صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى ضوء السنة النبوية الشريفة
المؤلف : عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى
المحقق : عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : www.offok.com
[ الكتاب مرقم آليا ]
جمعه ورتبه وفهرسه الفقير إلى الله عبد الرحمن الشامي
ويسألكم الدعاء

ولم لا! ورب العزة يخاطبه فى شدة المحن والابتلاء فى مكة المكرمة بقوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك } أى اصبر على أذاهم، ولا تبالهم { فإنك بأعيينا } أى بمرأى منا، وتحت كلاءتنا. وما تلك العناية الإلهية إلا خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، بأنه معصوم من ربه عز وجل من الناس"(1) وجاء التأكيد لعصمته صلى الله عليه وسلم من الناس، بالأمر الربانى بالمضى فى دعوتة، وعدم المبالاة بأعداءه من المشركين، حيث سيكفيهم إياه سبحانه القائل { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزءين } (2) وهذه الآية المكية نظير الآية المدنية على ما ذهب إليه بعض المفسرين : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } (3).
__________
(1) ينظر : تفسير القرآن العظيم 7/414 .
(2) الآيتان 94، 95 الحجر.
(3) الآية 67 المائدة.

(1/145)


ففى الآيتين { والله يعصمك من الناس } و { إنا كفيناك المستهزءين } خطاب من رب العزة لنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بالعصمة من الناس. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى : { إنا كفيناك المستهزءين } قال : "المستهزءين : الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بنى أسد بنى عبد العزى، والحارث بن غيطل السهمى، والعاص بن وائل السهمى. فأتاه جبريل – عليه السلام فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراه أبا عمرو الوليد بن المغيرة، فأومأ جبريل إلى أبجله(1) فقال : ما صنعت شيئا، فقال : كفيتكه، ثم أراه الحارث بن غيطل السهمى، فأومأ إلى بطنه، فقال : ما صنعت شيئا، فقال : كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل السهمى، فأومأ إلى أخمصه(2)، فقال : ما صنعت شيئا، فقال : كفيتكه، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة، وهو يرش نبلا له(3) فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمى، فمنهم من يقول : عمى كذا، ومنهم من يقول : نزل تحت شجرة، فجعل يقول : يا بنى لا تدفعون عنى، قد هلكت أطعن بشوك فى عينى، فجعلوا يقولون : ما نرى شيئا، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج فى رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن غيطل، فأخذه الماء الأصفر فى بطنه حتى خرج خرؤه(4) من فيه، فمات منها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك
__________
(1) الأبجل : عرق فى باطن الذراع، وقيل : هو عرق غليظ فى الرجل فيما بين العصب والعظم. ينظر : النهاية فى غريب الحديث 1/98 .
(2) الأخمص من القدم : الموضع الذى لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. المصدر السابق 2/76 .
(3) النبل : السهام العربية، والمراد أن الرجل الخزاعى يرمى بسهام له للتدريب على الرمى. ينظر : النهاية فى غريب الحديث 5/ 8، 9 .
(4) الخراءة بفتح الخاء وكسرها : هو التخلى والقعود للحاجة. النهاية فى غريب الحديث 2/17 .

(1/146)


يوما حتى دخل فى رجله شبرقه(1) حتى امتلأت منها فمات"(2).
وللحديث شاهد عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : مر النبى صلى الله عليه وسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون فى قفاه، ويقولون : هذا الذى يزعم أنه نبى، ومعه جبريل، فغمز جبريل بإصبعه، فوقع مثل الظفر فى أجسادهم، فصارت قروحا، حتى نتنوا، فلم يستطيع أحد أن يدنو منهم، فأنزل الله : { إنا كفيناك المستهزءين } (3).
وصدق رب العزة : { أليس الله بكاف عبده } (4) بلى كاف عبده!! وقال صلى الله عليه وسلم : "إن الله أمرنى أن أحرق قريشا، فقلت رب إذا يثلغوا(5) رأسى! فيدعوه خبزة، قال : استخرجهم كما
__________
(1) الشبرق : نبت حجازى يؤكل وله شوك. المصدر السابق 2/395 .
(2) أخرجه الطبرانى فى الأوسط 5/173، 174 رقم 4986 وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/47 رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه محمد بن عبد الحليم النيسابورى ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة 2/316، وأبو نعيم فى دلائل النبوة 1/270 رقم 203 وفيه الكلبى متروك، وأخرجه ابن إسحاق مرسلا عن عروة بن الزبير ينظر : السيرة النبوية لابن هشام 2/20 رقم 407، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة 1/268 رقمى 201، 202 .
(3) الآية 95 الحجر، والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط 7/150 رقم 7127، وأخرجه البزار بنحوه، وفيه يزيد عن درهم ضعفه ابن معين، ووثقه الفلاس. كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/46 قلت : فالإسناد حسن أهـ.
(4) الآية 36 الزمر.
(5) الثلغ : الشدخ. وقيل هو ضربك الشئ الرطب بالشئ اليابس حتى ينشدخ. النهاية 1/214 .

(1/147)


استجرجوك واغزهم نغزك(1)، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله…"(2).
وسياق هذا الحديث فى صحيح مسلم يشعر على طوله بأن التحديث به كان بعد الهجرة النبوية، وقد تنبه الإمام القرطبى إلى ذلك، فنزع هذه الجملة من سياق مسلم، ووضعها فى موضعها عند كلامه على آية : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } (3) باعتبارها مكية(4) وهذا هو الصواب عندى، وعند غيرى(5) والله أعلم.
وتأكيدا لخصوصية عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل فى مكة، حتى على فرض مدنية آية { والله يعصمك من الناس } إليك هذه النماذج :
__________
(1) أى نعينك.
(2) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجنة، باب الصفات التى يعرف بها أهل الجنة 9/214، 215 رقم 286 من حديث عياض بن حمار المجاشعى رضى الله عنه.
(3) الآية 67 المائدة.
(4) الجامع لأحكام القرآن 6/243، 244 .
(5) ذهب إلى ذلك فضيلة الشيخ محمد عرجون فى كتابه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 2/478، والدكتور عويد المطرفى فى كتابه آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى ضوء العصمة ص124 – 132 .

(1/148)


1- ما نزل فى قوله تعالى : { أرأيت الذى ينهى عبدا إلى صلى. أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى. كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية. كلا لا تطعه واسجد واقترب } (1) فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال أبو جهل : هل يعفر(2) محمد وجهه بين أظهركم؟ قال : فقيل نعم. فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه فى التراب، قال : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى، زعم ليطأ على رقبته، قال : فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال : فقيل له : مالك؟ فقال: إن بينى وبينه لخندقا من نار وهولا، وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو دنا لاختطفته الملائكة عضوا عضوا" قال : فأنزل الله عز وجل – لا ندرى فى حديث أبى هريرة أو شئ بلغه - { كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى } … الآيات(3).
__________
(1) الآيات 9 – 19 العلق.
(2) العفر هو التراب، والمعنى : أيسجد محمد أمامكم؟ ينظر : النهاية فى غريب الحديث 3/236 .
(3) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب قوله تعالى : { إن الإنسان ليطغى } 9/153 رقم 2797 .

(1/149)


2- وفى رواية عن أبى عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى : { سندع الزبانية } قال : قال : أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلى، لأطأن عنقه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "لو فعل لأخذته الملائكة عيانا"(1) لقد ظن أبو جهل فرعون هذه الأمة أنه يستطيع أن ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ظن أنه يستطيع أن يقتله، لكنه ما إن اقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله عليه ما أخافه كل الخوف، وأفزعه كل الفزع، مما جعله يعود خاسئا، يجرى إلى الخلف صاغرا، وهكذا يعصم الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم، ويهين أعداءه(2).
__________
(1) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة اقرأ باسم ربك 5/413 رقم 3348 وقال : حسن صحيح غريب، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية 8/595 رقم 4958، وينظر : السيرة النبوية لابن هشام 1/375 نص رقم 284 ودلائل النبوة لأبى نعيم 1/208 رقم 158 "ما حدث لأبى جهل حين هم بإلقاء الحجر على الرسول صلى الله عليه وسلم، ففيه زيادة".
(2) المدخل إلى السنة النبوية ص224 .

(1/150)


... قال الحافظ ابن حجر : "وإنما شدد الأمر فى أبى جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبى معيط، حيث طرح سلى الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو يصلى"(1) لأنهما وإن اشتركا فى مطلق الأذية حالة صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتهديد، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفى ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبه بدعائه صلى الله عليه وسلم عليه وعلى من شاركه فى فعله فقتلوا يوم بدر"(2).
__________
(1) ينظر الحديث فى البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب إذا ألقى على ظهر المصلى قذرة أو جيفة لم تفسد عليه صلاته 1/416 رقم 240، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد باب ما لقى النبى صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين 6/391 رقم 1794 من حديث ابن مسعود رضى الله عنه.
(2) فتح البارى 8/596 رقم 4958 .

(1/151)


3- ما نزل فى قوله تعالى : { تبت يدا أبى لهب وتب } (1) فعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال : لما نزلت : { تبت يدا أبى لهب } جاءت امرأة أبى لهب(2) ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر : لو تنحيت لا تؤذيك بشئ(3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنه سيحال بينى وبينها" فأقبلت حتى وقفت على أبى بكر، فقالت : يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر : لا، ورب هذه البنية ما نطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت : إنك لمصدق، فلما ولت، قال أبو بكر رضى الله عنه : ما رأتك؟ قال : "لا، مازال ملك يسترنى حتى ولت"(4).
__________
(1) الآية الأولى المسد.
(2) هى بنت حرب بن أمية، أخت أبى سفيان والد معاوية، يقال إن اسمها أروى، وتكنى أم جميل، وتلقب بالعوراء، ويقال لم تكن عوراء، وإنما قيل لها ذلك لجمالها. ينظر : فتح البارى 8/610 رقم 4973 .
(3) جاء فى حديث أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما أنها كانت فى يدها "فهر" وهو بالكسر الحجر، وهو قدر ما يملأ الكف. ينظر : القاموس المحيط 2/11، وسيأتى تخريج حديث أسماء شاهدا لحديث ابن عباس.
(4) أخرجه البزار وأبو يعلى نحوه، وقال البزار حسن الإسناد، وتعقبه الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/144، قائلا : فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، ووافق البزار فى حسن إسناده، الحافظ فى فتح البارى 8/610 رقم 4973، وابن كثير فى تفسيره 8/537، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة 1/194 رقم 141، وابن أبى شيبة فى مصنفه 11/ 498 رقم 11817، وللحديث شاهد من حديث أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها أخرجه الحاكم فى المستدرك 2/393 رقم 3376 وقال : صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، والحميدى فى مسنده 1/153، 154 رقم 323، وللحديث شاهد ثانى من حديث زيد بن أرقم رضى الله عنه أخرجه الحاكم فى المستدرك 2/573 رقم 3945، وصحح إسناده على علة فيه بذكر يزيد بن زيد بدلا من زيد بن أرقم – ووافقه الذهبى.

(1/152)


وروى عنه أيضا قال : "إن الملأ من قريش اجتمعوا فى الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدا لقمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة(1) تبكى، حتى دخلت على النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من ديتك، فقال : يا بنيه ائتنى بوضوئى، فتوضأ، ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا : هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم فى صدورهم، وعقروا فى مجالسهم، ولم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ حفنة من تراب، فقال : شاهت الوجوه، ثم حصبهم، فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر"(2).
__________
(1) لها ترجمة فى : تاريخ الصحابة ص208 رقم 1107، وأسد الغابة 7/216 رقم 7183 والاستيعاب 4/1893 رقم 4057، والإصابة 4/377 .
(2) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة 1/192 رقم 139، وأحمد فى مسنده 1/368، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد 8/228 رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، وقال الشيخ أحمد شاكر فى حاشيته على المسند بل كلاهما صحيح 3/228 رقمى 2762، 4385، والحاكم فى المستدرك 3/170، 171 رقم 4742 وقال : صحيح الإسناد، وسكت عنه الذهبى.

(1/153)


وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : فى قوله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } (1) قال : "تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق – يريدون النبى صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه. وقال بعضهم : بل اخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على بن أبى طالب رضى الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبى صلى الله عليه وسلم : فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليا رد الله تعالى مكرهم، فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدرى. فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا : لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال"(2).
__________
(1) الآية 30 الأنفال.
(2) أخرجه أحمد فى مسنده 1/348، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/27 رواه أحمد والطبرانى وفيه عثمان بن عمرو الجزرى، وثقة ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسن إسناد أحمد الحافظ فى فتح البارى 7/278 رقم 3905، وحسنها ابن كثير فى البداية والنهاية 3/179 قال بعد أن ذكر رواية أحمد فى مسنده "هذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روى فى قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم"أهـ وأخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) 2/100 نص رقم 502، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة 2/466 – 468 .

(1/154)


فتأمل ما فى الروايات السابقة من عصمة المولى عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم من محاولات قتله التى هم بها كفار قريش، فرادى تارة، وجماعات تارة أخرى، والتى كان آخرها جماعة فى مكة، ليلة هجرته إلى المدينة المنورة، حيث رد كيدهم إلى نحورهم، وعادوا إلى ديارهم، كحالهم فى كل مرة يجرون أذيال خزى الله عز وجل لهم.
هذا ولم تكن عصمة المولى عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم فى ليلة الهجرة قاصرة على نجاته من بين أيدى صناديد الكفر فى مكة، وإنما امتدت عنايته عز وجل ورعايته لرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو فى طريقه إلى المدينة، وفى غار ثور، كما جاء فى الحديث السابق، من نسج العنكبوت على باب الغار، فكان قولهم : "لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه".
ولم تكن عصمة الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم فى غار ثور، قاصرة على العنكبوت، وإنما امتدت إلى الشجرة التى أنبتها الله عز وجل على فهم الغار، تستر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه رضى الله عنه، وإلى حمامتين وحشيتين وقفتا على فم الغار.

(1/155)


فعن أبى مصعب المكى(1) قال : أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، رضى الله عنهم، فسمعتهم يحدثون : أن النبى صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله سبحانه، شجرة فنبتت على وجه الغار فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيهم وحرباتهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبى صلى الله عليه وسلم، قدر أربعين ذراعا جعل بعضهم ينظر فى الغار، فقال : رأيت حمامتين بفم الغار، فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبى صلى الله عليه وسلم ما قال؛ فعرف أن الله عز وجل قد درأ بهما، فدعا لهن وسمت(2) عليهن، وفرض جزاءهن، ونزلن بالحرم"(3).
__________
(1) روى عن زيد بن أرقم، والمغيرة، وأنس، بحديث الغار، وعنه عون، ويقال عوين بن عمرو القيسى، قال العقيلى : مجهول، ذكره فى ترجمة عون. لسان الميزان 8/19 رقم 10678، والضعفاء الكبير للعقيلى 3/422 فى ترجمة عوين رقم 1462، وكذلك الذهبى فى الميزان 4/307 رقم 6535، والجرح والتعديل 9/441 رقم 2220 .
(2) أى ادعى لهن بالبركة – ينظر : النهاية فى غريب الحديث 2/357 .
(3) أخرجه ابو نعيم فى دلائل النبوة 2/325 رقم 229، والبيهقى فى دلائل النبوة 2/481، 482، وابن سعد فى الطبقات الكبرى 1/228، وفيه زيادة قصة العنكبوت، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية 3/179، 180 وقال رواه ابن عساكر، وذكر إسناده ثم قال : هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد 6/53 إلى البزار والطبرانى وقال : فيه جماعة لم أعرفهم، وأخرجه العقيلى فى الضعفاء الكبير 3/422 ترجمة عوين القيسى رقم 1462 والحديث يعضده القرآن الكريم على ما ذكرته فى المتن أهـ.

(1/156)


وهذا الحديث على غرابة سنده، فلا غرابة فى متنه، وما فيه قليل فى كرامته صلى الله عليه وسلم، وجائز فى العقل، مؤيد بمطلق قوله تعالى : { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم } (1) فتأمل ما فى الآية الكريمة من نسبة نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل، وتأييده صلى الله عليه وسلم بجنود لا يراها أحد، تجد أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون ما ورد فى الحديث الغريب السند من الحمامتين الوحشيتين، والشجرة، والعنكبوت من جنود الله تعالى!!
وامتدت عصمة الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم فى غار ثور إلى أمره عز وجل ملائكته أن تستر نبيه وصاحبه عن أعين المشركين، فكان صلى الله عليه وسلم وصحابه يريان المشركين، والمشركون لا يرونهما.
فعن أبى بكر رضى الله عنه قال : "كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى الغار، فرأيت آثار المشركين، قلت يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال صلى الله عليه وسلم : "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"(2) "لا تحزن إن الله معنا"(3) وهذا اليقين من النبى صلى الله عليه وسلم بعصمة الله عز وجل له، تجلى فى ملائكة الله عز وجل التى سترتهم وهم فى الغار.
__________
(1) الآية 40 التوبة.
(2) أخرجه البخارى 0بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب ثانى اثنين إذ هما فى الغار 8/176، 177 رقم 4663 .
(3) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزهد، باب حديث الهجرة 9/373 رقم 2009 .

(1/157)


فعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها(1) : "وطافوا فى جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر : يا رسول الله إن هذا الرجل يرانا – وكان مواجهة– فقال : كلا! إن ملائكة تسترنا بأجنحتها، فجلس ذلك الرجل يبول مواجهة الغار، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "لو كان يرانا ما فعل هذا"(2).
__________
(1) صحابية جليلة لها ترجمة فى : أسد الغابة 7/7، 8 رقم 6705، والاستيعاب 4/1781 رقم 3226، وتاريخ الصحابة ص40 رقم 88، والإصابة 4/228 رقم 10798 .
(2) أخرجه الطبرانى وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب، وثقة ابن حبان وغيره، وضعفه أبو حاتم وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 6/53، 54 – فالإسناد حسن.

(1/158)


وتمتد عناية الله عز وجل وعصمته لنبيه صلى الله عليه وسلممن محاولة سراقة بن مالك(1)النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالقتل أو الأسر للحصول على الدية التى رصدها كفار قريش (مائة ناقة لمن يأتى برسول الله صلى الله عليه وسلم" قتيلا أو أسيرا وكما جاء على لسان سراقة بعد أن تتبع أثرهم قال : "حتى إذا دنوت منهم، (أى اقترب من ركبه صلى الله عليه وسلم) فعثرت بى فرسى، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدى إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام(2) فاستقسمت بها : أضرهم أم لا؟ فخرج الذى أكره، فركبت فرسى – وعصيت الأزلام – تقرب بى، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم(3) وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم
__________
(1) أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، له ترجمة فى : أسد الغابة 2/412 رقم 1955، والاستيعاب 2/581 رقم 916، وتجريد أسماء الصحابة 1/210، ومشاهير علماء الأمصار ص40 رقم 170، والإصابة 2/19 رقم 3122 .
(2) الزلم، والزلم، واحد الأزلام : وهى القداح التى كانت فى الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهى، افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها فى وعاء له، فإذا أراد سفرا أو زواجا أو أمرا مهما، أدخل يده فأخرج منها زلما، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النهى كف عنه ولم يفعله، وهذا ما فعله سراقة إلا أن الزلم خرج بالنهى عن الإضرار بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه خالفها. ينظر النهاية 2/281 .
(3) وكانت تلك القراءة منه صلى الله عليه وسلم الدعاء بقوله "اللهم اكفناه بما شئت" كما جاء فى رواية البيهقى فى دلائل النبوة 2/484، وفى رواية قال صلى الله عليه وسلم : "اللهم أصرعه" كما جاء فى حديث أنس عند البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى صلى الله عليه وسلم 7/293، 294 رقم 3911 .

(1/159)


زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان(1) ساطع فى السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخبارا ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى(2) ولم يسألانى إلا أن قال : أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب أمن(3)، فأمر عامر بن فهيرة رضى الله عنه(4) فكتب فى رقعة من آدم(5) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم"(6)
__________
(1) أى دخان من غير نار، وجمع عثان، عواثن، على غير قياس، ينظر : النهاية فى غريب الحديث 3/166، وفتح البارى 7/284 رقم 3906 .
(2) أى لم يأخذا منى شيئا، يقال رزأته أرزؤه، وأصله النقص. النهاية 2/199 .
(3) أى كتابا يكون موادعة، وآية بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء فى رواية ابن إسحاق، ينظر : السيرة النبوية لابن هشام 2/112 نص رقم 516، والنهاية 1/70 .
(4) وفى رواية ابن إسحاق أن الذى أمر بالكتابة الصديق رضى الله عنه ينظر : السيرة النبوية لابن هشام المواضع السابقة. وعامر بن فهيرة صحابى جليل له ترجمة فى : أسد الغابة 3/134 رقم 2724، والاستيعاب 2/796 رقم 1338 .
(5) هو باطن الجلد الذى يلى اللحم، مختار الصحاح ص10، والقاموس المحيط 4/72، وفى رواية لابن إسحاق "فكتب لى كتابا فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة، ثم ألقاها إلى فأخذته فى كنانتى. السيرة النبوية لابن هشام 2/112 نص رقم 516 .
(6) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة 7/281 رقم 3906، ومن حديث أنس بن مالك رضى الله عنه فى الأماكن السابقة نفسها برقم 3911، وأخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزهد، باب حديث الهجرة 9/372، 373، رقم 2009 من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه.

(1/160)


0
فتأمل كيف عصم رب العزة رسوله صلى الله عليه وسلم من محاولة سراقة قتله أو أسره، ليفوز بالدية التى رصدت من كفار قريش، إذ ما اقترب من ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عثرت به فرسه، مرة تلو الأخرى بعد إصراره على تتبع ركبه صلى الله عليه وسلم، حتى إذا ما سمع دعاءه صلى الله عليه وسلم بأن يصرعه، أو يكفيه إياه بما شاء، إلا وتتعثر به فرسه للمرة الثالثة، حتى أن يدا فرسه فى هذه المرة غاصت فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، وبعد محاولات منه لاستنهاضها، إذ به يرى على يديها أثر دخان من غير نار ساطع فى السماء،وهنا أيقن سراقة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظ، ومعصوم منه، كما أيقن فى نفس الوقت، أنه نبى الله حقا، وأن دينه سيظهر، فما كان منه إلا أن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان، فأعطاه إياه، ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أن يقف فى مكانه، ولا يترك أحدا يلحق بركبه صلى الله عليه وسلم، ففعل سراقة، وهنا تتجلى إرادة المولى عز وجل ومشيئته فى عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغير حال سراقة "إذ كان فى أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلحة له"(1) أى حارسا له بسلاحه، بل وبلسانه أيضا كما جاء فى رواية ابن سعد : "أنه لما رجع، قال لقريش : قد عرفتم بصرى بالطريق وبالأثر، وقد استبرأت لكم، فلم أر شيئا، فرجعوا"(2) وقال أيضا رضى الله عنه ردا على أبى جهل لما بلغه موقفه هذا، ولامه فى تركهم أنشده :
أبا حكم والله لو كنت شاهدا ... *** ... لأمر جوادى إذ تسيخ قوائمه
__________
(1) كما جاء فى حديث أنس عند البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى صلى الله عليه وسلم 7/293، 294 رقم 3911 .
(2) الطبقات الكبرى 8/250 .

(1/161)


عجبت ولم تشكك بأن محمدا ... *** ... نبى وبرهان فمن ذا يقاومه؟‍!
عليك بكف الناس عنه فإننى ... *** ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه(1).
... وبعد : فهل فى كل ما سبق من دلائل حفظ الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم من محاولات كفار قريش قتله، شك فى عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل فى فترة مكة، حتى على فرض مدنية الآية الكريمة : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } (2)؟!!.
... إن خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة فى مكة على ما سبق، وفى المدينة أيضا.

... وإليك نماذج من كفاية الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم من مؤامرات أعدائه لقتله أو النيل منه، فى المدينة المنورة :
__________
(1) ينظر : الروض الأنف للسهيلى 2/322، ودلائل النبوة للبيهقى 2/489، ودلائل النبوة لأبى نعيم 2/337 رقم 237 .
(2) الآية 67 المائدة.

(1/162)


1- ما حدث بعد غزوة بدر الكبرى من محاولة عمير بن وهب(1) قتل النبى صلى الله عليه وسلم، وكتمه ذلك سرا بينه وبين صفوان بن أمية(2) على أن يؤدى عنه صفوان دينه، ويعوله فى أهله وعياله، ولا ينقسهم شيئا ما بقوا، فلما قدم عمير المدينة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابنه "وهب" وقع أسيرا يوم بدر، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه فى عنقه قال : أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا، ثم قال : انعموا صباحا – وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة" فقال : أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال : "فما جاء بك يا عمير؟ قال : جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال : "فما بال السيف فى عنقك" قال : قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا؟ قال : "أصدقنى ما الذى جئت له؟" قال : ما جئت إلا لذلك، قال: "بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت : لولا دين على، وعيال عندى، لخرجت حتى أقتل محمدا : فتحمل لك صفوان بن أمية، بدينك، وعيالك، على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك" قال عمير : أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إنى لأعلم أن ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول
__________
(1) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى : أسد الغابة 4/288، 289 رقم 4096، والاستيعاب 3/1221 – 1223 رقم 1997، والإصابة 5/36 رقم 6073، وتاريخ ا لصحابة ص135 رقم 660 .
(2) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى : أسد الغابة 3/24 رقم 2510، والاستيعاب 2/718 رقم 1214، والإصابة 2/187 رقم 4093 .

(1/163)


الله صلى الله عليه وسلم : "فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره" ففعلوا"(1).
فتدبر ما فى القصة السابقة، من يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، بعد أن أخبر عمير بما كان بينه وبين صفران من اتفاق على قتلهصلى الله عليه وسلم، وإعلامه بأن الله عز وجل حائل بينه، وبين ما جاء من أجله.
__________
(1) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) 2/339، 340 نص رقم 827 من حديث عروة بن الزبير مرسلا، والقصة أخرجها الطبرانى فى الكبير 17/56، 57 عن عروة أيضا وعن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلا، وإسنادها جيد كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 8/286، 287، وأخرجها أيضا البيهقى فى دلائل النبوة 3/147–149،وينظر:الإصابة فى معرفة الصحابة لابن حجر 5/37 .

(1/164)


2- وعن جابر بن عبدالله رضى الله عنه أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: اقتل لكم محمدا، فقالوا: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقبل إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيفه فى حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه واستله وجعل يهزه ويهم، فيكبته الله، فقال: يا محمد أما تخافنى؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافنى، وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى الله منك، ثم أغمد السيف، ورده إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم } (1).
__________
(1) الآية 11 المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة1/195 رقم 145 من طريق ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) 3/186،187 رقم1332، وفى سنده عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة فى عصره ومفتيها، كان زاهدا ثم أحدث فتركه الأئمة مات سنة 143هـ وقيل144هـ، له ترجمة فى: الضعفاء للنسائى ص184 رقم469، والضعفاء لأبى نعيم ص118 رقم164، وتاريخ بغداد12/166 رقم6652، ووفيات الأعيان1/130 رقم 476، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة ذات الرقاع7/490، 491 رقمى4135،4136، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف3/389 رقم843، والحاكم فى المستدرك3/31،32 رقم4322 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.

(1/165)


3- وقيل فى سبب نزول هذه الآية، ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن عمرو بن أمية الضمرى(1) حين انصرف من بئر معونة(2) لقى رجلين كلابيين معهما أمان من رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فقتلهما ولم يعلم أن معهما أمانا من النبىصلى الله عليه وسلم، ففداهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم ومضى إلى بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى، فتلقوه بنو النضير فقالوا: مرحبا يا أبا القاسم؛ ماذا جئت له؟ قال: رجل من أصحابى قتل رجلين من كلاب معهما أمان منى، طلب منى ديتهما، فأريد أن تعينونى، قالوا: نعم والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع لك، فقعد رسول اللهصلى الله عليه وسلم تحت الحصن، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلى بين يديه، وقد توامر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجرا(3)، وقال بعض أهل العلم: بل ألقوه، فأخذه جبرئيل عليه السلام، وأخبر النبى بما توامر الفسقة، وما هموا به، فقام رسول اللهصلى الله عليه وسلم واتبعه أبو بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم، فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم } (4)
__________
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة4/181 رقم3862، والرياض المستطابة ص214،215 .
(2) مكان فى الطريق الداخلى بين مكة والمدينة. معجم البلدان5/159، وسرية بئر معونة، وتعرف أيضا بسرية القراء كانت فى صفر سنة4 هـ. ينظر البداية والنهاية4/73، والسيرة النبوية لابن هشام3/164 نص رقمى1295،1296 .
(3) جاء فى مغازى الواقدى ص282، وسيرة ابن إسحاق، أن الذى هم بإلقاء الحجر (عمرو بن جحاش بن كعب النضيرى) ينظر: دلائل النبوة لأبى نعيم2/491 رقم427، والسيرة النبوية لابن هشام3/170 نص رقم 1308 .
(4) الآية 11 المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة2/489رقم425، وابن جرير الطبرى فى تاريخه2/551،552، وابن إسحاق أورده معضلا (السيرة النبوية لابن هشام)3/170 نص رقم 1308، والبيهقى فى دلائل النبوة3/354،355، وابن عبدالبر فى الدرر فى اختصار المغازى والسير ص164،165 وابن كثير فى البداية والنهاية 4/76 ثلاثتهم عن ابن إسحاق.

(1/166)


، وفى رواية عن عروة بن الزبير زاد: "وأمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بإجلائهم، لما أرادوا برسول اللهصلى الله عليه وسلم، فلما أخذهم بأمر الله وأمرهم أن يخرجوا من ديارهم، فيسيروا حيث شاؤوا، قالوا: أين تخرجنا، قال صلى الله عليه وسلم: إلى الحشر"(1).
فتأمل ما فى حديث جابر من عصمة المولى عز وجل لنبيهصلى الله عليه وسلم من الإعراب حيث أغمد السيف ورده هو بنفسه إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ يراجع رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى قتله، فما الذى أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله؟!
إن مراجعة الأعرابى لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الكلام، دليل على أن الله عز وجل منعه، بدليل ما ورد فى الحديث من تلويحه بالسيف، فيكبته الله.
وفى جوابهصلى الله عليه وسلم "يمنعنى الله منك" إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعاد الأعرابى كلامه، لم يزدهصلى الله عليه وسلم على ذلك الجواب، وفى ذلك غاية التهكم، وعدم المبالاة به، وفى ذلك دليل على قوة صبره وشجاعته، ويقينه بعصمة المولى عز وجل له.
__________
(1) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة2/490،491 رقم426 مرسلا عن عروة. وينظر السيرة النبوية لابن هشام3/172 نص رقم 1313، وشرح الزرقانى على المواهب2/510،529-533 .

(1/167)


وفى حديث ابن عباس بيان لعصمة رسول اللهصلى الله عليه وسلم من محاولة يهود بنو النضير قتلهصلى الله عليه وسلم، كما فعل أسلافهم مع أنبيائهم سابقا، ولكن عصمة رب العزة، سواء بتلقى جبريل الحجر قبل أن يقع عليهصلى الله عليه وسلم، أو بإخباره بمؤامرتهم، وبما هموا به، وقيامهصلى الله عليه وسلم قبل أن يلقوا الحجر. ففى تلك القصة تأكيد لخصوصية عصمتهصلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، كما قال عز وجل: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } (1) فقوله "من قبل" بيان لخصوصية عصمته فى بدنه من القتل لأن اليهود وإن وقع منهم قبلهصلى الله عليه وسلم قتل أنبياءهم بإذن الله تعالى، إلا أنهم مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لم ولن يفلحوا فى قتله مهما حاولوا، بدليل الآية الكريمة، وهو ما أكدته السنة المطهرة كما فى هذه القصة، وكما فى الحديث التالى.
__________
(1) الآية 91 البقرة.

(1/168)


4- عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن امرأة يهودية(1) أتت رسول اللهصلى الله عليه وسلم بشاه مسمومة، فأكل منها. فجئ بها إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان الله عزوجل ليسلطك على ذاك" قال: أو قالصلى الله عليه وسلم: "على" قال قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا(2)، قال: فما زلت أعرفها فى لهوات(3) رسول اللهصلى الله عليه وسلم(4).
__________
(1) هى زينب ابنة الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما فى السيرة النبوية لابن هشام3/346 نص رقم 1566 .
(2) وذلك قبل موت بشر بن البراء من تلك الأكلة المسمومة، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا. قال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قتلها. ينظر: المنهاج شرح مسلم7/434 رقم2190، وفتح البارى7/569 رقم4249، 10/257 رقم5777 .
(3) جمع لهاة، وهى اللحمات فى سقف أقصى الفم. النهاية فى غريب الحديث4/243 .
(4) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب السم7/433 رقم2190، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين5/272رقم2617 .

(1/169)


ففى قولهصلى الله عليه وسلم "ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال: على" فيه بيان عصمتهصلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، كما قال الله تعالى: { والله يعصمك من الناس } (1) وهى معجزة لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام الشاة له، فقد جاء فى غير مسلم، أنهصلى الله عليه وسلم قال: "ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة"(2).
__________
(1) جز من الآية 67 المائدة.
(2) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلا سما أو أطعمه فمات، أيقاد منه4/174 رقم4512 وفيه خالد بن خلى الحمصى- صدوق- كما قال الحافظ فى التقريب1/257 رقم1629 وبقية رجاله ثقات- فالإسناد حسن، وأخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام3/346 نص رقم1566 .

(1/170)


5- وعن سلمة بن الأكوع رضى الله عنه(1) أنه كان مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق(2) ومعها مهرة لها يتبعها فقال: من أنت؟ فقال: "أنا نبى" قال: ما نبى؟ قال "رسول الله" قال: متى تقوم الساعة؟ فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله" قال: أرنى سيفك، فأعطاه النبىصلى الله عليه وسلم سيفه، فهزه الرجل ثم رده عليه، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أما أنك لم تكن تستطيع الذى أردت"(3) زاد الطبرانى فى روايته، ثم قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "إن هذا أقبل، فقال آتية فاسأله، ثم أخذ السيف، فأقتله، ثم أغمد السيف"(4).
فتأمل يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، إذ أخبره ربه عز وجل بحال الرجل القادم عليه، وأنه سيسأل رؤية سيفهصلى الله عليه وسلم ليقتله به، ومع ذلك عندما يأتى الرجل يعطيه النبىصلى الله عليه وسلم السيف عندما سأله، ويهز الرجل السيف محاولا قتل رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ولكن يكبته الله ويمنعه، فلا يملك إلا رد السيف إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ويخبره بما كان فى نفسه من نية قتلهصلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن يستطيع ذلك، لعصمة الله لهصلى الله عليه وسلم.
__________
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة2/517 رقم2155، والاستيعاب2/639 رقم 1016، ومشاهير علماء الأمصار ص28 رقم80، والإصابة2/66 رقم3374 .
(2) أى حامل، يقال عقت له فرسه، أى: حملت. النهاية فى غريب الحديث3/251 .
(3) أخرجه الحاكم فى المستدرك1/49 رقم14 وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.
(4) أخرجه الطبرانى فى الكبير7/20 ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد8/227 .

(1/171)


6- وعن جعدة بن خالد بن الصمة رضى الله عنه(1) قال: شهدت النبى صلى الله عليه وسلم وأتى برجل، فقيل يا رسول الله، هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: لم تراع، لم تراع(2) لو أردت ذلك لم يسلطك الله على قتلى"(3).
7- وعن فضالة بن عمير الليثى رضى الله عنه(4) قال: أردت قتل النبىصلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنوت منه، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أفضالة"؟ قلت: نعم! فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شئ، كنت أذكر الله عز وجل، فضحك النبىصلى الله عليه وسلم ثم قال: "استغفر الله" ثم وضع يده على صدرى، فسكن قلبى، فوالله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شئ أحب إلى منه"(5) نعم: هكذا النبوة يقين بعصمة الله تعالى وحفظه، وعلم بالغيب، ورحمة وسكن، وهداية للعصاة.
__________
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب1/241 رقم326، وأسد الغابة1/537 رقم750، وتجريد أسماء الصحابة1/84 .
(2) كلمة تقال عند تسكين الروع تأنيسا، وإظهارا للرفق بالمخاطب أهـ فتح البارى10/472 رقم6033 .
(3) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة1/194 رقم143، وأحمد فى مسنده3/471، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد8/226 رواه أحمد والطبرانى باختصار ورجاله رجال الصحيح غير أبى إسرائيل الجشمى وهو ثقة، وأخرجه ابن الأثير فى أسد الغابة1/537،538 رقم750 .
(4) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة4/347 رقم4233، والاستيعاب4/1263 رقم2083، والإصابة5/211 رقم 7015 .
(5) أخرجه ابن هشام فى السيرة النبوية4/40،41 نص رقم1692، وأورده ابن كثير فى البداية والنهاية4/306، وابن عبدالبر فى الدر فى اختصار المغازى ص222 كلاهما نقلا عن ابن هشام.

(1/172)


8- وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه(1) قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول اللهصلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار(2) يسوقه، أو أنا أسوقه، وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة(3)، فإذا أنا باثنى عشر راكبا، قد اعترضوه فيها، قال : فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل عرفتم القوم؟ قلنا : لا، يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا : لا، قال : أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العقبة، فليقوه منها. قلنا : يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال : لا، أكره أن تحدث العرب بينها : أن محمدا قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال : اللهم ارمهم بالدبيلة(4). قلنا : يا رسول الله! وما الدبيلة؟ قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك"(5).
__________
(1) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة 73 رقم267، والرياض المستطابة ص49،50، وأسد الغابة1/706 رقم1113، والاستيعاب1/334 رقم492 .
(2) هو عمار بن ياسر صحابى جليل له ترجمة فى: الرياض المستطابة ص211-213، ومشاهير علماء الأمصار ص54 رقم266، والاستيعاب3/1135 رقم1863، وأسد الغابة4/122 رقم3804 .
(3) واحدة عقبات وهى الجبال، والمراد مكان مرتفع. ينظر: مختار الصحاح ص444، والقاموس المحيط1/106 .
(4) هى خراج ودمل كبير تظهر فى الجوف فتقتل صاحبها غالبا. النهاية فى غريب الحديث 2/94 .
(5) أخرجه البهيقى فى دلائل النبوة 5/260، 261، والطبرانى فى الأوسط 8/102 رقم 8100، وفيه عبد الله بن سلمة، وثقة جماعة، وقال البخارى لا يتابع على حديثه، وفى الصحيح بعضه. كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/109، 110 .

(1/173)


وللحديث شاهد صحيح أخرجه أحمد فى مسنده عن أبى الطفيل رضى الله عنه(1).
وأصل هذه القصة أخرجها الإمام مسلم فى صحيحه مختصرة عن حذيفة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "فى أمتى اثنا عشر منافقا، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل فى سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر فى أكتافهم حتى ينجم من صدورهم"(2) وكان حذيفة رضى الله عنه على علم بأسمائهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الصحابة(3)، ولما سئل رضى الله عنه : "كيف عرفت المنافقين، ولم يعرفهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ولا عمر؟ قال : إنى كنت أسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنام على راحلته، فسمعت ناسا منهم يقولون : لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينه وبينهم، وجعلت أقرأ وأرفع صوتى، فانتبه النبى صلى الله عليه وسلم، فقال : من هذا؟ فقلت حذيفة، قال : من هؤلاء خلفك؟ قلت : فلان وفلان حتى عددت أسماءهم، قال : وسمعت ما قالوا؟ قلت : نعم، ولذلك سرت بينك وبينهم، فقال : إن هؤلاء فلانا وفلانا، حتى عدد أسماءهم، منافقون، لا تخبرن أحدا"(4)، وفيهم أنزل
__________
(1) مسند أحمد 5/453، 454 ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 6/195 وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/110 .
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم 9/137 رقم 2779 .
(3) ولهذا كان رضى الله عنه يقال له "صاحب السر الذى لا يعلمه غيره" ينظر : تفسير القرآن العظيم 4/123، وزاد المعاد 3/548 .
(4) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة 2/528 رقم 456، والطبرانى فى الكبير وفيه : مجالد بن سعيد وقد اختلط، وضعفه جماعة، كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/109، قلت : ولكنه توبع؛ حيث أصل حديثه فى صحيح مسلم وغيره.

(1/174)


قوله تعالى : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا } (1).
إن فى تلك الآية الكريمة يمتن رب العزة على نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بعصمته من مؤامرة نفرا من المنافقين هموا بقتله صلى الله عليه وسلم، وهو عائد من تبوك فى طريقه إلى المدينة، بطرحه من فوق عقبة فى الطريق، وقد جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر منافقا، وأخبرهم بقولهم، وبما هموا به من قتله، ولكنهم حلفوا بالله ما قالوا، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاوز عنهم، حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه، بعد أن أظهره الله عز وجل على أعداءه، ولكن مع ذلك لحقتهم لعنة الله فى الدنيا، وموتهم شر ميتة بالدبيلة، وفى الآخرة لهم عذاب جهنم، جزاء نفاقهم وما همو به من قتله صلى الله عليه وسلم، ولم ينالوا ذلك لعصمة رب العزة له صلى الله عليه وسلم.
وبعد : فما ذكر من هذه النماذج الصحيحة فى عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل، غنى عن غيره مما لم يذكر من الصحيح، أو ورد ضعيفا.
وإذا تقرر هنا فى هذا الفصل تفصيل دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فقد حان الآن بيان شبهات الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها، فإلى تفصيل ذلك فى الفصل التالى.
__________
(1) الآية 74 التوبة، وسبب النزول، أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة 5/258، 259، عن ابن إسحاق، ونقله عنه ابن كثير فى البداية والنهاية 5/18 .

(1/175)


الفصل الثانى : شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها
ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها :
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب :
المطلب الأول : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم والجواب عنها.
المطلب الثانى : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم والجواب عنها.
المطلب الثالث : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عزوجل، ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها.
المطلب الرابع : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعرض الشيطان له والجواب عنها.
المطلب الخامس : شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والجواب عنها.
المبحث الثانى : شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها :
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب :
المطلب الأول : شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره صلى الله عليه وسلم" والرد عليها.
المطلب الثانى : شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي" والرد عليها.
المطلب الثالث : شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم" والرد عليها.
المطلب الرابع : شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم" والرد عليها.
المطلب الخامس : شبهة الطاعنين فى حديث "أهجر" والرد عليها.

(1/176)


تمهيد
... ثبت فيما سبق ثبوتا قطعيا من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب أو نحو ذلك من مظاهر الكفر، والشرك، والشك، والضلال والغفلة، وكذا عصمته صلى الله عليه وسلم من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس عقله وخلقه بسوء؛ ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يقدر على نبيه صلى الله عليه وسلم، عكس ذلك بعد اصطفائه فقد ظن السوء بربه. أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب.

(1/177)


... وكما ظهر قديما من يطعن فى عصمة الأنبياء ممن لا يعتد بخلافهم من الأزرقة، والكرامية، والرافضة وغيرهم فقد ظهر حديثا أذيالهم من المنكرين لسنة المعصوم صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة الواردة فيها، ومن عجيب أمر هؤلاء الأذيال تحمسهم لفكرة أن الأنبياء غير معصومين، أكثر من أسلافهم، إذ تجرأوا على أنبياء الله عز وجل بجعلهم أقل مرتبة من سائر البشر، وحال لسانهم يقول : الأنبياء أناس يخطئون كما يخطئ عامة الناس، بل إن الله قد يتوب على عامة الناس، ولا يتوب عليهم، وليس أدل على ذلك من زعم بعضهم أن "وصف الأنبياء بالعصمة المطلقة تأليه لهم، وأنهم معرضون للوقوع فى أعظم الذنوب وهو الشرك الأكبر، وأنهم سيحاسبون أمام الله يوم القيامة"(1) ومن هنا زعموا أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليه وشرك"(2) وتجرأ بعضهم على كتاب الله عز وجل زاعما : "أن القرآن الكريم لم يعتبر النبى صلى الله عليه وسلم معصوما"(3) بل ويذهب إلى أن الاعتقاد بعصمة الأنبياء فى الإسلام دخيل عليه من النصرانية إذ يقول : "دخلت فكرة عصمة الأنبياء، إلى الفكر الإسلامى نقلا عن الفكر المسيحى الذى يؤمن بأن المسيح اقنوم "صورة" لله، وأنه لذلك لا يمكن أن يخطئ، لأنه معصوم بطبيعته من الوقوع فى الخطأ"(4) متجاهلا أن حقوق الأنبياء واحدة لا تختلف أبدا، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع، لأنهم متساوون فيما يجب
__________
(1) الأنبياء فى القرآن الكريم لأحمد صبحى ص30، 40، 74 وينظر : القرآن والحديث والإسلام لرشاد خليفة ص8 – 10، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص286 .
(2) سيأتى تفصيل تلك الشبهة والرد عليها ص377 .
(3) الإسلام السياسى للمستشار العشماوى ص86 .
(4) أصول الشريعة للعشماوى ص143، وقارن بكتابة معالم الإسلام ص148 حيث أثبت عصمته صلى الله عليه وسلم.

(1/178)


لهم، وما يستحيل عليهم بمقتضى قوله تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله } (1) وقوله سبحانه : { والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يأتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما } (2) وقوله عز وجل : { قل ما كنت بدعا من الرسل } (3) ومن هنا كان الدفاع عن عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم دفاع عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
... والمتتبع للمروجين لفرية عدم عصمة الأنبياء، يهون عليه أنه يجدهم جميعا من أصحاب المنافع والشهوات، أو من أصحاب الأغراض، وأرباب الهوى.
... وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى صلى الله عليه وسلم إلى بعض النصوص القرآنية والنبوية التى قد يتوهم من ظاهرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى ضلال أو غفلة قبل نبوته، أو فى شك، وتأثير للشيطان، عليه بعد البعثة، وكلك نصوص وردت فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القرآن الكريم(4) وهذه التنبيهات قد تبدو فى الظاهر وكأنها تمس عصمته صلى الله عليه وسلم، فأخذوا يلوون تلك النصوص، ويحملونها من المعانى مالا تحتمل، إلا أنهم لن يستطيعوا بهذه الحيلة أن يضللوا الأمة.
... وسوف أعرض لهذه النصوص والتنبيهات، وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق، ويصحح الفهم، ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله تعالى، آملا منه عز وجل التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد، وحسن الأدب فى بيان المراد. فإلى بيان ذلك فى المبحثين التاليين.
__________
(1) جزء من الآية 285 البقرة.
(2) الآية 152 النساء.
(3) الآية 9 الأحقاف.
(4) ينظر : الأصلان العظيمان لجمال البنا ص232 حيث استدل بتلك التنبيهات على عدم عصمة الأنبياء.

(1/179)


المبحث الأول : شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى صلى الله عليه وسلم
فى عقله وبدنه والرد عليها
تمهيد :
... إن الذى يتتبع القرآن الكريم، ويتقصى آياته العظيمة، ويمعن النظر فيه، ينتهى منه إلى رصيد ضخم، وثروة لا حدود لها، من الثناء الحلو، والمديح الطيب، والتنويه الذى ليس قبله ولا بعده، برسول هذه الإنسانية، وسيد هذا الكون، حتى لكأنه بلغ قمة الثناء، وغاية المديح، وكل ذلك تجده حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها خصوم السنة المطهرة والسيرة العطرة.
... إن مما يشرح الصدر، ويبهج النفس أن المتتبع للآيات المتشابهات التى استدلوا بها على عدم عصمتهم صلى الله عليه وسلم، يرى أنها ورادة فى مقام المنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه عز وجل فى الدنيا والآخرة، بأعظم ما يكون البيان.
... ويرى بوضوح وجلاء أن كل آية من تلك الآيات تأتى بنوع من الترفق برسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، وتنادى بأن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته صلى الله عليه وسلم غير مراد، وتنادى بأن ما صدر منه من خطأ فى الاجتهاد، ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث، لم تؤثر على شئ من عصمته، ولا مما ناله من شرف القرب، والرضا عليه من الله عز وجل، مما يمكن أن يقال فيه : إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم، الذى جعله رب العزة هدى ورحمة للعالمين.
... ومن هنا من يتأمل ما استدل به أعداء الإسلام من آيات قرآنية على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم، لا يستطيع إلا أن يقرر بأنها افتراءات أطلقوا عليها اسم أدلة وبراهين… وقد لا يصل القارئ إلى هذا التقرير، إلا بعد أن يتأمل جيدا، ويرجع إلى النصوص، ويمحصها بدقة فيخرج بنتيجة حاسمة، وحكم نهائى، بأن ما زعموه أدلة وحججا وبراهين، إنما هى من نفخ الشيطان وهمزه ونفثه، سولها لهم الشيطان، وحسنها فى قلوبهم، ودفعهم بأن يقولوا أنها حجج قرآنية.

(1/180)


... وسوف نناقشها فقرة فقرة، وننقضها لبنة لبنة، حتى يقتنعوا أن ما زعموه من أدلة هى السراب الباطل الذى يحسبه الظمآن ماء.
... إنى أقول ذلك ومعى تأكيدا له شواهد من التاريخ، والنقل الثابت من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته وخلقه وعقله بسوء، ومبرهنا فى نفس الوقت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل وأعلى، وأرفع وأقدس من أن تناله الشبه.
... فإلى بيان ذلك من خلال استعراض شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية.

المطلب الأول : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم
والجواب عنها
... احتج المشاغبون الذاهبون إلى نفى العصمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قلبه وعقيدته قبل البعثة وبعدها، بما ورد من آيات أسند فيها "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم، وحملوها على الكفر فى حقه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى : { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب } (1) وقوله عز وجل : { ووجدك ضالا فهدى } (2) وقوله سبحانه : { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } (3).
... ويجاب عن ما سبق بما يلى :
__________
(1) الآية 50 سبأ.
(2) الآية 7 الضحى.
(3) الآية 3 يونس، وينظر : ممن قال بهذه الشبهة، الإسلام بدون حجاب (كتاب مستل من شبكة الإنترنت) ص35 - 37، والأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى منصور ص23، 30 - 80، 126، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص137، 152، وجريدة الدستور عدد 31/12/1997، وجريدة الميدان العدد 289 مقالتان لأحمد صبحى منصور، وإعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص155 .

(1/181)


أولا : حمل أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة كلمتى "الضلال" والغفلة، فى الآيات على الكفر والغى والفساد! وهذا تعسف باطل فى تأويل الآيات، ومرفوض من وجوه:
الأول : أنه قبل النبوة لم يكن هناك شرعا قائما حتى يوصف المنحرف عنه بالضلال.
الثانى : ما ثبت بإجماع الأمة قاطبة من عصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر(1).
الثالث : ما ثبت بالتواتر عن حال النبى صلى الله عليه وسلم فى نشأته قبل النبوة من عصمة ربه عز وجل له من كل ما يمس عقيدته وخلقه بسوء على ما سبق تفصيله(2).
ثانيا : إن تأويل أعداء الإسلام للآيات يرفضه القرآن الكريم، حيث وردت فيه كلمة "الضلال" مرادا بها أكثر من معنى، منها ما يلى :
ضلال بمعنى الكفر فى نحو قوله تعالى : { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } (3).
ضلال بمعنى النسيان فى نحو قوله تعالى : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } (4) أى أن تنسى إحدى المرأتين، فتذكر إحداهما الأخرى.
ضلال بمعنى الغفلة فى نحو قوله سبحانه على لسان سيدنا موسى عليه السلام لفرعون : { قال فعلتها إذا وأنا من الضالين } (5).
__________
(1) ينظر ص7،11 .
(2) ص44 – 79، وينظر : خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص178، 179 .
(3) الآية 62 يس، وينظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/570، 571 .
(4) جزء من الآية 282 البقرة.
(5) الآية 20 الشعراء، وينظر : الأشباه والنظائر فى القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان ص297 – 299 .

(1/182)


ضلال بمعنى المحبة فى نحو قوله عز وجل على لسان أولاد سيدنا يعقوب : { إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين } (1) أى فى حب مبين ليوسف، وهو المشار إليه فى قوله تعالى على لسانهم أيضا : { قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم } (2) وكذلك قوله سبحانه على لسان نسوة المدينة : { وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها فى ضلال مبين } (3) أى حب مبين ليوسف عليه السلام.
ولما كان الضلال فى لسان أهل اللغة : العدول عن الطريق المستقيم، وضده الهداية، كان كل عدول ضلال، سواء كان عمدا أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، ومن هنا صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد(4).
وعلى الوجهين الثالث والرابع تفسر آية : { ووجدك ضالا فهدى } ونحوها، ويكون المعنى على الوجه الرابع : ووجدك محبا للهداية فهداك إليها، ويشهد لصحة هذا الوجه والتأويل ما يلى :
أ- ما صح من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وتحنثه فى غار حراء طلبا للهداية، حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بالوحي(5).
ب- أن من أسماء المحبة عند العرب "الضلال" قال الشاعر :
هذا الضلال أشاب منى المفرقا ... *** ... والعارضين ولم أكن متحققا
عجبا لعزة فى اختيار قطيعتى ... *** ... بعد الضلال فحبلها قد أخلفا(6).
__________
(1) الآية 8 يوسف.
(2) الآية 95 يوسف.
(3) الآية 30 يوسف.
(4) ينظر : معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص333، 334، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص457 .
(5) ينظر : حديث تحنثه فى غار حراء فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي 1/30 رقم 3 .
(6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 20/ 97 .

(1/183)


قال الإمام الزرقانى(1) : وهذا أى الوجه الرابع، وتأويل الضلال بمعنى المحبة منقول عن قتادة، وسفيان الثورى، فلا يضر عدم وجوده فى الصحاح وأتباعه، فاللغة واسعة(2)، وقال الدكتور عبد الغنى عبد الخالق : وهذا قول حسن جدا(3) ويكون المعنى على الوجه الثالث : { ووجدك ضالا فهدى } أى وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك أى فأرشدك.
... والضلال هنا : بمعنى الغفلة كقوله تعالى : { لا يضل ربى ولا ينسى } (4) أى لا يغفل ولا يسهو جل جلاله عن شئ فى السماوات والأرض وما فيهن(5) وقال تعالى فى حق نبيه صلى الله عليه وسلم: { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } (6) أى لم تكن تدرى القرآن، والشرائع وما فيها من قصص الأنبياء، فهداك الله عز وجل إلى ذلك، وهو معنى قوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } (7).
__________
(1) هو : محمد بن الشيخ عبد الباقى الزرقانى، أبو عبد الله، الإمام الفقيه، الفهامة المتفنن، المحدث، الرواية المسند، المؤلف المتقن، من مؤلفاته النافعة : شرح الموطأ، وشرح المواهب اللدنية للقسطلانى، وغير ذلك. مات سنة 1122هـ له ترجمة فى : شجرة النور الزكية للشيخ محمد مخلوف 1/318، 319 رقم 1237 .
(2) شرح الزرقانى على المواهب 9/11، وينظر : الشفا 2/112، 113 .
(3) حجية السنة ص112 .
(4) الآية 52 طه.
(5) ينظر:تفسير القرآن العظيم لابن كثير5/291،ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص405 .
(6) الآية 3 يوسف.
(7) الآية 52 الشورى.

(1/184)


... والغفلة فى حق الأنبياء لا جهل فيها، لأن الجاهل لا يسمى غافلا حقيقة لقيام الجهل به، فصح أن ضلال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غفلة لا جهل(1) وقد روى هذا التأويل والوجه بعينه عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين، وجماعة من أهل التأويل(2).
... وقيل : الضلال فى الآيات بمعنى التحير، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء فى طلب ما يتوجه به إلى ربه، ويتشرع به؛ حتى هداه الله إلى الإسلام(3) وهذا التأويل قريب من الوجه السابق.
... وبقيت وجوه أخرى من التأويل ذكرها أهل العلم(4) وأقواها ما اكتفيت بذكره.
__________
(1) ينظر : تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء لعلى السبتى ص112، 113، والشفا 2/114 .
(2) ينظر : تفسير المنار 12/208، وجامع البيان عن تأويل آى القرآن لابن جرير الطبرى 12/624، والجامع لأحكام القرآن للقرطبى 20/96، وفتح القدير 4/763، وعصمة الأنبياء للرازى ص92، 93 .
(3) الشفا 2/112، وينظر : شرح الشفا للقارى 2/2050 تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده ص111، 112 .
(4) ينظر : شرح الزرقانى على المواهب 9/ 8 – 14، والشفا 2/112 – 114، ومفاتيح الغيب للرازى 8/451، 452 .

(1/185)


... أما ما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم على ما حكاه عنه القرآن الكريم : { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب } (1) وزعمهم بأن نسبة الضلال إلى نفسه صلى الله عليه وسلم يعنى أنه غير معصوم منه حتى بعد النبوة، فلا حجة لهم فى التعلق بظاهر هذه النسبة! لأن نسبة الضلال إلى نفسه صلى الله عليه وسلم جاءت منه على جهة الأدب مع ربه عز وجل، وهكذا الأنبياء جميعا إذا مسهم ضر نسبوه إلى الشيطان على جهة الأدب مع الحق جل جلاله، لئلا ينسبوا له فعلا يكره، مع علمهم أن كلا من عند الله تعالى، قال الخليل عليه السلام : { وإذا مرضت فهو يشفين } (2) وقال الخضر عليه السلام : { فأردت أن أعيبها } (3) أى السفينة، مع أن فعله كان بأمره عز وجل كما قال عز وجل على لسانه : { وما فعلته عن أمرى } (4) وقال موسى عليه السلام : { هذا من عمل الشيطان } (5) وقال نبينا صلى الله عليه وسلم : "والخير كله فى يديك، والشر ليس إليك"(6) يعنى : ليس إليك يضاف الشر وصفا لا فعلا، وإن كان الفعل كله من عند الله عز وجل كما قال : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } (7).
__________
(1) الآية 50 سبأ.
(2) الآية 80 الشعراء.
(3) جزء من الآية 79 الكهف.
(4) جزء من الآية 82 الكهف.
(5) جزء منا الآية 15 القصص.
(6) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبى صلى الله عليه وسلم، ودعاؤه بالليل 3/309 رقم 771 من حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه.
(7) الآية 78 النساء، وينظر : المنهاج شرح مسلم 3/317 رقم 771 .

(1/186)


... أما الشرط فى الآية { إن ضللت } فلا يقتضى الوقوع ولا الجواز، فالضلال لا يقع منه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يقع منه، لا قبل النبوة ولا بعدها، بمقتضى عصمة الله عز وجل له، ألا ترى كيف قال الله تعالى : { لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم } (1) والمعنى: لولا ما عصمناه ورحمناه، لأتى ما يذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع.
... وكذلك قوله تعالى : { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ } (2) والمعنى : لولا فضل الله عليك يا رسول الله، بالعصمة ورحمته إياك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، بدليل بقية الآية : { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ } (3) وقال تعالى : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا } فهذه الآية كسابقتها من جملة الآيات المادحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنها من المتشابهات.
... ومعناها : "لولا وجود تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئا يسيرا من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود عصمتنا وتثبيتنا إياك"(4).
... فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه، على فرض الإمكان لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته صلى الله عليه وسلم، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته صلوات الله وتسليمه عليه(5).
__________
(1) الآية 49 القلم.
(2) الآية 113 النساء.
(3) ينظر : تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص119 .
(4) شرح الشفا للقارى 1/68 بتصرف يسير.
(5) الشفا 1/30، وينظر : شرح الزرقانى على المواهب 9/51 .

(1/187)


... وصفوة القول : أن ما استدل به من آيات على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم لا حجة لهم فيها لأن تلك الآيات الكريمات هى فى حقيقة الأمر واردة فى مقام المنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع تلك المنة يستحيل ما استدلوا به على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم وتأمل معى آية سبأ : { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب } (1) فهل مع منة النبوة، ونزول وحى الله تعالى إليه يكون ضلال؟ هل يعقل هذا؟ وكذلك آية يوسف : { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } (2) فهل مع منة الوحي، ونزول القرآن عليه يجوز فى حقه صلى الله عليه وسلم غفلة جهل، سواء قبل النبوة أو بعدها؟! وكذلك ما استدلوا به من آية الضحى : { ووجدك ضالا فهدى } تجدها آية كريمة وردت فى سورة عظيمة أقسم رب العزة فى أولها بالضحى، والليل إذا أقبل بظلامه، على أنه ما ترك نبيه صلى الله عليه وسلم، وما أبغضه، وهذا من كمال عنايته عز وجل فى رد ما قال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ رب العزة يعدد فى ضمن نفى التوديع والقلى : { ما ودعك ربك وما قلى } (3) نعمه على حبيبه ومصطفاه فى الدنيا والآخرة، وآمرا له بأن يحدث بها قال تعالى : { وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيما فأوى. ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث } (4) فتأمل كيف وردت آية { ووجدك ضالا فهدى } فى معرض الثناء والمدح، والمنة عليه صلى الله عليه وسلم بنعم لا تعد ولا تحصى. فهل يعقل أن يكون مرادا بالضلال فى هذا المقام ضلال الكفر والفساد؟!! كيف وقد عصمه رب العزة من ذلك قبل نبوته، وهو ما تشهد
__________
(1) الآية 50 سبأ.
(2) الآية 3 يوسف.
(3) الآية 3 الضحى.
(4) الآيات 4 – 11 الضحى.

(1/188)


به سيرته العطرة، على ما سبق تفصيله فى مبحثى الفصل الأول دلائل عصمته فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ كما شهد رب العزة بعصمته من الضلال بعد نبوته فى قوله تعالى : { ما ضل صاحبكم وما غوى } (1) مع تأكيد النفى بالقسم بقوله عز وجل : { والنجم إذا هوى } (2).
... وتأمل دلالة كلمة "صاحبكم" فى قوله { ما ضل صاحبكم وما غوى } ولم يقل : محمد، أو رسول الله، أو نحو ذلك. تأكيدا لإقامة الحجة على المشركين بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به، وبحاله، وأقواله، وأعماله، منذ نشأته بينهم بالأمانة، والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غى، ولا ضلال فى العقيدة أو الأخلاق، وبالجملة : لا ينقمون عليه أمرا واحدا قط، وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله عز وجل : { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } (3) وقال سبحانه : { أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } (4).
... هذا وفى القسم بالنجم، إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يهتدى به كما يهتدى بالنجم، ومن يهتدى به، وحث رب العزة على الاقتداء به، يستحيل فى حقه الضلال.
... إن الآية الكريمة { ما ضل صاحبكم وما غوى } مسوقة لتبرئته صلى الله عليه وسلم مما رماه به المشركون قديما من الضلال والغى، وهى أيضا مسوقة لتبرئته صلى الله عليه وسلم مما رماه به أذيالهم حديثا من تفسير الضلال والغفلة، بالكفر والفساد. فوجب أن يكون النفى عاما فى الضلال والغى قبل النبوة وبعدها.
... وهو ما يدل عليه اللفظ العربى، ويقتضيه سياق الآية، إذ من المعلوم فى اللفظ العربى أن الفعل إذا ما وقع فى سياق النفى أو الشرط، دل على العموم وضعا بلا نزاع.
__________
(1) الآية 2 النجم.
(2) الآية الأولى النجم.
(3) الآية 16 يونس.
(4) الآية 69 المؤمنون، وينظر : شرح الزرقانى على المواهب 8/457 بتصرف.

(1/189)


... زد على هذا أن الأفعال بمنزلة النكرات، والنكرة تعم، فكأنه قال : ما صدر منه صلى الله عليه وسلم ضلال لا فى عقيدة ولا فى خلق لا قبل النبوة ولا بعدها(1).
... والمفسرون حين عمموا الآية فى جميع الضلال قبل النبوة وبعدها، قالوا بما يدل عليه اللفظ العربى دلالة وضعية لغوية، وبما يقتضيه سياق الآية، وبما تشهد به سيرته صلى الله عليه وسلم من كمال عقله وخلقه قبل النبوة وبعدها، وعصمته فى قلبه وعقيدته من الكفر والشرك، والشك، والضلال، والغفلة، على ما سبق تفصيله(2) أهـ.
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم

المطلب الثانى : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم
والجواب عنها
... مما استدل به الطاعنون فى عصمة النبى صلى الله عليه وسلم، وزعموه أدلة على جواز الكبائر والصغائر عنه صلى الله عليه وسلم، قبل النبوة وبعدها، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات أسند فيها "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى : { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك } (3) وقوله سبحانه : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } (4) وقوله عز وجل : { ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك } (5).
ويجاب عن ما زعموا بما يلى :
أولا : إن ظاهر ما استدلوا به على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم، لا حجة لهم فيه، لأن ظاهره غير مراد، لمن تفكر فى سياق الآيات التى ورد فيها كلمتى : "الذنب، والوزر"!.
__________
(1) ينظر : شرح الزرقانى على المواهب 9/4 .
(2) يراجع : ص47 - 79، وينظر : دلالة القرآن المبين على أن النبى صلى الله عليه وسلم أفضل العالمين للأستاذ عبد الله الغمارى ص138، 139 .
(3) الآية 55 غافر.
(4) الآية 2 الفتح.
(5) الآية 3 الشرح، وأصحاب هذه الشبهة هم أنفسهم أصحاب الشبهة السابقة، ينظر مصادرهم السابقة ص113 .

(1/190)


... وهو سياق يظهر منة الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه عز وجل فى الدنيا والآخرة، مما يؤكد أن ظاهر ما يطعن فى عصمته غير مراد، وإنما هو فى حقيقة الأمر من جملة ما يمدح به صلى الله عليه وسلم. وتأمل معى قوله تعالى : { ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك } إنها آية كريمة وردت بين منتين :
الأولى : شرح الصدر فى قوله تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } (1) شرحا حسيا ومعنويا، ليسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق جميعا، وليكون موضع التجليات ومهبط الرحمات(2).
والثانية : رفع ذكره فى قوله تعالى : { ورفعنا لك ذكرك } (3) رفعا بلغت قمته فى الشهادة التى لا يكون الشخص مسلما إلا إذا نطق بها، فضلا عن قرن اسمه صلى الله عليه وسلم باسمه عز وجل فى الآذان، والإقامة، والتشهد فى الصلاة، وفى خطب الجمعة، والعيدين، وفى خطبة النكاح، وجعل الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم عبادة على المسلمين(4).
... وتأمل معى أيضا ما استدلوا به من قوله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } إن سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها تجدها لا تحتمل إلا وجها واحدا، وهو تشريف النبى صلى الله عليه وسلم، من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه أريد أن يستوعب فى الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية : أما الأخروية فشيئان :
سلبية وهى غفران الذنوب، وإن لم يكن للمخاطب صلى الله عليه وسلم ذنب، ولو لم يذكر غفرانها لكان فى ذلك ترك استيعاب جميع أنواع النعم.
__________
(1) الآية الأولى الشرح.
(2) يراجع : روايات شق صدره الشريف، ودلالات ذلك على عصمته وكمال عقله وخلقه ومكانته عند ربه عز وجل ص64 – 68 .
(3) الآية 4 الشرح.
(4) ينظر : شرح الزرقانى على المواهب 8/309 – 313، والشفا 1/19، 20 .

(1/191)


وثبوتية وهى لا تتناهى أشار إليها رب العزة بقوله تعالى : { ويتم نعمته عليك } (1) وجميع النعم الدنيوية شيئان أيضا :
دينية أشار إليها بقوله تعالى : { ويهديك صراطا مستقيما } (2) أى يثبتك على دين الإسلام.
ودنيوية وهى قوله تعالى : { وينصرك الله نصرا عزيزا } (3) أى نصرا لا ذل معه وقدم النعم الأخروية على الدنيوية، وقدم فى الدنيوية الدينية على غيرها تقديما للأهم فالأهم فانتظم بذلك تعظيم قدر النبى صلى الله عليه وسلم بإتمام أنواع نعم الله عليه المتفرقة فى غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذى عظمه وفخمه بإسناده إليه بنون العظمة، وجعله خاصا بالنبى صلى الله عليه وسلم بقوله "لك"(4) فهل يعقل فى مقام المنة هذا، أن يكون المراد بالذنب والوزر ظاهرهما؟!
ثانيا : إن هذه الألفاظ التى يتعارض ظاهرها مع العصمة تحتمل وجوها من التأويل :
تخريجها على مقتضى اللغة بما يناسب سياقها فى الآيات، فالوزر فى أصل اللغة الحمل والثقل(5) قال تعالى : { حتى تضع الحرب أوزارها } (6) أى أثقالها، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزارا لأنها تثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان الوزر ما ذكرناه، فكل شئ أثقل الإنسان وغمه وكده، وجهده، جاز أن يسمى وزرا، تشبيها بالوزر الذى هو الثقل الحقيقى.
__________
(1) جزء من الآية 2 الفتح.
(2) جزء من الآية 2 الفتح.
(3) الآية 3 الفتح.
(4) ينظر : المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى 9/19، 20، والخصائص الكبرى للسيوطى 2/449، 450، والشفا 1/48، 49، وعصمة الأنبياء للرازى ص109 .
(5) ينظر : النهاية فى غريب الحديث 5/156، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن ص593 .
(6) جزء من الآية 4 محمد.

(1/192)


وليس يمتنع أن يكون الوزر فى الآية ثقل الوحي، كما قال عز وجل : { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } (1) وعبء التبليغ، وثقل الدعوة، حيث كان الاهتمام بهما يقض مضجعه، حتى سهلهما الله تعالى عليه، ويسرهما له، ويقوى هذا التأويل، سياق الآية الواردة فى مقام الامتنان عليه صلى الله عليه وسلم وقوله عز وجل : { فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا } (2) والعسر بالشدائد والغموم أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب، وإزالة الغموم والهموم أشبه(3).
فإطلاق الوزر من باب الاستعارة التصريحية كما هو معلوم. وفى قراءة ابن مسعود وحللنا عنك وقرك(4) والوقر الحمل، وهذه القراءة تؤيد ما قررناه(5).
أن "الوزر" و"الغفران" فى الآيتين مجازا عن العصمة، والمعنى : عصمناك عن الوزر الذى أنقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلا، كما قال عز وجل : { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ } (6) وقوله عز وجل : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } (7) والمعنى : لولا عصمتنا ورحمتنا لأتيت ما تذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع على ما سبق شرحه(8).
__________
(1) الآية 5 المزمل.
(2) الآيتان 5، 6 الشرح.
(3) ينظر : تنزيه الأنبياء للموسوى ص114، 115 بتصرف، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/452، ومفاتيح الغيب للرازى 32/ 4، وشرح الزرقانى على المواهب 9/15، 16، وخواطر دينية لعبد الله الغمارى ص178، وعصمة الأنبياء فى الكتاب والسنة والرد على الشبهات الواردة عليها لمحمد الناجى ص287، 288 .
(4) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 10/3445 رقم 19390 .
(5) ينظر : دلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص172 .
(6) الآية 113 النساء.
(7) الآيتان 73، 74 الإسراء.
(8) ص117 .

(1/193)


"فسمى رب العزة العصمة "وضعا" على سبيل المجاز، وإنما عبر عنها به، لأن الذنب يثقل الظهر بعقابه، وبالندم عليه فى حالة التوبة منه. والعصمة لكونها تمنع وقوع الذنب، تريح صاحبها من ثقل عقابه، ومن ثقل الندم عليه، فعبر عنها بالوضع لذلك"(1).
ويشهد لصحة هذا القول : سيرة النبى صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، من عصمة رب العزة له صلى الله عليه وسلم من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من أكل ما ذبح على النصب، والحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، واستلامها، وكذا عصمته من كل ما يمس خلقه بسوء، من أقذار الجاهلية ومعائبها، من اللهو، والتعرى، وكذا تشهد سيرته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة، من عصمة رب العزة له صلى الله عليه وسلم مما عصمه به قبل النبوة، ومن أن يضله أهل الكفر، وأنى لهم ذلك وقد نفاه الله تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ } (2) كما عصمه ربه عز وجل من أن يفتنوه عن الوحي أو التقول عليه، ولو حدث شئ من ذلك، لوقع عقاب ذلك، الوارد فى قوله سبحانه : { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا } (3) وقوله عز وجل : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين } (4).
فهل نقل إلينا ولو بطريق ضعيف أن رب العزة عاجله بالعقوبة فى الدنيا مضاعفة؟ أو تخلى عن نصرته؟
الإجابة بالقطع لا، لم ينقل إلينا، وهو ما يؤكد أن الخطاب فى آيات الشرط { ولولا أن ثبتناك } و { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } ونحو ذلك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، وبتعبير آخر الشرط فى تلك الآيات لا يقتضى الوقوع ولا الجواز.
__________
(1) خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص178 .
(2) الآية 113 النساء.
(3) الآية 75 الإسراء.
(4) الآيات 44 - 47 الحاقة.

(1/194)


وإذا صح تسمية العصمة "وضعا" فى قوله تعالى : { ووضعنا عنك وزرك } (1) مجازا، صحح أيضا إطلاق المغفرة كناية عن العصمة فى قوله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } (2) إذ الغفر الستر والغطاء(3) والمعنى فى الآية : ليعصمك الله فيما تقدم من عمرك، وفيما أخر منه.
قال الإمام السيوطى(4) : "وهذا القول فى غاية الحسن، وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة فى القرآن؛ أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة، والعفو، والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل : { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن } (5) وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدى النجوى قال سبحانه : { فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم } (6) وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام قال عز وجل : { فتاب عليكم وعفا عنكم } (7).
__________
(1) الآية 3 الشرح.
(2) الآية 2 الفتح.
(3) ويروى فى ذلك عن شريح بن عببيد الحضرمى "ووضعنا عنك وزرك" قال : وغفرنا لك ذنبك، أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 10/3445 رقم 19389، وينظر : القاموس المحيط 2/101،والنهاية فى غريب الحديث 3/335 .
(4) هو : عبد الرحمن بن أبى بكر محمد السيوطى، جلال الدين، كان إماما حافظا بارعا، ذا قدم راسخة فى علوم شتى، فكان مفسرا، محدثا، فقيها، أصوليا، لغويا، مؤرخا، له مؤلفات بلغت نحو ستمائة مصنف منها : الأشباه والنظائر فى القواعد الفقيهة، والأشباه والنظائر فى العربية، والدر المنثور فى التفسير بالمأثور، والجامع الكبير والصغير، مات سنة 911هـ له ترجمة فى : حسن المحاضرة للسيوطى 1/335 رقم 77، وشذرات الذهب 8/51، وطبقات المفسرين للسيوطى ص3، والبدر الطالع للشوكانى 1/328 رقم 228 .
(5) جزء من الآية 20 المزمل.
(6) جزء من الآية 13 المجادلة.
(7) جزء من الآية 187 البقرة، وينظر : الدر المنثور 6/363 .

(1/195)


ووجه إطلاق المغفرة كناية عن العصمة : أن العصمة تحول بين الشخص وبين وقوع الذنب منه، والمغفرة تحول بين الشخص وبين وقوع العقاب عليه، فكنى عن العصمة بالمغفرة بجامع الحيلولة؛ لأن من لا يقع منه ذنب، لا يقع عليه عقاب.
واختيرت هذه الكناية – أعنى الاستعارة – لأن المقام مقام امتنان عليه صلى الله عليه وسلم. ثم المعنى بعد هذا : ليظهر الله عصمتك للناس، فيروا فيك حقيقة الإنسان الكامل، ويلمسوا منك معنى الرحمة العامة، لا تبطرك عزة الفتح، ونشوة النصر، فلا تنتقم، ولا تتشفى، ولكن تعفوا وتغفر(1).
__________
(1) دلالة القرآن المبين ص132، وخواطر دينية ص176، 177 كلاهما لعبد الله الغمارى وينظر : فيض البارى على صحيح البخارى للكشميرى 4/233 .

(1/196)


ولهذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح مطاطئا رأسه حتى كاد يمس مقدمة رحله، وهو راكب على بعيره تواضعا لله عز وجل(1).وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعا"(2) وفى نفس الوقت كان يرجع(3) فى تلاوته، وهو على مشارف مكة سورة الفتح(4) وهذا يعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان مندمجا فى حالة من العبودية التامة لله تعالى، شكرا له عز وجل، على هذه النعم التى لا تعد ولا تحصى، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار والعبادة شكرا لله سبحانه على ذلك، وليس كما يفهم أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة أنه استغفار لذنبه(5) لأن الاستغفار ليس خاصا بالذنوب، بل له حكم كثيرة، على رأسها : شكر الله عز وجل على نعمه، ولذا جاء الأمر به للنبى صلى الله عليه وسلم شكرا لله عز وجل بنصره على أعدائه، وفتح مكة له، قال تعالى : { إذا
__________
(1) ينظر : السيرة النبوية لابن هشام 4/25 نص رقم 1668 .
(2) أخرجه الحاكم فى المستدرك 3/49 رقم 4365 وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبى، وقال الزرقانى فى شرحه على المواهب 3/434 سنده جيد قوى، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة 5/68، 69 .
(3) الترجيع : ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وكان ترجيعه صلى الله عليه وسلم بمد الصوت فى القراءة نحو : آء، آء، أء. ينظر : النهاية فى غريب الحديث 2/185، وفتح البارى 8/448 رقم 4835 .
(4) ينظر الحديث فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب التفسير، باب "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" 8/447 رقم 4835، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب قراءة النبى صلى الله عليه وسلم سورة الفتح يوم فتح مكة 3/339 رقم 794 من حديث عبد الله بن المغفل رضى الله عنه.
(5) ينظر : الأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى منصور ص35، 48، 40، 45 .

(1/197)


جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } (1) وامتثل النبى صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الإلهى كما جاء فى حديث عائشة رضى الله عنها قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" قالت : فقلت : يا رسول الله! أراك تكثر من قول : "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟" فقال : خبرنى ربى أنى سأرى علامة فى أمتى، فإذا رأيتها أكثرت من قول : سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فقد رأيتها "إذا جاء نصر الله والفتح – فتح مكة – ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"(2).
وعصمته صلى الله عليه وسلم من الذنب فيما تقدم من عمره، وفيما أخر منه، من أعظم النعم التى قام النبى صلى الله عليه وسلم بشكرها، بالاستغفار، والقيام بين يدى الله عز وجل حتى تورمت قدماه.
فعن عائشة رضى الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة : يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : "يا عائشة! أفلا أكون عبدا شكورا"(3) والمعنى : "أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا فكيف أتركه؟"(4).
__________
(1) سورة النصر كلها.
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصلاة، باب ما يقال فى الركوع والسجود 2/438 رقم 484، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة إذا جاء نصر الله 8/605 رقم 4967 .
(3) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد فى العبادة 9/178 رقم 2820، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" 8/448 رقم 4837 .
(4) ينظر : فتح البارى 3/20 رقم 1130 .

(1/198)


وعلى ما تقدم فقوله تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ونحوها من الآيات مرادا بها الحث على دوام الاستغفار والشكر لله عز وجل، على ما أنعم عليه من العصمة.
وأقول : إذا لم يسلم الخصم بما سبق من تأويل آيات الذنب والوزر الواردة فى حقه صلى الله عليه وسلم، وأخذ بها على ظاهرها، فليبين لنا حقيقة الذنب والوزر الذى ارتكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء قبل النبوة أو بعدها؟!.
إنه إن كان ثم ذنب فلن يخرج عن ترك الأولى، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين(1) وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتركان فى إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم ومنزلتهم، لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات(2) مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة(3).
__________
(1) أى : كلما ترقى فى درجة عد ما قبلها سيئة، وهذا قول سعيد الخراز، كما رواه ابن عساكر فى ترجمته، ولم أعثر عليها فى مختصر التاريخ، ينظر : شرح المواهب للزرقانى 9/19 .
(2) قال أبو الحسين المعتزلى : "ولا يجوز فى حقهم عليهم الصلاة والسلام كثير من المباحات القادحة فى التعظيم، الصارفة عن القبول" ينظر : المعتمد فى أصول الفقه 1/342 .
(3) الشفا 2/147 بتصرف.

(1/199)


قلت : وكيف يتخيل صدور الذنب فى حقه صلى الله عليه وسلم، وقد عصمه ربه عز وجل فى قوله وفعله وخاطبه بقوله سبحانه : { وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى } (1) وقال عز وجل: { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } (2). "ومن تأمل إجماع الصحابة على اتباعه صلى الله عليه وسلم والتاسى به فى كل ما يقوله ويفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير، ولم يكن عندهم فى ذلك توقف ولا بحث، حتى أعماله فى السر والخلوة، يحرصون على العلم بها، وعلى اتباعها، علم بهم صلى الله عليه وسلم أو لم يعلم، ومن تأمل أحوال الصحابة معه صلى الله عليه وسلم استحى من الله تعالى أن يخطر بباله خلاف ذلك"(3).
ثم إن حقيقة الذنب فى اللغة ترجع إلى كل فعل يستوخم عقباه كما فسره الراغب فى مفرداته(4). وشرعا : يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله تعالى أو نهيه.
وهو أمر نسبى يختلف باختلاف الفعل والفاعل، وقصد الفاعل، فليست المخالفة من العالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد، كالمخالفة التى لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد، كالمخالفة الواقعة بالنسيان.
ومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث. وعلى ضوء ذلك نفهم معانى الآيات التى ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مضافا إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم(5).
__________
(1) الآيتان 3، 4 النجم.
(2) الآية 21 الأحزاب.
(3) وهذا رد الإمام السبكى على الزمخشرى فى تفسيره لآية 2 الفتح بأن المراد : جميع ما فرط منك. الكشاف 4/333. وينظر : المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى 9/21، 22 .
(4) ص203 .
(5) ينظر : آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى ضوء العصمة للدكتور عويد المطرفى ص108 .

(1/200)


وصفوة القول، أن يقال : إما أن يكون صدر من رسول صلى الله عليه وسلم ذنب أم لا! فإن قلنا : لا، امتنع أن تكون هذه الآيات إنكارا عليه، وقدحا فى عصمته. وإن قلنا : إنه صدر عنه ذنب – وحاشاه الله من ذلك – فقوله تعالى : { ووضعنا عنك وزرك } وقوله سبحانه : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } يدل على حصول العفو(1) وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه! فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال : إن قوله تعالى { واستغفر لذنبك } وقوله سبحانه : { ووضعنا عنك وزرك } ، يدل على كون رسول الله صلى الله عليه وسلم مذنبا، أو غير معصوم!. وهذا جواب شاف كاف قاطع. وما فوق مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقام أهـ.
__________
(1) وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التى لا يشاركه فيها غيره، كما قال ابن كثير فى تفسيره 7/310، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة، ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك، ويدل له قولهم فى الموقف : "نفسى، نفسى، نفسى" جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب "ذرية من حملنا مع نوع إنه كان عبدا شكورا" 8/247، 248 رقم 4712، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 2/55 – 57 رقم 194 من حديث أبى هريرة رضى الله عنه. وينظر : شرح الزرقانى على المواهب 7/259، ويدل أيضا على أن الإخبار بالمغفرة من خصائصه قوله صلى الله عليه وسلم : "فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد كان قبلى. غفر لى ما تقدم من ذنبى وما تأخر، وأحلت لى الغنائم… الحديث" أخرجه البزار وسنده جيد كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 8/269، ووافقه السيوطى فى الخصائص الكبرى 2/336، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.

(1/201)


المطلب الثالث : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل
ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها
... زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الذنوب كبائرها وصغائرها، قبل النبوة وبعدها، ودليلهم ما ورد فى القرآن الكريم من آيات تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل، وتنهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين والكاذبين، كما تنهاه عن التكذيب بآيات الله عز وجل، وتحذره من الشك فيما أنزل عليه، ومن الوقوع فى الشرك؛ ومن الآيات التى استشهدوا بها على ما زعموا ما يلى :
قوله تعالى : { يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } (1).
وقوله سبحانه : { فلا تطع المكذبين. ودو لو تدهن فيدهنون. ولا تطع كل حلاف مهين } (2).
وقوله عز وجل : { فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } (3).
وقوله : { ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } (4).
وقوله : { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين } (5).
ويجاب عن ما سبق بما يلى :
__________
(1) الآية الأولى الأحزاب.
(2) الآيات 8 - 10 القلم.
(3) الآية 94 يونس.
(4) الآية 65 الزمر.
(5) الآية 95 يونس، وينظر : ممن قال بهذه الشبهة، نيازى عز الدين فى كتابيه، إنذار من السماء ص174، 176، 182، 437، ودين الرحمن المدخل إلى الحقيقة ص223، وأحمد صبحى منصور فى كتابه الأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية ص40، 41، 44، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص137، والإسلام بدون حجاب (كتاب مستل من شبكة الإنترت) ص37، وجريدة الدستور عدد 31/ 12/ 1997 مقال لأحمد صبحى منصور.

(1/202)


أولا : لا حجة للخصوم فى التعلق بظاهر الآيات التى استشهدوا بها على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم لم صح من سيرته صلى الله عليه وسلم - أنه كان أتقى وأخشى خلق الله عز وجل، وما كذب بآيات ربه تعالى، ولا شك فيما أنزل عليه، ولا أشرك بالله طرفة عين أو أقل منها، ولا أطاع أحدا من الكافرين، أو المنافقين، أو الكاذبين. ومن زعم خلاف ذلك فليبينه لنا، فالأصل براءة الذمة حتى يثبت العكس، وهذه قاعدة أصولية، تحدد الأصل فى كل شئ، وهى تعنى أن كل منهم برئ حتى تثبت إدانته… فالمتهم بالشرك أو الشك، أو بأى ذنب آخر هو برئ منه، حتى تثبت إدانته بما اتهم به بالدليل الشرعى!.
... فهل من دليل شرعى على ما افتروه على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم عصمته؟! ولكن أنى لأعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة بدليل شرعى بعد شهادة القرآن الكريم له بالخشية والخوف من الله تعالى فى غير ما آية. منها :
قوله تعالى : { قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } (1).
وقوله سبحانه : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } (2).
وهذا وإن كان أمرا من الله عز وجل أن يقول ذلك، فهو أيضا تقرير لحقيقة حاله صلى الله عليه وسلم، ووصف له فى المعنى بتلك الصفة الإيمانية العليا.
وفى الآية أيضا شهادة له صلى الله عليه وسلم بأنه ما أطاع أهل الكفر فى أهوائهم؛ وقد كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام كلهم بمحل الخشية والخوف من الله تعالى، كما وصفهم بذلك بقوله : { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا } (3) وخوفهم ليس خوف معصية وإساءة، وإنما هو خوف إعظام وتبجيل.
__________
(1) الآية 15 الأنعام.
(2) الآية 15 يونس.
(3) الآية 39 الأحزاب.

(1/203)


ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو سيد الأنبياء وخاتمهم وأفضلهم، فهو معهم على ذلك الخلق، وتشمله هذه الآية شمولا أوليا، لأنها فى صدر الحديث عنه، فهى شهادة قرآنية إلهية له صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق العظيم(1).
وقد دعم هذه الشهادة، الشواهد الكثيرة من الأحاديث الشريفة من واقع حياته صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الشواهد قوله صلى الله عليه وسلم : "ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟ فوالله إنى لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية"(2) وفى رواية قال : "أما والله إنى لأتقاكم لله وأخشاكم له"(3).
__________
(1) ينظر : المنهاج شرح مسلم للنووى 8/118 رقم 2356 .
(2) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب 10/529 رقم 6101، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب علمه صلى الله عليه وسلم بالله وشدة خشيته 8/117 رقم 2356 من حديث عائشة رضى الله عنها.
(3) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب أن القبلة فى الصوم ليست محرمة 4/233، 234 رقم 1108 من حديث عائشة رضى الله عنها.

(1/204)


وفى الإخلاص لله عز وجل، شهد له بذلك القرآن الكريم حيث قص قوله صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب أهل الكتاب : { قل أتحاجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون } (1) فهو صلى الله عليه وسلم يخبر عن نفسه بأنه مخلص لله تعالى فى دينه وعبادته، وهو الصادق الأمين، وقد أقره القرآن الكريم على ذلك، فحكى مقالته على سبيل الإقرار والاعتماد والإشادة، مما يدل على أن هذا الخلق العظيم قد كان مستحكما فيه صلى الله عليه وسلم فى كل أحواله، كما هو شأنه فى كل خلق عظيم، وما جاء فى قوله تعالى : { فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } (2) فالشرط فى الآية لا يقتضى الوقوع ولا الجواز على ما سيأتى تفصيله بعد قليل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى تفسير الآية : "لم يشك النبى صلى الله عليه وسلم ولم يسأل" وعامة المفسرين على هذا، وقالوا : وفى السورة نفسها ما دل على هذا التأويل، قال تعالى : { قل يا أيها الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين } (3) فهذا تقرير لحقيقة حاله صلى الله عليه وسلم، وشهادة له بأنه ما شك فيما أنزل إليه، ولا سأل أهل الكتاب، وكان من عباد الله المؤمنين المخلصين.
وفى إخلاصه فى عبادته لله تعالى يقول عز وجل : { قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } (4) فهذا القرآن الكريم يلقن النبى صلى الله عليه وسلم أن يعلن للملأ هذه الحقيقة الكامنة فيه لما علمها الله تعالى منه.
__________
(1) الآية 139 البقرة.
(2) الآية 94 يونس.
(3) الآية 104 يونس، وينظر : التفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوى المجلد 7/139، 140 .
(4) الآيتان 162، 163 الأنعام.

(1/205)


وقد كان صلى الله عليه وسلم يطبق هذا التوجيه القرآنى، فكان يقول عند قيامه إلى الصلاة "وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين إن صلاتى ونسكى ومحياى وممات لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"(1).
فهل بعد كل هذه الشهادات، يصح قول أعداء الإسلام، وخصوم السيرة العطرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الشرك والشك؟!
ثانيا : الأوامر والنواهى الواردة فى القرآن الكريم فى حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هى أوامر ونواهى إرشاد وإعلام على جهة الوصية والنصيحة، وهى أحد دلائل العصمة، فوجودها لا يخل بالعصمة بناء على ما تقدم فى تعريف العصمة، فى بقاء الاختيار فى أفعالهم تحقيقا للابتلاء(2).

ثالثا : لله عز وجل أن يؤدب أنبياءه وأصفياءه، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم فى ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله عز وجل.
... ألا ترى كيف نهى الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر لبعض المباحات فقال : { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين. وقل إنى أنا النذير المبين } (3) مع قوله تعالى فى مقام آخر : { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } (4).
__________
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء فى صلاة الليل 3/309 رقم 771 من حديث على رضى الله عنه.
(2) يراجع ص5، 6 .
(3) الآيتان 88، 89 الحجر.
(4) الآية 32 الأعراف.

(1/206)


... فتأمل كيف أن الله عز وجل لم يحرم التمتع بالزينة، وأكل الطيبات إذا كانت من كسب الحلال، ومع ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وهى من المباحات، فكيف يحرم النظر إليها؟! "إن ذلك ما هو إلا لأن الله تعالى أخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لقربهم عنده، وحضورهم، وتجاوز عن العامة أمثال ذلك، فإن الزلة على بساط الآداب، ليست كالذنب على الباب، كما لا يخفى على أولى الألباب، ممن قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين"(1).
... وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : "إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين"(2) يعنى : الإشارة بالعين فى الأوامر حتى يفصح بها، والإشارة بالعين فى الأوامر مباحة لغير الأنبياء، لكن نهى عنها الأنبياء تنزها وتأكيدا لرفع الالتباس"(3).
__________
(1) شرح الشفا للقارى 1/69، ويراجع ص127 .
(2) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد 4/128 رقم 4359، وفى كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام 3/59 رقم 2683، وصحح إسناده ابن تيمية فى الصارم المسلول ص109، وأخرجه النسائى فى سننه كتاب تحريم الدم، باب الحكم فى المرتد 7/105 رقم 4067، والبيهقى فى سننه كتاب الجزية، باب الحربى إذا لجأ إلى الحرم، وكذلك من وجب عليه الحد 9/212 والحاكم فى المستدرك 3/47 رقم 4360 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبى.
(3) تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص84، 85، وينظر : الخصائص الكبرى للسيوطى 2/414 .

(1/207)


... إن رب العزة يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بما يشاء، وإن استحال تركه، نحو قوله تعالى : { يا أيها النبى اتق الله } (1) وقوله سبحانه : { فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر } (2) وقوله عز وجل : { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله } (3) وقد كان صلى الله عليه وسلم من أتقى وأخشى خلق الله عز وجل(4) وما قهر يتيما، وما نهر سائلا، وإنما كان مثالا أعلى للبذل والعطاء حتى شهد له ربه عز وجل بذلك بقوله : { فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم } (5) وهو ما شهدت به سيرته العطرة قبل أن يأتيه وحى الله تعالى وبعده.
__________
(1) جزء من الآية الأولى الأحزاب.
(2) الآيتان 9، 10 الضحى.
(3) الآية 109 يونس.
(4) يراجع الشواهد على ذلك ص130 – 132 .
(5) الآيات 38 – 40 الحاقة.

(1/208)


... فقد وصفته خديجة رضى الله عنها بقولها : "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل(1) وتكسب(2) المعدوم، وتقرى الضيق، وتعين على نوائب الحق"(3) فهى تصفه بهذه الصفات البالغة عظمة وخطورة، التى كان عليها قبل بعثته ورسالته، ولم يكن قد تحمل أعباء أمته، ولا قد أضفت عليه النبوة زيادة كمال وعظمة، فكيف به بعد ذلك كله؟! لا جرم أن كرمه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك سيكون بالغا ذروة الذرى فى كرم الأنبياء وسائر البشر، وهو ما دلت عليه الدلائل النقلية الكثيرة منها ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال : لا"(4) وهو ما يؤكد ما سبق من أن رب العزة يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بما شاء، وإن استحال عليه تركه، ومن عنده خلاف ذلك فليأتنا به؟!
__________
(1) هو الثقل من كل ما يتكلف من عيال ونحوهم. النهاية فى غريب الحديث 4/198 .
(2) بضم أوله، وكسر ثانيه، كما هى إحدى روايات الحديث، وهو الأوجه فى ضبطها كما رجحه النووى فى شرح مسلم 1/481 رقم 252، ومعناها : تعطى الناس مالا يجدونه عند غيرك.
(3) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي 1/301 رقم 3، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/474 رقم 252 .
(4) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل 10/470 رقم 6034، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط، فقال : لا 8/ 79 رقم 2311 .

(1/209)


... كما أن رب العزة ينهى رسوله صلى الله عليه وسلم عما يشاء، وإن لم يكن وقوعه منه كما قال تعالى : { ولا تمنن تستكثر } (1) أى لا تعط شيئا لتطلب أكثر منه، لأنه طمع لا يليق بك، بل اعط لربك، واقصد به وجهه(2) وهكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم.
... وقال سبحانه : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه } (3) وما كان طردهم صلى الله عليه وسلم من مجلسه، وما كان من الظالمين أى ممن ظلمهم بطردهم، لأنه لم يقع منه ذلك.
... فعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال : كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع فى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله عز وجل : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه } (4).
... وهذا أصح ما روى فى سبب نزولها. وعند الحاكم فى مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضا ولم يذكر فيه ما جاء فى رواية مسلم من قول سعد "فوقع فى نفس النبى صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه، فنزلت الآية".
__________
(1) الآية 6 المدثر.
(2) المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى 7/144، 145 .
(3) الآية 52 الأنعام.
(4) الآية 52 الأنعام، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه 8/199 رقم 2413 .

(1/210)


... وإنما الذى جاء فى حديث الحاكم أن سعدا قال : "نزلت هذه الآية فى خمس من قريش أنا وابن مسعود فيهم، فقالت قريش للنبى صلى الله عليه وسلم : لو طردت هؤلاء عنك جالسناك! تدنى هؤلاء دوننا، فنزلت { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه } … إلى قوله… { أليس الله بأعلم بالشاكرين } (1) ولا يخلو هذا من الإشعار الذى أشعر به حديث مسلم فى كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح فى الإشعار من حديث الحاكم.
... ولعل حديث الحاكم دخله شئ من الاختصار، أو أن حديث مسلم روى بالمعنى فدخله شئ من التفصيل.
... وحديث سعد – عند مسلم – صريح فى أن العتاب فى الآية وقع على ما حدث به النبى صلى الله عليه وسلم نفسه. وهذا على فرض التسليم به لا يقدح فى عصمته صلى الله عليه وسلم، لأن همه صلى الله عليه وسلم بذلك كان ابتغاء مرضاة الله تعالى، برجاء إسلام قومه، وذلك لا يضر فى نفس الوقت أصحابه رضى الله عنهم لعلمه صلى الله عليه وسلم بأحوالهم ورضاهم بما يرضاه(2) وإلا فما ورد على لسان سعد من همه صلى الله عليه وسلم بالاستجابة لاقتراحهم لا حجة فيه، فقد أخبر بحسب ظنه، وأخبر عن أمر لا يعلمه إلا علام الغيوب المطلع على أسرار قلوب خلقه.
... ويؤكد أن الإخبار عن هذا الهم بحسب ظن الراوى، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليطردهم، ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم من قبل آية الأنعام، مما جاء على لسان نوح عليه السلام جوابا على مثل اقتراح كفار قريش. قال تعالى : { وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى آراكم قوما تجهلون. ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } (3).
__________
(1) الآيتان 52، 53 والحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك 3/360 رقم 5393 وقال : صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.
(2) ينظر : شرح الزرقانى على المواهب 9/32 .
(3) الآيتان 29، 30 هود.

(1/211)


... وهذا ما تؤكده الروايات السابقة، وشواهدها من حديث ابن مسعود رضى الله عنه(1) وخباب رضى الله عنه(2) حيث لم يرد فى شئ منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرد أحدا من أصحابه فى مجلسه.
... بل الروايات جميعها على أنه بمجرد اقتراح أهل الشرك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم يوما يجلسون معه دون الفقراء والعبيد، نزلت الآية جوابا على اقتراحهم أو سؤالهم، بنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه } (3).
... وهذه منة من الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث عاتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد العثرات الصورية، وأدب نبيه صلى الله عليه وسلم بأشرف الآداب، وأجل الأخلاق، وعاتبه إن كان ثم عتاب – قبل وقوعه ليكون بذلك أشد انتهاء عن المخالفة، ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية والرعاية فى العصمة(4).
... وإذا تقرر أن الله عز وجل ينهى رسوله صلى الله عليه وسلم عما يشاء وإن لم يكن وقوعه منه، علمت الجواب الرابع عن هذه الشبهة وهو :
__________
(1) أخرجه أحمد فى مسنده 4/420، والطبرانى ورجال أحمد رجال الصحيح غير كردوس وهو ثقة، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/ 20، 21 .
(2) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الزهد، باب مجالسة الفقراء 2/ 544، 545 رقم 4127 وسنده صحيح كما قال البوصيرى فى مصباح الزجاجة 3/276، 277 رقم 1462، وقال ابن كثير بعد أن أورده من رواية ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/255، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس، وعيينه، إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. قلت : يحتمل أن يكون الأقرع وعيينه نزلا بمكة، وكانا ممن قال به كفار قريش، فلا غرابة أهـ والله أعلم.
(3) الآية 52 الأنعام.
(4) شرح الشفا للقارى1/69، وينظر : آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى ضوء العصمة ص215 – 217 .

(1/212)


رابعا : الأوامر والنوهى السابقة فى حقه صلى الله عليه وسلم لا تقتضى الوقوع ولا الجواز فقوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } (1) كقوله عز وجل : { ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك } (2) وقوله سبحانه : { أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك } (3) وقوله : { فإن لم تفعل فما بلغت رسالته } (4) وقوله : { وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله } (5) وقوله : { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } (6) وقوله : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين } (7) وقوله : { فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } (8) فكل هذا شرط، والشرط لا يقتضى الوقوع ولا الجواز، إذ لا يصح ولا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يشرك، ولا أن يدعو من دون الله أحدا، ولا أن يخالف أمر ربه عز وجل، ولا أن يتقول على الله مالم يقل، أو يفترى على الله شيئا، أو يضل، أو يختم على قلبه، أو يشك.
... فمثال هذه الآيات إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين(9) أى أن الشرط فى الآيات السابقة فى حقه عز وجل، وفى حقه صلى الله عليه وسلم، وحق غيره، معلق بمستحيل، فكما لا تنقسم الخمسة على متساويين، فكذلك الشرط فى الآيات السابقة لا يكون منه صلى الله عليه وسلم، لا وقوعا ولا جوازا.
__________
(1) الآية 65 الزمر.
(2) الآية 106 يونس.
(3) جزء من الآية 24 الشورى.
(4) جزء من الآية 67 المائدة.
(5) الآية 116 الأنعام.
(6) الآية 81 الزخرف.
(7) الآيات 44 – 46 الحاقة.
(8) الآية 94 يونس.
(9) ينظر : التفسير الكبير للرازى 12/170، والبحر المحيط لأبى حيان 4/86 .

(1/213)


خامسا : وقيل فى الجواب عن الآيات التى معنا، أن الخطاب فى الظاهر فيها للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد بها غيره، إذ هو معصوم من مخالفة الأوامر، وارتكاب النواهى الواردة فى الآيات، ومستحيل عليه فعلها، لعصمة الله عز وجل له، وإنما هذا إفهام لغيره من المسلمين، أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو رسول رب العالمين، ذو المنزلة الرفيعة، والمقام الأسمى عند الله عزوجل، إن افترض وقوع ذلك منه، فإن الله تعالى يجازيه على ما فرط، فكيف إذا فعل ذلك أحد من المؤمنين؟! فسيلقى عقابه من باب أولى، وذلك أيضا إيضاح لقدرة الله عزوجل، وأنه عدل، ولا يحابى أحدا من خلقه فليس أحد من المشركين بمأمن من عذابه تعالى حتى ولو كان نبيا، وهنا يفهم المؤمنون عامة، هذه الحقائق، فيرتدعون عن المعاصى والذنوب والآثام، خوفا منه تعالى وخشية، مادام سبحانه لا يستثنى أحدا من عذابه، إن أشرك.. حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ولكنهم لا يشركون لعصمة الله عز وجل لهم(1).
... ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يقدر على الأنبياء، وعلى خاتمهم صلى الله عليه وسلم ارتكاب الكبائر من الكفر والشرك والشك أو نحو ذلك، فقد ظن السوء بربه، أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب أهـ.
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم

المطلب الرابع : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بتعرض الشيطان له والجواب عنها
__________
(1) ينظر : نوال المنى فى إثبات عصمة أمهات وأزواج الأنبياء من الزنى للشيخ محمد نسيب الرفاعى ص114، 115 .

(1/214)


... زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الشيطان، واستدلوا على ذلك بآيات ورد فيها مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم بتعرض الشيطان له بالوسوسة، وتسببه فى سهوه، نحو قوله تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } (1) وقوله عز وجل : { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } (2) وقوله سبحانه : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } (3).
ويجاب عن ما سبق بما يلى :
أولا : التعلق بظاهر الآيات السابقة على عدم عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيطان لا حجة فيه لهم، إذ لم يسلط الشيطان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بأكثر من التعرض لهم، دون أن يكون له قدرة على إلحاق أى ضرر يضر بالدين.
__________
(1) الآية 200 الأعراف.
(2) الآية 68 الأنعام.
(3) الآية 52 الحج، وممن قال بهذه الشبهة : جعفر مرتضى العاملى فى كتابه الصحيح من سيرة النبى الأعظم 5/180، 182، وعبد الحسين شرف الدين فى كتابه أبو هريرة ص96 – 100، وأمير محمد قزوينى فى كتابه الشيعة فى عقائدهم وأحكامهم ص369، وصالح الوردانى فى كتابيه أهل السنة شعب الله المختار ص65 – 68، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص258، 267، وأحمد حسين يعقوب فى كتابه مساحة للحوار ص119، وهؤلاء الشيعة أنكرو السهو والنسيان فى حقه صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنه قادح فى النبوة، وأن الأحاديث الواردة فى ذلك أخبار آحاد روتها الناصبة يعنون (أهل السنة) فلا يصح الاعتماد عليها للاعتقاد، لأنه يكون من اتباع الظن"أهـ وفى مقابلهم استدل بالسهو فى حقه صلى الله عليه وسلم على عدم عصمته أحمد صبحى منصور فى كتابه الأنبياء فى القرآن ص34، 35، وغيره ممن سبق ذكرهم فى المطلب الثالث ص129 .

(1/215)


... وعصمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كيد إبليس وجنوده هو وسائر الأنبياء، ثابتة لهم بكتاب الله عز وجل، فهم على رأس عباد الله المخلصين الذين لا سلطان للشيطان عليهم لقوله : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } (1) وقد تقدم تفصيل عصمته صلى الله عليه وسلم من الشيطان الرجيم فى قلبه وعقيدته وخلقه منذ الصغر بنزع العلقة السوداء – حظ الشيطان - من قلبه صلى الله عليه وسلم وعلى هذا إجماع الأمة، كما قال القاضى عياض : "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس"(2).
... وهو بذلك يبين حقيقة العصمة من الشيطان، وأنها لا تتعارض مع تعرض الشيطان لخاطره صلى الله عليه وسلم بالوساوس.
... واستدل القاضى على ذلك بحديث ابن مسعود مرفوعا : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا : وإياك يا رسول الله؟ قال : وإياى، إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير"(3).
__________
(1) الآية 65 الإسراء.
(2) الشفا 2/117 .
(3) سبق تخريجه ص50 .

(1/216)


... وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بتصدى الشياطين له فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه الشريفة، وإدخال شغل عليه، إذ يئسو من إغوائه فانقلبوا خاسرين، كتعرضه له فى صلاته فأخذه النبى صلى الله عليه وسلم وأسره(1) وقد سبق ذكر نماذج من هذه الأحاديث(2) التى تتفق فى ظاهرها مع الآيات التى استدل بها خصوم السيرة العطرة على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم من الشيطان، دون أن يفهموا حقيقة ظاهر هذه الآيات، وهو : أن المراد بقوله تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } (3) أى يتعرض لك الشيطان بأدنى وسوسة – إذ النزغ أدنى الوسوسة، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، يكفى أمرك، ويكون سبب تمام عصمتك(4)، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه(5) وهو ما أكدته الأحاديث المشار إليها.
ثانيا : ما يتوهم من قدرة الشيطان على النبى صلى الله عليه وسلم حيث أسند النسيان بسبب الشيطان إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى : { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } (6).
__________
(1) سبق ذكره وتخريجه ص51 .
(2) يراجع ص50 – 52 .
(3) الآية 200 الأعراف.
(4) على ما سبق فى تعريف العصمة من بقاء الاختيار للنبى المعصوم فى أقواله، وأفعاله تحقيقا للابتلاء. يراجع ص5 وما بعدها.
(5) ينظر : الشفا 2/120، والمواهب اللدنية وشرحها للزرقانى 9/ 32، 33 .
(6) الآية 68 الأنعام.

(1/217)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية