صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : شبهات الرافضة حول الصحابة رضي الله عنهم وردها

جمعه ورتبه ونسقه
الباحث في القرآن والسنة
الشيخ علي بن نايف الشحود

3 أما أن العرب وغير العرب دون الفرس يبغضون عمر فهذا شيء طبيعي لأن أصل عقيدة الرفض هي الطعن في أبي بكر وعمر، فكل من آمن بهذه الفكرة لا بد أن يؤمن بتبعاتها، لذلك أرد حب الكثير من الفرس لعمر بن الخطاب بالدرجة الأولى لإيمانهم بعقيدة الحق، عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا شيء طبيعي أيضا فهذا هو الذي يفسر عداوة بعض العرب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
4 أما قوله أنه وجد أهل السنة والجماعة ينقطعون في الإمامة إلى الفرس فهذا جهل فاضح، فالصحيح أن يقال أن كل العلماء من العرب وغيرهم ينقطعون في الاعتقاد لمنهج أهل السنة والجماعة، لأن منهج أهل السنة لا يمثله عرب ولا فرس فهو ليس منهجا طارئا ومشوها مثل أهل الرفض الذي يمثله أشخاصه، إنما هو منهجا يمثل أصل الإسلام وجوهره باعتماده على كتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكل من ارتضى له هذا المنهج فهو من أهل السنة والجماعة سواء كان عربيا أو غير عربي وليس العكس.
5 أما قوله ( فلو كان الفرس متعصبين ويكرهون العرب كما يدعي البعض لاتخذوا سلمان الفارسي إماما لهم لأنه منهم وهو صحابي جليل عرف قدره كل من الشيعة والسنة ) فأقول للتيجاني: إذا كنت بهذه السذاجة فلا أعتقد أن الرافضة الإمامية كذلك هنا، لأن سلمان وإن كان صحابيا جليلا فهذه مكرمة يتمتع بها جميع الصحابة بل حتى الكثير من الصحابة يسبقونه بالمنزلة والصحبة، إضافة إلى أنه فارسي الأصل، فلو اتخذته الشيعة الاثني عشرية إماما من دون الصحابة فستنفضح اللعبة وتحوم الشبهات، إذن فمن الحنكة والدهاء أن يتخذ الرافضة الاثني عشرية من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ملاذا لهم، وأما سلمان فقدروا أصله الفارسي وجعلوه من الصحابة المرضيين إتماما للعبة واتقانا للمخطط.
6 أنا لا أزعم أن كل من التوى تحت لواء الرافضة الإمامية يعرف ذلك بل على العكس فأكثر عوام الرافضة لا يعرفون هذه الحقيقة ويعتقدون أنهم على الحق والصراط المستقيم، والكثير من هؤلاء إذا ظهر لهم الحق يؤوبون إليه ويتمسكون به، وبالفعل فقد رأينا الكثير منهم يرجعون إلى منهج أهل السنة والجماعة، بل ويصبحون من أنشط الدعاة إليه، بل وحتى العلماء منهم فقد رجعوا إلى الجادة وأنابوا للحق بعدما تكشف لهم ضلال ما هم عليه، من أمثال الدكتور موسى الموسوي وأحمد الكسروي(3) فأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يهدي عوام الشيعة إلى الحق ويقيهم ضلالات الضالين المضلين من أقوامهم آمين.
ثامنا الرد على التيجاني في موقفه من عمر في أمر الخلافة:
يقول التيجاني (( وكانت خلافة عثمان مهزلة تاريخية، وذلك أن عمر رشح ستة للخلافة وألزمهم أن يختاروا من بينهم واحدا وقال إذا اتفق أربعة وخالف إثنان فاقتلوهما وإذا انقسم الستة إلى فريقين ثلاثة في كل جهة فخذوا برأي الثلاثة الذين يقف معهم عبد الرحمن بن عوف. وإذا مضى وقت ولم يتفق الستة فاقتلوهم، والقصة طويلة وعجيبة، والمهم أن عبد الرحمن بن عوف اختار عليا واشترط عليه أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين أبي بكر وعمر فرفض علي هذا الشرط، وقبله عثمان فكان هو الخليفة، وخرج علي من البيعة وهو يعلم مسبقا النتيجة وتحدث عن ذلك في خطبته المعروفة بالشقشقية ))(4)، أقول:
1 ما أكذب هذا التيجاني وما أشد تحامله فلماذا لم يشر إلى المصدر الذي يستقي منه كذبه؟! أليس لأنه أقل من أن ينظر إليه لتهافته وكذب رواته ولكن ماذا نقول لهؤلاء البشر فهم (( لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الحقائق في المنقول والمعقول، فيأتون إلى الأمور التي وقعت وعلم أنها وقعت، فيقولون: ما وقعت، وإلى أمور ما كانت ويعلم أنها ما كانت، فيقولون: كانت، ويأتون إلى الأمور التي هي خير وصلاح، فيقولون: هي فساد، وإلى الأمور التي هي فساد، فيقولون: هي خير وصلاح، فليس لهم لا عقل ولا نقل، بل لهم نصيب من قوله { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } ))(5).

(1/339)


2 الحق الثابت في هذه القضية هو فيما أخرجه البخاري في صحيحه في الحديث الطويل عن عمرو بن ميمون في جزء منه ((... أوص يا أمير المؤمنين استخلف، قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمي عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام. وجباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم، أوصيه بذمة الله تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم ))(6) فعمر كما ترى جعل الأمر في هؤلاء الستة، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، أما أنه أمر بقتلهم أو قتل بعضهم فهذا أولى به أن يلحق في قصص ألف ليلة وليلة!؟
3 ولو فرضنا أن عمر أمر بقتلهم، فلا شك أن أمره هذا هو منع للفتن والافساد، فأتساءل هل الأمر بقتلهم يمنع الفتن أم يشعلها؟! وهل قتل الستة من خيار الأمة سيمر دون سلام؟! وهل سيقبل به المسلمون؟! ثم لو أمر عمر بالقتل كما يدعي التيجاني، لأمر بأن يتولى الأمر أحد من الناس فهل أمر بذلك عمر؟! ومن هنا نعلم أنه لا يحتج بذلك ويصدقه ويكتبه إلا أشد الناس غباء!!
4 أما قوله أن عمر قال ( فخذوا برأي الثلاثة الذين يقف معهم عبد الرحمن بن عوف ) فهذا من الكذب أيضا على عمر، فإنه جعل الأمر في هؤلاء الستة ليختاروا منهم واحدا ولم يأمر بأخذ رأي من يقف معهم عبد الرحمن بن عوف، ولكن الصحيح أن الستة هم الذين اختاروا عبد الرحمن بن عوف ففي نفس الحديث الذي أخرجه البخاري يقول (( فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه ))(7) وهنا تظهر براءة أمير المؤمنين عمر من جميع خزعبلات التيجاني والحمد لله رب العالمين.
===============
زعمهم أن عمر رضي الله عنه يجتهد في مقابل النصوص
قال الرافضي ص131 وكان عمر يجتهد ويتأول مقابل النصوص الصريحة من السنن النبوية، بل في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الحكيم فيحكم برأيه كقوله: (متعتان كانتا على عهد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما).
ويقول لمن أجنب ولم يجد ماء (لا تصل) رغم قول الله تعالى في سورة المائدة: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} (1)».
قلت: طعنه في عمر - رضي الله عنه - لنهيه عن المتعتين، هذه من مطاعن الرافضة القديمةالتي أجاب العلماء عنها بمايدحض بطلان دعواهم فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السنة ضمن رده على ابن المطهر في هذه المسألة: «وإن قدحوا في عمر لكونه نهى عنها، فأبو ذر كان أعظم نهيا عنها(2) من عمر، وكان يقول: إن المتعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا أورد الآية فأخطأ في النقل والآية الصحيحة {فلم تجدوا ماء...} سورة المائدة آية6.
(2) روى مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة) وفي رواية: (لاتصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج) صحيح مسلم (كتاب الحج، باب جواز التمتع) 2/897.
كانت خاصة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يتولون أبا ذر
ويعظمونه(1)، فإن كان الخطأ في هذه المسألة يوجب القدح فينبغي أن يقدحوا في أبي ذر، وإلا فكيف يقدح في عمر دونه، وعمر أفضل وأفقه، وأعلم منه.

(1/340)


ويقال ثانيا: إن عمر - رضي الله عنه - لم يحرم متعة الحج بل ثبت عن الضبي بن معبد لما قال له: إني أحرمت بالحج والعمرة جميعا فقال له عمر: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم رواه النسائي وغيره. (2)
وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - يأمرهم بالمتعة فيقولون له: إن أباك نهى عنها فيقول: إن أبي لم يرد ما تقولون: فإذا ألحوا عليه قال: أفرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم عمر؟
وقد ثبت عن عمر أيضا أنه قال: لو حججت لتمتعت، ولو حججت لتمتعت وإنما كان مراد عمر - رضي الله عنه - أن يأمرهم بما هو الأفضل، وكان الناس لسهولة المتعة تركوا الاعتمار في غير أشهر الحج، فأراد ألا يعرى البيت طول السنة، فإذا أفردوا الحج اعتمروا في سائر السنة، والاعتمار في غير أشهر الحج مع الحج في أشهر الحج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سبق أن تقدم نقل رواية الكافي في زعمهم أن الناس ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة: أبو ذر وسلمان والمقداد بن الأسود، انظر ص388 من هذا الكتاب.
(2) رواه النسائي في: (كتاب مناسك الحج، باب القران) 5/113-114.
أفضل من المتعة باتفاق الفقهاء الأربعة وغيرهم...
والإمام إذا اختار لرعيته الأمر الفاضل، بالشيء نهي عن ضده فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار لا على وجه التحريم، وهو لم يقل: وأنا أحرمهما كما نقل هذا الرافضي، بل قال: أنهى عنهما ثم كان نهيه عن متعة الحج على وجه الاختيار للأفضل لا على وجه التحريم.
وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ، والفسخ حرام عند كثير من الفقهاء، وهو من مسائل الاجتهاد، فالفسخ يحرمه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لكن أحمد وغيره من فقهاء الحديث وغيرهم لا يحرمون الفسخ، بل يستحبونه، بل يوجبه بعضهم، ولا يأخذون بقول عمر في هذه المسألة بل بقول: علي، وعمران بن حصين، وابن عباس،
وابن عمر، وغيرهم من الصحابة -y-....
وأما ما ذكره من نهى عمر عن متعة النساء فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال، هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبدالله، والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال لابن عباس - رضي الله عنه -: لما أباح المتعة إنك امرؤ تائه، إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر(1)، رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها، أئمة الإسلام في زمانهم، مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة وغيرهما، ممن اتفق المسلمون على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح متلقى بالقبول ليس في أهل العلم من طعن فيه.
وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة(2)، وقد تنازع رواة حديث علي - رضي الله عنه - هل قوله: (عام خيبر) توقيت لتحريم الحمر فقط، أوله ولتحريم المتعة؟ فالأول قول
ابن عيينه وغيره قالوا: إنما حرمت عام الفتح، ومن قال بالآخر قال: إنها حرمت ثم أحلت ثم حرمت، وادعت طائفة ثالثة أنها أحلت بعد ذلك ثم حرمت في حجة الوداع.
فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها، والصواب أنها بعد أن حرمت لم تحل وأنها إنما حرمت عام فتح مكة ولم تحل بعد ذلك، ولم تحرم عام خيبر، بل عام خيبر حرمت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري بدون: (إنك امرؤ تائه) في: (كتاب النكاح، باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة أخيرا) فتح الباري 9/166، ح5115، ومسلم: (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة...) 2/1027، ح1407.
(2) رواه مسلم في صحيحه من حديث سبرة الجهني - رضي الله عنه -: (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة) 2/1025.
لحوم الحمر الأهلية.
وكان ابن عباس يبيح المتعة ولحوم الحمر فأنكر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذلك عليه...
وقد روى ابن عباس - رضي الله عنه - أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنهما فأهل السنة اتبعوا عليا وغيره من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والشيعة خالفوا عليا فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا قول من خالفه». (1)
ويقول الدهلوي ضمن ذكره لمطاعن الرافضة على عمر والرد عليها: «ومنها أن عمر منع الناس من متعة النساء ومتعة الحج مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه صلى الله عليه وسلم ، فنسخ حكم الله تعالى وحرم ما أحله الله سبحانه، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما).

(1/341)


والجواب: أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني أنه صلى الله عليه وسلم قد حرم هو المتعة بعدما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبدا إلى يوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منهاج السنة 4/184-191.
القيامة(1) ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها،(2) فإن ادعت الشيعة أن ذلك كان في غزوة خيبر ثم أحلت في غزوة الأوطاس فمردود لأن غزوة خيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية، لامتعة النساء، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبدالله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله وجهه أنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بتحريم المتعة) فقد علم أن تحريم المتعة كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، فالذي بلغه النهي امتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعها وهدد من كان يرتكبها، وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها...
والجواب عن متعة الحج: -أعنى تأديه أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته -أن عمر لم يمنعها قط ورواية التحريم عنه افتراء صريح- نعم إنه كان يرى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعهما في إحرام واحد وهو القران أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي، وسفيان الثوري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقدم تخريجه ص396.
(2) تقدم تخريجه ص 396.
وإسحاق بن راهوية وغيرهم لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} إلى قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}(1) الآية فأوجب سبحانه الهدي على المتمتع لا على المفرد جبرا لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص، ولأنه صلى الله عليه وسلم حج في حجة الوداع مفردا، واعتمر في عمرة القضاء وعمرة جعرانة كذلك، ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة.
وأما ما رووا من قول عمر (وأنا أنهى عنهما) فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}(2) وقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان، ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه، فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم، وظهر لك مزيد ضلالهم والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو».(3)
فظهر بهذا بطلان دعوى الرافضة في طعنهم في عمر لنهيه عن المتعتين. أما متعة الحج فلم ينه عنها نهى تحريم وإنما كان نهيه على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة آية 196.
(2) وردت الآية في سورة (المؤمنون) آية 7، وفي سورة المعارج آية 31.
(3) مختصر التحفة الإثني عشرية ص256-258.
وجه الاختيار للأفضل، وذلك خشية منه أن يهجر البيت بترك الناس للاعتمار في غير أشهر الحج، وقيل إنما كان نهي عمر عن فسخ الحج
إلى عمرة وهذا هو قول أكثر أهل العلم، كما نقله ابن قدامة في المغني لأن الحج أحد النسكين فلم يجز فسخه كالعمرة.(1)
وأما متعة النساء فالذي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان أحلها وكان علي - رضي الله عنه - من أشد الناس إنكارا على من قال بحلها، وإنما قال بحلها ابن عباس -رضي الله عنهما- فأنكر عليه علي - رضي الله عنه - ورجع عن ذلك لما بلغه الحديث الذي رواه علي - رضي الله عنه - بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، وكذلك روى أحاديث تحريم المتعة غير علي
- رضي الله عنه - بعض الصحابة وهي مخرجة في صحاح أهل السنة كما تقدم، فأي لوم على عمر - رضي الله عنه - في نهيه عن المتعة بعد أن ثبت تحريم
رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إلى يوم القيامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر المغني لابن قدامة 5/252.
=============
رزية الخميس
في هذا المقام كلام لابن حجر في شرح هذا الحديث وفيه مقدمة لإعذار عمر
4078 (فتح الباري) حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال قال ابن عباس
يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه فذهبوا يردون عليه فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصاهم بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها
فقال ((ما شأنه أهجر ))

(1/342)


. وقيل : قال ذلك لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده , فكأنه قال : إن ذلك يؤذيه ويفضي في العادة إلى ما ذكر
ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله لجواز وقوع ذلك , ولهذا وقع في الرواية الثانية " فقال بعضهم إنه قد غلبه الوجع " ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن خلاد عن سفيان في هذا الحديث " فقالوا ما شأنه يهجر , استفهموه " وعن ابن سعد من طريق أخرى عن سعيد بن جبير " أن نبي الله ليهجر " , ويؤيده أنه بعد أن قال ذلك استفهموه بصيغة الأمر بالاستفهام أي اختبروا أمره بأن يستفهموه عن هذا الذي أراده وابحثوا معه في كونه الأولى أو لا
وقال النووي : اتفق قول العلماء على أن قول عمر " حسبنا كتاب الله " من قوة فقهه ودقيق نظره , لأنه خشي أن ((( يكتب ))) أمورا ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة , وأراد أن لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء . ((((وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه رأيه)))) , وأشار بقوله : " حسبنا كتاب الله " إلى قوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) . ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما هو فيه من شدة الكرب ,(((( وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون عنه )))), إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه صلى الله عليه وسلم لأجل اختلافهم , ولا يعارض ذلك قول ابن عباس إن الرزية إلخ , ل(((أن عمر كان أفقه منه قطعا))) . وقال الخطابي : لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد كتابته , بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت (((خشي أن يجد المنافقون سبيلا إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق))) فكان ذلك سبب توقف عمر , لا أنه تعمد مخالفة قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلا .
وقال ابن تيمية
وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه فقد جاء مبينا كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر
وفي صحيح البخاري عن القاسم بن محمد قال قالت عائشة وارأساه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان وأنا حي فاستغفر لك وأدعو لك قالت عائشة واثكلاه والله إني لأظنك تحب موتي فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا وارأساه لقد همت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ويدفع الله ويأبى المؤمنون
وفي صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة قال سمعت عائشة وسئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا لو استخلف قالت أبو بكر فقيل لها ثم من بعد أبي بكر قالت عمر قيل لها ثم من بعد عمر قالت أبو عبيدة عامر بن الجراح ثم انتهت إلى هذا
وأما عمر فاشتبه عليه هل كان قول النبي صلى الله عليه وسلم من شدة المرض أو كان من أقواله المعروفة والمرض جائز على الأنبياء ولهذا قال ماله أهجر فشك في ذلك ولم يجزم بأنه هجر والشك جائز على عمر فإنه لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما وقد شك بشبهة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان مريضا فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض كما يعرض للمريض أو كان من كلامه المعروف الذي يجب قبوله وكذلك ظن أنه لم يمت حتى تبين أنه قد مات
والنبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة فلما رأى أن الشك قد وقع علم أن الكتاب لا يرفع الشك فلم يبق فيه فائدة وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه كما قال ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
وقول ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب يقتضي أن هذا الحائل كان رزية وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو اشتبه عليه الأمر فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد
ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة والشيعة أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه وأما الشيعة القائلون بأن عليا كان هو المستحق للإمامة فيقولون إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصا جليا ظاهرا معروفا وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب وإن قيل إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور فلأن تكتم كتابا حضره طائفة قليلة أولى وأحرى

(1/343)


وأيضا فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبينه ويكتبه ولا يلتفت إلى قول أحد فإنه أطوع الخلق له فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبا ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ إذ لو وجب لفعله ولو أن عمر رضي الله عنه اشتبه عليه أمر ثم تبين له أو شك في بعض الأمور فليس هو أعظم ممن يفتي ويقضي بأمور ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بخلافها مجتهدا في ذلك ولا يكون قد علم حكم النبي صلى الله عليه وسلم فإن الشك في الحق أخف من الجزم بنقيضه
وكل هذا إذا كان باجتهاد سائغ كان غايته أن يكون من الخطأ الذي رفع الله المؤاخذه به كما قضى على في الحامل المتوفى عنها زوجها أنها تعتد أبعد الأجلين مع ما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قيل له إن أبا السنابل بن بعكك أفتى بذلك لسبيعة الأسلمية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذب أبو السنابل بل حللت فانكحى من شئت فقد كذب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي أفتى بهذا وأبو السنابل لم يكن من أهل الاجتهاد وما كان له أن يفتي بهذا مع حضور النبي صلى الله عليه وسلم
وأما علي وابن عباس رضي الله عنهما وإن كانا أفتيا بذلك لكن كان ذلك عن اجتهاد وكان ذلك بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن بلغهما قصة سبيعة
وهكذا سائر أهل الاجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم إذا اجتهدوا فأفتوا وقضوا وحكموا بأمر والسنة بخلافه ولم تبلغهم السنة كانوا مثابين على اجتهادهم مطيعين لله ورسوله فيما فعلوه من الاجتهاد بحسب استطاعتهم ولهم أجر على ذلك ومن اجتهد منهم وأصاب فله أجران.
===============
شبهات وردود منوعة
منها ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام للصحابة الحاضرين في حجرته المباركة : (( أئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا )) فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع . فقالوا : ماله ؟ أهجر ؟ أستفهموه . فقال : (( ذرونى ، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه )) فأمرهم بثلاث قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم . والثالثة إما أن سكت عنها ، وإما أن قالها فنسيتها .
وهذه رواية أهل السنة الصحيحة وزعموا أنه يستفاد منها الطعن على عمر بوجوه :
الأول أنه رد قول النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله كلها وحي لقوله تعالى ] وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ ورد الوحي كفر لقوله تعالى] ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ .
والجواب على فرض تسليم أن هذا القول صدر من الفاروق فقط أنه لم يرد قوله صلى الله عليه وسلم بل قصد راحته ورفع الحرج عنه صلى الله عليه وسلم في حال شدة المرض ، إذ كل محب لا يرضى أن يتعب محبوبه ولا سيما في المرض ، مع عدم كون ذلك الآمر ضروريا ، لم يخاطب بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بل خاطب الحاضرين تأدبا وأثبت الاستغناء عن ذلك بقوله تعالى ] اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا [ وقد نزلت الآية قبل هذه الواقعة بثلاثة أشهر ، وقد أنسد باب النسخ والتبديل والزيادة والنقصان في الدين ، فيتمنع إحداث شئ ، وتأكيد المتقدم مستغني عنه لا سيما في تلك الحالة . ولو كان بيان المصلحة رد الوحي وقول الرسول للزم ذلك على الأمير أيضا ، فقد روى البخاري الذى هو أصح الكتب عند أهل السنة بعد القرآن بطرق متعددة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بيت الأمير والبتول ليلة وايقظها من مضجعها وأمرهما بصلاة التهجد مؤكدا ، فقال الأمير : والله ما نصلى إلا ما كتب الله علينا أي الصلاة المفروضة ، وإنما أنفسنا بيد الله ، يعني لو وقفنا الله لصلاة التهجد لصلينا . فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب على فخذيه ويقول ] وكان الإنسان أكثر شئ جدلا [ فقد رد الأمير قول الرسول ، ولكن لما كانت القرائن الحالية دالة على صدق الأمير وأستقامته لم يلمه النبي صلى الله عليه وسلم

(1/344)


وروى البخاري أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تصالح مع قريش في الحديبية كتب الأمير كتاب الصلح وزاد لفظ (( رسول الله )) فأمتنع الكفار عن قبوله وقالوا : لو سلمنا بهذا اللقب لما حار بناه وصددناه عن طوائف البيت ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يمحو هذا اللفظ وأكد ذلك ، فلم يمحه الأمير لكمال الإيمان وخالف الرسول في ذلك حتى محاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة . وقد ثبتت مخالفة الأمير أيضا في كتبهم ، فقد روى محمد بن بابويه في ( الأمالى ) والديلمي في ( إرشاد القلوب ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فاطمة سبعة دراهم وقال : أعطيها عليا ومريه أن يشترى لأهل بيته طعاما فقد غلب عليهم الجوع ، فأعطتها عليا وقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تبتاع لنا طعاما . فأخذها علي وخرج من بيته ليبتاع طعاما لأهل بيته فسمع رجلا يقول : من يقرض الملى الوفي ؟ فأعطاه الدراهم . فقد خالف قول الرسول ، وتصرف في مال الغير ، ومع ذلك فأهل السنة لا يطعنون على الأمير بمثل هذه المخالفات ، بل لا يعدون ذلك مخالفة . فكيف يطعنون على عمر بما هو اخف منها ( 1 ) . وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود ، لأن أقواله صلى الله عليه وسلم لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى ] عفا الله عنك لم أذنت لهم [ وقال تعالى ] ولاتكن للخائنين خصيما [ وقال تعالى ] ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم [ وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر ] لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم [ وأيضا يلزمهم أن الأمير ايضا قد رد لوحي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، ومحو اللفظ ، وأبتياع الطعام مع انهم لا يقولون بذلك .
الثاني من وجوه الطعن أنه قال (( أهجر )) مع أن الأنبياء معصومون من هذه الأمور فاقوالهم وأفعالهم في جميع الأحوال والأوقات كلها معتبرة وحقيقية بالاتباع .
والجواب عن هذا أنه من أين يثبت أن قائل هذا القول عمر ؟ مع أنه قد وقع في أكثر الروايات (( قالوا )) بصيغة الجمع (( استفهموه )) على طريق الإنكار ، فإن النبي لا يتكلم بالهذيان البتة وكانوا يعلمون انه صلى الله عليه وسلم ما خط قط بل كان يمتنع صدور هذه الصنعة منه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ] وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخط بيمينك [ ولذا قالوا فاسئلوه . وتحقيق ذلك أن الهجر في اللغة هو أختلاط الكلام بوجه غير مفهم ، وهو على قسمين : قسم لا نزاع لحد في عروضه للأنبياء عليهم السلام وهو عدم تبيين الكلام لبحة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة ، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا صلى الله عليه وسلم كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته صلى الله عليه وسلم .
والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشى العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر . وهذا القسم وإن كان ناشئا من العوارض البدنية ولكن قد أختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء ، فجوزه بعضهم قياسا على النوم ، ومنعه آخرون ، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول يعنى ان هذا الكلام خلاف عادته صلى الله عليه وسلم فلعنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته فلا إشكال .
الثالث من وجوه الطعن أنه رفع الصوت وتنازع في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى ] يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي [ .
والجواب أنه من أين يثبت أن عمر أول من رفع الصوت ؟ وعلى تقديره فرفع صوته إنما كان على صوت غيره من الحاضرين لا على صوت النبي صلى الله عليه وسلم المنهي عنه في الآية ، والأول جائز والآية تدل عليه حيث قال كجهر بعضكم لبعض ، وقوله صلى الله عليه وسلم في إحدى الروايات (( قوما عني )) من قبيل قلة الصبر العارضة للمريض ، فإنه يضيق صدره إذا وقعت منازعة في حضوره ، وما يصدر من المريض في حق أحد لا يكون محلا للطعن عليه ، مع أن الخطاب كان لجميع الحاضرين المجوزين والمانعين .
الرابع من أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة ، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون ، ووبال جميع ذلك على عمر .

(1/345)


والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ومنعه عمر . وقوله تعالى ] اليوم أكملت لكم دينكم [ الاية تدل على عدم الحدوث ، بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه ، وإلا فلا يتصور منه صلى الله عليه وسلم أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله قط ، مع أن زمن نبوته أمتد ثلاثا وعشرين سنة ، وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع عمر ، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر ، فإنه صلى الله عليه وسلم قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين . فإن قيل : لو لم يكن ما يكتب أمرا دينيا فلم قال (( لن تضلوا بعدي )) ؟ قلنا : للضلال معان ( 1 ) ، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب ، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم ، وتجهيز جيش أسامة منه ، لا الضلالة والغواية عن الدين . فقد تبين لك بطلان ما طعنوا به ، وأظهر لك فساده وقبيح كذبه . والحمد لله رب العالمين ( 2 ) .
ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء ، وضربها على جنبها الشريف بقبضة سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك !
والجواب أن هذه القصة محض هذيان ، وزور من القول وبهتان . ولذا قد انكر صحتها أكثر الإمامية ، أن روايتها عندهم غير صحيحة ولا مرضية ، مع أن فعل عمر هذا لو فرض وقوعه فهو أقل مما فعله الأمير كرم الله تعالى وجهه مع أم المؤمنين عائشة الصديقة ، مع أنه لم يلحقه طعن من ذلك عند الفريقين بناء على حفظ الأنتظام في أمور الدنيا والدين :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
ومنها أن عمر أنكر موت الرسول صلى الله عليه وسلم وحلف أنه لم يمت ، حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى ] إنك ميت وإنهم ميتون [ .
والجواب أن ذلك من شدة دهشته بموت الرسول وكمال محبته له صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشئ ، وكثيرا ما يحصل الذهول بسبب تفاقم المصائب وتراكم الشدائد ، لأن النسيان والذهول من اللوازم البشرية ألا ترى أن يوشع – مع كونه نبيا معصوما – نسى أن يخبر موسى بفقد الحوت مع المكتل ، بل إن موسى تعالى - مع كونه من أولى العزم – قد نسى معاهدته مع الخضر على عدم السؤال ثلاث مرات ، وقال تعالى في حق آدم ] فنسى ولم نجد له عزما [ . وقد روى أبو جعفر الطوسي عن عبدالله الحلبي أن الإمام أبا عبدالله عليه السلام كان يسهو في صلاته ويقول في سجدتي السهو (( بسم الله وبالله ، وصلى الله على محمد وآله وسلم )) فأى ذنب لابن الخطاب بدهشته من هذا الامر العظيم ، وأى طعن عليه بسبب ما حصل له من فقد محبوبه صلى الله عليه وسلم ؟ فتبا لكم أيها الفرقة الضالة فقد نال الشيطان من عقولكم حتى صرتم شياطين أمثاله .
ومنها أن عمر كان لا يعلم بعض المسائل الشرعية التى هي شرط في الإمامة والخلافة كأمره برجم الحامل من الزنا ، فرده الأمير وقال له : إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها ، فندم حينئذ وقال : لولا علي لهلك عمر . وكما أراد رجم أمرأة مجنونة فرده الأمير بقوله صلى الله عليه وسلم (( رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق )) ، وكإتمامة عدد الضربات في حد أبنه أبي شحمة بعد ان مات في اثناء الحد ، مع أن الميت غير معقول ، وكعدم علمه بحد شرب الخمر حتى قرره بمشورة الصحابة ورأيهم .

(1/346)


والجواب عن الأول أن عمر رضي الله عنه لم يكن على علم بحمل المرأة لأن هذا أمر لا يدرك بالبصر إلا بعد تمام مدة الحمل وما يقاربه ، والأمير كان مطلعا على ذلك وأخبر بحملها فنبه عمر إلى ذلك فشكره ، والقضاء على ظاهر الحال لا يوجب النقص في الإمامة ، بل ولا في النبوة . ألا ترى أن موسى تعالى أخذ برأس أخيه الكبير ولحيته مع انه نبي وأهانه حين لم يطلع على حقيقة الآمر ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( إنما أن بشر ، وإنكم تختصمون إلى ، وإن بعضكم ألحن بحجته من بعض ، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار )) ، وقد روى عند الفريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا بإقامة الحد على أمرآة حديثة بنفاس فلم يقم عليها الحد خشية أن تموت ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال (( أحسنت ، دعها حتى ينقطع دمها )) فقد تبين أن عدم الاطلاع على حقيقة الحال غير الجهل بالمسائل الشرعية . وعن الثاني أن عمر رضي الله عنه لم يكن واقفا على جنونها أيضا ، فقد روى الإمام أحمد عن عطاء بن السايب عن أبي ظبيان الحصين بن جندب الجنبي أن امرأة أتوابها مأخوذة إلى عمر بجريمة الزنا فحكم برجمها بعدما ثبت ، فقادوها للرجم ، فإذا على لا قاهم في الطريق فسألهم : أين تذهبون بهذه المرأة ؟ فقالوا : إن الخليفة أمر برجمها لثبوت الزنا عنده ، فأخذها الأمير من ايديهم وجاء بها إلى عمر وقال : هذه المرأة مجنونة من بني فلان أنا أعلمها كما هي ، وقال (( رفع القلم عن المجنون حتى يفيق )) فمنع عمر من رجمها . فقد علم أن عمر كان يعلم أن المجنونة لا ترجم ، ولكن لم يكن له علم بجنونها . وعن المحدود بقى حيا بعد الحد ، نعم قد غشى عليه أثناء الحد ، ولذا توهم الناس موته . وعن الرابع أن عدم العلم بشئ لم يحدث من قبل ولم يعين في الشرع حكمه ليس محلا للطعن ، لأن العلم تابع المعلوم ، وحد شارب الخمر لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم معينا ومقررا ، بل كانوا يضربون الشارب بالنعال والجرائد والأسواط ، وقد خمن الصحابة ذلك من زمن أبي بكر بأربعين ضربة ، وقد تعدد شرب الخمر في خلافة عمر فجمع الصحابة كلهم وشاورهم في ذلك فقال الأمير وعبد الرحمن بن عوف : ينبغي أن يكون كحد القذف ثمانين جلدة ، لأن السكران يزول عقله بالسكر فربما يسب أحدا ويشتمه ، فأرتضى جميع الصحابة ذلك الاستنباط وأجمعوا عليه ، وقد ذكر هذه القصة ابن المطهر الحلي أيضا في ( منهاج الكرامة وبما ذكرنا من أن عمر زاد حد الخمر بقول الأمير أندفع الخامس ، هذا مع أن معرفة جميع الأحكام الشرعية بالفعل ليست شرطا للإمامة ، بل ولا النبوة ، فقد كانت توحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الأحكام الشرعية على حسب الوقائع . والإمام يعلم بعض الأحكام بالاجتهاد ، وربما يخطئ فيه كما روى الترمذي عن عكرمة أن عليا أحرق قوما أرتدوا عن الإسلام ، فبلغ ذلك ابن عباس فقال (( لو كنت أنا لقتلتهم )) فبلغ ذلك عليا فقال (( صدق ابن عباس )) والله تعالى الهادي .
ومنها أن عمر درأ حد الزنا عن المغيرة بن شعبة مع ثبوته بالبينة وهي اربعة رجال ، ولقن الرابع كلمة تدرأ الحد فقد قال له لما جاء للشهادة : أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين .
والجواب أن درء الحد إنما يكون بعد ثبوته ، ولم يثبت لعدم شهادة الرابع كما ينبغي ، وتلقينه الشاهد كذب وبهتان من أهل العدوان ، إذ قد يثبت في التواريخ المعتبرة كتاريخ البخاري وابن الأثير وغيرهما أنه لما جاء الرابع وهو زياد ابن ابيه قالوا له : أتشهد كأصحابك ؟ قال : أعلم هذا القدر ، إني رأيت مجلسا ونفسا حثيثا وأنتهازا ورأيته مستبطنها 0 أى مخفيها تحت بطنه – ورجلين كأنهما أذنا حمار ، فقال عمر : هل رأيت كالميل في المكحلة ؟ قال : لا . وقد وقع ذلك بمحضر الأمير وغيره من الصحابة . فأين التلقين يا أرباب الزور المفترين ؟ ولفظ (( أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين )) إنما قاله المغيرة في ذلك الحين كما هو حال الخصم مع الشهود ، ولا سيما إذا كان يترتب عليه حكم موجب لهلاكه . على ان عمر لو درأ الحد لكان فعله لفعل المعصوم ، فقد روى ابن بابويه في ( الفقيه ) أن ردلا جاء إلى أمير المؤمنين تعالى وأقر بالسرقة إقرارا موجبا للقطع ، فلم يقطع يده ، والله تعالى الهادي .
ومنها أن عمر لم يعط أهل البيت سهمهم من الخمس الثابت بقوله تعالى ] وأعلموا إنما غنمتم من شئ ، فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل [ فقد خالف حكم الله تعالى .

(1/347)


والجواب أن فعل عمر موافق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم . وتحقيقه أن أبا بكر وعمر كانا يخرجان سهم ذوى القربى من الخمس ويعطيانه لفقرائهم ومساكينهم كما كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعليه الحنفية وجمع كثير من الإمامية ، وذهب الشافعية إلى أن لهم خمس الخمس يستوى فيه غنيهم وفقيرهم ، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، ويكون بين بني هاشم والمطلب دون غيرهم ، والأمير أيضا عمل كعمل عمر فقد روى الطحاوى والدارقطني عن محمد بن إسحق أنه قال : سألت أبا جعفر محمد بن الحسين : إن أمير المؤمنين على بن أبي طالب لما ولى أمر الناس كيف كان يصنع في سهم ذوى القربى ؟ فقال : سلك به والله مسلك أبي بكر وعمر . إلى غير ذلك من رواياتهم ، فإذا كان فعل عمر موافقا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم والأمير يكون محلا للطعن ؟ ومن يضلل الله فلا هادي له ، نسأله تعالى السلامة من الغباوة والوله .
ومنها أن عمر أحدث في الدين ما لم يكن منه كصلاة التراويح وإقامتها بالجماعة ، فإنها بدعة كما أعترف هو بذلك ، وكل بدعة ضلالة . وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه )) .
والجواب أنه قد ثبت عند أهل السنة بأحاديث مشهورة متواترة أنه صلى الله عليه وسلم صلة التراويح بالجماعة مع الصحابة ثلاث ليالي من رمضان جماعة ولم يخرج في الليلة الرابعة وقال (( إني خشيت أن تفرض عليكم )) فلما زال هذا المحذور بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أحيى عمر هذه السنة السنية ، وقد ثبت في أصول الفريقين أن (( الحكم إذا كان معللا بعلة نص الشارع يرتفع ذلك الحكم إذا زالت العلة )) وأعترف عمر بكونها بدعة حيث قال (( نعمت البدعة هي )) فمراده أن المواظبة عليها بالجماعة شئ حديث لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وما ثبت في زمن الخلفاء الراشدين والأئمة المطهرين مما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم لا يسمى بدعة ، ولو سميت بدعة فهي حسنة ، والحديث مخصوص بإحداث ما لم يكن له اصل في الشرع . ومعلوم أن الشيعة لم يعتقدوا بدعية صلاة الشكر يوم قتل عمر رضي الله عنه ، وهو اليوم التاسع من ربيع الأول ، وتعظيم النيروز ، وتحليل فروج الجوارى ، وحرمان بعض الأولاد من بعض التركه ، إلى غير ذلك من الأمور التى لم تكن في زمنه صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أن الأئمة أحدثوها . أما أن لا يعتقد أهل السنة بدعية ما أحدثه عمر فلانه عندهم كالأئمة عند الشيعة لقوله صلى الله عليه وسلم (( ومن يعش منكم بعدي فسيرى أختلافا كثيرا ، فعليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ )) والله سبحانه الهادي .
ومنها ان عمر منع من متعة النساء ومتعة الحج ، مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه صلى الله عليه وسلم ، فنسخ حكم الله تعالى وحرم ما أحله سبحانه ، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله (( متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا أنهي عنهما )) .
والجواب أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست ، وأصحها البخاري ومسلم ، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوعا .وسبرة بن معبد الجهني أنه صلى الله عليه وسلم قد حرم هو المتعة بعد ما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام ، وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبدا إلى يوم القيامة . ومثل هذه الرواية في الصحاح الآخر ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها ، فإن ادعت الشيعة ان ذلك كان في غزوة خيبر ثم أحلت في غزوة الأوطاس فمردود ، لأن غزوة جيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية لا متعة النساء ، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد ابن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال : (( امرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بتحريم المتعة )) فقد علم ان تحريم المتعة كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين ، فالذى بلغه النهي أمتنع عنها ومن لا فلا ، ولما شاع في عهد عمر أرتكابها أظهر حرمتها واشاعها وهدد من كان يرتكبها . وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها وقد سبق ذلك في المسائل الفقيه فنذكر فما في العهد من قدم .

(1/348)


والجواب عن متعة الحج – اعنى تادية أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته – ان عمر لم يمنعها قط ، ورواية التحريم عنه افتراء صريح . نعم إنه كان برى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعها في إحرام واحد وهو القران ، أو في سفر واحد وهو التمتع ، وعليه الإمام الشافعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم لقوله تعالى ] وأتموا الحج والعمرة لله – إلى قوله – فمن تمتع بالعمرة إلى الحج [ الآية ، فأوجب سبحانه الهدى على المتمتع لا على المفرد جبرا لما فيه من النقصان ، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص ، لأنه صلى الله عليه وسلم حج في حجة الوداع منفردا واعتمر في عمرة القضاء وعمرة جعرانة كذلك ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة . وأما ما رووا من قول عمر(( وأنا أنهي عنهما )) فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى ] فمن أبتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [ وقوله تعالى ( 1 ) ] وأتموا الحج والعمرة لله [ إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه فلذلك أضاف النهي إلى نفسه ، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم وظهر لك مزيد ضلالهم ، والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو .
------------------------
( 1 ) منها قوله عز وجل للهادي الأعظم صلى الله عليه وسلم ] ووجدك ضالا فهدى [ .
( 2 ) وقد نبه السيد الحاج عمر نائب القضاء للدولة العثمانية في مدينة بغداد عند طبع هذا المختصر في الهند سنة 1315 على أن جميع روايات هذا الحديث مروية عن ابن عباس ، وأنه كان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم صغير السن ، ولذلك نقلت عنه الواقعة بألفاظ مختلفة . وأن عمر كان يعلم أن العباس كان له هوى في أن يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم قول في أستخلافه أو أستخلاف يصرح النبي صلى الله عليه وسلم باسم أبي بكر فيدخل من ذلك في أبي بكر دل عليه تقديمه للصلاة بالناس . فخشى عمر أن يصرح النبي صلى الله عليه وسلم باسم ابي بكر فيدخل من ذلك شئ من الحزن على نفس العباس ، فأراد أن يبقى هذا الآمر لتقدير الله عز وجل ، والذى يريده الله لهذه الأمة فلن يكون غيره . وهذا ما وقع بالفعل والحمد لله على ما كان ، وقد كان به الخير كله لهذا الدين وأهله . ورضي الله عن الخلفاء الراشدين كلهم وعن صحابة رسول الله أجمعين .
================
عمر رضي الله عنه ورزية الخميس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن مغالطات الشيعة لأهل السنة في الأصول والفروع كثيرة شديدة البعد عن الصواب. وهي تشير إلى محاولات جادة ومستمرة لتكوين مجتمع قائم على مذهب التشيع منفصل عن الأمة الإسلامية. ومن تلك الأمور التي خالفوا فيها إجماع أهل السنة تكفيرهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا منهم. هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: )والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم"، وقال تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا(.
إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم حملة هذا الدين وورثة النبي الكريم المبلغين رسالته والناشرين دعوته، والرافعين رايته، والمجاهدين في سبيل الله، والممدوحين في كلام الله، والذين اتبعوهم من بعدهم ساروا على دربهم واقتدوا بهم، وهم السواد الأعظم من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . فتكفيرهم تكذيب لله ولرسوله.
ولقد عمم الإمامية تكفيرهم للناس حتى طال كل من لم يؤمن بأصول الشيعة ولم يكن اثني عشريا. وهذا أحد كبرائهم وهو نعمة الله الجزائري يقول: (الإمامية قالوا بالنص الجلي على إمامة علي، وكفروا الصحابة، ووقعوا فيهم وساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق وبعده إلى أولاده المعصومين)[1]. وقال عن أهل السنة: (إنهم كفار أنجاس بإجماع علماء الشيعة الإمامية، وإنهم شر من اليهود والنصارى. وإن من علامات الناصبي تقديم غير علي عليه في الإمامة)[2]. ويقول المظفر صاحب العقائد المشهورة: (مات النبي صلى الله عليه وسلم ولا بد أن يكون المسلمون كلهم -لا أدري الآن- قد انقلبوا على أعقابهم)[3]. ويقول عبد الله شبر كتابه تاج الفقهاء: (وأما سائر المخالفين ممن لم ينصب ولم يعاند ولم يتعصب فالذي عليه جملة من الإمامية كالسيد المرتضى أنهم كفار في الدنيا والآخرة، والذي عليه الأكثر الأشهر أنهم كفار مخلدون في الآخرة). اهـ

(1/349)


وخصصوا بالنكير والتكفير أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما اللذان ورد في الصحاح من فضائلهما أحاديث كثيرة مشهورة، ولو لم يرد في أبي بكر سوى حديث عدل إيمانه بإيمان الأمة وفي عمر غير قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه "لو كان نبي بعدي لكان عمر" لكفاهما. ولكن ما أشار إليه القرآن الكريم في ذلك أقوى وأبلغ كذكر أبي بكر في الغار عند الهجرة، واختيار الله ورسوله له ليصحب النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة. وحكم الله تعالى لعمر في المسائل الثلاث المشهورة. كل ذلك في فضلهما وعظيم شأنهما عند الله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
واعتمادهم في الطعن على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتكفيره هو على حديث البخاري في حادثة الكتابة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته. فقد ادعوا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه (يهجر). وهو مجرد ادعاء واتهام عار عن الصحة كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
أولا: مما ورد في الطعن على سيدنا عمر من كتب الشيعة في هذه الحادثة:
1- يقول الخميني:
(عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في فراش المرض، ويحف به عدد كثير، قال مخاطبا الحاضرين: تعالوا أكتب لكم شيئا يحميكم من الوقوع في الضلالة، فقال عمر بن الخطاب: لقد هجر رسول الله. وقد نقل نص هذه الرواية المؤرخون وأصحاب الحديث من البخاري ومسلم وأحمد مع اختلاف في اللفظ، وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري. الواقع أنهم ما أعطوا الرسول حق قدره… الرسول الذي كد وجد وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم، وأغمض عينيه وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية والنابعة من الكفر والزندقة). اهـ[4]
2- ويقول ابن المطهر الحلي:
(المطلب الثاني: في المطاعن التي نقلها السنة عن عمر بن الخطاب. نقل الجمهور عن عمر مطاعن كثيرة منها قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم لما طالب في حال مرضه دواة وكتفا ليكتب فيه كتابا لا يختلفون بعده وأراد أن ينص حال موته على علي ابن أبي طالب "ع"، فمنعهم عمر وقال: إن رسول الله ليهجر حسبنا كتاب الله. فوقعت الغوغاء وضجر النبي فقال أهله: لا ينبغي عند النبي الغوغاء. فاختلفوا فقال بعضهم: أحضروا ما طلب، ومنع آخرون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ابعدوا. هذا الكلام في صحيح مسلم. وهل يجوز مواجهة العامي بهذا السفه فكيف بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ). اهـ [5]
3- ويقول العاملي البياضي في مطاعن عمر:
(وثالثها أن الغوغاء لم تكن بطلب الكتاب بل بالمخالفة كما أخرجه البخاري وغيره من قول بني هاشم قربوا إليه كتابا وقول عمر ومن معه لا ندعه يكتب وإنه قد هجر … وهذا آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد قال الله: )إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله(. اهـ [6]
4- ويقول القاضي نور الدين التستري:
(وذلك لأن أول من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه هو عمر بن الخطاب خليفة…حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آتوني بدواة وكتف لأكتب كتابا لن تضلوا بعده أبدا فقال عمر إن الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله).اهـ[7]
5- وذكر مثل ذلك الأربلي في كتابه كشف الغمة.[8]
ثانيا: نص حديث البخاري ومسلم المتفق عليه والروايات الأخرى
سنذكر ههنا نص الحديث كما ورد في المصادر الحديثية لا كما أوردها الشيعة الامامية، وذلك لكي يتبين للقارئ الكريم ما وقع فيه الشيعة من مجانبة للحق والصواب في هذا المطلب العظيم.
- (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده"، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا؛ فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر؛ فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قوموا". قال عبيد الله فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم)[9]
- وفي رواية عند البخاري قال صلى الله عليه وسلم عندما كثر عنده اللغط: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. قال الراوي ونسيت الثالثة). [10]
- وفي رواية أخرى للبخاري: (ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه. فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه).[11]

(1/350)


- وفي رواية أخرى للبخاري أن من قال إن رسول الله وجع بعض الرجال دون نسبة هذا القول لعمر؛ وفيها أن طائفة من أهل البيت كانت مع عمر في رواية جاء فيها: (لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال صلى الله عليه وسلم : "هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده". فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلون بعده، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا).[12]
- وفي رواية عند الحاكم في المستدرك: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "توني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا"ثم ولانا قفاه، ثم أقبل علينا فقال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"). [13]
وهذا يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب شيئا من ذلك الكتاب والذي يتضمن استخلاف أبي بكر لا كما تدعي الشيعة.
- وفي رواية "البيهقي" جاءت كلمة هجر بصيغة السؤال:
(قالوا ما شأنه أهجر؟ استفهموه. فذهبوا يفدون عليه. قال: "دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه").[14]
- وفي رواية له:
(فقال بعض من كان عنده إن نبي الله ليهجر).[15] وكذا عند الطبري.[16] وعند الإمام أحمد بصيغة (فقالوا ما شأنه أهجر…)[17].
- وفي مسند الحميدي من حديث ابن عباس (فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه…).
- وعند أبي يعلى من غير لفظة (هجر) ولا (وجع) من حديث ابن عباس: (اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: "ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده". فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقال: "دعوني، فما أنا فيه خير مما تسألون عنه". قال أمرهم بثلاث)[18].
ثالثا: ما نستخلصه من مجموع هذه الروايات ما يلي:
1. قوله في الحديث "هجر رسول الله" -أي هذي- لم تنسب إلى عمر بن الخطاب في أي رواية لا في الصحيحين ولا في غيرهما من كتب أهل السنة كما يدعي علماء الشيعة، وكما يدعي الكاتب الأمين في نقله حيث يقول: (فوجدتها مثبتة في الصحيحين). نعم هي مثبتة في الصحيحين لكن لا بلفظ هجر عن سيدنا عمر الذي هو محل الكلام، فماذا يسمى هذا في عرف أهل العلم؟ وإنما نسبت لبعض الرجال الحاضرين كما في رواية الشيخين. والأصح كما يقول الإمام النووي والسيوطي والقاضي عياض رواية (أهجر) بالهمز أي بالاستفهام اعتراضا على من رفض الكتابة للرسول صلى الله عليه وسلم ، أي هل يمكن أن يهذي حتى تمنعوا عن أن تحضروا دواة ليكتب لنا الكتاب؟
وقال الإمام النووي: (وإن صحت الروايات الأخرى كانت خطأ من قائلها، قالها بغير تحقيق بل لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظيم ما شاهده من النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحال الدالة على وفاته وعظيم المصاب وخوف الفتن والضلال بعده)اهـ[19]
ولك أن تقارن بين موقف أهل السنة من هذه الروايات ومحاولة حملها على معان تليق بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وموقف الشيعة الذين شنعوا على الصحابة وطعنوا عليهم وقولوهم ما لم يثبت أنهم قالوه.
2. قول عمر "إنه وجع" عند البخاري ومسلم، معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعب والكتاب الذي سيكتبه سيطول ويؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيل مرضه ولا نريد أن نؤذي رسول الله، فسيكتبه عندما يصح من وعكته، فإن الله لا يقبضه قبل إكمال الرسالة. وعمر لم يكن يتوهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل عدم تصديقه لخبر وفاته عندما أعلن عنها، فعدم كتابة ذلك كان شفقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يتأذى لأن الكتابة ستطول. ولا يخفى أن إثبات لفظ الوجع من عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه منقصة له عليه الصلاة والسلام.
3. إن رفض الكتابة لم يكن من عمر وحده فالروايات كما مر ذكرت "أهل البيت" و"بعض القوم". وهو شامل لكل من حضر في البيت كما ذكر في الصحيحين وغيره وحمله على عمر دون غيره تحكم ظاهر.

(1/351)


4. أمره عليه الصلاة والسلام لم يكن على وجه الوجوب وإنما على وجه الندب؛ كما بين الإمام المازري والقرطبي ذلك لقرائن فهمها بعض الصحابة الذين رفضوا الكتابة، بينما ظن الباقون إنها للوجوب؛ فحملها من منع الكتابة على الندب كما حملوا قوله عليه السلام: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة". فكرهوا أن يكلفوه وهو في تلك الحالة مع استحضار قوله تعالى: )ما فرطنا في الكتاب من شيء(. والذي يدل على أن أمره كان للندب عدم إنكاره عليه الصلاة والسلام لمن خالف أمره لأن النبي لا يقر مخالفة الواجب إجماعا واتفاقا، وبقاؤه حيا أربعة أيام بعد ذلك دون أن يكتب كما نص على ذلك الإمام البخاري.[20] ولو كان أمره واجبا والله أمره بالكتابة لما توانى لحظة عن الكتابة ولعاد إلى الطلب مرارا، وهو المأمور بتبليغ ما أمر به. وهذا موافق لما فهمه سيدنا علي في صلح الحديبية عندما أمره صلى الله عليه وسلم بمحي كلمة رسول الله فلم يفعل ذلك سيدنا علي لحمله "على تقديم الأدب على الامتثال" كما ذكره أهل السنة. وإليك الفقرة من الحديث كما رواها أهل السنة والشيعة: عندما رفض المشركون كتابة "محمد رسول الله": ( فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله؛ لو كنت رسولا لم نقاتلك. فقال لعلي: "امحه". فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه. فمحاه رسول الله بيده …)[21]. وفي كتب الشيعة مثل ذلك: ( امح يا علي واكتب محمد بن عبد الله. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أمحو اسمك من النبوة أبدا فمحاه رسول الله بيده). اهـ [22]
5. أنه عليه الصلاة والسلام عندما قال: ( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه)، ليس إنكارا على من رفض الكتابة، وإنما معناه: اتركوني لأتفكر وأذكر ربي وأحمده خير من هذا اللجاج. فمراقبة الله تعالى والاستعداد للقائه أفضل من اللجاج.
6. أنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين أوصى قبل موته وصيته المشهورة بإخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد والثالثة التي نسيها الراوي. مما يدل على نسخ أمر الله له بالكتابة وإلا لكتب كما أملى وصيته.
7. أنه صلى الله عليه وسلم ربما أملى شيئا من هذا الكتاب كما ذكر الحاكم في المستدرك: (أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، ثم ولانا قفاه؛ ثم أقبل علينا فقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ولم يمل غير ذلك؛ فكان باستطاعته أن يكمل الإملاء وقد عرفنا الكتاب ومضمونه فجعل الاستخلاف لأبي بكر دون غيره.
8. قال الإمام النووي: (وأما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق علماء المتكلمين في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لأنه خشي أن يكتب صلى الله عليه وسلم أمورا ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها؛ فقال عمر: حسبنا كتاب الله. لقوله تعالى: ) ما فرطنا في الكتاب من شيء (، وقوله تعالى: )اليوم أكملت لكم دينكم (فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة).[23]
9. لو كان مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه – من أصول دينهم، كما يدعي الشيعة بأن الإمامة إنما هي المصححة للتكليف- لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره لقوله تعالى: )يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس(، وقوله تعالى: )الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله(. وهو صلى الله عليه وسلم لم يترك ذلك لمخالفة من خالفه من المشركين واليهود ومعاداة من عاداه، فبأولى أن لا يتركه ههنا. ثم قبل ذلك وبعده لا يتصور منه صلى الله عليه وسلم أن يكتم شيئا مما أمر بتبليغه، لأن ذلك مما يستحيل في حقه كما هو مبين في عقائد أهل السنة كأصل من أصول دينهم.
10. إن قول عمر كان لتحصيل الأمة فضيلة الاجتهاد ولئلا يسد هذا الباب الذي أصله لهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا اجتهد الحاكم) الحديث.
11. إن أمره عليه الصلاة والسلام لصحابته بالكتابة أمر اجتهادي منه، وليس تبليغا من الله تعالى، ويدل على ذلك أن عمر اجتهد سابقا مخالفا للحكم الظاهر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن بموافقته فظن عمر أن هذا المقام كتلك المقامات بأنه أمر اجتهادي من الرسول صلى الله عليه وسلم ، يرجع فيه إلى المقاصد والأصول العامة للدين، لا أمر منصوص عليه مقطوع به. والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه عدم كتابة ذلك فدل على أن الأمر كما ظن عمر بدليل إقراره عليه السلام بالسكوت.

(1/352)


12. قال الإمام النووي: (وقول عمر حسبنا كتاب الله رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم ) اهـ[24]. وهذا حمل لطيف لكلام عمر رضي الله عنه ، لما أن مهابته عليه السلام وإجلاله في قلوب الصحابة كانت أكبر من أن يواجه بالرد. على أن كلام عمر إذا تصورناه قيل بلطف لرسول الله، فليس فيه ما يشكل أبدا. وكلام النووي أن عمر قد جادله بعض الصحابة وأنكروا عليه مستدلين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يستحيل عليه أن يهذي فلم تمنعنا من الكتابة، فأجابهم عمر: "حسبنا كتاب ربنا"، أي )تبيانا لكل شيء( كما قال الله تعالى. ويؤخذ من هذا الفهم عدم نسبة قول (أهجر؟) لسيدنا عمر رضي الله عنه بل لمن نازعه في منعه من الكتابة.
13. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لو نص على شيء أو أشياء لم يرفع ذلك الخلاف كما يقول ابن الجوزي، لأن الحوادث لا يمكن حصرها فهذا دليل على عدم جزمه عليه الصلاة والسلام بما أمر. أي أن الاختلاف سنة كونية باقية قطعا فلو نص الرسول صلى الله عليه وسلم على ما أراد التنصيص عليه لما رفع الخلاف ولأوهم الخطأ والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله، ولكان مبررا قويا للطعن فيه وفي هذا الدين العظيم.
14. قال الخطابي في الحديث:
( لا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ظن ذلك مما لا يليق به بحال، ولكنه لما رأى ما غلب على رسول الله من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه فيجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين وقد كان أصحابه عليه الصلاة والسلام يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه في يوم الحديبية في الخلاف وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم. قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه، وقد أجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه. قال: ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية، وقد سها في الصلاة، فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته؛ فلهذه المعاني وشبهها راجعه عمر رضي الله عنه ).[25]
15. أن الإمامية أنفسهم نسبوا لبعض أئمتهم ما رموا به عمر من نسبة الهذيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذه رواية روتها كتب الشيعة الإمامية في حق أحد الأئمة وهو معصوم عندهم؛ ولا فرق بينه وبين النبي إلا بالوحي. تأمل. فقد قال ابن طاوس شرف العترة وركن الإسلام: (ومن ذلك في دلائل علي بن الحسين عليه السلام ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر بن رستم قال: حضر علي بن الحسين الموت فقال لولده: يا محمد أي ليلة هذه… ثم دعا بوضوء فجيء به، فقال: إن فيه فأرة، فقال بعض القوم إنه يهجر فجاءوا بالمصباح..). اهـ[26]
فانظر كيف أثبتوا لمعصوم عندهم بألسنتهم ما استشنعوه في حق معصوم آخر، على فرض ثبوته.
16. لا يستقيم أن يكون سيدنا عمر قد ارتكب خطأ جسيما في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يقابل من سيدنا علي رضي الله عنه بهذا الثناء، كما ورد في نهج البلاغة، وكما هو مثبت في غيره من الكتب المعتمدة هند الشيعة؛ حتى أنه لفرط محبته له ولبقية الخلفاء الراشدين وتقديره لهم سمى بعض أبنائه أبا بكر، وعمر، وعثمان. وزوج ابنته من السيد فاطمة (أم كلثوم) من سيدنا عمر رضي الله عنه . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، فهل يكون هذا فعل معصوم قد علم إساءة هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل وفسقهم وتآمرهم على الدين وردتهم، فيقابلهم بالمحبة والتقدير والثناء. والحمد لله رب العالمين.
ملحوظة: قولنا في (15) تأمل، للفت النظر أنا وجدنا في بعض روايات الشيعة ما يفهم منه إثبات أن الأئمة يوحى إليهم أيضا تماما كالأنبياء، من ذلك ما رواه الكليني كذبا عن بعض الأئمة من قوله: (إن الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحا ومساء)[27]. وغير ذلك بل وأعظم من ذلك كما سيأتي في الكلام عن غلوهم. اهـ جوابهما عن الشبهة الأولى.
--------------------------------------------------
1- الأنوار النعمانية 2/244
2- الأنوار النعمانية 2/206
3- كتابه السقيفة ص87
1- كشف الأسرار ص 137
2- نهج الحق ص 273
1- الصراط المستقيم ج3 / ص6
2- الصوارم المهرقة ص 224
3- كشف الغمة ج1/420
1- صحيح مسلم 3 /1259. دار إحياء التراث، وصحيح البخاري 5/2146 دار ابن كثير
2- صحيح البخاري 3/1111.
3- صحيح البخاري 3/ 1155.
1- صحيح البخاري 4/ 1612.
2- المستدرك على الصحيحين 3/542.
3- السنن الكبرى 4/ 433.
1- الطبقات الكبرى ج2/ ص242
2- التاريخ ج2 / ص228

(1/353)


3- مسند الإمام أحمد 1/222
4- مسند أبي يعلى 4/ 298
1- شرح صحيح مسلم 11/93
1- صحيح البخاري من حديث سعيد بن جبير فتح الباري 8/133
2- فتح الباري 5/303
3- الإرشاد 1/ 121. وإعلام الورى 97. وتفسير القمي 2/313.
1- شرح صحيح مسلم 11/90.
1- شرح مسلم 11/93
1- شرح مسلم 11/91.
1- فرج المهموم ص 228
1- الكافي ج2/10
===============
الرد على كذب الشيعة ان سيدنا عمر انهزم في غزوة حنين
ذكر احد الرافضة أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فر وانهزم من معركة حنين وهذا الحديث أدناه يدل على ذلك
(4067) - وقال الليث: حدثني يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد، مولى أبي قتادة قال: لما كان حنين، نظرت إلى رجل من المسلمين، يقاتل رجلا من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني، وأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت، ثم ترك، فتحلل، ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه). فقمت لألتمس بينة على قتيلي، فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: كلا، لا يعطه أصيبغ من قريش ويدع أسدا من أسد الله، يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلي، فاشتريت منه خرافا، فكان أول مال تأثلته في الإسلام. صحيح البخاري
الرد عليهم
في البداية يجب ان نعرف ان هذه الرواية التي وردت في البخاري قد تناولها الامام ابن حجر صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري جاءت من ضمن روايتين ساضعهما ثم اضع تعليق الامام ابن حجر عليهما
الرواية الاولى
الحديث: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقلت ما بال الناس قال أمر الله عز وجل ثم رجعوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه فقلت من يشهد لي ثم جلست قال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست قال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله فقمت فقال ما لك يا أبا قتادة فأخبرته فقال رجل صدق وسلبه عندي فأرضه مني فقال أبو بكر لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيعطيك سلبه
فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق فأعطه فأعطانيه فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام
الرواية الثانية التي رواها الليث ( التي استشهد بها الرافضي )

(1/354)


وقال الليث حدثني يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له ما شأن الناس قال أمر الله ثم تراجع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه فقمت لألتمس بينة على قتيلي فلم أر أحدا يشهد لي فجلست ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جلسائه سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي فأرضه منه فقال أبو بكر كلا لا يعطه أصيبغ من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلي فاشتريت منه خرافا فكان أول مال تأثلته في الإسلام
فقد كتب الامام ابن حجر معلقا على الرواية الثانية (رواية الليث )
واقتبس من رده
(، وقد أطلق في رواية الليث الآتية بعدها أنهم انهزموا، لكن بعد القصة التي ذكرها أبو قتادة، وقد تقدم في حديث البراء أن الجميع لم ينهزموا.) انتهى الاقتباس
واضيف انه من الواجب لمن اراد ان يفهم الحديث ان يتتبع طرق الحديث الاخرى والاحاديث المتصلة بموضوع الحديث لكي يسهل فهم ما جاء بالحديث وتجميع اجزاء الصورة من الجوانب المختلفة .
وهنا حديث البراء وشرحه الذي اشاراليه الامام ابن حجر رحمه الله
وقد ورد ضمن الشرح ان من ممن ثبتوا يوم حنين سيدنا ابوبكر وعمر وعلي رضي الله عنهم الرواية مع شرح الامام ابن حجر رحمه الله الواردة في فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني
الحديث: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن أبي إسحاق قال سمعت البراء رضي الله عنه وجاءه رجل فقال يا أبا عمارة أتوليت يوم حنين فقال أما أنا فأشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يول ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
الشرح: حديث البراء، قوله: (عن أبي إسحاق) هو السبيعي، ومدار هذا الحديث عليه، وقد تقدم في الجهاد من وجه آخر عن سفيان وهو الثوري قال: " حدثني أبو إسحاق".
قوله: (وجاءه رجل) لم أقف على اسمه، وقد ذكر في الرواية الثالثة أنه من قيس.
قوله: (يا أبا عمارة) هي كنية البراء.
قوله: (أتوليت يوم حنين) الهمزة للاستفهام وتوليت أي انهزمت، وفي الرواية الثانية " أوليتم مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين " وفي الثالثة " أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكلها بمعنى.
قوله: (أما أنا فأشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يول) تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي صلى الله عليه وسلم لظاهر الرواية الثانية، ويمكن الجمع بين الثانية والثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد منه صلى الله عليه وسلم.
قال النووي: هذا الجواب من بديع الأدب، لأن تقدير الكلام فررتم كلكم.
فيدخل فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام وكأنه لم يستحضر الرواية الثانية.

(1/355)


وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصة أن الجميع لم يفروا كما سيأتي بيانه، ويحتمل أن البراء فهم من السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع الذي أخرجه مسلم بلفظ " ومررت برسول الله صلى الله عليه وسلم منهزما " فلذلك حلف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يول، ودل ذلك على أن منهزما حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى " ومررت برسول الله صلى الله عليه وسلم منهزما وهو على بغلته فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا " ويحتمل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: (ثم وليتم مدبرين) فبين له أنه من العموم الذي أريد به الخصوص.
قوله: (ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن) فأما سرعان فبفتح المهملة والراء، ويجوز سكون الراء، وقد تقدم ضبطه في سجود السهو في الكلام على حديث ذي اليدين، والرشق بالشين المعجمة والقاف رمي السهام، وأما هوازن فهي قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بمعجمة ثم مهملة ثم فاء مفتوحات ابن قيس بن عيلان بن إلياس بن مضر، والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك، وقد بين شعبة في الرواية الثالثة السبب في الإسراع المذكور قال: كانت هوازن رماة، قال: وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا.
وللمصنف في الجهاد " انهزموا " قال: " فأكببنا " وفي روايته في الجهاد في باب من قاد دابة غيره في الحرب " فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام"، وللمصنف في الجهاد أيضا من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق تكملة السبب المذكور قال: " خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا - بضم المهملة وتشديد السين المهملة - ليس عليهم سلاح، فاستقبلهم جمع هوازن وبني نضر ما يكادون يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون " الحديث.
وفيه " فنزل واستنصر، ثم قال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
ثم وصف أصحابه " وفي رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق " فرموهم برشق من نبل كأنها رجل جراد فانكشفوا " وذكر ابن إسحاق من حديث جابر وغيره في سبب انكشافهم أمرا آخر، وهو أن مالك بن عوف سبق بهم إلى حنين فأعدوا وتهيأوا في مضايق الوادي، وأقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين.
وفي حديث أنس عند مسلم وغيره من رواية سليمان التيمي عن السميط عن أنس قال: " افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت: صف الخيل، ثم المقاتلة، ثم النساء من وراء ذلك، ثم الغنم ثم النعم.
قال: ونحن بشر كثير، وعلى ميمنة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن تعلم من الناس " وسيأتي للمصنف قريبا من رواية هشام بن زيد عن أنس قال: " أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم ونعمهم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ومعه الطلقاء، قال: فأدبروا عنه حتى بقي وحده " الحديث.
ويجمع بين قوله: " حتى بقي وحده " وبين الأخبار الدالة على أنه بقي معه جماعة بأن المراد بقي وحده متقدما مقبلا على العدو، والذين ثبتوا معه كانوا وراءه، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك.
ووقع في رواية أبي نعيم في " الدلائل " تفصيل المائة: بضعة وثلاثون من المهاجرين والبقية من الأنصار ومن النساء أم سليم وأم حارثة.
قوله: (وأبو سفيان بن الحارث) أي ابن عبد المطلب بن هاشم وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامه قبل فتح مكة لأنه خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه في الطريق وهو سائر إلى فتح مكة فأسلم وحسن إسلامه، وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت.
وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة قال: لما فر الناس يوم حنين جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، فلم يبق معه إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم: علي والعباس بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر.
قال: وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل.
وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: " لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين، وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل " وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين.

(1/356)


وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس؛ وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة " وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين، وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط وذلك قوله: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا وعاشرنا وافى الحمام بنفسه لما مسه في الله لا يتوجع ولعل هذا هو الثبت، ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم، وممن ذكر الزبير بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين أيضا جعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وشيبة بن عثمان الحجبي، فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله، فأقبل عليه فضربه في صدره وقال له: قاتل الكفار، فقاتلهم حتى انهزموا.
قال الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة.قوله: (آخذ برأس بغلته) في رواية زهير " فأقبلوا أي المشركون هنالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر".
قال العلماء: في ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة يومئذ دلالة على النهاية في الشجاعة والثبات.
وقوله: " فنزل " أي عن البغلة " فاستنصر " أي قال: اللهم أنزل نصرك.
وقع مصرحا به في رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق.
وفي حديث العباس عند مسلم " شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث فلم نفارقه " الحديث، وفيه " ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه " ويمكن الجمع بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها فلما ركضها النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة المشركين خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا له لأنه كان عمه.
قوله: (بغلته) هذه البغلة هي البيضاء، وعند مسلم من حديث العباس " وكان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي " وله من حديث سلمة " وكان على بغلته الشهباء " ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن صنف السيرة أنه صلى الله عليه وسلم كان على بغلته دلدل، وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس؛ وقد ذكر القطب الحلبي أنه استشكل عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد فقال له: كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة وكنت حينئذ سيريا محضا، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف.
قال القطب الحلبي: يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته، وإلا فما في الصحيح أصح.
ودل قول الدمياطي أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السير وخالف الأحاديث الصحيحة، وأن ذلك كان منه قبل أن يتضلع من الأحاديث الصحيحة ولخروج نسخ من كتابه وانتشاره لم يتمكن من تغييره.
وقد أغرب النووي فقال: وقع عند مسلم " على بغلته البيضاء " وفي أخرى " الشهباء " وهي واحدة ولا نعرف له بغلة غيرها.
وتعقب بدلدل فقد ذكرها غير واحد، لكن قيل إن الاسمين لواحدة.
قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) قال ابن التين: كان بعض أهل العلم يقوله بفتح الباء من قوله: " لا كذب " ليخرجه عن الوزن، وقد أجيب عن مقالته صلى الله عليه وسلم هذا الرجز بأجوبة أحدها أنه نظم غيره، وأنه كان فيه: أنت النبي لا كذب أنت ابن عبد المطلب، فذكره بلفظ " أنا " في الموضعين.
ثانيها أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود.
ثالثها أنه لا يكون شعرا حتى يتم قطعة، وهذه كلمات يسيرة ولا تسمى شعرا.
رابعها أنه خرج موزونا ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة، وقد تقدم هذا المعنى في غير هذا المكان، ويأتي تاما في كتاب الأدب.

(1/357)


وأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شابا، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم: أيكم ابن عبد المطلب وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد النبي صلى الله عليه وسلم تنبيه أصحابه بأنه لا بد من ظهوره وأن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم.
وأما قوله " لا كذب " ففيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حق، فلا يجوز علي الفرار.
وقيل: معنى قوله: " لا كذب " أي أنا النبي حقا لا كذب في ذلك.
(تنبيهان) : أحدهما ساق البخاري الحديث عاليا عن أبي الوليد عن شعبة، لكنه مختصر جدا.
ثم ساقه من رواية غندر عن شعبة مطولا بنزول درجة.
وقد أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة الفضل بن الحباب عن أبي الوليد مطولا، فكأنه لما حدث به البخاري حدثه به مختصرا.
(الثاني) اتفقت الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث من سياق هذا الحديث إلى قوله: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " إلا رواية زهير بن معاوية فزاد في آخرها " ثم صف أصحابه " وزاد مسلم في حديث البراء من رواية زكريا عن أبي إسحاق قال البراء: " كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه " يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
ولمسلم من حديث العباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ صار يركض بغلته إلى جهة الكفار " وزاد فقال: " أي عباس ناد أصحاب الشجرة، وكان العباس صيتا، قال: فناديت بأعلى صوتي أين أصحاب الشجرة، قال فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك.
قال فاقتتلوا والكفار، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس.
ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، قال: فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا " ولابن إسحاق نحوه وزاد " فجعل الرجل يعطف بغيره فلا يقدر، فيقذف درعه ثم يأخذ بسيفه ودرقته ثم يؤم الصوت".
وهنا أاضع رواية الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك التي ذكر فيها ثبات سيدنا ابوبكر وعمر وعلي رضي الله عنهما يوم حنين
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: لما أستقبلنا وادي حنين، أنحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه أنحدارا- قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا- فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد؛ وأنهزم الناس أجمعوا، فأنشمروا لا يلوي أحد على أحد؛ وأنحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس! هلم إلى! أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله! قال: فلا شيء، أحتملت الإبل بعضها بعضا، فأنطلق الناس؛ إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وممن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر، عمر، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد- وهو أيمن بن أم أيمن- وأسامة بن زيد بن حارثة. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، أمام الناس وهوازن خلفه ، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه؛ فأتبعوه. ولما أنهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر؛ والأزلام معه في منانته؛ وصرخ كلدة بن الحنبل- وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: أسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن! وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخوبني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري- وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمدا. قال: فأردت رسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، وعلمت أنه قد منع مني . تاريخ الرسل والملوك / الطبري / حنين وهنا تنجلي الحقيقة ليخيب فأل الرافضة والحمدلله رب العالمين

(1/358)


===============
تفنيد أكاذيب قصة الهجوم على بيت فاطمة رضي الله عنها دمشقية
تفنيد روايات الهجوم الباطلة على منزل فاطمة وإحراق الدار
يقول لنا الرافضة: هل تنكرون التاريخ الذي ذكر:
• أن عائشة خرجت على إمام زمانها؟
• وأن عمر أحرق دار فاطمة؟
• وأن معاوية هو الذي دس السم للحسن بن علي؟
فنقول للرافضة وهل تنكرون كتب التاريخ التي شهدت بوجود عبد الله بن سبأ اليهودي الذي رضي لكم الرفض دينا.
لو قلنا لهم ذلك لغضبوا وقالوا: لم تثبت شخصية ابن سبأ، وكتب التاريخ تروي الغث والثمين، ولا يجوز أن تعتمدوا على كتب التاريخ من دون التثبت.
فانظر كيف يتناقض القوم. يجوز عندهم أن يحتجوا علينا حتى بقول الشاعر وقول المؤرخ ولو كان رافضيا. لكن لا يجوز لنا أن نحتج عليهم بمثل ذلك.
1 - وددت أني لم أحرق بيت فاطمة.. (قول أبي بكر)
فيه علوان بن داود البجلي (لسان الميزان 4/218 ترجمة رقم 1357 – 5708 وميزان الاعتدال 3/108ترجمة 5763). قال البخاري وأبو سعيد بن يونس وابن حجر والذهبي »منكر الحديث«. وقال العقيلي (الضعفاء للعقيلي3/420).
على أن ابن أبي شيبة قد أورد رواية أخرى من طريق محمد بن بشر نا عبيد الله بن عمر حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه أسلم أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت قال فلما خرج عمر جاؤوها فقالت تعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت وأيم الله ليمضين لما حلف عليه فانصرفوا راشدين فروا رأيكم ولا ترجعوا إلي فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر» (المصنف 7/432 ترجمة37045 ).
قلت: وهذه رواية منقطعة لأن زيد بن أسلم كان يرسل وأحاديثه عن عمر منقطعة كما صرح به الحافظ ابن حجر (تقريب التهذيب رقم2117) كذلك الشيخ الألباني (إزالة الدهش37 ومعجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم الألباني2/73).
ولئن احتججتم بهذه الرواية أبطلتم اعتقادكم بحصول التحريق إلى التهديد بالتحريق. وأبطلتم اعتقادكم بأن عليا لم يبايع لأن هذه الرواية تقول: فلم يرجعوا إلى فاطمة حتى بايعوا أبا بكر.
2 - » حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن زياد بن كليب قال أتى عمر بن علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة فخرج عليه الزبير مصلتا السيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه« (تاريخ الطبري2/233).
في الرواية آفات وعلل منها:
جرير بن حازم وهو صدوق يهم وقد اختلط كما صرح به أبو داود والبخاري في التاريخ الكبير (2/2234).
المغيرة وهو ابن المقسم. ثقة إلا أنه كان يرسل في أحاديثه لا سيما عن إبراهيم. ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين وهي المرتبة التي لا يقبل فيها حديث الراوي إلا إذا صرح بالسماع.
3 ـ أحمد بن يحيى البغدادي ، المعروف بالبلاذري ، وهو من كبار محدثيكم ، المتوفي سنة 279 ، روى في كتابه أنساب الأشراف 1/586 ، عن سليمان التيمي ، وعن ابن عون : أن أبا بكر أرسل إلى علي عليه السلام ، يريد البيعة ، فلم يبايع . فجاء عمر ومعه فتيلة ـ أي شعلة نار ـ فتلقته فاطمة على الباب ، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب ! أتراك محرقا علي بابي؟ قال:نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!
هذا إسناد منقطع من طرفه الأول ومن طرفه الآخر. فإن سلميانا التيمي تابعي والبلاذري متأخر عنه فكيف يروي عنه مباشرة بدون راو وسيط؟ وأما ابن عون فهو تابعي متأخر وبينه وبين أبي بكر انقطاع.
فيه علتان:
أولا: جهالة مسلمة بن محارب. ذكره ابن ابي حاتم في (الجرح والتعديل8/266) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ولم أجد من وثقه أو ذمه.
ثانيا: الانقطاع الكبير من بن عون وهو عبد الله بن عون توفي سنة 152 هجرية . ولم يسمع حتى من أنس والصديق من باب اولى الحادثة مع التذكير بأن الحادثة وقعت في السنة الحادية عشر من الهجرة.
وكذلك سليمان التيمي لم يدرك الصديق توفي سنة 143 هجرية .
4 ـ روى ابن خذابه في كتابه " الغدر" عن زيد بن أسلم قال : كنت من حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي واصحابه من البيعة ، فقال عمر لفاطمة : اخرجي كل من في البيت أو لأحرقنه ومن فيه !
قال : وكان في البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
فقالت فاطمة : أفتحرق علي ولدي !!
فقال عمر : إي والله ، أو ليخرجن وليبايعن !!
لم يتمكن طارح هذه الشبهات من ضبط اسم المنقول عنه ولا ضبط اسم كتابه.

(1/359)


فهذا المؤلف مختلف في ضبط اسمه فمنهم من ضبطه باسم (ابن خنزابة) ومنهم باسم (ابن خذابة) ومنهم (خرداذبة) ومنهم (ابن جيرانه) ومنهم (ابن خيرانة) ورجح محقق البحار أنه ابن (خنزابة).
ولكن ضبطه الزركلي في (الأعلام2/126) باسم (ابن حنزابة جعفر بن الفضل بن جعفر) توفي 391 هـ.
أما كتابه فهو كتاب الغرر وليس كتاب الغدر. (28/339). ومنهم من ضبطه باسم (العذر).
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الدليل عند الرافضة يقوم بوجود ذكر للرواية في أي كتاب كان ولو أن يكون هذا الكتاب مثلا كتاب ألف باء الطبخ.
5 ـ ابن عبد ربه في العقد الفريد 2/ 205 ط المطبعة الأزهرية ، سنة 1321هجرية ، قال : الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر ، علي ، والعباس ، والزبير ، وسعد بن عبادة فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر ، عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم !
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة ، فقال : يا بن الخطاب : أجئت لتحرق دارنا؟!
قال : نعم ، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة !!
أولا: ابن عبد ربه عند الرافضة من أعيان المعتزلة. (الطرائف لابن طاووس الحسني ص239). والرافضة من أضل هذه الأمة. وبهم ضل الرافضة.
ثانيا: أنه كان مشهورا بالنصب أيضا. فإنه كان يعتقد أن الخلفاء أربعة آخرهم معاوية. ولم يدرج علي بن أبي طالب من جملة الخلفاء (الأعلام للزركلي1/207) ومثل هذا نصب عند أهل السنة.
ثالثا: كتابه كتاب في الأدب يا من عجزتم عن أن تجدوا شيئا من كتب السنة.
لقد عجز الرافضة أن يجدوا رواية في كتب السنن والحديث ولو وجدوا لما اضطروا إلى الاحتجاج علينا بالمعتزلة. وعلى كل حال فقد حدث اندماج بين الشركتين: شركة الرفض وشركة الاعتزال واندمجوا في شركة واحدة.
6 ـ محمد بن جرير الطبري في تاريخه 3/203 وما بعدها ، قال : دعا عمر بالحطب والنار وقال : لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها. فقالوا له : إن فيها فاطمة! قال: وإن!!
مسكين هذا الناقل ذو الجهل المركب حاطب الليل. فإن هذه الرواية لا وجود لها في تاريخ الطبري بهذا اللفظ.
وإنما هو في كتاب الإمامة والسياسة منسوب ومنحول على ابن قتيبة. وهذا الكتاب لم يثبت له لأسباب منها.
• أن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألف كتابا يدعى الإمامة والسياسة.
• أن مؤلف الكتاب يروي عن ابن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وابن أبي ليلى هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة توفى سنة 148، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا سنة 213 أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عاما
• أن الكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب في حين أنه لم يخرج من بغداد إلا إلى دينور.
7 ـ ابن الحديد في شرح نهج البلاغة 2/56 روى عن أبي بكر الجوهري ، فقال : قال أبو بكر : وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام ، والمقداد بن الأسود أيضا ، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا عليه السلام ، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت ، وخرجت فاطمة تبكي وتصيح .. إلى آخره .
وفي صفحة 57 : قال أبو بكر : وحدثنا عمر بن شبة بسنده عن الشعبي ، قال : سأل أبو بكر فقال : أين الزبير ؟! فقيل عند علي وقد تقلد سيفه .
فقال : قم يا عمر ! قم يا خالد بن الوليد ! انطلقا حتى تأتياني بهما .
فانطلقا ، فدخل عمر ، وقام خالد على باب البيت من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف؟ فقال : نبايع عليا . فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه وقال : يا خالد ! دونكه فأمسكه ثم قال لعلي : قم فبايع لأبي بكر! فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه ، ورأت فاطمة ما صنع بهما ، فقامت على باب الحجرة وقالت : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله !......إلى آخره.
وقال ابن الحديد في صفحة 59 و60 : فأما امتناع علي عليه السلام من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه . فقد ذكره المحدثون ورواه أهل السير ، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب ، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين ، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة .
الجواب:

(1/360)


إبن أبي الحديد رافضي حجة على رافضي مثله لا علينا. قال الخونساري « هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسن بن أبي الحديد المدائني "صاحب شرح نهج البلاغة، المشهور "هو من أكابر الفضلاء المتتبعين، وأعاظم النبلاء المتبحرين مواليا لأهل بيت العصمة والطهارة.. وحسب الدلالة على علو منزلته في الدين وغلوه في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، شرحه الشريف الجامع لكل نفيسة وغريب، والحاوي لكل نافحة ذات طيب.. كان مولده في غرة ذي الحجة 586، فمن تصانيفه "شرح نهج البلاغة" عشرين مجلدا، صنفه لخزانة كتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، ولما فرغ من تصنيف أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبي المعالي، فبعث له مائة ألف دينار، وخلعة سنية، وفرسا» (روضات الجنات5/20-21 وانظر الكنى والألقاب للقمي1/185 الذريعة- آغا بزرك الطهراني41/158).
8 ـ مسلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي ، المتوفى سنة 276 هجرية ، وهو من كبار علمائكم له كتب قيمة منها كتاب " الإمامة والسياسة" يروي في أوله قضية السقيفة بالتفصيل ، ذكر في صفحة 13 قال : إن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها .
فقيل له : يا أبا حفص ! إن فيها فاطمة ! فقال : وإن ! .... إلى آخره .
تقدم أن كتاب الإمامة والسياسة منسوب ومنحول على ابن قتيبة. وهذا الكتاب لم يثبت له لأسباب منها.
• أن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألف كتابا يدعى الإمامة والسياسة.
• أن مؤلف الكتاب يروي عن ابن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وابن أبي ليلى هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة توفى سنة 148، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا سنة 213 أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عاما
أن الكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب في حين أنه لم يخرج من بغداد إلا إلى دينور.
9 ـ أبو الوليد محب الدين بن شحنة الحنفي، المتوفي سنة815 هجرية، وهو من كبار علمائكم، وكان قاضي حلب، له تاريخ" روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر" ذكر فيه موضوع السقيفة، فقال: جاء عمر إلى بيت علي بن أبي طالب ليحرقه على من فيه. فلقيته فاطمة، فقال عمر: أدخلوا في ما دخلت الأمة ... إلى آخره.
10 - ذكر بعض شعرائهم المعاصرين قصيدة يمدح فيها عمر بن الخطاب، وهو حافظ إبراهيم المصري المعروف بشاعر النيل، قال في قصيدته العمرية :
وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها
وهكذا يحتج الرافضة بحافظ إبراهيم وهو ملحد يكذب القرآن وينكر أن يحلى فيه أهل الجنة بأساور من ذهب.
ما قاله هذا الشاعر أو غيره فهو ناجم عن انتشار الروايات الضعيفة والمكذوبة التي يتصفحها ويمحصها أهل الخبرة بعلم الرواية والحديث الذين هم الحجة لا الشعراء الذين قال الله عنهم: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون).
لو قلت لنا قال الترمذي قال أبو داود قال أحمد في المسند لما قبلنا منك إلا بعد تمحيص السند. أفتحتج علينا بما قاله حافظ ابراهيم. أيها المفلس؟
فاجعة سقط الجنين:
الفاجعة الحقيقية فاجعة الكذب وارتضاء ما هب ودب صيانة للمذهب.
1ـ ذكر المسعودي صاحب تاريخ " مروج الذهب " المتوفي سنة 346هجرية ، وهو مؤرخ مشهور ينقل عنه كل مؤرخ جاء بعده ، قال في كتابه " إثبات الوصية " عند شرحه قضايا السقيفة والخلافة : فهجموا عليه [ علي عليه السلام ] وأحرقوا بابه ، واستخرجوه كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا !!
نعم المسعودي مؤرخ مشهور، ولكنه رافضي. فارافضي لا حجة به عندنا وإن كان مشهورا. فهنيئا لكم برافضي مثلكم تكحلوا به. وما يرويه بمنزلة ما يرويه الخميني عندنا. فلا اعتبار بما يرويه.
3 ـ ونقل أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل 1/57 : وقال النظام: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها. وكان يصيح [عمر] احرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين. انتهى كلام الشهرستاني.
4ـ قال الصفدي في كتاب " الوافي بالوفيات 6/76 " في حرف الألف ، عند ذكر إبراهيم بن سيار ، المعروف بالنظام، ونقل كلماته وعقائده ، يقول : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها !
يا لك من مفلس: فإن الشهرستاني يعدد هنا مخازي وضلالات النظام المعتزلي وذكر من بلاياه أنه زعم أن عمر ضرب فاطمة حتى ألقت جنينها. قال الشهرستاني « ثم زاد على خزيه بأن عاب عليا وابن مسعودي وقال: أقول فيهما برأيي». أرأيتم معشر المسلمين منهج الرافضة في النقل.

(1/361)


كذلك فعل الصفدي في تعداد مخازي عقائد المعتزلة باعترافك.
الله أكبر. صدق من وصف الرافضة بأنهم نجوا من العقل ومن النقل بأعجوبة. فكانوا بهذه النجاة سالمين. وخاضوا سباق الكذب فكانوا فيه أول الفائزين.
================
شبهات حول عصر الصحابة (7) : هل أمر الفاروق رضي الله عنه بقتل بعض أهل الشورى؟!
خالد الغيث
يحسن بنا- في مطلع هذا المقال - التذكير بأمر الشورى الذي يعد من الفضائل الباهرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه.
وابتداء هذا الأمر ، أنه لما طعن أبو لؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - اختار الفاروق – رضي الله عنه - ستة من الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض من أجل أن يختاروا واحدا منهم خليفة للمسلمين.
وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه ، من طريق عمرو بن ميمون قال : ( فقالوا : أوص يا أمير المؤمنين ، استخلف ، قال : ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر ، أو الرهط ، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض : فسمى عليا ، وعثمان ، والزبير ، وطلحة ، وسعدا ، وعبد الرحمن ، وقال : يشهدكم عبد الله بن عمر ، وليس له من الأمر شيء).
وفي رواية أخرى للبخاري ، من طريق عمرو بن ميمون قال : قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه : ( إني لا أعلم أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة ، فاسمعوا له وأطيعوا. فسمى عثمان ، وعليا ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص).
وعن سبب اختيار عمر – رضي الله عنه – لأصحاب الشورى – رضوان الله عليهم يقول الطبري رحمه الله : ( لم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين ، والهجرة ، والسابقة ، والعقل ، والعلم ، والمعرفة بالسياسة ، ما للستة الذين جعل عمر الأمر شوى بينهم.
فإن قيل : كان بعض هؤلاء الستة أفضل من بعض ، وكان رأي عمر أن الأحق بالخلافة أرضاهم دينا ، وأنه لا تصح ولاية المفضول مع وجود الفاضل.
فالجواب : أنه لو صرح بالأفضل منهم لكان قد نص على استخلافه ، وهو قصد أن لا يتقلد العهدة في ذلك ، فجعلها في ستة متقاربين في الفضل ، لأنه يتحقق أنهم لا يجتمعون على تولية المفضول ولا يألون المسلمين نصحا في النظر والشورى ، وأن المفضول منهم لا يتقدم على الفاضل ، ولا يتكلم في منزلة وغيره أحق بها منه، وعلم رضى الأمة بمن رضي به الستة).
وبعد أن تبين لنا أمر الشورى من خلال أصح كتاب بعد كتاب الله نعود إلى رواية منكرة ترددها بعض الألسنة والأقلام ، وفيما يلي نصها :
( إن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أمر بلالا :
إذا اختلف أهل الشورى فاقتل الأقل.
يعني إذا اتفق أربعة ضد ثلاثة اقتل الثلاثة.
وإذا اتفق خمسة ضد اثنين اقتل الاثنين.
وإذا اتفق ستة ضد واحد اقتل الواحد.
قال : أقتله يا أمير المؤمنين ؟!
قال : اقتله ، لا أريد خلافا بين المسلمين! ).
قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هذا الخبر الباطل سندا ومتنا مخالف لما ثبت في الصحاح عن حقيقة الشورى.
وحقيقة الأمر في هذه الجزئية من قصة الشورى ما أخرجه الإمام أبو بكر الخلال ، بإسناد صحيح ، من طريق عمرو بن ميمون قال : ( قال عمر لما حضر : ادعوا لي عليا ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعدا ، قال : فلم يكن أحد منهم إلا علي وعثمان.
فقال : يا علي ، لعل هؤلاء يعرفون لك قرابتك ، وما آتاك الله من العلم والفقه ، فاتق الله ، وإن وليت هذا الأمر فلا ترفعن بني فلان على رقاب الناس.
وقال : يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنك وشرفك ، فإن أنت وليت هذا الأمر فاتق الله ولا ترفعن بني فلان على رقاب الناس.
ثم قال : ادعوا لي صهيبا ، فقال : صل بالناس ثلاثا ، وليجتمع هؤلاء القوم ، وليخلوا هؤلاء الرهط ، فإن اجتمعوا على رجل فاضربوا رأس من خالفهم).
أي أن عمر – رضي الله عنه – أمر بقتل من يخالف أصحاب الشورى ويرفض من يرشحونه خليفة للمسلمين ، ويدعو إلى نفسه ، وذلك عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : (من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد ، يريد أن يشق عصاكم ، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) [ أخرجه مسلم في صحيحه ].
وفي نهاية هذا المقال أختم بكلام جميل لابن كثير – رحمه الله – تحدث فيه عن الأخبار المنكرة التي هدفها الإساءة إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : (هي مردودة على قائليها وناقليها ، والله أعلم. والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة ، وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ، ومستقيمها وسقيمها ، ومبادها وقويمها ، والله الموفق للصواب).
================
إلقام الحجر لمن طعن في نسب عمر
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/362)


هذا هو نسب امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحقيقي وليس الذي يفتريه الرافضه فهم معروفين بالكذب والحقد على امير المؤمني عمر رضي الله عنه
أولا : اسمه ونسبه :
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي . أبو حفص ( 1 )
ثانيا : اسم أمه ونسبها :
هي حنتمه بنت هاشم بن المغيره بن عبدالله بن عمر بن مخزوم . وقيل حنتمه بنت هشام بن المغيره فعلى هذا تكون أخت أبي جهل وعلى الأول تكون أبنت عمه. قال أبو عمر ومن قال ذالك يعني بنت هشام فقد اخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل والحارث ابني هشام وليسا كذلك إنما هي أبنت عمهما لأنه هاشما وهشاما ابني المغيره أخوان . فهاشم والد حنتمه وهشام والد الحارث وأبي جهل وكان يقال لهاشم جد عمر( ذو الرمحين ) .
وقال أبن منده : أم عمر أخت أبي جهل قال أبو نعيم : هي بنت هشام أخت أبي جهل وأبو جهل خاله . ورواه عن ابن إسحاق .
وقال الزبير : حنتما بنت هاشم فهي أبنت عم أبي جهل كما قال أبو عمر وكان لهاشم أولاد فلم يعقبوا . ( 2)
أما أم حنتمه : فهي الشفاء بنت عبد قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص وقد كان لهاشم بن المغيره ولد فلم يعقبوا . ( 3 )
ثالثا : اسم الخطاب ونسبه :
هو الخطاب بن نفيل بن عبدا لعزى بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي . أمه حيه بنت جابر بن أبي حبيب الفهميه . وولد نفيل بن عبدالعزى : الخطاب بن نفيل, وعبد نهم ( 4)
لا بقيه له قتل في الفجار , وأمهما : حيه بنت جابر بن أبي حبيب , بن فهم و أخوهما لأمهما : زيد بن عمر بن نفيل . ( 5 )
قلت : هذا هو نسب أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحيح
و ليس الذي يرويه الرافضة في كتبهم لان الرافضة معروفين بالكذب و الزندقة وحقدهم على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
1- يلتقي نسب أمير المؤمنين مع الرسول صلى الله عليه وسلم في كعب
2- أسد ألغابه ج 4 ص 137- 138
3- نسب قريش ص 301
4- عبد نهم اسم رجل وهو أخو الخطاب
5- نسب قريش ص 347
أما الأحاديث التي رواها المجلسي في بحار الأنوار في الجزء ( 31 ) صفحه ( 203 ) باب نسب عمر وولادته ووفاته وبعض نوادر أحواله وما جرى بينه وبين أمير المؤمنين صلوات الله عليه رقم ( 26 ) :
الحديث الأول الذي رواه قال :
1- تفسير القمي : قال علي بن إبراهيم : ثم حرم الله عز وجل نكاح الزواني فقال : ( الزاني لا ينكح إلا زانيه أو مشركه والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك حرم ذلك على المؤمنين ) ( 1 ) وهو رد على من يستحل التمتع بالزواني والتزويج بهن وهن المشهورات المعروفات بذلك في الدنيا لا يقدر الرجل على تحصينهن .
و نزلت هذه الآية في نساء مكة كن مستعلنات بالزنا : ساره و حنتمه ( 2 ) و الرباب كن يغنين بهجاء رسول الله فحرم الله نكاحهن وجرت بعدهن في النساء من أمثالهن . ( 3 )
أقول عندما رجعت إلى المصدر الذي أشار إليه ( تفسير القمي ) وجدت هذا السند هكذا ( وفي رواية أبي الجار ود عن أبي جعفر ع ) ( 4 ) ثم ذكر نفس الحديث السابق وانظر ماذا قال علماء الرافضة عن أبي الجار ود :
أ- قال الكشي في رجاله :
حكي أن أبا الجار ود سمي سرحوب ونسبت إليه السرحوبيه من الزيديه وسماه بذلك أبو جعفر ع وذكر إن سرحوبا اسم شيطان أعمى يسكن البحر وكان أبو الجار ود مكفوفا أعمى , أعمى القلب .
وذكر بعض الأحاديث التي تدل على أن أبي الجار ود فاسق أعمى البصر والقلب ( 5 )
ب- وقال العلامة الحلي :
زياد بن المنذرأبو الجارود الهمداني بالدال المهملة الخارقي بالخاء المعجمه بعدها ألف وراء مهملة و قاف و قيل الحرقي بالحاء المضمومة المهملة والراء والقاف الكوفي الأعمى التابعي زيدي المذهب واليه تنسب الجاروديه
___
1- سورة النور آيه ( 3 )
2- ويقصد حنتمه أم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
3- بحار الأنوار ج 31 ص 203
4- تفسير القمي ج2 ص 95- 96
5- رجال الكشي ص 229
من الزيديه كان من أصحاب أبي جعفر عليه السلام روي عن الصادق عليه السلام وتغير لما خرج زيد ( رض ) وروي عن زيد وقال ابن الغضائري حديثه في حديث أصحابنا اكثر منه في الزيديه و أصحابنا يكرهون ما رواه محمد بن سنان عنه ويعتمدون ما رواه محمد بن بكر الارجني وقال الكشي زياد بن المنذر أبو الجار ود الأعمى السرحوب بالسين المهملة المضمومة والراء والحاء المهملة والباء المنقطع تحتها نقطه واحده بعد الواو مذموم ولا سبه في ذمه ويسمى سرحوبا باسم شيطان أعمى يسكن البحر . ( 1 )
قلت : فيتبين لكل قارئ منصف إن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به لان الأمام المعصوم عند الرافضة وهو أبي جعفر قد طعن في راوي الحديث وهو أبو الجارود السرحوب .
2- الحديث الثاني وقال المجلسي :

(1/363)


وقال العلامة نور الله ضريحه في كتاب كشف الحق وصاحب كتاب إلزام النواصب : روى الكلبي وهو من رجال أهل السنه ( 2 ) في كتاب المثالب قال : كانت صهاك أمه حبشيه لهاشم بن عبد مناف فوقع عليها نفيل بن هاشم ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح فجاءت بنفيل جد عمر بن الخطاب.
وقال الفضل بن روزبهان الشهرستاني في شرح بعد القدح في صحة النقل : إن أنكحت الجاهلية على ما ذكره أرباب التواريخ على أربعة اوجه : منها : أن يقع جماعه على أمراه ثم إن ولد منها ولد يحكم فيه القائف أو تصدق المرأة وربما كان هذه من أنكحت الجاهلية .
و أورد عليه شارح الشرح : بأنه لو صح ما تحقق زنا في الجاهلية . لماعد مثل ذلك في المثالب وكان كل من وقع على أمراه كان ذلك نكاحا منه عليها ولم يسمع من أحد إن من انكحة الجاهلية كون أمراه واحده في يوم واحد أو شهر واحد في نكاح جماعه من الناس . ( 3 )
قلت : أما كلام الفضل بن روزبهان الشهرستاني , فهو صحيح ولكن ليس موضوعنا انكحة الجاهلية بل نسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه
__
1- رجال العلامة الحلي ص 223
2- وهذا كذب لان الكلبي ليس من رجال أهل السنه كما سيأتي ص 12
3- بحار الأنوار ج 31 ص 203 - 204
والرواية التي أوردها صاحب كتاب كشف الحق الذي لا يعرف الحق مردودة عليه لأنه كذب وقال إن الكلبي من رجال أهل ألسنه وهذا كذب كما سوف نبين فيما بعد . ( 1 )
ثم عاد المجلسي للكذب من جديد ويحاول أن يوهم القراء بكذبه وقال :
ثم إن الخطاب على ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب : ابن نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي وأمه حنتمه بنت هاشم بن المغيره بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قال وقالت طائفة في أم عمر : حنتمه بنت هشام بن المغيره ومن قال ذلك فقد اخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام والحارث بن هشام بن المغيره وليس كذلك وإنما هي بنت عمه لان هشام بن المغيره والحارث بن هشام بن المغيره إخوان لهاشم والد حنتمه أم عمر وهشام والد الحارث وأبي جهل . ( 2 )
قلت : هذا كذب لان المجلسي ذكر إن ابن عبدالبر ذكر في الاستيعاب قال : ( ثم إن الخطاب على ما ذكره ابن عبدالبر في الاستيعاب ابن نفيل ....الخ ) هذا الكذب يتضح لكل قارئ عندما يرجع إلى كتاب الاستيعاب وقال الآتي : عمر بن الخطاب بن نفيل ...الخ . ثم ذكر نفس الكلام السابق . وهو حاول أن يبين إن اسم أم الخطاب مثل اسم أم عمر وهذا كذب لان المجلسي اسقط اسم عمر من ترجمة ابن عبد البر في الاستيعاب . ( 3 )
أما الذي أورده المجلسي عن محمد بن شهراشوب وقال :
وحكى بعض لصحابنا عن محمد بن شهراشوب وغيره : إن صهاك كانت أمه حبشيه لعبد المطلب و كانت ترعى له الإبل فوقع عليها نفيل فجاءت بالخطاب .
ثم إن الخطاب لما بلغ الحلم رغب في صهاك فوقع عليها فجاءت بابنه فلفتها في خرقه من صوف ورمتها خوفا من مولاها في الطريق . فرآها هاشم بن المغيره مرمية فأخذها ورباها وسماها حنتمه فلما بلغت رآها الخطاب يوما
___
1- راجع ص 14 - 15
2- بحار الأنوار ج 31 ص 204
3- الاستيعاب ج ص
فرغب فيها وخطبها من هاشم فانكحها إياه فجاءت بعمر بن الخطاب فكان أبا وجدا و خالا لعمر وكانت حنتمه أما وأختا وعمه له فتدبر . ( 1 )
أقول : إن محمد بن شهراشوب من علماء الرافضة ولم يحدد المجلسي من أين نقل عن ابن شهراشوب هذا الكلام ولا نعلم هل هذا الخبر من كذب المجلسي أو من الأخبار الضعيفة كالعادة .
وقال صاحب كتاب الكنى والألقاب عباس القمي :
ابن شهراشوب : رشيد الدين ابوجعفر محمد بن علي بن شهراشوب السروري المازندراني فخر الشيعة ومروج الشريعة محيي آثار المناقب والفضائل والبحر المتلاطم الزخار ... الخ . ( 2 )
3- الحديث الثالث :
قال : وجدت في كتاب عقد الدرر لبعض الأصحاب بإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن ابن الزيات عن الصادق ع
انه قال : كانت صهاك جاريه لعبد المطلب وكانت ذات عجز وكانت ترعى الإبل وكانت حبشيه وكانت تميل إلى النكاح فنظر إليها نفيل جد عمر فهواها وعشقها في مرعى الإبل فوقع عليها فحملت منه بالخطاب فلما أدرك البلوغ نظر إلى أمه صهاك فأعجبه عجزها فوثب عليها فحملت منه بحنتمه فلما ولدتها خافت من أهلها فجعلتها في صوف وألقتها بين اشحام مكة فوجدها هشام بن المغيره بن الوليد فحملها إلى منزله ورباها وسماها بالحنتمه و كانت شيمة العرب انه من ربى يتيما يتخذه ولدا فلما بلغت حنتمه نظر إليها الخطاب فمال إليها وخطبها من هشام فتزوجها فأولد منها عمر فكان الخطاب أباه وجده وخاله وكانت حنتمه أمه وأخته وعمته , وينسب إلى الصادق ( ع ) في هذا المعنى :
من جده خاله ووالده وأمه أخته وعمته اجدر أن يبغض الولي وان ينكر يوم الغدير بيعته. ( 3 )
___
1- بحار الأنوار ج 31 ص 204
2- الكنى والألقاب ج 1 ص 321- 322
3-بحار الأنوار ج 31 ص 304 - 205

(1/364)


قلت : وهذا الحديث ضعيف لا يحتج فيه لان فيه علتين :
الأولى : إن أبا حنتمه ليس هشام ولكنه هاشم .
الثانية : ورجعت إلى المصدرالذي أشار إليه المجلسي الكذاب (عقد الدرر ) ووجدت إن المجلسي حرف يحيى بن محبوب ووضع الحسن بن محبوب بدلا عنه لان الحسن بن محبوب ثقة و أما يحيى بن محبوب فهو مجهول .
أما ما ذكره المجلسي عن ابن أبي الحديد فقال :
قال ابن أبي الحديد في شرح قوله عليه السلام " لم يسهم فيه عاهر ولا ضرب فيه فاجر " في الكلام رمز إلى جماعه من أصحابه في أنسابهم طعن وكما يقال : إن آل سعد بن أبي وقاص ليسوا من زهره بن كلاب وانهم من بني عذره من قحطان وكما يقال : إن آل الزبير بن العوام من ارض مصر من القبط , وليسوا من بني أسد بن عبد العزى . ( 1 ) 1- وهذا كذب ليس عليه دليل
ثم قال : قال شيخنا أبو عثمان في كتاب مفاخرات قريش : بلغ عمر بن الخطاب إن أناسا من رواة الأشعار حملت الآثار يقصبون الناس ويثلبونهم في أسلافهم فقام على المنبر فقال : إياكم وذكر العيوب والبحث عن الأصول فلو قلت : لا يخرج القوم من هذه الأبواب إلا من لا وصمه فيه لم يخرج منكم أحد .
فقال رجل من قريش نكره أن نذكره فقال : إذا كنت أنا وأنت يا أمير المؤمنين نخرج فقال : كذبت بل كان يقال لك يا قين بن قين اقعد .
قلت: الرجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيره المخزومي وكان عمر يبغض أباه خالدا ولان المهاجر كان علوي الرأي جدا وكان أخوه عبد الرحمن مع معاوية وكان المهاجر مع علي يوم الجمل وفقئت ذلك اليوم عينه لكن الكلام الذي بلغ عمر بلغه من المهاجر.وكان الوليد بن المغيره مع جلالته في قريش وكونه ريحانة قريش ويسمى العدل ويسمى الوحيد حدادا يصنع الدروع بيده ذكر ذلك فيه ابن قتيبه في كتاب المعارف .
وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب أمهات الخلفاء وقال انه روي عنه جعفر بن محمد عليه السلام في المدينه فقال : لا تلمه يا أبن أخي انه أشفق أن يحدج بقصة نفيل بن عبدالعزى وصهاك أمة الزبير بن عبد المطلب ثم قال :
رحم الله عمر فانه لم يعدو السنه وتلا " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم " ( 1 ) انتهى .
بيان : قال الجوهري : حدجه بذنب غيره رماه به انظر كيف بين عليه السلام رداءة نسب عمر وسبب مبالغته في النهي عن التعرض للأنساب ثم مدحه تقيه . ( 2 )
و أقول : إن ابن أبي الحديد هذا معتزلي شيعي وقال عنه القمي :
عز الدين عبد الحميد بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني الفاضل الأديب المؤرخ الحكيم الشاعر شارح نهج البلاغة الكرمه وصاحب القصائد السبع المشهورة كان مذهبه الاعتزال كما شهد لنفسه في إحدى قصائده في مدح أمير المؤمنين ( ع ) بقوله :
ورأيت دين الاعتزال وإنني . . . . أهوى لاجلك كل من يتشيع
وذكره الالوسي في مختصر التحفه الاثنى عشريه فقال :
الفرق الرابعة الشيعة الغلاة : هم عبارة عن القائلين بألوهية الأمير علي كرم الله وجهه , ونحوه من الهذيان . قال الجد روح الله روحه : وعندي إن ابن أبي الحديد في بعض عباراته ـ وكان يتلون تلون الحرباء وكان من هذه الفرقة , وكم له في قصائده السبع الشهيرة من هذيان , كقوله يمدح الأمير كرم الله تعالى وجهه :
ألا إنما الإسلام لولا حسامه . . . . كعفطة عنز أو قلامة ظافر .( 3 )
وقوله :
يجل عن الأعراض والاين والمتى . . . . ويكبرعن تشبيهه بالعناصر.( 4 )
وقال أيضا :
تقليت أخلاق الربوبيه التي . . . . عذرت بها من شك انك مربوب .( 5 )
___
1- سورة النور آيه ( 11 )
2- بحار الأنوار ج 31 ص 206
3- ولاحظ كيف يدعي إن الإسلام لولى حسام علي رضي الله عنه لكان كعفطة عنز والعياذ بالله
4- ولاحظ كيف يصف علي رضي الله عنه بصفات الله تعالى
5- وهنا يقول يعذر من شك إن علي رضي الله عنه مربوب
ومنه سرق الطوفي الرافضي قوله في أبي بكر وعلي رضوان الله وسلامه عليهما :
كم بين من شك في خلافته . . . . وبين من قيل انه الله . ( 1 )
قلت : فلا حجه في كلام ابن أبي الحديد لأنه من غلاة الشيعة الذين يألهون علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويحقدون على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
4- الحديث الرابع قال المجلسي :
وما أومى إليه من قصة أمة الزبير , هو ما رواه الكليني طيب الله تربته في روضة الكافي عن الحسين عن احمد بن هلال عن زرعة عن سماعه قال :
تعرض رجل من ولد عمر بن الخطاب بجاريه رجل عقيلي فقالت له : إن هذا العمري قد آذاني , فقال لها عديه وادخليه الدهليز , فأدخلته , فشد عليه فقتله و ألقاه فالطريق.

(1/365)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية