صلى الله عليه وسلم.
- والصلاة من الملائكة على المؤمنين هو الدعاء لهم والاستغفار {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} يعني الملائكة تدعو لابن آدم: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، تستغفر له كما قال - عز وجل - {ويستغفرون للذين آمنوا}[غافر:7].
- والصلاة من العبد للعبد: اللهم صل على فلان؛ يعني اللهم أثني على فلان، صليت عليك أو لك؛ يعني دعوت لك، لهذا قال - عز وجل - {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم}[التوبة:103].
إذا تبين ذلك، فالصلاة من الله - عز وجل - مختصة بالأنبياء والمرسلين.
يعني لا يقال على وجه الانفراد (اللهم صل على فلان) إلا أن يكون نبيا أو رسولا.
أما غيرهم فلا يصلى عليه على وجه الانفراد، وقد يصلى عليه على وجه التبع (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، (اللهم صل على محمد وآله وصحبه)، (صلى الله عليه وآله وصحبه)، هذا يجوز من جهة التبع، أما من جهة الاستقلال فلا يقال: (صلى الله على آل محمد،) فقط، (صلى الله على الصحابة) فقط.
وقد يجوز على المفرد إذا لم يكن شعارا، مرة مرتين تارة تارتين ونحو ذلك، ولا يكون شعارا، كما قال صلى الله عليه وسلم لما جاءه ابن أبي أوفى بالصدقة قال «اللهم صل على آل أبي أوفى»(2)، هذا دعاء لهم، هذا يكون على وجه الانفراد، ولا يكون شعارا.
فإذا لا يكون شعارا أنا نصلي على علي رضي الله عنه، كلما ذكر علي رضي الله عنه قلنا عليه السلام، أو بعض الآل نقول عليهم الصلاة والسلام أو نحو ذلك، فهذا مخالف للهدي هدي الصحابة رضوان الله عليهم.
تجوز الصلاة على المفرد بشرطين -ذكرتهما لك-:
1- الشرط الأول: ألا تكون دائما، بمعنى أن تكون أحيانا.
2- الشرط الثاني: أن لا تكون شعارا على شخص أو على مجموعة؛ مثل الأئمة (صلى الله على الأئمة)، هذه كلها من شعارات أهل البدع.
هذا ما يتعلق بهذه الجمل، ونؤجل الكلام على الحوض في المرة القادمة إن شاء الله تعالى.
هذا الدرس حسب رغبة الكثيرين يكون كالعادة آخر درس لأجل قرب الاختبارات، ونواصل إن شاء الله مع اليوم الأول من الدراسة -إن شاء الله تعالى- بعد العيد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
__________
(1) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة، وإنما قمت بجعلها مستقلة تمييزا لها.
(2) البخاري (1497)/ مسلم (2544)/ أبو داود (1590)/ النسائي (2459)/ ابن ماجه (1796)

(1/186)


الأسئلة:
س1/ ما صحة الرواية التي فيها أن شق صدره كان وهو مسترضع في بني سعد؟
ج/ الجواب أن هذا صحيح، النبي صلى الله عليه وسلم شق صدره عدة مرات بكل مرة ما يناسبه، ثلاث مرات لكل مرة بما يناسبها، ومن العجيب ما رواه الإمام أحمد من حديث أنس (أنه صلى الله عليه وسلم كان يرى المخيط في صدره من أثر الشق)(1)، المخيط في صدره من أثر شق صدره صلى الله عليه وسلم.
س2/ عندما صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس هل بالأجساد والأرواح؟
ج/ هذه ذكرناها.
س3/ هل كلم النبي صلى الله عليه وسلم ربه في قصة الإسراء والمعراج؟
ج/ هذه الأسئلة قبل تمام الدرس جاء الجواب عليها.
س4/ هل كان المعراج بالبراق؟
ج/ لا، البراق دابة ركب عليها ما بين مكة إلى بيت المقدس فقط، أما المعراج فبالمعراج، يعني يكون السؤال بهذا الشكل معناه أن الدرس ما فهم.
س5/ كيف نوفق بين رواية أن إبراهيم كان في السماء السابعة وموسى في السادسة وفي فرض الصلاة كان أول من قابل موسى؟
ج/لا، هو نزل فلما بلغ موسى راجعه موسى؛ يعني سأله موسى لا يعني أنه كان في السابعة.
س6/ هل الكلام من الله - عز وجل - يصل مباشرة أم هو وحي؟
ج/ كلام الله - عز وجل - ثلاثة أنواع كما قال سبحانه في أخر سورة الشورى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء}[الشورى:51]:
1- الأول: أن يكون وحيا {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا} و هذا يدخل فيه النفخ بالروع ويدخل فيه الإلهام ويدخل فيه المنام ويدخل فيه أشياء كثيرة.
2- الثاني: أن يكون من وراء حجاب {أو من وراء حجاب} وهو ما كلم به موسى عليه السلام وما كلم به النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكان من وراء حجاب.
3- الثالث: أن يرسل رسولا{أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} سبحانه.
س7/ ما معنى النهران في الجنة، النيل والفرات و..؟
ج/ هذا نؤمن به والله - عز وجل - أعلم بحقيقته، نؤمن بما جاء في الحديث والله - عز وجل - أعلم بحقيقته، نهران باطنان ونهران ظاهران.
س8/ هل التكليم مختصا بالأنبياء فقط أو يدخل فيه غيرهم؟
ج/ أما تكليم الله - عز وجل -، فهو لم يكلم الله - عز وجل - مباشرة إلا موسى عليه السلام ومحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من الرسل، ونضيف عليهم آدم عليه السلام من الأنبياء.
س9/[سؤال عن الروح وشكلها]؟
ج/ الروح شكلها شكل الجسد؛ يعني بمعنى لو فصلت روحك عنك صارت الصورة واحدة، يكون الجسد الجثمان، والروح مخلوق، الله - عز وجل - أعلم بحقيقتها لكن من حيث الصورة واحدة.
ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي»(2) ومعلوم أن الرائي للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام إنما يرى روحه؛ لأن جسده صلى الله عليه وسلم مدفون، وإذا كان رأى روحه فإنه يرى روحه على صورة جسده صلى الله عليه وسلم الذي كان يعيش في الدنيا بروحه وجسده.
لهذا الروح صورتها صورة الجسد، الروح والجسد نفس الصورة، الروح تدخل في الإنسان؛ يعني في النفخ فيه حينما يكون جنينا وتتشكل مع الجسد، هيئة الروح هي هيئة الجسد والله أعلم بحقائق الأشياء.
س10/ هل يجوز أن نقول إن القرآن مؤلف؟
ج/ لا يجوز ذلك، هذا من امتهان القرآن؛ القرآن كلام الله - عز وجل -، التأليف معناه الجمع، يؤلف ما بين جملة وجملة ويناسق بينها، ألفه؛ يعني جمعه ونسق بينه؛ بين جمله ومباحثه وإلى آخره.
القرآن كلام الله - عز وجل -، القرآن نزل على سبعة أحرف، هذا من العجيب في كلام الله - عز وجل - أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
يعني أن القرآن سمعه جبريل على هذا النحو سبعة أحرف فنزل، هذا مما يدل على عظم كلام الرب - جل جلاله -.
س11/ ما هو أول مسجد وضع في الأرض؟
ج/ المسجد الحرام ثم بعده بأربعين عاما وضع المسجد الأقصى، يعني وضع هذا المسجد الموجود.
والمسجد الحرام بنته الملائكة، يعني الكعبة بنتها الملائكة.
والمسجد الحرام حدد حرمته ابراهيم عليه السلام، وهو الذي حرمه، يعني ما حول الكعبة.
__________
(1) مسلم (431)
(2) البخاري (110)/ مسلم (6056)/ الترمذي (2276)/ ابن ماجه (3900)

(1/187)


والمسجد الأقصى أيضا بنته الملائكة بعد بناء الكعبة بأربعين سنة {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله}[الإسراء:1] لفظة {أقصا} هذه أفعل فتدل على أن ثم مسجدا ليس قاصي ولكنه ليس بأقصى، ولذلك فهم من الآية أن فيها بشارة بالهجرة، وفهم من الآية فيها إرهاص بالهجرة، وأنه ثم مسجد سيعظم سيكون قاصيا عن المسجد الحرام ولكنه ليس أقصى.
ولهذا قال تعالى {إلى المسجد الأقصا} فكونه كان أقصى يعني أقصى المساجد؛ يعني فيه جمع من المساجد، والمساجد هذه هي الثلاثة المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى.
بيت المقدس أعم، المسجد خاص مثل ما تقول مكة والكعبة أو المسجد الحرام.
بالمناسبة فيه تشوفون في الصور، في القبة الموجودة هذه الزرقاء وأنها ذهبية أو شيء، المهم القبة المعروفة هذه القبة(1) وضعت على الصخرة، لذلك الذي تحتها يسمى مسجد الصخرة ما هو المسجد الأقصى، وهذا الذي حول الصخرة لا يصلى فيه يعني اختيارا؛ لأن هذا عظمت فيه الصخرة، الصخرة لا يجوز تعظيمها لا ببناء قبة عليها ولا بتحويطها وإلى آخره، وإنما هي من جملة ما وصل إليه المسجد، فالتعظيم صار للصخرة بالبناء عليها ووضع القبة الحالية عليها هذا بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم.
أما المسجد الأقصى وهو مسجد قديم تشوفونه بعيد، لو شفتوا الصورة هذا هو الذي فيه حصل الصلاة؛ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والإسراء كان إليه.
نعم توسعة المسجد الأقصى توسع وشمل الصخرة هذه وزيادة عليها، فللجميع الاسم الآن، اسم المسجد الأقصى للجميع للمسجد القديم العتيق ولما ألحق به من التوسعة؛ لكن ليس المسجد الأقصى الذي فيه المحراب وفيه يعني الإمام الذي هو ما يسمى بمسجد الصخرة، وهذا من الأغلاط الشائعة.
س12/ بالنسبة للنيل والفرات كيف أنهما من أنهار الجنة؟
ج/ هذا قلنا نؤمن بها على حقيقتها، النيل والفرات ولا يعني أنها من السماء بمعنى أن السماء متصلة بالأرض من هذا الموضع، لا، أنت إذا ذهبت إلى الجبال رأيت منابع النيل تجدها ومنابع الفرات تجدها؛ ولكن النيل والفرات وجدهما النبي صلى الله عليه وسلم في السماء وهذا حق نؤمن به، كيف ذلك؟ وما اتصال النهرين اللذين في السماء بالنهرين الذين في الأرض؟ الله أعلم بحقيقة ذلك.
س13/ أليس الذي بنى المسجد الحرام هو ابراهيم واسماعيل؟
ج/ قال - عز وجل - {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}[البقرة:127] ولما جاء ابراهيم عليه السلام إلى الوادي، الوادي ليس فيه أحد فقال {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم}، فهو قصد هذا المكان، هذا الوادي عند البيت.
فالبيت موجود لكنه ما وجد منه إلا قواعده.
لكن متى أقيم؟
لما بلغ اسماعيل وشارك أباه ابراهيم عليهما الصلاة والسلام في بنائه {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا} يعني بعد بلوغ اسماعيل وإلا فالبيت موجود من قبل.
س14/ يقال إن يعقوب هو الذي بنى المسجد الأقصى؟
ج/ ليس بصحيح، المسجد الأقصى بنته الملائكة مثل المسجد الحرام.
(وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض، قال الكعبة، قيل ثم أي، قال المسجد الأقصى، قيل كم كان بينهما، قال أربعين سنة)(2).
س15/هل من صفات الله - عز وجل - التدلي، وما مفهوم الآية والحديث؟
ج/ هذا التدلي الذي في الآية ليس لله - عز وجل -، والتدلي الذي جاء في الحديث هذا أهل العلم منهم من أثبته صفة، وذلك منه لأجل تصحيح الرواية، ومنهم من أنكر ذلك وهو الصحيح؛ لأن هذه من أفراد شريك بن عبد الله بن أبي نمر فلا يؤخذ منه، وعامة أهل العلم الذين رووا الحديث خالفوه في ذلك، أصحاب أنس خالفوه في ذلك.
س16/ هل الصخرة لها مكانة شرعية معينة، وما سبب شهرتها؟
لا الصخرة بناء القبة عليها حرام، والتعلق بها حرام، والصخرة ليس لها مكانة، وهي مثل غيرها من الأمكنة.
وسبب شهرتها أنها ربط بها البراق، وهي قريبة من المسجد الأقصى، فربط بها البراق ومشى النبي صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد.
ويقولون، وهذا لم أره في رواية ثابتة ويحتاج إلى تأمل أنه صلى الله عليه وسلم عرج به منها، يعني صعد عليها ومنها طلع، لكن هذا لا أعرفه في رواية ثابتة، يعني لم أره في رواية ثابتة، ويقال إن بها مغارة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم من هنا خرج، يعني ثم بها تعلقات.
وقد نبه أهل العلم أئمة السنة أن كل هذه التعلقات بالصخرة وبناء القبة عليها ...إلخ، كل هذا حرام، ومن التعلقات تعلقات بدعية ومن وسائل الشرك.
وفقكم الله جميعا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
__________
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع عشر.
(2) البخاري (3366)

(1/188)


الحمد الله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اللهم تسليما مزيدا، أما بعد:
الأسئلة:
س1/ أكملنا سنة منذ بداية الدروس، وتم شرح ثلث الكتاب تقريبا، وهذا يعني أنه بقي سنتان والعمر قصير فنرجوا منكم النظر في ذلك؟
ج/ الجواب أن الشرح الذي نشرح به الطحاوية الآن شرح متوسط، ليس بالطويل ولا بالقصير؛ لأني أراعي في الشرح حال الذين حضروا قبل ذلك في شروح كتب العقيدة المختلفة مثل الواسطية وغيرها كي يستفيد من سبق له الحضور، والمباحث القادمة ربما كانت أقصر من المباحث الماضية.
س2/ لقد صدر لكم كتاب بعنوان هذه مفاهيمنا، وقد رأيت أن بعض أهل العلم يذكر أن أمور العقيدة لا تطلق عليها مفاهيم؛ لأنها ترجع إلى ما يعتقده المرء مما دل عليه الكتاب والسنة لا إلى فهوم الناس، فما تعليقكم على ذلك، إلى آخره؟
ج/ الجواب أن كلام بعض أهل العلم فيما ذكر إنما هو بالابتداء؛ يعني من سمى بحوث العقيدة ابتداء فهوما، مفهوم القدر في الإسلام، مفهوم الشفاعة في الإسلام، يعني من قرر العقيدة ابتداء باسم مفهوم.
وهذا ظاهر لأن العقيدة مبنية على النصوص وليست ابتداء يطلق عليها مفهوم أو نحو ذلك.
وقد يقال إن المسألة إذا اختلف فيها أهل القبلة فإنه يقال فهم -يعني في غير المسائل قطعية الدلالة- يقال فهم أهل السنة والجماعة كذا، وفهم السلف الصالح كذا، وهذا ظاهر بتعبير عدد من أهل العلم حيث عبروا عن فهمهم لأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بقولهم: والذي يفهمه أهل السنة والجماعة من هذه النصوص كذا.
الحال الثانية وهي في الظاهر لم يردها من ظن السائل أنه أراد بها كتابي (هذه مفاهيمنا)، الحالة الثانية أن تكون في مقابلة الرد، والرد معلوم أنه يقابل فيه [الأصل] ويكون كمالا إذا كان فيه دفع للمبتدع.
وهذا فيه مناسبة بلاغية أيضا لأن الذي رد عليه بكتاب هذه مفاهيمنا سمى كتابه (مفاهيم يجب أن تصحح) فالرد يكون باستعمال لفظ استعمله هو لتأكيد قوة الأمر وتثبيته بقوله: هذه مفاهيمنا.
وهذا له أصل في اللغة العربية وفي القرآن والسنة فإن الله - عز وجل - لا يجوز عليه ابتداء أن يوصف بصفات؛ لكن إذا كان في مقابلة نقص البشر أو مكرهم أو استهزائهم فإنه يوصف، مثل المكر {ويمكرون ويمكر الله}[الأنفال:30] فلا يطلق ابتداء المكر وإذا كان في مقابلة مكر فيقال يمكر الله بمن مكر، أو الاستهزاء يستهزئون الله يستهزئ بهم، أو المخادعة ونحو ذلك.
ففي تسمية الكتاب هذه مفاهيمنا في مقام الرد فيه صواب وذلك من جهتين:
1 - الأولى: أن الرد فيه القوة وفيه الاستعلاء، بما استعلى به صاحب النص والدليل.
2 - الثانية: أن فيه وجها بلاغيا؛ لأن مقابلة النص بتثبيته؛ تثبيت اللفظ والزيادة على ذلك بصحة المعنى، فإنه جائز بل مستعمل في اللغة وفي القرآن والسنة، ومن استعماله في اللغة قول عمرو ابن كلثوم في معلقته:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
مع إجماع العقلاء على أن الجهل من صفات السفهاء، لكن لما كان في مقابلة جهل الجاهل صار كمالا لأنه يدل على قوة.
فلما سمى ذاك كتابه (مفاهيم يجب أن تصحح) كان من الكمال والرفعة أن يقال (هذه مفاهيمنا)؛ يعني أن وجوب تصحيحها الذي ادعاه إنما هو باطل ومردود.
مع ظني أن من كتب في انتقاد هذه اللفظة يريد الوجه الأول وهو الابتداء لا الوجه الثاني.
نكتفي بهذا القدر ونبدأ في الكتاب.

(1/189)


والحوض الذي أكرمه الله تعالى به -غياثا لأمته- حق.
________________________________________________
قال الطحاوي رحمه الله (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به -غياثا لأمته- حق.)
هذه الجملة مشتملة على تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الحوض، فقال: إن الحوض حق.
ومعنى أن الحوض حق يعني أنه كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم حق، كما أخبر على ظاهر ما ورد فيه في صفته، وفيما جاءت الأخبار، فليس ثم شيء من ذلك يرد ولا يؤول على خلاف ظاهره، فإنه حق يجب اعتقاد ما دل عليه الدليل في ذلك، والحوض هذا أكرم الله - عز وجل - به محمدا صلى الله عليه وسلم.
لهذا نقول: إن الحوض من المسائل العظيمة التي يبحثها أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، وبحثهم لها من جهات؛ يعني سبب بحثهم له في العقائد من جهات:
1- الجهة الأولى: أن الحوض أمر غيبي، والأمور الغيبية الإيمان بها واجب، فإن الله سبحانه أثنى على خاصة عباده بقوله {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين(2)الذين يؤمنون بالغيب}[البقرة:2-3]، فجعل أخص صفاتهم الإيمان بالغيب.
2- الجهة الثانية: أن الحوض دلت عليه الأدلة من السنة بما يبلغ حد التواتر -التواتر النقلي والتواتر المعنوي-؛ لأنها رويت من طريق أكثر من خمسين صحابيا، وبعض أهل العلم أوصلها إلى طريق ثمانين صحابيا، كما سيأتي بعض مزيد بيان لذلك.
3- الجهة الثالثة: أن الحوض خالف فيه المبتدعة من الخوارج والرافضة والمعتزلة.
- خالف المعتزلة في إنكارهم للحوض أصلا.
- وخالف الروافض والخوارج في فهم أحاديث الحوض، كما سيأتي بيانه.
فإذا مسألة الحوض من المسائل العقدية التي ترتبط بأمر غيبي، وبنقل متواتر لا يجوز رده، وبمخالفة المبتدعة من أصحاب الفرق الضالة.
قال الطحاوي (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به -غياثا لأمته- حق.) فذكر أن الحوض إكرام لنبينا صلى الله عليه وسلم به، أكرم الله نبيه بهذا الحوض.
وإكرامه بهذا الحوض لا يعني أن الحوض خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بل قد جاء في الحديث «إن لكل نبي حوضا»(1)وهذا يناسب ما سيأتي بيانه من أن النبي صلى الله عليه وسلم يذود الناس عنه؛ يعني ممن ليس من أمته صارفا لهم عن إتيان حوضه إلى الذهاب إلى أحواض الأنبياء كما وجهه طائفة من أهل العلم.
فإذا الحوض إكرام للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي إكرامه إكرام لأمته صلى الله عليه وسلم بذلك الحوض الذي سيأتي وصفه إن شاء الله تعالى.
قال (غياثا لأمته) وكلمة (غياثا) هذه نفهم منها أن الطحاوي رحمه الله أراد أن الحوض تغاث به الأمة، وكون الأمة تغاث بالحوض يعني بماء الحوض؛ يعني أنها تغاث به وقت حاجتها إلى الحوض.
وهذا يدل على أن الطحاوي يذهب إلى أن الحوض يكون في عرصات القيامة قبل ورود الصراط وقبل العبور على النار وقبل تجاوز الصراط، يكون قبل ذلك إذا اشتد بالناس الحاجة إلى أن يشربوا من ذلك الحوض.
فإن مقام الساعة عظيم والزمن طويل يلبث الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويشتد عليهم البلاء، ويشتد عليهم الكرب، فيكرم الله - عز وجل - نبيه صلى الله عليه وسلم بالحوض، ويكرم أمته بأن يجعله غياثا لهم، فمن شرب منه شربة في ذلك اليوم العصيب لم يضمأ بعدها أبدا، فهذا معنى قوله (غياثا لأمته).
قال(حق)
يعني أنه واقع وحاصل، وأنه موجود، وأن الإيمان به فرض، وأن غير ذلك باطل.
إذا تبين ذلك في بيان معنى ما قاله الطحاوي رحمه الله ففي مسألة الحوض مسائل:
__________
(1) الترمذي (2443)

(1/190)


[المسألة الأولى]:
أن الحوض دل عليه القرآن باحتمال، ودلت عليه السنة بقطع:
أما القرآن فدليل الحوض فيه قوله تعالى {إنا أعطيناك الكوثر(1)فصل لربك وانحر(2)إن شانئك هو الأبتر(3)}[الكوثر]، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الكوثر بأنه (حوض أعطاه الله إياه)(1)، وهناك عدة تفاسير للكوثر منها أنه نهر في الجنة، وقد جاء أيضا أن الحوض يسكب فيه من الكوثر ميزابان يعني يغذونه بماء الكوثر.
وأما من السنة فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في وجود الحوض وفي صفته، وقد رواها عنه صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسين صحابيا، ولهذا نقول: هي متواترة نقلا ومتواترة تواترا معنويا، فجمعت بين نوعي التواتر.
وهذا النقل جاء عن أفاضل الصحابة وعن أكمل الصحابة.
فمرويات الحوض ثابتة عن الصحابة عن أبي بكر رضي الله عنه وعن عمر وعن عثمان وعن علي وعن فقهاء الصحابة كابن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبي ذر إلى غير هؤلاء.
فجلة الصحابة رووا أحاديث الحوض على خلاف بينهم في ألفاظها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر الكلام عن أحاديث الحوض كما روى أبو داوود في سننه عن أحد الصحابة أنه قال (سمعته مرارا لا أقول مرة أو مرتين)(2) يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فكان يكرر الأحاديث في الحوض فلذلك حصل فيها بعض الاختلاف كما سيأتي فيما نستقبل.
__________
(1) مسلم (921)/ أبو داود (784)/ النسائي (904)
(2) أبو داود (4749)

(1/191)


[المسألة الثانية]:
أن صفة الحوض التي دل عليها الدليل من صحيح السنة.
1- أولا: من حيث شكله:
هو مربع زواياه سواء وأضلاعه متساوية، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم «قال طوله شهر وعرضه شهر زواياه سواء»(1) فهذا يدل على أن شكل الحوض مربع، وأن زواياه قائمة، وأن طوله وعرضه واحد وهو شهر.
واختلفت الروايات كثيرا في طوله وعرضه، ومحصلها ما ذكرت لك من أنه شهر في شهر، وقد جاء في بعض الروايات قال «هو كما بين المدينة وبيت المقدس»، وفي رواية قال «هو كما بين المدينة وعمان»(2) أو قال «عمان»، وفي رواية قال «هو كما بين المدينة إلى صنعاء»(3)، وفي رواية قال «هو كما بين أيلة إلى صنعاء»(4) وثم غير ذلك.
وإذا قلنا مسيرة شهر في شهر، فالمراد بالشهر بسير الجمال السير المعتاد؛ لأنه هو الفصل في التقدير.
هذا من حيث طوله وعرضه وشكله، شكله مربع وطوله وعرضه شهر في شهر.
2- ثانيا: من حيث مكانه:
مكانه هو في الأرض المبدلة، يعني يوم يبدل الله الأرض غير الأرض والسموات، هو في الأرض المبدلة.
3- ثالثا: من حيث آنيته:
آنيته وصفها صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص وغيره قال «آنيته كنجوم السماء»(5)وهذا التشبيه بقوله (كنجوم السماء) نفهم منه صفتين:
- الصفة الأولى: الكثرة، في أن كثرتها كثرة نجوم السماء، وهذا يدل على مزيد راحة وطمأنينة في الشرب منه وتناوله، وألا يكون هناك تزاحم على كيزانه، أو أن الناس يشربون بأيديهم.
- والصفة الثانية: أن كيزانه أو كيسانه أو أباريقه أو نحو ذلك كنجوم السماء في الإشراق والبهاء والنور.
فنجوم السماء فيها صفة الكثرة وفيها صفة النور والبهاء.
هذا من جهة وصف كيزانه من حيث العدد ومن حيث الشكل.
4 - رابعا: من حيث مائه:
ماؤه من حيث اللون أشد بياضا من اللبن، كما ثبت في الحديث قال «حوضي طوله شهر وعرضه شهر ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل»(6)، وقد جاء في رواية قال «ماؤه أشد بياضا من الورق»(7) يعني من الفضة.
ورائحة مائه قال «رائحته كرائحة المسك»(8).
ومصدر مائه من الكوثر؛ النهر الذي في الجنة، قال صلى الله عليه وسلم «الكوثر نهر أعطانيه الله في الجنة»(9).
وقد جاء في صفة الحوض «يشخب فيه من الكوثر ميزابان»(10).
هذه من جملة صفاته.
__________
(1) مسلم (6111)
(2) ابن ماجه (4304)/ ابن حبان (6451)
(3) البخاري (6591)/ ابن ماجه (4304)
(4) البخاري (6580)/ مسلم (6135)
(5) ابن حبان (6452)
(6) مسلم (6129)/ الترمذي (2444)/ ابن ماجه (4302)
(7) مسلم (6111)
(8) البخاري (6579)
(9) سبق ذكره (191)
(10) مسلم (6129)

(1/192)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية